مطالع الأنوار

مطالع الأنوار

ملخّص
شهر الكمال 154 بديع

 

آب 1997 م

 

EDITORA BAHAI’ – BRAZIL

RUA ENGEHEIRO GAMA LOBO, 267 VILA ISABEL

20.551 RIO DE JANEIRO – RJ BRAZIL

مطالع الأنوار

 

تاريخ النبيل عن وقائع الأيّام الأولى للأمر البهائي

 

هذّبه وترجمه من اللغة الفارسية إلى اللغة الانكليزية

شوقي افندي رباني

 

1932

 

ترجمه إلى اللغة العربية

 

عبد الجليل سعد

 

1940

 

التلخيص من إعداد

 

نگار نور الدين زين

 

1997
صفحة خالية

تمهيد

صدر كتاب “مطالع الأنوار – تاريخ النبيل عن وقائع الأيام الأولى للأمر البهائي”

“The Dawn Breakers – Nabil’s Narrative of the Early Days of the Baha’i Revelation”

باللغة الانگليزية سنة 1932. وقد ترجمه وهذّبه من اللغة الفارسية شوقي أفندي رباني وهو يتضمّن الجزء الأول من التاريخ الذي كتبه محمد زرندي الملقّب بالنبيل الاعظم. وقد أعيد طبعه باللّغة الانگليزية أكثر من مرّة وتُرجم إلى عدّة لغات، ومنها اللّغة العربية بمجهود السيد عبد الجليل سعد وذلك سنة 1940. إلاّ أنّ الطبعة العربية نفذت ولم يعاد طبعه إلى حينه.

إن الأهمية القصوى لهذا الكتاب تتّضح من بيان شوقي أفندي حيث تفضّل في حزيران 1932:

“أشعر من واجبي أن أدعو جميع المؤمنين … أن يعتبروا من الآن فصاعدًا تاريخ النبيل (كتاب مطالع الأنوار) المتضمّن وقائع مثيرة وملهمة ، كوثيقة أساسية لإعادة بناء برنامج تعليمي وكمرجع دراسي لا يضاهى في مدارسهم الصيفية وكرفيق لا

تقدّر قيمته في أوقات الفراغ وكممهّد لا بُدّ منه للذين يعدّون أنفسهم لزيارة موطن حضرة بهاء الله وكأداة لا تُخطىء في تبديد الكآبة والأوهام التي تعصف بالبشرية .”

(مترجم)

لذلك فإنّ الهدف الذي حفزني لإعداد هذا التلخيص للترجمة العربية لتاريخ نبيل الزرندي المعروف بمطالع الأنوار هو تسهيل دراسة هذا الكتاب الهامّ لأولئك الذين يودّون الاطلاع على الأحداث التي جرت في تاريخ الدين البابي وبداية الدين البهائي وأخصّ بالذّكر هنا الجيل الشّاب الذي قد يشجّعه وجود ملخّص لذلك الكتاب النّفيس فيُقبل على قراءته والوقوف على أحداث البطولة التي نستطيع ان نستلهم منها الكثير في خضمّ الامتحانات التي يمرّ بها الإنسان في سنوات حياته.

وإذا سمع القارىء الكريم عن الديانة البهائية فليرجع إلى كلمات ماري ملكة رومانيا التي اعتنقت البهائية وكتبت في مقالة نُشرت في سنة 1926 وجاء فيها ما يلي:

“… إنّي أوصيكم جميعًا إذا ما طرق سمعكم اسم بهاء الله أو عبد البهاء (البهائية) ألا تنبذوا تعاليمها وراء ظهوركم بل ابحثوا كتبها واجعلوا كلماتها البهية الحاملة للسلام والفيّاضة بالمحبة والمفعمة بالعظات تنفذ إلى أعماق قلوبكم كما نفذت إلى أعماق قلبي واستقرّت في صميم فؤادي.

قد لا يكون لحياتنا المملوءة بالمشاغل والأعمال متّسع

للدين والعقيدة في هذا الزمان، وقد يكون للمرء دين يكفيه ويرضيه، ولكن التعاليم البهائية توافق من له دين ومن ليس له دين فعليكم بها ثم عليكم بها لتكونوا من السعداء.”

(مترجم)

وأودّ أن أقدّم شكري لدائرة الوثائق السّمعيّة البصريّة في المركز العالمي البهائي لإرسالها صورًا فوتوغرافية لجميع الصور المطبوعة في هذا الملخّص، وكذلك لجميع الذين لم يتوانوا عن تشجيعي لإنجاز هذا العمل المتواضع، أخصّ بالذّكر في هذا المجال الدكتور وحيد بهمردي.

وأخيرًا أتقدّم من القرّاء الكرام بالاعتذار لكل نقص سيلاحظونه في ثنايا هذا الملخّص وأن يعودوا إلى الكتاب الأصل لما فيه من تفاصيل دقيقة وقيّمة.

نگار نور الدين زين

بيروت- الأول من رضوان سنة 154ب

الموافق 21 نيسان سنة 1997م


صفحة خالية
فهرست

 

 

صفحة

مقدمة

13

أسماء حروف الحيّ

17

الفصل الأول           –      رسالة الشيخ أحمد الأحسائي

20

الفصل الثاني           –      رسالة السيد كاظم الرشتي

27

الفصل الثالث           –      إعلان دعوة الباب

33

الفصل الرابع            –      سفر الملاّ حسين إلى طهران

58

الفصل الخامس                 –      رحلة حضرة بهاء الله إلى مازندران

64

الفصل السادس                 –      سفر الملاّ حسين إلى خراسان

72

الفصل السابع           –      حج الباب إلى مكة والمدينة

74

الفصل الثامن           –      إقامة الباب في شيراز  بعد الحج

83

الفصل التاسع           –      إقامة الباب في شيراز بعد الحج

90

الفصل العاشر          –      رحلة الباب إلى إصفهان

97

الفصل الحادي عشر    –      إقامة الباب في كاشان

104

الفصل الثاني عشر     –      رحلة الباب من كاشان إلى تبريز

106

الفصل الثالث عشر     –      حبس الباب في قلعة ماه كو

116

الفصل الرابع عشر      –      سفر الملاّ حسين إلى مازندران

124

الفصل الخامس عشر   –      سفر الطاهرة من كربلاءإلى خراسان

126

الفصل السادس عشر   –      مؤتمر بدشت

132

الفصل السابع عشر     –      حبس الباب في چهريق

136

الفصل الثامن عشر     –      محاكمة الباب في تبريز

141

الفصل التاسع عشر     –      ملحمة مازندران

144

الفصل العشرون                –      ملحمة مازندران

160

الفصل الحادي والعشرون   –   شهداء طهران السبعة

186

الفصل الثاني والعشرون     –  ملحمة نيريز

174

الفصل الثالث والعشرون    –   استشهاد الباب

179

الفصل الرابع والعشرون    –    ملحمة زنجان

192

الفصل الخامس والعشرون – رحلة حضرة بهاء الله إلى كربلاء

199

الفصل السادس والعشرون – الاعتداء على حياة الشاه وآثار ذلك

199

الدين البهائي

211

دليل أعلام أسماء الأشخاص

215

دليل أعلام الأماكن والكتب

229


صفحة خالية


مقدمة

اشتهرت الديانة البهائية الآن في جميع أنحاء العالم وجاء الوقت الذي فيه يهتم القرّاء بتصفّح تاريخ النبيل الفريد الذي يشرح نشوء البابية وتطورها وبداية الديانة البهائية وهو يتضمّن ملاحم واستشهادات مناظرها مؤثّرة مروعة وحوادثها مفجعة متعدّدة. ومع أنّ هذا الكتاب لا يتوسّع في شرح مبادئ حضرة بهاء الله وتعاليمه وأحكامه وأيضًا تلك المتعلّقة بمبشرّه من قبل – الباب- إلاّ أنه يتميّز في كونه يجسّد منتهى روح التضحية والتفاني والاستقامة المتناهية لدى المؤمنين الأوائل.

وكان النبيل بنفسه مشتركًا  في بعض الأدوار التي يقصّها ورقَم بقلمه الفريد جميع حوادث الذين استشهدوا، رجالاً  ونساءً، بغير رحمة ولا شفقة وسرد أحوال الأمر وما لحقه من الإهانات التي لا مثيل لها في التاريخ.

وكانت كتابته بلغة واضحة سهلة كوصفه للباب وكوصفه لاخلاص أتباعه الذين احتملوا الظلم بشجاعة وإقدام وأحيانًا بشغف وهيام تلقاء حنق وغيظ الذين أشعلوا نيران التعصّبات في قلوب العوام المتعطّشين لسفك الدماء. وكان النبيل بنفسه يعلم أنّ التاريخ والمعلومات التي دوّنها سوف لا تقتصر في ذيوعها

على أهل وطنه وأنّها لا بدّ وأن تُذاع في القريب العاجل شرقًا وغربًا حتى تعمّ العالم.

وكان حضرة عبد البهاء، رغم المظالم التي وقعت، يقول في كتابه “الرسالة المدنيّة” ما ترجمته: “إن إيران كانت في الأزمان الخالية قلب العالم وأضاءت جميع الأمم كالسراج الوهّاج وأخذ مجدها وسعادتها يظهران في أفق الإنسانية كالفجر الصادق وانتشرت أنوار المعرفة وأضاءت أمم الشرق والغرب. وامتاز الفرس من بين ملل الأرض بأنّهم أمّة الفتوحات ويفخرون بعلمهم ومدنيّتهم وكانت أقطارهم مركزًا للعلوم والمعارف والصنائع ومعدنًا للتربية والثقافة ومنبعًا للفضائل والكمالات.”

ومن أول يوم قام فيه الباب على الدعوة تنبأ بالمصير الذي سيعطيه مواطنوه لتعاليمه وبالنصيب الذي سوف يلاقيه ولكن مع علمه بذلك المصير لم يمتنع عن إعلان دعوته بكل صراحة ولا عن إظهار أمره. وكان إعلان ظهوره مدهشًا خطيرًا فإنه أظهر نفسه بأنه هو القائم الموعود والرسول الجليل والمسيح المنتظر الذي كان العالم الإسلامي يترقّب ظهوره بفارغ الصبر. وأضاف إلى ذلك أنّه الباب الذي منه يظهر آخر، هو أعظم منه للعالم الانساني.

فبسبب التعصّب الموجود في النفوس اتّحدت القوّة التشريعيّة (الدينيّة) مع القوّة التنفيذيّة (المدنيّة) قلبًا وقالبًا

وقامت على قمع وقلع هذه الطائفة واشتعلت نار الفتنة في كل الجهات وأخذوا في معاقبتهم وتعذيبهم بنهاية القسوة واجتهدوا في قتلهم لَعلّ يطفئوا هذه النار ويخمدوا هذه النفوس المشتعلة.

ومع أنّ النار أخمدت فإنّها لم تطفئ بل كانت تشتعل في قلوب الأصحاب والمنفيّين الذين انتقلوا بها من قطر إلى آخر بينما هم يرتحلون وحتى في موطنهم في إيران  كانت قد تأسّست وتأصّلت تاصّلاً عميقًا يصعب معه إطفاؤها بالقوّة الغاشمة بل بقي وميض النار في القلوب منتظرًا هبوب أنفاسٍ من الروح ليضطرم إلى لهب نار مشتعلة لا تنطفىء.

تاريخ النبيل هو مجموعة من الحقائق التي دوّنت بالصدق والدقّة في زمان حياة حضرة بهاء الله وابتدأ محمد زرندي الملقب – بالنبيل الاعظم – في تدوين هذا التاريخ سنة 1888 ميلادية بمساعدة الميرزا موسى – المعروف بالآقا كليم (أخ حضرة بهاء الله) وتمّ انجازه في مدة سنة ونصف السنة وروجعت بعض فصوله ووافق عليها حضرة بهاء الله وفصول أخرى وافق عليها حضرة عبد البهاء.

ويشمل الكتاب تاريخ التطوّرات التي أدّت إلى إعلان دعوة الباب سنة 1260 هجرية (1844 ميلادية) إلى وفاة حضرة بهاء الله سنة 1892 ميلادية، والجزء الأول منه، وهذا تلخيصه، ينتهي بنفي حضرة بهاء الله من إيران في سنة 1269 هجرية (1853 ميلادية).

وستسمر قراءة هذا التاريخ على توالي الأزمان لما يحويه من صور الشهامة والشجاعة والإيمان الذي لا يتزعزع.


أسماء حروف الحي

 

1-     الملاّ حسين البشروئي           –  باب الباب  – أول من آمن

2-     محمد حسن                     – أخ الملاّ حسين البشروئي

3-     محمد باقر                      – ابن أخته

4-     الملاّ علي البسطامي

5-     الملاّ خدا بخش القوچاني        –  سمّي بالملاّ علي فيما بعد

6-     ملاّ حسن البجستاني

7-     السيّد حسين اليزدي

8-     الميرزا محمد روضه خان اليزدي

9-     سعيد الهندي

10-   الملاّ محمود الخوئي

11-   الملاّ جليل الأورومي

12-   الملاّ أحمد أبدالي المراغئي

13-   الملاّ باقر التبريزي

14-   الملاّ يوسف الأردبيلي

15-   الميرزا هادي بن الملاّ عبد الوهاب القزويني

16-   الميرزا محمد علي القزويني

17-   الطاهرة

18-   القدوس                         – محمد علي البارفروشي

الصورة غير متوفرة

محمد زرندي الملقّب- بالنبيل الاعظم


الفصل الأول

رسالة الشيخ أحمد الأحسائي

ولد الشيخ أحمد الأحسائي في رجب سنة 1166 هجرية (24 أبريل – 24 مايو سنة 1753 ميلادية) في بلدة الأحساء في الشمال الشرقي من بلاد العرب. كانت حينئذ شمس الحقيقة مختفية من أثر الجهل والتعصّب والفساد فطلب الشيخ أحمد بحماس من جميع أتباعه وأصحابه أن ينتبهوا من نوم غفلتهم ويهيئوا الطريق للذي سوف يظهر بينهم عند تمام الأيام. وقد أضاءت في روحه شعلة الاعتقاد بأنه لا يمكن لأي اصلاح إلاّ بأمر جديد كما تشهد بذلك جميع الكتب السماوية. وكان الشيخ أحمد يعلم بأنّ الله اختاره ليعدّ قلوب الناس لقبول الحق الذي سوف يظهر عن قريب .

كان الشيخ أحمد منقطعًا عن كل ما سوى الله، وخصص ما بقي من حياته للمهمة التي رأى نفسه مضطرًّا للقيام بها وسافر وله من العمر 40 سنة إلى النجف وكربلاء وهناك اطّلع على افكار العلماء وآرائهم ومشاربهم واشتهر بأنّه من أقدر المفسرين للكتاب وأصبح من المجتهدين واعترف جميع اقرانه الذين أقاموا في تلك الجّهات أو أتوا إليها للزيارة بمقدرته الفائقة على حلّ المعضلات الدينية والاطّلاع على الأسرار الإلهيَّة. فوجد

الصورة غير متوفرة

صورة الشيخ أحمد الأحسائي

نفسه محاطًا بعدد غفير من التلاميذ والباحثين الذين كانوا يسألونه عن أمور كثيرة تتعلق بدقائق الدين وكان قادرًا على حلّها .

من النجف قصد مشهد ومن هناك وصل إلى شيراز البلدة التي ستر فيها الكنز الإلهيّ. ولمّا تمّ ما أراد من بذر البذور الإلهيَّة في قلوب الذين أوجد فيهم الاستعداد لقبول ندائه رحل إلى يزد ومكث فيها مدّةً من الزمن وأخذ ينشر الحقائق. وفي تلك البلدة كتب معظم كتبه ورسائله وكان صيته وشهرته قد وصلا إلى درجة أن سلطان إيران فَتْح علي شاه أرسل له خطابًا بخط يده من طهران طلب منه فيه شرح بعض التعاليم الدينية التي لم يقدر العلماء على بيانها فأجابه برسالة تسمى”بالرسالة السلطانية”.

وفي تلك الايام التي كان الشيخ الأحسائي يستعد فيها للرحيل من يزد جاء لزيارته السيد كاظم الرشتي من بلدته جيلان. ولم يمكث معه سوى بضع أسابيع حتى واجهه الشيخ أحمد بهذه الكلمات: “الزم بيتك ولا تحضر مجلسي، والذين يريدون من تلاميذي وأصحابي أن يتحروا مسألة تحيروا فيها يذهبون اليك ويتعلمونها منك، فإنّك بفضل الله وموهبته التي منحها لك ستحل لهم المشكلات مما يطمئن قلوبهم وستحيي بقوة بيانك دين جدّك محمد الذي أهمله الناس.”

وبعد أن سلّم الشيخ أحمد تلاميذه لحراسة السيد كاظم

ارتحل إلى خراسان حيث نشر تعاليمه وواصل أعماله بحماس زائد. فكان يحلّ المعضلات الأمور على عقول الباحثين ويهيّىء الطريق لمجيء المظهر الإلهيّ. وفي تلك المدينة (مشهد) ازداد شعوره بقرب مجيء اليوم الذي يولد فيه الموعود، وبأن الساعة الموعودة كانت تقترب بسرعة. ومن ناحية بلدة نور في إقليم مازندران كان يشاهد علائم تشعشع أنوار الجمال ممّا جعله ينادي بقرب انبثاق فجر ظهور الموعود كما أشارت إليه النبوات في الأحاديث.

فولى الشيخ أحمد وجهه شطر إقليم نور وسافر فعلاً إلى طهران ومعه السيد كاظم وبعض التلاميذ. ولمّا علم شاه إيران بقرب مجيء الشيخ أحمد إلى العاصمة أمر جميع الأعيان والموظفين في طهران بالخروج لاستقباله وأن يرحبوا به غاية الترحيب. وزاره الشاه بنفسه ووصفه بأنه فخر أمّته وزينة رعيّته.

ومن طهران ذهب الشيخ أحمد إلى كرمانشاه، وهناك انتخب جماعة من أخلص مريديه ووجّه اهتمامه إليهم وأمرهم أن يكونوا على أهبة الاستعداد لنصرة الأمر الجديد الموعود. وفي سلسلة كتبه ورسائله التي حرّرها، وخاصة في كتابه المعروف “بشرح الزيارة”، عدّد مناقب الأئمّة بلغة عالية ممتازة وجعل جلّ اهتمامه الإشارة الواردة في أقوالهم بالنسبة لظهور الموعود.

وبينما كان الشيخ أحمد في كرمانشاه كان عدد كبير من الطلاب والتلاميذ يحضرون إلى منزله ودروسه فلم يكن يعير

اهتمامًا خاصًا لأحد من أتباعه سوى السيد كاظم وتبيّن أنه أفرده من بين الجماهير الذين التفّوا حوله وأعدّه بكل قوته لإتمام عمله بعد وفاته.

وسافر الشيخ أحمد إلى كربلاء حيث كان السيد كاظم موجودًا هناك أيضًا. وقبل مبارحته تلك المدينة أوصى بالسيد كاظم خليفة له وزوّده بسرّ رسالته وطلب إليه أن يبذل الجهد في إشعال قلب كل باحث بما يجعل باطنه متوقدًا، وكانت كلماته الوداعية له هي كما يلي: “لا تضيّع الوقت بل اغتنم كل ساعة تمرّ، واشدد أزر الهمَّة واجتهد ليل نهار في أن تزيل بعون الله ومحبته وقدرته، تلك الحجب والغشاوة التي أعمت الناس. فالحق أقول لك أنّ الساعة قريبة، تلك التي طلبت من الله أن ينجيني من مشاهدتها لأن زلزلة الساعة شيء عظيم فأسأل الله أن ينجيك من محنة ذلك اليوم وَهَوله لأننا كلانا لا نقدر أن نتحمل قوّتها الجارفة، وسيحمل ثقلها غيرنا ممن هم أشدّ بأسًا وقوّة، رجال قلوبهم مقدسة عن أهواء هذا العالم وقوّتهم مستمدة من قوّة الله القدير.”

وفي كربلاء اجتهد السيد كاظم في نشر تعاليم الشيخ أحمد وإكمالها ودافع عن أمره وأجاب عن كل سؤال مما حيّر عقول أتباعه.

وتوفي الشيخ أحمد وكان عمره 81 عامًا ودفن جسده في مقبرة “البقيع” في المدينة المنوّرة وراء حائط مرقد الرسول.

الصورة غير متوفرة

صورة  مرسومة للميرزا بزرگ – والد حضرة بهاء الله

وفي تلك الايام في ساعة الفجر في اليوم الثاني من محرم سنة 1233 هجرية (12 نوفمبر سنة 1817 ميلادية) ولد في طهران مولود من عائلة النُّوريّ الشريفة وكان والده الميرزا ([1]) عباس المعروف بالميرزا بزرگ وزيرًا مشهورًا في إيران ، وكان المولود هو حضرة بهاء الله واسمه الميرزا حسين علي، ولد مَنْ قدّر له أنْ يهب العالم نعمًا لا تحصى. وكان الشيخ أحمد مطّلعًا على ذلك وأراد أن يمضي بقية أيامه في موطن هذا المولود الإلهيّ ولكنه اضطر أن يستسلم لأمر الله ويغادر مدينة محبوبه إلى كرمانشاه.

وفي شيراز في الأول من محرّم سنة 1235 هجرية (20 أكتوبر سنة 1819 ميلادية) ولد الباب المدعو علي محمد في بيت مشهور بالشرف من العترة النبوية وكان والده السيد محمد رضا من ذرّيّة الرسول، وطابق تاريخ ولادته الحديث المرويّ عن الإمام علي أمير المؤمنين حيث يقول: “أنا أصغر من ربي بسنتين.” وبقي سرّ هذا الحديث مستورًا إلاّ للذين بحثوا وعرفوا حقيقة هذه الرسالة الجديدة. وقال الباب في أول كتبه وأعظمها عن حضرة بهاء الله: “يا بقيّة الله قد فديت بكلي لك ورضيت السبّ في سبيلك وما تمنيت إلاّ القتل في محبتك وكفى بالله العليّ مُعْتَصَمًا قديمًا .”

الفصل الثاني

رسالة السيد كاظم الرشتي

أحزنت أخبار وفاة الشيخ أحمد قلب السيد كاظم وامتلأ منها أسى، ولكنه قام لإتمام عمله الذي أوصاه به على الرغم من معارضة الأعداء ووجد نفسه فريسة لعداوة الكثير من الناس، فقرّر الحصول على مساعدة أحد أعاظم رجال الدين في إيران وكان من الزّعماء البارزين وهو الحاج السيد محمد باقر الرشتي الذي كان مقيمًا في إصفهان والذي كانت تمتد سلطته خارج حدود تلك المدينة. فالتفت السيد كاظم إلى أحد تلاميذه وهو الملاّ حسين البشروئي المدعو باب الباب (وكان أول من آمن بالباب ولذلك لقّبه بهذا اللقب) وخاطبه قائلاً: “قم أنت وأتمم هذه المأمورية لأني أعتبرك كُفْءً لها وسوف يساعدك الله القدير عليها ويكلّل أعمالك بالنجاح.” فوثب الملاّ حسين بكل فرح وقبّل طرف رداء سيده وابتسم له بالطاعة وقام توًّا لرحلته. وبانقطاع تامّ وعزم شريف اضطلع باعباء هذه المأمورية وعندما وصل إلى إصفهان طلب في الحال الحضور أمام السيد محمد باقر الرشتي. وبدون خوف وبكل شجاعة وإقدام وثقة وجرأة وقوّة خاطب السيد محمد باقر ممّا أوجب الدهشة عند السيد واستمر الملاّ حسين في اظهار الحق والدفاع عن الأمر، فاقتنع

السيد محمد باقر وأصدر فتوى يثبت فيها علوّ مقام الشيخ أحمد الأحسائي والسيد كاظم الرشتي، وأن كل من يخالفهما يخالف في الوقت نفسه دين الرسول بذاته.

ولما أتمّ الملاّ حسين مهمته أرسل الفتوى إلى مولاه السيد كاظم الرشتي. وما كاد الخطاب يصل إلى السيد كاظم حتى ابتهج وأرسل إليه الجواب مقدّرًا كفاءته على أداء المأمورية وقيامه بها خير قيام. وقد توفي السيد محمد باقر الرشتي قبل دعوة الباب ولكنه بقي إلى آخر لحظة من حياته من أشدِّ أنصار السيد كاظم وأكبر المعجبين به.

وكان السيد كاظم على تمام العلم باقتراب الساعة التي يظهر فيها الموعود وبالحجبات التي تمنع الباحثين من إدراك جمال الظهور المستور ومعرفته. وقد بذل جهده تدريجيًّا وبحكمة لإزالة تلك الحجب والعقبات التي تقف في سبيل كنز الله المستور، وكان يقول لتلاميذه عن علائم الظهور بأنه من نسل شريف من سلالة رسول الله وهو حديث السِّن وعلمه لدنيّ وليس مستفادًا من تعاليم الشيخ أحمد الأحسائي. وأنه معتدل القامة ولا يشرب الدخان وعلى غاية من الاستقامة والصلاح والتقوى .

وحكى الشيخ حسن الزنوزي للنبيل قائلاّ: “كنت أصرف الوقت دائمًا في خدمة السيد كاظم الذي كنت دائم التعلق به، وذات يوم في الفجر أيقظني الملاّ نوروز أحد أتباع السيد كاظم وأمرني بِوَلَه أن أقوم وأتبعه، فقمت وذهبنا سويّة إلى منزل السيد

كاظم حيث وجدناه مستعدًا للذهاب معنا قائلاً: “قد حضر شخص جليل القدر وواجب علينا نحن الاثنين زيارته” وكان الفجر قد انبثق ونحن نسير في شوارع كربلاء ووصلنا إلى منزل كان شاب واقفًا على بابه كأنَّه ينتظر مقابلتنا وهو يلبس عمامة خضراء ويظهر على محيّاه الخشوع واللّطف الذي لا أقدر أن أصفه.  وتقدَّم نحونا ببطء وعانق السيد كاظم بكل محبة وكان شغفه ولطفه في معانقة السيد لا يقلّ عن احترام السيد العميق له. وقد قابل أشواق الشاب المتكررة واحترامه بالتزام السكوت وإحناء الرأس. وسرعان ما أخذنا إلى غرفة عُليا مزيّنة بالزهور ومعطّرة بأروَح الطيب وأمرنا بالجلوس وكان السرور قد شملنا بدرجة أننا لم نكن نشعر بالمقاعد التي جلسنا عليها. وشاهدنا كوبًا من فضّة موضوعًا في وسط الحجرة وسرعان ما ملأه مضيفنا وناوله للسيد كاظم قائلاً: ’وسقاهم ربّهم شرابًا طهورًا‘ (القرآن21:76). فأمسك السيد الكأس من يده وانتهله وامتلأ هيكله بسرور فائق عن الحدّ وأنا أيضًا أعطاني كوبًا من ذلك المشروب ولم يخاطبني بأية كلمة. وكُلّ ما دار من الحديث كان عن الآية القرآنية السابقة ثم بعد هنيهة قام مضيفنا وودعنا حتى عتبة باب المنزل. وأنا كدت أذوب من التعجب ولم أقدر أن أعبّر عن شدّة إكرامه وترحيبه وجلال هيكله وجمال ذلك الوجه. وكم كانت دهشتي عظيمة إذ رأيت أُستاذي قد نَهَل ذلك المشروب بدون أدنى تردّد من الكأس الفضي مع أن استعمال

هذا المعدن مُحرّم حسب أحكام الاسلام. ولم يمكنني أن أُعلّل سبب شدّة احترام السيد وإجلاله لذلك الشاب. وبعد ثلاثة أيام رأيت ذلك الشاب جالسًا وسط حلقة تلاميذ السيد كاظم قريبًا من العتبة وكان يستمع للدرس بأدب ووقار وبمجرّد أن وقعت عين السيد كاظم على ذلك الشاب سكت عن التّدريس فترجاه أحد تلاميذه أن يستمر فأجاب قائلاً: ’ماذا أقول لكم زيادة عن ذلك،‘ ولفت وجهه نحو شخص الباب ثم قال: ’إنّ الحقّ أظهر من شعاع الشمس الواقع على حضن هذا الشاب.‘ وفي الحين لاحظت أنّ أشعّة الشمس كانت واقعة في حُجْر هذا الشاب الذي زرناه أخيرًا وقد سمعت من أستاذي مرارًا بأن ضلال هذا الجيل هو بدرجة أنّه لو أشار بإصبعه إلى الموعود وقال: ’هذا هو محبوب قلبي وقلبكم،‘ لأنكروه وما قبلوه. وقد رأيت ذلك السيّد يشير بإصبعه إلى حُجْر ذلك الشاب ومع ذلك لم يفقه أحد المعنى المقصود من الاشارة. وأما أنا فكنت مقتنعًا بأن السيد لا يمكن أن يكون هو الموعود وكنت كثيرًا ما أشعر باشتياق لمقابلة هذا الشاب الغريب الجذّاب، وعلمت أنه قاطن في شيراز وأنه يشتغل بالتجارة وكانت روحي متعلّقة به حتى سمعت بأن شابًّا في شيراز ادّعى أنّه الباب، فخطر في بالي أنّه لا بُدّ وأن يكون ذلك الشاب هو محبوب قلبي الذي رأيته في كربلاء.

“فسافرت إلى شيراز وكنت ملازمًا للباب باستمرار إلى أن رجعت إلى كربلاء كما أمرني قائِلاً: ’عليك أن تذهب إلى

كربلاء وتمكث فيها حتى ترى بعينك جمال وجه الحسين الموعود كما هو مقدّر لك، وعندما تنظر إلى وجهه المُضيء تَذَكّرني وقدّم إليه محبتي وخضوعي.‘ ففي كربلاء وقعت عيني لأول مرة على حضرة بهاء الله فما أذكر عن ذلك الوجه الذي رأيته أن جمال ذلك الوجه وكمال هيئته ولطف محيّاه الذي لا يقدر القلم على وصفه وكذلك لمحاته النافذة ونضارة وجهه واعتدال قوامه وحلاوة ابتسامه وغزارة ضفائر شعره السوداء المتدلية على كتفيه قد أثّرت في نفسي تأثيرًا عميقًا فقال لي: ’أحمد الله لأنك بقيت في كربلاء حتى رأيت بعينيك وجه الحسين الموعود.‘ فتذكرت إذ ذاك كلام الباب فحركت هذه الكلمات لُبّي إلى أعمق درجة وشعرت بأني مجبور في ذلك الوقت على أن أعلن بكل روحي وبما أوتيت من قوّة نبأ ظهور الحسين الموعود. ولكنه همس في أذني قائلاً: ’صبرًا فإنَّ الساعة آتية قريبًا ولكنها لم تدق بعد فأطمئن واصبر.‘  ومنذ ذلك الوقت زالت جميع أحزاني وطفح السرور في قلبي وكنت إذ ذاك فقيرًا جدًّا إلاّ أنّ جميع كنوز الأرض تلاشت من أمام عيني عندما قارنتها بما أمتلك وهذا من فضل الله يعطيه لمن يشاء.”

وإذ قاربت أيام السيد كاظم على الانتهاء كان يعظ مريديه إما سرًّا وإما علانية بقوله: “يا أحبائي حذار حذار أن تخدعكم الدنيا بغرورها واحذروا أن تنسوا الله وتزدادوا غرورًا على غروركم عليكم برفض اللذّات الدنيوية والممتلكات الأرضيّة والأهل في

طلب مرغوب قلوبكم وقلبي. وتفرقوا في كل جهة وتخلّوا عن متعلّقات الدنيا وادعوا ربكم تضرّعًا أن يهديكم ولا تَهنوا في عزمكم حتى تجدوا من اختفى خلف حجاب العظمة وواظبوا على ذلك حتى أنّ مولاكم وهاديكم الحقيقي يساعدكم بفضله ويمنّ عليكم بمعرفته فكونوا ثابتين إلى أن يختاركم أصحابًا له وتكونوا ناصري أمر الموعود. هنيئًا لمن يشرب منكم كأس الشهادة في سبيله.”

وفي سنّ الستين من عمره ودّع السيد كاظم هذا العالم وترك وراءه جماعة من الأصحاب المخلصين زهدوا في الدنيا وما فيها، وانتشروا في البلاد يبحثون عن الموعود.

الفصل الثالث

إعلان دعوة الباب

أما دعوة الملاّ حسين البشروئي إلى كربلاء في أول محرّم سنة 1260 هجريّة (22 يناير سنة 1844 ميلاديّة) فقد انعشت قلوب المحزونين من تلاميذ السيد كاظم الرشتي وجددت آمالهم في المثابرة والدأب على البحث عن محبوبهم. وكان السيد كاظم يأمرهم مرارًا وتكرارًا أن يهجروا منازلهم ويتفرقوا في البلاد ويطهروا قلوبهم من كل غرض دنيوي ويخصصوا أنفسهم للبحث عن الموعود الذي كان يشير إلى قرب ظهوره.

وبعد أن حثّ الملاّ حسين أقرانه على السفر سافر هو إلى النجف ومعه أخوه محمد حسن وابن أخته محمد باقر حيث جاء أيضًا الملاّ علي البسطامي الذي كان من أشهر تلاميذ السيد كاظم. ووصل الملاّ حسين إلى مسجد الكوفة حيث قام على العبادة والخلوة لمدة أربعين يومًا. وبعد ذلك واصل سيره إلى بوشهر على الخليج الفارسي وهناك ابتدأ يسأل عن محبوب قلبه وفيها استنشق طيب الأنفاس التي عبقت ممّن كان يقطن تلك المدينة مشتغلاً فيها كتاجر بسيط وشاهد روائح القدس التي ملأت أرجاء تلك المدينة.

ولكن لم يقدر على المكث في بوشهر وأحسّ أن شيئًا يجذبه

إلى الشمال نحو شيراز حتى إذا وصل إليها طلب من رفيقيه أن يذهبا إلى مسجد الإيلخاني وينتظراه هناك إلى أن يلحقهما وأخبرهما أنّه سوف يصلي معهما صلاة المغرب إنْ شاءَ الله.

وفي ذلك اليوم بينما كان الملاّ يتمشى قبل الغروب ببضع ساعات خارج سور المدينة إذ أبصر فجأة شابًا وضّاح الجبين لابسًا عمامة خضراء قد أقبل إليه وحيّاه بابتسامة مرحّبًا بوصوله بالسلامة وعانق الملاّ حسين بمحبة واخلاص كأنه صديق قديم. وقال الملاّ حسين عن تلك المقابلة التاريخية: “إن الشاب الذي قابلني خارج أبواب شيراز أدهشني باشارات محبته وألحّ في دعوتي لزيارته لأستريح قليلاً من وعثاء السفر وسألته أن يعفيني من ذلك لأن رفيقيّ قد عملا ترتيبًا لنزولي في هذه المدينة وهما بانتظار رجوعي فقال: ’اتركهما لحراسة الله فهو لا شك حافظهما‘. ولمّا تفوّه بذلك أمرني باتباعه وكنت قد تأثرت جدًّا من اللطف الذي واجهني به أثناء محادثته ولمّا تبعته ازداد تعجبي من هذه المفاجأة ومن حُسن ذوقه وحلاوة صوته وكمال هيئته ولم تمض برهة وجيزة حتى وجدت نفسي عند باب منزل ظريف، طرق بابه ففتح له خادم حبشي ولما دخل على العتبة أمرني باتباعه قائلاً: “ادخلوها بسلام آمنين” (القرآن15:46). وكانت تحيته بقوّةٍ وجلالٍ نفذا إلى أعماق قلبي واستبشرت خيرًا من الفال الحسن الصادر من هذه الكلمات التي خاطبني بها وأنا واقف على عتبة أول منزل دخلته في شيراز، تلك المدينة التي

الصورة غير متوفرة

الغرفة العليا في منزل الباب في شيراز وهي التي أعلن فيها دعوته

الصورة غير متوفرة

الغرفة العليا في منزل الباب في شيراز وهي التي أعلن فيها دعوته

الصورة غير متوفرة

الغرفة العليا في منزل الباب في شيراز وهي التي أعلن فيها دعوته

سبق أن طفح السرورعلى قلبي من تأثير جوّها سرورًا لا مزيد عليه وقلت في نفسي لَعلّي أصل إلى بغيتي أو تقربني هذه الزيارة إلى من أبحث عنه وتقصّر علي مدّة انتظاري الطويلة وبحثي الشاق وإذ دخلت المنزل وتبعت مضيفي إلى غرفته شعرت بسرور لا مزيد عليه وبمجرد أن جلسنا أمر بالطشت والإبريق وأمرني أن أغسل يداي وقدماي من وعثاء السفر فاستأذنت منه لأغسل في الغرفة المجاورة ولكنه رفض وشرع يصبّ الماء بنفسه على يديّ. ثم ناولني مشروبًا لطيفًا وطلب السماور وجهّز الشاي بنفسه وناولني منه. وبعد أن غمرني بلطفه طلبت منه الانصراف وقلت بأن صلاة المغرب قد اقتربت ووعدت أصحابي أن ألتحق بهم في مسجد الإيلخاني فبكل احترام وهدوء أجابني: ’لا بُدّ وأنك تكون قد علّقت عودتك على مشيئة الله ويظهر أنه ما أراد ذلك فلا تخف من خلف الوعد.‘ وكان بهاؤه واطمئنانه قد أسكتاني وقمت فأعدت وضوئي وابتدأت في الصلاة وأخذ هو أيضًا يصلي بجانبي وأثناء الصلاة ارتاحت نفسي من تحيّرها من غرابة هذه المقابلة ومن البحث الذي تعلّقت به.

“وكانت تلك الليلة العشيّة السّابقة على 5 جمادى الأول سنة 1260 هجرية (الموافق مساء 22 مايو سنة 1844 ميلادية ويقع يوم 23 مايو في يوم الخميس). وكان مضيفي الشاب ابتدأ يحادثني بعد الغروب بنصف ساعة وسألني قائلاً: ’من ذا الذي

تعتبره خلفًا للسيد كاظم رئيسًا لكم وهل أعطاكم معلمكم أوصافًا مفصّلةً وامتيازاتٍ في موعودكم؟‘ فقلت: ’نعم فإنّه من السلالة الطاهرة والعترة النبوية ومن ذريّة فاطمة وأما سنّه فأكثر من العشرين وأقل من الثلاثين وعنده علم لدُنّي وهو متوسط القامة ويمتنع عن شرب الدخان وخال من العيوب والعاهات الجسمانية.‘ فسكت هنيهة ثم قال بصوت جهوري: ’انظر هل ترى هذه العلامات في شخصي؟‘ ثم عدّد العلامات وأظهر أنها جميعها تنطبق عليه فحصلت عندي دهشة كبيرة وقلت له في أدب: ’إن الذي ننتظره هو شخص قدسي ليس فوق قداسته ويُظهر من الأمر ما له قوّة فائقة وشرائطه وعلائمه عديدة فكم أشار السيد كاظم إلى سعة علمه وكم كان يقول إن علومي بالنسبة لعلمه كقطرة من بحر مما وهبه الله وإنّ جميع ما حصلته لم يكن إلاّ كذرّة من التراب في مقابلة اتساع معارفه والفرق بينهما شاسع.‘ وما كدت أتفوه بهذه الكلمات حتى شعرت بالخوف والخجل بدرجة لم أتمكن من إخفائها ووبخت ضميري وعزمت على تغيير أسلوبي وتخفيف حدّتي وعاهدت الله بأنه لو عاد للموضوع فإني أقول له بكل خضوع: إذا أردت أن تؤسس دعوتك فإنك تخلصني ولا شك من عِبْءِ الانتظار والتشوّق الذي أثقل كاهلي وأكون مدينًا لك لهذا الخلاص. وكنت في ابتداء طلبي وبحثي قد جعلت أمام عيني علامتين أعرف بهما صحة دعوى الموعود وهما أولاً رسالة ألّفتها تختص بالأمور

والأحوال الغامضة والأقوال المتشابهة والتعاليم الباطنية الصادرة من الشيخ أحمد والسيد كاظم وصمّمت على أن الذي يحلّ هذه المسائل أسلّمه زمام أمري وثانيًا أطلب منه أن يُملي عليّ تفسيرًا على سورة يوسف بلغة وطريقة مغايرة للأصول المعروفة في زماننا ذلك لأني سبق أن طلبت من السيد تفسيرًا على هذه السورة فامتنع قائلاً: ’إن هذا ليس في مقدوري فإن الذي يأتي بعدي وهو أعظم مني سيكتب تفسيرًا لها بدون أن يطلبه أحد وهذا التفسير هو أكبر الأدلّة على رفعة شأنه وعلو مقامه وأكبر شاهد على صدق دعوته.‘

“وبينما كنت مشتغلاً بحل هذه الأمور في عقلي قال لي مضيفي مرة أخرى: ’أمعن النظر هلاّ يمكن أن يكون الشخص الذي يعنيه السيد كاظم إنما هو أنا؟‘ فاضطررت إذ ذاك أن أقدم له نسخة من الرسالة التي كانت معي وسألته هل لك أن تقرأ هذا الكتاب وتتصفحه بعين الرضا وتصفح عما تجده فيه من ضعفي وتقصيري، فأجابني إلى طلبي وفتح الكتاب ونظر في بعض صفحاته ثم أغلقه وابتدأ يخاطبني وفي ظرف بضعة دقائق كشف لي عن جميع الأسرار التي فيه وحلّ جميع معضلاته ولما أتمّ ما أردته في برهة قصيرة فسّر لي أيضًا كثيرًا من الحقائق التي لم توجد في كتابات الشيخ أحمد ولا السيد كاظم وهذه الحقائق التي لم أسمعها من قبل كانت تتلى بطلاوة مبهجة وقوّة فائقة ثم قال لي: ’لو لم تكن ضيفي لكان موقفك خطيرًا ولكن الرحمة

الصورة غير متوفرة

غرفة نوم الباب في منزله في شيراز

الإلهيّة شملتك فإن لله أن يمتحن عباده وليس للعباد أن يمتحنوه بما عندهم من الموازين فهل تعتبر الحقيقة المشرقة في باطني عاجزة أو تتهم علمي بالنقص حاشا الله بل ينبغي في هذا اليوم لملل الأرض في الشرق والغرب أن يسرعوا إلى هذه العتبة وعندها ينشدون فضل الرحمن وكل من يتردّد في ذلك فهو في خسران مبين. أفلا يشهد أهل الأرض أن الغرض الأصلي من خلقهم إنما هو معرفة الله وعبادته. إذًا ينبغي لهم أن يقوموا بأنفسهم ويبذلوا الجهد كما قمت أنت ويطلبوا، بالاستقامة والثبات، محبوبهم الموعود.‘ ثم شرع يقول: ’والآن وقت انزال التفسير على سورة يوسف‘- وأخذ قلمه وبسرعة لا تكاد تصدّق نزلت سورة المُلك وهو أول باب من تفسيره على سورة يوسف (المعروف بقيوم الاسماء). وكانت قوّة تأثير كلماته قد زادتها حلاوة الصوت الذي كان يتلوها به ولم يتوقف لحظة أثناء تلاوة الآيات التي نزلت من قلمه حتى تمّت السورة. وكنت جالسًا استمع مأسورًا من سحر صوته وقوّة بيانه وأخيرًا قمت وأنا أقدم رجلاً وأؤخر أخرى واستأذنت منه في الانصراف فأمرني بابتسامة بالجلوس قائلاً: ’إذا انصرفت على هذه الحال فإن كل من يراك يقول أن هذا الغلام قد فقد رشده.‘ وكانت الساعة إذ ذاك الثانية وإحدى عشر دقيقة بعد الغروب من ليلة 5 جمادى الأول سنة 1260 هجرية (23 مايو سنة 1844 ميلادية). ثم قال لي: ’إن هذه الليلة وهذه الساعة سيحتفل بها

الصورة غير متوفرة

غرفة استقباله في منزله في شيراز

في الأيّام الآتية كأعظم الأعياد وأهمها فاشكر الله الذي أوصلك إلى مرغوب قلبك وأشربك من رحيق كلامه المختوم، طوبى للذين هم إليه واصلون.‘

“ثم التفت اليّ وخاطبني بقوله: ’يا من هو أول من آمن بي حقًا إنني أنا باب الله وأنت باب الباب ولا بُدَّ أن يؤمن بي ثماني عشرة نفسًا من تلقاء أنفسهم ويعترفون برسالتي وسينشدني كل واحد منهم على انفراد بدون أن يدعوهم أحد أو ينبّههم إليها وعندما يتمّ عددهم يجب انتخاب أحدهم لمرافقتي إلى الحج إلى مكة والمدينة وهناك أبلّغ الرسالة الإلهيّة إلى شريف مكة ثم أرجع إلى الكوفة وفي مسجد تلك المدينة أُظهر الأمر وعليك الآن أن تكتم عن أصحابك وعن كل شخص آخر هذا الأمر وواصل الانقطاع في مسجد الإيلخاني وواظب على الدرس فيه واحذر أن تُظهر مكنون هذا السِّر من سلوكك أو هيئتك إلى وقت مفارقتي للحجاز وسأعيّن لكل من الثماني عشرة نفسًا رسالته ومهمته وسأعرفهم كيفية تبليغ كلمة الله وإحياء النفوس.‘ ولمّا أتمّ هذه الكلمات أمرني بالانصراف. وأما أنا فأحسست بوجود قوّة وشجاعة لا يقدر العالم بأجمعه على مقاومتها بل لو اجتمع أهل الأرض وما عندهم من قوّة لرأيت في نفسي من الجسارة ما أقاوم به هجومهم وحدي فكأن الوجود أمامي كقبضة من تراب في يديّ.

“وفي هذه الاثناء كان الباب يدعوني لزيارته ويرسل لي ذلك

الصورة غير متوفرة

غرفة والدة الباب في منزل الباب في شيراز

الخادم الحبشي برسالة المحبة والترحيب وكلما زرته كنت أصرف الليل بتمامه عنده وأبقى مستيقظًا إلى مطلع الفجر لدى أقدامه مبهوتًا من حلاوة حديثه متناسيًا الدنيا وما فيها. وقال لي مضيفي ذات ليلة: ’سوف يأتي باكرًا ثلاثة عشر شخصًا من أصحابك وعليك أن تظهر لكل منهم محبتك الزائدة ولا تتركهم وشأنهم لأنهم خصصوا حياتهم لطلب المحبوب وادع الله أن يمكّنهم بمَنِّه وكَرَمه على أن يسيروا باطمئنان في هذا الصراط.‘

“وفي صبيحة ذلك اليوم في وقت الفجر بعد عودتي من منزل الباب جاء الملاّ علي البسطامي إلى مسجد الإيلخاني ومعه باقي أصحابه الذين أخبرني عنهم الباب. وفي الحال قمت لهم بواجب الضيافة وبعد مرور بضعة أيام كلّمني الملاّ علي نيابة عن باقي أصحابه قائلاً: ’إنك لتعلم عَظيم ثقتنا فيك…وطبقًا لأمرك قد تركنا أوطاننا للبحث عن موعودنا المحبوب والآن نرى في ملامح وجهك أن الترقب قد انتهى وان الاضطراب قد زال ولذلك نرجوك أن تخبرنا عن سبب ذلك حتى نتخلص نحن أيضًا من عِبء الانتظار والشك.‘ فأجبته: ’… لا تطمح في أن تنال مني هذا المرغوب وثق به فسوف يسدّد خطواتك ويهدئ روع قلبك.‘ “

فأسرع الملاّ علي إلى أصحابه وأخبرهم بما دار بينه وبين الملاّ حسين من الحديث وأشعل في قلوبهم الرغبة في البحث وتفرقوا للخلوة طالبين بالصوم والتضرّع كشف الحجاب الذي

الصورة غير متوفرة

السلّم المؤدي إلى غرفة إعلان الدعوة

حال بينهم وبين معرفة محبوبهم. وفي ثالث ليالي الخلوة بينما كان الملاّ علي البسطامي مستغرقًا في الصلاة رأى رؤيا فظهر أمام عينيه نور تحرّك أمامه فتبعه وهو مأخوذ من بهجته إلى أن أدى به ذلك إلى محبوبه الموعود فانتبه في تلك الساعة في نصف الليل وهو مغتبط فرحًا وفتح باب مخدعه وأسرع إلى الملاّ حسين وارتمى في أحضانه وعانقه الملاّ حسين بغاية المحبة قائلاً: “الحمد لله الذي هدانا وما كُنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.” وفي فجر ذلك اليوم ذهب الملاّ حسين يتبعه الملاّ علي إلى منزل الباب فرأيا ذلك الخادم الحبشي واقفًا على الباب فعرفهما وحيّاهما قائلاً: “قبل الفجر أمرني سيدي أن أفتح باب المنزل وأنتظر على عتبته قائلاً: ’إنه سيحضر في الصباح باكرًا ضيفان فباسمي رحّب بهما وقُل لهما ادخلا بسلام باسم الله.‘”

وكانت مقابلة الملاّ علي البسطامي مع الباب شبيهة بمقابلة الملاّ حسين ولم تختلف عنها إلاّ في أن المقابلة السابقة كانت تدور حول الحجج والبراهين على رسالة الباب بينما في هذه الدفعة سادت روح الخضوع والخشوع التّام وامتلأت الغرفة بالحياة من أثر تلك القوة السماوية. وكذلك وجد كل واحد من مرافقي الملاّ علي الاثني عشر الآخرين محبوبه كلٌّ بدوره وبكامل سَعيه وجدِّه فرآه البعض في الرؤيا والبعض الآخر أثناء صلواته ومنهم من وجده أثناء تأمّلاته وتشرّف هؤلاء بحضرة الباب ودُعوا بحروف الحيّ وكمل منهم سبعة عشر حرفًا وعُيّنوا

رُسلاً للباب وأُمناء لدينه وناشرين لنفحاته.

وتكلم الباب أثناء محادثته مع الملاّ حسين ذات ليلة قائلاً: “قد آمن سبعة عشر حرفًا وانضموا للواء دين الله ولم يبق إلا حرف واحد لإتمام العدد فعلى هؤلاء الحروف القيام لدعوة الأمر وتأسيس دين الله وسيأتي الحرف الأخير في الليلة القادمة ليكمل العدد.”

ففي اليوم التالي في الغروب بينما كان الباب راجعًا إلى منزله متبوعًا بالملاّ حسين إذ ظهر شاب عليه غبار السفر واقترب من الملاّ حسين وعانقه وسأله إذا كان قد وصل إلى بُغيته فاجتهد الملا حسين أن يهدّئ روعه وطلب منه أن يترقب ووعد بارشاده فلم يقبل ذلك الشاب أن يلتفت إلى نُصحه ووجّه نظره إلى الباب وقال للملاّ حسين: “لماذا تكتم عني. فإني أعرفه من هيئته وإني أشهد في سرّي أنه لا يقدر أحد خلافه في الشرق والغرب أن يدّعي أنه الحقّ.” فدهش الملاّ حسين من كلماته واعتذر إليه وطلب منه أن يضبط حواسه حتى يأتي الوقت الذي يقدر فيه أن يبوح له بالحق وتركه مسرعًا نحو الباب وأخبره بما دار بينه وبين ذلك الشاب من الحديث فأجابه الباب: “لا تدهش من ذلك المسلك فاننا كُنا في عالم الروح نتحادث مع ذلك الشاب ونعرفه من قبل وكنا ننتظر قدومه فاذهب إليه وأحضره أمامنا.”

وقد كمل عدد التلاميذ المنتخبين بقبول القدوس لدعوة الباب واسمه محمد علي وينتمي من طرف والدته إلى سلالة

الإمام الحسن أكبر أحفاد الرسول وكان مولده في بارفروش في إقليم مازندران وامتاز عن بقية الأصحاب بالهدوء والسكينة ودماثة الأخلاق. ولما وصل القدوس إلى شيراز واعتنق الأمر كان له من العمر اثنان وعشرون عامًا. ومع صغر سنّه أظهر شجاعة نادرة وإيمانًا تامًّا لم يصل إليه أحد خلافه من اتباع مولاه.

أما جميع حروف الحي فقد تشرفوا بحضور الباب ما عدا الطاهرة (وكانت من ذُريّة الملاّ صالح البرقاني من أشهر أُسر قزوين) ودعاها السيد كاظم الرشتي قُرّة العين ووافق الباب على لقب الطاهرة لها فأرسلت له خطابًا مع زوج أختها المدعو محمد علي وطلبت منه أن يقول للباب:

“لمعات وجهك أشرقت             وضياء طلعتك اعتلى

قالت ألست بربكم                    قلنا بلى قلنا بلى.”

أما الباب فاسمه السيد علي محمد ووُلِدَ في شيراز في أول شهر محرّم سنة 1235 هجريّة (20 أكتوبر سنة 1819 ميلاديّة) من بيت مشهور بالشرف والانتماء إلى الرسول وأعلن دعوته بعد أن بلغ من العمر خمسًا وعشرين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام. وتوفي والده محمد رضا وهو طفل وكَفلَه خاله الحاج الميرزا السيد علي أحد الشهداء في الأمر. وسلمه خاله إلى معلم يدعى الشيخ عابد ومما قال عنه معلمه أنَّه: “لا يمكن معاملته كطفل عادي لأني أشاهد فيه قوّة عظيمة.” وكانت تظهر عليه يومًا فيومًا

علائم الحكمة الفائقة الحدّ والخارجة عن حدود البشرية حتى اضطرّ أخيرًا خاله إلى إخراجه من المدرسة وإشراكه معه في التجارة وفيها أظهر نجابة وعظمة وقوّة لا يصل إليها إلاّ القليلون.

وبعد بضعة سنين وفي سن الثانية والعشرين تزوج الباب وولِد له ابن يدعى أحمد – توفي وهو طفل. وكان الباب وسيم الطلعة حليمًا ساكنًا زائد الفصاحة والبلاغة وسريع الكتابة. كان دائمًا يُرى بهيئة الخشوع والخضوع والانجذاب واللُّطف وكمال المُحيّا مما لا تقدر أيّ عبارة على وصفه. وكان الجميع يشهدون بطهارة أخلاقه ونبالة صفاته ونكران ذاته وشدة صدقه وتقواه وكان أصدقاؤه يؤكدون أنّه لم يفتح فاهًا إلا بما حرّك أعماق القلوب وكان يسرّ المتدينين المتمسكين لشدة احترامه للرسول والأئمة وأصحابهم في كل عباراته وفي الوقت نفسه كان في أحاديثه الخاصة يبهج أرواح المستمعين ويُحدث فيهم اشتعالاً.

وكان الباب يصرف غالب أوقات التجارة في بوشهر وفي وقت الصلاة والعبادة كان يتوجه دائمًا إلى جهة طهران شمالاً حيث سوف يُشرق كوكب الحق على العالم.

اختار الباب القدوس (الثامن عشر من حروف الحيّ) لمرافقته إلى مكة وقال للملاّ حسين البشروئي: “إن أيام اجتماعنا قد قاربت الانتهاء فشمِّر الذيل وقم لتبليغ أمري ولا تخف لأن رب العهد يساعدك ويحيطك بحفظه وينقلك من نصر إلى نصر.

فَسر في البلاد وقُم على النداء بصوت مرتفع وقل: ’استيقظوا استيقظوا قد فُتح باب الله وسطع نور الصُّبح بأشعته على جميع العالم وظهر الموعود فمهّدوا الطريق أمامه يا أُمم الأرض ولا تحرموا أنفسكم من بدائع فضله ولا تغمضوا أعينكم عن ساطع بهائه.‘ ولمّا تصل إلى طهران في تلك المدينة سِرّ لو كُشِفَ لانقلبت الأرض إلى جنّات عدن (إشارة إلى حضرة بهاء الله) وأصبو إلى أنك سوف تشارك في ذلك الفضل وتعترف ببهائه ومجده.”

وكذلك أحضر الباب المُلا علي البسطامي وتكلم معه بكلمات المحبة والسرور وأمره أن يسافر ويبلغ أمره فذهب وهو مستسلم لإرادة المولى ومستعد لأن يسفك دمه في سبيله وأخذ يتكلم عن ظهور الباب بلا خوف ولا وجل فقاموا عليه ووجّهوا إليه إهانات شديدة وأوثقوه بالأغلال وأرسلوه إلى بغداد وأُودع السجن هناك. ويقال إنه نُفي إلى القسطنطينية ويعتقد البعض أنّه أثناء الطريق مرض وتوفي ويعتقد البعض الآخر أنه تجرع كأس الشهادة. ومهما يكن أمر ختام حياته فهو أول من تألم وضحى في سبيل الله وأول من وضع حياته على مذبح التضحية.

ودعا الباب باقي حروف الحيّ وأمر كل واحد بمهمة خاصة وودعهم قائلاً: “يا أصحابي الأعزاء أنتم حاملون للواء الله في هذا اليوم وإنّكم مختارون أُمناء على سرّه. فعلى كلٍّ منكم أنْ تظهر منه صفات الله وأن تتجلى في أقواله وأفعاله علائم الصدق

الصورة غير متوفرة

المدخل لمنزل الباب في شيراز الذي أعلن فيه دعوته

الصورة غير متوفرة

الباب والشباك الأصليان لمنزل الباب

الصورة غير متوفرة

شجرة البرتقال التي غرسها الباب في حديقة منزله في شيراز

والقوّة والعظمة حتى أن أعضاء جسمكم تشهد بنبالة مقصدكم وطهارة حياتكم وصدق إيمانكم وعلوّ منزلتكم لأني أقول لكم إن هذا هو اليوم الذي تكلم عنه الله في كتابه (القرآن). تفكروا في كلمات المسيح إلى تلاميذه عندما أرسلهم لتبليغ أمر الله قال لهم وهو يأمرهم بالقيام لإتمام المأمورية المكلفين بها: ’إنّكم كالنار المشتعلة في ظلام الليل الموقدة على ذروة الجبل. فليكن نوركم ساطعًا أمام جميع الأنظار ولتكن طهارة أخلاقكم وشدة انقطاعكم على شأن يتقرب أهل الأرض بها إلى الأب السماوي منبع الطهارة والفضل ويتعرفون إليه فأنتم أبناؤه الروحانيون عليكم أن تظهروا بأعمالكم فضائله وتشهدوا بعظمته فأنتم ملح الأرض فإذا فسد الملح فبماذا يُملّح.  يجب أن يكون انقطاعكم بحيث أنَّكم إذا دخلتم مدينة لتبليغ أمر الله فلا تنتظروا مكافأة من أهلها بل إذا خرجتم منها فانفضوا الغبار من أقدامكم فكما دخلتموها طاهرين كذلك اخرجوا منها طاهرين لأني الحق أقول لكم إنّ أباكم السماوي معكم وينظر اليكم فإذا كنتم أمناء لأمره فإنَّه يدفع لأيديكم كل ثروة العالم ويرفعكم على حكام وملوك الأرض.‘ فيا حروفي الحق أقول لكم إنّ هذا اليوم هو أرفع وأجلّ من أيام الرّسل السابقين فأنتم شهداء فجر يوم الله الموعود الشاربون من كأس وحيه المختوم فاغسلوا قلوبكم عن أدران الشهوات في هذه الدنيا واجعلوا زينتكم فضائل الملأ الأعلى… فقد انتهت الأيام التي كانت فيها العبادة المقرونة

بالكسل والفتور كافية والآن قد أتى الوقت الذي لا تصعد فيه الأعمال إلى عرشه إلا إذا كانت طاهرة نقيّة ولا تكون مقبولة لديه إلا إذا كانت خالية من أثر الدنس … فقد دعاكم ربكم إلى هذا المقام وستصلون إليه إذا دُستم تحت أقدامكم كل رغبة وشهوة أرضية فأنتم الحروف الأولى التي نبتت من النقطة الأولى (الباب) فتضرعوا إلى الله أن لا تعوقكم الشؤون الأرضية ولا الشهوات الدنيوية لأني أُعدكم لمجيء يوم عظيم. وأمّا سرّ ذلك اليوم فمستور لا ينكشف الآن لأنّ مولود ذلك اليوم الجديد يفوق أعقل وأشرف الناس في هذا الزمان فانتشروا في جميع الجهات وأعدّوا الطريق لمجيئه بأقدامٍ ثابتةٍ وقلوبٍ طاهرةٍ ولا تنظروا إلى ضعفكم بل اجعلوا أنظاركم دائمًا متوجهة إلى القوة القاهرة من ربكم وإلهكم القدير.”

بهذه الكلمات أحيى الباب إيمان تلاميذه وخصّص لكلٍّ منهم إقليمًا يقوم فيه على التبليغ وأمرهم جميعًا أن يمتنعوا عن الإشارة إلى اسمه وشخصه وأن ينادوا فقط بأن باب الموعود قد انفتح وأن حجته كاملة وبرهانه قائم وأن كل من يؤمن به فقد آمن بجميع أنبياء الله ومن أنكره فقد أنكر أولياءه.

الفصل الرابع

سفر الملاّ حسين إلى طهران

وكانت الكلمات التي خاطبه بها الباب تتردّد في آذان الملاّ حسين أثناء سياحته فأينما ذهب وفي أي مجمع كان، كان يخاطب الجمهور بكل جرأة ويبلغهم الرسالة التي عهد بها إليه السيد المحبوب وشرع الناس يعارضون آراء الملاّ حسين بكل جرأة وجهالة بقولهم إنّه يدعونا بكل قوّة وشجاعة لأمر جديد آخر أقوى وأثبت ويقول عن صاحبه أنّه ذو كتاب سماوي ولكن الملاّ حسين لم يقع فريسة لتدابير الأعداء واستمر في عمله بدون أي عائق. ومن بين أشراف إصفهان الذين اعترفوا بالأمر الميرزا محمد علي النهري الذي اقترنت ابنته بالغصن الاعظم. (زواج حضرة عبد البهاء بمنيرة خانم ).

وكانت رحلة الملاّ حسين إلى إصفهان نصرًا للباب وآمن العديدون وسافر من هناك إلى كاشان وكان أول من آمن في كاشان الحاج ميرزا جاني الملقب پرپا. ووصل الملاّ حسين إلى طهران ونزل في إحدى غرف مدرسة الميرزا صالح التي تسمى بمدرسة پامنار. ومما رواه الميرزا موسى كليم أخ حضرة بهاء الله ما يأتي: “سمعت الملاّ محمد المعلم أحد أهالي نور والذي كان قاطنًا في نفس المدرسة- أي مدرسة الميرزا صالح في طهران-

الصورة غير متوفرة

الآقا كليم أخ حضرة بهاء الله

يقول: ’إنني زرت الملاّ حسين في غرفته ولما سألني عن موطني أجبت أنّي من نور في مازندران‘ فسألني قائلاً: ’أخبرني هل يوجد اليوم من بين أفراد عائلة المرحوم الميرزا بزرگ النُّوريّ (والد حضرة بهاء الله) الذي اشتهر بأخلاقه وآدابه وعلومه من قام مقامه في حفظ هذا البيت الشهير؟‘ فأجبته: ’نعم يوجد بين أنجاله الآن من امتاز بسموّ الأخلاق التي اشتهر بها والده. وقد برهن بطهارة حياته وعلو كعبه ومحبته وشفقته وحريّته بأنّه السليل الشريف لذلك الوالد.‘ فسألني عن أعماله فأجبته: ’إنّه يؤاسي الفقير ويطعم الجائع.‘ وسألني عن رتبته فأجبته: ’ليس له لقب سوى أنّه صاحب المسكين والغريب وأمّا اسمه فحسين علي وعمره ثمان وعشرون سنة.‘ وكان الملاّ حسين يسأل أسئلته بلهف وكنت متعجبًا من حالة السرور التي كانت تبدو عليه عندما كان يسمع الإجابة عن كل سؤال ثم التفت اليّ بوجه مفعم بالسرور والاطمئنان وقال لي: ’هل لك أن توصل إليه وديعة مني؟‘ فأجبته: ’نعمًا ومرحبًا.‘ فأعطاني ملفًا في قطعة قماش وأمرني أن أسلمها له باكرًا عند الفجر وزاد قائلاً: ’إذا تكرم بالإجابة فأعلمني بردّه.‘ فأخذت منه الملف وعند طلوع الشمس ذهبت لتنفيذ رغبته فلما وصلت إلى منزل حضرة بهاء الله وجدت أخاه الميرزا موسى واقفًا بجوار الباب وما كدت أعلمه بمهمتي حتى ذهب داخل المنزل وعاد مرحّبًا بي. فدخلت إلى حضوره وقدّمت الملف إلى الميرزا موسى الذي وضعه أمام حضرة بهاء الله فأمرني

بالجلوس وفتح الملف ونظر في محتوياته وابتدأ يقرأ بعض عباراته بصوت مرتفع وجلست مفتونًا من استماعي لحلاوة صوته ونغماته وبعد أن أتمّ قراءة صحيفة من الملف التفت إلى أخيه وقال له: ’يا موسى ماذا تقول أليس كل من يعتقد بالقرآن ويعترف بمنبعه السماوي لا يسعه أن يتردد ولو لحظة في أنّ هذه الكلمات قد تجلت بنفس القوة المحيية للأرواح وإلا فإنّه يخطئ في حكمه ويضل عن صراط العدل؟‘ ولم يزد على ذلك إلاّ أنّه أمرني بأن آخذ معي إلى الملاّ حسين هديّة من السكر وعلبة من الشاي وأن أبلّغه تقديره ومحبّته. (وكان الشاي وذلك النوع من السكر نادرين في ذلك الوقت في إيران وكان يتبادلها العظماء برسم الهدايا).

“فقمت مفعمًا بالفرح ورجعت إلى الملاّ حسين وسلّمته الهديّة وأبلغته الرسالة فما أشدّ فرحه واغتباطه إذْ ذاك فلا تقدر الكلمات أن تعبّر عن شدّة تأثره فقام عند ابلاغه الرسالة على قدميه وأحنى رأسه وأخذ الهدية من يدي وقبلها بلهف شديد ثم عانقني وقبلني. وقد كنت متعجبًا من سلوك الملاّ حسين وقلت في نفسي ماذا عسى أن تكون الصلة التي جمعت هذين الروحين وما الذي أشعل مثل هذه الصحبة الحارة في قلبيهما ولماذا ظهر من الملاّ حسين مثل هذا السرور عند نظره لمثل هذه الهدية البسيطة من طرف حضرة بهاءالله مع أن أبّهة الملك والعزّ لا أهمية لهما في نظره وكنت متحيّرًا في فكري ولم أتمكن من حلّ

ذلك اللغز.

“ولم تمض أيام حتى سافر الملاّ حسين إلى خراسان وعند الوداع قال لي: ’لا تخبر أحدًا بما سمعت وشاهدت فاجعل ذلك سرًّا مكتومًا في صدرك ولا تفش اسمه لأنّ الذين يحسدونه على مقامه سيقومون لضرّه واطلب من الله القدير أن يحفظه فبواسطته يرفع المستضعفون ويغنى الفقراء ويعزّ المساكين وسيبقى سرّ الأمر محجوبًا الآن عن أنظارنا فعلينا أن نرفع نداء هذا اليوم الجديد وندعو جميع الأمم والأقوام إلى هذه الرسالة الربانية وسوف يفدي الكثيرون في هذه المدينة أرواحهم في هذا السبيل. ومن هذه الدماء ترتوي شجرة الله وتنمو حتى يستظل في ظلّها جميع الخلائق.‘”

الصورة غير متوفرة

الطريق إلى منزل حضرة بهاء الله في تاكور – مازندران

الفصل الخامس

رحلة حضرة بهاء الله إلى مازندران

كان أول ما قام به حضرة بهاء الله من الرحلات لنشر تعاليم الباب في موطنه نور في إقليم مازندران. فانتقل إلى تاكور محل وجود أملاك والده وحيث يوجد له فيه قصر وكان لأبيه الوزير المرحوم منزلة يحسده عليها أقرانه فكانت ثروته الواسعة وسلالته العريقة في النسب وكرامته التي لا تدانى ورتبته العالية موضع إعجاب كل من عرفه. ولما زار حضرة بهاء الله إقليم نور حضر لمقابلته جمّ غفير من الموظفين والأعيان في تلك الناحية ورحبوا به الترحيب اللائق وكانوا جميعًا مشتاقين لأن يعلموا منه شيئًا عن حياة الشاه وأعمال الوزراء وأمور المملكة نظرًا للمركز الاجتماعي الذي كان يشغله فلم يظهر لهم حضرة بهاء الله اهتمامًا خاصًا بهذه الأحوال ولكنه دعاهم إلى الأمر الجديد بكل فصاحة ونطق بليغ وإقناع وكان الذين يستمعون إليه يندهشون من عظيم اهتمام رجل في مقامه ومركزه للأمور التي هي من خصائص علماء الدين وكانوا يجدون أنفسهم مضطرين للاعتراف برجحان أدلّته وغير قادرين على التقليل من أهمية ذلك الأمر الذي كان يبينه بقدرة فائقة وكانوا يعجبون بعلو كعبه في العلوم وحماسة ومتانة أفكاره ويتأثرون من شدّة انقطاعه وتبتله.

الصورة غير متوفرة

آثار منزل حضرة بهاء الله الأصلي في تاكور- مازندران

وكان كل من يتشرف بحضور حضرة بهاء الله أو يسمع منه دعوة الباب ورسالته يتأثر وينجذب من بيانه على شأن يقوم على نشر وإذاعة الكلمة بين أهل نور وإعلان فضائل المعلم الشهير. وهرع الجميع من موطفين ومزارعين وعلماء على مسكن حضرة بهاء الله وانتبهوا من غفلتهم وآمن الكثيرون بالأمر الذي كان يدعو إليه. وكانت زيارة حضرة بهاء الله لنور ذات نتائج باهرة ومكّنت الأمر الجديد النشأة من الانتشار الزائد. وكسب قلوب أهل نور وحرّك أرواحهم وأدخلهم تحت لواء الدين الجديد بطهارة حياته وفصاحته الجذّابة ووقار هيئته ومنطقيّة براهينه وعلائم محبته وهكذا كان تأثير كلماته وأفعاله وأقواله وهو يدعو إلى الأمر الجديد ويظهر مجده لمواطنيه في نور حتى كأن الشجر والحجر يحيى من أمواج القوّة الروحانية التي كانت تصدر من شخصه وكأن جميع الأشياء قد استمدّت قوّة واكتسبت حياة جديدة وكأنّها بلسان حالها تنادي بأعلى النداء: “انظروا إلى جمال الله وبهائه فقد ظهر وجاء بكل مجده.” واستمر أهالي نور بعد فراق حضرة بهاء الله لهم في نشر الأمر وتثبيت أسسه وتحمل الكثير منهم أشدَّ أنواع الاضطهاد لأجله. وشرب البعض الآخر كأس الشهادة بكل سرور في سبيله. واشتهرت بلاد مازندران وخاصة بلاد نور بأنها كانت أول بلاد قبلت الرسالة الإلهيّة من بين جميع الأقاليم في إيران وكانت أوّل أرضٍ سطعت عليها أشعّة شمس الحقيقة التي ارتفعت في شيراز وكان

الصورة غير متوفرة

المنظر الخارجي للغرفة التي كان يقطنها حضرة بهاء الله في تاكور- مازندران

إقليم نور أول البلدان التي أعلنت نبأ ارتفاع وظهور نجم الهداية الربانية أخيرًا ليضيء ويشرق بنوره على الأرض كلها.

ولما كان حضرة بهاء الله طفلاً رأى والده الوزير في الرؤيا أنّ بهاء الله يسبح في محيط لا حدّ له وكان جسمه يلمع على المياه بضياء أنار البحر وكانت شعراته السوداء الحالكة المتدلية حول رأسه فوق المياه تسبح على الأمواج وحامت حوله جملة أسماك تعلّق كل منها بطرف شعرة من شعراته بكل ثبات وجميعها قد بهرها ضياء وجهه فكانت تتبعه أينما توجه ومع وفرة عددها وشدّة تعلقها بشعره لم تنفصل منه شعرة واحدة ولم يحصل لجسمه أي ضرر بل كان يتحرك فوق المياه بغير مشقّة وبدون عائق والجميع يتبعونه.

وإذ تأثر الوزير من هذه الرؤيا استدعى مفسّرًا للأحلام مشهورًا في تلك الأرجاء ليفسّرها له فقال هذا الرجل الذي كأنه أوحى إليه بجلال حياة حضرة بهاء الله المستقبلية: “أيها الوزير إنّ البحر المحيط الذي رأيته إنما هو عالم الوجود وإن ابنك سيعلو عليه وحيدًا فريدًا ولا يعوقه عائق عن أية جهة يريد التوجه إليها ولا يقدر أحد أن يقف في سبيل تقدمه. وأمّا الأسماك العديدة هي عبارة عن الاضطراب الذي سيحدث بين الأمم والأقوام الذين سيجتمعون حوله ويتعلّقون به وبقدرة حماية الله القدير لا يناله أذى من هذا الاضطراب بل يبقى سالمًا عاليًا بمفرده على بحر الحياة.”

الصورة غير متوفرة

غرفة حضرة بهاء الله من الداخل محفوظة بشكلها الأصلي في تاكور – مازندران

وبعد التعبير أوصلوا المفسّر إلى حضرة بهاء الله فلما نظر إلى وجهه وتقاطيعه سُحرَ من جمال طلعته وبُهِرَ من حُسن سيماه وكانت كل لمحة من لمحات وجهه تُنبىء عن بهاء باطنه وكان عظيم إعجابه وشدة إطرائه لحضرة بهاء الله بدرجة أن الوزير أصبح من ذلك التاريخ أشدّ تعلقًا بنجله وكان ما تكلم به ذلك المفسِّر قد أنعش آماله فيه وقوى ثقته به وأصبح كيعقوب لا يرى إلا سعادة ابنه يوسف يكتنفه بحماية محبته.

وكان الحاج الميرزا آقاسي رئيس وزراء محمد شاه يُظهر احترامًا شديدًا لحضرة بهاء الله ولكن فيما بعد حاول أن يعانده ووجد نفسه أخيرًا عاجزًا تمامًا كلما حاول إلصاق تهمة به. وقد ظهرت رئاسة حضرة بهاء الله على معانديه في كثير من الحوادث وأوجبت انتصاراته له صيتًا ومقامًا وشهرةً في جميع الجهات ودهش الناس على اختلاف مقاماتهم من نجاحه الباهر في الخروج سالمًا من أعظم المخاطر. وفكروا أن العناية الربانية لا بُدّ وأن تكون هي التي أوجبت سلامته في جميع هذه الحوادث ولم يخضع حضرته ولا مرة واحدة إلى طمع وغرور وخيانة الذين حوله مع أنّه كان محاطًا بأعظم المخاطر. وفي أثناء معاشرته لكبار رجال الدولة والدين لم يخضع إلى آرائهم ولم يوافقهم على مشاربهم فكان في مجامعهم يقوم على اشهار أمر الحق ومساعدته بدون وجل ويحافظ على حقوق المظلومين ويدافع عن الضعفاء ويحامي عن الأبرياء.

الصورة غير متوفرة

المنظر الخارجي للغرفة التي كان يقطنها حضرة عبد البهاء في تاكور – مازندران

الفصل السادس

سفر الملاّ حسين إلى خراسان

وبعد مقابلة الملاّ حسين حضرة بهاء الله وانتعاشه من محادثته قام بالسفر إلى خراسان وفي أثناء زيارته لهذا الإقليم ظهرت منه آثار القوّة التي أحياها فيه الباب أثناء توديعه إياه. وكان الناس في كل مكان يستمعون له بلهف ويبحثون عنه متعجّبين ويقبلون الدعوة بسهولة. وكان أول من آمن في خراسان الميرزا أحمد الأزغندي وهو أشهر وأعلم علماء عصره في ذلك الإقليم وكانت أخلاقه السامية وشدّة تقواه قد زادت في شهرته. وأيضًا آمن الميرزا محمد باقر القائني الذي صرف بقية حياته في الإقامة في مشهد واشتعلت محبة الباب في قلبه على شأنٍ لم يقدر على معارضتها أو التقليل من أهميتها لديه ولما كان عليه من الشهامة والقوّة والخضوع التّام والصدق في جميع أطوار حياته أصبح مهابًا من أعدائه ومنبع قوّة روحيَّة لأحبّائه واجتهد بكل قوّته لازالة كل عقبة في سبيل انتشار الأمر واستمرّ بنشاط لا يفنى إلى آخر نسمة من حياته حتى وقع شهيدًا في قلعة طبرسي. وكان منزله في مدينة مشهد معروفًا وحتى الآن باسم-البابية-.

الصورة غير متوفرة

داخل الغرفة التي كان يقطنها حضرة عبد البهاء في تاكور – مازندران


الفصل السابع

حج الباب إلى مكة والمدينة

وعزم الباب على الحج إلى الحجاز وترك زوجته في حماية والدته وكان القدوس هو الرفيق الوحيد له ما عدا الخادم الحبشي وذهب أولاً إلى بوشهر، تلك المدينة التي كان فيها متجر خاله ومن هناك استقلّ مركبًا سارت به مدة شهرين سيرًا بطيئًا واهتاج البحر بالعواصف حتى رست السفينة على شواطىء جدّة. وكان ذلك في اكتوبر سنة 1844 ميلادية. ولم تمنعه مشاق السفر من الاستمرار في الصلاة بانتظام ومداومة الابتهال والتضرع. واشتغل الباب بالإملاء على القدوس بالألواح التي كان يوحى بها إليه وكانا يشتغلان باطمئنان وهدوء حتى في الوقت الذي كانت فيه السفينة مضطربة والركاب مذعورين من الرياح العاصفة فلم يمنعهما ذلك عن العمل ولم تتغيّر بشاشة وجههما من اشتداد العواصف وانقلاب البحر وهياجه. وأشار الباب إلى هذه المشاق بقوله: “وناجينا القدير أن يُسهّل سبيل السفر في البحار ويقلّل مشاقه ويمحو أخطاره.” فلم يمض وقت قصير حتى استجيب الدعاء وظهرت علائم التحسين في وسائل المواصلات البحريّة وأصبح الخليج بعد أن لم يكن فيه سفينة واحدة بُخارية ممتلئًا بأسطول من السفن العظيمة التي تقدر أن

الصورة غير متوفرة

باب – البابية – في مشهد

الصورة غير متوفرة

بيت -البابية – في مشهد من الداخل

الصورة غير متوفرة

القفطان الذي كان الباب يلبسه تحت الجبة

تنقل جميع الحجاج من أهالي فارس بالراحة التّامّة إلى الحجاز في بضعة أيام .

أمّا الأمم الغربية التي ظهرت فيها الثورة الصناعية فجأة، فلم تدرك المنبع الذي ظهرت منه تلك القوّة العظيمة التي غيّرت جميع مرافق الحياة. إنّ تاريخها نفسه يشهد بأنّه في سنة الظهور الأعظم ظهرت فيهم بوادر الثورة الصناعية والاقتصادية على شأن أقرّوا بأنفسهم بأنه لم يحصل لها مثيل في تاريخ العالم الانساني ولشدّة انهماكهم في تفاصيل هذه القوّة المحرّكة الجديدة تناسوا مصدرها تدريجيًّا وعَموا عن الغرض الذي من أجله أعطاهم ذو القدرة هذه القوّة العجيبة. فلم يستعملوها فيما خلقت لأجله بل استعملوها لزيادة وسائل التدمير والحروب بدلاً عن نعمة السلام والسرور.

ولما وصل الباب إلى جدّة ارتدى لباس الإحرام وركب جملاً وشرع في سيره إلى مكّة وأمّا القدوس ففضّل أن يسير مرافقًا له على قدميه من جدّة إلى تلك المدينة المقدسة. ومع أن الحرارة كانت في تلك الجهات مرتفعة بدرجة أن الحجاج لم يتمكنوا من القيام بالطواف بملابسهم العادية فأتمّوا هذه المناسك بلباس الإحرام. ولكن الباب لم يرض مع ذلك أن يخلع عمامته أو عباءته احترامًا وبكل هدوء وبساطة أتمّ المناسك والطواف حول الكعبة بملابسه العادية.

وفي آخر يوم من أيام الحج قابل الباب الميرزا محيط

الصورة غير متوفرة

القلنسوة التي كان الباب يلف العمامة حولها

الكرماني عند الحجر الأسود فأخذ بيده وخاطبه قائلاً: “يا محيط إنّك تعتبر نفسك أكبر رجال الشيخية ومن مشاهير مفسّري تعاليم الشيخ أحمد الأحسائي فالآن انظر، ترانا واقفين في أقدس مزار وفي هذا الإقليم المبارك يقدر الانسان أن يتبين الحق من الباطل والهدى من الضلالة والآن أقول لك إنّه لا يوجد أحد في الشرق أو الغرب يقدر أن يدّعي أنّه الباب الذي يوصل الإنسان إلى معرفة الله غيري، وبرهاني هو عين البرهان الذي أتى به محمد رسول الله فاسأل منّي عما تشاء الآن فسأجيبك بآيات تثبت صحّة دعوتي. وعليك أن تختار فإمّا أن تخضع خضوعًا تامًا لأمري أو تُعرض عنه. وإذا اخترت الإعراض فلا أترك يدك حتى تعلن للعموم إعراضك عن الحق الذي ادعيته ليحيى من حيّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة ويتضح سبيل الحق لكافة الخلق.”

فاضطرب الميرزا محيط من هذه المباهلة وقد بهت من دقة توجيهها وجلالها وعظمتها وأحسّ أمام هذا الشاب كأنّه عصفور محصور في قبضة نسر عظيم رغمًا عما هو عليه من تقدُّم السّن والقوة والعلم. فأجاب: “يا سيدي من أول يوم وقعت فيه عيني عليك شعرت بأنّي وجدت من هو مطلوب فؤادي ومرغوبي وإنّي أرفض كل من لا يعترف بك بل أحتقر كل من يبقى في قلبه ذرّة من الشّك في طهارتك وقداستك فأرجوك أن تعفو عني ضعفي وإن شاء الله سأحلف يمين الطاعة لك في هذا المكان المقدس وأقوم على نصرة أمرك، وإن لم أكن صادقًا فيما ادعيت

أو كان في قلبي ما يخالف ما أقررت به بلساني فإنّي أعدّ ّنفسي غير أهل لرحمة رسول الله.” وكان الباب يستمع لكلماته وهو عارف بضعف روحه وذِلة نفسه فقال: “حقًا لقد تبين الحق من الباطل فأشهدك يا قدوس، يا من آمنت بي وأشهد تربة رسول الله في هذه الساعة على ما دار بيني وبينك والله أعظم شاهد لي وهو البصير العالم الحكيم. فيا محيط، اذكر كل ما يشغل بالك واسأل ما تريد .” وإطاعةً لأمر الباب سأل الميرزا محيط جملة أسئلة وكتب الباب جوابًا على هذه الأسئلة التي كانت قد أشغلت ذهن الميرزا محيط وسماها “صحيفة بين الحرمين” ولكن ويا للأسف كان الميرزا محيط عاجزًا عن مقاومة العظمة الساحقة التي أظهرها له الباب ولم يَفِ بالعهد الذي قطعه على نفسه وسافر إلى كربلاء موطنه ومرض وتوفي هناك.

وبعد أن أتمّ الباب مناسك الحج في مكة كتب رسالة إلى الشريف يبين له فيها بوضوح تامّ معالم رسالته. وطلب منه أن يقوم ويعتنق دعوته وأمْرَه وسلّم الباب تلك الرسالة مع بعض كتابات أُخرى إلى القدوس وأمَرَه أن يقدمها إلى الشريف ولما كان الشريف منهمكًا في الأمور الدنيوية لم يصغ للنداء الإلهيّ. ولكن لمّا عَلِم باستشهاد الباب وأنّ الذين قتلوه أرادوا أنّ يطفئوا بقتله ذلك النور الذي أشعله في تلك البلاد وأنّ تأثير أمره ازداد منذ حصول تلك الشهادة وانتشر بين جميع الأمم والأفراد صاح قائلاً: “ألا لعنة الله على هؤلاء الأشرار الذين عاملوا في الماضي

آبائنا الطاهرين بنفس هذه المعاملة.”

وفي ذات يوم أثناء قيام الباب للصلاة قريبًا من إحدى الآبار فجأة ظهر بدوي متنقّل واختطف الخرج الذي كان مطروحًا على الأرض وفيه كتابات الباب وأوراقه واختفى بسرعة وسط الصحراء فقام الخادم الحبشي ليتبعه ولكن سيده منعه وأشار إليه بيده أن يكُف عن اتباعه وقال له: “لو أذنتك في تتبعه لأدركته وعاقبته ولكن هذه الأوراق والكتابات سوف تصل بواسطة هذا البدوي إلى المقر الذي لولاه لا يمكن إيصالها إليه بسهولة فلا تحزن لهذا الحادث لأنّ ذلك هو أمر الله المقدّر.”

وسافر الباب من مكة إلى المدينة في أول محرم سنة 1261 هجريّة (الجمعة 10 يناير  1845 ميلاديّة) وإذ كان يقترب منها تذكر الحوادث المؤلمة التي خلّدت ذكرى ذلكم الذي عاش ومات بين جدرانها وتجلّت أمام عينيه من خلال تلك المناظر تلك القوّة المحيية التي ظهرت من ذلك الفذّ الخالد بجلالها المعهود وكان يكثر من الصلاة والمناجاة كلما اقترب من ذلك الحرم المقدس الذي ضمّ بقايا جثمان رسول الله.

الفصل  الثامن

إقامة الباب في شيراز بعد الحج

 

وعاد الباب إلى موطنه ونزل في بوشهر بعد غياب دام تسعة أشهر قمرية. وبينما كان مقيمًا في بوشهر طلب القدوس لمقابلته وبكل شفقة أمره أن يسافر إلى شيراز وقال له: “إنّ أيام صحبتك لي قد قاربت الانتهاء. وقد أتت ساعة الافتراق الذي لا يعقبه اجتماع إلاّ في ملكوت الله. ففي هذا العالم الترابي لم يكن لك حظُّ الاجتماع بي سوى تسعة أشهر فانية. وهناك في عالم الأبديّة ينتظرنا الاجتماع الأبدي بالفرح والسرور وسوف تغمسك يد القضاء في بحر من البلاء لوجه الله وسأتبعك وانغمس معك في أعماقه فابتهج بسرور وفرح عظيم لأنّك انتخبت للملكوت حاملاً لواء ذلك الحشد الذي سوف تحلّ به الرزايا والفجائع وستكون في طليعة ذلك الجيش النبيل الذي سيتجرع كأس الشهادة لاسمه. وفي شوارع شيراز سوف تنزل عليك كل الإهانات والشدائد ويصيب جسمك أشدّ أنواع الأذى ولكنك سوف تتغلب على نكبات الأعداء ويطول عمرك إلى أن تحضر بين يديّ من هو مقصود محبتنا وعبادتنا وستنسى في محضره كل ألم وأذى أصابك وتؤيّدك جنود الغيب وتعلن شجاعتك وعظمتك لكل العالم. وسيكون نصيبك الابتهاج الذي لا يوصف في الملكوت

الأبدي.” ثم أعطاه الباب مكتوبًا إلى الحاج الميرزا السيد علي خاله يخبره فيه بسلامة رجوعه إلى بوشهر وكذلك سلّمه نسخة من “الخصائل السبعة” وهي رسالة ذكر فيها الشروط الأساسيّة التي يجب على الذين آمنوا بالأمر الجديد واعترفوا بدعوته أن يسيروا بمقتضاها. ولما وصل القدوس إلى شيراز زار خال الباب الميرزا السيد علي وأخبره بالدعوة الجديدة فكان خال الباب أوّل من آمن  واعتنق الأمر في شيراز بدعوة القدوس بعد حروف الحي.

وخصص الميرزا السيد علي باقي حياته للدفاع عن الأمر وإعلاء كلمة الباب إلى أن انضمّ إلى الشهداء السبع في طهران. أما الشخص الثاني الذي قابله القدوس في شيراز فكان اسم الله الأصدق الملاّ صادق الخراساني وهو الذي أعطاه رسالة “الخصائل السبعة” وأمره بضرورة إجراء كلّ محتوياتها. وأخذ القدوس والملاّ صادق يدعوان الناس جهارًا بدون أدنى خوف إلى قبول الرسالة. فقام العلماء بضوضاء وجلبة وساد الهرج والمرج وماجت المدينة بأسرها. واضطرب حبل الأمن واختلّ النظام وبأمر من حاكم فارس قبض عليهما وأمر أن يحرقوا لحى كل منهما وأن يثقب أنفاهما ويخزما ويربطا بحبل ويطاف بهما على هذه الحالة مُقيدين في جميع أنحاء المدينة ليكون ذلك درسًا قاسيًا حيًّا لجميع أهالي شيراز ليعلموا عقاب الكُفر. وكان الملاّ صادق يصغي بسكون رافعًا عينيه إلى السماء يتلو قوله:

“ربَّنا إنّنا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربَّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيّئآتنا وتوفّنا مع الأبرار.” (القرآن 3:193). وسلّم الاثنان أمرهما للقضاء وهما على ثبات عظيم وقام المأمورون بإيقاع العقاب وتنفيذه بكل نشاط وقوّة وبعد ذلك نُفيا من شيراز. وبتعذيبهما حازا قصب السبق في ميدان الاضطهاد الواقع في أرض إيران . (الملاّ علي البسطامي كان أول شهيد إلاّ أنه أصابه الاضطهاد في أرض العراق).

وقد حكى شاهد عيان لهذه الفاجعة ولم يكن مؤمنًا قال: “كنت حاضرًا إذ كانوا يجلدون الملاّ صادق وكنت أرى كيف كان مضطهدوه يتناوبون الجلد على كتفيه الداميتين واستمر جلده حتى انتهكت قواه ولم يكن أحد يصدق أن الملاّ صادق وهو طاعن في السن وضعيف البنية يقدر أن يتحمل أكثر من خمسين جَلدة من هذا الجَلد الوحشي وكُنّا نعجب من رباطة جأشه إذ علمنا أن عدد الجلدات قد زاد على التسعمائة ومع ذلك كان ثابت الأركان رابط الجأش ولم تتغير بشاشة وجهه. وكانت تلوح على وجهه ابتسامة وهو واضع يده على فمه وهو يظهر عدم المبالاة بالضربات التي كانت تمطر عليه. وقد اجتهدت حتى وصلت إليه بعد نفيه من المدينة وسألته لماذا كان يضع يده على فمه وأظهرت له تعجبي من أنّه كان يبتسم فأكّد لي قائلاً: ’كنت شديد التألم في السبع جلدات الأولى وأما باقي الجلدات فلم أحس بها وكنت أتعجب هل الجَلد كان ينزل على جسمي أم لا

فقد أحاط روحي احساس فرح وانشراح لا مزيد عليه وكنت أجتهد أن أُخفي إحساسي وأمنع ضحكي وهكذا علمت أن ربَّنا المنجي القدير يغيّر الألم بالراحة والحزن بالسرور في أقل من لمح البصر، تعالت قدرته فوق إدراكات خلقه الفانين.‘”

وتحول الاضطهاد نحو شخص الباب فأرسل الحاكم حسين خان الإيرواني إلى بوشهر خيالة من حرسه الخاص وأعطاهم أوامر مشدّدة للقبض على الباب وتكبيله بالحديد وإحضاره أمامه في شيراز. فيقول رئيس هؤلاء الحرس ما يلي: “ففي طريقنا إلى بوشهر وجدنا في البرِّيّة شابًّا يتمنطق حزامًا أخضر ويَعتمّ بعمامة صغيرة كما كانت عادة السادات الأشراف الذين يحترفون التجارة وكان ممتطيًا جواده وخلفه حبشي يحرس أمتعته وعندما اقتربنا منه سلّم علينا وسألنا عن وجهتنا وكنت أريد أن أخفي عنه مأموريتنا فتبسّم قائلاً: ’إنّ الحاكم أرسلكم للقبض عليّ فهائنذا اعملوا بي كما تريدون وحضرت لمقابلتكم كي أوفّر عليكم السير وسهلت لكم المأمورية في البحث عنّي.‘ فدهشت من إجابته وأظهرت استعدادي لتركه والارتحال عنه بعيدًا فاقترب مني وقال: ’قسمًا بالحق الذي خلق الانسان وميّزه عن جميع خلقه وجعل قلبه مقرّ قدرته ومعرفته إنّي في جميع أدوار حياتي لم أتكلّم إلا بالحق ولم يكن لي قصد سوى تقدّم أبناء جنسي تاركًا راحتي ولم أكن سببًا في حزن أو أذى أحد وإنّي أعلم أنكم تبحثون عني لذلك فضلت أن أقدم نفسي بدلاً من أن

تتعرضوا للمسؤولية أو تتحملوا مشقةً غير لازمة.‘ فحركت هذه الكلمات أعماق قلبي ونزلتُ حالاً عن جوادي وقبّلت ركابه وقلت له: ’يا نور عين رسول الله أقسمت لك بالذي خلقك وأعطاك القوّة والمقام الأعلى بأن تقبل رجائي وتهرب من هذا المكان ولا أرضى أن يقع رجل مثلك من سلالة الرسول فريسة للوحشية والدسائس الخبيثة.‘ فأجابني الشاب: ’لن أحول وجهي عن أمر الله وقضائه فهو كهفي ووليي وملجئي وإلى أن تأتي ساعتي الأخيرة لا يقدر أحد أن يضرّني ولا أن يبطل حكم الله وإذا أتت ساعتي فما أعظم سروري بتجرّع كأس الشهادة لأجل اسمه فهائنذا سلمني ليد سيدك ولا تخف لأنه لن يلومك في ذلك أحد.‘”

وبعد أن حضر الباب لامَه حسين خان على سلوكه وقال له بغضب: “ألست ذلك الرجل الذي يدّعي أنّه مبتدع أمرٍ جديدٍ يلغي أوامر القرآن المقدسة؟” فأجاب الباب بسكون: “يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.” (القرآن6:49). فأثارت هذه الكلمات حسين خان وصاح قائلاً: “ماذا تقول؟ هل يجوز أن تنسب الينا الجهل وعدم التبصر؟” وأمر حارسه أن يصفع الباب على وجهه فكانت اللطمة شديدة بدرجة أن عمامته وقعت على الأرض ولكن أبا تراب – إمام الجمعة في شيراز- الذي كان حاضرًا في ذلك الاجتماع انتقد عمل حسين خان وأمر بإعادة

عمامة الباب وأخذ يسأل الباب بخصوص الأمر الجديد. فامتنع الباب ان يكون نائب القائم الموعود أو الواسطة بينه وبين المؤمنين. وبعد ذلك سلّم الباب إلى حفظ وكفالة خاله الميرزا سيد علي بشرط أن يسلمه في أي وقت يطلب منه ذلك.

أما المفسدون فتشبثوا بكل وسيلة لتحريك إحساس وإشعال هياج الجمهور فاضطر أبو تراب أن يطلب من الباب الحضور إلى مسجد الوكيل. ووصل الباب إلى المسجد مع خاله الحاج السيد علي وطلب منه أبو تراب بكل ترحيب أن يصعد المنبر ويخطب في الناس فتقدم الباب ووقف على الدرجة الأولى من المنبر وخطب في الحاضرين فطلب منه إمام الجمعة أن يصعد المنبر فصعد درجتين أُخريين وقال: “إنّ غضب الله على كل من يعتبرني وكيلاً عن الإمام أو الباب إليه وإنّ غضب الله على من ينسب اليّ انكار وحدانية الله أو انكار نبوّة محمد خاتم النبيين أو رسالة أي رسول من رُسل الله أو وصاية علي أمير المؤمنين أو أي أحد من الأئمة الذين خلفوه.” ثم صعد إلى ذروة المنبر وعانقه إمام الجمعة وقال له: “اذهب إلى منزلك وأدي الصلاة هناك.” كذلك أمر الحاج السيد علي أن يرافقه إلى المنزل وكان هذا التدبير من إمام الجمعة خوفًا من اعتداء بعض الحمقى للاضرار بشخص الباب أو ايقاع حياته في خطر. وأمضى الباب ردحًا من الزمن في منزله بعيشة هادئة مع أسرته واقربائه. وفي تلك الأثناء احتفل بأول عيد للنوروز بعد إعلان

الرسالة وكان قد وقع في اليوم العاشر من شهر ربيع الأول سنة 1261 هجريّة (مارس سنة 1845 ميلاديّة).

وكان البعض ممن حضر هذه الحادثة في مسجد الوكيل وسمع أقوال الباب قد أعجب بالطريقة الحكيمة التي بها نجح هذا الشاب في اسكات مقاوميه العنيدين بدون أن يساعده أحد في ذلك. فلم يمض على تلك الحادثة وقت طويل حتى عرف الجميع رسالة الباب وجلالها.

وكان نوروز تلك السنة حافلاً بأنباء المعتنقين للأمر الجديد ومبشّرًا بقرب ظهور ربيع روحاني ظهرت بوادره ومرّت نسائمه في أنحاء البلاد وخرج الكثيرون من أشهر الرجال والعلماء من جمود وبرود الغفلة واستنشقوا عطر أنفاس ذلك الأمر الذي جاوز طيب رائحته حدود إيران .

الفصل التاسع

إقامة الباب في شيراز بعد الحج

لما انتشر تلاميذ الباب في أنحاء البلاد أعلنوا بدون خوف أو وجل لجمهور مواطنيهم تلك القوّة المُحيية للدين الحديث الولادة فانتشر صيت الباب في الأطراف ووصل إلى آذان الذين تبوؤا أعلى مراكز السلطة سواء في العاصمة أم في الأرياف. واشتد البحث والتحري من الرؤساء والمرؤوسين وكان للبابية أتباع عديدون في كل فرع من فروع الحياة ولكثير منهم أهمية خاصة فمنهم الأكابر ومنهم أعضاء في الهيئة الدينية ومنهم ضباط في العسكرية وتجار. وأخذت الدهشة والحيرة كل الذين سمعوا من أفواه رُسل الباب تلك العلامات والدلائل التي بشّرت بظهوره وكان عظماء الدولة ورؤساء الديانة دائبين على البحث والتحري بأنفسهم ويوفدون من يثقون بهم من القادرين للبحث والتنقيب عن حقيقة وصفة هذه الحركة العظيمة.

وتحرّك محمد شاه أيضًا للتحقق من هذه الأخبار والبحث في صفتها فأوفد السيد يحيى الدارابي (الوحيد- وهو لقب أعطي للسيد يحيى الدارابي من الباب ) أحد أشهر علماء العصر وأفصحهم وأكثرهم تأثيرًا في الرعايا لمقابلة الباب ولكتابة تقرير عن حقيقة الحال ونتيجة بحثه. وكان للشاه ثقة تامّة في إنصافه

ولما وصل السيد يحيى إلى شيراز قابل الباب في منزل الحاج الميرزا السيد علي (خال الباب) وأخذ يلفت نظر الباب إلى المسائل العويصة المشكلة المستعصية والآيات المتشابهة في القرآن ونبوات أئمة الدين وكان الباب يشرع في بيان الجواب المقنع المختصر لكل سؤال، وكانت سلاسة أجوبته واختصارها مما أثار إعجاب ودهشة السيد يحيى الذي رأى نفسه مغلوبًا على أمره وأحسّ في نفسه بشعور أزال كبرياءه ومحا منه محبة الرئاسة.

أما في المقابلة الثانية وجد السيد يحيى لفرط دهشته أنه نَسي جميع الأسئلة التي كان قد عزم على إلقائها على الباب فأخذ الباب يجيب على الأسئلة التي نسيها آنذاك فكان يذكّره بها. ووصف السيد يحيى ذلك قائلاً: “كنت أشعر إذ ذاك أنّي أنام نومًا عميقًا وكانت كلماته وإجاباته على المسائل التي نسيت أن أسألها توقظني من سباتي فاضطربت نفسي من تراكم وتزاحم أفكاري. فصممت في المقابلة الثالثة أن أطلب منه في سرّي تفسيرًا لسورة الكوثر (القرآن108) وعزمت أن لا أذكر هذا الطلب له شفاهًا فإذا أتى بالتفسير من تلقاء نفسه اقتنعت إذ ذاك بصحّة رسالته السماوية واعتنقت أمره وإلا فلا أعترف به. وبمجرد تشرّفي شعرت بخوف لم أكن أعلم سببه وكنت أرتجف وأنا أنظر إلى وجهه وكنت غير قادر على الوقوف على قدميّ

ولمّا شاهد الباب حالتي قام من مقعده وأخذ بيدي وأجلسني بجانبه وقال: ’اطلب مني كل ما يرومه قلبك أذكره توًّا لك.‘ فبقيت متعجبًا وبدون حراك فتبسم وهو ينظر اليّ وقال: ’إذا فسرت لك سورة الكوثر هل تعترف أنّ كلامي هو من روح الله وأنّه لا علاقة له بالسحر.‘ فلما سمعته يذكر ذلك أجهشت بالبكاء وما قدرت أن أتكلم بشيء وطلب الدواة والقرطاس ثم ابتدأ تفسيره على “سورة الكوثر” فكانت الآيات تتموج من قلمه بسرعة مدهشة لا تكاد تصدّق وكانت لطافته وظرافة صوته ولحنه وقوّة بيانه المهيب أدهشتني وحيّرتني واستمر على هذا المنوال إلى الغروب ولم يقف حتى أتمّ تفسير السورة وكان قلبي يخفق وصرت كالمجنون من شدّة تأثري وكنت على وشك الإغماء ثلاث مرات فكان ينعش قوتي برش ماء الورد على وجهي فأستعيد قوتي. ووصل إيماني بعظمة الأمر إذ ذاك إلى درجة لو اجتمعت جميع قوات الأرض وتحزّبت ضدّي لا تقدر أن تقلّل شيئًا منه.”

وبعد ذلك سافر السيد يحيى الدارابي إلى أطراف إيران ودعا الناس في كل مدينة وقرية إلى الأمر الجديد من رؤوس المنابر. وممن بحث عن الأمر أيضًا بدقّة من العلماء الأعلام واعتنقه الملاّ محمد علي من أهالي زنجان وهو الذي سماه الباب بالحجّة الزنجاني وكان لقبه حجّة الإسلام.

وأما القدوس فبعد ما طرد من شيراز سافر إلى كرمان ثم يزد

وأردكان ونائين وأردستان وإصفهان وكاشان وقم وطهران وفي كل هذه المدن نجح في غرس المبادىء الجديدة في قلوب سامعيه وقام بكل شجاعة على ترويجها. وفي طهران تشرّف بمقابلة حضرة بهاء الله. وكانت والدته (زوجة أبيه) تتمنى أن تراه يتزوّج وكان يجيبها بقوله: “إنّ يوم عرسي لم يحن بعد وإنّ ذلك اليوم سيكون بلا شك مهيبًا ولا يكون العرس داخل المنزل بل في العراء وتحت قبّة السماء في وسط سبزه ميدان (مكان في بلدة بارفروش) وأمام نظر جميع الناس – هناك يكون عرسي وهناك أشاهد بغية آمالي.” وبعد مضي ثلاث سنوات استشهد القدوس في سبزه ميدان.

ولم تكن المعاملات الوحشية ولا الاضطهاد والزجر بمانع لتلاميذ الباب وأعوانهم من إتمام مقاصدهم بل استمروا ثابتين في ايمانهم بلا ملل وبإخلاصهم الذي لا تشوبه شائبة وثباتهم المنقطع النظير تمكنوا من أن يظهروا لمواطنيهم تأثير ذلك الإيمان الذي قاموا على ترويجه.

وفي النوروز التالي لدعوة الباب -21 ربيع الأوّل سنة 1262 هجريّة (الموافق سنة 1846 ميلاديّة) كان الباب في شيراز متمتعًا بالراحة والسكون مع أسرته وأهله واحتفل بهدوء بعيد النوروز في منزله وحسب عادته أسدى إلى زوجته ووالدته علائم المحبة والفضل. وبحكمة نصائحه ولطف محبّته فرّح قلبيهما وأزال همومهما وأوصى بجميع أملاكه لهما.

ولم تدرك والدة الباب أهمية رسالته وبقيت مدّة غير عالمة بعظمة القوّة المودعة في الأمر الجديد ولما قاربت أواخر حياتها علمت قدر تلك الأمانة المنقطعة النظير. وكان حضرة بهاء الله هو الذي مكّنها من اكتشاف ذلك الكنز المكنون الذي بقي مدّة طويلة محجوبًا عن أنظارها. واعترفت بالأمر وعاشت حتى أواخر القرن الثالث عشر الهجري (اكتوبر سنة 1882ميلاديّة). وتوفيت وهي عالمة تمامًا بالفضل والموهبة التي منحها لها ربّ العزّة. وأما زوجة الباب فكانت خلافًا لوالدته قد اطّلعت على جلال الأمر في أوائل اشراقه وشعرت من البداية بغزارة قوّته ولم يفق عليها أحد من جيلها في قوة العبادة ولا في قوة الإيمان سوى الطاهرة. وقد أعلمها الباب بمستقبل آلامه وكشف أمام عينيها أهمية تلك الحوادث التي ستحصل في ذلك اليوم وأمرها أن لا تذيع هذا السرّ إلى والدته ونصحها أن تصبر وتمتثل لإرادة الله.

وبعد أن أنهى الباب شؤون منزله انتقل إلى الحاج الميرزا السيد علي (خاله) وهناك دقّت ساعة آلامه المنتظرة. وعرف أن المصائب المخزونة له لا يمكن أن تتأخّر وأنّه سوف يؤخذ وسط عاصفة البغض والاضطهاد ويحمل منها سريعًا إلى ميدان الشهادة التي هي تاج فخر حياته.

وفي هذه الأثناء كان حسين خان حاكم فارس يعمل كل جهده لإيقاع الباب في المشاكل ليحط منزلته في نظر الناس

وكانت نيران عدواته الخامدة قد عادت للاشتعال إذ علم أن الباب لايزال يواصل مجهوداته بدون حصول أي تعرض له وأنّه لم يزل يقابل الكثيرين من أصحابه. فأرسل عبد الحميد خان لتنفيذ الأمر وهجم على منزل الحاج الميرزا السيد علي وقبضوا على الباب ولمّا وصلوا إلى السوق رأوا أهالي المدينة يهرعون في كل مكان وهم يصيحون من الألم والحزن فعلم أن الوباء (الكوليرا) قد ظهر فجأة وأنّ الناس يموتون بسرعة. وفزع عبد الحميد خان من هذا الخبر واسرع إلى منزل حسين خان وعلم أنّ حسين خان وأهل المنزل هجروه بعد أن ضرب الوباء أفراد أسرته. فعزم عبد الحميد خان إذ ذاك على أخذ الباب إلى منزله لحفظه هناك حتى تصله أوامر من الحاكم. ولما اقترب من منزله أزعجه صوت النحيب والبكاء من أفراد الأسرة وكان الوباء قد ضرب ابنه وصار على شفا الهلاك. فوقع على أقدام الباب وتضرع إليه باكيًا أن ينقذ حياة ابنه وسأله أن يغفر له سابق تعدياته وسيئآته. وكان الباب في ذلك الوقت يتوضأ لصلاة الفجر فأمره أن يأخذ بعضًا من الماء الذي يغسل به وجهه ويطلب من نجله أن يشربه فذلك كفيل بنجاته من الموت. وما كاد عبد الحميد خان يشاهد شفاء نجله حتى كتب للحاكم يعلمه بالأمر ويرجوه أن يترك تهجّمه على الباب وقال له: “ارحم نفسك والذين أولاك الله رعايتهم.” فأجاب حسين خان بإطلاق سراح الباب واعطائه الحرية ليذهب حيث يشاء وبمجرد وصول هذه الأخبار إلى

طهران ولفت نظر الشاه إليها صدر أمره بعزل حسين خان من وظيفته وأرسل الأمر إلى شيراز.

الفصل العاشر

رحلة الباب إلى إصفهان

 

في صيف 1262 (سنة 1846 ميلاديّة) ودّع الباب موطنه شيراز وسافر إلى إصفهان ولما اقترب من ضواحي المدينة كتب خطابًا إلى منوچهر خان معتمد الدولة، والي ذلك الإقليم وطلب إليه أن يعين له مكان الإقامة. فأمر معتمد الدولة سلطان العلماء – إمام الجمعة في إصفهان وهو أكبر رجال الدين في الدولة أن يستقبل الباب ويضيفه في منزله ويظهر له كل ترحاب وإكرام. وكان يحف الباب الاحترام والإجلال من جميع الجهات حتى أنّه في يوم جمعة بينما كان راجعًا من الحمّام إلى المنزل اجتمع جمهور من الناس وأخذوا يتشاحنون على اقتسام الماء الذي استعمله في الوضوء وكان المعجبون به والمتحمسون له يعتقدون في طهارتها وقدرتها على شفاء أمراضهم وأسقامهم.

وذات ليلة بعد العشاء أخذ إمام الجمعة العجب من صفات وأخلاق ضيفه الشاب ومحاسن أحواله وطلب منه أن يفسر له سورة والعصر (القرآن103) فأخذ الباب يكتب بسرعة مدهشة وبدون أدنى تأمّل ما طلب مضيفه وكانت قوّة بيانه قد أدهشت سامعيه الذين سُحروا من صوته وقاموا حالاً بما فيهم إمام الجمعة وقبّلوا طرف ردائه.

ولما زادت شهرة الباب انتشارًا في مدينة إصفهان حضر لزيارته جمّ غفير من الزوار من كلّ مكان لمعرفة الحقائق الدينية وكثيرون حضروا طلبًا للشفاء من الأمراض والآلام. وجاء معتمد الدولة نفسه ذات مرة لزيارته. وبينما كان الباب جالسًا وسط أشهر علماء إصفهان وطلب منه معتمد الدولة بيانًا عن صحة النبوة الخاصة وكذلك طلب من الحاضرين أن يظهروا البراهين والحجج على صحة معتقدهم المذكور ليكون دليلاً كافيًا لكلّ من ينكره، فلم يقدر أحد من الحاضرين على إجابة الطلب ولكنّ الباب قال له: “هل تريد أن يكون الرّدّ كتابةً أو شفاهًا على سؤالك؟ “فقال له: “بل ردًّا كتابيًا ويكون بحيث لا يقنع فقط الذين هم حاضرون في هذا المجلس بل يكون معلّمًا ومهذّبًا للأجيال الحاضرة والمستقبلة.” فأخذ الباب قلمه وشرع في الكتابة وفي أقلّ من ساعتين ملأ أكثر من خمسين صحيفة ببحث مستفيض عن أصل وكيفية تأثير الإسلام وكانت قوّة عباراته وسلاستها ومتانتها ودقة جميع تفاصيلها قد أعطت الموضوع الذي يعالجه طابع الامتياز الذي لم يغب عن ذهن أحد من الحاضرين. وفي كتابته أدلى بالحجج القويّة بشجاعة تامّة حتى أن المستمعين لتلاوة الآيات أخذتهم الدهشة من عظمة وحيه ولم يجرؤ أحد أن ينبس بأقلّ اعتراض فضلاً عن أن يرد علنًا على شيء من عباراته ولم يقدر المعتمد أن يخفي حماسه وسروره وصاح قائلاً: “اسمعوا إني لم أكن إلى هذا اليوم اعتقد

بقلبي اعتقادًا جازمًا في ديني ولكنّي الآن أعترف بأنّي صرت مؤمنًا حقًا بالدين الذي جاء به رسول الله وذلك من أثر بيانات هذا الشاب والحمد لله وإنّي أشهد بالقوة الخارجة عن طاقة البشر التي يتحلى بها هذا الشاب تلك القوة التي لا يقدر أيّ تعليم أرضي أن يهبها لأحد.”

وسببت شهرة الباب الآخذة في الازدياد والمقام الرفيع الذي وصل إليه، الحسد والقلق في المدينة ولكن رأى قليل من العقلاء أنَّ الأوفق هو الامتناع عن أعمال العداء لشخص الباب ورسالته لأنّهم شعروا أنّ مثل هذه الأعمال لا تفيد إلاّ في إعلاء شأنه وتثبيت مقامه. وكان الأشرار يروّجون الاشاعات بتقارير كاذبة وكانت هذه التقارير تصل إلى طهران وتعرض على الحاج الميرزا آقاسي رئيس وزراء محمد شاه وظنّ هذا الوزير المتعجرف المتغطرس أن يميل الشاه ذات يوم إلى محبّة الباب وذلك يؤول طبعًا إلى سقوطه وكذلك خشي أن يرتب معتمد الدولة مجلسًا يجمع فيه الباب مع الشّاه وتيقّن الحاج بأنّه لو تمّ هذا الاجتماع فإنّ ذلك المذهب الجديد يأخذ بلبّ الشاه ويستحوذ على قلبه الرقيق بجاذبيته. ولما تمكنت منه هذه الهواجس أرسل إلى إمام الجمعة خطابًا شديدًا وبّخه فيه على إهماله العظيم في حراسة مصالح الدين. ولما علم معتمد الدولة بذلك أرسل إلى إمام الجمعة وطلب منه حضوره مع مضيفه لمنزله وأسرّ معتمد الدولة إلى إمام الجمعة قائلاً: “إنّي أخاف

من تدابير أعداء السيد الباب وقد أمر الشاه بإحضاره إلى طهران وإنّي مضطر أن أعمل الترتيبات لإرساله وأرى أن يمكث في منزلي حتى يحين الوقت لمغادرة مدينتنا.” فوافقه إمام الجمعة على ذلك وعاد إلى منزله منفردًا.

وكان قد مكث الباب أربعين يومًا في منزل إمام الجمعة. وقبل انتقاله إلى منزل معتمد الدولة كان الميرزا ابراهيم وهو والد سلطان الشهداء وأخ الميرزا محمد علي النهري قد دعا الباب لوليمة عنده وكان سلطان الشهداء وأخوه محبوب الشهداء يخدمان على المائدة وهما طفلان في سن العاشرة والحادية عشرة. وفي تلك الليلة أثناء تناول الطعام طلب الميرزا ابراهيم من الباب قائلاً: “إنَّ أخي الميرزا محمد (محمد علي النهري) ليس له ابن فأرجوك أن تهبه مرغوب فؤاده.” فأخذ الباب بعضًا من الطعام وطلب منه أن يعطيه للميرزا محمد علي وزوجته وأن يتقاسماه فيتم لهما مرادهما. وفعلاً حصل ذلك وحملت زوجة الميرزا محمد علي وولدت بنتًا اقترنت فيما بعد بالغصن الأعظم. (إشارة إلى زواج منيرة خانم بحضرة عبد البهاء).

وأثارت هذه التبجيلات والاحترامات الموجهة نحو الباب عداوة علماء إصفهان فقرروا فيما بينهم عقد اجتماع وفيه حرّروا خطابًا ختموه من جميع الرؤساء الدينيين في تلك المدينة وحكموا فيه على الباب بالإعدام.

ولما علم معتمد الدولة بالحكم الصادر من علماء إصفهان

رتّب حملة لإلغاء تأثير هذه الفتوى القاسية فأصدر أوامره بمغادرة الباب إصفهان محروسًا بخمسمائة من الخيالة ليتوجّه عند غروب الشمس إلى جهة طهران. ثم أصدر الأوامر المشدّدة على أن يعود في كل فرسخ مائة من الخيالة إلى إصفهان وأسرّ إلى قائد المائة الأخيرة وهو رجل يثق به أن يعود بطريق آخر غير معروف مع العشرة الباقية من رجاله الموثوق بهم إلى إصفهان. ويعدلوا سيرهم بطريقة يعودون بها بالباب إلى إصفهان قبل الفجر في اليوم التالي ويسلمونه له.

وقد نفذت فعلاً هذه الطريقة وعاد الباب في ساعة غير متوقعة إلى المدينة وأوصلوه إلى منزل معتمد الدولة الخاص المُسمى بعمارة خورشيد ودخل إلى غرفته الخصوصية. وكان الحاكم المذكور يتولى أمر الباب ويقوم على خدمته ويهيّء ما يلزم لراحته واطمئنانه. ومكث الباب في ذلك المنزل أربعة أشهر. ولم يسمح لجميع أصحابه المقيمين في إصفهان أن يروه سوى ثلاثة منهم وهم الملاّ عبد الكريم القزويني الذي استلم من سيده الباب بعض المكاتيب وأمره أن ينسخها بمعونة السيد حسين اليزدي والشيخ حسن الزنوزي.

وقد عرض معتمد الدولة رغبته بأن يسافر إلى طهران بإذن الباب ويعمل جهده حتى يميل قلب الشاه وحكام وملوك الأرض إلى الأمر فأجابه الباب قائلاً: “جازاك الله على مقاصدك النبيلة خيرًا فإنّ هذه النيّة السامية أثمن من الفعل نفسه ولكنّ أيّامك

وأيّامي في هذه الدنيا محدودة ولم يقدّر الله القدير نصرة أمره بالطرق التي نتصوّرها ونحبّها بل بواسطة المساكين والمستضعفين والدماء التي تسفك في سبيله يحقق القدير أمره ويحفظه ويصونه. وقد بقي لك الآن في الحياة الدنيا ثلاثة أشهر وتسعة أيام فقط وبعدها تعود بإيمانك ويقينك إلى المسكن الأبدي.” ففرح معتمد الدولة بهذه الكلمات وأسلم الأمر لإرادة الله وابتدأ يستعد للفراق الذي أنبأه به الباب بوضوح تامّ. وكان معتمد الدولة في أيّامه الأخيرة دائم الحضور مع الباب وفي ساعات اجتماعه به كان يزداد يقينًا وعلمًا بطبيعة الروح التي أحيت إيمانه. وقال معتمد الدولة للباب: “أفكر فيك وأرتجف إذ أعلم أنّي سأفارقك وأتركك لتقدير وارث قاس مثل جورجين خان (ابن خاله) فإنّه سيكشف أمر وجودك في هذا المنزل وأخاف عليك أن يؤذيك إيذاءً بليغًا.” فأجابه الباب: “لا تخف إنّي سلّمت أمري إلى الله وعليه توكلت ولقد منّ عليّ قوّة من عنده بحيث لو أرغب أن أقلب هذه الأحجار إلى جواهرمما لا عدل لها وأثبت في قلب أشقى المجرمين أعلى أشكال الاستقامة والإخلاص لأقدر ولكن اخترت بنفسي أن أُعذّب بيد أعدائي حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.”

وبعد قليل من وفاة معتمد الدولة علم جورجين خان بمقرّ الباب في عمارة خورشيد وبالاحتياطات التي أخذها معتمد الدولة لحماية الباب فأرسل رسولاً إلى طهران ليخبر محمد شاه

بذلك. ولما كان الشاه كبير الثّقة في معتمد الدولة المتوفي علم أنّ رغبة الحاكم الأكيدة كانت في انتهاز الفرصة لترتيب اجتماع بينه وبين الباب وأن مَنيّته عاجلته وحالت دون تنفيذ ذلك فأصدر أمرًا ملكيًّا بدعوة الباب إلى دار السلطنة وأمر جورجين خان أنْ يرسل الباب في الخفاء بصحبة حرس من الخيّالة إلى طهران وأن يظهر له منتهى الاعتبار أثناء سفره وأن يبقي رحلته في حيّز الكتمان.

وبعد منتصف الليل ارتحل الباب من مدينة إصفهان إلى جهة طهران تبعًا للأوامر الصادرة.

الفصل الحادي عشر

إقامة الباب في كاشان

 

وفي مساء اليوم الذي وصل فيه الباب إلى كاشان وهو في طريقه إلى طهران كان الحاج الميرزا جاني المشهور بپرپا وهو من مشاهير تلك المدينة قد رأى في منامه رؤيا كأنه واقف في ساعة متأخرة من العصر على باب المدينة المسمّى بباب العطار إذ رأى فجأة الباب راكبًا جواده وكان في حراسة عدد من الخيّالة وعندما اقترب سلّم عليه قائلاً: “سوف نكون ضيوفًا عليك مدّة ثلاث ليال فاستعد للقائنا.” ولما استيقظ شعر من قوة رؤياه أنّها حقيقة فأخذ توًّا في إعداد منزله لنزول ضيفه ثم ذهب تلك الليلة إلى باب العطار وانتظر هناك مجيء الباب وفيما كان يمعن النظر في الأفق عاين على بُعد هيئة خيّالة حاضرة نحو باب المدينة ولما أسرع للقائهم عرف الباب وهو محاط بحرسه. فاقترب منه الحاج الميرزا جاني بفرح وانحنى وقال له الباب: “سنكون ضيوفك مدة ثلاث ليالٍ. وغدًا هو يوم النوروز فسنحتفل به سويّة في منزلك.” وبعد جدال بين الحرس ترك الباب لحراسة الميرزا جاني وقال له الباب: “لولا إرادتي ما كان يمكن إقناعهم بأن يسلّموني اليك فكل شيء موكول إلى قبضة قدرته ولا يستحيل عليه فهو يزيل كل صعوبة ويتغلّب على كل

الموانع.” وكان وصول الباب إلى منزل الحاج الميرزا جاني مساء اليوم السابق للنوروز الثالث من إعلان الدعوة وهو يوافق اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني سنة 1263 هجريّة (سنة 1847 ميلاديّة).

وفي صبيحة اليوم الثاني بعد النوروز سلّم الميرزا جاني للحرس الباب الذي كان أمانة لديه وبقلب مملوء بالحزن والأسى ودّعه الوداع الأخير المؤثر.

الفصل الثاني عشر

رحلة الباب من كاشان إلى تبريز

 

وسار الباب برفقة الحرس في طريق قُم[2]. وكانت جاذبيته الساحرة الممزوجة بالكمال والوقار واللطف والرزانة قد غيّرت صفات حراسه وجعلتهم منقادين له فطرحوا كل أفكارهم وآرائهم تسليمًا لإرادته ورضاه. وكانت إحساسات الباب قد غرست الثقة في قلوب الذين رافقوه فلم يروا ضرورة لمراقبته لشدّة اطمئنانهم منه.

وكانوا في الطريق إذ برسول وصل فجأة من طهران ومعه أمر كتابي من الحاج الميرزا آقاسي إلى محمد بيك چاپارچي – رئيس الحرس- بأن يذهبوا توًّا بالباب إلى بلدة كلين وبالنظر إلى عدم صلاحية المنازل في تلك القرية أمر محمد بيك أن تضرب خيمة لأجل الباب حتى تصله أوامر جديدة. وأما من إصفهان إلى طهران، ففي كل مكان كان الناس يتكلمون ويتهامسون ويصرخون من الظلم اللاحق بالباب. ونصبت الخيمة على سفح تلّ جميل تكتنفه الحدائق والمروج من كل

الجهات وسُرّ الباب من هدوء تلك الجهة ونضارة خضرتها وخرير مياه جداولها.

ووصل لزيارة الباب بعض من أصحاب حضرة بهاء الله ومنهم الملاّ محمد مهدي الكَنْدي وهو الذي أرسله حضرة بهاء الله مع خطاب مختوم وبعض الهدايا للباب وبمجرّد وصولها ليده شعر بسرور غير عادي وتهلّل وجهه وأغدق على الرسول عبارات الشُكر والامتنان.

وأثرت هذه الرسالة التي وصلت في ساعة الحيرة والتوقف وجدّدت في الباب نشاطًا ونفثت في روحه تأكيد الفوز والنصر وأصبح ينطق بعبارات الشُكر والمدح والأمل وبدا على وجهه فرح لم يفارقه حتى وردت أخبار الفاجعة العظيمة بسقوط شجعان قلعة طبرسي فاحتجبت من مُحياه تلك الابتسامة وزال من قلبه الفرح والابتهاج.

وظهرت على مُحيّا الباب الرزانة والجلال والثّقة وكانت أقواله متشبعة بقوة فائقة فلم يقدر أحد أن يسأله عن سبب هذا التغيير العظيم الحاصل في أقواله وأفعاله وكذلك لم يشأ هو بنفسه أن يخبر أحدًا. وأقام الباب مدة أسبوعين في هذا المكان يتمتع بجمال الطبيعة. وساد السكون والهدوء إلى أن وصل خطاب من محمد شاه نفسه إلى الباب وفيه يقول: “ولو أنّنا نودّ مقابلتك إلاّ أنّنا نجد أنفسنا غير قادرين على استقبالك في طهران بما هو لائق لك لأنّنا على جناح السفر من العاصمة وقد أمرنا أن

تُرسل إلى ماه كو وأصدرنا التعليمات اللازمة إلى علي خان محافظ القلعة أن يعاملك بالإجلال والاحترام. وأملنا وعزمنا أن نطلب حضورك لدى عودتنا إلى سرير السلطنة وفي ذلك الوقت نقدر أن نحكم في مسألتك ونعتقد أنّنا لم نسبب لك أيّ ازعاج وأنّك لا تتأخّر أن تخبرنا عن أيّ حيف يصيبك ونتمنى لك أن تستمر في الدعاء والتوفيق لنا والسعادة لمملكتنا.” وكان ذلك في ربيع الثاني سنة 1263هجريّة (يوافق 19 مارس-17 أبريل سنة 1847 ميلاديّة).

ومما لا شك فيه أن الحاج الميرزا آقاسي كان مسؤولاً عن إرسال مثل هذا الخطاب إلى الباب والحامل على ذلك خوفه لئلاّ تكون المقابلة مع الشاه سببًا في خلعه وسلبه مقامه الذي يتمتع به وسلطته التّامّة على كافة أمور الحكومة. وأخذ يحرّض مليكه على نقل مثل هذا الخصم القويّ إلى ركن بعيد من أركان المملكة وبهذه الوسيلة يتخلّص من الهمّ الذي كان دائمًا يساوره فما أعظم خطأه وأشدّ ضلاله.

أما الوزير الحاج الميرزا آقاسي فقد فَقَدَ مقامه ورتبته وأضاع ثروته وضاعت منه أملاكه العديدة التي كان قد استولى عليها بالظلم من الأهالي المساكين وذلك بعد سنتين فقط من اصداره الأمر بحبس الباب في جبال آذربايجان الموحشة وصادرت الحكومة جميع ممتلكاته وغضب عليه مليكه وطرده من طهران بالذلّة والهوان ووقع فريسة للمرض والفقر وضاع منه الأمل

وهبط في الذّلّ وخمد ذكره في كربلاء حتى وافته المنيّة.

وقد أُمِر الباب بالذهاب إلى تبريز توًّا وصحبه الحرس أنفسهم تحت إمرة محمد بيك إلى إقليم آذربايجان الشمالي الغربي وصرّح له أن ينتخب رفيقًا واحدًا وخادمًا أيضًا من بين أتباعه أثناء اقامته في ذلك الإقليم. فانتخب السيد حسين اليزدي والسيد حسن أخاه. وامتنع أن يصرف على نفسه المبالغ التي أعطتها الحكومة له لمصاريف الرحلة. وصرف جميع تلك المبالغ على المساكين والمحتاجين وخصص لنفقاته واحتياجاته الضروريّة المبالغ التي ربحها من التجارة في بوشهر وشيراز.

ولما كانت الأوامر أُعطيت لمنعه من الدخول إلى البلاد التي يمر بها في طريقه إلى تبريز حضر خارج تلك المدن فوج من أحبّائه ممن علموا بقرب مجيء محبوبهم وتمكنوا من مقابلته. وقد عَلِم الحجّة الزنجاني (الملاّ محمد علي) بعد يومين بأمر الباب وكان محبوسًا في العاصمة فأرسل وطلب من أصحابه في بلدته أن يستعدّوا ويقوموا مع الاحتراس التّامّ ويجتهدوا في انتهاز الفرصة لأخذ الباب وإرساله إلى أيّ جهة يشاء فاجتمع عدد من المؤمنين في قزوين وطهران وذهب الجميع بناء على أمر الحجّة ووصلوا إلى مكان الحرس في ساعة متأخرة من الليل ووجدوهم نائمين فاقتربوا من الباب ورجوه أن يهرب معهم فأجابهم برباطة جأش قائلاً: “إنّ جبال آذربايجان أيضًا لها حقوق،” ونصحهم بكل محبة أن يعودوا إلى منازلهم

ويتركوا ما اعتزموا عليه.

ولما اقترب الركب من باب تبريز وشعر محمد بيك (رئيس الحرس) بأن ساعة الفراق من مسجونه قد دنت حضر أمامه وبأعين دامعة رجاه أن يغفر له تقصيره وتعدّيه وقال له: “ان السفر من إصفهان كان طويلاً مُملاً وقد قصّرت في أداء واجبي في خدمتك كما ينبغي لذلك استميحك العذر وأرجوك أن تباركني.” فأجابه الباب قائلاً: “كُن مطمئنًّا فإنّي أعدك أن تكون أحد أصحابي والذين يتبعون أمري سوف يباركونك إلى الأبد ويعظمونك ويمجدون عملك ويرفعون اسمك.” وفعل باقي الحرس كما فعل رئيسهم وتضرّعوا إلى مسجونهم أن يباركهم وقبّلوا أقدامه وودعوه الوداع الأخير بدموع منهمرة وأظهر الباب لكلّ منهم عناياته وأكّد دعوته لهم في صلواته وسلّموه بعد التردّد الكثير إلى يد حاكم تبريز الذي كان وليّ عهد محمد شاه. وكان هؤلاء الرفقاء الذين شاهدوا بأعينهم حكمة الباب وقوّته الفائقة عن حدود البشرية قد أخبروا كلّ من قابلهم بعجائب أحواله التي رأوها وسمعوها وساعدوا بذلك على نشر الأمر الجديد.

وأهاجت أخبار اقتراب الباب من تبريز الأحباء فيها وخرجوا جميعًا لمقابلته ولكنّ الموظفين أبوا أن يسمحوا لهم بأن يقتربوا منه أو يلتمسوا بركته. ولكن أحد الشبان لم يقدر أن يمنع نفسه وهجم وهو حافي الأقدام واخترق باب المدينة ولم يستطع عدم رؤية وجه محبوبه فجرى مسافة نصف فرسخ (3 كيلومترات

الصورة غير متوفرة

منظر القلعة التي حبس فيها الباب في تبريز من الخارج (والعلامة x )

تشير إلى الغرفة التي كان يشغرها

تقريبًا) حتى وصل إلى الخيالة الذين كانوا سائرين في المقدمة أمام الباب ورحب بهم بكلّ فرح وأمسك بطرف رداء أحدهم وقبّل ركابه وصاح قائلاً وهو يبكي: “أنتم رفقاء محبوبي لذلك أعزّكم أكثر من قرّة عيني.” وكان هذا المسلك والحنين الزائد قد بهرهم فسمحوا له في الحال بإجابة طلبه في المثول بين يدي سيده وبمجرد أن وقع نظره عليه صاح بفرحٍ زائد ووقع على وجهه باكيًا فنزل الباب من جواده وعانقه ومسح دموعه وهدّأ روع قلبه وباركه ولكن لم يتمكّن الآخرون إلاّ بإلقاء نظرهم على محبوبهم من بُعد واكتفوا بذلك لشفاء غليل فؤادهم.

ولما وصل الباب إلى تبريز أدخلوه إحدى المنازل التي أُعدت لحبسه في تلك المدينة. ثم نقلوه إلى غرفة في القلعة المجاورة لمسجد علي شاه. وكانت تحرسه جوقة من النصيريّة ولم يتمكن أحد من مقابلته سواء من العامّة أم من أنصاره سوى السيّد حسين اليزدي وأخيه. وكانت الفرقة التي أنتخبت لحراسته من بين السكان في بلدة خمسه هي نفس الفرقة التي انتخبت لاستشهاده بإطلاق الرصاص عليه. وأثارت حادثة وصول الباب إلى تبريز ضجّة كبيرة بين الأهالي واجتمع جمّ غفير لمشاهدة دخوله المدينة وكثير منهم حرّكهم إيمانهم وإخلاصهم ليشاهدوه ويؤكدوا له خضوعهم. وبينما كان يسير في الشوارع كان صياح الجماهير يتردّد من كلّ الجهات وكان أغلب الجمهور الذين رأوا وجهه يحيّونه بصياح “الله أكبر” وكان غيرهم يرحب به ويهلل

الصورة غير متوفرة

القلعة التي حبس فيها الباب في تبريز والغرفة التي كان يشغرها من الداخل

والبعض يطلب من الله نزول البركات من القدير عليه والبعض الآخر أخذ يقبّل التراب الذي تحت أقدامه باحترام.

ومكث الباب في تبريز مدة أربعين يومًا.

الصورة غير متوفرة

قلعة ماه كو

الفصل الثالث عشر

حبس الباب في قلعة ماه كو

وما رواه السيد حسين اليزدي قال: “في مدّة العشرة أيّام الأولى التي تلت حبس الباب في تبريز لم يعلم أحد ماذا سيكون مصير أمره وكثرت الإشاعات في المدينة وذات يوم تجاسرت على سؤاله إذا كان سيستمر على البقاء في ذلك المكان أو أنه سينتقل إلى جهة أخرى فأجابني فورًا: ’إنّنا سنمكث مدّة لا تقل عن تسعة أشهر محبوسين في الجبل الباسط – ماه كو، ثم ننتقل منه إلى الجبل الشديد – چهريق.‘” (جبل باسط يوافق جبل ماه كو في حساب الجُمَّل وكذلك جبل شديد يوافق جبل چهريق فعدد الأوّل 72 وعدد الثاني 318) وهذان الجبلان هما من سلسلة جبال خوي ويقعان على جانبي المدينة التي تحمل هذا الاسم.

وقلعة ماه كو عبارة عن بناء صخري ذي أربعة أبراج ويقع على قمة جبل وفي أسفله مدينة ماه كو ويقع على حدود الممالك العثمانية والروسية. وكان اسم الضابط المسؤول عن القلعة علي خان الماه كوئي. وسكان المدينة من الأكراد وهم من أهل السنّة. وأمّا الباب فبلطف صفاته ودماثة أخلاقه التي لا شبه لها أوقد الحماس في قلوب السكان فكانوا كلّ صباح يبدأون أعمالهم بأن يبحثوا عن مكان يقدرون أن يفوزوا فيه بنظرة لوجهه ويناجونه

ويطلبون منه البركة في عملهم اليوميّ. وعند حصول مشاجرة أو خصام يسرعون إلى ذلك المكان ويولّون وجوههم تلقاء السجن ويحلفون باسمه أن يقول كل منهم الصدق.

وحكى السيّد حسين اليزدي قائلاً: “في الأسبوعين الأوّلين لم يسمح لأحد بزيارة الباب وكُنّا أنا وأخي الوحيدين المسموح لهما بملاقاته وكنت في كلّ يوم أنزل إلى المدينة ومعي أحد الحراس لشراء اللوازم الضروريّة وأمّا الشيخ حسن الزنوزي الذي وصل إلى ماه كو كان يقوم كواسطة بين المؤمنين الذين كانوا يأتون للزيارة وبين السيد حسن أخي الذي كانت العرائض تصل بواسطته من المؤمنين إلى مولاهم وترسل الأجوبة بواسطته أيضًا إلى الشيخ حسن الزنوزي. وفي ذات يوم أعلم الباب أخي أنّه سيطلب بنفسه من علي خان أن يخفّف الشدّة وأن يأذن للمؤمنين بالزيارة. وفي اليوم التالي في وقت مبكّر دهشنا لطرق الباب فجأة وعرفنا صوت علي خان وهو يتناقش مع الحرس وجاء أحدهم وأخبرني بأنّ محافظ القلعة (علي خان) مصمّم على التصريح له بالدخول لمقابلة الباب. فأوصلت الرسالة وأُمرت أن أُدخله حالاً. وإذ شرعت بالخروج من الغرفة المجاورة لغرفة الباب وجدت علي خان واقفًا على العتبة بهيئة خضوع تامّ وتظهر على وجهه علائم الخشوع والتعجّب على غير المعتاد. وبكل خضوع وبكمال الأدب ردّ عليّ السلام ورجاني أن أصرّح له بالدخول لمقابلة الباب. فأخذته إلى الغرفة التي

يقطنها الباب وكانت ركبتاه ترتعشان وظهرت في باطنه هيجان لم يقدر على إخفائه. فقام الباب ورحّب به فاقترب علي خان وانحنى تعظيمًا له وارتمى على أقدامه وقال: ’خلّصني من حيرتي فإنّي أستحلفك الله أن تزيل شكوكي فإنّي عندما اقتربت من باب المدينة وأنا ممتطي جوادي في وقت الفجر رأيتك بعيني فجأة بجانب النهر واقفًا تصلّي. وكانت يداك وعيناك مرتفعتين إلى السماء فوقفت ألاحظك وانتظرت حتى أتممت الصلاة لأقترب منك وأوبّخك على التجاسر بترك القلعة بدون إذني. وفجأة شعرت بخوف شديد ورجعت إلى الحرس لأوبّخهم على إهمالهم ولكنّي دهشت إذ وجدت الباب الخارجي والداخلي مغلقين ولم يفتحا إلا بناء على طلبي فدخلت عندك والآن وجدتك جالسًا أمامي مما أوجب تعجّبي وارتبت أن يكون عقلي قد فارقني.‘ فأجابه الباب قائلاً: ’إنّ الذي رأيت هو حق لا ينكر. وإنّك تبخس قدر هذا الأمر وتحتقر صاحبه ولم يشأ الله برحمته أن يوقعك في العقاب بل أراد أن يظهر الحق أمام عينيك وبهداية إلهيّة أوقع في قلبك محبة وليّه لتعترف بقوّة الأمر التي لن تقهر.‘ وقلبت هذه الحادثة قلب علي خان كليّة. وهدأت هذه الكلمات اضطرابه واخضعت وحشيّته وأزالت عداوته. وطلب علي خان من الباب أن يغفر له سيّئآته وذهب توًّا وأحضر الشيخ حسن الزنوزي للمثول بين يديّ الباب. ولم يأل علي خان جهدًا في ضمن الحدود المُخَوّلة له في عمل كل ما من شأنه تخفيف

وطأة الأسر على الباب وكان باب القلعة مغلقًا أثناء الليل وأمّا في النهار فكان يصّرح لكل من يريد الدخول لزيارة الباب.”

وأثناء حبسه في القلعة خصّص الباب كل وقته لكتابة البيان الفارسي وهو من أهم وأشهر كتبه وفيه شرع القوانين والقواعد للأمر الجديد وبيّن وأوضح وبشّر بظهور جديد يأتي بعده وطلب من أتباعه القيام للبحث عن من يظهره الله (إشارة إلى حضرة بهاء الله) وحذّرهم من أن يأوّلوا الأسرار والإشارات الموجودة في البيان بطريقة تمنع الاعتراف بأمره.

وكان صوت الباب وهو يملي تعاليمه ومبادئه مسموعًا بوضوح في سفح الجبل الذي كان يردّد هو والوادي صوته وكانت نغمة ترتيل الآيات تفيض من فمه وهي تُشنّف الأسماع وتخترق القلوب والأرواح وتتحرك لندائه القلوب من أعماقها وكان لإرخاء حبل القيود التي فرضت على الباب الأثر الجميل في تشجيع الكثيرين من أصحابه وأتباعه على الحضور من الأقاليم المختلفة في إيران لزيارته في قلعة ماه كو.

وعلى هذا النحو أمضى الباب الصيف والخريف بين جدران تلك القلعة وتلا ذلك شتاء قارس وكان الماء الذي يستعمله في الوضوء وصل لدرجة من البرودة الثلجيّة أن قطراته كانت تلمع على وجهه بما فيها من الثلج. ووافق ابتداء ذلك الفصل شهر محرم من سنة 1264 هجريّة- (يبدأ 9 ديسمبر 1847 إلى 8 يناير سنة 1848 ميلاديّة).

وكان الملاّ حسين البشروئي في ذلك الوقت مقيمًا في مشهد ومشغولاً في نشر الأمر الجديد. وعزم على السفر إلى آذربايجان قائلاً: “إنّي أقسمت أن أسير على قدميّ كل المسافة التي تفصلني عن المحبوب فلن أنثني عن عزمي حتى أصل إلى مرغوبي.”

وكان المُلاّ حسين في طريقه إلى طهران يقابل الأحباء بكل ترحاب وحماس في مختلف المُدن التي مرّ فيها وقد توصّل إلى المثول أمام حضرة بهاء الله وبعد التحدث معه قام للسّفر إلى آذربايجان.

وفي الليلة السابقة قبل وصوله إلى ماه كو التي كانت في مساء النوروز الرابع من إعلان دعوة الباب ووافق في تلك السنة أي 1264 هجرية (1848 ميلادية) اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الثاني رأى علي خان رؤيا فقال: “رأيت كأنّي أُخبرت فجأة بعزم زائر مقدس- سيدنا محمد الرسول – على المجيء إلى ماه كو وأنّه سوف يحضر إلى القلعة ليزور الباب وليهنّئه بعيد النوروز فخرجت جريًا لمقابلته وأنا مشتاق لأُقدّم خضوعي وترحيبي له وبفرح لا يوصف أسرعت لناحية النهر ولما وصلت رأيت اثنين قادمين نحوي فأسرعت إلى الارتماء على أقدام الأوّل وانحنيت لأُقبّل طرف ردائه وإذ ذاك استيقظت فجأة وإذ أيقنت بصحّة رؤياي قمت وتوضّأت وصلّيت وذهبت إلى تلك البقعة التي رأيت فيها في الرؤيا وجه رسول الله وما كدت أصل حتى عجبت

لرؤيتي الرجلين اللذين شاهدتهما في الرؤيا يمشيان الواحد خلف الآخر ويسيران نحوي وبدون أيّ تفكّر وقعت على قدم الزائر وقبّلته بإخلاص ورجوته هو ورفيقه أن يركبا الجوادين التي قد أمرت أحد أتباعي أن يأتي بهما.

“فقال الشخص الجليل: ’لا فإنّي آليت على نفسي أن أُتمّم رحلتي على قدميّ وسأسير إلى قمّة الجبل وهناك أزور المسجون.‘” وجعلت هذه الحادثة علي خان يشعر باحترام زائد في مسلكه نحو الباب وأصبح يقينه في صحّة الأمر وقوّته أعظم من ذي قبل وبخشوع تامّ تبع المُلاّ حسين (الذي كان هو الزائر) إلى أن وصل إلى باب القلعة وما كادت أعين المُلاّ حسين تقع على وجه سيده الذي كان واقفًا على العتبة حتى وقف فجأة وانحنى أمامه ومكث بجانبه دون حراك. فمدّ الباب ذراعه وعانقه بكل شوق وسار به ماسكًا يده إلى غرفته ثم دعا أحبّائه لمقابلته واحتفل بعيد النوروز.

ولم يكن يسمح لأحد سوى حسين اليزدي وأخيه بالمكث داخل القلعة أثناء الليل ولكن في ذلك اليوم ذهب علي خان إلى الباب وقال له: “إذا كنت ترغب في أن يبقى معك المُلاّ حسين هذه الليلة فإنّي لا أمانع بل أكون رهين إشارتك.” وكان أتباع الباب يفدون عليه في ماه كو وكان يسمح لهم بالمثول أمامه توًّا وبدون أي حائل.

وذات يوم كان الباب يتأمّل في المناظر المجاورة من سطح

القلعة ورأى من ناحية الغرب كيف أن نهر أرس ينحني في تعاريجه في مجراه فالتفت إلى المُلاّ حسين وقال: “هذا هو النهر وهذا هو الشاطىء الذي كتب عنه الشاعر حافظ:

’يا نسيم الصّبا،

إذا مررت بشاطىء نهر أرس،

فقبّل الأرض في ذاك الوادي،

وعطّر مشام أنفاسك من عبير طيبها.‘”

ثم تنبأ للمُلاّ حسين عن جميع الحوادث التي ستحصل في القريب العاجل الواحدة بعد الأخرى وأمره أن لا يخبر بها أحدًا وقال له الباب: “سوف ينقلوننا إلى جبل آخر وقبل أن تصل إلى مقرّك ستصلك أخبار انتقالنا من ماه كو.” وتمّ تنبؤ الباب سريعًا- (نُقِل إلى چهريق). فالأشخاص الذين كانوا يتجسسون على حركات وأعمال علي خان أرسلوا تقريرًا مفصّلاً إلى الحاج الميرزا آقاسي واتهموه (علي خان) فيه بإخلاصه للمسجون وأثّر الخوف على الحاج الميرزا آقاسي واستولى عليه الغضب لدرجة أنّه أصدر أمرًا بنقل الباب إلى قلعة چهريق.

وبعد مرور عشرين يومًا من النوروز ودّع الباب أهالي ماه كو الذين عرفوا قوّة شخصيته العظيمة وسموّ أخلاقه أثناء التسعة أشهر التي قضاها في الحبس وكان المُلاّ حسين الذي فارق ماه كو بأمر الباب لا يزال في تبريز إذ سمع بأخبار النقل إلى چهريق كما

سبق وتنبأ به الباب. وكان الباب قد أوصاه أن يجتهد ويشعل في قلوب الأحباء نيران محبّة الجمال الإلهيّ ويسعى في تقوية إيمانهم في أمره وطلب منه أن ينتقل من طهران إلى مازندران حيث سينكشف له الكنز الإلهيّ المستور.

الفصل الرابع عشر

سفر الملاّ حسين إلى مازندران

 

وكان الملاّ حسين وفيًّا للتعليمات التي أُعطيت له ولذلك كان يمكث في كلّ بلدة وقرية من تلك التي أمره الباب بزيارتها ويجمع الأحباء فيها ويوصل لهم رسالة المحبّة والتحيّات وتأكيدات مولاه المحبوب وكان يُحيي فيهم الحماس وينصحهم على أن يبقوا ثابتين على أمره. ووصل إلى مازندران شوقًا لمشاهدة أمر الكنز المكنون الذي وعده مولاه بظهوره له وفي طهران تشرّف بمقابلة حضرة بهاء الله وحصل منه على المعونة التي مكّنته من أن يواجه المخاطر التي اكتنفته بشدّة في أواخر حياته بشجاعة وجرأة.

وفي تلك الأيّام كان القدوس قاطنًا في بارفروش وكان يعاشر جميع الناس على اختلاف طبقاتهم وبسبب لطف معاشرته واتساع دائرة معارفه اكتسب محبّة واعجاب سكان تلك المدينة. ولما وصل الملاّ حسين إلى بارفروش ذهب توًّا إلى منزل القدوس الذي استضافه بكل ترحاب. ولمّا سنحت له الفرصة أن ينظر في كتابات القدّوس وأدرك سمّوها اعترف بقيمة المواهب الخاصة التي منحت له فشعر بأنّ من أوّل واجباته أن يخضع كُليّةً للقدوس الذي تجلت في مرآة فؤاده أشعّة شمس مولاه

المحبوب وأصبح رهن إشارته وأخذ يتّبع خطواته ويسير طبق إرادته.

وقد طلب القدّوس من الملاّ حسين أن يذهب إلى خراسان ويتّخذ مسكنًا لهم ليستقبلوا فيه الضيوف وكل محب من طلاّب الهداية إلى معين الحياة الأبديّة.

وقام الملاّ حسين فريدًا ومنقطعًا عن كل ما سوى الله وسافر إلى مشهد ولم يكن له أثناء سيره إلى خراسان سوى الرغبة في إتمام أوامر القدوس والوفاء له بوعده الثابت. واشترى الملاّ حسين قطعة أرض وشيّد عليها منزلاً وأسماها بالبابيّة. ووصل القدوس إلى مشهد وسكن في ذلك المنزل وجاءت جموع الزّوار الذين أعدّهم الملاّ حسين بهمّة وحماسة إلى اعتناق الأمر ورغبوا باختيارهم في الانضمام تحت رايته. وكانت يقظة الملاّ حسين وانتباهه للعمل على نشر المعارف التي جاء بها الأمر الجديد والطريقة المُثلى التي قام بها القدوس على تهذيب أتباعه قد أحدثت موجة شديدة من الحماس عمّت جميع أنحاء مدينة مشهد وسرعان ما انتشر تأثيرها خارجًا من حدود خراسان وأصبح منزل البابيّة مكانًا لجميع المخلصين الذين عزموا عزمًا أكيدًا لإظهار القوى العظيمة التي يكنّها إيمانهم بالأمر.

الفصل الخامس عشر

سفر الطاهرة من كربلاء إلى خراسان

 

وأخذت الحجب المانعة من ظهور الدين الإلهيّ في خراسان تتلاشى واشتعلت النار الإلهيّة في قلوب أهلها حتى أذابت وأحرقت أعظم الموانع والعقبات في طريق الاعتراف النهائي بالأمر.

فزادت النار المشتعلة في القلوب بدرجة أن شعر الجميع حتى في الأقاليم النائية في إيران بقوّة احيائها للنفوس وخاب ظنّ الذين أمروا بإبعاد صاحب الأمر مظهر الجمال الإلهيّ وفصله عن أتباعه رغبة منهم في أن يتمكنوا بهذه الوسيلة من إطفاء شعلة محبّته الموقدة في القلوب وفي خراسان أشعل القدوس نارًا ربّانيّة في صدور الأحباب والأصحاب.

وكذلك في كربلاء خارج الحدود الغربية أشعل نور الطاهرة (قرّة العين) الذي أضاء جميع إيران، وارتفع النداء الغيبي من شرق وغرب المملكة آمرًا هذين النورين أن يسرعا إلى أرض الطاء (طهران) فجر المجد وموطن حضرة بهاء الله وأن يتمثّلا أمامه ويطيعا أمره ويطوفا حول كوكب هدايته ويشدّا أزره ويهيّئا الطريق لإعلان وحيه.

واتباعًا للأمر الإلهيّ نزل لوح من قلم الباب في تلك الأيّام التي كان القدوس لا يزال فيها قاطنًا في مشهد وفي ذلك اللوح

يأمر جميع الأحباء في إيران بالإسراع إلى خراسان وانتشر هذا الامر بسرعة البرق وأوجد حماسًا عامًا ووصل إلى سمع الطاهرة التي كانت إذ ذاك مقيمة في كربلاء وتعمل جهدها لاتساع نطاق الأمر الذي اعتنقته. وكانت الطاهرة قد اكتشفت بوجدانها حقيقة الأمر واعترفت بصحّته طوعًا فرأت في نفسها أنّ فجر يوم الله الموعود قد طلع من مدينة شيراز بدون أن يعلمها أحد ويدعوها. وحرّرت رسالة لمنبع هذا النور تعرض فيه إخلاصها وخضوعها.

وكان ردّ الباب السريع على قبولها اعتناق الأمر قد أحيى فيها الحماس وزاد كثيرًا في شجاعتها فقامت على نشر تعاليمه بكل قوّتها وعملت بكلّ شجاعة على إحداث انقلاب فكري لتغيير عادات وأخلاق الأهالي. فكان من يقابلها في كربلاء ينجذب من فصاحتها وسحر بيانها ويشعر بالخضوع من أثر كلماتها ولا يقدر أحد أن يقاوم لطفها أو الانضمام إلى لوائها وكان الكلّ يشهد بكمال أخلاقها وسموّها ويعجبون بشخصيتها المدهشة ويقتنعون بصدق يقينها. وقامت الطاهرة على مكافحة تعدّد الزوجات وثارت على تحجيب المرأة.

ومن بين الذين أقبلوا إلى الأمر بتبليغ الطاهرة الشيخ صالح الكريمي وهو عربي قاطن في كربلاء فكان أوّل من استشهد في سبيل هذا الأمر في طهران. وقد أشعلت الطاهرة قلوب العديد من العرب والعجم ودعتهم لنصرة أمر الله بأعمالهم وما قُدّر لهم

من سفك دمائهم وتضحية حياتهم.

وكان نداء الباب الموجّه أصلاً إلى أتباعه في إيران قد وصل أيضًا إلى المؤمنين خارج إيران فأجابت الطاهرة النداء في الحال وبكلّ فرح وإجلال اقتفى أثرها جمّ غفير من المخلصين وأظهروا جميعًا رغبتهم واستعدادهم للسفر توًّا إلى خراسان.

وأقامت الطاهرة في طريقها مدة من الزمن في منزل والدها في قزوين. وفي هذه الاثناء وقعت حادثة قتل الملاّ تقي حجّة الإسلام على يد الملاّ عبد الله من سكان شيراز وهو أحد المخلصين من أتباع الشيخ أحمد الأحسائي والسيّد كاظم الرشتي. ولمّا لم يُعلم القاتل حالاً انتهز الناس الفرصة للتشفي والانتقام وعزموا أن ينزلوا هذا الانتقام بالطاهرة. ونجحوا في حبسها في منزل والدها وجعلوا عليها نسوة حراسًا وأمرن أن لا يسمحن لها بمغادرة الغرفة الا للتوضّؤ فقط. وأرسل الذين قبض عليهم من الأتباع في هذه الحادثة إلى طهران وسجنوا هناك.

وعلم حضرة بهاء الله الذي كان قاطنًا إذ ذاك في طهران بحال ومصير هؤلاء المسجونين الذين كانوا مساعدين ومعاونين للطاهرة. فأرسل حضرته مساعدة لإنقاذهم وطلب من محافظ المدينة تخفيف وطأة الحبس عليهم. فأطلق المذكور سراح البعض ممّن كانوا غير قادرين على تحمّل ثقل السلاسل والقيود وعمل جهده في تخفيف حبس الباقين وإذ حركته الأطماع للحصول على المال من حضرة بهاء الله أخبر رؤسائه بالأمر

قائلاً: “إنّ بهاء الله يمُدُّ هؤلاء المحبوسين بالمساعدة والطعام.”

فابتدأ الموظفون بدورهم في السعي للحصول على ما يمكن الحصول عليه من المنافع من كرم حضرة بهاء الله وجوده. فطلبوه أمامهم واحتجّوا على عمله واتهموه بالاشتراك مع هؤلاء المحبوسين في جريمتهم فأجاب حضرة بهاء الله: “إنّ محافظ المدينة أظهر لي شدّة ضيقهم وآلامهم وشهد أمامي ببراءتهم وطلب مني مساعدتهم والآن تتهمونني بجريمة أنا بريء منها جزاء على المساعدة التي أسديتها بناء على طلبه.” ولكنّهم لم يقبلوا أن يسمحوا لحضرة بهاء الله أن يعود إلى منزله آملين أن يخيفوه بالعقاب فكان حبسه أوّل ضير أصابه في سبيل أمر الله وأوّل حبس قضاه في سبيل أحبّائه ومكث على هذه الحالة بضعة أيّام إلى أن أُخلي سبيله بعد ابداء اعتذارهم المتكرر وتأسّفهم العظيم.

وبما أنّ المُلاّ عبد الله كان قد أقرّ بأنّه هو قاتل الملاّ تقي حجّة الإسلام ادّعى الورثه بأنّ القاتل هو الشيخ صالح وحصلوا على أمر بالقبض عليه ورضوا لأنفسهم قتله ظلمًا فكان أوّل من سفك دمه في أرض إيران في سبيل أمر الله وهو أوّل الذين سجّلوا بدمائهم المسفوكة نصرة دين الله المقدس. وبينما كان يقاد إلى محل الشهادة كان وجهه يتلألأ فرحًا وحماسًا وأسرع إلى مكان التنفيذ وقابل الجلاد كأنّه يقابل صاحبًا عزيزًا وصديقًا حميمًا. وكانت تتساقط من فمه كلمات الأمل والنصر بدون

انقطاع وصاح بفرح عند دنو أجله: “إنّي تركت آمال واعتقاد القوم منذ عرفتك يا مَن أنت أملي ويقيني.”

وأخذ ورثة الملاّ تقي ينقبون عن وسائل جديدة لصبّ جام كأس انتقامهم وإشباعه ويروون ظمأهم للدماء فالتفتوا إلى الطاهرة نفسها فلما علمت بقصدهم وهي في حبسها كتبت الرسالة الآتية إلى المُلاّ محمد الذي ورث مقام أبيه الملاّ تقي وأصبح إمام الجمعة المعروف في قزوين وقالت له: “إنّهم عبثًا يريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون‘ (القرآن32:9) فإذا كان الأمر الذي أتبعه هو الحق، وكان الرّبُّ الذي أعبده هو الإله الواحد الحق فانه قبل مرور تسعة أيام يخلّصني من ظلمكم وإن لم يفعل تكونون أحرارًا في أن تعملوا بي ما تشاؤون وتكونون أثبتم فساد اعتقادي.” واختار الملاّ محمد أن يتجاهل هذه المباهلة لأنّه لا يقدر أن يقبلها وسعى في الاحتيال بكل وسيلة أن يتمّم مقصوده.

وقبل الساعة التي عينتها الطاهرة رغب حضرة بهاء الله في خلاصها من حبسها وإحضارها إلى طهران وأن تظهر صدق كلامها وتهدم التدبيرات التي أعدّوها لقتلها فدعى محمد هادي فرهادي وأوكل إليه أمر نقلها إلى منزله في طهران وأعطاه خطابًا مختومًا ليسلّمه إلى الطاهرة بواسطة زوجته خاتون جان وأمره أن يطلب منها أن ترتدي لباس سائلة لتدخل إلى المنزل الذي حبست فيه الطاهرة وتدفع لها الخطاب وأن ينتظر هو على باب

المنزل حتى تأتي إليه.

وقام محمد هادي على تنفيذ تعليمات حضرة بهاء الله مطمئنًا بتأكيداته فلم يعترضه في طريقه أيّ مانع وأدّى الخدمة المطلوبة على أتمّ وجه وتمكن من انقاذ الطاهرة سالمة في الساعة المعينة. وقد أثّر نقلها الفجائي الخفيّ من قزوين دهشة بين الأحباء والأعداء على السواء. وأخذوا يبحثون عنها طوال الليل في جميع المنازل وخابوا في سعيهم ويئسوا من وجودها. وكان إتمام الوعد الذي نطقت به قد حيّر مقاوميها حتى أشدّهم تعصبًا وقليل منهم من أدرك قوّة الأمر الخارجة عن الطاقة البشريّة. فاعترفوا حالاً بصحة الدعوة واعتنقوا الأمر.

وفي الساعة المعيّنة بمعرفة الطاهرة لخلاصها أصبحت في كنف حفظ حضرة بهاء الله وقد عرفت يقينًا من هو الذي ذهبت لمقابلته. وكانت عالمة بقداسة وفضل الذي أنقذها بعطفه ورحمته وكما قبلت أمر الباب من تلقاء نفسها وبدون دعوة من أحد اعترفت بصحّته كذلك أدركت بفراستها مجد حضرة بهاء الله المقبل.

فلم تمض الاّ بضع أيّام على وصول الطاهرة إلى طهران حتى عزم حضرة بهاء الله على أن يرسلها إلى خراسان بصحبة الأحباء الذين استعدّوا للرحيل لذلك الإقليم وكذلك عزم هو أيضًا على الرحيل من العاصمة إلى تلك الناحية بعد بضع أيّام.

الفصل السادس عشر

مؤتمر بدشت

وبعد قيام الطاهرة لرحلتها أمر حضرة بهاء الله أخاه الآقا كليم ليُجهّز ما يلزم لسفره إلى خراسان وأوصاه بأسرته.

ولما وصل إلى شاهرود قابله القدوس الذي ترك مشهد مقرّ إقامته وحضر للترحيب به بمجرد أن سمع بقدومه. وكان جميع إقليم خراسان في تلك الأيّام يتمخّض بالاضطراب الشديد وكانت المساعي التي قام بها الملاّ حسين والقدوس مع الحماس الذي ظهر منهما وارتفاع ندائهما قد أيقظ الأهالي من نومهم وأشعل في قلوب البعض منهم خالص الإيمان والإخلاص كما أثار في صدور الآخرين غرائز التعصّب والشرور. وجاء للبحث جمهور كبير من نواحي مشهد إلى منزل الملاّ حسين الذي كان يقدّمهم إلى القدوس وارتفع النداء باسم أمر الله وتردد صداه في كل الجهات. وحصل الاضطراب واستعد الأمير حمزه ميرزا بعساكره وأرسل فرقة إلى المدينة ومعها تعليمات بالقبض على الملاّ حسين بمعونة حاكم المدينة واحضاره عنده وذلك لكي يمحو ذلك الهياج الذي اشتعل هناك.

ثم كتب الأمير خطابًا إلى الملاّ حسين ألحّ فيه بالرغبة الشديدة في أن ينقل مسكنه بضع أيّام فقط إلى معسكره وأكّد له

بأنّه يريد أن يحميه من هجوم أعدائه الهائجين. وبوصول هذه الرسالة قدّمها الملا حسين إلى القدوس الذي أمره أن يستجيب لطلب الأمير وأكّد له القدوس بقوله: “لن يصيبك أيّ ضرر من ذلك أمّا أنا فسأسافر هذه اللّيلة إلى مازندران وستكون إن شاء الله في المستقبل على رأس جماعة كبيرة من المؤمنين تتقدّمكم الرايات السود وتغادر مشهد وتجتمع معي. ويكون اجتماعنا في المكان الذي يعيّنه الله القدير.” فأطاع الملاّ حسين أمره بكل فرح وفي عصر ذلك اليوم ركب الملاّ حسين وسار بالهدوء والعِزّة إلى معسكر حمزه ميرزا.

في تلك الليلة أحضر القدوس محمد باقر القائني مع جماعة من أشهر أتباعه وأمرهم أن يظهروا الطاعة التّامة للملاّ حسين وأن يأتمروا بكل ما يطلب منهم عمله.

وودّع القدوس أصحابه وارتحل من مشهد مع بعض أتباعه إلى بدشت وكان وصولهم إلى تلك القرية في ساعة الفجر ووجدوا هناك جماعة كثيرة عرفوا أنّهم من الأحباء فلمّا سأل القدوس عن القصد من ذلك الاجتماع قيل له أنّ جموعًا حضرت من إصفهان وقزوين وغيرها من بلاد إيران وهم جميعًا منتظرون ورود حضرة بهاء الله في رحلته إلى خراسان.

وكان الصيف قد ابتدأ وبوصول حضرة بهاء الله استأجر ثلاث حدائق، واحدة للقدوس وأخرى للطاهرة والثالثة لنفسه وكان عدد المجتمعين في بدشت 81 نفرًا ومن وقت حضورهم

إلى يوم تفرّقهم كانوا ضيوفًا على حضرة بهاء الله. وكان يُسمى كل فرد باسم جديد وسمّى نفسه بالبهاء وسمى آخر حروف الحيّ بالقدوس. وكذلك سُميت قُرّة العين بالطاهرة.

وفي كل يوم من أيّام ذلك الاجتماع المشهود كان يُلغى تقليد من التقاليد المعروفة وبذلك أُخرقت الحُجب الناشئة من تقديس التقاليد وأُزيلت الأصنام التي كان يعبدها الناس عبادة عمياء. ولم يُدرك سوى القليل من الحاضرين بأن حضرة بهاء الله هو الذي كان مصدر جميع هذه التغييرات ذات الأثر البعيد وأنه هو الذي حددها بدون خوف ولا وجل.

وفي أحد تلك الأيّام حضرت الطاهرة فجأة وبدون حجاب أمام أعين جميع الحاضرين فأخذت الناس الدهشة ووقف الكُلّ حائرين أمام هذا المنظر غير المنتظر. وكان يعلو وجهها الكرامة والثّقة وخاطبت الجمع وقالت: “إنّ هذا اليوم يوم عيد وسرور عامّ وهو اليوم الذي فيه تُفكّ قيود الماضي.” وكان ذلك اليوم التاريخيّ والأيّام التي تلته قد أثّرت في أخلاق وعوائد وحياة المؤمنين المجتمعين فتغيّرت طريقة العبادة تغييرًا فُجائيًّا كليًّا. وحصل المقصود من هذا الاجتماع المشهود لأن النّداء بالنظام الجديد كان بمثابة النفخ في الصور فمُسحت التقاليد العقيمة المُجمع عليها والتي كانت تُقيّد ضمائر الناس ومُحيت بكل جسارة وبغير وجل.

فتهيأت الطريق لإعلان الأحكام والقواعد الجديدة التي جاء

بها الأمر الجديد وعزم بقية الجمع المحتشد في بدشت على الرحيل إلى مازندران. واستمرّت رحلة حضرة بهاء الله في بدشت اثنين وعشرين يومًا.

وعاد حضرة بهاء الله إلى نور وفي تلك الأثناء كان البعض يسعون في إشعال الغضب في قلب محمد شاه ضدّ حضرة بهاء الله. وادّعوا عليه بأنّه أكبر مُهيّج لجميع الاضطرابات التي وقعت في مازندران ونجحوا أخيرًا في حمل الشاه على إصدار الأمر بالقبض عليه وإرساله إلى العاصمة (طهران).

وفي تلك الأيّام وقع القدوس في يد أعدائه وحُبس في ساري. وأمّا باقي رفاقه فتفرقوا في جميع الجهات ومع كلّ منهم أخبار الحوادث العظيمة التي وقعت في بدشت ليُخبر بها أقرانه من المؤمنين.

الفصل السابع عشر

حبس الباب في قلعة چهريق

ونُقِل الباب بناءً على أمر الحاج الميرزا آقاسي إلى قلعة چهريق وسُلِّمَ الحراسة يحيى خان الكردي وكان الوزير قد أصدر التعليمات المُشدّدة الصريحة إلى يحيى خان يأمره فيها أن لا يصرّح لأحد أن يقابل المسجون ونبّه عليه أن لا يقتفي أثر علي خان الماه كوئي الذي أهمل وخالف الأوامر التي تسلّمها. ومكث الباب ثلاثة أشهر في قلعة چهريق قبل نقله إلى تبريز لمحاكمته. وفي نهاية شهر شعبان سنة 1264 هجريّة (3 يوليو- أوّل أغسطس سنة 1848ميلاديّة) نُقِلَ الباب إلى تبريز وفيها تحمّل الإهانة والسُّخرية.

ورغمًا على صرامة الأمر الصادر إليه من الحاج الميرزا آقاسي صاحب النفوذ والسلطان كان يحيى خان غير قادر على تنفيذه لأنّه سرعان ما شعر بقوّة مسجونه السحريّة ونسي ما كان عليه من الواجب. فمن مبدأ الأمر نفذت محبّة الباب إلى قلبه. ووصلت المحبّة التي أشعلها الباب في قلوب الذين كانوا يقطنون چهريق لدرجة أنّهم كانوا في كل صباح قبل أن يبتدئوا أعمالهم اليوميّة يولّون وجوههم شطر السجن الذي حُبِسَ فيه وينظرون من بُعد إلى القلعة التي يقطنها ثم يتضرّعون باسمه

الصورة غير متوفرة

قلعة چهريق

ويستنزلون البركات منه ويسجدون على التراب طالبين إحياء أرواحهم بنفحاته ويُخبر بعضهم بعضًا بالعجائب التي شاهدوها من قوّته ومجده. ولم يرفض يحيى خان دخول أي شخص إلى القلعة.

وحصلت حوادث أقلقت راحة الحكومة أثناء اعتقال الباب في چهريق واتّضح أن جَمًّا غفيرًا من أشهر علماء وأشراف وموظفي الحكومة في بلدة خوي اعتنقوا أمر المسجون وأصبحوا من أتباعه ومن بينهم أحد الموظفين المشهود لهم بالشهرة والقوّة الأدبيّة العالية واسمه الميرزا أسد الله. وفي تلك السنة أمر الباب أربعين من أتباعه أن يكتب كل منهم رسالة يُثبت فيها صحّة الأمر مستندًا على الآيات والأحاديث. فأطاعوا أمره ونالت رسالة الميرزا أسد الله إعجاب الباب وكانت أعلاهما جميعًا في تقديره. فأعطاه الباب لقب – الديّان- وأنزل له لوح الحروفات الذي قال فيه أنّه لو لم يكن لدى نقطة البيان (إشارة إلى الباب وهو من ألقابه) دليلا على صحّة أمره سوى هذا اللوح الذي لن تقدر كل العلوم أن تُظهر مثله لكفى. وقد نزّل من قلم حضرة بهاء الله تفسيرًا لهذا اللوح وقد بيّن فيه البراهين الساطعة الدالّة على ضرورة ظهورمن يُظهره الله (إشارة إلى حضرة بهاء الله) من تفسير كلمات الباب في ذلك اللوح وأنّ ظهوره يكون قبل مضي تسعة عشر سنة من إعلان دعوة الباب.

وكان محمد علي الزنوزي المُلقّب بالأنيس ضمن الذين

سمعوا برسالة الباب في تبريز وتأجّجت فيه نيران الشوق للإسراع إلى چهريق للقائه وأشعلت فيه هذه الكلمات شوقًا لا يُقهر لشرب كأس الشهادة في سبيله. وقد تمكّن السيد علي الزنوزي- زوج والدته- من حبسه في المنزل وتشديد المراقبة عليه فمرض من هذا الوضع. وأثناء إقامة الشيخ حسن الزنوزي في تبريز كثيرًا ما سمع من السيد علي الزنوزي وهو من أقربائه يندب حظّ محمد علي ويقول: “يظهر عليه أنّه فقد رُشده وأنّه جلب عليّ العار بسلوكه فاجتهد أن تقنعه أن يُخفي اعتقاده وتهدّئ روع قلبه.” ويقول الشيخ حسن الزنوزي: “ولذلك اعتدت زيارته في كلّ يوم وأرى دموعه تجري دومًا من عينيه ولما رحل الباب من تبريز ذهبت يومًا لرؤيته. فتعجبت من منظره لأني رأيت أمارات الفرح بادية على وجهه وتهلل وجهه اللطيف بشرًا عند لقائي وقال لي وهو يعانقني: ’إنّ أعين المحبوب قد نظرت هذا الوجه ورأت عيناي وجهه. فدعني أحكي لك سبب سروري فبعد أن أرجع الباب إلى چهريق وبينما أنا محبوس في غرفتي وجّهت قلبي إليه وناجيته قائلاً: “ترى يا محبوبي أسري وعجزي وتعلم كم أحنّ شوقًا للنظر إلى وجهك. فارفع بأنوار وجهك هذه الظلمة التي تُخيّم على قلبي.” وغلب عليّ التأثر بدرجة اني فقدت شعوري وفجأة سمعت صوت الباب يناديني ويأمرني بالقيام ورأيت جمال وجهه ظاهرًا أمامي. وكان يبتسم وهو ينظر اليّ فاندفعت نحوه وطرحت نفسي على

قدميه. فقال لي: “افرح فان الساعة قادمة لأنّ في هذه المدينة سأعلّق أمام أعين الجماهير وأقع فريسة لنار الناس ولن أنتخب أحدًا خلافك ليشاركني في تجرّع كأس الشهادة وتأكّد أن هذا الوعد الذي أعدك به سيتحقق.” وسُحِرت من جمال هذه الرؤيا ولمّا صحوت وجدت نفسي غريقًا في بحر من السرور الذي لا تحجبه جميع أحزان العالم.‘ فنصحته بالصبر وأن يكتم أمره فوعدني أنّه سوف لا يبوح بهذا السرّ وأسرعت إلى والده وأخبرته ببرئه ونجحت في فكّ أسره. واستمرّ الشاب إلى يوم شهادته في حالة فرح وسكون تامّ.”

الفصل الثامن عشر

محاكمة الباب في تبريز

 

وكان الباب عالمًا بدنو ساعته ولذلك فرّق أتباعه الذين اجتمعوا حوله في چهريق وانتظر الأمر بدعوته إلى تبريز بسكون ورضا.

وكانت تبريز خاصّة تتمخض بأفجع الاضطرابات. وأهاجت أخبار قرب وصول الباب مخاوف السكان وأثارت قلوب علماء آذربايجان وكان هؤلاء وحدهم من بين جميع سكان تبريز الذين لم يشتركوا في المظاهرة الودّية التي حيّوا بها رجوع الباب إلى مدينتهم وكان حماس الناس لهذه الأخبار زائدًا بدرجة أنّ الحكومة قرّرت أن تكون إقامة الباب خارج أبواب المدينة. ولم يتشرّف بلقائه إلاّ الذين أراد هو مقابلتهم وأمّا غيرهم فمنعوا من الحصول على هذا الشرف.

وكان حجز الباب خارج أبواب المدينة غير كافٍ في تهدئة الهيجان الذي ساد فيها وكلّ عمل تذرّعت به السلطة وكلّ احتراس صدر منهم لم يزد الموقف إلاّ شدّة ولم ينذر إلاّ بسوء العاقبة. وأصدر الحاج ميرزا آقاسي أوامره بدعوة الرؤساء الدينيين في تبريز إلى سراي حاكم آذربايجان بقصد محاكمة الباب وإطفاء أمره وتأثيره. وكان من بين المدعوين لهذا

الاجتماع الحاج الملاّ محمود المُسمّى نظام العلماء معلّم ناصر الدين ميرزا وليّ العهد (ولد في 17 يوليو1831 ميلاديّة وأصبح شاهًا في 18 سبتمبر سنة 1848 ميلاديّة) وكان ناصر الدين ميرزا حاضرًا في هذا الاجتماع واكتظّ جمّ غفير عند المدخل بفارغ الصبر للتمكن من أن يفوزوا بنظرة إلى الباب.

ولما دخل الباب لم يجد مقعدًا شاغرًا عدا مقعد واحد كان أُعِدّ لوليّ العهد. فسلّم على الجميع وبدون أي تردّد ذهب وجلس في المقعد الخالي. وكانت مهابة شخصه والجلال الذي علا وجهه وروح القوّة التي أشرقت من كمال هيكله قد سحقت أرواح جميع الموجودين وساد عليهم فجأة صمت عجيب ولم يقدر أحد منهم أن ينبس ببنت شفة وقطع نظام العلماء الصمت المُخيّم عليهم إذ سأل الباب: “من تكون وما هو ادّعاؤك وما هي الرسالة التي أتيت بها؟” فأجاب ثلاثًا: “’اني أنا الموعود‘ وأنا الذي دعوتموه مدة ألف سنة وتقومون عند سماع اسمه وكنتم تشتاقون للقائه عند مجيئه وتدعون الله بتعجيل ساعة ظهوره. الحقّ أقول لكم أنّ طاعتي واجبة على أهل الشرق والغرب.” فلم يجرؤ أحد على الكلام ولما أعلن الباب أنه هو الموعود أخذ الرعب جميع الحاضرين ونكّسوا رؤوسهم مرتبكين وهم بصمت. وتشاور الذين كانت بيدهم مقاليد الأمور معًا في الوسائل التي يقومون على اتخاذها لمقاومة نجاح هذا الأمر فأشار البعض منهم إلى دعوته لمجمع آخر يوقع عليه

فيه عقاب صارم بحكم من الأعضاء لأنّه في المجمع الأوّل جلس في المقعد المخصص لوليّ العهد ولكن ناصر الدين ميرزا لم يقبل هذا الحلّ. وأخيرًا اتفقوا على أن يحضروا الباب إلى منزل الميرزا علي أصغر الذي كان شيخ الإسلام في تبريز وعزم على إنجاز العقاب بنفسه وبيده فضرب الباب بالعصا على قدميه إحدى عشرة مرّة. وفي نفس السنة أصيب ذلك الطاغية بالشّلل وتوفي وبعد وفاته أُلغي منصب شيخ الإسلام في تبريز.

هذا وقد أعادوا الباب من تبريز إلى چهريق ووكلوا لحراسته يحيى خان وظنّ الناس أنّه سوف يترك ادعاءه من جراء تهديده في مجلسهم إلاّ أنّ ذلك الاجتماع قد مكّنه من أن يبيّن حقيقة مدعاه علنًا وبكل جسارة أمام أكبر هيئة دينية في عاصمة آذربايجان وأنْ يتغلّب بكلام مختصر مفيد على كل حجج معترضيه. وكان إعلان الدعوة قد انتشر في طول البلاد وعرضها وحرّك مرّة أخرى إحساسات المؤمنين واهاج فيهم حماسًا شديدًا وقوّى مركزهم وكان مقدّمة للحوادث العظيمة التي كانت سوف تجتاح البلاد.

الفصل التاسع عشر

ملحمة مازندران

 

وفي شهر شعبان (يوليو) الذي وقعت فيه الإهانة على الباب في تبريز رجع الملاّ حسين من معسكر الأمير حمزه ميرزا إلى مشهد ومنها عزم على السفر إلى كربلاء مصحوبًا بمن أراد.

وبينما كان الملاّ حسين في مشهد إذ وصل رسول يحمل عمامة الباب وقد قال الباب للرسول أن يقول للملاّ حسين: “قل له زيّن رأسك بعمامتي الخضراء علامة نسبي وانشر الراية السوداء وأسرع إلى الجزيرة الخضراء (لقب لمازندران وبالتحديد يطلق أحيانًا على قلعة الشيخ طبرسي) وساعد حبيبي القدوس.”

وبمجرد وصول هذه الرسالة قام الملاّ حسين على تنفيذ إرادة مولاه وترك مشهد لمكان يبعد عنها فرسخًا واحدًا (6 كيلومترات تقريبًا) ورفع فيه الراية السوداء ووضع عمامة الباب على رأسه وجمع أصحابه وركب جواده وأمر الجميع أن يسافروا إلى الجزيرة الخضراء وتبعه أصحابه جميعًا بحماس. وكان عددهم مائتين واثنين وكان ذلك اليوم التاريخي هو 19 شعبان سنة 1264 هجريّة (21 يوليو سنة 1848 ميلاديّة). وعند نزولهم في كل بلدة وقرية يمرّون عليها كان ينادي الملاّ حسين وأصحابه

بدون خوف ولا وجل بظهور اليوم الجديد ويدعون الناس لاعتناق أمر الحقّ وينضمّ للسفر معهم نفر من المؤمنين الذين ينتخبونهم من بين الجموع المحتشدة حولهم. وفيما هم على الطريق وصل رسول من طهران إلى مشهد معلنًا وفاة الملك محمد شاه وكان ذلك في السادس من شوال- 4 سبتمبر سنة 1848 ميلاديّة. وارتقى الوارث الشرعي الأمير الصغير حاكم آذربايجان ناصر الدين ميرزا إلى العرش.

وفي اليوم التالي عزم الملاّ حسين على الرحيل إلى مازندران ومعه أصحابه وأمرهم بعد صلاة الصبح بأن يتركوا ما عندهم وقال لهم: “اتركوا ممتلكاتكم وليكتف كلّ واحد بجواده وسلاحه واتركوا ما عداها حتى يعلم الكلّ بأن هؤلاء الجماعة من أحباء الله لا يرغبون في حفظ ممتلكاتهم فكيف بالرغبة في أخذ ممتلكات غيرهم.” فأطاعوا جميعًا الأمر وامتطوا ظهور جيادهم وتبعوه بفرح عظيم.

وبينما هم في الطريق اعترضهم جمهور من الناس المسلّحين ومعهم الذخيرة والعِدّة وكانت تظهر على وجوههم غبرة الافتراس والتوحّش وصوّبوا نيران أسلحتهم عليهم. فسقط عدد من الشهداء فرفع الملاّ حسين عينيه إلى السماء وناجى ربّه قائلاً: “إلهي إلهي ترى نصيب أحبّائك المخلصين وتشهد ما قابل به هؤلاء القوم أحبّائك وإنّك تعلم أنّا ما قصدنا سوى هدايتهم إلى طريق الحق وإعلامهم بظهور أمرك. وإنّك أمرتنا

أن ندافع عن أنفسنا ضدّ المهاجمين. واتباعًا لأمرك أقوم الآن مع أصحابي لصدّ اعتدائهم الذي واجهونا به.” واستلّ سيفه وهمز جواده في وسط الأعداء واقتفى أثر أحدهم الذي كان قد احتمى في شجرة وهجم عليه الملاّ حسين وبضربة واحدة قطعه هو وجذع الشجرة وكانت قوة هذه الضّربة المدهشة قد أربكت العدوّ وشلّت حركته وهرب الجميع مذعورين من أمام هذه المهارة والقوّة والفتوّة. وكانت هذه الحادثة الأولى من نوعها وتشهد بشهامة الملاّ حسين.

وشقّ الملاّ حسين طريقه وسط صفوف الأعداء وهو غير شاعر بما يطلق عليه من القذائف وذهب توًّا إلى بارفروش وتوجّه إلى منزل سعيد العلماء وهو أكبر عالم في بارفروش وصاح قائلاً: “فلينزل هذا الذي حرّض أهالي هذه المدينة لإشهار حربٍ دينيةٍ وخبّأ نفسه بين حيطان منزله فهل نسي أن الذي يُشهر حربًا دينية يجب عليه أن يكون على رأس أتباعه وبأعماله يُثير حماسهم وإخلاصهم.” وكان صوت الملاّ حسين قد أسكت أصوات الجماهير وأخضع أهالي بارفروش فرفعوا أصواتهم منادين – الأمان الأمان -. وفي عصر ذلك اليوم منح الملاّ حسين أهالي بارفروش الأمان الذي طلبوه وفاه بالكلمات الآتية: “يا أتباع الرسول لماذا هجمتم علينا فهل هذه المعاملة هي ما أمركم به الرسول وهل هي التسامح الذي أمركم به في معاملة المؤمنين أو الكافرين.”

الصورة غير متوفرة

منظر خان سبزه ميدان في مازندران

وذهب الملاّ حسين إلى خان سبزه ميدان في بارفروش وأمر أصحابه بإغلاق باب الخان.

وفي المساء سأل الملاّ حسين إذا كان أحد من أتباعه يفدي نفسه ويطلع على سطح الخان ويؤذّن. فأجاب طلبه شاب بفرح عظيم. وما كاد هذا الشاب ينطق بالأذان ويقول- الله أكبر- حتى وافاه طلقٌ ناري أوقعه قتيلاً. وتلاه شخص آخر ثم ثالث لإكمال الآذان ولكنّهم أصيبوا نفس ما أصاب الأوّل.

وكان وقوع الثالث سببًا في أن يفتح الملاّ حسين باب الخان وأن يقوم مع أصحابه لردّ هذا الهجوم غير المنتظر. وأعطى إشارة لضرب المهاجمين الذين اجتمعوا أمام الباب ونجح في تشتيتهم وعادوا طالبين الأمان متضرّعين للرحمة. وكان النصر شاملاً لدرجة أن عددًا من أعيان ورؤساء المدينة تدخّلوا وطلبوا الرحمة والأمان نيابة عن مواطنيهم. واقترحوا على الملاّ حسين لمصلحة الطرفين أن يسافر مع الأصحاب إلى بلدة آمل فوافق الملاّ حسين على اقتراحهم.

وفي نصف الليل نادى سعيد العلماء أحد رجاله خسرو قادي كلائي وأسرّ إليه رغبته في أن يغدر بالجماعة أثناء سيره معهم ومعه مائة من الخيّالة وأن يقتلهم عن بكرة أبيهم. وأذن الملاّ حسين لأصحابه بالرحيل إلى آمل وبمجرّد ولوج الجماعة في الطريق أعطى خسرو قادي كلائي إشارة للهجوم. فوقع رجاله على الجماعة بكل توحّش وغدروا بهم وقتلوا منهم عددًا كبيرًا.

الصورة غير متوفرة

منظر خان سبزه ميدان في مازندران

ولما سمع الملاّ حسين أصوات التعذيب احتجّ على غدر خسرو بهم وارتفع صياح أصحابه بنداء -يا صاحب الزمان- هاجمين على الذين غدروا بهم وأردّوهم جميعًا قتلى ومن بينهم خسرو قادي كلائي. وجمع الملاّ حسين أصحابه وساروا حتى وصلوا إلى ضريح الشيخ طبرسي (أحمد بن أبي طالب الطبرسي) وهو أحد رواة الحديث عن أئمة الدين ومدفنه مزار السكان المجاورين.

وكان يوم وصولهم في الرابع عشر من ذي القعدة (12 اكتوبر سنة 1848 ميلاديّة) وأعطى الملاّ حسين التعليمات الأوّلية لتصميم القلعة التي أراد تشييدها للدفاع إلى الميرزا محمد باقر القائني. وأمر الملاّ حسين أتباعه بالبدء في بناء القلعة التي صمّمها وشجعهم على إتمامها. وكانوا أثناء الاشتغال كثيرًا ما يباغتهم هجوم أهالي القرى المجاورة بتحريض من سعيد العلماء وكان هجوم كل منهم يُردّ ويُهزم.

وما كاد البناء ان يتمّ حتى وصل الشيخ أبو تراب وهو من أخصّ تلاميذ السيد كاظم ومعه أخبار وصول حضرة بهاء الله فأسرع الملاّ حسين توًّا إلى أصحابه وأمرهم أن يهيّئوا أنفسهم لاستقباله. ويحكى ما يلي: “وبمجرّد أن رآه الملاّ حسين تقدّم نحوه وعانقه وكان الأصحاب عاجزين عن إدراك ما شاهده الملاّ حسين في حضرة بهاء الله. فما كان أعظم شوقه إذ تلقّاه بين ذراعيه وما كان أعظم اغتباطه وفرح قلبه عند لقائه فكأنه كان

الصورة غير متوفرة

منظر خان سبزه ميدان في مازندران

غارقًا في بحر من الإعجاب به غير شاعر بنا جميعًا. وكان يتأمّل في وجهه بدرجة أخذت بمجامع لبّه حتى أنّنا مكثنا واقفين بجانبه منتظرين صدور الإذن لنا بالجلوس ولكنّه كان مشغولاً عنّا ولم يصدر لنا إذن بالجلوس إلاّ من حضرة بهاء الله نفسه وكان سحر بيانه قد أثّر في نفوسنا رغمًا عن أنّنا ما كنّا نعرف تلك القوّة الفائقة التي كانت مستورة في طيّ كلماته.”

وأثناء زيارة حضرة بهاء الله طاف بالقلعة وقال إنّ الشيء الوحيد الذي ينقص هذه القلعة هو حضور القدوس الذي كان مسجونًا في منزل رئيس المجتهدين الميرزا محمد تقي في ساري وأشار إلى الملاّ حسين أن يسأل الميرزا محمد تقي أن يسلّمه القدوس وأكّد للملاّ حسين قائلاً: “إنّ خوف الله واتّقاء عقابه سيرغمانه أن يسلم أسيره بدون تردّد.”

وأرسل الملاّ حسين عددًا من أصحابه إلى ساري ليطلبوا من المجتهد أن يطلق سراح سجينه وبمجرد أن وصلت الرسالة إلى الميرزا محمد تقي أخذت قوّتها بمجامع لبّه وأكّد للرسول بقوله: “إنّي اعتبرته (القدوس) ضيفًا محترمًا بل إنّه قاطن في منزله ولا يليق ان أُدعى لإطلاق سراحه أو فكّ قيده لأنّه مُخيّر في البقاء أو الذهاب كما يشاء وإذا فضّل الذهاب فاني أرغب في مرافقته إلى حيث يذهب.”

وأمر حضرة بهاء الله الجميع قبل مبارحته للقلعة بالصبر والإنابة إلى إرادة القدير وقال لهم: “إن شاء الله سوف نزوركم

مرّة أخرى في نفس المكان فقد انتخبكم الله أن تكونوا طليعة جيشه وجنده ومؤسّسي دينه. وإنّ جند الله هم الغالبون فمهما حدث فالنصر مضمون لكم.” وعاد حضرة بهاء الله من هناك بطريق نور إلى طهران.

وكان حبس القدوس في منزل الميرزا محمد تقي قد استمر 95 يومًا وكان المجتهد يعامله بكلّ احترام رغم حبسه وسمح له بمقابلة الأصحاب من الذين حضروا اجتماع بدشت. وكان القدوس يأمر كلّ من يزوره بأن ينخرط في سلك أصحاب الراية السوداء التي رفعها الملاّ حسين. وكانت هذه الراية هي التي تكلّم عنها رسول الله بقوله: “إذا رأيتم الرايات السود أقبلت من خراسان فأسرعوا إليها ولو حبوًا على الثلج فإنّها بشيرة بظهور خليفة الله المهدي.”

وكان قد رفع هذا العَلَم بأمر من الباب باسم القدوس وبأيدي الملاّ حسين ونشر على طول الطريق من مشهد إلى ضريح الشيخ طبرسي. ولمدّة أحد عشر شهرًا من أول شعبان سنة 1264 هجريّة إلى آخر جمادى الثاني سنة 1265 هجريّة (3 يوليو- أول أغسطس سنة 1848 و 24 ابريل -23 مايو سنة 1849 ميلاديّة)  كان هذا العَلَم الذي يشير إلى المملكة السماويّة يتموّج دائمًا فوق رؤوس ذلك الجمع من الفرسان وينادي الذين يشاهدونه أن يرفضوا هذا العالم وينصروا أمر الله.

وكانت أخبار قُرب حضور القدوس إلى القلعة قد حرّكت

جميع الموجودين ولمّا اقترب منه أرسل رسولاً لإعلان مجيئه فأحدثت هذه الأخبار فيهم حماسًا وجدّدت قواهم وقام الملاّ حسين بحماس زائد ومعه الأحباء وأسرع لمقابلة زائره المنتظر وابتهجت قلوبهم من ملاقاته وذهبوا جميعًا إلى ضريح الشيخ طبرسي وكانت أوّل الكلمات التي تفوه بها القدوس بعد أن ترجل واستند إلى الضريح: “بَقِيّةُ الله خير لكم إن كنتم مؤمنين” (القرآن 86:11) وبهذه العبارة تمّت نبوّة الرسول حيث يقول في الحديث: “وعند ظهور المهدي يسند ظهره إلى الكعبة ويخاطب أتباعه ويقول – بقيّة الله خير لكم إن كنتم مؤمنين-.” ولم يقصد القدوس ببقيّة الله أحدًا خلاف حضرة بهاء الله. ويقول الميرزا محمد فروغي أحد الحاضرين: “كنت موجودًا عندما ترجّل القدوس واسند ظهره إلى الضريح وسمعته يتفوه بهذه الكلمات وما كاد ينطق بها حتى ذكر اسم حضرة بهاء الله ثم التفت إلى الملاّ حسين وسأله عنه. فأخبره أنه عازم على العودة إلى هذا المكان إن شاء الله.” وأكّد القدوس بأن سرّ الأمر (إشارة إلى حضرة بهاء الله) سينكشف في الوقت المعلوم.

وكان إكمال بناء القلعة وتموينها بكل ما يلزمها للدفاع قد أحيى حماس أصحاب الملاّ حسين وأثار اندهاش الأهالي المجاورين وكانوا يعجبون بالسرعة الفائقة التي تمّ بها بناؤها. وكان كلّ من سبق له رؤيتها يمتدحها وانتقل المدح من فمٍ إلى آخر حتى وصل إلى آذان سعيد العلماء فاشتعلت في صدره نيران

الحسد والحقد وأصدر أمرًا بمنع أي شخص من الاقتراب منها وتكفير الذين كانوا سببًا في بنائها وأمر الجميع بمقاطعة الملاّ حسين. ورغمًا عن صدور أوامره المشددة كان البعض لا يعبأون بها ويعملون كلّ ما في وسعهم لمساعدة الذين اضطهدوا بغير ذنب. وحلّت المصائب والشدائد على المحصورين على شأن أنّهم ما كانوا يجدون ضروريات الحياة إلاّ أنّهم كانوا في أشدّ أوقات الحاجة تأتيهم النجدة الإلهيّة فجأة ويفتح لهم باب الخلاص على غير انتظار.

فانزعج سعيد العلماء من ذلك واشتعل غضبه وكتب إلى ناصر الدين شاه الذي تبوأ العرش حديثًا وأسهب في الكلام على الأضرار التي تهدد المملكة وقال: “لا يوجد نصر مؤكّد لتثبيت حكمك غير محو هذا الدين الممقوت وأمّا إذا ترددت في سياستك وأظهرت لهم أقلّ تسامح فإنّي أشعر بواجبي في تحذيرك بأنّه سوف يأتي قريبًا ذلك اليوم الذي فيه لا يقتصر الأمر على خضوع أهل مازندران وحدهم بل إنّ جميع إيران من أقصاها إلى أقصاها سوف تخضع لأمرهم.”

ولمّا كان ناصر الدين شاه غير مدرّب على أمور المملكة أحال الموضوع على الضباط ورؤساء الجيش في مازندران وأمرهم أن يتخذوا أيّ تدبير يرونه صالحًا ووافق الشاه وأصدر فرمانًا إلى عبد الله خان التركماني في مازندران يمنحه السلطة التّامّة لإخماد نار هؤلاء الجماعة.

وفي مدّة قصيرة جمع عبد الله خان جيشًا جرّارًا مكوّنًا من اثني عشر ألف نفر وجمعهم في قرية مشرفة على قلعة طبرسي. وما كاد المعسكر يستقرّ حتى شدّد الحصار ومنع إرسال الخبز إلى أصحاب الملاّ حسين حتى أنّه قطع الماء عنهم. وكان من المستحيل على المحصورين أن يخرجوا من القلعة تحت نيران المعسكر وأمر عبد الله خان بإطلاق النار على كلّ من يتجرّأ من الأصحاب على الخروج لجلب الماء. وكان القدوس إذ ذاك عند غروب الشمس ينظر إلى ذلك الجيش الجرّار من شرفة القلعة فقال للملاّ حسين: “إن شاء الله ستمطر السماء هذه الليلة ويتبعه سقوط الثلج الشديد ويساعد ذلك في صدّ هجومهم المدبّر.”

وفي تلك الليلة فاضت الأرض من هطول المطر الذي أتلف الكثير من المَؤُونة إتلافًا تامًّا واجتمع داخل القلعة ماء يكفي للشرب لمدّة طويلة. وفي الليلة السابقة للخامس من محرّم سنة 1265 هجرية (أول ديسمبر سنة 1848 ميلادية) عزم القدوس على الخروج من القلعة.

ولما حانت الساعة المعدّة للهجوم من ذلك الجيش رغمًا من الخسائر التي أصابته كان القدوس قد عزم على شنّ غارة عليهم وتشتيت قواهم وخرج من باب القلعة ومعه الملاّ حسين وباقي الأصحاب وبمجرد خروجهم صاحوا – يا صاحب الزمان – فأوجبت هذه الصيحة ذُعرًا في معسكر الأعداء فهربوا مُشتّتين على هيئة مُزرية وارتفع نداء النصر من جانب الأصحاب وتمكن

الملاّ حسين والقدوس من أسر عدد كبير منهم. وقتل في هذه الموقعة عبد الله خان التركماني.

ولمّا تمّ شمل القوات التي كان يقودها عبد الله خان، حينئذٍ أمر القدوس جماعة من المؤمنين أن يحفروا خندقًا حول القلعة لحمايتها من هجوم جديد ومضت تسعة عشر يومًا بذل فيها الجماعة جهدهم حتى أتمّوا الحفر.

ووصل الامير مهدي قلي ميرزا إلى القلعة على رأس جيش عظيم وبناءً على أمر الشاه بعث برسول إلى الملاّ حسين لكي يعلم ما هو المقصود من مجهوداته فأجاب الملاّ حسين: “أخبر سيّدك أنّنا لا غرض لنا في قلب أسس المملكة أو في اغتصاب مُلك ناصر الدين شاه. وأن أمرنا يختص بظهور القائم الموعود ولا يخصّ سوى علماء الدين في هذه المملكة وإنّنا يمكننا أن نثبت حقيقة الرسالة بكل الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة.” فتأثّر الرسول من صدق دفاع الملاّ حسين عن الأمر بدرجة أنّه بكى وقال الملاّ حسين: “قل للأمير أن يأمر العلماء أن يحضروا إلى هذا المكان ويطلبوا منّا البراهين على صحّة الدعوة التي جاء بها الباب وبحيث يكون القرآن هو الحكم الفصل بيننا ثم بعد ذلك يحكم الأمير بنفسه أيضًا على أمرنا ويأمر ما يراه مناسبًا.” فاقتنع الرسول ولكن الوعد لم ينفذ واستعدّ الأمير مهدي قلي ميرزا للهجوم على القلعة بكيفية لم يعهد لها مثيل ووقف بجنوده على أكمة مشرفة على القلعة وأمر بإطلاق النيران.

وما كاد النهار يطلع حتى صدر الأمر من القدوس للأصحاب بفتح أبواب القلعة وخرج وتبعه الملاّ حسين وباقي الأبطال واقتحموا استحكامات الأمير وهجموا على غرفته الخصوصيّة فهرب الأمير وحصل لعسكره جزع وخوف مما أصاب سيّدهم وهربوا من أمام هؤلاء الجماعة القليلة التي لم تخضعهم الجحافل الكثيرة.

وفي صباح ذلك اليوم الذي تمّ فيه هذا النصر جمع الملاّ حسين أنصاره حول القدوس ولكنّهم فوجئوا بهجوم جديد من جهتين من ذلك الجيش وأحاطوا بالقدوس وباقي الأصحاب وأطلقوا عليهم أكثر من ألف رصاصة أصابت إحداها القدوس في فمه وكسرت بعض أسنانه وجرحت لسانه. وهجم الملاّ حسين مع باقي الأصحاب على الأعداء ودارت معركة حامية حتى أخيرًا نجحوا في تشتيت القوات.

وتمكن الملاّ حسين بعد انتصاره واندحار جيش الأمير مهدي قلي ميرزا أن يعود هو والجماعة إلى القلعة لإصلاحها وأعادوا إليها القدوس جريحًا وبحالة يؤسف عليها ولكنّه كتب أمرًا إلى الأحباب أن يكفّوا عن بكائهم وكتب لهم: “علينا أن نرضى بإرادة الله وأن نكون ثابتين في ساعة الامتحان. ولو أن جسمي يتألم ولكنّ روحي مستبشرة متنعّمة بالسرور وشكري لله لا حد له.”

وكان حصول هذه الحادثة في الخامس والعشرين من شهر

محرّم سنة 1265 هجريّة (21 ديسمبر 1848 ميلاديّة) وفي مستهل ذلك الشهر نفسه قام حضرة بهاء الله لوفاء ما وعد به الملاّ حسين وخرج من نور إلى قلعة طبرسي مع عدد من أصحابه ولكن قبض عليهم في الطريق وأخذوا إلى آمل.

وبقي حضرة بهاء الله وأصحابه محبوسين مدّة ولكن أراد الحاكم المنتدب أن يحفظ المسجون من هجوم الناس فأخذه سرًّا إلى منزله ورغمًا من احتجاج الغوغاء أخذ باقي المسجونين إلى مقرّ الحكومة وبذلك نجوا من المهالك التي كانوا معرّضين لها. وبعد بضعة أيام عمل ترتيبًا لنقل حضرة بهاء الله وأصحابه إلى طهران.

الفصل العشرون

ملحمة مازندران

 

وتجمّعت قوات الأمير مهدي قلي ميرزا بعد الانهزام الذي أصابها وعادوا لتنظيم قواهم للهجوم على سكّان قلعة طبرسي. فوجد الأحباء أنفسهم مرّة أخرى محاصرين بجحفل عظيم أخذ يعمل تسع حواجز كخطوط دفاع. وألجأت قلّة المياه المحصورين لحفر بئر داخلها. وفي عصر الثامن من شهر ربيع الأول (أوّل فبراير سنة 1849 ميلاديّة) توضّأ الملاّ حسين وارتدى ملابسه الجديدة وزيّن رأسه بعمامة الباب واستعدّ للقتال وعند اقتراب نجمة الصباح امتطى جواده وأعطى الإشارة لفتح باب القلعة وركّب خارجًا هو وثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه للقاء العدو. وهجم الملاّ حسين على الاستحكام الأوّل وهكذا على الثاني والثالث واخترقها بسرعة وبسالة وكلّما تقدّم وقع الرعب بين صفوف الأعداء وحلّ فيهم اليأس والذعر وأخذتهم الدّهشة واستمروا على هذا الحال حتى اخترقوا باقي الاستحكامات ودمّروها. وفي هذه الأثناء تسلّق أحد الأعداء شجرة وأخفى نفسه بين أغصانها وتمكّن من مراقبة حركات الملاّ حسين وأصحابه. وكان جواد الملاّ حسين قد عثر في حبل مربوط في إحدى الخيام المجاورة وقبل أن يتمكن من تخليصه

الصورة غير متوفرة

الشجرة التي أصيب منها الملاّ حسين برصاصة في صدره

أصابته رصاصة في صدره. وجاء لنجدته إثنان من أصحابه وحملاه إلى القلعة. وبقي معه القدوس وحده وبعد مضي وقت قصير أمر القدوس بفتح الباب ودخول الأصحاب فقال لهم القدوس: “لقد ودّعته الوداع الأخير وشاركته في الأمور التي لم يكن قادرًا بالنّطق بها من قبل.” وكان الملاّ حسين قد توفي وكانت تبدو على وجهه ابتسامة لطيفة وكان السلام سائدًا على محيّاه. وحضر القدوس دفنه ولفّه في قميصه ووضع الجسد في القبر بيده في الجهة الجنوبية الملاصقة لضريح الشيخ طبرسي. وكان ذلك في ساعة الفجر في التاسع من ربيع الأول سنة 1265 هجريّة (2 فبراير سنة 1849 ميلاديّة).

وكان عدد الأيام من يوم أن هوجم الملاّ حسين وأصحابه ليوم استشهاده مائة وستة عشر يومًا وهي مفعمة بالوقائع والأعمال التي بلغت فيها الشجاعة إلى حدّ أنّ أعدى الأعداء اضطروا للاعتراف بها وللدهشة من قوّتها.

وكان الملاّ حسين يخرج من جميع هذه المواقع الحامية الوطيس ظافرًا رغم احتشاد القوات العظيمة المنظّمة ضدّه. وكان عمره ستة وثلاثين عامًا عندما شرب كأس الشّهادة وكان له من العمر ثمانية عشر سنة لمّا تعرّف في كربلاء بالسيد كاظم الرشتي وجلس لديه يتلقى منه الدروس ممّا أهّله لقبول رسالة الباب.

وتحرّك العدو وبعزم جديد وكان الخوف قد بلغ أشدّه في

ذلك الإقليم من هياج الأهالي من جراء الانكسارات المتتالية وابتدأوا يميلون إلى الدين الجديد. ومرّة أخرى فتح باب القلعة واخترق الأصحاب الصفوف في المعسكر فهرب الجيش بأجمعه بارتباك عظيم أمام هذه الهجمة العنيفة وكان انهزامهم التامّ قد أحدث فَرَجًا عند الأصحاب وقوى رابطتهم وذكّرهم مرّة أخرى بكفاية القوّة التي منحها لهم إيمانهم. ولما نفذ الطعام من عندهم أكلوا لحوم الخيل والجلود المنزوعة من السروج التي غنموها من المعسكر وتحمّلوا بكل شجاعة وثبات جميع المصائب التي أحاطتهم.

وفي يوم النوروز الذي وقع في الرابع والعشرين من ربيع الثاني سنة 1265 هجريّة (سنة 1849 ميلاديّة) أشار القدوس للأصحاب بقرب مجيء امتحانات تجلب في اثرها استشهاد جماعة كبيرة منهم. وبعد بضعة أيّام عسكرت بالقرب من القلعة فيالق عظيمة تحت إمرة مهدي قلي ميرزا وأخذ الجيش لبضعة أيّام يطلق النيران على القلعة. ودهشوا من أن نيران مدافعهم لم تنجح في خفض أصوات الصلاة والابتهاج التي كان المحاصرون يرفعونها. وبدلاً من تسليم القلعة تسليمًا تامًّا كما كانوا ينتظرون فإنّ آذان المؤذن وتلاوة الآيات القرآنية ونغمات الأفراح بالشكر والامتنان كانت تصل إلى آذانهم بدون انقطاع. ومضت أيّام لم يظهر فيها علامة على عودة الهجوم واستمر الحصار مدّة أربعة أشهر وقد قال القدوس: “ومنذ أن

التجأنا إلى القلعة كان قصدنا الوحيد الذي لم يتغيّر هو اثبات سموّ الدعوة بأعمالنا واستعدادنا للتّضحية وسفك دمائنا في سبيل ديننا.”

وبعد مضي ذلك الوقت ومرّة أخرى هجم رجال المعسكر على القلعة لأجل الاستيلاء عليها عنوة وكان الأمير مهدي قلي ميرزا قد أخذته الحيرة مما شاهد من قوّة خصومه التي لا حدّ لها. وأخذ يحرّض عسكره على أن يحتالوا بأيّ وسيلة تمكّنهم من إنهاء هذه المأمورية.

وفي صبيحة الأربعاء السادس عشر من جمادى الثاني (9 مايو سنة 1849ميلادية) وصل رسول من الأمير مهدي قلي ميرزا وطلب أن ينتدب اثنان من طرف المحصورين للمفاوضة بأمل الوصول إلى حلّ سلمي للمسائل المتعلّقة بين الطرفين. وقال الأمير لهم: “إنّ العداء بيننا قد استمر طويلاً بلا موجب. وقد تحارب الطرفان مدّة وانتهكت قواها ومن رغبتي الأكيدة الوصول إلى حلّ سلمي لفضّ الخلافات التي بيننا.” ثم تناول المصحف الشريف وكتب على هامش الفاتحة الكلمات الآتية للقدوس تأييدًا لدعوته – “أحلف بهذا الكتاب المقدس وبحقّ من أنزله وبالرسالة التي جاءت بهذه الآيات أنّه لا قصد لي سوى توطيد السلام والمحبّة بيننا فاخرجوا من معقلكم وتأكّدوا أنّه لن تمتد لإيذائكم أي يد وأنّكم ستكونون أنتم وأصحابكم في حفظ الله ومحمد رسوله وناصر الدين شاه

مليكنا. وأقسم لكم بشرفي أنّه لن يعتدي عليكم أيّ شخص سواء في الجيش أو الجهات المجاورة وإذا كان لي غرض آخر في نفسي خلاف ما بيّنت فعليّ غضب الله المنتقم الجبار.” ثم ختم الكتابة بختمه وأرسله إلى القدوس مع تحيّاته. وتسلم القدوس القرآن من يد الرسول وقبّله باحترام. ثم أمر أتباعه توًّا أن يستعدّوا لمبارحة القلعة قائلاً: “إنّنا بإجابتنا لطلبهم نعطيهم الفرصة أن يفوا بصدق ما عاهدوا الله عليه.”

وتركوا القلعة ووصلوا إلى الخيمة التي أعدّها الأمير لهم. ونصح القدوس الأصحاب قائلاً: “عليكم أن تظهروا الانقطاع الكلّي وتكونوا مثالاً لغيركم وبذلك يرتفع صيت الأمر ويعلو مجده.”

وبعد مرور ساعات من الغروب أحضروا لهم طعام العشاء من المعسكر. وأما الأمير ويا للأسف فلم يَفِ بوعده وبدلاً من الذهاب إلى خيمة القدوس دعاه مع الكثيرين من الأصحاب إلى الحضور إلى المعسكر. ولمّا حضروا وقعوا أسرى في أيديهم وقاموا إلى القلعة ونهبوا كلّ ما وجدوه فيها وهدموها نهائيًّا ثم أحاطوا بباقي الأصحاب والأسرى وأطلقوا عليهم الرصاص وأعدموا عددًا كبيرًا منهم.

وتمّت هذه المجزرة الفظيعة وأكمل الأمير عمله ورجع إلى بارفروش مصحوبًا بالقدوس ووصلها يوم الجمعة بعد الظهر في الثامن عشر من جمادى الثاني (11 مايو سنة 1849 ميلاديّة).

وخرج سعيد العلماء مع بقيّة العلماء في المدينة للترحيب بالأمير ولإسداء تهانيهم لعودته منصورًا ولم تظهر رغبة الأمير فيما يختص بالقدوس بل كان متردّدًا في سياسته نحوه ويمانع في إيصال أيّ أذى إليه. وكان أصلاً يأمل إيفاده إلى طهران لتسليمه ليد مليكه ليتخلّص من المسؤوليّة الملقاة على عاتقه.

أمّا سعيد العلماء فأشعل نيران التعصب وأثار إحساس الجمهور فهاجت جميع أهالي بارفروش ولكن الأمير مهدي قلي ميرزا قرّر ما يأتي وقال: “إنّي أغسل يديّ من كل مسؤوليّة لإيصال الأذى بهذا الرجل فافعلوا به ما شئتم وانتم تكونون مسؤولين أمام الله عن ذلك في يوم القيامة.” وارتحل الأمير إلى ساري وإذ خوّفته سطوة العلماء تناسى يمينه الذي حلفه وسلّم القدوس إليهم. وبأمر من سعيد العلماء هجم أهالي بارفروش على القدوس وأوقعوا على جسده أنواع التعذيب وبشهادة حضرة بهاء الله تحمّل هذا الشاب الذي كان في مقتبل عمره من الآلام والتعذيب ما لا يوصف وتجرّع الموت بكيفية لم يلاقها أحد في ساعة أجله وقد أثنى عليه حضرة بهاء الله ولقّبه بالنقطة الأخرى (النقطة الأولى هو من ألقاب الباب).

وكان القدوس أثناء تألّمه وتعذيبه ينطق بمسامحة أعدائه ويقول: “اغفر يا إلهي لهؤلاء المعتدين وعاملهم برحمتك لأنّهم ليس لهم علم بالأمر الذي آمنا به وإنّي اجتهدت أن أظهر لهم طريق نجاتهم فانظر كيف قاموا عند ذلك على قتلي وإعدامي.

فأظهر لهم يا إلهي طريق الحق وبدّل جهلهم بالعلم والعرفان وكفّر عن ذنوبهم بالتّصديق والإيمان.” وصاح قائلاً: “ليت أمّي كانت معي لتشهد بعينها بهاء عرسي.”

وقد جرّدوه من ملابسه وأوقعوا من رأسه عمامته وساروا به في الشوارع حافي القدمين عاريَ الرأس مكبّلاً بالحديد ويتبعه جميع أهالي البلدة بالتوبيخ والتأنيب وهجموا عليه بالسنان والمغارف وقطّعوا جسده إربًا ثم أشعلوا النار فيه. وفي منتصف الليل جمع بعض أصحابه ما تبقّى من جسده ودفنوه في سبزه ميدان (بارفروش في محل لا يبعد عن مكان استشهاده – وكان ذلك في 23 جمادى الثاني سنة 1265 هجريّة (16 مايو سنة 1849 ميلاديّة).

وكان وقوع هذه الحادثة من الفظاعة بما كان حتى أنّ الباب في حبسه في چهريق كان غير قادر على الكتابة أو الإملاء مدّة ستّة أشهر فحزنه العميق الذي شعر به أوقف صوت الوحي وأسكت قلمه طوال هذه المدة.

الفصل الحادي والعشرون

شهداء طهران السبعة

 

وذات يوم في طهران قابل النبيل واسمه يار محمد – وُلِدَ في 18 صفر سنة 1247 هجريّة (29 يوليو سنة 1831 ميلاديّة) في بلدة زرند- قابل الحاج الميرزا السيد علي خال الباب الذي كان قد رجع من چهريق وقال: “بمجرّد أن رأيته سحرني كمال هيئته وصفاء وجهه ولطف طلعته وشدّة تقواه وحُسن أخلاقه.” وقد كان الآقا كليم (أخ حضرة بهاء الله) ذات مرة ألحّ عليه في أن يترك طهران التي كانت إذ ذاك في غليان شديد فأجابه خال الباب قائلاً: “ولماذا أهرب أو أخاف على نفسي فلعلّ نصيبي أن أشترك في المأدبة الإلهيّة التي بسطتها يد القدرة للمخلصين.” وكان محركو الفتن والقلاقل قد بذلوا جهدهم في إثارة المشاكل في تلك المدينة وسلّمت أسماء وعناوين نحو خمسين من الأحباء القاطنين في طهران إلى محمود خان الوالي الذي أمر بالقبض عليهم جميعًا. فقبض على أربعة عشر منهم وأحضروا أمام أرباب السلطة ثم حُبسوا في منزل محمود خان كلانتر – الوالي من اليوم الأوّل إلى اليوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1266 هجريّة (14 فبراير – 15 مارس سنة 1850 ميلاديّة). وكان الباب قد أشار إلى أن النوروز السادس بعد

الصورة غير متوفرة

ساحة سبزه ميدان في طهران الذي استشهد فيه الكثير من المؤمنين

إعلان الدعوة – أي نوروز تلك السنة هو آخر نوروز يشهده على الأرض.

ولما تأكّد مضطهدوهم من عجزهم عن ردّهم عن إيمانهم رفعوا الأمر إلى أمير النظام الميرزا تقيّ رئيس وزراء ناصر الدين شاه وكان الملك في تلك الأيام لا يتدخل في أمور الدولة الخاصة بالفئة المعذّبة ولا يعلم بالأحكام الصادرة على أفرادها وكان لرئيس الوزراء سلطة تامّة لينفذ فيهم ما شاء ولا يقدر أحد أن يراجعه في أحكامه أو يعترض على طريقة حكمه وسلطته. فأصدر أمرًا مهدّدًا الأربعة عشر مسجونًا بإعدامهم إذا لم يرجعوا عن معتقدهم. ثم أفرج عن بعضهم واستشهد الباقون وهم شهداء طهران السبعة. وأوّلهم كان الحاج الميرزا السيد علي والملّقب بالخال الأعظم وهو خال الباب وأحد مشاهير التجّار في شيراز وهو نفس الخال الذي كان يعتني بالباب بعد وفاة والده.

ولما طلب أمير النظام من الحاج الميرزا السيد علي الارتداد عن معتقده أجابه: “يا صاحب السعادة إذا كان غيري ممّن شرب كأس الشهادة قبلي بفرح قد رفض قبول مثل هذا العرض فاعلم بأنّي لست بأقل منهم رغبة في رفضه لأنّي إذا ارتددت عن الحق الصريح في هذا الدين لكان ذلك بمثابة الارتداد عن جميع الأديان التي سبقته وإنكاري لرسالة عيسى وموسى وجميع الانبياء السابقين والله يعلم أن كل ما علمته وسمعته وقرأته من أقوال وأعمال الرسل السابقين كان لي الشرف بأن أشاهده بنفسي من

ذلك الشاب المحبوب – منذ حداثته لغاية بلوغه سن الثلاثين من عمره. ولا أطلب منك إلاّ أن أكون أوّل من يضع حياته فداء في سبيله.”

وذهل الأمير من هذا الجواب وحصل له يأس وبدون أن يتكلم كلمة واحدة أشار بأن يؤخذ ويقتل. وإذ أخذوا الحاج الميرزا السيد علي للقتل نادى الجمهور الذي هجم حوله قائلاً: “اسمعوا مني أيّها الناس إنّي قد أسلمت نفسي كفداء في سبيل أمر الله. وإن جميع الأهالي يشهدون باستقامتي وشرف أرومتي وانتسابي للرسول. ولمدّة ألف سنة دعوتم وكرّرتم الدعاء أن يظهر القائم الموعود. وعند ذكر اسمه تصيحون من أعماق قلوبكم وتقولون – عجّل اللّهم فرجه وأزل كل عائق في سبيل ظهوره- والآن إذا أتى الموعود أبعدتموه في المنفى بلا مُعين في أقصى وأبعد رُكن من أركان آذربايجان محبوسًا وقمتم على قتل ومحو أصحابه وإنّي إذا دعوت الله عليكم لأجاب دعوتي ولكنّي لا أفضل ذلك بل إلى آخر نفس من حياتي أدعوه أن يمحو وصمة جريمتكم ويرشدكم أن تنتبهوا من رُقاد غفلتكم.”

وخلع عمامته وتوجّه بوجهه إلى السماء صائحًا: “يا إلهي أنت ترى وتشاهد كيف يذبحون ابن رسولك الكريم وبدون ذنب جناه” ثم تلا قول المولوي (شاعر صوفي 1207-1273 ميلاديّة وصاحب كتاب المثنوي):

” إلى كم اذبح من ألم الانفصال

فأقطع رأسي حتى يعطيني الحبّ رأسا.”

ومن بعض أقوال الشهداء ما يلي:

  • “إن حياة هذه القطرات من الدماء هي تافهة ولو كانت الدنيا جميعها ملكي فإنّ تضحية رأسي لمحبوبي في نظري أمر بسيط ولو كانت لي ألف حياة لفديتها تحت أقدام أحبّائه.”

  • “عجّلوا بذبحي فإنّكم بهذا تسقونني كأس الحياة السرمديّة فإنّكم ولو قطعتم هذا النفس الضعيف فالمعبود سوف يُجزيني بآلاف عديدة من حياة غيرها مما لايقدر أحد على تصوّرها.”

  • “استمعوا لكلماتي أنتم الذين تدّعون أنكم أتباع رسول الله فإنّ محمدًا شمس الهداية الذي قام في سابق العصر في أفق الحجاز قد قام ثانية اليوم في شخص علي محمد من أفق ربيع شيراز ومنه أشرقت نفس الأنوار وأضاء بذات الضياء والوردة هي نفس الوردة في أي حديقة أزهرت وفي وقت ظهرت وتفتّحت.”

  • “ما أعظم الزينة والجلال في هذا اليوم الذي تمّ فيه نجاحي في الحصول على فخر تاج الشهادة. والمجد والعظمة للباب الذي أشعل مثل هذا الإخلاص في صدور أحبّائه والذي منحهم قوّة أكبر وأعظم من سطوة الملوك.”

_” إلهي إلهي لتشتعل نارك باستمرار في باطني ولتحرق شعلتها وجودي.”

  • “ليت الذي أشعلت يده روحي كان حاضرًا ليراني فلا تظنّوني سكرانًا بحُمَيَّا هذا العالم فقد امتلأت روحي بحبّ محبوبي الذي وهبني قوّة وسلطانًا يحسدني عليه الملوك.”

وكان شوق الجميع في التسابق إلى ميدان الشهادة قد أدهش الجماهير الحاضرة ولم تشهد عين إلاّ نادرًا مثل هذه القسوة الجامحة في معاملة أهل هذا الدين العظيم. واضطربت البلاد واسودّ وجه الأرض بالفظائع وكانت المملكة من خراسان على حدود إيران الشرقية لغاية تبريز مكان استشهاد الباب ومن المُدن الشماليّة في زنجان وطهران إلى المدن الجنوبية التي امتدّت لغاية نيريز في إقليم فارس في اضطراب وظلام حالك مما يُنبئ بطلوع أنوار الأمر الذي سيعلنه الحسين المنتظر (حضرة بهاء الله) وهو أقوى وأبهى ممّا أعلنه الباب بنفسه.

وفي تلك الأيام كانت الطاهرة بعد انفضاض الجمع في بدشت قد قطنت في جهة نور من إقليم مازندران ثم وصلت إلى طهران وحُبست هي أيضًا في الدور الأعلى من منزل محمود خان الوالي ومع أنها كانت مسجونة وأسيرة إلاّ أنّها كانت تعامل بالاحترام والاعتبار.

الفصل الثاني والعشرون

ملحمة نيريز

 

وكان السيد الدارابي المُلقّب بالوحيد مشغولاً في الأيّام الأولى من حصار قلعة طبرسي في نشر التعاليم الأمريّة وكان يسافر من مدينة إلى مدينة يعلن التعاليم التي أتى بها مولاه بدون خوف ولا وجل ونجح في تبليغ عدد غفير من الأتباع وكان رجلاً ذا شهرة واسعة ونفوذ ولما رجع إلى يزد حيث كانت تسكن عائلته في اليوم الأوّل من شهر جمادى الأوّل سنة 1266 هجريّة (1850 ميلاديّة) جاء العلماء المشهورون والأعيان في المدينة لاستقباله.

وانتهز وحيد الفرصة وأبلغ الجمع الحاضر التعاليم الأساسيّة وانجذب البعض انجذابًا كليًّا واعتنقوا الأمر حالاً وكانت فصاحته وقوّة بيانه وعدم خوفه في إظهار أمر الحق قد أشعلت نيران الحقد في بعض الناس وعزموا على إنهاء حياته. واستمر هذا النشاط والانجذاب مدة أربعين يومًا بين المؤمنين الغيورين نساءً ورجالاً. وكان منزل وحيد هو المركز الأمري لجموع المؤمنين وأمّا حاكم المدينة فأصدر أوامره أن تقوم قوّة مسلّحة لحصار المنزل. وأرسل وحيد أحد أصحابه وأمره أن يخطب في الناس علنًا في الشوارع والأسواق ويطلب من جميع السكّان

اعتناق أمر صاحب الزمان وزاد بقوله: “إنّي لا أنوي أن أثير حربًا دينيّة فليحذروا إنّهم إذا أصرّوا على حصار منزلي واستمروا في أعمال الهجوم عليه فإنّي أكون مضطرًّا للدفاع وأن أقاومهم وأشتّت شملهم.” فوقع الرعب في قلوب المستمعين وعزم الأهالي الخائفون على ترك أسلحتهم والامتناع عن إيذاء وحيد.

وفي ذلك الأثناء استعد وحيد لمبارحة يزد. وقد سار في الطريق المؤدي إلى نيريز وكان يدعو الناس إلى الأمر الجديد واجتهد في أن يُشعل نار محبّة الله في قلوب الذين وجد فيهم استعدادًا لسماع النداء. ولما وصلت أخبار مجيئه إلى نيريز خرج جميع الأهالي للقائه. وما كاد زين العابدين الحاكم بخروج الأهالي للترحيب به حتى أرسل رسولاً خاصًا ينذرهم بعزمه على قتل كلّ من يُصرّ على الطاعة لوحيد فلم يعبأ أحد بانذاره وبالعكس اشتدّ تمسكهم به.

وكان وحيد يخطب في الجموع ويطلب منهم أن يعترفوا برسالة الباب. وقال لهم: “إنّ غرضي من المجيء لنيريز هو إعلان أمر الله وإنّي أشكره تعالى وأمجّده لأنّه مكّنني أن أنفث في قلوبكم رسالته.”

وما كان قبول الدعوة بمانع من إثارة زين العابدين فأمر بجمع جيش بقصد محو الأمر وأراد من تدبيره الهجوم الفُجائي وأخذ وحيد أسيرًا. ولمّا عَلِمَ وحيد بتدابير الحاكم أمر أصحابه أن يدخلوا  قلعة خواجه وجعلها مقرًّا لهم. وعند طلوع الفجر

خرج جماعة منهم بأمر من وحيد وبسرعة فائقة شتّتوا شمل المحاصرين للقلعة. وهذه الهزيمة التّامّة الفُجائيّة أثارت أوهام ومخاوف الأمير فيروز ميرزا نصرت الدولة حاكم شيراز وأعطى أوامره لاستئصال شأفة الذين احتلوا القلعة وطلب إلى وحيد بإلحاح أن يترك نيريز آملاً في اطفاء نيران الهياج الذي اشتعل.

ولكن زين العابدين ضاعف مجهوداته وفجأة حاصر القلعة بجموع لا عدد لها من رجاله وابتدأوا في حفر خنادق حولها. وما كاد يتمّ هذا العمل حتى أطلق النيران عليهم ورجع المهاجمون واختبأوا داخل خنادقهم. وكانت تلك الهزيمة قد أقنعت زين العابدين خان ورجاله بعدم فائدة أيّ مجهود يبذل لإخضاع وحيد وأصحابه بطريق المُحاربة فالتجأوا أخيرًا إلى طُرق أخرى كما حصل لجيش الأمير مهدي قلي ميرزا الذي عجز عن إخضاع مُحاربيه في الميدان فلجأ إلى الخداع والغشّ وهي أسلحة الجبناء. فأوقفوا الهجوم وأرسلوا رسالة إلى المحصورين قائلين: “إنّنا كنّا لغاية الآن جاهلين حقيقة إيمانكم فقمنا ضدّكم وأردنا إبادة دينكم وفي الأيّام الأخيرة علمنا أنّ حركاتكم لم يُقصد بها أيّ غرض سياسي وإنّه لا يوجد بينكم من يرغب في قلب قواعد الدولة. فليخرج منكم مندوبون ويقابلونا في المعسكر حيث يمكننا في ظرف بضعة أيّام أن نتحقق من صدق دعواكم. وهذا القرآن الذي نختم عليه بأختامنا هو أكبر شاهد على صدق مُرادنا وأنّ غضب الله ورسوله علينا إذا كُنّا

نقصد أن نخدعكم.” فاستلم وحيد القرآن بكل احترام وقال: “إني عالم تمامًا بخداعهم ولكن أرى من واجبي أن أجيب طلبهم وانتهز الفرصة في أن أكشف مرّة أخرى عن حقائق الأمر المحبوب أمامهم.”

وبهذه الكلمات ودّع أصحابه وخرج مع عدد منهم من القلعة إلى المعسكر حيث طلبوا منه أن يرسل بخطّ يده رسالة لباقي أصحابه المقيمين في القلعة يُخبرهم بحصول الصلح بين الفريقين وأن ينضموا إلى المعسكر أو يرجعوا إلى منازلهم. فكتب تلك الرسالة ولكنّه في رسالة أخرى أرسلها سرًّا أخبر أصحابه أن لا ينخدعوا بتدابير العدوّ وحذّرهم من أن يسمحوا لأنفسهم بالوقوع في الخدعة. ولكن لم تصل هذه الرسالة إلى أصحابه وحسب الرسالة الأولى طرح الكثيرون أسلحتهم وعادوا إلى نيريز واستشهد عدد كبير منهم.

وبعد أن تشجّع زين العابدين ورجاله بسبب تشتّت أصحاب وحيد أخذوا يفكرون في الطريقة التي تخلّصهم من اليمين التي حلفوها وأن يشرعوا في ذبح وحيد. ونادوا في الحال على جميع الذين قُتلت أقاربهم في المعركة لتنفيذ حكم القتل الذي صدر على وحيد. وحالاً تقدّم ثلاثة من هؤلاء وطرحوا العمامة من رأسه ولفّوها على رقبته وأوثقوه بجواده وسحبوه بهذه الكيفيّة في جميع شوارع المدينة. وقد أنهى وحيد حياته الشريفة الباسلة الساطعة والمُفعمة بالحوادث والتي امتازت بسعة العلم

والشهامة الفائقة وروح التضحية النادرة المثال والجديرة بأن تتوّج بمثل هذا القتل الذي أتمّ به شهادته. ووقع ذلك في الثامن عشر من شهر شعبان سنة 1266 هجريّة (29 يونيو سنة 1850 ميلاديّة).

وبعد عشرة أيّام من تلك الحادثة أُطلق الرصاص على الباب في تبريز.

الفصل الثالث والعشرون

استشهاد الباب

 

وانتشرت أخبار المأساة التي بها ختمت حادثة حصار النيريز في طول البلاد وعرضها وأشعلت حماسًا مريعًا في قلوب الذين سمعوها. وكان أمير النظام الميرزا تقي خان رئيس وزراء ناصر الدين شاه مرعوبًا من مظاهر الحماس المتكرّرة ومن قوّة الإيمان الشديدة التي كانت لا تتزعزع. ومع أن الجيوش انتصرت في كل مكان وأفنت اتباع الملاّ حسين ووحيد وقضت عليهم قتلاً وذبحًا ولكن مع ذلك في نظر الناس كانت الروح المحرّكة لهذه البسالة النادرة غير مقهورة وشوكتها لم تكسر بعد. وكانت تلك الطاعة التي يسديها الأحباء المتفرّقون لقائدهم الروحي المحبوس لا تزال باقية على حالها، لم تُمسّ بأذى ولم ينجح أي علاج في تقويض تلك الطاعة أو إبادة الأمر. وعلى العكس بدلاً من إخمادها ازدادت تلك الروح اشتعالاً ونفوذًا أكثر من ذي قبل وفضلاً عن ذلك كان الذي أشعل هذه الروح وغذّاها لا يزال حيًّا ورغمًا عن وحدته كان قادرًا على نشر نفوذه لأقصى حدّ. وكانت الرقابة المستمرة غير قادرة على صدّ التيّار الذي طغى على وجه البلاد وكان تفكير رئيس وزراء ناصر الدين شاه أنّ استمرار وجود الباب كانت بمثابة القوّة المحرّكة لهذا

الأمر فإذا أطفئ هذا النور ومنع فيضان ذلك الينبوع فإنّ الزوبعة سوف تخمد. ولذلك رأى هذا الوزير أنّ أحسن وسيلة لذلك هو قتل الباب.

وأرسل أمير النظام الأوامر لنواب حمزه ميرزا حاكم آذربايجان بأن يرسل ويُحضر الباب إلى تبريز وكان نواب حمزه مشهورًا بين أمراء العائلة المالكة برقّة قلبه ودماثة أخلاقه إلاّ أنّ أمير النظام كان حريصًا في كتم غرضه الحقيقي في ذلك الطلب عن الامير ولما كان نواب حمزه قد ظنّ أنّ الغرض هو تمكين الباب من العودة إلى منزله أرسل أحد ضباطه الموثوق بهم لإحضار الباب من چهريق مقرّ حبسه إلى تبريز ونبّهه إلى إسداء أقصى حدّ من الاحترام إليه.

وكان الباب قبل وصول الضابط بأربعين يومًا إلى چهريق قد جمع أوراقه والألواح التي معه ووضعها مع قلمه ودواته واختامه وخواتمه في صندوق وسلّمها للملاّ باقر التبريزي أحد حروف الحي وأعطاه أيضًا خطابًا ليسلّمه للميرزا أحمد (الملاّ عبد الكريم القزويني وسماه حضرة بهاء الله بالميرزا أحمد) كاتب وحيه، وفيه وضع مفتاح الصندوق وأوصاه بأن يحافظ على الوديعة وأكّد له قداسة محتوياتها وأن يخفي الوديعة عن أيّ شخص خلاف الميرزا أحمد. ورحل الملاّ باقر وأوصل الأمانة في أواسط شهر شعبان (12 يونيو- 11 يوليو سنة 1850 ميلادية). وفتح الميرزا أحمد الصندوق أمام بعض الحاضرين


الصورة غير متوفرة

خاتم الباب

ومن بين الأشياء التي كانت فيها لفافة ورق أزرق من أجود الأنواع وفيه دبج الباب بخط يده البديع من نوع الشكسته وعلى هيئة نجمة خماسيّة نحوًا من خمسمائة آية جميعها عبارة عن اشتقاقات من كلمة بهاء. وأعيد الملف إلى مكانه وتوجّه الميرزا أحمد في نفس اليوم إلى طهران. وقبل ارتحاله أخبر الحاضرين أنّ كلّ ما يمكنه أن يبوح به هو أن الرسالة تأمر بتوصيل الأمانة إلى يد حضرة بهاء الله في طهران.

وفي چهريق نفذ ذلك الضابط الأوامر التي وصلته من نواب حمزه ميرزا وأوصل الباب إلى تبريز. وبعد مرور ثلاثة أيّام من وصول الباب جاء أمر جديد من الوزير الكبير للأمير نواب حمزه ميرزا حاكم آذربايجان أن يُنفّذ حكم الإعدام على المسجون يوم وصول الفرمان وكذلك على أيّ شخص يعلن اعتقاده فيه وأصدر أمره إلى القوّة التي كانت تحت رئاسة سام خان الأرمني رئيس فرقة الأرامنة أن تطلق عليه الرصاص في ساحة العسكريّة في تبريز وهي الكائنة في وسط المدينة.

وكان الأمير قد أظهر دهشته لحامل الفرمان الميرزا حسن خان وزير النّظام وأخ الوزير الأكبر وقال له: “العمل الذي أوكله اليّ عمل لا يُجريه إلا الأنذال. “فأبلغ الميرزا حسن خان أخاه (الوزير الأكبر) برفض الأمير فأمره أخوه أن يجري بنفسه الفرمان بتمامه وحالاً. وأراد الميرزا حسن أن يوصل هذه التعليمات الجديدة إلى الأمير ولكن خاب مسعاه فلم يعبأ برفض

الصورة غير متوفرة

سبحة الباب

الأمير نواب حمزه وأصدر أوامره أن ينقل الباب مع حاشيته من المنزل الذي كان يقطنه إلى إحدى غرف المعسكر. وأمر سام خان أن يرسل عشرة من رجاله ليحرسوا مدخل الغرفة التي حُبس فيها ونزعت منه العمامة والحزام وهما علامتا الشرف والسيادة. ثم أخذوه مع السيد حسين اليزدي كاتب وحيه وأحد حروف الحي إلى غرفة أخرى أُعدت لحبسه وكانت هي نذير الساعة الأخيرة التي كان دائمًا يتمناها.

وقد ظهر في مدينة تبريز في ذلك اليوم هياج واضطراب شديد وجاءت الطّامة الكبرى التي تظهر يوم القيامة حسب اعتقاد الناس فلم تشهد تلك المدينة مطلقًا يومًا عبوسًا قمطريرًا مثل ذلك اليوم الذي أخذ فيه الاضطراب جميع الأهالي وأحضر فيه الباب إلى مكان استشهاده وإذ اقترب الباب من ساحة المعسكر ظهر فجأة شاب اخترق الزحام مقتحمًا كل الصعاب والمخاطر التي تواجه مثل هذا العمل وكان وجهه شاحبًا وهو حافي القدمين وأشعث الشعر منهوك القوى ورمى نفسه على أقدام الباب وأمسك بطرف ردائه وتضرّع إليه بحرقة قائلاً: “لا تبعدني عنك يا سيدي أينما ذهبت فاجعلني أتبعك.” فقال له الباب: “يا محمد علي (الزنوزي) قُم وتأكّد أنّك ستكون معي وغدًا ستشاهد ما يقضي به الله.” وكذلك هجم اثنان من الأتباع وأكدّا إليه طاعتهما وتعلّقهما به فقُبض على هذين الشخصين ومعهما محمد علي الزنوزي ووضع الجميع في غرفة واحدة مع الباب والسيد

حسين يزدي.

وقال السيد حسين: “في تلك الليلة أضاء وجه الباب فرحًا وتهلّل سرورًا لم يُشاهد عليه من قبل. وكان يتكلم معنا بالفرح والانبساط غير مبالٍ بالعاصفة التي أُثيرت حوله وقال لنا: ’غدًا باكرًا سيكون يوم استشهادي فمن منكم يقوم الآن وبيديه يُنهي حياتي فإنّي أفضّل أن أذُبح بيد حبيب بدلاً من العدو.‘ فانهمرت الدموع من أعيننا عندما سمعنا ذلك الطلب وكنّا نجفل من فكرة إنهاء حياة ثمينة مثل حياته بأيدينا. وامتنعنا وبقينا ساكتين. ولكن الميرزا محمد علي قام فجأة وأعلن استعداده بإطاعة كل ما يأمر به الباب. فقمنا وأجبرناه على الامتناع من تنفيذ ذلك فقال الباب: ’إنّ هذا الشاب الذي قام ليُنفّذ مشيئتي سوف يحصل معي على الشهادة وهو الذي أختاره ليشاركني فخر لبس تاج الشهادة.‘”

وفي الصباح الباكر أمر الميرزا حسن خان أن يأتي الفراش باشي بالباب ويحضره أمام كبار مجتهدي المدينة ويحصل منهم على الحكم بالإعدام ولما شرع الباب في مغادرة المعسكر سأله السيد حسين اليزدي ماذا يعمل فنصحه الباب قائلاً: “لا تظهر إيمانك حتى يمكنك في الوقت المعلوم أن تخبر الذين خصّصوا لسماع الأمور التي لا يعرفها سواك.” وكان السيد حسين مشتغلاً بالمحادثة معه إذ جاء الفراش باشي لأخذه وقطع عليهم الحديث وأمسك السيد حسين من يده وسحبه جانبًا وأخذ في

توبيخه فأشار الباب إلى الفراش باشي وحذّره قائلاً: “إلى أن أكون قد أتممت ما أريد أن أقوله للسيد حسين لآخر كلمة لا تقدر أيّ قوّة أرضيّة أن تمنعني من ذلك ولو اجتمع العالم كله كجيش واحد حولي لن يقدر أن يمنعني من إتمام ما أقصده من الأقوال إلى آخر كلمة.” فدهش الفراش باشي من مثل هذا التحدّي الجريء ولم يُجِبْ بل أمر السيّد حسين أن يقوم ويتبعه منصرفًا.

ولما أدخلوا الميرزا محمد علي الزنوزي أمام مجمع المُجتهدين وألحّوا عليه أن يرتد عن إيمانه صاح قائلاً: “لا يمكن أبدًا أن أرفض سيّدي. فهو جوهر إيماني وهو مقصود عبادتي الحقّة وفيه وجدت جنّتي وفي اتباع شريعته استدللت على سفينة نجاتي.” فسُلّم الميرزا محمد علي إلى سام خان وأمروه أن يُنفّذ فيه حكم الإعدام إذا أصرّ على عدم ارتداده عن دينه. ثم أحضر الباب أمام الملاّ محمد المامقاني وهو أحد مشاهير تلامذة الشيخ أحمد الأحسائي وفي الحال أصدر عليه حكم الإعدام. ولمّا حصل الفراش باشي على حكم الإعدام من السلطات المدنيّة والدينيّة في المملكة سلّم المسجون إلى يد سام خان وأمره أن يتقدّم للتنفيذ.

وكان سام خان في هذه الأثناء قد تأثّر جدًّا من حُسن سلوك المسجون وإذ خشي أن يكون عمله جالبًا لغضب الله قال للباب: “إنّي أعتنق الديانة المسيحيّة ولا أحمل أيّ ضغينة فإذا كان أمرك

الحق فمكّني من عدم سفك دمك وتخليص نفسي.” فقال له الباب: “اتّبع التعليمات التي أُعطيت لك وإذا كان مقصدك صادقًا فإنّ القدير يمكّنك أن تتخلّص من اضطرابك.”

وكان سام خان قد أمر أن يُدقّ مسمار في العمود الذي يفصل باب الغرقة التي يشغلها السيد حسين عن مدخل الغرفة المجاورة وأن يربط حبلان بهذا المسمار ويعلق الباب وصاحبه كل واحد في حبل مفترقين فَرَجا الميرزا محمد علي الزنوزي من سام خان أن يوضع بطريقة يكون جسمه درعًا لجسم الباب. وكان الباب ملازمًا للسكوت وكان وجهه الجميل الباهت يعلو لحيةً سوداء وشاربًا صغيرًا وهيئته وأحواله الممتازة ويداه البيضاوان وملابسه البسيطة البالغة النظافة، جميع ذلك أوجب في قلوب الناظرين الرّحمة والثّقة. وعلّق الميرزا محمد علي بحيث كانت رأسه على صدر سيّده وبمجرد ربطهما اصطف الفيلق ثلاث صفوف وكل صف عبارة عن مائتين وخمسين رجلاً وأمر كلّ صف أن يطلق الرصاص بدوره إلى أن يتمّ إطلاق جميع رصاص الفيلق. فارتفع دخان الرصاص من سبعمائة وخمسين بندقية وامتلأ الجو بالدخان حتى أظلمت الظهيرة وكان الناس قد اجتمعوا في كل مكان حتى على أسقف المعسكر والمنازل المجاورة وشهد هذا الحادث المحزن المؤثر ما يقرُب من عشرة آلاف نفس.

وما كاد الدخان ينقشع حتى دُهش الجمهور إذ رأى لفرط

تعجّبه أن صاحب ورفيق الباب كان واقفًا حيًّا أمامهم ولم يُصب بأيّ ضرر وأمّا الباب فاختفى من أمامهم بغير أن يصاب بأذى ومع أن الحبال التي رُبطا بها تقطعت إرْبًا. وكانت نجاتهما من الطّلقات النارية إحدى المعجزات وصاحت الجماهير المحتشدة بانزعاج: “إنّ السيّد علي محمد الباب اختفى.” وجعلوا يبحثون عنه وهم في ذُعر وكرب وأخيرًا وجدوه جالسًا في نفس الغرفة التي كان فيها اللّيلة الماضية مشغولاً بإكمال الحديث الذي كان يريد إكماله والإفاضة به للسيد حسين حينما قطعه عليهم الفراش باشي.

وكانت تظهر على وجهه إمارات الهدوء والسكينة وكان جسمه قد بقي سليمًا من الرصاص. وقال الباب إذ ذاك للفراش باشي: “إنّ حديثي مع السيّد حسين قد انتهى فتقدّم الآن وكمّل مقصدك.” فتردّد الرجل في تنفيذ عمله ورفض أن يؤدّي واجبه وفي تلك اللحظة ترك المكان واستعفى من عمله وتحدّث عمّا حدث في كل مكان.

وكان سام خان أيضًا قد صُعق من حصول الحادثة بهذه الكيفيّة ومن قوّة الأمر المُخيفة. فأمر رجاله أن يتركوا المعسكر في الحال وامتنع أن يتدخّل هو أو فيلقه في أي عمل يحصل منه أيّ ضرر للباب. وأقسم وهو يترك الساحة أنّه لا يعود مرّة أخرى لهذا العمل ولو حُكم عليه بالإعدام.

وما كاد سام خان يمتنع عن العمل حتى تقدّم آقا جان خان

الصورة غير متوفرة

ساحة المعسكر في تبريز محل استشهاد الباب والعامود الذي على اليمين المعلم بx

هو الذي علق عليه الباب وأطلق عليه الرصاص

خمسه ضابط الفيلق الذي يسمّى بالخمسه وتطوّع لتنفيذ الأمر. فعُلِّق الباب وصاحبه مرّة أخرى بنفس الكيفية السّابقة وعلى نفس الحائط واصطف الفيلق صفوفًا واستعدوا لإطلاق النار عليهما وعلى العكس من المرّة الأولى تمزّق الجسدان إرْبًا واختلطا كتلة واحدة لحمًا ودمًا.

وكانت آخر كلمات الباب للجماهير المحتشدة حينما كان الجيش على شفا إطلاق الرصاص ما يلي: “أيها الجيل الملتوي لو آمنتم بي لأصبح كلّ واحد منكم مثل هذا الشاب الذي هو في درجة أعلى منكم يُضحي بنفسه في سبيلي. وسيأتي اليوم الذي سوف تعترفون بي وفي ذلك اليوم لا أكون معكم.”

وفي نفس اللحظة التي أطلق فيها الرصاص جاءت زوبعة شديدة غير عادية وانتشرت في كل أنحاء المدينة. وهبّت زوابع ترابيّة كثيفة مُخيفة وحجبت نور الشمس وبقيت المدينة في ظلام حالك من الظهر إلى الليل.

وقد وقع استشهاد الباب في يوم الأحد ظهرًا في الثامن والعشرين من شهر شعبان سنة 1266 هجريّة (9 يوليو سنة 1850 ميلاديّة). وكان عمره إذ ذاك واحدًا وثلاثين سنة قمريّة وسبعة أشهر وسبعة وعشرين يومًا من يوم ميلاده في شيراز.

وفي مساء اليوم نفسه كانت جُثّتا الباب وصاحبه المختلطتان قد نُقلتا من ساحة المعسكر إلى الخندق خارج باب المدينة وكان يحرسهما حراس بالتناوب ولكن أصحاب الباب تمكّنوا في

منتصف اللّيلة نفسها من نقل الجثّتين من الخندق إلى معمل حرير ملك أحد أحباء ميلان ووضعهما في صندوق خشبي. وقد كان إذ ذاك حضرة بهاء الله في طهران وأمر الآقا كليم أخاه أن يُوفد رسولاً خاصًا إلى تبريز لحمل الجثتين إلى العاصمة. ووصلت الجثتان إلى طهران ونقلا إلى مكان أمين.

الفصل الرابع والعشرون

ملحمة زنجان

إنّ العوامل التي سبّبت اشتعال الاضطرابات في مازندران ونيريز هي بعينها التي أشعلت زنجان أيضًا وما حولها في وقت استشهاد الباب في تبريز. وكانت عاصفة زنجان أفظع من جميع ما سبقتها من النكبات وأشنع المآسي في تاريخ هذا الأمر. وكان بطلها الحجّة الزنجاني واسمه الملاّ محمد علي وقد لقّبه الباب بالحجّة وهو من أقدر علماء عصره وبلا ريب من أكبر ناصري الأمر. وفي زنجان أخذ يخطب في الجماهير المحتشدة ناصحًا إيّاهم بترك النّفس والهوى وأخذ يحثُّ الناس بترك جميع أنواع المفاسد وشجعهم بسلوكه ومثاله أن يتبعوا الأمر الجديد. وكلّما ازداد الهياج ازداد إخلاص أصحابه وأتباعه إلى أن عرض الحاج الميرزا آقاسي الأمر على محمد شاه فأمر الشاه بنقل الحجّة من زنجان إلى العاصمة. وكانت السلطات المحلّيّة قد عملت ترتيبًا لضمان غياب الحجّة في الوقت الذي يمرّ الباب فيه في تلك المدينة (زنجان) خوفًا من حصول ما لا تحمد عقباه إذا اجتمع الحجّة مع الباب. وأمّا الأصحاب الذين تبعوا الحجّة في طريقه إلى العاصمة فقد أمرهم بأن يعودوا إلى المدينة لمقابلة الباب.

ولما وصل الحجّة إلى طهران أحضروه أمام الحاج الميرزا

الصورة غير متوفرة

صورة الخندق الذي كان يحيط بتبريز والذي فيه طرحت جثّة الباب

آقاسي الذي أظهر له اشمئزازه من سلوكه في زنجان فأجابه الحجّة قائلاً: “إنّ ذلك السيّد من شيراز هو نفس الذي تنتظره أنت وجميع من على الأرض بشوق فهو مولانا وهو المخلّص الموعود.” ورغمًا من أنه حكم بكفره وأمر بإعدامه فإنّ محمد شاه استمر في منحه الإنعامات لأنّه كان غير مبال لتصديق الادعاءات التي كان يعتقد بأنها نتيجة الحسد والغيرة الصادرتين من أعداء الحجّة.

ولمّا عجز الحاج الميرزا آقاسي عن أن يخالف الرغبة الملكيّة سعى أن يُخفي حسده ولكن الحجّة في الواقع كان سجينًا في طهران فلم يكن يقدر على مغادرة أبواب العاصمة ولم يكن يُسمح له بمحادثة من يريد من أصحابه. وكانت تعزيته الوحيدة في تلك الأيّام الاتصال الدائم بحضرة بهاء الله مُستمدًّا منه القوّة التي مكَّنته في مستقبل الأيّام أن يمتاز بأعماله التي لم تكن أقلّ شهامة من أعمال هؤلاء الأصحاب في أظلم الساعات في قلعة طبرسي. وكان أمير النظام رئيس الوزراء الجديد قد وطّد العزم على أن يشدّد في حبس الحجّة والبحث عن طريقة لإعدامه. ولما أخطر بالخطر الذي كان يهدّد حياته عزم على مغادرة طهران وبطريقة ما وصل الحجّة إلى موطنه زنجان فهرعت جموع المحبّين للترحيب به. وقد أزعج هذا الأمر الأمير أرسلان خان مجد الدولة عمّ ناصر الدين شاه وحاكم زنجان وأخذ يتآمر سرًّا على إعدامه.

وأمّا الأصحاب في زنجان فبدت منهم جميعًا الرّغبة الشديدة بتنفيذ الأحكام الجديدة بكل حماس تاركين التقاليد والعوائد القديمة. وكان الناس في تلك الأثناء يحرّضون بعضهم على قتل من يمكنهم أن يقبضوا عليه واتفقوا فيما بينهم أن لا يستريحوا حتى يُطفئوا تلك النار الموقدة واجبروا الحاكم على أن يُطلق مناديًا ينادي في زنجان بأنّ كلّ من يريد أن ينضم إلى الحجّة وأصحابه فإنّه يجعل حياته في خطر.

وكان من هذا الجزاء أن انقسم الأهالي إلى فريقين ومعسكرين متحاربين وكان بمثابة امتحان شديد للذين كانوا مترددين في قبول الأمر واحداث أعظم الحوادث المؤثرة وأوجب تفريق الأبناء والإخوة والأقارب عن بعضهم البعض ووقعت زنجان فريسة لأعظم وأقسى هياج وارتفع الضجيج من أفراد الأسر المنقسمة إلى عنان السماء من شدّة اليأس الممزوج بصيحات الشتائم التي كان يقذف بها البعض في تهديداته وتقابلها صيحات الفرح الصادرة من الذين افترقوا عن ذويهم وأقربائهم وعشائرهم وانضموا لنصرة الحجّة. وأخذ الحجّة ينصح البابيين أن لا يتعدّوا على أحد وأن يدافعوا عن أنفسهم فقط وينبههم أن لا يسفكوا دماء أحد بدون مقتض وأن تكون مهمتهم الوحيدة قاصرة عن الدفاع والمحافظة على عدم خرق حُرمة الأطفال والنساء ونقل الحجّة مقرّه إلى قلعة علي مردان خان في زنجان. وابتدأت الحرب بين الفريقين بكيفيّة لم تشهد

مثلها زنجان وأطلق المدافع على قلعة علي مردان خان حيث كان المحاصرون (البابيون) يدافعون ويقاومون الهجوم ببسالة طبقًا لأوامر الحجّة.

وكانت أرياح البغضاء على اشتدادها غير قادرة على إطفاء لهيب ذلك الحماس الملتهب الذي تجلّى في تلك القلوب الباسلة. وكان الرجال والنساء يشتغلون بحماس لا مزيد عليه لتقوية استحكامات القلعة وبناء كل ما كان يدمّر منها. وكانوا يصرفون أوقات الفراغ في الصلاة ولم يكن حماس النساء في ذلك الحصار بأقلّ من حماس وحرارة الرجال. وكانت قوّة المحصورين تظهر كأنّها لا يمكن أن تتزعزع إلى الأبد وأنّ مواردهم لا تفنى. وقام محمد خان المعروف بالأمير تومان قائد القوات في زنجان وعزم أن يلجأ إلى إخضاع المحصورين إخضاعًا كلّيًا بوسائل الخداع. فاعتقد أهالي زنجان والقرى المجاورة أنّ ناصر الدين شاه قد أمر الأمير تومان بالمفاوضة للصلح بينه وبين الحجّة وأنّه عزم على إنهاء الأمر والحالة الراهنة التعيسة بأسرع ما يمكن.

وأرسل الأمير تومان خطابًا يدعو فيه المحصورين للصلح وأكّد للحجّة نيّته للحصول على الوفاق وأرفق بالكتاب نسخة من القرآن الكريم وكتب: “إنّ مليكي سامحك وإنّي أُقسم بهذا أنّك وأصحابك في حفظ وحماية الملك. وهذا كتاب الله شاهدي على أنّه إذا أراد أحد الخروج من القلعة فإنّه يكون آمنًا من أي خطر.”

فاستلم الحجّة القرآن بالاحترام من يد الرسول وقال: “إنّ خيانات مازندران ونيريز لا تزال عالقة في الأذهان. فما فعلوه معهم يريدون أن يفعلوا مثله معنا. ولكن مع ذلك نجيبهم إلى طلبهم احترامًا للقرآن ونرسل إلى معسكرهم عددًا من الأصحاب.” وأرسل الحجّة بعثة إلى الأمير تومان الذي استقبلهم بالشتائم وبلهجة التأنيب الشديد فقال له أحدهم: “إنّي أحمل القرآن في يدي وفيه الإقرار الذي اخترتم بأنفسكم كتابته. فهل ما سمعته الآن هو مكافأتنا على إجابتكم لطلبكم.” فازداد غضب الأمير تومان وأمر بطرح الوفد في سرداب وحبسهم. ومن شدّة يأسه نظّم الأمير تومان قوّات فرقته وأمر أن تهجم على القلعة واستمرّ الحصار والقتال ليلاً ونهارًا لمدّة شهر حتى أضعفت صفوف الأصحاب وزادت في ضيقهم. وابتدأ ضرب البناء بالمدافع ضربًا شديدًا حتى تهدّدت القلعة بالتخريب. وفي هذه الأثناء أصيب الحجّة بطلقة في ذراعه وهو يؤدّي فريضة الوضوء وما كاد خبر جرحه يصل إلى أسماع الأصحاب حتى تركوا أسلحتهم وأسرعوا إليه. وانتهز رجال الأمير تومان إذ ذاك فرصة تغيّب مقاوميهم واشتدّ هجومهم على القلعة وتمكنوا من الدخول منها وقتل الكثيرون أثناء هذه الملاحم.

وفي صباح اليوم الخامس من شهر ربيع الأوّل سنة 1267

هجريّة (8 يناير سنة 1851ميلاديّة) توفي الحجّة بعد أن قاسى آلامًا شديدة من جرحه لمدّة تسعة عشر يومًا. وقبل وفاته قال: “يا إلهي ولو أنّ عندي آلافًا من النفوس ومِلْء الأرض ذهبًا وما في العالم  من فخر لفديت الجميع في سبيلك بكلّ فرح.”

وأما أصحابه فبالرغم من وفاة قائدهم استمروا على أن يواجهوا القوات بكل حماس وعَزَم الأمير تومان أن يُبيد البقيّة الباقية من هذه الفئة الرّاسخة وابتدأت المذبحة على شكل لم يسبق له مثيل في قسوتها ووحشيتها. وقام الأهالي على ارتكاب كل فظاعة وتمثيل بأسراهم. ورغمًا عن كل هذه الإهانات والقسوة والتعذيب لم يسمع أنّ أحدًا منهم رجع عن إيمانه أو تكلّم بكلمة واحدة ضدّ معذّبيه ولم يخرج من شفاههم كلمة استياء ولم يظهر على وجوههم أي أثر للأسف والأسى. فلم تفلح أي مقاومة في إطفاء تلك الشعلة التي أضاءت أنوارها قلوبهم.

والمكان الذي كان مشهدًا لأعظم الآلام والذي كان ميدانًا لمثل هذه الفروسيّة سماه الباب-الأرض الأعلى- وهو لقب يبقى دائمًا مقترنًا باسمه الشريف.

الفصل الخامس والعشرون

رحلة حضرة بهاء الله إلى كربلاء

 

الفصل السادس والعشرون

الاعتداء على حياة الشاه وآثار ذلك

 

وكان النوروز السابع بعد إعلان دعوة الباب قد وقع في اليوم السادس عشر من شهر جمادى الأوّل سنة 1267 هجريّة (1851ميلاديّة) وفي تلك السنة في أواخر الربيع وفي أوائل أيّام شهر شعبان (أوّل يونيو –30 يونيو سنة 1851 ميلاديّة) ترك حضرة بهاء الله العاصمة طهران إلى كربلاء. وفي طريقه إلى تلك المدينة المقدسة مكث بضع أيّام في بغداد وهي المدينة المعدّة لاستقباله مرّة أخرى والتي فيها نشأ أمره وانكشف للعالم أجمع. وكان حضرة بهاء الله في زيارته لكربلاء قد تقابل وهو يسير في شوارعها مع الشيخ حسن الزنوزي الذي أوكل إليه الاطلاع على السرّ الذي سيذيعه فيما بعد في بغداد.

في النوروز الثامن من دعوة الباب الذي وقع في اليوم السابع والعشرين من شهر جمادى الأوّل سنة 1268 هجريّة

(1852ميلاديّة) كان حضرة بهاء الله في العراق مشغولاً بنشر التعاليم وكان قد أظهر حماسًا ومقدرة في الأيّام الأولى للأمر في نور ومازندران. واستمرّ مشتغلاً بموالاة المجهودات وترتيب الأمور وإنهاض الهمم من أصحاب الباب المتفرقين. فكان هو الضياء الذي انبثق في الظلام المحيط بالأصحاب لخوفهم مما شاهدوه من واقعة الاستشهاد القاسي الذي حصل لرئيسهم المحبوب من جهة ومن جهة أخرى من نصيب أصحابه المفجع. وكان حضرة بهاء الله وحده ينفث فيهم روح الشجاعة اللازمة والقوّة لتحمّل الآلام العديدة التي غمرتهم وتمكّن من إعدادهم لتحمّل المشاق التي كانت وستكون من نصيبهم.

وفي ربيع تلك السنة كان أمير النظام تقي خان رئيس وزراء ناصر الدين شاه قد قتل بناء على أمر الملك في الحمّام الخاص في قصره في قرية فين قريبًا من كاشان وذلك بعد أن عجز عن إيقاف تيار تقدم الدين الذي بذل الجهد في سحقه بكلّ قوّة فخابت آماله وزالت دولته وبقيت معالم الحياة التي أراد إطفاء أنوارها سالمة. وخلفه الميرزا آقا خان النوري وكان لقبه اعتماد الدولة الذي رأى في افتتاح حكمه أن يصلح بين الحكومة وبين حضرة بهاء الله الذي اعتبره من أكفأ تلامذة الباب. فأرسل له خطابًا مصحوبًا بدعوة حارّة للرجوع إلى طهران وأظهر له فيه شوقه للغاية. وقبل وصول ذلك الخطاب كان حضرة بهاء الله قد صمّم على الرجوع من العراق إلى إيران. فوصل إلى العاصمة

في شهر رجب (من 21 ابريل-21 مايو سنة 1852 ميلاديّة). ورحّب به جعفر قلي خان أخّ رئيس الوزراء وكان لمدّة شهر مضيفه وهرع لمقابلته عدد كبير من أعيان العاصمة ومن مشاهير رجالها.

وواصل حضرة بهاء الله السير إلى أن وصل إلى قرية افجه (لواسان) من أملاك رئيس الوزراء إذ وصلت الأخبار عن محاولة اغتيال ناصر الدين شاه. وارتكبت هذه الجريمة في نهاية شهر شوال سنة 1268 هجريّة (15 أغسطس سنة 1852 ميلاديّة).

وفي الصباح لما خرج الملك راكبًا جواده للتنزّه وكانت جماعة من الخيّالة تتقدّمه قليلاً في المسير إذ بثلاث رجال واقفين- واحد على اليمين يدعى صادق التبريزي واثنان على الشمال وهم فتح الله حكاك القمي والحاج قاسم النيريزي- كأنّهم بالانتظار ولمّا وصل إليهم صاحوا على عجل: “عندنا عريضة” ولكنّهم بدلاً من بقائهم في أماكنهم كما هو المعتاد أمسك أحدهم بالسرج وأطلق الآخران النار على الملك فأصابوه في يده فقط. وقد قام هؤلاء الجهلاء على هذا العمل الشنيع لينتقموا لدماء اخوانهم المذبوحين ومما يدلّ على حماقتهم أنّهم بدلاً من أن يستعملوا الأسلحة التي تضمن نجاح قصدهم عمّروا مسدّساتهم بالرّشّ الذي لا يستعمله أي عاقل لإجراء مثل ذلك العمل. فلو كان عملهم ناشئًا عن تدبير شخص عاقل لما أجاز بأن ينفذ غرضهم بمثل تلك الآلات الناقصة المعطّلة.

وهذا العمل الذي لا يصدر إلاّ عن متعصّب شرير ضعيف العقل والذي كان محل سخط حضرة بهاء الله، كان بمثابة الإشارة والإيماء لانفجار أنواع جديدة من الاضطهادات والتعذيب والمظالم لم يسبق لها نظير. أمّا العاصفة التي نتجت عن هذا العمل أوقعت الرّعب والفزع في طهران. وأتت على البقية الباقية من الأحباء الذين نجوا من المصائب والمفاجع التي طالما تعرّضوا إليها بسبب إيمانهم. وكانت العاصفة على أشدّها وسبّبت سجن حضرة بهاء الله وبعض كبار أصحابه في سراديب مظلمة قذرة ملوّثة بالحمى ووضعت في عنقه السلاسل الغليظة ممّا لا يوضع إلا في أعناق أخطر المجرمين. وتحمل ثقلها ما لا يقلّ عن أربعة أشهر وكانت من الشدّة بحيث بقيت آثارها في جسده إلى آخر أيّام حياته.

وأخذ البعض يبذلون الجهد في تشويه سمعة الأمر ومقاصده عند أرباب السلطة فلما وقعت حادثة محاولة اغتيال الشاه اتخذها الأعداء ذريعة للتدليل على ما يلصقونه من أنواع التّهم بالأمر وتهيأت لهم الفرص لأن ينبّهوا الحكّام في جميع المملكة إلى ضرورة القضاء عليه بأسرع ما يمكن. وقيل لحضرة بهاء الله: “إنّ والدة الشاه قد اشتعلت بالغضب واتهمتك علنًا أمام الحاشية والناس بأنّك ربّما تكون قد أردت قتل ابنها.” وفي الصباح الثاني ركب حضرة بهاء الله بكل هدوء واطمئنان من لواسان محل اقامته إلى معسكر الجيش الملكي الذي كان

مرابطًا في نياوران في إقليم شمران حيث وقعت الحادثة.

وكانت أخبار وصول حضرة بهاء الله قد أدهشت ضباط الجيش الملكي. واندهش ناصر الدين شاه نفسه من الخطوة الجريئة وغير المنتظرة التي حصلت من شخص متهم بأنّه المحرّض الأكبر على حياة الشاه.

وفي ذلك اليوم حصلت ضجّة في جيش ناصر الدين شاه. فإنّ أوامر الملك الحتميّة التي تبعت المحاولة في قتله قد أحدثت إشاعات شنيعة وهيّجت أقسى أنواع المشاعر في قلوب أهالي الجهات المجاورة. وزاد الهياج في طهران واندلعت نيرانه بلهيب غضب متفاقم. واشتدّ الاضطراب والارتباك في كلّ أنحاء العاصمة. وكانت أقلّ إشارة أو إيماء أو كلمة تكفي لإيقاع البريء في اضطهاد وعذاب لا يقدر القلم على وصفه واتحد الجميع وتكاتفوا على ما يؤملون ان يكون ضربة قاضية على الأمر.

ولم يكن في نظرهم عدو أكبر من حضرة بهاء الله إذ كان الباب قد استشهد ورأوا من أوّل واجباتهم القبض عليه وسجنه واعتقدوا أنّ روح الباب قد دخلت فيه وهي تلك الروح التي تمكّنت من إحداث تغيير تامّ في عوائد وأخلاق مواطنيه. وفي الطريق من شمران إلى طهران جرّد حضرة بهاء الله من ملابسه عدّة مرّات وانهالت عليه الإهانات والسّخريّة. واضطر أن يسير المسافة عاري الرأس حافي القدمين معرضًا لأشعّة

الشمس الصيفيّة المحرقة إلى أن أدخلوه السرداب. وكان الأهالي يرجمونه طوال الطريق ويسبونه لأنّ الأعداء أقنعوهم بأنّه هو العدوّ اللّدود للملك والهادم لملكه. وتقصر العبارات عن وصف فظاعة المعاملة التي قاساها أثناء أخذه إلى سياه چال (ويعني البئر السوداء) في طهران.

وكان السياه چال أصلاً عبارة عن خزان مياه لإحدى الحمّامات العموميّة في طهران وهو عبارة عن سرداب تحت الأرض يحبس فيه أدنى أنواع المجرمين وكانت قذاراته وظلمته وطبيعة المسجونين فيه قد جعلت المكان أوبأ مكان يمكن أن يحكم على انسان بالسجن فيه فكانت قدماه موضوعتان في المقطرة وعنقه في سلسلة قرا گهر وهي مشهورة في عموم بلاد إيران بأنّها أثقل أنواع الأغلال وزنًا وعقرًا. ولم يعط لحضرة بهاء الله أي أنواع الطعام أو الشراب لمدّة ثلاثة أيّام وثلاث ليالي.

أمّا الشاب صادق التبريزي فقد كان نصيبه قاسيًا فهجموا عليه وذبحوه فورًا وأمّا رفيقاه فتح الله حكاك القمي والحاج قاسم النيريزي الّلذين نجحا في جرح الشاه فأُخذا وعُذّبا إلى أن توفيا. وفي كلّ يوم كانوا يأتون بأبرياء جدد يسفكون دمائهم باتهامهم زورًا بذنوب لم يقترفونها وكانوا يعذّبونهم بكلّ وسيلة جهنّميّة يعدّونها لمعاقبة هؤلاء البؤساء الذين لم يحاكموا ولم يُسألوا ولم يُسمح لهم باستعمال حقّهم الطبيعي

في الدفاع عن أنفسهم وإثبات برائتهم.

وفي تلك الأيّام أثناء الهياج المتواصل والعاصفة التي ماجت بها العاصمة (طهران) والتي هبّت عليها بشدة وقسوة حصل استشهاد تلميذ آخر من تلاميذ الباب وهي الطاهرة- امرأة لم تكن أقل شجاعة ولا عظمة من الشهداء السابقين. فكان مكثها في طهران محفوفًا بعلائم المحبّة والاعتبار الزائد من وجهاء النسوة في العاصمة فوصلت إلى ذُروة العُلى والحظوة وكانت تستقبل الزائرين العديدين وكانت تُظهر للنسوة كيف أن الدين الجديد أعطاهن حريّة واحترامًا. ومن بين هؤلاء النسوة زوجة محمود خان الوالي الذي أُودعت في منزله وفي حراسته وكانت تخدم الطاهرة بكلّ حماس وتشاركها في عملها بتوثيق عُرى ألفتها مع باقي النسوة. وقالت زوجة الوالي ما يلي: “ذات ليلة بينما كانت الطاهرة في منزلي طلبتني للحضور أمامها فوجدتها مُزيّنة للغاية ومرتدية بذلة من الحرير الأبيض. وكانت الغرفة مُعطّرة بأحسن الأطياب. فأظهرت دهشتي من مثل هذا المنظر غير العادي. فقالت: ’إنّي أستعدّ للقاء المحبوب وأريد أن أخلّصك من المتاعب التي تلاقينها في سبيل سجني.‘ فذهلت في ابتداء الأمر ثم بكيت من فكرة الافتراق منها فقالت لتطمئنني: ’لا تبك لأنّ ساعة الحزن لم تأت بعد وأريد أن أبثّ اليك آخر رغباتي. لأنّ الساعة التي سيقبض عليّ فيها والتي سوف أتجرّع فيها كأس الشهادة قد أسرعت في الاقتراب.

وأطلب منك أن تسمحي لنجلك أن يرافقني إلى مكان إعدامي وليؤكّد على الحرّاس والجلاّدين الذي سوف أُسَلّم لأيديهم أن لا يُجبروني على خلع هذه الثياب. ومن رغبتي أن يطرح جسدي في بئر وأن تملأ بعد ذلك بالتراب والأحجار. وآخر طلباتي أن لا تسمحي لأحد بأن يدخل غرفتي فمن الآن إلى الوقت الذي يأتي لخروجي من هذا المنزل أريد أن لا يقطع أحد صلواتي. ففي هذا اليوم اعتزمت الصوم ولا أقطع هذا الصوم حتى أقابل محبوبي.‘ وأمرتني مع هذه الكلمات أن أغلق الغرفة ولا أفتحها حتى تدقّ ساعة الفراق. وأوجبت عليّ محبتها العظيمة طاعتها. ولولا رغبتي في تنفيذ رغباتها ما كنت أسمح لنفسي أن أبتعد عنها ولو للحظة واحدة. فأغلقت باب الغرفة وعدت إلى مخدعي في حالة جزع وحزن عميق ومكثت بلا نوم مكتئبة على فراشي. وأفجع قلبي علمي بدنو ساعة شهادتها وكنت أناجي ربّي في يأسي وأقول: ’ربّ إذا شئت امنع عنها الكأس الذي ترغب في تجرّعه.‘ ففي تلك الليلة كنت من شدة قلقي أقوم وأذهب إلى عتبة غرفتها وأبقى هناك صامتة استمع إلى ما يخرج من فمها من المناجاة ونغمات المدائح في محبوبها وإذ مضت أربع ساعات من الليل سمعت دقّ الباب. وأسرعت إلى نجلي وأخبرته برغبات الطاهرة فأقسم أن ينفّذ كلّ ما تأمر به. ولما فتح نجلي الباب أخبرني أن الفراشين المُرسلين من عزيز خان القائد كانوا واقفين على الباب الخارجي يطلبون تسليم الطاهرة لأيديهم

فانزعجت من الخبر وذهبت إلى بابها وفتحته بيد مرتعشة ووجدتها مُقنّعة ومُستعدة لترك الغرفة. وعندما دخلت الغرفة كانت تتمشى وترتّل مناجاة جامعة بين الحزن والنصر. وبمجرد أن رأتني اقتربت وقبّلتني وودّعتني ورافقها نجلي وغابت عن أنظاري فكم شعرت للوقت والساعة بضربات الحزن والأسى وأنا أشاهد جمال هيكلها يبتعد تدريجيًّا من أمامي. وامتطت الجواد الذي أرسله لها القائد وحرسها نجلي وجملة من الخدّام الذين مشوا على جانبيها وذهبت إلى حديقة الإيلخاني (وهو ميدان فسيح في طهران) التي كانت محلّ استشهادها.

“وبعد مرور ثلاث ساعات عاد نجلي ووجهه مُغطى بالدموع وقال وهو يبكي: ’ولما وصلنا ترجّلت الطاهرة ونادتني وطلبت مني أن أكون وسيطًا بينها وبين السردار وقالت: “إنّهم على ما يظهر يريدون خنقي وقد أعددت منذ زمن منديلاً حريريًّا ليستعمل في هذا الغرض. وأنا أعطيه لك وأريد أن تقنعهم أن يستعملوه في أخذ روحي.” ووجدت القائد في حالة سكر وأمر أن تخنق الطاهرة وتطرح في البئر. فذهبت إلى اثنين من الخدّام وأعطيتهما المنديل فأجابا طلبها ولفّا المنديل حول رقبتها حتى أسلمت الروح. وأسرعت إلى البُستاني الذي أرشدني لبئر حفرت حديثًا وتركت قبل أن ينتهي الحفر وبمساعدة آخرين أنزلنا الجسد في قبره وملأنا البئر بالتراب والأحجار كما أرادت هي بنفسها. ثم تفرّق القوم وهم في حزن وسكون على تلك

الروح الطاهرة التي أنارت مملكتهم بضياء لن يزول إلى الأبد.‘”

وكان اسم تلك السيدة الخالدة فاطمة وهو الاسم الذي سمّاها به والدها وولدت في قزوين سنة 1233هجريّة (1817-1818 ميلاديّة) وهي نفس السنة التي وُلِدَ فيها حضرة بهاء الله وبلغت وقت استشهادها السادسة والثلاثين من عمرها.

ومن الشخصيات البارزة أيضًا من بين تلاميذ الباب الذي لقي حتفه في أيّام الاضطراب الذي حصل إذ ذاك في طهران السيد حسين اليزدي الذي كان كاتبًا لوحيه في قلعة ماه كو وچهريق. فسجن في سرداب تحت الأرض في طهران وانتهى حبسه باستشهاده.

أمّا ما أصاب باقي أصحاب الباب الذين كان لهم حظّ مشاركتهم السجن مع حضرة بهاء الله فيتفضّل عنهم قائلاً: “إنّ جميع الذين قضوا نحبهم أثناء تلك العاصفة التي هبّت في طهران كانوا مسجونين معي في سياه چال وزجّ الجميع في غرفة واحدة وكانت أرجلنا مقيّدة بالسلاسل ووضعت حول رقابنا أثقل الأغلال وكان الهواء الذي نستنشقه ملوّثًا بأكره رائحة بينما الأرض التي جلسنا عليها مكسوّة بالأوساخ والحشرات ولم يسمح لشعاع النور أن يخترق ذلك البئر الموبوء وكنّا مزجوجين صفّين وأوجهنا متقابلة وكان أحد الصفين يرتّل: ’قل الله يكفي من كلّ شيء.‘ ويجيب الصف الثاني: ’وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون.‘”

وكان ترتيل هؤلاء المسجونين وارتفاع أصواتهم المفرحة تخترق الجوّ في ساعات الفجر ويمتلىء السرداب من ترديد الصوت الذي كان يخترق حيطانه فَيَصِل إلى آذان ناصر الدين شاه ولمّا كان قصره قريبًا من محلّ السجن كان دائمًا يصيح قائلاً: “ما هذه الأصوات التي أسمعها.” فيجيبونه: “هذه أصوات البابيين ومناجاتهم في سجنهم.” ولم يزد الشاه على ذلك ولم يمنع الحماس الذي استمرّ المسجونون على اظهاره رغم فظائع سجنهم.

وبدلاً من شكواهم من تلك المعاملة كانت ألسنتهم تلهج بالشكر الذي كانوا به يؤاسون اشتداد وطئة سجنهم وفي كلّ يوم كان يدخل السجّانون وينادون أحد الأصحاب باسمه ويأمرونه بالوقوف والسير خلفهم إلى مكان الإعدام. فكان صاحب ذلك الاسم يُجيب ذلك النداء بكل اشتياق. وإذا تخلّص من قيوده يقوم ويقترب من الجميع بكلّ فرح ويعانقهم ويذهب ليحوز فخر الشهادة.

واشتعلت نيران الهياج في العاصمة وامتدّت أيضًا إلى البلاد المجاورة وسبّبت الخراب والدمار للعديد من الأبرياء من بين الرعيّة. وفي تاكور من أعمال مازندران هدموا منزل حضرة بهاء الله الذي ورثه من والده الوزير والذي كان هو المالك الوحيد له وسلبوا وأحرقوا محتوياته.

ولم يقدر القلم أن يصف المذابح التي وقعت ولا منظر

الآلام والعذاب الذي كان يحتمله هؤلاء الأبطال الأبرياء وتلك النسوة والأطفال في سبيل تمسّكهم بإيمانهم.

وأمّا حضرة بهاء الله فقد نجت حياته المعرّضة للأخطار والمتاعب بيد القدرة الإلهيّة التي انتخبته لعمل مستقبل لم يكن قد حان إعلانه وتخلّص من سجنه بعد أن اعترف الملاّ الشيخ علي (أحد المؤمنين بالباب الذي سُمّي بالعظيم) بأنّه هو محرّض صادق التبريزي للاعتداء على الشاه.

فكان لاعتراف عظيم أثره في خلاص حضرة بهاء الله وبذلك أرادت القُدرة الإلهيّة أن تصونه من الخطر الذي كان مُعرّضًا له. وابتعدت وتحوّلت عن حضرة بهاء الله صيحات الغضب والانتقام التي كانت مصوّبة نحوه. وابتدأت حدّة هذه الاتهامات الادعائية تهبط بالتدريج وازداد يقين أرباب السلطة في طهران بأنّ حضرة بهاء الله لم يكن له أيّ يد في المؤامرة على حياة الشاه وأفرج عنه من الحبس في سياه چال.

وما كاد حضرة بهاء الله يحصل على حريّته حتى تسلّم أمرًا من الحكومة بأنّه في ظرف شهر من ذلك التاريخ عليه أن يغادر طهران هو وأسرته خارج حدود إيران. فاختار حضرته أن يسافر إلى العراق وكان خروجه من طهران هو وأفراد أسرته في اليوم الأوّل من شهر ربيع الثاني سنة 1269هجريّة (12 يناير سنة 1853 ميلاديّة).

الدين البهائي

 

في ما يلي نبذة مختصرة عن الدين البهائي وقد أدرجت في هذا الملخص تنويرًا للقارئ الكريم.

يتفضل حضرة بهاء الله في “الكتاب الأقدس”:

“عاشروا مع الأديان بالرَّوح والرّيحان ليجدوا منكم عرف الرّحمن إيّاكم أن تأخذكم حميّة الجاهليّة بين البريّة كل بُدِءَ من الله ويعود إليه إنّه لمبدء الخلق ومرجع العالمين.”

يرجع تاريخ الدين البهائي إلى عام 1844 عندما أعلن شاب في مدينة شيراز في إيران يبلغ الخامسة والعشرين من عمره أنّه– الباب – إذ أنّ رسالته هي مدخل العصر الحديث إلى الرسالة العُظمى التي بشر بها وهي رسالة من وصفه الباب بأنّه أعظم منه شأنًا وتنبّأ بمجيئه كلّ من سبقه من الأنبياء والرسل. كما أكّد أنّ هذا الموعود سيوحّد ويؤسّس مملكة الله على الأرض. واضطهد الباب كغيره من الرسل الذين سبقوه فعذّب وسجن وشرّد مدة ستة أعوام وختمت حياته بالاستشهاد في مدينة تبريز في إيران.

وتحقق ما وعد به الباب فظهر حضرة بهاء الله واسمه الميرزا حسين علي وكان من أنبل الأسر الإيرانية. ولد في طهران في 12 تشرين الثاني سنة 1817 وكان صعوده في 29 أيار 1892 في سنّ الخامسة والسبعين بعد أربعين سنة من سلسلة حوادث عديدة من الاضطهاد والنفي والحبس.

وانتشر الدين الجديد انتشارًا واسعًا وعظيمًا في الشرق والغرب إبان عهد حضرة عبد البهاء ابن حضرة بهاء الله وهو الذي عيّنه والده مبيّنًا لمبادئه ومثلاً للحياة الكاملة التي بشّر بها. ووصّى حضرة عبد البهاء في آخر أيّامه لحضرة شوقي أفندي أكبر أحفاده ليكون وليًّا للأمر ومبيّنًا لآيات الله.

البهائيون بعد إيمانهم بواحدانية الله يؤمنون بوحدة الرسل الذين هم في الحقيقة مظاهر الوحي الالهي ويعتقد البهائيون أنّ الله يجدّد رسالته إلى الانسان من وقت إلى آخر عند انحدار الانسانيّة إلى المفاسد والفوضى والانحلال لأنّ الإنسان في نظر الديانة البهائيّة لا ينقذه إلاّ تجديد التعاليم الإلهيّة بظهور معلم إلهيّ لأنّ الربيع الروحي ضروري للبعث الروحي ضرورة الربيع الموسمي لبعث الطبيعة وتجديدها.

إن الدين البهائي يؤكّد عددًا من المبادئ الدينيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة منها:

  • تحرّي الحقيقة لينجو العالم من ظلمة التقاليد والأوهام.

  • وحدة العالم الإنساني.

  • إنّ الدين يجب أن يكون سبب الألفة والمحبّة ويجب أن يطابق العلم والعقل فلا يكون عبارة عن التقاليد.

  • ان التعصب الديني والتعصّب الجنسيّ والتعصّب السياسيّ والتعصّب الاقتصاديّ كلّها هادمة للبنيان الانساني.

  • ايجاد لسان واحد يكون عامًّا بين البشر.

  • مساواة النساء بالرجال مساواة تامة.

  • تأسيس محكمة عدل دولية كبرى غايتها تحقيق السلم العالمي.

  • حل المشاكل الاقتصاديّة حلاًّ يعتمد على تحقيق العدالة الاجتماعية وعلى الأسس الإنسانية الروحيّة التي سنّها الله للبشر.

  • ان الدين هو الحصن الحصين فإذا تزلزل بنيان الدين ووهنت قوائمه انفتحت أبواب الهرج والمرج واختلّ نظام العالم.

يدعو حضرة بهاء الله كل إنسان أن يعرف الكمالات المودعة فيه فالانسان الذي خُلِق على صورة الله ومثاله مقامه رفيع نبيل ومن كلماته:

“يا ابن الروح خلقتك غنيًّا كيف تفتقر وصنعتك عزيزًا بم تستذلّ ومن جوهر العلم أظهرتك لم تستعلم عن دوني ومن طين الحبّ عجنتك كيف تشتغل بغيري فَأرْجع البصر اليك لتجدني فيك قائمًا قادرًا مقتدرًا قيومًا.”

(الكلمات المكنونة)

“قل أن اتحدوا في كلمتكم واتفقوا في رأيكم واجعلوا إشراقكم أفضل من عشيّكم وغدكم أحسن من أمسكم. فضل الإنسان في الخدمة والكمال لا في الزينة والثروة والمال. اجعلوا أقوالكم مقدّسة عن الزيغ والهوى وأعمالكم منزّهة عن الريب والريا… ليس الفخر لحبّكم أنفسكم بل لحبّ أبناء جنسكم.”

(لوح الحكمة)

************

دليل أعلام أسماء الأشخاص

 

 

                                                  صفحة

أ

آقا جان خان خمسه

– ضابط الحرس – 188 – 190

آقا خان النّوري

–  اعتماد الدولة، رئيس وزراء ناصر الدين شاه – 200

آقاسي، الحاج الميرزا

–  رئيس وزراء محمد شاه – 70– 99- 106- 108– 122-  136- 141- 192- 194

ابراهيم، الميرزا

– أخ الميرزا محمد علي النهري والد سلطان الشهداء ومحبوب الشهداء – 100

أبو تراب، الشيخ

–  إمام الجمعة في شيراز – 87- 88- 150

أحمد

– ابن الباب – 51

أحمد الأحسائي ، الشيخ

– 20- 22- 23- 24- 26-  27- 28- 40- 80- 128-  186

أحمد الأزغندي، الميرزا

-72

أرسلان خان ، الأمير

– مجد الدولة عم ناصر الدين شاه وحاكم زنجان-194

أسد الله، الميرزا

– المعروف بالديّان- 138

 

ب

الباب ، السيد الميرزا علي محمد

– 30 – 31 – 44- 48- 49 – 52 – 66 – 72 – 78 – 81 – 82 – 83 – 84 – 86 – 87 – 88 – 89 – 90 – 91 – 98 – 99 – 102 – 103 – 105 – 106 – 108 – 109 – 112- 114 – 116 – 117 – 118- 119 – 120 – 121 – 124- 126 – 127 – 128 – 131- 139 – 141 – 142 – 143- 144 – 153 – 157 – 168- 173 – 175 – 178 – 179- 192 – 199 – 203-      ميلاده – 26 – 50-      زواجه – 51

 

–  وداعه لحروف الحيّ -52-      حجّه إلى الحجاز- 74-      وداعه للقدوس  – 83-  زوجته ووالدته – 93 – 94-      تفشّي الوباء – 95-      سفره إلى إصفهان – 97-      تفسيره لسورة والعصر – 97-      الحكم الصادر عليه من علماء إصفهان – 100-      تنبؤه عن وفاة منوچهر خان، معتمد الدولة – 101-  صرفه ثلاثة أيام في منزل الحاج ميرزا جاني – 104     –      فرحه من الهديّة والرسالة من حضرة بهاء الله – 107 –      الترحيب به من الأهالي في تبريز وخاصة من أحد الشبان – 110-  حبسه في ماه كو  – 117 –      حبسه في قلعة چهريق  – 122 –136 – 138 – 141 – 167

–          جمع أوراقه والألواح التي معه – 180- 182-          إصدار حكم الإعدام عليه – 182- 184 – 185-          طلب سام خان – 186-          نجاته من الطلقات النّاريّة – 187-          استشهاده – 190

باقر التبريزي ، الملا

–          180

بهاء الله ، الميرزاحسين علي

–       31 – 52 – 60 – 61 – 66- 70 – 72 – 93 – 94 – 107- 119 – 120 – 124 – 126- 128 – 129 – 130 – 131- 132 – 138 – 150 – 152- 153 – 154 – 159 – 166- 173 – 191 – 194 – 199- 200 – 201 – 202 – 203 – 208

–       ميلاده – 26-       ذهابه إلى نور وتاكور  – 64-       رؤيا والده – 68

–       في بدشت – 133 – 134 – 135-       حبسه في سياه چال – 202 – 204-       هدم منزله في تاكور – 209-       مغادرته إيران – 210

ت

تقي خان ، الميرزا

–       أمير النظام ، الوزير الاكبر رئيس وزراء ناصر الدين شاه –  170 – 179 – 194 – 200

تقي ، الملاّ

–       حجّة الاسلام – 128 – 129 – 130

ج

جاني ، الحاج الميرزا

–       ملقّب بپرپا – 58 – 104 – 105

جعفر قلي خان

–       أخ آقا خان النّوري، اعتماد الدولة – 200

جورجين خان

–       102 – 103

ح

حروف الحيّ

–       أسماؤهم  – 17 – 48 – 50 – 52 – 84 – 134

حسن خان ، الميرزا

–       وزير النظام ، أخ أمير النظام الميرزا تقي خان الوزير الأكبر- 182-185

حسن الزنوزي، الشيخ

–       28- 101- 117- 118- 139 – 199

حسن اليزدي

–       أخ حسين اليزدي -109-117-

حسين البشروئي ، الملاّ

–       باب الباب – 27- 28- 33 – 34- 46- 48- 49- 60- 61- 72-121-122-124- 132-133-179-       مقابلته مع الباب في شيراز – 34-       كلمات وداع الباب له – 51-       وصوله إلى طهران – 58-       سفره إلى خراسان -62-       وصوله إلى قلعة ماه كو –  120-       تنفيذ إرادة الباب – 144-       في بارفروش -145-146- 148-          في قلعة الشيخ الطبرسي -150-  152- 153- 154- 155- 156- 157- 158

–       دفاع الملاّ حسين عن الأمر – 125-       استشهاده -160-162

حسين خان الإيرواني

–       حاكم إقليم فارس – 86 – 87- 94- 95- 96

حسين اليزدي ،السيد

–          أخ حسن اليزدي – 101-109- 112- 116- 117- 121- 184- 185- 186 – 187- 188- 208

 

خ

خاتون جان

–          زوجة محمد هادي فرهادي – 130

خسرو قادي كلائي

–          148- 150

ز

زين العابدين خان

–          حاكم نيريز – 175- 176- 177

س

سام خان

–          182- 184- 186- 187- 188

سعيد العلماء

–          أكبر عالم في بارفروش 146- 148-150-154-155-166

سلطان الشهداء

–          100

سلطان العلماء

–          إمام الجمعة في إصفهان – 97 – 99 – 100

ص

صادق التبريزي

–          201- 204 – 210

صادق الخراساني، الملاّ

–          اسم الله الأصدق- 84 – 85

صالح ،الميرزا

–          بالارتباط مع مدرسة پامنار -58

صالح البرقاني ، الملاّ

–          50

صالح الكريمي ، الشيخ

–          127- 129

ط

الطاهرة

–          فاطمة، قرّة العين – 50 – 126 – 127 – 132-          ميلادها – 208-          إجابتها للنداء – 128-          حبسها في قزوين – 128-          نجاتها بواسطة حضرة بهاء الله – 130 – 131-          في بدشت – 133 – 134-          حبسها في طهران – 173 – 205-          استشهادها – 206 – 207

الطّبرسي، الشيخ

–          أحمد بن أبي طالب – 150 – 153 – 154 – 162

ع

عابد، الشيخ

–          معلم الباب – 50

عباس، الميرزا

–          المعروف بالميرزا بزرگ النّوري والد حضرة بهاء الله – 26 –  60

عبد البهاء

–          58 – 100

عبد الحميد خان

–          95

عبد الكريم القزويني، الملا

–          كاتب وحي الباب سمّاه حضرة بهاء الله بالميرزا أحمد الكاتب – 101 – 180

عبد الله، الملاّ

–          128 – 129

عبدالله خان التركماني

–          155 – 156 – 157

عزيز خان

–          قائد – 206

علي، الحاج الميرزا سيد

–          خال الباب الملقّب بالخال الأعظم – 50 – 84 – 88 – 91 – 94 – 95 – 168 – 170 – 171

علي، الملاّ الشيخ

–          لُقّب بالعظيم – 210

علي أصغر

–          شيخ الإسلام في تبريز – 143

علي البسطاني، الملاّ

–          33 – 52 – 85-          وصوله مع الأصحاب إلى شيراز – 46-          مقابلته مع الباب – 48

علي الزنوزي، السيد

–          139

علي خان الماه كوئي

–          محافظ قلعة ماه كو – 108 – 116 – 117 – 118 – 120 – 121 – 122 – 136

ف

فَتْح الله حكاك القمي

–          210 – 204

فتح علي شاه

–          22

فيروز ميرزا

–          الأمير نصرت الدولة حاكم شيراز – 176

ق

قاسم النيريزي، الحاج

–          201 – 204

القدوس، محمد علي

–          50 – 51 – 74 – 78 – 81 – 84- 92- 93 – 124 – 125- 126- 132- 133- 134- 135- 44 – 152-          وصوله إلى شيراز – 49-          وداع الباب له – 83-          في قلعة الشيخ الطبرسي – 153 – 154- 156- 157- 158 – 162- 163- 164- 165- 166

–          استشهاده 167

ك

كاظم الرشتي، السيد

–          22- 23- 24- 27- 28- 29- 30- 31- 32- 33 – 39- 40- 50- 128- 150 – 162

م

محبوب الشهداء

–          100

محمد ، الملاّ

–          ابن الملاّ تقي إمام الجمعة في قزوين – 130

محمد باقر

–          ابن أخت الملاّ حسين البشروئي – 33

محمد باقر الرشتي، الحاج السيد

–          27 – 28

محمد باقر القائني، الميرزا

–          72- 133- 150

محمد بيك چاپارچي

–          رئيس الحرس- 106- 109- 110

محمد تقي، الميرزا

–          152 – 153

محمد حسن

–          أخ الملاّ حسين البشروئي- 33

محمد خان

–          الأمير تومان، قائد القوات في زنجان – 196 – 197 – 198

محمد رضا، السيد

–          والد الباب – 26 – 50

محمد زرندي

–          أو يار محمد الملقّب بالنبيل الأعظم – 28 – 168

محمد شاه

–          70- 90- 99- 102- 107- 110- 135- 145- 192

محمد علي، الملاّ

–          الحجّة الزنجاني- 92- 109- 192- 194- 195- 197- 198

محمد علي

–          زوج أخت الطاهرة – 50

محمد علي الزنوزي

–          الملقّب بالأنيس – 138- 139- 184- 185- 186- 187

محمد علي النهري، الميرزا

–          58 – 100

محمد فروغي، الميرزا

–          154

محمد المامقاني، الملاّ

–          186

محمد المعلّم، الملاّ

–          58

محمد مهدي الكَندي،  الملاّ

–          107

محمد هادي فرهادي

–          130 – 131

محمود، الحاج الملاّ

–          نظام العلماء معلّم ناصر الدين شاه – 142

محمود خان كلانتر

–          الوالي – 168 – 173 – 205

محيط الكرماني،الميرزا

–          78 – 80 – 81

منوچهر خان

–          معتمد الدولة 97- 98- 99 – 100- 101 – 102- 103

منيرة خانم

–          58 – 100

مهدي قلي، الميرزا

–          157- 158- 160- 163- 164 – 166 – 176

موسى، الميرزا

–          أخ حضرة بهاء الله المعروف بالآقا كليم – 58 – 60 – 61 – 132 – 168 – 191

ن

ناصر الدين شاه

–          142- 143- 145- 155- 157- 164- 170- 179- 194- 196- 200- 201- 203- 209

نظام العلماء

–          انظر الحاج الملاّ محمود

نواب حمزه، الميرزا

–          حاكم آذربايجان- 132- 144- 180- 182- 184

نوروز، الملاّ

–          28

ي

يحيى الدارابي

–          الملقّب بالوحيد – 90 – 174 – 179

–          مقابلته للباب في شيراز – 91 – 92-          سفره لنيريز – 175 – 176-          استشهاده – 177

يحيى خان الكردي

–          136 – 138 – 143

دليل أعلام الأماكن والكتب

                                                              صفحة

                                                    أ

آذربايجان

–          108- 109- 120- 141- 143- 145- 171- 180- 182

آمل

–          148

الأحساء

–          20

أردستان

–          93

أردكان

–          93

أرس

–          نهر – 122

إصفهان

–          27- 58- 93- 97- 98- 100- 101- 103- 106- 110- 133

أفجه

–          لواسان – 210

–          26- 27- 66- 85- 89 – 92- 119- 126- 127- 128- 129- 155- 200 –

–          204 – 210

ب

باب العطّار

–          في كاشان -104

البابيّة

–          72- 125

بارفروش

–          بابل – 50- 124- 146- 148- 165- 166

بدشت

–          133- 135- 153- 173

بغداد

–          52- 199

البقيع

–          مقبرة – 24

بوشهر

–          33- 51- 74- 83- 84 – 86- 109

البيان الفارسي

–          119

ت

تاكور

–          64- 209

تبريز

–          109- 110- 112- 114- 116- 122- 136- 139- 141- 143- 144- 173- 178- 180- 182- 184- 191- 192

ج

الجبل الباسط

–          ماه كو – 116

الجبل الشديد

–          چهريق- 116

جدّة

–          74- 78

الجزيرة الخضراء

–          144

جيلان

–          22

چهريق

–          قلعة- 122- 136- 138- 139- 141- 143- 167- 168- 180- 182- 208

ح

الحجاز

–          44- 74- 78

حديقة الإيلخاني في طهران

–          207

خ

خراسان

–          23- 62- 72- 125- 126- 127- 128- 131- 132- 133 – 173

الخصائل السبعة

–          84

خمسه

–          بلدة – 112

خواجه

–          قلعة – 175

خوي

–          مدينة – وسلسلة جبال – 116 – 138

ر

الراية السوداء

–          133 – 144 – 153

الرسالة السلطانيّة

–          22

ز

زرند

–          168

زنجان

–          92- 173- 192- 193- 194- 195- 196

س

ساري

–          135 – 152 – 166

سبزه ميدان

–          ساحة في بلدة بارفروش وأخرى بنفس الاسم في طهران – 93 – 148 – 167

سياه چال

–          البئر السوداء – 204 – 208 –  120

ش

شاهرود

–          132

شرح الزيارة للأحسائي

–          23

شمران

–          203

شيراز

–          22- 26- 30- 34- 50 – 66- 83- 84- 85- 86- 91- 92- 93- 96- 97- 109- 127- 128- 170- 176- 193- 194

ص

صحيفة بين الحرمين

–          81

ط

طبرسي

–          قلعة- 72- 107- 144- 159- 160- 174- 194

طهران

–          22 – 23 – 26 – 51 – 52 – 58 – 84 – 93 – 96 – 99 – 100 – 101 – 1-2 – 103 – 104 – 106 – 107 – 108 – 109 – 120 – 123 – 124 – 126 – 127 – 128 – 130 – 131- 135 – 145 – 153 – 159 – 166 – 168 – 173 – 191 – 192 – 194 – 199 – 200 – 202 – 203 – 204 – 205 – 208 – 210

ع

العراق

–          200 – 210

عمارة خورشيد

–          101 – 102

علي مردان خان

–          قلعة في زنجان – 195 – 196

ف

فارس

–          78 – 84

فين

–          كاشان – 200

ق

قزوين

–          50 – 109 – 128 – 130 – 131 – 133 – 208

القسطنطينية

–          52

قم

–          93 – 106

ك

كاشان

–          58 – 93 – 104 – 200

كربلاء

–          20 – 24 – 29 – 30 – 31 – 81 – 109 -126 – 127 – 144 – 162 – 199

كرمان

–          92

كرمانشاه

–          23 – 26

كلين

–          106

الكوفة

–          44

ل

لواسان

–          201 – 202

لوح الحروفات

–          138

م

مازندران

–          23 – 50 – 60 – 64 – 66 – 123 – 124 – 133 – 135 – 144 – 145 – 155 – 173 – 192 – 197 – 200

ماه كو

–          108 – 116 – 117 – 119 – 120 – 121 – 122 – 208

مدرسة الميرزا صالح

–          58

المدينة

–          24 – 44 – 82

مسجد الإيلخاني

–          34 – 38 – 44 – 46

مسجد علي شاه

–          112

مسجد الكوفة

–          33 – 44

مسجد الوكيل

–          88 -89

مشهد

–          22 – 23 – 72 – 120 – 125 – 126 – 132 – 133 – 144 – 145 – 153

مكّة

–          44 – 51 – 78 – 81 – 82

ميلان

–          191

ن

نائين

–          93

النّجف

–          20 – 22 – 33

نور

–          23 – 58 – 60 – 64 – 66 – 68 – 135 – 153 – 159 – 173 – 200

نياوران

–          203

نيريز

–          173 – 175 – 176 – 177 – 179 – 192 – 197

ي

يزد

–          22 – 92 – 174 – 175

بعض الكتب البهائية

 

من آثار حضرة بهاء الله

الكلمات المكنونة

ألواح حضرة بهاء الله إلى الملوك والرؤساء

مجموعة من ألواح حضرة بهاء الله

The Hidden Words

Gleanings from the Writings of Bahá’u’lláh

Tablets of Bahá’u’lláh Revealed after the Kitab-i-Aqdas

 

من آثار حضرة عبد البهاء

المفاوضات

من مكاتيب حضرة عبد البهاء

Some Answered Questions

Selections from the Writings of ‘Adbdu’l-Bahá

 

من آثار حضرة شوقي أفندي

كتاب القرن البديع

God Passes By

The Promised Day is Come

 

كتب متفرقة

بهاء الله والعصر الجديد      –  جون أسْلُمُنت

ملكوت الأب السماوي الموعود – ڤرجي ڤ. ڤيْل

– The Bab                                          by H.M. Balyuzi

– Bahá’u’lláh and the New Era                   by J.E. Esslemont

– The Promise of all Ages                  by George Townshend

– Encyclopedia Britannica Book of the Year, 1992

(([1]  لقب كان يطلق في إيران على ذوي المرتبة الاجتماعية المرموقة.

([2])  ثاني الأماكن المقدسة في إيران ويوجد فيها جدث أخت الإمام الرضا فاطمة المعصومة. عاشت وتوفيت هناك. وفيها أيضا مدافن كثيرة لملوكها ومن بينهم فتح علي شاه ومحمد شاه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: