تجديد تعاليم الأنبياء وتجديد النواميس الألهية

تجديد تعاليم الأنبياء

في ليلة 14 أيلول 1911 ألقى حضرة عبد البهاء

هذه الكلمة الموجزة أمام رئيس جمعيّة الثّيوسوفيّين

هو الله

بلّغ تحيّتي واحترامي للجمعيّة الثّيوسوفيّة. وقل لهم إنّكم في الحقيقة خدمتم وحدة الجنس البشريّ لأنّه ليس لديكم تعصّب الجاهليّة، ولأنّكم تريدون توحيد البشر. وكلّ من يخدم قضيّة وحدة البشر اليوم مقبول عند الله. ذلك لأنّ جميع أنبياء الله سعوا في سبيل وحدة الجنس البشريّ وقدّموا خدماتهم للعالم. ولأنّ أساس التّعاليم الإلهيّة هو وحدة العالم الإنسانيّ.

فسيّدنا موسى سعى من أجل وحدة العالم الإنسانيّ، والسّيّد المسيح أسّس وحدة العالم الإنسانيّ، وسيّدنا محمّد أعلن الوحدة الإنسانيّة. فالإنجيل والتّوراة والقرآن كتب إلهيّة وضعت أساس الوحدة الإنسانيّة. وما شريعة الله إلاّ شريعة واحدة، وما دين الله إلاّ دين واحد، وهو الألفة والمحبّة.

ولقد جدّد حضرة بهاء الله تعاليم الأنبياء، وأعلن أساس دين الله وألّف بين الأمم المختلفة، وجمع الأديان المتباينة. ونفَذَت تعاليمه في عروق البشر وأعصابهم نفاذًا أوجد الاتّحاد بين القبائل المختلفة والشّعوب المتباينة. ولمّا كنتم أنتم عاملين على تحقيق هذا المقصد الجليل فإنّني أدعو من أجلكم وألتمس لكم التّأييد الإلهيّ.

 

تجديد النّواميس الإلهيّة

في يوم الخميس الموافق 14 أيلول 1911 ألقى حضرة

عبد البهاء في منزل مسز روزنبرج الخطبة التّالية:

هو الله

الحمد لله أن انعقد هذا المجلس في غاية اللّطف والكمال. وإنّني لآمل أن يتجلّى فيكم مقصد الكتب السّماويّة والرّسل.

إنّ المظاهر الإلهيّة هم أوّل المعلّمين للحقيقة والمروّجين لها، فكلّما انتشرت الظّلمة في العالم وساد الجهل والغفلة أرسل الله رجلاً إلهيًّا. فقد جاء موسى حينما كانت مصر مظلمة يحيط بها الجهل وانعدام المعرفة ويعيش أهلها في منتهى التّوحّش. وكان موسى معلّمًا إلهيًّا فعلّم الآيات الرّبانيّة. وربّى بني إسرائيل، ونجّاهم من الجهل والمذلّة، وبلغ بهم أقصى غايات العزّة فبرعوا في العلوم والفنون، وهيّأ لهم مدنيّة تامّة ونشر بينهم خزائن العالم ثمّ محيت الآثار الإلهيّة رويدًا رويدًا، وغلب على بني إسرائيل الهوى والفكر الشّيطانيّ وأحاطت بهم الظّلمة. فارتفع صوت الأحديّة مرّة أخرى. وأشرقت شمس الحقيقة، وسرت نفثات الرّوح القدس، وهطل غمام الرّحمة، وأضاءت العالم أنوار الهداية فلبس الكون لباسًا جديدًا، وأصبح الخلق خلقًا جديدًا، ونودي بوحدة البشر، وأصبح هذا العالم جنّة عليا. واتّحدت القبائل

 

المختلفة والشّعوب المتنوّعة. وبعد مدّة نسي النّاس هذه النّواميس الإلهيّة، ومحيت هذه النّصائح الرّبّانيّة من صفحة القلوب. ولم تعد هناك تعاليم حقيقيّة. وأحاطت ظلمة الجهل وعدم المعرفة.

والآن جاء حضرة بهاء الله وجدّد الأساس الأصليّ للدّين، وأظهر من جديد تعاليم المسيح الإلهيّة وفضائل العالم الإنسانيّ، فسقى العطشى وأيقظ الغافلين وجعل المحرومين مخازن الأسرار ونشر وحدة العالم الإنسانيّ وأعلام المساواة بين البشر.

فعليكم إذن أن تسعوا بقلوبكم وأرواحكم، وأن تعيشوا بين جميع البشر بالمحبّة، كي يتمّ الاتّحاد الكلّيّ، وتزول التّعصّبات الغاشمة، ويتّحد الجميع.

هو الله

في يوم الأحد الموافق 17 أيلول سنة 1911 لبّى حضرة عبد البهاء دعوة

الأرشديكون ولبرفورس راعي كنيسة سان جورج بوستمنستر. وبعد

أن قدّم الأرشديكون ضيفه العزيز وتحدّث عن سجنه أربعين عامًا

قام عبد البهاء عن الكرسيّ الّذي وضع خصيصًا له في

مقابلة المحراب وألقى الخطبة التّالية:

 

        أيّها المحترمون اعلموا أنّ النّبوّة مرآة تنبئ عن الفيض الإلهيّ والتّجلّي الرّحمانيّ، وانطبعت فيها أشعّة ساطعة من شمس الحقيقة وارتسمت فيها الصّور العالية ممثّلة لها تجلّيات أسماء الله الحسنى “ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى”، فالأنبياء معادن الرّحمة ومهابط الوحي ومشارق الأنوار ومصادر الآثار “وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين”.

وأمّا الحقيقة الألوهيّة فهي مقدّسة عن الإدراك ومنزّهة عن أن

 

تنسج عناكب الأفكار بلعابها حول حماها فكلّ ما يتصوّره الإنسان من أدقّ المعاني إنّما هو صور للخيال وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان. وتلك المعاني إنّما لها وجود ذهنيّ وليس لها وجود عينيّ، فما هي إلاّ محاط لا محيط ومحدود ليس ببسيط حقيقيّ والله بكلّ شيء محيط. والحقيقة الإنسانيّة أعظم من ذلك حيث لها الوجود الذّهنيّ والوجود العينيّ ومحيطة بتلك التّصوّرات الذّهنيّة، ومدركة لها والإدراك فرع الإحاطة فالألوهيّة الّتي تحت الإدراكات الإنسانيّة إنّما هي تصوّرات خياليّة وليست بحقيقة الألوهيّة، لأنّ حقيقة الرّبوبيّة محيطة بكلّ الأشياء لا محاطة بشيء ومقدّسة عن الحدود والإشارات، بل هي وجود حقيقيّ منزّه عن الوجود الذّهنيّ، ولا تكاد العقول تحيط به حتّى تسعه الأذهان “لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللّطيف الخبير”، وإذا أمعنّا النّظر بعين الحقيقة نرى أنّ تفاوت المراتب في الوجود مانع عن الإدراك حيث إنّ كلّ مرتبة دانية لا تكاد أن تدرك ما فوقها مع أنّ كلتيهما في حيّز الإمكان دون الوجوب فالمرتبة الجماديّة ليس لها خبر عن عالم الحيوان، ولا يكاد النّبات أن يتصوّر السّمع والبصر والحركة الإراديّة ولو كانت في أعلى درجة من النّبات والحيوان لا يستطيع تصوّر العقل والنّفس النّاطقة الكاشفة لحقائق الأشياء لأنّه فاقد الوجدان وأسير المحسوسات وذاهل عن كلّ حقيقة معقولة فكلّ حيوان لا يكاد أن يدرك حركة الأرض وكرويّتها، ولا تكاد تنكشف له القوّة الجاذبة والمادّة الأثيريّة الغائبة عن الحواس، وهو حال كونه أسير الأثير ذاهل عنه فاقد الإدراك، فإذا كانت حقيقة الجماد والنّبات والحيوان والإنسان حال كونها كلّها من حيّز الإمكان ولكن تفاوت المراتب مانع أن يدرك الجماد كمال النّبات والنّبات قوى الحيوان والحيوان فضائل الإنسان فهل من الممكن أن يدرك الحادث حقيقة القديم ويعرف الصّنع هوية الصّانع العظيم، أستغفر الله من ذلك ضعف الطّالب وجلّ المطلوب،

 

نهاية إقدام العقول عقال، فما بقي أدنى شبهة أنّ الحدوث عاجز عن إدراك القديم كما قال عليه السّلام “ما عرفناك حقّ معرفتك” ولكنّ الإمكان من حيث الوجود والشّؤون يحتاج الفيض من حضرة الوجوب، وعلى ذلك إنّ الغيب المنيع المنقطع الوجدانيّ تجلّى على حقائق الأشياء من حيث الأسماء والصّفات وما من شيء إلاّ وله نصيب من ذلك الفيض الإلهيّ والتّجلّي الرّحمانيّ و”إن من شيء إلاّ يسبّح بحمده”.

وأمّا الإنسان فهو جامع للكمال الإمكانيّ وهو الجسم الجماديّ واللّطف النّباتيّ والحسّ الحيوانيّ. وفضلاً عن ذلك فهو حائز لكمال الفيض الإلهيّ فلا شكّ أنّه أشرف الكائنات، وله قوّة محيطة بحقائق الممكنات، كاشفة لأسرارها وآخذة بنواصي خواصها والأسرار المكنونة في مكامنها وتخرجها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وتعرّضها للعقول والأفهام، هذا هو سلطان الإنسان وبرهان الشّرف الأسمى، فكلّ الصّنائع والبدائع والعلوم والفنون كانت يومًا ما في حيّز الغيب السّرّ المكنون، فهذه القوّة الكاشفة المؤيّد بها الإنسان قد اطّلع بها وأخرجها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وعرضها على البصائر والأبصار، فثبت أنّ الحقيقة الإنسانيّة ممتازة عن سائر الكائنات، وكاشفة لحقائق الأشياء لا سيّما الفرد الكامل، والفيض الشّامل والنّور الباهر، كلّ نبي كريم ورسول عظيم فهو عبارة عن مرآة صافية لطيفة منطبعة فيها الصّور العالية تنبئ عن شمس الحقيقة المتجلّية عليها بالفيض الأبديّ، ولا يرى فيها إلا الضّياء السّاطع من شمس الحقيقة وتفيض به على سائر الأمم “وإنّك لتهدي إلى صراط مستقيم”.

وإذا قلنا إنّ شمس الحقيقة أشرقت بأنوارها على المرايا الصّافية فليس مرادنا أنّ شمس الحقيقة المقدّسة عن الإدراك تنزّلت من علوّ تقديسها وسموّ تنزيهها ودخلت وحلّت في المرايا الصّافية، أستغفر الله من ذلك وما قدّروا الله حقّ قدره بل نقصد بذلك أنّ شمس الحقيقة إذا

 

فاضت أنوارها على المرايا لا يرى فيها إلا ضياؤها، “ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى”، إنّ النّزول والصّعود والدّخول والخروج والحلول من لوازم الأجسام دون الأرواح فكيف الحقيقة الرّبّانيّة والذّاتيّة الصّمدانيّة إنّها جلّت عن تلك الأوصاف فلا يكاد أن ينقلب القديم حادثًا ولا الحادث قديمًا فقلب الماهيّة ممتنع ومحال، هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلا الضّلال المبين فغاية ما يكون الحادث أن يستفيض الفيض التّام من حضرة القديم، فلننظر إلى آثار رحمة الله في المظهر الموسويّ، وإلى الأنوار الّتي سطعت بأشدّ الإشراق من الأفق العيسويّ وإلى السّراج الوهّاج السّاطع اللاّمع في الزّجاج المحمّديّ عليهم الصّلاة والسّلام وعلى الّذين بهم أشرقت الأنوار وظهرت الأسرار وشاعت وذاعت الآثار على ممرّ العصور والدّهور.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: