السجين والملوك

 

السجين والملوك

 

 

مترجم عن كتاب

The Prisoner and the Kings

by William Sears

 

 

 

 

 

الإصدار الأول 2013


قائمة المحتويات

تمهيـــد 4

مقـدمـة 5

الفصل الأول- 6

الجزء الأول : القـتلة 6

الفصل الثاني- 9

الجزء الأول: السجين- 9

الجزء الثاني: قصة “الباب” الماساوية 12

الجزء الثالث: سجن الجب الأسود 16

الجزء الرابع : أصوات فى الليل- 20

الجزء الخامس : وزن السلاسل- 22

الفصل الثالث- 24

الجزء الأول : الناقوس الأفخـم 24

الجزء الثاني : اللفافة المخبأة 27

الجزء الثالث: يوم الحساب- 29

الجزء الرابع : الإنهيـار السريع- 31

الجزء الخامس : تقلّب الأدوار- 34

الجزء السادس : سقوط أول مملكة 36

الفصل الرابع- 38

الجزء الأول : “رب المعارك” 38

الجزء الثاني : صوت الحرب- 40

الجزء الثالث: السيف المسلول- 42

الجزء الرابع : أحد الملوك  “ومليك الملوك ” 44

الجزء الخامس: كوارث متتابعة 46

الجزء السادس: الخروج المشين- 49

الجزء السابع: سقوط المملكة الثانية 51

الفصل الخامس– 52

الجزء الأول : القيصر المحرر- 52

الجزء الثاني : استمعوا للنداء- 55

الجزء الثالث: سقوط المملكة الثالثة 58

الفصل السادس– 61

الجزء الأول : نهاية الإمبراطورية الرومانية المقدسة 61

الجزء الثانى : إنقسام إلى أجزاء- 64

الجزء الثالث : سقوط المملكة الرابعة 67

الفصل السابع- 70

الجزء الأول : نهوض مملكة 70

الفصل الثامن- 76

الجزء الأول: بقايا الدار- 76

الجزءالثاني:  خارجا من الجب- 79

الفصل التاسع- 83

الجزء الأول: قاتل!  قاتل! 83

الجزء الثاني: أمير الظالمين- 86

الجزء الثالث: سقوط المملكة الخامسة ! 88

الفصل العاشر- 90

الجزء الأول : الإعـلان- 90

الجزء الثاني:”عرش الظلم” 93

الجزء الثالث: النفي الأخير- 97

الجزء الرابع :-  الرحلة عن طريق البحر- 101

الجزء الخامس :-  ملك البهاء يدخل البوابة 104

الجزء السادس : “المأدبة الإلهية” 107

الفصل الحادي عشر- 112

الجزء الأول: تحذير- 112

الجزء الثاني: المدينة المتينة 114

الجزء الثالث : قرع للطبول- 117

الجزء الرابع : سقوط المملكة السادسة 121

الفصل الثاني عشر- 124

الجزء الأول  : جبل الكرمل- 124

الجزء الثاني : مركز الميثاق- 126

الجزء الثالث: سلاح الله– 130

الفصل الثالث عشر- 134

الجزء الأول: سقوط الممالك في كل مكان- 134

الجزء الثاني : “من رأس الكرمل” 138

الفصل الرابع عشر- 141

الجزء الأول : ميراث الملوك- 141

الجزء الثاني : نظرة جديدة للتاريخ- 144

الجزء الثالث: أصداء من الماضي- 147

الجزء الرابع: أصداء أخرى لذات القلم الأعلي- 150

الجزء الخامس: ” يا ملأ الرهبان” 154

الجزء السادس: القادة العميان- 159

الفصل الخامس عشر- 162

الجزء الأول: ثوار الله– 162

الجزء الثاني: الإنقلاب الروحاني- 165

الجزء الثالث: مجتمع عالمي- 167

ملحق الصور ————————–———————————————-172  

 


 

 

 

تمهيـــد

يسعدني أنا وشركاء هذا العمل أن نقدم للقارئ العربي هذا الكتاب مترجما من الانجليزية للعربية عن أحد الأعمال الكتابية البارزة في تاريخ الأمر البهائي المبارك، ألا وهو كتاب (السجين والملوك) للكاتب المتميز “وليم سيرز” الصادر باللغة الانجليزية باسم “The Prisoner and the Kings”  .وأقدم عظيم الامتنان للسيد “سيفي سيفي”  للمساعدة في المراجعة والتدقيق لهذا الإصدار كما أنوه إذا أمكن لقارئنا الفاضل الإطلاع علي “ألواح حضرة بهاء الله للملوك والرؤساء” أثناء قراءته لهذا الكتاب حيث سيكون لها أثراً متميزاً وراسخاً في الفهم وزيادة الاستفادة.

روحيه حسن

 


السجين والملوك

بقلم: وليـم سيرز

مقـدمـة

يحدثنا كتاب السجين والملوك عن قصة أعظم لغز في العصر الحديث. ففيما بين عام 1867 وعام 1873، كتب سجين معزول في مستعمرة تركية،سلسلة من الرسائل لملوك وأباطرة تلك الفترة، تنبأ فيها بدقة مذهلة عن مجرى التاريخ الحديث، من انهيار دول وسقوط عروش وانحدار مؤسسات دينية ونهوض الشيوعية العالمية وقيام دول جديدة ومخاطر التلوث النووي.

هذا السجين هو “حضرة بهاءالله”، أروع رجل في عصرنا بل وفي جميع العصور طراً. ما السر وراء هذه الحفنة من الرسائل المذهلة؟ ما هو مصدر علم هذا السجين؟ وما الذي تخبرنا به هذه الرسائل عن الإنسانية ومستقبلها في القرن العشرين؟ “بهاءالله” هو اسم فارسي! ومن الوارد جدا أنه سيكون معروفا لأبنائكم كمعرفتهم لأسمائهم.


الفصل الأول

الذعر فى الطرقات

الجزء الأول : القـتلة

إن فخامة الزي الرسمي للقيصر ويلهلم الأول كانت تتحدث عن نفسها، فخوذته تلمع كشمس ثانية داخل عربته الملكية المتمايلة بهيبة وفخامة طوال شوارع برلين المشجرة. ويتباهي الملك بنفسه متسائلا: أيوجد ملك آخر يضاهيني؟

نعم هناك ما يدعوه للتباهي! فلقد حقق أكثر مما كان يحلم، فانتقم من فرنسا وأذلها، وأصبح أول ملك بروسي يحكم ولايات المانيا المتحدة كإمبراطور.

فجأة.. حطم هذا المشهد الهادئ دوي طلق ناري! واخترقت رصاصة خوذة القيصر، فهوى على كرسي عربته متأثرا باصابته الخطيرة، وانطلقت صيحات الذعر في شوارع برلين… قاتل… قاتل.

نجا ويلهلم الأول من الرصاصة التي كادت أن تودي بحياته والتي كانت علامة على بداية سلسلة من الكوارث التي ضربت أقرانه الملوك في أوروبا والشرق، وكان أغلب هؤلاء الملوك أسوأ حظا منه.

في القسطنطينية العظمى، كان هناك ملك آخر يجلس على عرشه بتفاخر، وهو أيضا غير مدرك تماما لشراك الموت التي تتجمع خيوطها حول ملوك الأرض.إنه السلطان عبدالعزيز حاكم الإمبراطورية العثمانية العظمى الذي أحاط نفسه بشبكة من الجواسيس لحمايته، كانوا يبلغونه عن أتفه الشكوك التي قد تهدد العرش؛ وفي المقابل، كان أعداء السلطان بنفس الدرجة من الحرص والدقة. فجأة وبدون سابق إنذار انتشرت الأقدام المسرعة بين أروقة القصر معلنة عن قيام ثورة.

شحب وجه السلطان عبدالعزيز عندما صاح طالبا النجدة دون إستجابة، لم يكن هناك مكان يلجأ اليه؛ ألقى زعماء الثورة القبض عليه بمنتهى القسوة وسجنوه داخل قصره. وهكذا لحق به نفس المصير الذي طارد ملوك الأرض. وفي صباح أحد الأيام ظهرت آثار القاتل مما أدى إلى إثارة الرعب وعلو الصيحات في شوارع الآستانه.. قاتل..! قاتل..!

ويبدو أن هناك ملك ثالث كان ينتظره ذات المصير. إنه نيقولا الكسندر الثاني قيصر روسيا. كان أتعس حالا، فلقد عاش في خوف طوال أيام حياته وكانت دوريات الحراسة على بابه تتغير باستمرار، ويتم مسبقا اختبار جميع أطباق الطعام التي تقدم له، كما كان جناح النوم الملكي يفتش كل ليلة. كانت هواجس الملك المفزعة مادة للقصص التي يتبادلها الشعب عن القيصر. وبالرغم من أنه كان يجوب الشوارع بعربته المكشوفة محاولا تكذيب الإشاعات المدمرة المتداولة، إلا أنه داخليا كان هائبا متوقعا ظهور عدو خفي.

وجاء اليوم المحتوم، فبينما كانت عربته الملكية تجوب أحد شوارع المدينة، كانت هناك حركة غير عادية بين جموع المحتشدين، ثم صوت انفجار قنبلة أمام العربة. أسرع الحراس لاعتقال المشتبه به، ثم ترجل الكسندر من عربته لمواجهته، ولكنه قبل أن يتمكن من حماية نفسه، سارع شريك القاتل بالقاء قنبلة ثانية انفجرت تحت أقدام القيصر. ففرت الجموع هاربة في كل اتجاه على غير هدى، ونقل الكسندر الثاني الى قصره متأثرا بجراحه المميتة. وقبل إنقضاء اليوم، كانت الهمسات في شوارع بطرسبرج تدور عن القاتل.

في قارة أخرى، ملك رابع جرفه نفس المصير. ناصرالدين شاه ملك إيران. كان في طريقه لتأدية الصلاة بهدوء في أمسية الاحتفال باليوبيل الذهبي لتتويجه، بعد خطط بعناية لكل خطوة من هذا الإحتفال العظيم تمجيدا لإسمه وتخليدا لذكراه في التاريخ. فجأة وبدون سابق إنذار، وبينما كان يصلي، باغتته رصاصة. إن المأساة الملكية التي وقعت في طهران، هي تكرار لما حدث في برلين وبطرسبرج والقسطنطينية!! دوت صرخات الذعر بين الحاشية عاجزين عن التصرف، ذهل رئيس الوزراء الذي كان مرافقا للشاه نتيجة الحدث المفاجئ، وأمر بكتمان الخبر على الأقل حتى انتهاء الاحتفال.

تم حمل جثمان الشاه لعربته سراً، وجلس الصدر الأعظم (متوارياً) خلف الجثة ليثبتها على مقعدها وهو في طريق عودته لقصره غارق في جمود الموت غير مدرك لصخب الموسيقى وتفجر الألعاب النارية أو لرفرفة الأعلام في كل مكان؛ كانت الجموع مبتهجة تهتف باسم وحياة جلالته الذي لقب نفسه بـ “ملك الملوك”. وبمجرد وصول العربة الى القصر، صرخ الوزراء بفزع وذعر شديد: قاتل.. قاتل.!


الفصل الثاني

أدعُ الأمم الى الله

الجزء الأول: السجين

ترى أي قدر محتوم جمع ملوك ألمانيا وروسيا وتركيا وإيران؟ لماذا عصفت بهم جميعا هذه النهاية العنيفة في نفس الوقت تقريبا؟ قصتهم هذه هي من أعظم القصص الدرامية لجيلنا! لماذا لم نسمع المزيد عنهم؟ فلم يكونوا ملوك من قصص الخيال، ولم يكن سقوطهم ودمارهم جزء من رواية تاريخية مشكوك فيها أو مأخوذة من بعض صفحات قصص الإثارة الشهيرة. لقد كانوا قادة ممالك بالفعل، فسقطوا هم وممالكهم من بعدهم ومحيوا. ومنذ ذلك الحين وخلال نصف قرن، سقط ما لا يقل عن عشرين مملكة! أفليس عجيبا أن القدر الذي أطاح بهم، أخذ يلاحق حتى خلفائهم في جمهوريات حلت محل ممالكهم!.

إن الحلقة التي تربط الملوك الأربعة وأتباعهم معا، هو “سجين” زج به في زنزانة منعزلة في إحدى القلاع التركية الواقعة على ساحل فلسطين. لكن.. من غير المعقول أن يتحدى سجين لا حول له ولا قوة، حكام العالم أجمع.

اثنان من هؤلاء الملوك قاما باضطهاده وإهانته بوحشية، وبالرغم من أنهما كانا عازمان على إسكاته، إلا أن محاولاتهما بأتمها باءت بالفشل الذريع. ولم تؤد كل تلك الخطط التي دبرت للتخلص من هذا السجين، إلا لعلو أمره، ودنو شأنهم، “كأنها أخطاء كوميدية في مسرحية هزلية”، وتدريجيا أصبحوا هم السجناء، وهو، كما قال أحد المؤرخين البريطانيين: “موضع محبة يحسده عليها الملوك والأباطرة، وعبثا يحاولون الوصول اليها”.

هذه قصة فريدة عجيبة لم يوجد في التاريخ مثيل لها أبداً. قصة “سجين”.. قُذف بالأحجار ثلاث مرات؛ وعانى آلآم خيزرانة الفلقة على أخمص قدميه؛ وجُـلد حتى تمزق جلده؛ وسالت الدماء من جروح وكدمات جسده؛ وكُـبل بالأغلال حول عنقه حتى أحنت ظهره؛ وتركت سلاسل حديدية ثقيلة شدّت بأقفال ومسامير لبعضها البعض، ندباً عميقة غائرة في أكتافه طيلة حياته؛ وسَلخت أسفل قدميه مقطرة خشبية كبلتا بها؛ وثبّت في مكانه على أرضية السجن بسلاسل حديدية مع مجموعة من رفاقه؛ ودس له السم ثلاث مرات؛ وجردته فرمانات الملوك من ثروته الطائلة ومكانته الاجتماعية العالية؛ وأبعدوه مع عائلته عن قومه ومسقط رأسه؛ ثم نُـفي بعيداً عن أرض وطنه إلى الأبد لأربع مرات متتالية، كُـل منفى منهم أقسى من سابقه. وفي النهاية حاول الملوك التخلص منه بنفيه الى أبشع منفى في الشرق الأوسط، مكان اعتقدوا أنه محط نهايته. فكان سجنه الأخير يقع في حصن محاط بالخنادق المائية وجدار عالي من صخر صماء بفتحات ضيقة. لقد كان محاطا بالأعداء وبمناخ غير صالح للسكنى ومنطقة مليئة بالأمراض والأوبئة.

وصل الملوك الى مرحلة من الثقة أن موت هذا السجين محتّم ولن يُسمع عنه ثانية. إن ما حدث كان يجب أن يكون النهاية، ولكنه في الحقيقة لم يكن إلا مجرد البداية، ففي غمرة أحداث القتل والمعاناة، تنبأ هذا السجين بدنو إنهيار ممالك كل هؤلاء الملوك، حيث وصف حتمية إندثار امبراطورياتهم، وكانت دقة تلك النبؤات مخيفة.

من هذه الأرض التاريخية المقدسة، أرسل هذا المنفي المعزول إنذراته للملوك يحذرهم من الكارثة التي توشك أن تقع عليهم، ووصلت هيمنة هذه الشخصية الغامضة للقارتين الأوروبية والآسيوية لدرجة هزت ممالكها حتى تزعزعت قواعدها وتصدعت هياكلها، فهوت..!

وبالرغم من معاناة هذا السجين على أيدي هؤلاء الملوك، إلا انه عرض عليهم يد العون لمنع تلك الكوارث الوشيكة! ترى هل أكترثوا لكلماته؟ لو أنهم أنصتوا إليه لتجنبوا قدرهم المحتوم، ولما اندثرت جموع من الممالك واحدة تلو الأخرى من مسرح هذا الزمان.

ولنتساءل من هو هذا السجين؟ ما علاقة سجين منفي بأعتى أربع ملوك في عصره؟ لقد أعلن أن له شأن وطيد بالملوك وحكوماتهم، وأخبرهم بكل وضوح أن رسالته في الحياة هي إيقاظ حكام العالم لأداء واجباتهم الإجتماعية والروحية في هذا العصر الجديد، وأعلن أنه أداة إلهية أرسلت لحماية المظلومين والمقهورين في الأرض وتحدى الملوك بقوله:

(وإنْ لنْ تمنعوا الظّالم عن ظلمه ولن تأخذوا حقّ المظلوم فبأي شيء تفتخرون بين العباد وتكونن من المفتخرين)

دعى السجين الملوك والرؤساء لتوحيد طاقاتهم وبذل الجهود للوصول بالبشرية الى العدالة الإجتماعية والسلام قائلاً:

“قم بين الناس بهذا الأمر المبرم ثم أدع الأمم الى الله العلي العظيم”

ما الذي يجعل أي ملك يلتفت الى مثل هذا الأقوال؟ من ذا الذي يصدق سجينا يعلن على الملأ إنهيار أعظم ممالك الأرض! كيف سيستطيع التحكم بمصير الملوك، وهو لم يستطع حتى إنقاذ نفسه من السجن!

ولكن هذا ما فعله بالتحديد! فلقد ألقي الملوك في السجون وأطلق سراح السجين، ونفذت كلماته ونبؤاته الى عقول جميع البشر، بينما اختفت وتلاشت العروش. لقد تحققت النبؤات بدقة مذهلة خطوة بعد خطوة، حتى خُلع كل طاغية عن عرشه وجُرّد من سلطاته وأفُل ملكهم الى الأبد، بالضبط كما ورد في الألواح التي أرسلها هذا السجين من زنزانته في فلسطين.

إنها حقا أعجب قصص عصرنا هذا!


دعوني أرمه بحجر

الجزء الثاني: قصة “الباب” الماساوية

تبدأ القصة في إيران سنة 1844م، فبالرغم من تاريخ إيران الطويل في الإنجاز الثقافي، إلا انها كانت في القرن التاسع عشر مرتعا لانحلال وفساد أخلاقي لا مثيل له، فلقد كان الشاه حاكماً مستبداً وحكومته تتعامل بمزيج من ابتزاز المال والتملق والوحشية، وأصبحت إدارة شؤون البلاد في أيدي مجموعة من السياسيين المرتشين ورجال دين متعصبين يوما بعد يوم.

فجأة! وبينما تعاني البلاد من أدنى درجات الانحطاط في تاريخها، ظهرت نهضة روحية لم تمر بها أي أمة أخرى في العصر الحديث، تجربة استمرت تسع سنوات، عندما ظهر شاب لقّب نفسه “الباب” ليعلن أن يوم الله قد إقترب. فتهافت عشرات الألوف من أرجاء إيران لاعتناق هذا الأمر الإلهي الجديد. كان أكثر أتباعه حماسا من طلبة المعاهد الدينية! وبدا للحظة من لحظات التاريخ، وكأن الأمة بأكملها قد تقبلت تعاليمه التي تنادي بالعدالة الإجتماعية والبعث الروحي. إلا أن رجال الدين ورجال الحاشية الملكية حالوا دون حدوث ذلك – مدركين بأن في هذه الدعوة خطرا سيهدد المزايا التي يتمتعون بها – فتمكنوا من إقناع الشاه بأن “الباب” مصدر خطر على ولايته. وبرغم إظهار الباب لإحترامه للسلطة المدنية، إلا أن الشاه اختار أن يأخذ برأي مستشاريه. وبدأوا بشن حملات الإرهاب والتعذيب، وقاموا بمطاردة الآلآف من أتباعه في البلاد، ونفذوا أعمال الغدر والتعذيب والذبح، وأخيرا في 9 يوليو عام 1850م أعدم “الباب”.

كان هناك شاب من النبلاء من مؤيدي أمر الباب، لقّبه “بهاءالله”. ولأنه ينتمي لعائلة شهيرة وذو شخصية محترمة، كسب احترام البلاط الفارسي، فلم يتم قتله في المذبحة العامة لأتباع الباب. ومع أن زعامته للبابيين المضطهدين جعلته في مكانة خطرة بالنسبة للمعادين، حيث ظهر تصميمهم على قتله، بيد أنه لم يكن لديهم ذريعة معقولة يمكنهم بها إدانة مثل هذه الشخصية المرموقة، فلقد كان بهاءالله محترما بشكل واسع النطاق.

في عام 1852، أتيح لهم المبرر، فلقد حاول شابان قتل الشاه بإطلاق النار عليه عندما كان خارجا من قصره ممتطيا جواده، وفي الحال ألقيت المسئولية على أتباع الباب وبهاءالله، واجتاح الأمة عداء لا يمكن ردعه، وباءت بالفشل كل محاولات تحري الحقيقة. فاتحد الشاه والوزراء ورجال الدين والشعب على كراهيته، وابتهجوا لحصولهم على ذريعة للفتك بمن اعتبروه خطرا على الدولة والدين.

كما اعتقل وقتل كثير من الذين كانوا مجرد أصدقاء أو متعاطفين مع الدين الجديد، إلا اذا كانوا أغنياء وقادرين على مليء خزائن مضطهديهم. أما بالنسبة لحالة “بهاءالله”، فقد أدركت السلطات أن موضوع قتله أو تعذيبه يجب تدبيره بطريقة ماكرة، لأنه وعائلته كانوا يحظون باحترام كبير في البلاد، فوالده كان أحد النبلاء ووزير سابق حظى بتقدير كبير وشرف عالي في الدولة.

خلال تلك الأيام المحمومة وبينما وصلت موجات الإضطهاد الى ذروتها، كان حضرة بهاءالله ضيفا على رئيس الوزراء الجديد “ميرزا أقا جان”، وكان من المفترض أن يكون بمأمن هناك. رئيس الوزراء هذا، سبق له وأن وعد حضرة الباب بمساعدة أتباعه المظلومين الأبرياء من غضب الملك، إذا قام هو بمساعدته في المقابل. وقد وفى حضرة الباب بوعده. والآن وبعد أن أصبح “الميرزا أقا جان” الصدر الأعظم، وجب عليه أيضا مواجهة حرج الوفاء بوعده.

لا يوجد من هو أكثر علما من الصدر الأعظم ببراءة حضرة بهاءالله من أي جريمة. لكن مشكلة هذا الوزير المهزوز تتمثل في طبيعة شخصيته، حيث أن ولاءه يتقلب باستمرار، ففي لحظة يأتيه خاطر يحثه على مساعدة أتباع الباب المضطهدين، وفي اللحظة التالية يتراجع في خوف هائباً فقدان مركزه، فيعاود الهجوم على أتباع الباب.

في النهاية، تغلب خوفه على شجاعته وإنصافه، وجلب على نفسه الخزي والعار.

حاول “ميرزا أقا جان” في البداية، إصلاح الشأن بين الشاه وبهاءالله، فأرسل رسالة ودية لحضرة بهاءالله في كربلاء (العراق) – عندما كان حضرته منفيا لفترة وجيزة بأمر الصدر الأعظم السابق – يخبره فيها عن خططه ويدعوه للعودة الى العاصمة.

نزل بهاءالله لمدة شهر ضيف شرف على ميرزا أقا جان، وفي هذه المدة اندفعت أفواج من نبلاء ووجهاء طهران لملاقاته، وقد أثار هذا الاهتمام والتبجيل لحضرته غضب وحسد أعدائه.

كان حضرة بهاءالله ضيفا في قرية “أفـجه”، عندما وصلت أخبار محاولة إغتيال الشاه، فشجب واستنكر هذه الفعلة بشدة، ولكنه أيضا رفض الإذعان لنصيحة أخو الصدر الأعظم الذي حضّه على الفرار للإختباء في المناطق المجاورة. وبدلا من ذلك، ذهب حضرة بهاءالله مشيّا على الأقدام إلى معسكر الجيش الشاهاني في قرية “نياوران” ليثبت براءته، بل ورفض أيضا اقتراحا بمرافقة حراس مسلحين لحمايته.

بوصوله الى قرية زرنده، قابله سكرتير السفير الروسي (الأمير دلغوروكوف) وأصطحبه الى منزله. فانتقلت الى ناصرالدين شاه في الحال أخبار وصول بهاءالله، وادهشته بشدة جرأته وقدومه الى معسكره مباشرة. أما الأمير دلغوروكوف، فقد اقترح على الصدر الأعظم “ميرزا أقا جان”، حماية بهاءالله من الأعداء الذين يريدون القضاء عليه، وذلك بأن يقيم في مقر إقامته الخاصة، لكن الصدر الأعظم خشى أنه لو تمادى في تقديم المزيد من الإهتمام بحضرة بهاءالله، فقد يؤدي ذلك الى فقدان مركزه ومكانته، لذلك سلّمه لأيدي مجموعة من أعدائه في الجيش.

نزع عن حضرة بهاءالله غطاء رأسه، وأخذ سيرا على الأقدام لمسافة ما يقارب الثلاثين كيلومترا من ضاحية شميران الى العاصمة طهران وهو عارى الرأس حافي القدمين تحت لهيب أشعة الشمس الحارقة مكبلا بالسلاسل والأغلال. وفي الطريق.. قام الجنود والغوغاء بتمزيق ملابسه الخارجية عدة مرات، وتعرض للضرب من قبل الضباط المرافقين له، وأحاطوه بالسباب والسخرية والتهجم والرشق بالحجارة.

وما كاد يقترب من العاصمة، حتى اندفعت من بين جموع المحتشدين إمرأة عجوز متعصبة وهي ترفع حجرا بيدها وجسدها يرتعش غضبا، لكن الموكب كان يسير بسرعة لم تمكنها من اللحاق به، فصاحت صارخة: (أتوسل اليكم أن تعطوني فرصة لأرمي هذا الحجر في وجهه!).

عندما رأها حضرته وهي مسرعة نحوه، أستوقف الحارس مدة كافية لإعطائها فرصة اللحاق به، قائلا: (لا تمنعوها عما تعتقده عملا مجيدا عند الله).


“هو المخلص لأولئك المكبلون بالسلاسل”

الجزء الثالث: سجن الجب الأسود

ألقي حضرة بهاءالله في زنزانة موبوءة معتمة تحت الأرض، ليمضي فيها أربعة أشهر، بعدما أقتيد في رواق مظلم ثم ليهبط ثلاث درجات، وكان لا بد عليه من إحناء جسده حتى يمكن تقييده بالسلاسل إلى الأرض مع رفاقه بينما وضعت أقدامه في مقطرة خشبية.

كان مسجونا مع حوالي مائة وأربعون شخصا، بينهم قتلة ولصوص وقطاع طرق، ولم يكن هناك منفذ خارجي للمكان المليء بالجرذان والحشرات والأمراض، سوى الباب الذي دخلوا منه. كان مكانا باردا ورطبا وذو روائح كريهة من استمرار تراكم النفايات والقاذورات.

ولمدة ثلاثة أيام وليالي، لم يقدم لحضرة بهاءالله أي طعام أو شراب. لقد أوثقوا عنقه باثنين من أشهر السلاسل آنذاك – تزن الواحدة منها حوالي مائة رطل، وتستخدم فقط لمعاقبة أعتى المجرمين – حتى سلخت تلك الأطواق الحديدية جلده، مما استحال معه النوم.

أصبح جليا بعد فترة وجيزة من دخوله السجن، أنه ليس هناك أي أساس للشبهات المقدمة ضده، ومع ذلك ظل مكبلا بالسلاسل في ذلك المكان الكريه. وفي كل يوم كان السجان يفتح الباب ليدخل معه بصيصا من الضوء مخترقا ظلمة المكان لينادي أسماء من سيتم تنفيذ حكم الاعدام بهم في ذلك اليوم وسط باحة السجن. كان من الصعب تخيل مدى البؤس والمعاناة التي ألمت بهؤلاء الضحايا الأبرياء نتيجة غضب الملك عليهم.

من هذا السجن الموبوء، بدأت رسالة حضرة بهاءالله، فمثلما هبطت حمامة الوحي على السيد المسيح عند نهر الأردن معلنة بدء رسالته، هكذا مسّت نفس “روح القدس” حضرة بهاءالله في تلك الحفرة الكريهة التي ألقي فيها بأمر شاه إيران.

وقد كتب حضرته عن هذه المناسبة قائلا:

” أصغيت لتلك الكلمة العليا من جميع الجهات :  ( إنا ننصرك بك وبقلمك. لا تحزن عما ورد عليك ولا تخف أنك من الآمنين. سوف يبعث الله كنوز الأرض وهم رجال ينصرونك بك وبأسمك الذي به أحيا الله أفئدة العارفين)

وقد كتب حضرة بهاءالله بعد حوالي عشرين عاما في رسالته الى ناصرالدين شاه عن تلك الأيام التي قضاها في ذلك السجن المظلم، سرد فيها أحداث العشرون عاما الطويلة التي قضاها سجينا منفيا وتحملها في صبر. وبرغم كل ذلك ظل حضرته يشمل الشاه بالصبر والصفح وكرم المودة, فتفضل قائلا:

(يا سُلْطانُ  إِنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَكَ ظِلَّهُ بَيْنَ العِبادِ وَآيَةَ قُدْرَتِهِ لِمَنْ فِي البِلادِ أَنِ احْكُمْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الَّذِينَ ظَلَمُونا مِنْ دونِ بَيِّنَةٍ وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ، إِنَّ الَّذِينَ فِي حَوْلِكَ يُحِبُّونَكَ لأَنْفُسِهِم وَالغُلامُ يُحِبُّكَ لِنَفْسِكَ وَما أَرَادَ إِلاَّ أَنْ يُقَرِّبَكَ إِلَى مَقَرِّ الفَضْلِ وَيُقَلِّبَكَ إِلَى يَمِينِ العَدْلِ وَكَانَ رَبُّكَ عَلَى ما أَقُولُ شَهِيداً)

حذرت كلمات حضرة بهاءالله ناصرالدين شاه، إنه اذا لم يرفع يده عن الظلم، فستزول عزته وستنضب ثروته وسيتحول مجده الى ذلة. وأوضح كذلك أن كلمات الله لا يمكن أن تعيقها حوائط السجون وأنه سيخرج من السجن ليبني مملكته الالهية في قلوب البشر، وإن الملك الذي لا يصغي لتحذيراته، لن ينال سوى الحزن واليأس، فتفضل قائلا:

(ولا ريب أنّ بعد هذه البلايا رحمة كبرى ويلي هذه الشّدائد العظمى رخاء عظيم ولكن من المأمول أن يهتمّ حضرة السّلطان بنفسه الأمور حتّى يكون ذلك سبباً لرجاء القلوب وفيما عرضتُ الخير المحض وَكَفى باللهِ شَهِيداً)

منذ البداية، كان اهتمام الشاه الأول، أن لا يسمع المزيد عن بهاءالله، وكانت والدته تشتعل غضبا من كراهية حضرته، حيث وصمته بأنه سيكون: “قاتل ابني”. كانت عازمة على هلاكه. ومن أغرب ملابسات تلك الأحداث أنها وجميع المتآمرين التابعين لها لم يتمكنوا من أقناع الشاه أن يأمر بقتل بهاءالله، وعلى ما يبدو وكأن هناك درع قدسي خفي يحيط بحضرته فيكسر أي رمح يوجهونه إليه.

لقد تحققت الوعود المذكورة في جميع الكتب المقدسة بخروج حضرة بهاءالله من السجن ونفيه، كما تمت من قبل تلك الوعود بدخوله الى السجن. فأطلق سراحه وأعلن رسالته الى ملوك العالم، وقام أتباعه بتبليغ رسالته إلى الملوك وأولي الأمر في جميع أرجاء المعمورة. وعلى ضوء هذه الأحداث، تحققت جميع النبؤات المذكورة في الكتب المقدسة السابقة بشكل مذهل.

ليس هناك وصف لهذه الأحداث أكثر روعة من تلك التي ذكرها العهد القديم في سفري أيوب والمزامير. لقد وصفا سجن حضرة بهاءالله في الجب ومعاناته ونجاته والإعلان العالمي لرسالته كأنها خطة دقيقة لرحلة مدروسة.

وصف أيوب في أحد إصحاحاته السجين الذي سيلقى به في “حفرة” و”توضع” أقدامه في “مقطرة”  و”يعاني” الكثير من “الآلام” لتبليغ رسالته، و”البريء” الذي ستمسه “نفحة الرب” وستكون رسالته “كاملة” “المعرفة” و”الحكمة” للبشرية.وسيخلص من حبسه وينجو من مكائد “أعدائه”  وأنه سيأتي “في الظلام” بـ “رؤية” وعلم جديد وأنه “سيكلم” الإنسان ليس “مرة” بل “مرتين”.

هذه الرؤية العظيمة تطابق تماما وصف “السجين” في مزامير داود، الذي سينجو من “الجب البشع” وعلى “لسانه سينطق الرب” بترنيمة جديدة، وسوف يذكر “مجيئه في الكتب” وإنه لن “يخفي” رسالته بل “سيعلنها لأعظم التجمعات” في العالم؛ إنه نفس ما ذكره أيوب “أما انا فقد علمت بأن وليي حي والآخر على الأرض يقوم”  لقد وعد أيوب بأن هذا الشخص العظيم “سوف يدمر الظالمين ويهلك الأمراء”، كما تنبأ أن “نور” الرب سوف يأتي في اليوم الأخير ويقول (ها أنا هنا).

في 24 مايو 1844م، اليوم التالي لميلاد الدين البهائي، أرسل “صامويل اف بي مورس” أول رسالة تلغراف من واشنطن الى بلتيمور نصها:  (هذا ما صنع الله). ولقد وصفت الصحف هذا الحدث بأنه (برق أيوب).

لقد استند المستكشفون لآثار مدينة ميسينا اليونانية القديمة ولطروادة ولمدينة أنكا القديمة على أدلة قليلة، مقارنة بما توفر لنا من أدلة في بحثنا عن الموعود بهاءالله. فالكنوز الموجودة في تعاليم حضرة بهاءالله لا يضاهيها شيء في قيمتها.


 أنـا لا أعـرفه

الجزء الرابع : أصوات فى الليل

كان حضرة بهاءالله دوما يبعث البهجة والسرور في قلوب مرافقيه خلال الأربعة أشهر التي أمضاها في زنزانته المظلمة ويشجعهم على الاستمرار في ثباتهم ويؤكد لهم أن لا شئ سيمنع إنتصار هذا الأمر مستقبلا.

كتب حضرة بهاءالله متذكرا تلك الفترة في الجب الأسود:

“لقد حشرنا سوية في زنزانة واحدة، وأقدامنا في المقطرة وصفدت أعناقنا في أثقل السلاسل… لم يسمح لأي بصيص نور من اختراق تلك الزنزانة الموبؤة أو ادخال الدفء لبرودتها القارسة. لقد وُضعنا في صفين وجها لوجه. وقد ألقينا عليهم بعض الآيات ليرددوها ويتغنوا بها كل ليلة بحماس شديد”.

علّم حضرة بهاءالله أتباعه المساجين التسبيح الالهي، فكان الصف الأول ينشد: (قل الله هو الكافي وهو الذي يكفي من كل شئ). ويرد عليهم الصف الثاني: (وعلى الله فليتوكل المتوكلون).

كانت أصواتهم مجلجلة في الساعات الأولى من الفجر وصدى تسبيحهم مرتفعا لدرجة أنه يصعد من أعماق الزنزانة مخترقا أصداء الميدان ليصل الى مهجع الملك في البلاط الشاهنشاهي، فتوقظه وتزعجه وتقلقه، لأنه لم يستطع تحديد ماهية هذه الضوضاء ولا مصدرها  مما دعاه لارسال أحد أفراد حاشيته لاستفسار عنها، فقيل له أنها أصوات الترانيم التي يرددها بهاءالله ومرافقيه في الجب الأسود، فبالرغم من معاناتهم ما زال هؤلاء المجانين يرتلون التسابيح الإلهية. عندئذ استدار منصرفا في صمت، وهو يشعر بالقلق بسبب اخفاقه في فهم هذه الحماسة في مواجهة الأهوال والتهديد بالموت الذي يعرف أنها تحيط بهم.

كان الشاه مضطرب في داخله من هذا الحادث، فيا ترى هل تمكن من قراءة المستقبل! أما ذلك الجانب الذي كانت تصدر منه أصوات مرافقي حضرة بهاءالله الثمالى بمحبة الله، فسيوقّع قلم الله قريباً أمراً يطيح بالسلالة الملكية لناصرالدين شاه وكل ملوك قاجار الى الأبد. وسيحيا ملوك فارس ليروا التحقق المذهل للنبؤات التي أعلنها حضرة بهاءالله ضدهم.

وبالرغم من المؤامرات التي دبرت للقضاء على حضرته، لم يتم العثور على أي دليل يشير الى تورطه في الجريمة التي أتهم بها، مما أجبر أعدائه علي تدبير مؤامرة جديدة للتخلص منه، فاستدعوا شاباً يدعى عباس ساعدهم من قبل في الإرشاد عن أتباع حضرة الباب في شوارع طهران، فقرروا استخدامه كأداة ضد حضرة بهاءالله.

كان عباس هذا قد قابل حضرة بهاءالله عدة مرات في الماضي، وقد وعدته السلطات بمكافأة مالية سخية بعدما يتمكنوا من مصادرة ممتلكاته، اذا أشار الى بهاءالله فقط، على أنه هو المتهم. فأخبروه أن كل ما يحتاجوه هو شاهد واحد فقط، وأكدت والدة الشاه وهي حزينة أنه أمر مخزي بالنسبة لي كوالدة للشاه أن لا أستطيع أن أوقع بهذا السجين العقاب الذي يستحقه.

ووعدت الملكة العجوز عباس، بمكافأة سخية إذا استطاع الغدر ببهاءالله ليقع بين يديها. فأمرت الشاب أن يذهب إلى الجب وينظر في وجه بهاءالله، وقالت له إنك سترى في ذلك الوجه من قد يكون قاتل ابني.

اقتيد عباس الى محضر بهاءالله ليس لمرة واحدة، بل لعدة مرات. وفي كل مرة يقابل فيها بهاءالله، كان يقف أمامه كالمشلول وهو يحدق في وجهه ويقول: “أنا لا أعرفه”. ثم يلتف ويغادر المكان، ولم تستطع التهديدات أو الوعود أن تفلح في اقناعه.


“فلتأمر بذبح جماعي لأهل تلك القرية”

الجزء الخامس : وزن السلاسل

فشلت كل محاولات أعداء بهاءالله في القضاء عليه، إلا أن انتشار التهم التي أُلصقت بحضرته والتي علـم بها عامـة الناس والسفارات الأجنبية كانت تستدعي القيام بعمل ما.

وعندما أدركوا أنه من الصعب إعدامه علنا، لجأوا الى حيلة ماكرة، فقرروا دسّ السم له.

بعض ممن هم في السلطة، كانوا يتمنون تملق والدة الشاه كسباَ لرضاها وربما أيضا للحصول على مبالغ مالية ضخمة، فقاموا بتدبير مؤامرة لقتل بهاءالله بسرّية قبل أن يتم اخراجه من السجن، فاستوقفوا الطعام المرسل لحضرته، وخلط بكمية من السم، ظنوا أنها كافية لقتله. ولكن حتى هذه المحاولة باءت بالفشل.

لقد تركت محاولات تسميمه هذه آثارها على صحته لعدة سنوات، وأصيب حضرته بأمراض شديدة وآلاماً مبرحة في زنزانة ذلك السجن، ولكن آمال أعداءه خابت جميعا.

زار “عبد البهاء” الصبي ذو الثمانية سنوات والده بهاءالله عندما كان مسجونا في “سياه جال”، وقد روى عن ذلك اللقاء قائلا: إن شكل حضرة بهاءالله قد تغير بصورة مخيفة وظهرت على وجهه علامات الألم والمعاناة. ويسترجع عبد البهاء ذلك المشهد الحزين: “كان شعره ولحيته ملبدتين ورقبته متقرحة متورمة من ضغط وثِقل الأطواق الحديدية وجسده محني من وزن السلاسل”. لقد ترك ذلك المنظر في ذاكرة الصبي الحساس انطباعا يستحيل نسيانه.

لم تكن تلك إلا بداية نصف قرن من الاضطهاد والآلام. وما يبدو لنا اليوم غريبا في هذه القصة، أن أعداء بهاءالله لم يوجهوا أي تهمة رسمية ضده في أي لحظة، ولم ينل حضرته في أي وقت من الأوقات الفرصة لمحاكمة رسمية. وبالتالي لم يكن كل ما عاناه نتيجة جرم ارتكبه. فالنفي المؤبد والإهانة والسجن كان نتيجة سلطة منفردة وأحكام شخصية من ملكين ديكتاتوريين.

إن قصة بهاءالله تفرض علينا الذهاب بعيدا عن مجرد التعاطف الانساني. فبقدر ما تخط تعاليم المظهر الإلهي طريقا للمستقبل، بقدر ما ترسم ملامح حياته نبوءة عن مستقبل البشرية. فما عاناه السيد المسيح سابقا، رسم معاناة شعوب منطقة البحر الأبيض المتوسط نتيجة رفض تعاليمه ورسالته الداعية للسلام والأخوّة. فهل سيمر ملايين البشر في القرن العشرين بنفس المعاناة التي مرّ بها حضرة بهاءالله من نفي وذلة وسجن؛ تلك التي حكم بها عليه حكام تلك الشعوب؟

تكمن الإجابة عند أولئك القادة الذين امتلكوا القوة الحقيقية في العالم خلال القرن التاسع عشر، ملوك وقادة أعظم دول أوروبا، فرنسا وبريطانيا وروسيا وألمانيا.

إلى هؤلاء الرجال، أظهر حضرته نفسه.


الفصل الثالث

سقوط أول مملكة

ليس الحرية والمساواة والأخاء، بل الفروسية والمشاة والمدفعية

الجزء الأول : الناقوس الأفخـم

قل يا ملك الباريس نبّئ القسيس بأن لا يدق النواقيس   تالله الحق قد ظهر الناقوس الأفخـم”

كانت هذه أولى الكلمات التي وجهها حضرة بهاءالله في رسالته الى نابليون الثالث، امبراطور فرنسا. فقد أخبر الامبراطور أن الناقوس الأفخم لم يكن إلا نفسه (بهاءالله) وأنه جاء ” ليحي الأكوان من نفحات اسمه الرحمن ليتحد العالم”

هناك سلسلة أحداث متعاقبة غير عادية جاءت بحضرته من سجن الجب الأسود في طهران إلى القلعة التركية في عكاء على ساحل البحر الأبيض المتوسط حيث كتب منها رسالته هذه. إن الأكثر عجبا في تفاصيل هذه القصة غير العادية، هي دقة الأحداث التي تنبأت بها الكتب المقدسة لأديان العالم الثلاثة.

سنعود فيما بعد لنتأمل أحداث مصير ناصرالدين شاه والمملكة الفارسية. وعلى كل حال، لم يكن الشاه أول حاكم تصله دعوة خاصة من هذا السجين، بل تلقى نابليون الثالث أيضا، أقوى ملوك ذلك العصر، رسالة مماثلة. لذلك علينا العودة الى الوراء لبضعة سنين، لاستطلاع ذلك اللقاء التاريخي بين الملك والسجين.

كتب بهاءالله لامبراطور فرنسا ليس لمرة واحدة بل لمرتين، ورُوي أن نابليون الثالث اَلقى بالرسالة الأولى جانبا بكل غضب ساخراً من فحواها.

كان نابليون أول حاكم غربي أرسل له السجين إحدى رسائله التاريخية النافذة، وكان أول حاكم جرفته تلك الرياح العارمة التي تحدثت عنها تلك الرسائل.

في عام 1844م، كان أول إعلان للباب عن مجيء الموعود “السجين”، وفي نفس العام تقريبا، أٌلهم لويس نابليون ليكتب بنفسه مقالة عن كيفية القضاء على الفقر. فبدى أن الملك يتوافق وبانسجام مع روح تعاليم سجين الأرض المقدسة. إن القضاء على الفقر المدقع والغناء الفاحش كان أحد المبادئ الرئيسية التي حث السجين ملوك الأرض على تنفيذها.

صرّح نابليون الثالث: “تقدم نحو الأفكار الرئيسية لهذا القرن، وستتبعك تلك الأفكار وتؤيدك. أما لو اتجهت عكسها، فستطيح بك”. وفي خلال 16 عام، ساق الامبراطور أمته لثلاثة حروب، دمرت فرنسا إقتصاديا.

لقد أعطي لويس نابليون الفرصة ليصبح وسيلة لدعم مصالح الجنس البشري، لكنه لم يتمكن من إبعاد رغباته الخاصة جانبا، فتضافر قدره مع ما جاء به السجين مرة تلو الأخرى.

وفي عام 1873م، وهي نفس سنة وفاة لويس نابليون، نزل من قلم السجين أعظم كتبه، حيث ناشد فيه مرة أخرى ملوك وحكام الأرض.

في هذا الكتاب وجه السجين رسالة خاصة الى “رؤساء وحكام الجمهوريات في الغرب”. وكذلك وضع أسس مجتمع منظم يعمّه السلام، كما وصف المؤسسات التي يمكنها تحقيق هذا الهدف. ولقد زعم نابليون الثالث أنه القائد المتفاني للوصول إلى هذه الأهداف الخاصة بالعدالة الاجتماعية.

وعن محفزه خلال حياته، قال لويس نابليون: “انها الأفكار الخاصة بالنواحي الاجتماعية والصناعية والتجارية المفيدة للبشرية”. وعندما حاد نابليون الثالث بعيدا عن هذه المبادئ، بدأ سقوطه.

كتب السجين من مدينة القلعة “عكاء”:

” يا ملك باريس.. لأنـا بلوناك وجدناك في معزل.. لو كنت صاحب الكلمة ما نبذت كتاب الله وراء ظهرك. إنا بلوناك به ما وجدناك على ما ادعيت”

لا يوجد مكان هنا لدراسة تفاصيل العلاقة بين أفول الامبراطورية الثانية، وظهور التعاليم العالمية للسجين. فهذه القصة لا تعدو أن تقدم لمحة من مشهد ضئيل من بين تلك الأحداث التي هزت وأيقظت العالم.

إن خسارتنا لكبيرة لأنهم فشلوا في فعل ذلك.

 


صرير القلم الأعلي

الجزء الثاني : اللفافة المخبأة

لو أن أحد ما توقع أن لويس نابليون، خليفة نابليون بونابارت الأعظم، سيتجرع المرارة في أولى فتوحاته من نقطة صغيرة إسمها قلعه عكاء، كان سيعتبر مختل عقليا. مع أن نابليون الأول بنفسه، أقر فيما بعد، أنه لم يهُـزم من قبل الإنجليز أو الأتراك، بل من “حَبة رمل” اسمها عكاء.

وبعد مرور نصف قرن، أرسل سجين ضعيف عند الأتراك، رسالة من ذات المكان “عكاء”، يتنبأ فيها بأفول السلالة النابليونية الحاكمة.ولكن لم يلتفت العالم لتلك الرسالة.

قيل أن بهاءالله فَتنَ وأسَر كل من زاره في مدينة السجن. في البداية..لم تعر السلطات التركية مثل هذه الأخبار اهتماما واعتبرتها مضحكة، خاصة عندما أصبح المعتمد الفرنسي المحترم لحكومة لويس نابليون صديقاً مخلصا للسجين المحكوم عليه. ولكن.. عندما بدأ التأثير التدريجي القوي للسجين يجتاح جميع الزوار الذين يحضرون لزيارته، ازدادت الشكوك لدى الحراس بكل زائر، وتم إخضاعهم للفحص الدقيق جميعا، ولم يسمح لأي منهم بحمل الرسائل من أو إلى السجين.

وبالرغم من كل هذه الرقابة المشددة، لم يكن بالامكان منع رسالة السجين التاريخية الثانية لنابليون الثالث من عبور أسوار مدينة السجن.

عندما استعد زائر السجين لمغادرة السجن، وأومأ للحرس برأسه موافقاً على تفتيشه بالكلية، لم يعثروا على شيء معه. وبعدما ابتعد عن المكان، ابتسم في نفسه، فلقد كان واثقا أن أيا منهم لن يفكر في التفتيش تحت قبعته، وسار في شوارع عكاء غير مكترث، وهو يحمل في ذلك المكان الخفي، رسالة بهاءالله التاريخية الثانية لنابليون الثالث، حيث سلمت للمعتمد الفرنسي في عكاء الذي قام بالترجمة المناسبة ورتب الأمور لتصل بين يدي الإمبراطور.

في تلك اللفافة المخفية تحت غطاء رأس الزائر، تنبأ السجين بمصير كل من الملك والأمة والإمبراطورية والسلالة.

“إذاً تجد نفسك في خسران مبين. إلا أن تقوم على نصرة هذا الأمر وتتبع الروح”


” ويخرج الملك من كفك جزاء عملك”

الجزء الثالث: يوم الحساب

كان قصر نابليون الثالث حديث كل أوروبا، ولم يتوقع أحد السقوط الدرامي لهذا الملك، كما تنبأ السجين.

إن الاحتفال والمهرجان اللذين أقيما في بلاط نابليون الثالث كان محل حسد جيرانه، وقد تملك معاصريه الحسد من إسرافه غير المبرر، فباخرة لويس نابليون وصلت أعالي البحار، وهو نفسه بالكاد كان يصدق حسن طالعه الذي تعدى كل أحلامه، فلقد فُتحت أمامه كل الأبواب الذهبية وكان بوسعه تأسيس مملكته التي طالما حلم بها. كانت الدنيا كلها ملك يده.

قال السجين:

” قل يا ملك باريس… انه لجميل بملك الزمان أن يفحص حال أولئك المظلومين وخليق به بأن يمد يد عنايته للضعفاء”

كان نابليون يهتم بالأقوياء دون الضعفاء، وبالاغنياء دون الفقراء، وبالتالي لم يكن ليهتم بالمساجين الأتراك وفي الحقيقه كان حليفا للأتراك ضد قيصر روسيا. إن حرب القِـرم كانت للإنتقام لعمه نابليون العظيم. ولم يكن في نيته جلب الضرر لنفسه إرضاء لخاطر حلفاءه الأتراك.

كانت أعمال نابليون تنم عما قاله بوضوح: “لا تشغلوني بالأمور التافهة، فالعالم على حافة الهاوية”.

لكن عالم نابليون هو الذي كان على حافة الهاوية، فقد خسره بالفعل. إن استمرار أفعاله المزرية، استدعت السجين أن يكتب الرسالة الثانية لإمبراطور فرنسا قائلا:

“قُمْ وَتَدارَكْ ما فاتَ عَنْكَ سَوْفَ تَفْنَى الدُّنْيا وَما عِنْدَكَ وَيَبْقى المُلْكُ للهِ رَبِّكَ وَرَبِّ آبائِكَ الأَوَّلِينَ، لا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقْتَصِرَ الأُمُورَ عَلَى ما تَهْوَى بِه هَواكَ..”

وحذره أيضا أنه اذا لم يتدارك ويصحح ما فات عنه في الحال، فسوف ينال أبشع عقاب:

بِما فَعَلْتَ تَخْتَلِفُ الأُمُورُ فِي مَمْلَكَتِكَ وَتَخْرُجُ المُلْكُ مِنْ كَفِّكَ جَزاءَ عَمَلِكَ إِذاً تَجِدُ نَفْسَكَ فِي خُسْرانٍ مُبِينٍ”

إن يوم الحساب قادم!!

 

 

” قد نرى الذله تسعى عن ورائك “

الجزء الرابع : الإنهيـار السريع

كانت هذه بداية النهاية للسلالة النابليونية، لقد قام نابليون الثالث بالتحريض على حرب القِـرم ليشبع غضبه الدفين ضد الامبراطور الروسي. كان يتوق لتمزيق معاهدة عام 1815م، لينتقم لكارثة عمه في موسكو.

كانت أحد أحلام نابليون الثالث الطموحة، هو تأسيس امبراطورية له في المكسيك، وكان يتخيل هذه الفكرة الوهمية قبل أن يصبح إمبراطورا، فتصور لنفسه “القسطنطينية الجديدة” على مضيق بنما، لتمتد مملكته في كل من الشرق والغرب.

قال نابليون أنه سوف يقيم في وسط أمريكا مركزاً لسلطته يعود عليه بالنفع. ومن العجيب أن بهاءالله وعده تقريبا بهذه المكافأة، إذا ما كرّس نفسه ليكون سببا للوحدة والعدالة بين كل البشر. فكتب السجين:

” قل يا ملك باريس. قم على خدمه الله ونصرة أمره، إنه يؤيدك بجنود الغيب والشهادة ويجعلك سلطانا على ما تطلع الشمس عليها” (أي الشرق والغرب)

لم يحاول نابليون الثالث مساعدة السجين أو حتى الاستماع لكلماته. وباءت المغامرة الأمريكية لنابليون الثالث بالفشل الذريع، ولاقت كل المحاولات التالية نفس المصير.

وفجأة.. ذهبت كل أمجاد الأيام الماضية، ففي البداية هزم نابليون كل من روسيا والنمسا في حرب القِـرم والحرب الايطالية. وقد أذهل العالم عندما تفوق على أعتى الجيوش في كل أوروبا.

ثم أخذ موقف المتفرج في الحرب ما بين النمسا وبروسيا عام 1866م، فكانت خطته التدخل مع الجانب المناسب في الوقت المناسب، أي مع الجانب الذي سيمنحه منفعة أكبر.

لكنه أخطأ التخمين، فقد قهرت بروسيا النمسا بسرعة وبشكل حاسم، فكانت تلك أولى سلسلة أخطاء نابليون التي تتابعت فلازمته حتى تهاوت مكانته.

لقد ذُكر في الانجيل “إن الله سيعاقب الملوك والأمم”، فكان لويس نابليون على الغالب هو المثل الأنسب لذلك المبدأ الأنفذ، وفي الواقع أن الأمم والملوك هم الذين يعاقبون أنفسهم بأيديهم، فكانوا يجلبون لأنفسهم المعاناة باتخاذ القرارات الخاطئة.

في “يوم الله” هذا، كلما قام حاكم بأعمال ظالمة لمجرد ضمان نفوذه وهيبته، أو من أجل ممتلكاته أو لرخاء شعبه على حساب بقية الشعوب، فمثل هذه القرارات لا تجني ولا تحصد سوى البلايا والكوارث، فكلما اتسع الفارق بين هذه القرارات وبين أساس الشرائع الإلهية القائمة على العدل، كلما عظمت الكوارث وأصبح إنهيار كل من إتخذ تلك القرارات مؤكدا، ومهما طالت العملية، فإن النهاية دائما واحدة.

حاول السجين توضيح هذا المبدأ لقادة البشرية، فمهمته كانت تنبيههم لشريعة الله، فإذا عصوها فان العقاب الناتج سيكون نتيجة قراراتهم الخاطئة. هكذا “يعاقب الله الملوك والأمم”، إنهم يعاقبون أنفسهم.

أعلن القيصر ويلهلم الأول لاحقا، إن حرب 1866م التي اتخذ خلالها نابليون الثالث موقف المحايد، أدت إلى دمار فرنسا، وأوضح أنه كان على نابليون مهاجمة جيوشنا من الخلف.

لقد فات الأوان وانتهى زمن الازدهار، فلم يعد لنابليون أي ملجأ سوى الحرب، وبالفعل كان يغامر باحتمال ثورة وشيكة الحدوث في بلاده. وفي عام 1870م  قاد نابليون أمته الى حرب ضد بروسيا.

أعلن وزير الحربية الفرنسي بفخر، أن فرنسا تتوقع نصراً كاملاً وعظيماً، لكن التاريخ يُرينا كم كان هذا الاعلان مثيرا للشفقة، فقد أصبحت القرارات الخاطئة من كل الجوانب هي العلامة المميزة لنابليون الثالث. فدبت الفوضى في كل شيء، الى درجة أن جنود المشاة او كبار الضباط كانوا يعجزون عن معرفة مواقعهم، وفي برقية وصلت من الجنرال مايكل في يوم 21 يوليو إلى بلفورد، يقول فيها: “لا أستطيع العثور على فرقتي، ولا يمكنني العثور على قسمها الأكبر، فماذا أفعل؟  لا أعلم أين هو الجيش.” فلوحظ أنها من الوثائق الفريدة في التاريخ العسكري.

لقد بدأ تحقق وعد سجين الأرض المقدسة لنابليون الثالث:

“بِما فَعَلْتَ تَخْتَلِفُ الأُمُورُ فِي مَمْلَكَتِكَ وَتَخْرُجُ المُلْكُ مِنْ كَفِّكَ جَزاءَ عَمَلِكَ إِذاً تَجِدُ نَفْسَكَ فِي خُسْرانٍ مُبِينٍ”

إنضم نابليون إلى الجيش بنفسه مع ابنه الأصغر في محاولة منه لمنع التمرد بين الجنود. لقد أنهكت قواه الضغوط المحيطة به، وكانت صحته تتدهور نتيجة صراعه مع مرض حصى الكلى، وكان بالكاد يستطيع البقاء فوق ظهر حصانه أثناء استعراض الجند. وقيل أنه كان يصبغ وجنتيه باللون الأحمر ليخفي ما بهما من شحوب أمام الجنود.

وهكذا.. أصبح نابليون الثالث وجنوده في طي النسيان.

لقد أصبح المعتمد الفرنسي في عكاء، من أتباع السجين، عندما شاهد تحقق الدمار الذي ورد في النبوءات التي قام هو بنفسه بترجمتها إلى الفرنسية وسلمها وقتئذ الى نابليون الثالث.


” وأدخلونا في السجن الأعظم بظلم مبين “

الجزء الخامس : تقلّب الأدوار

عندما نستعرض التباين بين حياة بهاءالله ومكانة نابليون الثالث في بداية حكمه، ثم نشهد كم انعكست مراكزهما في النهاية تماما، نبدأ في فهم المغزى الحقيقي للتحذير الذي أرسله السجين للملك عندما قال له:

” أعزك غرك، لعمري إنه لا يدوم وسوف يزول إلا بأن تتمسك بهذا الحبل المتين، قد نرى الذلة تسعى عن ورائك وأنت من الراقدين”

وتبدو الكلمات التي استخدمها عبد البهاء في موضع آخر، ملائمة ومطابقة بخصوص نابليون فرنسا الثالث، حيث تفضل:

” سوف تذهب سلطنتك أدراج الرياح ويحل بك الخراب”

انه لمن الصعب تخيل تناقض أعظم من ذلك الذي وُجد بين نابليون الثالث والسجين. ففي عام 1852م، نصّب لويس نابليون ليصبح نابليون الثالث، امبراطوراً لفرنسا. وفي نفس العام، اعتقل بهاءالله بعيدا في إيران ومشى عدة أميال عاري الرأس حافي القدمين تحت أشعة الشمس الحارقة؛ لقد اقتيد محاطا بصريخ الغوغاء من الأعداء، وفي نفس الساعات التي تُرك فيها بلا طعام ولا شراب، كان نابليون الثالث يتناول عشاءه الفاخر في عاصمة امبراطوريته المتألقة.

في يناير عام 1853م، تزوج نابليون الثالث من “يوجين دي مونتاجو”، الكونتيسة الاسبانية، وقد بدأت حياة الامبراطور بالاستقرار وتربعت عائلته بأمان على عرش فرنسا. وفي نفس ذلك الشهر، اقتلعت جذور السجين من وطنه وسُلبت منه مكانته وثروته ونفي إلى الأبد من وطنه الأصلي.

على ما يبدو، كلما زادت قوة وهيمنة نابليون الثالث، كلما قلّ – في الظاهر- حظ سجين الأرض المقدسة.

لقد نُفي بهاءالله، مثل النبي ابراهيم، ورُجم مثل النبي موسى، وجُلد مثل النبي عيسى، وسجن وكُبل وسُمم ونُفي من مدينة إلى مدينة، وفي النهاية وصل إلى أبشع سجن تركي، إنها قلعة عكاء الواقعة في ظل جبل الكرمل، “كرم الله”. ومن مدينة السجن تلك أرسل رسالته الثانية إلى امبراطور فرنسا.

منذ تلك اللحظة وما بعدها ورغم الضربات السريعة من يد القدر، نهض السجين وانتشرت تعاليمه في كل بقعة على هذا الكوكب، بينما كان الامبراطور يتهاوى من القمة وعظمته تُخسف بالكامل.

لن نستطيع معرفة أي أفكار جالت في خاطر لويس نابليون عندما أُسر على يد ملك أجنبي بعد انهزامه في معركة سيدان، تُرى هل استرجع تلك الكلمات التي وجهها له سجين عكاء ولو لمرة واحدة؟  إنه إحتمال بعيد أن يدرك أي شيء من تلك النهضة الروحية التي أثارت الرأي العام وهو يسقط، وما كان بأعمى البصيرة عن تلك الدراما التي هو جزء منها.


” ستنقضي أيام جلوسهم على سرير العزّة “

الجزء السادس : سقوط أول مملكة

إن الرسائل التي تلقاها نابليون الثالث من مدينة السجن “عكاء”، كانت تحتوي على العديد من النبوءات المنذرة. فلقد تنبأ السجين أنه قريبا سيغيّر نصيب وقدر كل الملوك المستبدين، وأن مكانتهم في الحياة ستنقلب بقدرة الله القدير. لم يكن هناك ملك تطابق قدره ومصيره مع تلك الكلمات، أكثر من نابليون فرنسا الثالث:

“أَنْ يَا أَيُّهَا السُّلْطَانُ اسْمَعْ قَوْلَ مَنْ يَنْطِقُ بِالحَقِّ سَتَمْضِي بَلايانا وَاضْطِرارُنا وَالشِّدَّةُ الَّتِي أَحاطَتْنا مِنْ كُلِّ الجِهاتِ وَكَذلِكَ تَمْضِي رَاحَتُهُمْ وَالرَّخَاءُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ”

وصف السجين الانقلاب العظيم الذي سيحل بهم قائلا:

“وَسَيُقْضَى سُكُونُنا عَلَى التُّرابِ بِهذِهِ الذِّلَّةِ وَجُلُوسُهُمْ عَلَى سَرِيرِ العِزَّةِ وَيَحْكُمُ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمينَ”

وكتب السجين قائلا:

“يا ملك.. بما فعلت تختلف الأمور في مملكتك وتأخذ الزلازل كل القبائل”

حاصر الألمان باريس، وتلاشت كل مقاومة واستسلمت المدينة، فانصعق الشعب الفرنسي من الإنهيار المهين لجيشهم العظيم وألقوا باللوم على الامبراطور، مما أثار حربا أهلية تبعت الحرب البروسية – الفرنسية، وأطلق على تلك الفترة “السنوات العصيبة”، حيث فاقت في ضراوتها فترة الحرب نفسها، فتركت علامة في ذاكرة الفرنسيين اثّرت على فرنسا إلى هذا اليوم، وعمت الفوضى الأمة بأكملها وعانت من المجاعة والثورة والأوبئة التي قضت على أرواح الآلاف في باريس، مدينة نابليون “مدينة النور”.

” قد نرى الذلة تسعى عن ورائك…جزاء عملك..”

أصبح الامبراطور أكثر رجل مكروه في فرنسا، وانطلقت الحشود في باريس تطالب بالانتقام منه ملقين اللوم عليه لإذلاله بلادهم، وبالكاد تمكنت الإمبراطورة “أوجينيو” من الفرار بحياتها، بينما قضي على الملكية تماما.

كان لنابليون ولد واحد، هو الأمير “أوجين لويس جين جوزيف”، الذي تلقى تعليمه في انجلترا. كان نابليون الثالث يأمل حتى بعد سقوطه، باستعادة عرش آل نابليون في المستقبل مع ابنه كامبراطور؛ وياللرحمة أنه لم يعش ليرى مقتل الأمير بعيدا في حرب الزولو في جنوب أفريقيا بين السود والبيض.

وبالفعل كانت نبوءات السجين لأحد ملوك الأرض رهيبة جدا، فمثل هذا التحذير، ورد أيضا في الكتاب المقدس منذ قرون مضت، عندما ذكر إشعيا النبي في أحد إصحاحاته، أنه سيأتي اليوم الذي سيتلقى الملوك فيه “عقابهم”، وحذر أن الرب في ذلك اليوم، “سيقلب الارض تحت اقدامهم رأسا على عقب”، و”سيفرق بين الأمم”، وسيبطل “تغطرس” المستكبرين بسبب شرهم. وحتى لا يكون هناك خطأ او التباس في فهم المقصود من كلام إشعيا، كتب السجين بنفسه للملوك قائلا:

“قل إني أنا المذكور بلسان أشعيا، طوبى لملك ما منعه المُلك عن مالكه وأقبل إلى الله بقلبه”

لقد فشل نابليون الثالث في اجتياز الامتحان الالهي، “فسقط على التراب”، وعانى مما قدّر للملوك في نبوءه أشعيا منذ أمد بعيد:

“ويكون في ذلك اليوم أن الرب يطالب جند العلاء في العلاء وملوك الأرض على الأرض”.

وسقطت أول مملكة.


الفصل الرابع

رجع إلى التراب بخسران عظيم

الجزء الأول : “رب المعارك”

في 18 يونيو عام 1871م، دخل القيصر ويلهلم الأول، إمبراطور ألمانيا إلى برلين على رأس جيشه المنتصر، فكان يوم فرح عظيم. لقد سُحقت فرنسا نابليون الثالث، وأصبح الإمبراطور بطل قومي وأسطوري في ألمانيا. وبينما كانت الخيول تجلجل محدثة رنين النصر في شوارع برلين، كان القيصر ويلهلم الأول محط أنظار كل العيون، لقد حقق تقريبا كل أحلامه وأصبح بالترتيب أميراً ثم ملكاً والآن إمبراطوراً على ألمانيا المتحدة.

لم يكن هناك أحد ليتحداه، لكن صوتاً واحداً أعلن تحذيره له. فمن مدينة السجن البعيدة، ذكّر بهاءالله القيصر بما حلّ بإمبراطور فرنسا، وحذر ويلهلم بأنه سيواجه نفس المصير الذي لحق بنابيون الثالث، إذا لم يتّبع أوامر الله التي يعرضها على ملوك الأرض، ويكّرس نفسه لخدمة الوحدة والعدل.

أرسل السجين هذه الكلمات إلى ويلهلم الأول:

“يا ملك برلين… أذكر من كان أعظم منك شأنا وأكبر منك مقاما أين هو وما عندهه؟

لقد أٌعطيت الفرصة للمنتصر لتلبية نداء الله، مثلما أعطيت للمهزوم من قبل، فقد كان الملوك “أوصياء” الله، وإليهم عهدت مسؤولية هذه الثقة.

لقد حذر السجين القيصر ويلهلم الأول من نسيان الدرس الذي أعطي للعالم بالمصير الدرامي الذي حل بنابليون الثالث قائلا:

“يا ملك تفكّر فيه وفي أمثالك الّذين سخّروا البلاد وحكموا على العباد قد انزلهم الرّحمن من القصور الى القبور”

ومع ذلك ظل الإمبراطور مقتنعاً دائماً بأن “بروسيا” هي الأوج الأنسب لكل ألمانيا، وكان يعتقد أن أمراً واحداً سيحقق ذلك، وهو الجبروت والقوة المتمثلة في الجيش العظيم. لكن التاريخ أظهر خلاف ذلك ليثبت له صحة ما قاله السجين.

لم يكن السجين يشاور ملوك الأرض فحسب، بل كان يحذّرهم، ولم يكن ويلهلم الأول قيصر ألمانيا مستثنى من تلك الإنذارات:

“يا ظََلَمة الأرض، كُفوا أيديكم عن الظلم، لأني قد أَقسمت ألا أتجاوز عن ظلم أحد”

كان ويلهلم الأول يقضي كل أوقاته في الجيش، وقبل أن يحين وقت اعتلائه العرش، كان يوصف لصرامته “بالعسكري” و “الاستبدادي”، واعترف أنه كان يرى نفسه “رب المعارك”. وقد حذر السجين الإمبراطور:

“يا مَلِكَ بِرلينَ.. انْتَبِهْ وَلا تَكُنْ مِنَ الرَّاقِدِينَ، إِنَّهُ نابليون الثالث  نَبَذَ لَوْحَ اللهِ وَرآءهُ  لِذَا أَخَذَتْهُ الذِّلَّةُ مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ إِلَى أَنْ رَجَعَ إِلَى التُّرَابِ بِخُسْرانٍ عَظِيمٍ.. يا مَلِكُ تَفَكَّرْ فِيهِ.. اعْتَبِرْ وَكُنْ مِنَ المُتَذَكِّرِينَ”

 


“أن اتحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الاختلاف بينكم “

الجزء الثاني : صوت الحرب

لم يصغ ويلهلم الأول لتحذيرات سجين عكاء، وبوفاته سلّمت المانيا إلى يديّ حفيده المتهور المتكبر الشاب ويلهلم الثاني. وكان للقيصر الجديد اتجاه معاكس لكل نصائح السجين، وبدلا من جلب الهدوء والسلام للشعب والأمة، زاد من سرعة حركة آلته العسكرية، مما ساق أمته إلى كارثة، وفي النهاية أدى ذلك الى تدمير سلام العالم.

في عام 1898م، زار ويلهلم الثاني الأرض المقدسة، ولم يكن الملك يبعد عن مدينة السجن إلا أميال قليلة، ذات المكان الذي أرسل منه السجين رسائله التاريخية إلى جده والتي أنذر فيها بسقوط السلالة الملكية الألمانية. وخلال تلك الزيارة، قام القيصر بالتحالف مع أشهر مضطهدي السجين، وهو سلطان تركيا. وعندما وصل الأرض المقدسة، قامت السلطات بهدم وتوسعة إحدى بوابات المدينة المقدسة “القدس”، لتناسب التشريف والاحترام اللائق للزيارة الملكية.

كان وصول بهاءالله إلى الأرض المقدسة مختلف تماماً، فلقد حشرت جماعة المنفيين في مركب صغير، وتأخروا لساعات على ساحل مدينة حيفا حتى عبروا الخليج إلى مدينة القلعة “عكاء”، وسار حضرته على قدميه في الشوارع مع استهزاءات أهل المدينة. وأخيرا أُلقي به في سجن القلعة.

حشر 78 سجيناً معه في نفس الحجرة، وحرموا من الطعام والماء، وأصيب أكثرهم بالملاريا والتيفوئيد، ومات بعضهم. كل ذلك بسبب فرمان سلطان تركيا، ذلك العرش الذي أسرف ويلهلم الثاني في مدحه.

وفي أثناء زيارته للقدس، وصف القيصر نفسه بأنه صديق الخليفة التركي السلطان عبد الحميد، ونشر أخبار معاهدته مع تركيا، وكان فخورا بتلك الشراكة الجديدة بين الملوك، وأعلن أن السلطان والقيصر سيتمكنا من الوقوف أمام العالم معا.

كانت مملكة كلا هذين الصديقين على وشك الانهيار بشكل متزامن، وكانت سلالتهما على وشك الاختفاء الى الأبد وفي نفس الوقت. كم كانت كلمات السجين ملائمة لويلهلم الثاني خلال الأيام التي قضاها في المدينة المقدسة “القدس”.

لم يجهد القيصر نفسه في البحث عن “السجين” أو الاستعلام عنه، والحقيقة أنه تجاهل كل ما يتعلق بالسجين وتعاليمه التي لو طرأت على باله، فلا شك كان سيبعدها باعتبارها غير ذات قيمة. ولم يكن له أي علاقة بالتعصب الديني الجامح بل بالملكية المطلقة. كان ويلهلم يتعامل مع الأمور الأهم مثل الحرب. والتي كان أقرانه الحكام يوافقونه عليها بإخلاص. لقد كان لديهم أمور أخرى أكثر أهمية من زيارة سجناء.

تحدت كلمات بهاءالله هؤلاء المدّعين، فتفضل قائلا:

” أن يا ملوك المسيحية.. ما استقبلتم إليه وما حضرتم بين يديه لتسمعوا آيات الله من لسانه وتطّلعوا بحكمة الله العزيز الحكيم.. بذلك منعت نسمات الله عن قلوبكم ونفحات الله عن فؤادكم… انتم وما عندكم ستفنى.. وتُسألون عما اكتسبتم”

أن شدة لهجة خطاب بهاءالله أزعجت الملوك بشدة، وربما تزعجنا وتقلقنا نحن أيضا. فالبشرية عموماً وبصورة أوتوماتيكية، تنزع مبدئيا إلى رفض كل داع يتكلم باسم الله. بل أن حضارتنا، وبالتحديد قيمنا الأخلاقية، تشكلت كلها بتلك الطريقة. فكان لكلمات بهاءالله نفس القوة والسلطة التي كان يتحدث بها موسى وعيسى في الماضي


“يجب حماية حقوق ومصالح كل البشر”

الجزء الثالث: السيف المسلول

عبّر ويلهلم الثاني عن حل مشاكل العالم بطريقة تعارض تماما أفكار “السجين” التي تقول:

“أن يا ملوك الأرض.. أصلحوا ذات بينكم وقللوا في العساكر ليقل مصارفكم وتكونن من المستريحين”

كان ويلهلم الثاني في الجهة الأخرى يثير الخلافات مع جيرانه، ويزيد من أسلحته الثقيلة، فألقى في كل يوم عبئا أثقل على شعبه، وقام بشحن أمة متحضرة بأحلام الحرب وإراقة الدماء.

وأعلن السجين قائلا:

“أن يا ملوك الأرض.. وإن ترفعوا الاختلاف بينكم لن تحتاجوا إلى كثرة الجيوش إلا على قدر الذي تحرسون به بلدانكم وممالككم.. اتقوا الله ولا تكونن من المسرفين”

رسّخ ويلهلم الثاني الحرب كمبدأ مقدس لوطنه، ونفر من أي إقتراحات متعلقة بنزع السلاح أو السلام، وسخر من النتائج التي أقرت في مؤتمر السلام في مدينة لاهاي عام 1898. وأعلن صراحة عن ازدرائه لكل تلك المؤتمرات بالكلمات التالية: “أني أثق في الله وفي سيفي المسلول وفي نفسي أكثر من كل قرارات المؤتمرات العالمية”.

كانت نصيحة السجين هي الأكثر تعارضا مع هذا الموقف، فقال إن سلام العالم واطمئنانه منوط بقادة البشرية، وعليهم أن يجتمعوا ويتشاوروا بروح وإرادة قوية ويعلوا مهمة السلام فوق كل شئ.. كتب السجين:

“أن تتشبث الدول العظمى بصلح محكم لراحة العالم.. عسى أن يفوز بمشيئة الله الملوك والسلاطين الذين هم مرايا اسم الله العزيز بهذا المقام ويحفظوا العالم من سطوة الظلم.”

لقد كان الصدام بين رؤية “السجين” وملوك سلالة آل هوهنتسولرن، أمراَ محتوماَ.


” نريد أن تمحى الاختلافات العرقية “

الجزء الرابع : أحد الملوك  “ومليك الملوك ”

اعتمد القيصر ويلهلم الثاني خلال أيامه الأولى في السلطة على الكياسة والدبلوماسية. وعندما تولى منصب الملك، ناشد السيد المسيح بشغف وتوسل اليه يطلب التأييد الإلهي، وتعهد على نفسه استعادة عرش آبائه والتربع على العرش كملك من ملوك الصولجان.

تجاهل ويلهلم الثاني كل النصائح، وازدرى جميع التحذيرات، كما فعل جده ذلك من قبل. كان كمن يعرف ما هو دوره، فلم يكن بحاجة إلى نصائح الآخرين ليخبروه أن ألمانيا يجب أن تكون الأسمى.

في المقابل، نصح السجين الحكام بطريقة أخرى:

” أن يا أيها الملوك.. إن الله قد أودع زمام الخلق بأيديكم لتحكموا بينهم بالحق وتأخذوا حق المظلوم عن هؤلاء الظالمين وإن لن تفعلوا بما أمرتم في كتاب الله لن يذكر أسماؤكم عنده بالعدل وإن هذا لغبن عظيم”

أن النصائح الحكيمة وكلمات التحذير، لم تحرك القيصر ويلهلم الثاني مهما كان مصدرها أو من هو القائل. فلقد قال مخاطبا شعبه: “أتقدم دون اعتبار للأحداث والآراء من حولي”.

كان لدى ويلهلم الثاني رغبة عارمة للسيطرة الفردية، لدرجة أنه لم يعد يحتمل مشاركة القرارات مع رئيس وزرائه الشهير “أتوفون بسمارك”. وفي مارس عام 1890، وبعد الأزمة المريرة، دفع بسمارك الى الاستقالة، وابتهج جدا لأنه أصبح أخيرا الحاكم المنفرد. واستشهادا لما قاله سابقا، فهو “سيد الأمور الكبيرة والصغيرة”.

في نفس العام 1890، في وادي عكاء في الأرض المقدسة، الوادي الذي وصفه النبي هوشع بأنه “باب الأمل” للبشرية. وصل المستشرق البريطاني الشهير إدوارد جرانفيل براون من كلية كامبردج لزيارة “السجين”، وخلال المقابلة تكلم “السجين” عن “الحروب المدّمرة” التي يفكر فيها القيصر وتكلم عن “المشاحنات العقيمة” التي انتشرت كالطاعون في أوروبا والعالم. فقال:

“إنا نرى ملوككم وحكامكم ينفقون خزائنهم على وسائل تدمير الجنس البشري، بدلا من إنفاقها على ما يؤدي إلى سعادته.”

لا يمكن أن يكون هناك تحدي أعظم لأفكار القيصر ويلهلم الثاني مما نجده في الكلمات التي نطق بها “السجين”، للبروفيسور براون في تلك المناسبة:

“ليس الفخـر لحبكم أنفسكم بل لحب أبناء جنسكم. وليس الفضل لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم”

وبينما كان القيصر يدبر مكيدة لاحتلال أراضى جيرانه بالقوة، كان السجين يعيد تأكيد كلماته عن الوحدة والسلام، فأخبر بروفيسور براون:

“جئت لترى مسجونا ومنفيا.. نحن لا نريد إلا إصلاح العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك، يعتبروننا مثيرين للفتنة والعصيان، ومستحقين للحبس والنفي.. فأي ضرر أن يتحد العالم على دين واحد وأن يكون الجميع إخوانا، وأن تستحكم روابط المحبة والاتحاد بين بني البشر، وأن تزول الاختلافات الدينية وتمحى الاختلافات العرقية؟.. ولا بد من حصول هذا كله، فستنقضي هذه الحروب المدمرة والمشاحنات العقيمة، وسيأتي “الصلح الأعظم”.. ألستم تحتاجون إلى ذلك في أوروبا أيضا؟”.

في أوروبا وفي نفس العام 1890م، ابتهج قيصر ألمانيا ويلهلم الثاني لسقوط مستشاره بسمارك، فلم يعد هناك أي مراقب عليه، وأعلن مبتهجا “سيبقى الهدف كما كان.. إلى الأمام”.

 

 

 (بلاء أوروبا)

الجزء الخامس: كوارث متتابعة

كانت سلسلة من الكوارث.

كان المصير الذي تنبأ به “السجين” لجميع الملوك الظالمين، يسارع ليشمل آل هوهنتسولرن الملكية الألمانية بأكملها. ففي البداية، ضرب ذلك الامبراطور الذي كتب له “السجين” أول إنذاراته الرهيبة. ولاحقا، أطاح بخليفته القيصر ويلهلم الثاني ومحيت سلطتهم للأبد.

تعرض ويلهلم الأول، لثلاث محاولات اغتيال في حياته، وبالرغم من نجاته، عاش في خوف دائم خشية تكرار المحاولة، وفقد راحة البال حتى وفاته. وعلى كل حال، كان عليه تحمل إثم تلك المصيبة التي أطاحت به وبسلالته. إنه لمن السذاجة بالطبع أن نلوم القيصر وحده على قيام الحرب العالمية الأولى، فلم يكن إلا واحداً من العديدين الذين شاركوا في الأسباب. لكنه لم يكن هناك على كل حال، شك في أنها الحرب التي كان يتطلع إليها، والتي خطط لاستعجالها بكل الطرق الممكنة. كانت ألمانيا بدفع منه، تستعرض للعالم باستمرار “عضلات جيوشها الضخمة”، إلى أن ضربتها العاصفة الأولى في النهاية.

كانت انتصارات جيوش القيصر القوية على جميع الجبهات. واتضح أن انتصاراته المبكرة شملت جميع خصومه. وبدا أن ليس هناك أدنى شك أن ألمانيا ستنال انتصاراَ سريعاَ ساحقاَ.

انتشرت أخبار تلك الانتصارات الهائلة حول العالم، ولاقت النجاحات المبهرة السهلة لجيوش القيصر وقصص انتصارات ألمانيا القوية، ترحيباَ كبيراَ في مناطق معينة في إيران موطن “السجين”، مما أدى الى السخرية من نبوءات رسالته التي ذكر فيها:

” يا شواطئ نهر الراين، قد رأيناك مغطاة بالدماء بما سُل عليك سيوف الجزاء ولك مرة أخرى””

فلقد أنذر السجين امبراطور ألمانيا من المصير الذي سيلحق بأمته وعاصمته إذا اتبع ذات السلوك الطائش الذي اتبعه نابليون الثالث وأدى إلى “سقوطه”.

ومن نصائح تلك الرسالة وإنذاراتها:

” يا ملك تفكّر.. أعتبر وكن من المتذكرين.. نسمع حنين البرلين، ولو أنها اليوم على عزّ مبين”

من الممكن أن تقابل نبؤات السجين عن ألمانيا، من قبل القيصر والعالم بقليل من الاهتمام؛ إلا أن أعدائه في إيران لم ينسوها، فلقد كانت تلك ساعة ابتهاجهم، حينما انتشرت أخبار انتصارات ألمانيا فيما بينهم كانتشار النار في الهشيم، وكانت كافية لتهكمهم باستمرار: “ثبت أن نبوءة  بهاءالله العظيمة عن ألمانيا.. أكاذيب”.

أين حنين البرلين؟

هل تغطت شواطئ نهر الراين بالدماء؟

هل صُدّت ألمانيا حتى ولو لثانية؟

بقي أتباع “السجين” صامتين! فماذا عساهم أن يقولوا وجيوش ألمانيا في تقدم ساحق؟ فكلمات السجين المنذرة لألمانيا، ما زالت غير متحققة. ونهر الراين لم يشهد أية مذابح. بل على العكس، كانت برلين في “عز مبين”.

كانت أحوال ألمانيا على عكس ما تنبأ به “السجين” بالضبط، فلقد اكتسح القيصر الجميع من أمامه، وفي العديد من الجبهات كان جيشه الجبار يعتبر الجيش الذي لا يقهر.

أصبحت القيادة العليا للفرق العسكرية المدربة الضخمة لألمانيا بلاءً على أوروبا؛ فتحت شعار (الله معنا)، ابعدوا كل معارضة، فأسعدوا حلفاءهم وأرعبوا أعدائهم، وكانوا يطلقون النكات عن نبؤات “السجين”.

لقد ظهر بالفعل أن الله مع القيصر!


“اُقـتلعت أسنان النمـر وطرد إلى الأبد”

الجزء السادس: الخروج المشين

أثبتت الأحداث المأساوية التي خلفت الانتصارات المبكرة، أن كلمات السجين لم تكن نبوءه لا قيمة لها. فسيرى قريبا كل “من له عين ترى”، التحقق الرائع لكل بيان من بياناته. فالعواقب التي جاءت متأخرة، كانت جميعها أشد قسوة. فكتب السجين لكل أولئك الذين شككوا في قدرة الله على تحقيق إرادته:

“هل تظن بأنك تعجزه في شيء أو تمنعه عن حكمه وسلطانه أو يقدر أن يقوم مع أمره كل من في السموات والأرضين لا فونفسه الحق لا يُعجزه شيء عما خلق”

وسريعاً تحققت تلك الكلمات. فالحرب التي بدأت بشكل مثير لصالح ألمانيا، تدهورت فجأة على جميع الجبهات. وتوالت الانكسارات الكارثية المفاجئة بسرعة، حتى شملت كل جيوش القيصر. وفي النهاية، خسرت ألمانيا الحرب فجأة. وحطمت الشروط القاسية لمعاهدة الاستسلام حياة الشعب الألماني، وتلاشت آمال مستقبلهم، وسُمع “حنين البرلين” من جميع الجهات.

وفي إيران.. ندم أعداء “السجين” بمرارة عند انتباههم لتحقق كلمات نبؤاته عن مصير ألمانيا الثقيل. بل أن الوعد الإلهي كان أكثر بعدا وشمولاً من “حنين البرلين”، عندما أشار الى ضفاف نهر الراين:

” يا شواطئ نهر الراين قد رأيناك مغطاة بالدماء بما سُل عليك سيوف الجزاء، ولك مرة أخرى”

فبسبب سياسة الجيش العدوانية، عانت ألمانيا ليس لمرة واحدة، بل لمرتين، وسحقت في كلا الحربين العالميتين. ولمرتين كانت شواطئ نهر الراين “مغطاة بالدماء”. ولكرتين سُمع “حنين البرلين” حول العالم. وقاست الأمة الألمانية “مرة أخرى”، عندما انسلت ضدها “سيوف الجزاء” وقصفت بالقنابل عندما هاجمت أمم العالم الإمبراطورية النازية لأدولف هتلر ودمرتها وساوت بالأرض كثير من أجزائها. ولسخرية القدر، أسر أمير آل هوهنتسولرن الألماني “وليم”، من قبل الفرنسيين، وكان يخدم في فرقة الموتيسكلات العسكرية النازية. وظهر بين الأسرى أيضا “أوجست ويلهلم” أصغر أبناء ويلهلم الثاني في صفوف النازيين، وسقط معهم!.

في 11 نوفمبر 1918م، أعلنت عناوين الصحف في برلين خبر (تنازل القيصر عن العرش).

لم يتم إبلاغ الإمبراطور المشدوه المكتئب بالهدنة. فقبل الهدنة بيوم واحد، في يوم الأحد 10 نوفمبر، فرّ ويلهلم الثاني بطريقة مهينة إلى هولندا في قطار كان ينزلق خلسة في ضباب الصباح الباكر مبتعدا عن محطة “سبا”. ثم تم توصيله بسيارة الى الحدود الألمانية.

وعلى الحدود.. خضع لموقف مخزي آخر بعد استسلام جيوشه، فلقد كان عليه تسليم سيفه لضابط الجمارك الهولندي قبل عبوره الحدود.

لقد قلعت أسنان النمر، وطرد من بلاده الى الأبد.

تماما كما نفي السجين!

وذكر المؤرخ تايلور: (على مدى التاريخ.. لم يكن هناك رحيل أكثر مأساوية ومهانة من هذا، وزاد ذلك، الطريقة المهينة التي خرج بها).


“سأدمر الملك والأمراء”

الجزء السابع: سقوط المملكة الثانية

انتهت السلالة الملكية الألمانية، وتلاشى معها العديد من ملوكها وأمرائها. فقبل 15 نوفمبر 1918، تنازل أمراء جميع الولايات الألمانية، ومعهم سلسلة من العروش الأخرى الموالية لهم، واستبعد الملك كلياً، وولي العهد وجميع الأمراء الملكيين الأقل رتبة، وجردوا من مناصبهم الشرفية تماما، وسقطت عائلة نبلاء هوهنتسولرن الألمانية إلى التراب. وفي 28 نوفمبر 1918، أعلن النعي الرسمي لوفاتها، عندما وقع ويلهلم الثاني على المرسوم الرسمي لتنازله عن العرش الذي أنهى حكمه كملك بروسي وإمبراطور ألماني.

أنهت تلك الوثيقة حكم مائتي وخمسين عاما من ظلم سلالة آل هوهنتسولرن الألمانية القوية. وأبعد الدستور الملكية الألمانية الى الأبد. وحملت معها الى طي النسيان كل الأمراء الملكيين، وشتت الى الأبد كل الملوك التابعين للولايات الألمانية ومن بصحبتهم من الأمراء المرافقين لهم.

أما رجال الدين حول العالم، فشاهدوا في تلك الأحداث العنيفة، تحقق نبؤات الكتاب المقدس. لكن الحقيقة.. كانت أبعد ما يكون عن أي فهم أدركوه. فنبوءة أرميا النبي تحدثت عن آخر الأيام: (وأضع كرسيي في عيلام “إيران”، وأبيد من هناك الملك والرؤساء)،  أشارت بطريقة خفية الى “السجين” القادم من عيلام (إيران)، الذي قدّم بالفعل الأوامر التي برفضها أدت الى دمار ملوك وأمراء اثنين من أعظم الأمم. إن قصة بهاءالله بتمامها، متأصلة بعمق في الكتب المقدسة لكل الديانات العظيمة. إن المصير المحتوم للممالك الأخرى التي وجه لها بهاءالله مناشداته، سوف تتحقق بشكل وعود وتحذيرات أكثر روعة.

في ألمانيا.. سقطت المملكة الثانية..!


الفصل الخامس

سقوط المملكة الثالثة

” لقد نصرني أحد سفرائك “

الجزء الأول : القيصر المحرر

لا يحتوي فصل آخر في قصة “السجين والملوك” على أحداث تقليدية تراجيدية، كالفصل الذي يهتم بروسيا وملكها البائس نيقولا الكسندر الثاني.

أنه لمن الصعوبة بمكان، الشعور بالشفقة على إمبراطور فرنسا المتكبر التافه. ومن المستحيل الشعور بها كذلك تجاه سلالة القياصرة الألمان الذين لعبت عجرفتهم دورا كبيرا في جرّ الجنس البشري إلى أهوال الحرب العالمية الأولى.

أما على الجانب الآخر، فليس من الصعب الشعور بالشفقة تجاه رجل قاده جُبنه وضعفه إلى أخطاء مميتة؛ نعم.. قد ينتابنا جميعا نفس شعور التردد والضعف في مناسبات مماثلة، لكن أولئك الذين يعتلون مناصب ذات أهمية عظيمة وقوية ويستفيدون من منافعها، عليهم تقبل التزاماتها أيضا، وإلا.. فالبديل الوحيد أمامهم هو التنازل عن المنصب والانسحاب إلى دور أقل مكانة في إدارة شؤون الناس.

يعتبر نيقولا الكسندر الثاني شخصا بارزا من عدة نواحي، وقيصرا استثنائيا فريدا بدون شك. ومع بعض الاستثناءات، نجد أن أجداده كانوا أقوياء قساة مستبدين يحكمون أملاكهم الواسعة بقبضة من حديد، وأكثرهم شهرة هو القيصر بطرس العظيم الذي قَتل ابنه، والآخر هو “إيفان الرهيب” سيئ السمعة الذي كان يعلّق أعداءه بدقهم أحياء على أسوار الكرملين.

عائلة مثل هذه، لها هذا التاريخ سيء السمعة، سبب لالسكندر كراهية بين الشعب، رغم أن طبيعته كانت جيدة في الأساس، فلقد كان رحيما يكره المعاناة. وأبعد من ذلك، كان على خلاف باقي أفراد عائلة رومانوف، حيث تلقى تعليمه على يد مدّرس فرنسي خاص. ونتيجة لذلك، فقد تبنى عدة أفكار تقدمية متحررة جداً. فكان تنصيبه يعتبر في نظر الكثيرين كفجر يوم جديد.

كانت أعظم مشكلة اجتماعية عند الروس، هي عبودية أولئك الذين يكدحون ببؤس وشقاء في ممتلكات اللوردات العِظام، وثاني أعظم مشكلة ملّحة كانت الإفتقار لحكومة ديموقراطية قبل كل شئ.

كان الكسندر معروفا بتأييده للإصلاحات الشاملة في كلا المجالين. ففي بداية سلطته، أدهش العالم نسبيا وأقلق الأرستقراطيين بإلغاء العبودية في كل مكان في روسيا. حدث ذلك حتى قبل 4 سنوات من قيام الولايات المتحدة بإلغاء المؤسسة الأكثر سوءاً للعبيد الزنوج! وأتبع هذا القرار التقدمي، بقرارات أخرى أعدت للشروع في توزيع تدريجي عادل للأراضي بين الفلاحين ليمتلكوا مزارع خاصة بهم حتى يمكنهم التصويت في الحكومة. لقد بدى أن علامات “الألفية” تأخذ طريقها الى روسيا. ولقد نودي بالكسندر على أنه “القيصر المحرر”.

هذا الامبراطور المميز، هو الذي خاطبه بهاءالله بأكثر نداءاته عطفاً وتأثيراً في المشاعر. فلقد أبدت الحكومة الروسية قبل عدة سنوات جهداَ جيداً، عندما تدخل سفيرها مباشرة، وخاطب المحكمة صراحة شاجباً الاتهامات الموجهة ضد بهاءالله، وليصفها بـ “الكذبة السخيفة”. كان أهم شخصية أجنبية بارزة في طهران تدخلت لمصلحة السجين المضطهد من قبل ناصرالدين شاه.

وفيما بعد عند إطلاق سراح بهاءالله ونفيه، رافق ضابط روسي مجموعة المنفيين إلى أبعد نقطة على التراب الإيراني حتى الحدود التركية. ومن دون شك كان لهذا التدخل تأثيرا مريحا ومساعدة لمجموعة المنفيين الصغيرة.

تنبأ بهاءالله بمنزلة عظيمة للقيصر إذا تبنى ذات النهج الذي يدعو له وحاول مساعدة الجنس البشري، موجهاً اليه هذه الكلمات المباشرة:

” قد نصرني أحد سفرائك إذ كنت في السجن [في إيران] تحت السلاسل والأغلال، بذلك كتب الله لك مقاما لم يحط به علم أحد”

وليساعده الله في الحصول على مثل هذا المقام الرفيع، كان على القيصر بذل الجهد في توجيه قلوب البشر الى الله، وإطلاع العالم برسالة الوحدة والعدالة التي أتى بها بهاءالله. فأكد له قائلا:

“إن ربك لهو المقتدر على ما يشاء يعطي من يشاء ما يشاء”

فهل ينصت القيصر المنقذ؟


” لتعرف صبري واصطباري”

الجزء الثاني : استمعوا للنداء

حث بهاءالله الكسندر الثاني أن يتولى القيادة في إبراز الأخلاق ومعايير القيم الفاضلة للناس، فتفضل قائلا:

“أن يا ملك الروس. قم بين الناس بهذا الأمر المبرم ثم ادع الأمم إلى الله”

وأخبره أنه لا يوجد مأمن لأحد في هذا اليوم إلا بحفظ الله قائلا:

“إن ربك يحفظ من يشاء ولو يكون في قطب البحر أو في فم الثعبان أو تحت سيوف الظالمين”

وفي نفس تلك الرسالة قال بهاءالله، انه سمع أمنيات القيصر التي رددها في سرّ قلبه أثناء صلاته، ووعده بتحقيق أمانيه إذا بقي مخلصاً حقيقياً لأمانة مُلكه. وأوضح:

“إنا سمعنا ما ناديت به مولاك في نجواك لذا هاج عَرف عنايتي وماج بحر رحمتي وأجبناك بالحق”

وبالمثل.. قبل حوالي ألفي عام، تلقى الامبراطور تيبيريوس وعدا من المسيح، على أنه إذا آمن برسالته وأعلنها، فسيصبح موضع حسد الماضي والحاضر والمستقبل. وهو وعد مماثل أيضا للعرض الذي قدمه بهاءالله لنابليون ورفضه، فسقط من مكانته العالية.

في هذه اللحظات.. كان القيصر نيقولا الكسندر الثاني على أعتاب عظمة فريدة في تاريخ الملوك المدوّن، وكان من الممكن مشاهدة تأثير تأييدات رسول إلهي على تصرفاته. فلم يكن بحاجة لأكثر من مدّ يده لمساعدة “الموعود”، الذي بقدومه تمجدت صفحات الكتاب المقدس الخاص بالقيصر نفسه.

آملاً أن يدرك الملك هذا ولا يفقد فرصته الذهبية، كرر بهاءالله نداءه قائلا:

“أن استمع ندائي مرة أخرى من شطر سجني. لتعرف صبري واصطباري”

تنبأ بهاءالله بمركز رائع للقيصر، ولم يكن على الملك إلا أن يخطو خطوة واحدة لتصبح حقيقة. كتب بهاءالله:

“أن يا ملك الروس وعمري لو تعرف ما نزل من قلمي وتطلع بخزائن أمري. لتفدي نفسك في سبيلي حبا لأسمي وشوقا الى ملكوتي العزيز المنيع. طوبى لملك ما منعه المُلك عن مالكه وأقبل إلى الله بقلبه”

من دون شك، كان الكسندر بحاجة لمثل هذا التشجيع، فقد غمرته اصلاحاته في المشاكل، فمن جهة عارض سياسته النبلاء ورجال الدين بعنف لأنها ستكلفهم ممتلكاتهم وأراضيهم، مما دفعهم لمحاولة إيذائه بأي طريقة ممكنة. ومن جهه أخرى ظهر جيل جديد من الثوريين الواثقين من فشل القيصر، من الذين لا يؤمنون إلا بالإرهاب. فهم يرون أنه لا سبيل أمامه لتطوير جموع الفلاحين الأميين المؤمنين بالخرافات من الداعمين لعرشه. فرغم حب الفلاحين للقيصر، لكنهم جهلاء غير منظمين. فانتظروا اللحظة التي يستطيعوا فيها اطلاق ثورة وطنية.

أصبح الكسندر يائساً، فالمجموعة القوية التي كان يعتمد عليها من بعض المفكرين في الحكومة ومن المتعلمين في المدارس، وجدوا في الأحوال السائدة فرصة لدعم سمعتهم الشخصية، مما تسبب في تنازعهم على النفوذ والمراكز.

أدرك القيصر أن برنامجه بني على رمال متحركة. فمن أين له العثور على قوى روحانية وأخلاقية يمكنها تعبئة جموع الشعب الروسي المتدين وفق أسس إجتماعية جديدة، بينما دين الكنيسة الارثودوكسية لم يكن سوى مجموعة طقوس مكسوّة بالخرافات، فلا علاقة بين برنامج الاصلاح الاجتماعي والنظام الديني القائم، بينما القوة الوحيدة التي يمكنها تحريك الملايين الروسية هو الدين.

لا توجد في التاريخ، قصة تراجيدية وساخرة في نفس الوقت، أكثر من هذه. ففي هذا الوقت بالذات كانت الحاجة ملحة إلى سلطة روحانية لتغيير الحياة الاجتماعية، ولقد منحها الله في وقتها. ففي الديانات السابقة، كان الله يكلم البشر من خلال أفراد يرسلهم. أما الآن، فالله يكلم الأمم والطبقات الاقتصادية والمجموعات العرقية والمؤسسات، ويتحدث عن المشاكل التي تهز العالم بالتحديد، من خلال بهاءالله.

وباعتباره أكثر شخص موثوق بين عموم العائلات الروسية والكنيسة، فمن الصعب تخيل الأثر الهائل الذي كان سيحدثه القيصر “الأب الصغير للأمة”، لو أعلن عن عودة المسيح وافتتاحه مملكة الوحدة والعدل الإلهي. لا شيء كان سيقف في طريقة. لكنه تردد وتذبذب، ثم قرر تجاهل رسالة سجين عكاء والرضوخ لضغوط النبلاء. لقد دُفع بقوة داخل التيار، والآن يترنح بخوف عائدا الى شاطئه المعهود.

فدوت كلمات بهاءالله في أذنه:

“لو تتطلّع بخزائن أمري لتفدي نفسك في سبيلي حباً لأسمي وشوقاً الى ملكوتي العزيز المنيع”


” رجفة عظيمة سرت في أسس البلاد وهزت كيانها هزاً “

الجزء الثالث: سقوط المملكة الثالثة

وكما سقطت عائلة نابليون والسلالة الألمانية، سقطت عائلة رومانوف، وبدأ قدرهم يهبط بانحدار سريع حتى الحرب العالمية الأولى، حينما نهضت البلشفية خلال ذلك الفوران المتّقد لتهز عرش القياصرة وتقضي عليه. استسلمت آخر سنوات حكم الكسندر الثاني للإرهاب والعنف غير المسبوق، فتراجع الكسندر عن سياساته الليبرالية وتولى برنامجا قمعيا، فأستلمه من بعده ورثته المستبدين الإثنان وتوسعوا فيه. لقد عاش القيصر في خوف على حياته، فالحياة نفسها أصبحت محنة يومية، ولم يغادر القصر إلا تحت حراسة مشددة، وكان يفضل الا يغادره بتاتاً. وكان يأمر بتفتيش محل إقامته بحرص كل ليلة قبل ان يهجع للنوم، وذلك لخوفه من وجود قتلة مختفين.

واخيرا جاء اليوم المشؤوم.. ففي 13 مارس عام 1881، وبينما هو يمتطي عربته على امتداد أحد الشوارع الرئيسة لسانت بطرسبرغ بالقرب من القصر الشتوي، انفجرت في طريقه سلسلة من القنابل، فانقلبت عربته وحطمها الانفجار. لكن الكسندر لم يمت، وعندما قام ليعرف قاتله، ألقى قاتل آخر بقنبلة أخرى أمام أقدامه مباشرة، فمات في غرفته في القصر الملكي بعد ساعات قليلة.

أما القيصر التالي من عائلة رومانوف، فكان الكسندر الثالث الذي كان نسخة أكثر استبدادية؛ وكان وريثه نيكولاس الثاني من بعده آخر القياصرة، بنفس الصرامة، ويا للحسرة.. فلم يستطع عمل شيء.

ان السخط الذي كان ينمو بين عامة الجماهير أصبح الآن ثورة منظمة، فكلا المثقفين والفلاحين نهضوا ضد القيصر، وأخيرا انفجر سخطهم في خِضم الحرب العالمية الأولى.

اجتاحت نيران الثورة كل البلاد، كانت فريدة في التاريخ الحديث، حيث تحدّت مبادىء كل العصور القديمة وأَغلقت المؤسسات القديمة المتمتعة بالسيادة منذ القِدم ونشرت الفوضى والدمار والموت في كل جانب. ولقد وصف حضرة شوقي أفندي، موت سلالة رومانوف بهذه الكلمات:

“سرت في أسس تلك البلاد رجفة عظيمة هزت كيانها هزاً”

انطفأ نور الدين، وجرفت بعيداً جميع المؤسسات الكنسية لكل الطوائف ولم يعد لها وجود يُذكر، وقيّد دين الدولة ثم اضطهد ثم ألغي نهائياً، وغابت الامبراطورية العظيمة في طيّ النسيان.

يتفضل حضرة شوقي أفندي: “تجزأت الامبراطورية المترامية الأطراف ونفت طبقة العمال العسكرية الظافرة المفكرين ونهبت طبقة النبلاء وقتلتهم واختزلت الحرب الأهلية والأوبئة السكان الذين كانوا من قبل واقعين بين براثن الكرب واليأس وأخيراَ انجرف عاهل هذه البلاد القوية هو وزوجته وأسرته وآله في تيار هذا الانقلاب العظيم وهلكوا”

وهذا ما جلب نهاية نسل ملوك حكموا روسيا لمدة 300 عام، وهؤلاء أيضاً أداروا آذانهم الصماء لكلمات رسول الله:

“أن اسمعوا ما ينصحكم به القلم الأعلى لعلّ تستريح به أنفسكم ثم الفقراء والمساكين. نسأل الله بأن يؤيد الملوك على الصلح .. إياكم أن تدعوا ما نصحكم به من لدن عليم أمين”

انهارت عائلة رومانوف ووصلت نهايتها، السلالة التي كان نيقولا الكسندر الثاني فخورا بها جداً، فالقياصرة لم “يقوموا بكف أيدي الظالمين” ولم “يحموا حقوق المظلومين”، وبوقوع تلك الكارثة، فإن كل نبوءة من نبوءات بهاءالله التي عبّر فيها عن مصير الملوك الظالمين قد تحققت.

عندما نعود بالنظر للوراء لتلك الحقبة التاريخية المحزنة والى عجز الدين الذي كان يحركها، تبدو كلمات بهاءالله لالكسندر الثاني ومن خلاله الى حكومة روسيا صائبة وفي محلها:

“إياك أن يحجبك هواك عن التوجه الى وجه ربك .. إياك أن تبدل هذا المقام العظيم .. إياك أن يمنعك الملك عن المالك”

وكم هو واضح تطابق كلمات العهد القديم المذكورة في سفر حجي المتعلقة بهذا اليوم مع مأساة عائلة رومانوف والتعساء الذين تبعوها:

“وأزلزل كل الأمم. ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً، قال رب الجنود.. وأقلب كرسي الممالك.. وأقلب المركبات والراكبين فيها”

.. وسقطت المملكة الثالثة..


الفصل السادس

المملكة الرابعة تسقط

” وجدناك متمسكاً بالفرع غافلاً عن الأصل”

الجزء الأول : نهاية الإمبراطورية الرومانية المقدسة

“من المستحيل تصوّر أي شخص، تفسخ الإمبراطورية النمساوية واختفائها تماماً من على وجه الأرض؛ فلابد من وجودها طالما أوروبا نفسها موجودة”.

هذا بالتأكيد سيكون رأي أي مدقق في أحوال أوروبا خلال تلك الأيام التي أرسل فيها حضرة بهاءالله رسالته إلى فرانسوا جوزيف، الملك الإمبراطور المستبد للمملكة النمساوية والمجرية. “إنها ستتلاشى مثل الضباب قبل شروق الشمس”.

من ذا الذي يستطيع تصديق مثل هذا عن الأمبراطورية الرومانية المقدسة؟ لقد عانت كثيرا من التقلبات ومن مشاكلها الخاصة، بعضها كان خطير جدا، لكنها جمعت كامل البنية الاقتصادية لوسط أوربا.

كان نهر الدانوب يمثل الطريق السريع لأوروبا ومركزها التجاري، وكانت تحميه الإمبراطورية النمساوية. وبغض الطرف عما وصلت اليه أحوالها المزرية وظروفها المتدهورة، إلا أنه لم يكن باستطاعة رعيتها فعل شئ رغم معاناتها.مع ذلك، اختفت الامبراطورية مثل ضباب في صباح يوم جديد.

سافر الامبراطور فرانسوا جوزيف للأراضى المقدسة ليقدم تبجيله للمسيح، ومرّ على مقربة من سجن عكاء الذى كان بهاءالله أسيرا فيه.في الماضي كانت مدينة السجن القديمة “عكاء”، تسمّى “عكّو”، وهي الموقع الذي أشير اليه في نبوءة هوشع، وقال أنها ستكون “باب الأمل” للأمم. وتنبأ إشعيا أن هذه المدينة ستكون “مرتع قطيع الرب”، “لشعبي الذي بحث عني”. إن فرانسوا جوزيف لم يبحث عن بهاءالله ولم يهتم به، بالرغم من سمعة وحياة بهاءالله التي وصفها كتّاب ودبلوماسيّ أوروبا، كحياة مصلح وقديس.

ومن مدينة السجن، كتب بهاءالله هذة الكلمات التاريخية لفرانسوا جوزيف:

“يا ملك النمسة كان مطلع نور الأحدية في سجن عكاء إذ قصدت المسجد الأقصى مررت وما سئلت عنه بعد إذ رفع به كل بيت وفتح كل باب منيف قد جعلناه (القدس) مقبل العالم لذكرى وأنت نبذت المذكور إذ ظهر بملكوت الله ربك ورب العالمين”

سيقول أي شخص لم يتحقق من دين بهاءالله في أول رد فعل له: “من ذا الذي يستطيع لوم الأمبراطور؟ لو كنت ملكا وخاطبني شخص ما بمثل هذه الكلمات، فسأتجاهله، لأن مثل هذا الإدعاء، مناف للعقل.” لكن من جهة أخرى، تعد هذه الأجابة غير مقبولة اذا كان الشخص يؤمن بأحد أديان العالم.

المسيحيون واليهود والمسلمون يعتقدون أن الله يحدثنا عن طريق رسله؛ وأن دعواتهم متشابهة؛ وأنهم جميعا تعرضوا للاضطهاد؛ وأنهم جميعا وعدوا أن الله سيرسل ذاتاً مقدسة “في تمام الوقت” سيكون “أميراً للسلام”. إضافة الى ذلك، إن الكنيسة المسيحية ذاتها قامت على نفس أساس المقولة غير المعقولة لمن وصف بالجنون في وقته، والذي كان ضعيف جداً لدرجة أنه لم يقو حتى على إنقاذ نفسه. لقد وصفت كلمات المسيح آنذاك “بالكذب”.

كان هذا هو اعتقاد فرانسوا جوزيف. لقد كان يستمع “للقداس” كل يوم، ويستمع لذات القصة المألوفة عن أضطهاد هيرودس وبيلاطس البنطى للمسيح، اللذان كانا كذلك، يتضرعان لله في كل يوم ليوفي بوعده، قائلين: “لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض.”

إن المشكلة مع الوعود التي أعطانا الله إياها، كما اكتشف الفريسيون ذلك قبل ألفي عام، أنها حتمية. والله.. سيفي بها.

كتب بهاءالله الى فرانسوا جوزيف قائلا:

“كنا معك في كل الأحوال ووجدناك متمسكا بالفرع غافلا عن الأصل”

 

“إنا ما جئنا إلا لاتحاد من على الأرض كلها”

الجزء الثانى : إنقسام إلى أجزاء

كانت زيارة الأمبراطور فرانسوا جوزيف للأراضي المقدسة غاية في الفخامة والفخفخة، ولم يتكفل بمصاريف مثل هذا المهرجان المهيب، إلا العمال وبسطاء الناس في مملكته.

ومثل بقية الملوك الأخرين، أهمل فرانسوا جوزيف كلمات بهاءالله.

“ثم اعلموا بأنّ الفقراء أمانات الله بينكم إيّاكم أن لا تخانوا في أماناته ولا تظلموهم ولا تكوننّ من الخائنين.”

حزن بهاءالله بالتأكيد من سلوك الامبراطور الذي اقترب من مراد قلبه جداً، لكن حزنه كان أكبر على البشرية. وواسى المضطهدين من البشر بقوله أنه بالرغم من معارضة جميع الحكام للمظهر الإلهي، إلا أنه آجلاً أم عاجلاً سيتحد جميع الرجال بعزيمة مشتركة لتحقيق هدف واحد، ألا وهو: “السلام والحرية”. إن قادة الشعوب باستطاعتهم تعجيله أو تأخيره، لكنهم سيعجزون عن إيقافه.

وكتب من مدينة السجن عكاء:

“قد جئنا لاتحاد من على الأرض واتفاقهم يشهد بذلك ما ظهر من بحر بياني بين عبادي ولكن القوم أكثرهم في بعد مبين”

بهاءالله، “مجد الرب”، جاء الى الأرض المقدسة من “الشرق” من خلال “البوابة”، كما تنبأت به فقرات الكتاب المقدس الذي يبجله امبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة.

مرّ فرانسوا جوزيف، أقوى أباطرة زمانه، تماما بالقرب من “سجين عكاء”، ومع ذلك كان غافلاً عن كلماته لقادة الأمم:

“ينبغي لجنابك أن تدعو العباد في جميع الأحوال لما هو سبب ظهور الأخلاق الروحانية والأعمال الطيّبة حتى يدرك الجميع ما هو سبب ارتفاع الوجود”

كسجين.. ليس باستطاعة بهاءالله زيارة أوروبا، لكن امبراطور النمسا جاء للأرض المقدسة ومرّ من تحت ظل حضرته. لم يكن لقائهما مقدراً، لكن كلمات بهاءالله لفرانسوا جوزيف ستبقى مطوية بين صفحات النسيان حتى يلتفت التاريخ ليشهد تحققها.

أعلن بهاءالله أن “اليوم الموعود” يقترب:

“سوف يرون المخلصون شمس العدل مشرقة من أفق العلاء كذلك يخبرك مولى الورى في سجنه المتين”

وكتب قائلا:

“من يقدر أن يطفئ ما أناره الله بيده البيضاء ومن يستطيع أن يخمد ما أشعلته يد قدرة ربّك القوي الغالب القدير”

بالتأكيد ليس باستطاعة أي ملك منع نهوض أمره وانتشاره، أو منع النور الذي أشرق في قلوب أتباعه. لقد كتب بهاءالله بنفسه:

“قل إنّ جبل سكون أصفيائي لا يتزعزع من أرياح العالم ولا من عواصف الأمم”

وقال:

“كذلك يأمركم رسول الله لهذا اليوم من السجن المتين أنه لا يمكن للملوك أو للبشر أن يمنعوا إشراق شمس تعاليمه بل أن الله وجههم لخير الإنسانية”.

وكتب بهاءالله:

“يا معشر البشر تمسّكوا بالحبل المتين إنّه ينفعكم في الأرض من لدى الله ربّ العالمين.. وفي بعض الأحيان عندما كانت البلايا والرزايا تحيط بنا من كلّ جهة دعونا أهل الأرض إلى الأفق الأعلى بكمال الاقتدار.. إن هذه الأراضي المقدسة وُصِفت وذُكِرت في جميع الكتب الإلهية.. إنّ كلّ ما ظهر اليوم قد ذُكر في كتب القبل”

لقد أخبر إرميا عن “الشخص العظيم” الذى سيأتي من إيران في “ذلك اليوم”، ليدمر “الملوك والأمراء”، وتنبأ بمصير تلك الأمم التي ستعارضه، قائلا: “أنت لي فأس وأدوات حرب، فأسحق بك الأمم، وأهلك بك الممالك”

لقد بدأ سقوط المملكة الرابعة.. فلا أمة، ولا إمبراطورية “تفتتت الى أجزاء” بمثل هذه الحالة الدراماتيكية الدائمة التي حصلت لآل هابسبورغ.

.


“انتم وما عندكم ستفنى”

الجزء الثالث : سقوط المملكة الرابعة

أعلن الانهيار والتحلل الداخلي عن الزلزال الذي يهدد مملكة فرانسوا جوزيف.

فقد نصح بهاءالله ملوك الأرض بمراعاة حقوق رعاياهم قائلا:

“وإنّك لو تجري أنهار العدل بين رعيّتك لينصرك الله بجنود الغيب والشهادة ويؤيدك على أمرك”

عورضت تصرفات الامبراطور النمساوي المجري فرانسوا جوزيف مباشرة. فلم تفض “أنهار العدل” عبر البلاد، ولم يساعده أو يسانده أحد في الأزمة العميقة التي غمرت امبراطوريته المشتتة في أواخر القرن التاسع عشر. ولقد وصف حضرة بهاءالله المصير الذى ينتظر هؤلاء الملوك في كتاباته قائلا:

“وَكُنْتُمْ في وَادِي الشَّهَوَاتِ لَمِنَ المُحبَرينَ، فَوَاللهِ أَنتُمْ وَما عِنْدَكُمْ سَتَفْنَى”

لقد قيل عن عهد فرانسوا جوزيف، أن “المآسي المتكررة قد أظلمت نظامه”. فبإصرار مرعب توالت الأحداث المفجعة واحدة تلو الأخرى. فقد هزم أخوه مكسيمليان وسجن، ثم قتل بالرصاص أثناء ثورة الفلاحين في المكسيك؛ أما إبنه الأمير رودلف ولي العهد، فقد ألحق العار بالعائلة الملكية، وأخيرا مات بطريقة مخزية؛ زوجته الامبراطورة اليزابيث اغتيلت في جنيف؛ أما الارشيدوق “الأمير” فرانسيس فرديناند وزوجته، فقد كانت حادثة اغتيالهما المأساوية في سرايفو هي شرارة اندلاع الحرب العالمية العظمى. وبعد فترة قصيرة واجه فرانسوا جوزيف الموت بنفسه، وبموته “انتهى نظام لم يتفوق عليه نظام آخر في جرّ البلاد لمثل هذه الكوارث”. بلاد مركبة من ولايات مختلطة بالأعراق واللغات؛ لقد بدأت الامبراطورية الرومانية المقدسة القاسية، بالتفتت.

تركت كل تلك الأحداث، الامبراطورية الرومانية المقدسة العظيمة، دولة منكمشة تقضي حياة بائسة”

ثم سيطر هتلر على الجمهورية النمساوية الصغيرة، وأعيدت في عام 1945 خلال الاجتماع الهام الذي أقامه ممثلو الجيوش الأربعة.

لقد أحدثت كلمات بهاءالله صدى من زنزانة السجن في الأرض المقدسة عبر البحر المتوسط. وتحققت وعوده و”أطيح بالسلالة النمساوية” وأزيح الملك والأمراء على حد سواء.

كمثيلاتها من الممالك السابقة، عاقبت السلالة النمساوية نفسها بقراراتها الخاطئة، وكان أول الأخطاء هو نبذهم رسول إلهي، وهذا خطأ روحاني، ثم تلا ذلك أخطاء أخلاقية تتعلق بالسلام والعدل؛ وأخيرا حسابات سياسية خاطئة جدا، فكانت النهاية.

إن الغفلة عن الله والانسانية، تدفع بأهل السلطة لتركيز اهتمامهم في البحث عن رفعة مصالحهم ومصالح أحزابهم وأممهم؛ وهذا مخالف لروح العدل والمحبة؛ وبهذا يستقطبون سقوطهم آجلا أو عاجلا بشكل حتمي.

إن الرسول الإلهي هو المشرّع لقوانين زمانه، ومن يكسر الشرع ينال جزاءه. وكذلك الحال في المجتمعات المدنية، ينال الذين يتجاهلون أو يكسرون القوانين الموضوعة تبعات إهمالهم. فهذه القوانين الخارجية، هي مرآة لعالم الأخلاق والأدب، وكذلك لروحانيات شرع الله التي هي الأساس والقاعدة للحياة على الأرض. لذلك يكون العقاب أكثر شدة وبشكل عام طالما أن المذنبين هم القادة والشعوب معاً.

عندما تشرق الشمس، فعلى جميع الكائنات موائمة نفسها لليوم الجديد. فعلى سبيل المثال، تتفتح براعم الأزهار مع دفء نور الشمس التدريجي. فاذا تجاهلت ذلك وبقيت منطوية منغلقة على نفسها حتى وقت الظهيرة، عندها ستدمرها قوة أشعة شمس منتصف النهار المفاجئة.

وبالمثل.. فان الممالك والأمم التي رفضت لأكثر من قرن تفتح قلوبهم “لشمس حقيقة هذا اليوم”، فلقد وعدهم بهاءالله في جميع “كتبهم المقدسة”، أنهم سيجدون أنفسهم الآن في خطر عظيم بسبب رفضهم التواؤم مع نور وحرارة “اليوم الجديد”.

جاء “وقت الربيع” الإلهي بميلاد الدين البهائي عام 1844م قبل قرن ونصف ومضى؛ وكان لابد لجليد الاختلافات وثلوج الاعتراض المتراكمة أن تذوب منذ أمد بعيد. والآن أصبح هذا الإغفال المتجمد عاجزاً عن مقاومة حرارة شمس صيف تعاليم بهاءالله، وواهناً أمام الأشعة اللاهبة التي أذابت وأفاضت وإكتسحت كل شيء أمامها.

وكم تبدو كلمات النبي صفنيا مدهشة ومتوافقة عندما نتأمل مصير الامبراطور فرانسوا جوزيف وعائلته، فلقد تنبأ بخصوص مجيء “يوم الرب العظيم” عندما سيكون على “جبله المقدس”.

لقد زار فرانسوا جوزيف ذلك “الجبل”، كما قرأنا، ومرّ تحت ظلال سجن عكاء. ومع ذلك، لم يكلف نفسه حتى بالسؤال عنه، كما ذكر ذلك حضرة بهاءالله بنفسه في كلماته.

والآن، لم يعد لملك ولا لأمراء آل هابسبروغ الملكيين أي وجود. لقد تنبأ النبي صفنيا عن هذه الحقبة من الزمن، قائلا: “ويكون في يوم ذبيحة الرب إني أعاقب الرؤساء وبني الملوك”

.. وسقطت المملكة الرابعة.

.


الفصل السابع

نهوض مملكة

“إذا كان هذا من الله فانه سيبقى”

الجزء الأول : نهوض مملكة

“يا أَيَّتُها المَلِكَةُ فِي اللُّونْدْرَةِ أَنِ اسْتَمِعِي نِدَاءَ رَبِّكِ.. إِنَّهُ قَدْ أَتَى فِي العَالَمِ بِمَجْدِهِ الأَعْظَمِ وَكَمُلَ مَا ذُكِرَ فِي الإِنْجِيلِ”

بهذه الكلمات، استهلّ حضرة بهاءالله خطابه الى الملكة فكتوريا، ملكة بريطانيا العظمى، حيث ربط فيه مرة أخرى بين “دعوته” ودعوة المسيح، وذكر أن مدينة عكاء تشرفت “بموطئ أقدام” الموعود، وأتيحت الفرصة للبشرية في هذا اليوم “لاستنشاق عبير” الوحي الإلهي حتى يثملوا من صهباء وجوده.

مدح حضرة بهاءالله الملكة فكتوريا على قرارين اتخذتهما الحكومة البريطانية، وكانا صعبا المنال، فكتب:

“قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكِِ مَنَعْتِِ بَيْعَ الغِلْمَانِ وَالإِماءِ هذا ما حَكَم بِهِ اللهُ فِي هذَا الظُّهُورِ البَدِيعِ، قَدْ كَتَبَ اللهُ لَكِ جَزَاءَ ذلِكَ إِنَّهُ مُوفِي أُجُورَالمُحْسِنِينَ”

وفي جزء آخر من هذا اللوح، قال حضرته:

“وَسَمِعْنا أَنَّكِ أَوْدَعْتِ زِمامَ المُشاوَرَةِ بِأَيادِي الجُمْهُورِ نِعْمَ ما عَمِلْتِ لأَنَّ بِها تَسْتَحْكِمُ أُصُولُ أَبْنِيَةِ الأُمُورِ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُ مَنْ فِي ظِلِّكِ مِنْ كُلِّ وَضِيعٍ وَشَرِيفٍ”

كان حضرة بهاءالله حزينا على أحوال العالم، ويشتاق لانتشار السلام بين البشر حتى تتقدم مَلَكات الابداع في جميع القلوب، ونسب معظم معاناة البشر الى نفاق وجشع القادة السياسيين، فكتب:

“وَاليَوْمَ نَرَاهُ (العالم) تَحْتَ أَيْدِي الَّذِينَ أَخَذَهُمْ سُكْرُ خَمْرِ الغُرُورِ عَلَى شَأْنٍ لا يَعْرِفُونَ خَيْرَ أَنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ هذا الأَمْرَ الأَوْعَرَ الخَطِيرَ، إِنْ سَعَى أَحَدٌ مِنْ هؤُلاءِ فِي صِحَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ إِلاَّ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ اسْماً كَانَ أَوْ رَسْماً لِذَا لا يَقْدِرُ عَلَى بُرْئِهِ إِلاَّ عَلَى قَدَرٍ مَقْدُور”

ووصف في رقيمته للملكة فكتوريا علاجا يشفي سقم العالم:

“يا أَيَّتُها المَلِكَةُ فِي اللُّونْدْرَةِ.. وَالَّذِي جَعَلَهُ اللهُ الدِّرْياقَ الأَعْظَمَ وَالسَّبَبَ الأَتَمَّ لِصِحَّتِهِ هُوَ اتِّحادُ مَنْ عَلَى الأَرْضِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ، هذَا لا يُمْكِنُ أَبَدَاً إِلاَّ بِطَبِيبٍ حاذِقٍ كامِلٍ مُؤَيَّدٍ لَعَمْرِي هذا لَهُوَ الحَقُّ وَما بَعْدَهُ إِلاَّ الضَّلالُ المُبِينُ”

بأي روح استقبلت الملكة لوح حضرة بهاءالله؟

نقلا عن أحد التقارير المكتوبة، ذكر أن الملكة فكتوريا قالت عند قراءتها اللوح (الرسالة) المنزّل إليها: “إذا كان هذا الأمر من عند الله، فسوف يبقى..”تماما كما فعل الحاخام الكبير جمالائيل الذي رفض أدانة المسيح أو الايمان به؛ لقد فضلت الملكة أن يأخذ التاريخ مجراه..

من بين جميع الحكام الذين كتب لهم حضرة بهاءالله، كانت الملكة فكتوريا هي الوحيدة التي استجابت وان كان ذلك بشكل محدود، وهي الوحيدة من بين الملوك التي نجت مملكتها ولم تمر بأي من الكوارث المدمرة القاسية خلال فترة حكمها.

توفيت الملكة فيكتوريا في 22 يناير1901 خلال حرب جنوب أفريقيا، لقد حكمت شعبها أكثر من ثلاثة وستين عاما، فكانت أطول فترة حكم عرفها التاريخ البريطاني. وبالتأكيد فإن فكتوريا قد بوركت بنظام تباين بشدة مع بقية أقرانها من الحكام.

وعلى كل حال، سيكون هناك لاحقاً، رابطا مباشرا أكبر بين الملكة و”السجين”. مكافأة أكثر عظمة ستأتي لأحد أفراد سلالتها. ففيما بعد، أصبحت “ماري” ملكة رومانيا، حفيدة الملكة فكتوريا، من أتباع “سجين عكاء” المخلصات. وتركت هذه الملكة المؤمنة أدلة عديدة كتبتها بقلهما عن ديانة بهاءالله. لقد أعلنت أيمانها للملأ علناً.

كتبت الملكة ماري: إن استرعى انتباهكم اسم بهاءالله.. فلا تبعدوا آثاره عنكم.. ودعوا كلماتها ودروسها المجيدة الحاملة للسلام الخالقة للمحبة تهوي في سويداء قلوبكم، كما هوت إلى أعماق قلبي.. فتشوا عنها وكونوا أسعد حالاً”.

وكتبت بعد ذلك: “إنها رسالة السيد المسيح مرة أخرى، أخذت نفس الكلمات من جديد تقريبا، إلا أنها تعدلت بما يلائم فوارق الألفي سنة تقريبا الفاصلة بين السنة الأولى لظهوره ويومنا الراهن”.

فرح البهائيون الكنديون بالرسالة التي وجهت من الملكة ماري الى الجريدة الكندية “نجمة تورنتو” عندما أعلنت على صفحاتها أيمانها لأول مرة.

هناك صلة ثانية أيضا تربط بين الملكة ماري، أول ملكة تعتنق دين بهاءالله، وأول الملوك الذين وجه لهم حضرة بهاءالله رسائله الخاصة. فالملكة “ماري”، ملكة رومانيا، هي حفيدة كلا من الملكة فكتوريا وألكسندر الثاني ملك روسيا. فكتوريا كانت الملكة الوحيدة التي أبدت استجابة بسيطة لرسالة حضرة بهاءالله. ومع أن ألكسندر الثاني لم يبال، إلا أن أحد سفرائه كان قد بذل مجهودا غير مجدي لإنقاذ حضرة بهاءالله من أيدي مضطهديه.

إن حفيدة كلا هذين الملكين، كانت الأولى من سلالة الملوك التي عرفت وآمنت بدعوة حضرة بهاءالله، الدعوة التي أعلن مؤسسها أنه سيخضع لها في النهاية ولاء معظم الجنس البشري.

أي بركات ستحل بأمة أصغى حاكمها بصدق للكلمات التي أرسلها إليهم بهاءالله؟  وأي نِعم ستحل بالجنس البشري بأكمله؟

وعد حضرة بهاءالله بنفسه قائلا:

“طُوبَى لِمَلِكٍ قَامَ عَلَى نُصْرَةِ أَمْرِي فِي مَمْلَكَتِي وَانْقَطَعَ عَنْ سِواي”

لقد أخبر حضرة بهاءالله، أحد الملوك، بأنه لولا إعراض رجال الدين وتآمر الحكام، لقدم لهم ما “ينعش ويهز قلوب” و”يقر عيون” و”يهدي أرواح” البشر طراً.

لام حضرة بهاءالله بقسوة هؤلاء الملوك الذين رفضوا القيام بأي مجهود لتحري حقيقة أمره، وتكرر فشلهم بإنكارهم لمسئوليتهم أمام الله تجاه رخاء شعوبهم وسلام العالم.

وعلى كل حال، يجب أن لا نخطئ في التفكير بأن نعتبر هذه الإدانة تمثل نقدا لمقام الملكية ذاتها، أو تعتبر هجوما على الحكومات الموجودة. وتنبأ حضرة بهاءالله باليوم الذي ينهض فيه الملوك العادلين وبقية الحكام ليغتنموا الفرصة التي فاتت الملوك السابقين بشكل مأساوي.

وكتب حضرة بهاءالله قائلا:

“عما قريب سوف يظهر الله ملوك يجلسون على سرير العدل ويحكمون بين الناس كما يحكمون أنفسهم هؤلاء أفضل خلقي في الوجود”

ولقد وصف حضرة بهاءالله البركات التي سوف يجلبها هؤلاء الملوك للكوكب بأكمله:

“يَا مَعْشَرَ الأُمَرَآءِ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ جُنْدٌ أَقْوَى مِنَ الْعَدْلِ وَالْعَقْلِ. أَلْحَقُّ أَقُولُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الأَرْضِ جُنْدٌ أَقْوَى مِنَ الْعدْلِ وَالْعَقْلِ وَلَنْ يَكُونَ. طُوبَى لِمَلِكٍ يَمْشِي وَتَمْشِي أَمَامَ وَجْهِهِ رَايَةُ الْعَقْلِ وَعَنْ وَرَائِهِ كَتِيبَةُ الْعَدْلِ إِنَّهُ غُرَّةُ جَبِينِ السَّلاَمِ بَيْنَ الأَنَامِ وَشَامَةُ وَجَنَةِ الأَمَانِ فِي الإِمْكَانِ. فِي الْحَقِيقَةِ إِذَا انْقَشَعَ سَحَابُ الظُّلْمِ عَنْ شَمْسِ الْعَدْلِ لِتُرَى الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ”

بالنسبة لقضية الملكة فكتوريا، فنحن مدركون لهالة الاحترام التي أحاطتها وعرشها، لكننا نخشى اهمال حقيقة تاريخية لها دور واسع في قصتنا.

عندما اعتلت الملكة فكتوريا العرش سنة 1838، كانت المملكة البريطانية في أدنى درجات الانحطاط. كان جدها جورج الثالث مجنونا؛ ولحقت بعمها جورج الرابع فضيحة قومية ألهمت العامة لكتابة أغنية أطفال سوقية؛ أما عمها الثاني، سلفها المباشر، ويلهلم الرابع، فلقد كان موضع استهزاء العموم أثناء حياته، وفي يوم جنازته وصفتها جريدة “التايمز” بجنازة شخص من العامة. أما فكتوريا نفسها، فكانت امرأة صغيرة السن عديمة الخبرة، وآخر فرع صغير في شجرة العائلة المالكة، وليس لها إلا عدد قليل من المناصرين، وكان سكان لندن يعتقدون أنها ستكون آخر ملكة لانكلترا، وأن بريطانيا ستتبع فرنسا أو الولايات المتحدة أو بقية الأمم المتقدمة لتتحول الى جمهورية.

لكن ما حصل، أن الملكة فكتوريا حكمت لمدة ستين عاما، وتركت مملكتها في أمان أكثر من أي وقت لها على مرّ التاريخ.

أشار حضرة بهاءالله بوضوح، إن الإستجابة للنداء الإلهي حتى ولو كانت بأبسط صورها، فإنها تجلب الكثير من البركات. كما هو الحال عند اختراق أقل شعاع لعدسة الكاميرا، فإنه يطبع صورة كاملة على الفيلم الحساس. إن العقل ليذهل من القوة الكامنة التي يمكن أن تتحرر عند استجابة جموع البشرية للدعوة الإلهية.

وبعكس الملكة فكتوريا وحكومتها، فإن بقية الملوك الأوروبيين قد أبعدوا تماما عن المشيئة الإلهية، وبذلك قاسوا بشدة من التأثير التام لخواء ثقتهم بأنفسهم وتباين ممارساتهم.

اتسم ملوك القرن التاسع عشر بمخالفة تعاليم حضرة بهاءالله، إلا أن أعنفهم كان ملوكا إيران وتركيا. إنهما لم يفشلا فقط في الاستجابة ولو بشكل بسيط لكلمات بهاءالله، بل انضما مرارا وبكل نشاط للقوى التي عذبت وسجنت ونفت رسول إلهي. وفي واحدة من هاتين الامبراطوريتين، ذُبح بأبشع الطرق أكثر من عشرين ألفا من أوائل أتباع الدين البهائي.

وصف حضرة بهاءالله، أول هذين الملكين، بـ “أمير الظالمين”، ووصف الثاني بالجالس على “عرش الظلم”.

وقال أن الله سيجعلهما “درسا نموذجيا للعالم”.


الفصل الثامن

المنفى

“مذبحة جماعية”

الجزء الأول: بقايا الدار

إن التركيز نحو العلاقة بين الرسول الإلهي وبين قادة الأمم الغربية القوية، أدى بنا الى تخطي أحداث الشرق الأدنى. وقبل المضي نحو قصة المملكة الخامسة، لنعد ونلقي نظرة سريعة على الأحداث التي أخرجت بهاءالله من موطنه الأصلي ومهدت السبيل لأعلان دعوته للملوك.

كان بهاءالله ما يزال حبيساً في سجن “الجب الأسود” بطهران، حينما وقعت حادثة معينة أدت الى إطلاق سراحه. فلقد جنّد من حاول اغتيال ناصرالدين شاه، شابا معتوها لمساعدته. وخلال فترة الاضطهادات، اعتقل هذين الشخصين، فاعترف الأول بذنبه على أنه المخطط الوحيد منذ البداية وأن رفيقه البائس هو المساعد الأوحد له.

وفور الحصول على الاعتراف، ذهب على الفور مندوبا عن رئيس الوزراء ليدونه حرفياً، كذلك انتهزت السفارة الروسية هذه الفرصة لترسل مترجمها على الفور، وذلك لاهتمامها بـ “السجين”. وبهذا حاز الاعتراف على توثيق رسمي.

أصاب الغضب أعداء بهاءالله، فقد أغاظتهم فكرة احتمال نجاته من الجب بعدما بات قريب جدا من الهلاك. وقبل أن يُطلق سراحه، حاصر أولئك المتآمرون الشاه بالخطط الجديدة التي ابتدعوها، وأكدوا له قدرتهم على توريط بهاءالله في مشاكل خطيرة. فقد كانوا واثقين من أن تلك الدسائس ستضمن هلاكه. ولجأوا للضغط على الشاه بواسطة والدته.وكالمعتاد تصرف وكأنها رغبته هو، فخضع لمخطط الذين يهابهم ووافق على مكائدهم.

استدعى الشاه رئيس الوزراء وطلب منه أرسال كتائب من الجنود لمهاجمة منطقة سكن بهاءالله في مدينة نور. ثم قيل للجنود أنهم سيُرسلون لقمع مجموعة من مثيري الشغب. كانا يتوقعان أن يؤدي هذا الهجوم المفاجيء الى فوضى عامة، فيرتبك أهل القرى ويندفعون للمقاومة المسلحة. كانت الخطة هي افتعال ثورة بين القرويين وإلقاء تبعيتها على بهاءالله واتهامه بالتحريض على ثورة سياسية.

كان المنزل الصيفي لبهاءالله في قرية تاه كور في مقاطعة نور. ورغم أن رئيس الوزراء أدرك تماما بمجرد سماعه بهذه التعليمات، أنها خطة موجهة ضد بهاءالله بالذات، إلا أنه لم يفعل شيئا لمنعها.

وضِعت كتيبة من الجنود تحت قيادة ضابط يُدعى ميرزا أبو طالب، وبمجرد وصول قواته الى قرية تاه كور، أمرهم بالاستعداد لهجوم شامل. وعندما أدرك أهل القرية العزل المندهشين اقتراب الجنود، قاموا بأرسال مندوبين عنهم لمناشدة الضابط وسؤاله عن أسباب مثل هذا الهجوم، إلا أن ميرزا أبو طالب رفض مقابلتهم، وبدلا من ذلك، أرسل رسالة قاسية يخبرهم فيها: “أنه مكلف من قبل الملك بعمل مذبحة جماعية لرجال هذه القرية والقبض على نساءها ومصادرة ممتلكاتها”.

كان أول عمل قام به الجنود، هو مهاجمة المنزل الصيفي البديع لبهاءالله الذي ورثه عن والده وزير التاج الملكي، وكان مشهورا بأثاثه الفاخر الثمين. فأمر أبو طالب رجاله باقتحام كل ركن فيه وتفتيش كل زاوية ومصادرة جميع محتويات المنزل. وأصدر تعليماته بحرق أو تدمير كل ما لا يمكن حمله. فشوّهت جدران الحجرات المزينة بالنقوش الجميلة بطريقة لا يمكن أصلاحها، وهدمت الأعمدة ودمرت الزخارف وترك المنزل خراباً. وبعد الانتهاء من هذا الهجوم، توجهت الكتيبة لتدمير باقي منازل القرية، ثم أشعلت فيها النيران.

هذا الاستفزاز المتعمد، لدفع المواطنين للقيام ضد حكوماتهم ومقاومتها بالسلاح، كان سابقة عسكرية لمشاريع مماثلة سيستعملها طغاة القرن العشرين على نطاق أوسع مستقبلا ضد من يبتغون تدميره من شعوبهم. وكان من المؤمل أن يحاول بهاءالله ومؤيدوه تحريض أهل المقاطعة ضد الحكومة، وعندها تقمع المقاومة، ثم يدان بهاءالله بالخيانة العظمى.


“غرضنا محو الحروب وإراقة الدماء من على وجه الأرض”

الجزءالثاني:  خارجا من الجب

فشلت المؤامرة الجديدة، ولم يُظهر بهاءالله وعائلته أي ميل للتحريض ضد التاج الملكي. وبعد أن أصبحت براءته علنيةً، ضاعت عليهم فرصة تشويه سمعته وقتله. وتكدر أعدائه عندما أدركوا أنه ليس من الممكن أو من الحكمة إحتجازه كسجين أكثر من ذلك.

أرسل الحاج علي، وهو أحد وزراء التاج الملكي، وصديق سابق لبهاءالله، لمرافقته الى خارج “الجب”. كانت الأوامر تقضي باخراجه أمام أعين السلطات ساعة معرفته بخبر إطلاق سراحه؛ عندما شاهد الوزير قذارة ونتانة الزنزانة وأرضيتها المليئة بالحشرات، ارتعب كثيرا وراح يشتم رئيس الوزراء ويصيح: “اللعنة على أقا جان”. وعندما تقدم في تلك الظلمة ليرى بهاءالله الذي كان يحبه ويحترمه، وشاهد هيئته بشعر رأسه الأشعث المتلبد وملابسه المتسخة الممزقة وأكتافه المتقرحة من ثقل السلاسل التي أحنت رقبته، قال متأسفاً بصوت مسموع والدموع تنهمر من عينيه: “يشهد عليّ الله أنني لم أدرك أبداً أنك ستخضع لمثل هذه المعاملة”.

لم يتحمل الحاج علي النظر الى الأسمال الممزقة القذرة التي كانت على جسد بهاءالله، فخلع عبائته الفاخرة ووضعها على كتفه متوسلاً اليه ارتدائها، فليس من اللائق ظهوره بتلك الحالة المزرية وسط البلاط الملكي، باعتباره أحد أفراد أقدم العائلات الفارسية النبيلة. فرفض بهاءالله ذلك، وقال إنه يفضل الظهور أمامهم بنفس الملابس التي أدخل بها الى السجن، ملابس سجين ما زال هناك أبرياء آخرون يرتدونها.

كان بهاءالله يعلم أن المعاناة التي تكبدها وأصحابه في سياه جال، لم تكن إلا مقدمة لرزايا عظيمة ستأتي لاحقاً، وسيدرك الشاه ورجال الدين ذات يوم، أن حضرته لم يكن مجرد أحد مشاهير البابيين فقط، بل هو الموعود الذي تنبأ له حضرة “الباب”، أن البلايا ستحيط به كالطوفان من كل جانب.

وفيما بعد، أعاد بهاءالله الى الأذهان ذكرى شهور سياه شال العصيبة في رسالته التي أرسلها الى ناصرالدين شاه من سجنه في عكاء، قال:

“يَا سُلْطانُ إِنِّي كُنْتُ كَأَحَدٍ مِنَ العِبادِ وَرَاقِدَاً عَلَى المِهَادِ مَرَّتْ عَلَيَّ نَسَائِمُ السُّبْحانِ وَعَلَّمَنِي عِلْمَ مَا كَانَ لَيْسَ هذا مِنْ عِنْدِي بَلْ مِنْ لَدُنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ، وَأَمَرَنِي بِالنِّدَاءِ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمآءِ وَبِذلِكَ وَرَدَ عَلَيَّ مَا تَذَرَّفَتْ بِهِ عُيونُ العَارِفِينَ”

أُقتيد بهاءالله من السجن الى مقر الحكومة السلطانية، وأُدخل في محضر رئيس الوزراء ميرزا أقا جان، ولابد أنه أصيب بالذعر من هيئة بهاءالله؛ لما تعرض له من معاملة قاسية شديدة، لدرجة أن لا أحد من معارفه استطاع التعرف عليه.

فشل رئيس الوزراء في الوفاء بوعده للباب، فلم يحمِ البابيين أو يدافع عنهم كما سبق ووعده بذلك؛ وبدلا منه، ورغم أنه الوزير الأعلى في البلاد، فقد تولى قيادة وتنظيم المذابح التي وصفها المؤرخون الأوربيون “لا نظير لها”. وكتب عنها الملحق العسكري النمساوي: “ينصعق قلمي ذعراً عند محاولة وصف ما وقع على هؤلاء الرجال والنساء البواسل”.

تأكدت أكاذيب ميرزا أقا جان حيال عهوده لكل من الباب وبهاءالله، لكنه بقي غير مستعد لمواجهة ضميره؛ وعوضاً عن ذلك، راح يخاطب بهاءالله بخشونة ليداري عاره، فقال: “لو أخذت بنصيحتي، وقطعت صلتك بدين الباب، لما عانيت كل هذا الألم والمهانة”.

حدّق حضرة بهاءالله في عينيه ورد عليه بكل بساطة:

“في المقابل.. لو أتبعت نصائحي، لما وصلت أمور الحكومة لمثل هذه الحالة الحرجة”

من ذا الذي يستطيع معرفة الأفكار التي برقت لحظتها في خاطر ميرزا أقا جان؟ هل تذكّر حادثة مرضه القديمة وسماعه قرار الأطباء في فقدان أي أمل بشفاءه؟ هل تذكّر زيارات صديقه بهاءالله واعتنائه به؟ هل تذكّر تصريحاته لمعارفه أن بهاءالله من أعاد له عافيته؟ هل تذكّر ما تنبأه عنه وأخبر به إبنه؟ “يا بني.. أولئك الذين يمدحونا الآن بشفاههم، سنلقى منهم الأدانة والاهانة اذا فشلنا للحظة واحدة في تحقيق مصالحهم. لكن ليس هكذا الحال مع بهاءالله. فعلى عكس بقية من يحيط بنا من مشاهير الرجال، فهو يجذبك بحب صادق واخلاص لا يمكن للزمن ولا للأعداء تدميره”. هل تذكّر ساعات خياره الرهيب، عندما كان بهاءالله ضيفا في منزله، عند تسليمه للجب الأسود كي يحمي مركزه كرئيس لوزراء البلاد؟ هل ما زال يسمع أصوات التراتيل المبهجة لاولئك الشهداء الذين ذبحوا علانية بأبشع الطرق التي لا يمكن تخيلها في ميدان طهران؟

لن نتمكن من معرفة حقيقة ذلك أبداً. فكل ما نعرفه بالفعل هو أن رئيس الوزراء قد تضايق بشدة جراء خروج بهاءالله من سجنه؛ كان يرتعد من منظر ما فعله بمن لم يتلق منه الا الإحسان والمعروف في مناسبات عديدة. لم يستطع البقاء على عدائه في تلك المواجهة. وفي محاولة هزيلة بائسة مكررة منه للتكفير عن أفعاله السابقة، قال لبهاءالله: “إن التحذير الذي سبق وقدمته، أصبح حقيقة. فبماذا تنصحني الآن لأفعله ؟” أجابه بهاءالله: “عليك أن تأمر حكّام المقاطعات بوقف اضطهاد الأبرياء والكف عن نهب ممتلكاتهم وانتهاك حرمة نسائهم. على الحكومة أن تتخلى عن فكرة أن لها الحق في اضطهاد أتباع الباب بسبب معتقداتهم الدينية”.

في هذه المرة، لم يتردد ميرزا أقا جان. فأصدر في نفس اليوم أوامره لحكام المقاطعات، بأن يوقفوا كل أفعالهم ضد أتباع الباب.

لم يكن ناصرالدين شاه راضياً عن أطلاق سراح بهاءالله من السجن، ولم يستطع تحمل وجود ضحيته في إيران، لذلك أصدر مرسوماً فورياً لنفيه الى خارج إيران. وفي خلال عشرة أيام، في 12 يناير 1853، بدأ بهاءالله رحلة النفي التي قادته الى خارج وطنه إلى الأبد، ليصل أخيرا إلى سفح جبل الكرمل “كرم الرب” في فلسطين. وبعدما جرّد من جميع ممتلكاته، أُعطي مؤناً قليلة وملابس لا تلائم رحلة برد الشتاء القاسية عبر جبال إيران الغربية المغطاة بالثلوج الى العراق.

شعر الملك ورجال الدين بحالة من الرضى، فعلى الأقل أنهم تخلصوا من عدوٍ مكروه. فأجنحة المنون تحوم حول دين بهاءالله. وبدا للعيان هزيمة كلاً من الباب وبهاءالله. وظهر بهاءالله (مخلص البشر وموحد العالم) في خسران كبير.

كان ناصرالدين شاه واثقاً أنه أباد الدين الجديد وأتباعه. لكن الحقيقةً، أثبتت له عكس ذلك. فبإرساله بهاءالله الى المنفى، أكد أن أشعة أنوار التاريخ الساطعة ستتمركز على كل حادثة ارتبطت برحلة نفي بهاءالله، وسيدرس المؤرخون مستقبلاً، كل كلمة وكل فعل خص تلك الرحلة التاريخية.

بنفي بهاءالله، “مجد الرب”، الى العراق، أرض بابل القديمة، دفع الشاه بـ “سجينه” قسرياً الى البقعة التاريخية التي بقربها شاهد حزقيال في رؤياه “مجد الرب”، بجانب النهر القديم “خابور”. وبفعلته هذه، أكد ناصرالدين شاه، أن بهاءالله سينفى الى ذات البقعة التي تنبأ بها حزقيال بخصوص “الموعود” الذي سيأتي إلى الأرض المقدسة من “الشرق” عن طريق “البوابة”.

… كان بهاءالله في الطريق اليها…


الفصل التاسع

سقوط المملكة الخامسة

(إن رب الجنود قد قضي فمن يبطل، ويده ممدودة فمن يردها)

سفر اشعيا – الأصحاح 14 – الآية 27

الجزء الأول: قاتل!  قاتل!

الآن.. حانت الساعة التي يلقى فيها شاه إيران جزاء ما اقترفت يداه. وكما وعده بهاءالله، سيكون قريبا “عبرة للعالمين”.

حدث ذلك أثناء الإحتفال العظيم باليوبيل الذهبي الذي نظمه الشاه تمجيدا لولايته. كان يتطلع لتلك المناسبة كأعظم حدث في حياته، وخطط بعناية لتدشين عهد جديد أمل من وراءه تخليد إسمه في التاريخ. كان متأثرا جدا بالحضارة الأوربية. وبخلاف أسلافه، قام بزيارة فرنسا وبعض البلدان الغربية طامحا أن يصفه التاريخ بالمجدد لإيران الحديثة.

لكن التاريخ.. كانت له خطط أخرى..!

ذهب ناصرالدين شاه الى ضريح الشاه “عبد العظيم”، لأداء الصلاة عشية تلك المناسبة التاريخية، وهو يقول في نفسه: “غداً.. سيقوم بحملة يستميل بها عواطف رعيته”. وبينما كانت المشاعل تنير سماوات الليل، والرايات ترفرف حاملة ألقاب الملك، والأبواق والصنج والطبول تعلن في كل جانب عظمة وجلال ناصرالدين شاه، ملك إيران.. فجأة.. وبدون سابق إنذار.. امتدت يد القاتل لتضرب ضربتها.. فسقط العاهل الملكي ميتاً على أرض الضريح، مما أفزع وزارءه وحاشيته وشلّ قدرتهم على الحركة من هول المشهد.

ولتأجيل نبأ مصرعه، حملوا جسده الى عربته الملكية، بينما جلس رئيس الوزارء بنفسه الى جانبه متوارياً ليسنده والعربة تجوب الشوارع، بينما الإحتفال الكبير باليوبيل الذهبي ساريا، فالرايات ترفرف والفرق الموسيقية تعزف والجماهير المحتشدة تصدح بالشعارات الواهية لملك غير محبوب ولا محترم، وتنادي بحياة جثة ملك هامدة مسندة.

أصاب الرعب وزراء الشاه غير مدركين من سيكون التالي، وتبادلوا كلمات ستصبح شعاراً لسياسة العهد الحديث: القاتل!  القاتل!

في البداية.. ألصقت تهمة الإغتيال بالمجتمع البهائي؛ مثلما سبق وحدث للمسيحيين في روما القديمة، أو لليهود تحت الحكم النازي. كان البهائيون هم أول المرتاب بهم وأول الأهداف وأول الضحايا حين ظهور أية مشكلة في أي مكان داخل المملكة. أما القاتل الحقيقي، فكان الميرزا رضا، أحد أتباع الثائر المعروف سيد جمال الدين الأفغاني الذي كان ألد أعداء الدين البهائي.

لم يستطع أصحاب العقول الشيطانية الذين ذبحوا أكثر من عشرين ألف تابع لهذا الدين، التصديق أن ضحاياهم لم يقضوا أيامهم ولياليهم بإضمار البغض والتخطيط للانتقام ممن اضطهدهم، فلقد كان ذلك بالضبط ما سيفعلونه هم، فلم لا يفعله البهائيون؟

كم كان ضئيلا ما يعرفونه عن تعاليم بهاءالله الذي منع العنف وحرّم القتل، عندما أمر أتباعه: “خير لكم أن تُقتلوا من أن تَقتلوا”. فتعاليمه أظهرت التباين الواضح بين إستقامة أتباعه وقسوة وتعصب حكام إيران.

قبل موت ناصرالدين شاه بفترة قصيرة، ألقي القبض على مبلّغ وشاعر معروف يدعى “ورقاء”، مع ولده البالغ من العمر 12 سنة وسجنا معا في سجن طهران.

فيما بعد، أجبر حاجب الدولة المتوحش الإبن على الوقوف ومشاهدته وهو يغمد السيف في أحشاء والده بعدما خاب أمله في إجبار ورقاء على طلب الرحمة؛ ثم بدأ الضابط الحانق في تقطيع جسد الأب إرباً أمام عيني الإبن. بعدها.. التفت إلى “روح الله” وسأله: “والآن هل لك أن تنكر دينك؟” فجاء رفض الولد صارماً: “لن يحدث هذا أبدا!” ومع مشاعر الخيبة والغضب، أخذ حاجب الدولة حبلاً وخنق الطفل.

لم يكن عجيبا أن يقول بهاءالله في دعوته لأهل إيران الذين اضطهدوا دينه بوحشية، أنه لا يمكن لأي كان أن يطفئ نور الله في القلوب بعدما تشتعل بالأيمان، قال:

”ثمّ اعلموا يا ملأ الأعاجم بأنّكم لو تقتلونني يقّوم الله أحد مقامي وهذه من سنّة الله التي قد خلت من قبل ولن تجدوا لسنّته لا من تبديل ولا من تحويل. أتريدون أن تطفئوا نور الله في أرضه أبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو أنتم تكرهوه في أنفسكم”

بدأ إنهيار صرح السلالة القاجارية على رؤوس ملوكها، وباءت بالفشل كل الجهود التي بذلت لتدعيمه ومنعه من السقوط. وراح صدى كلمات النبي أشعيا يتردد عبر القرون الماضية:

“قد كَسر الربّ عصا الأشرار، قضيب المتسلطين الضارب الشعوب.. فإن ربّ  الجنود قد قضى، فمن يبطل؟  ويده هي الممدودة، فمن يردّها.”

وبسرعة شارفت سلالة ناصرالدين شاه على الانقراض، وإنهارت جميع الجدران من كل الجوانب، وعاجلا سيدفن عن آخرهم كل ملوكهم وأمرائهم تحت ذلك الإنهيار.


“هذه الساعة التي لا مرد لها ! “

الجزء الثاني: أمير الظالمين

في إحدى تحذيرات حضرة بهاءالله، أنذر بالمصير المظلم الذي سيلحق بالسلالة الإيرانية، فتفضل قائلا:

“وتسئلون عما أكتسبتم في الحيوة الباطلة وتجزون بما فعلتم وهذا من يوم الذي يأتيكم والساعة التي لا مرد لها”

كان حكام سلالة القاجار، أكثر الملوك مسؤولية في محاولتهم تحطيم الوحي الالهي. فمنذ ساعة ولادة هذه السلالة حتى يوم سقوطها، لم يحاول القادة القاجار ولو لمرة واحدة، تخفيف حدّة مشاعر حقدهم وعدائهم.

لقد بذل بهاءالله ما في وسعه لتنبيه هؤلاء الحكام الى الفرصة التي يكونوا فيها رمزاً للعدالة، وليس للكراهية، فتفضل باللغة الفارسية، ما ترجمته:

“اذا كان ملوك وسلاطين الأرض مظاهر اقتدار الحق جل جلاله قاموا بعمل ما ينتفع به من على الارض سيرتفع نور عهد العدل ويضيء العالم”

لقد ألقى حضرة بهاءالله بمسئولية خطيرة على أكتاف ناصرالدين شاه شخصياً، ووصفه بـ “أمير الظالمين”، فلقد كان المسؤول المباشر عن استشهاد حضرة الباب، والمسؤول المباشر أيضا وبصورة مأساوية عن نفي حضرة بهاءالله وتعذيبه طوال حياته. وفي النهاية، موافقته على القتل الظالم لأتباع الدين الجديد الأبرياء لفترة طويلة.

لقد أمدنا الانجيل مرة أخرى، بالمعاني المدهشة للأحداث المحيطة بقصة بهاءالله. فهل كان ناصرالدين شاه هو “الملك الرهيب” الذي قال النبي دانيال أنه سيظهر في “آخر الأيام”! “الملك” الذي سيدمر “الشعب المقدس”؟  هل هو الملك الذي سيقف ضد “أمير أمراء” الرب؟ هل هو “الملك” الذي “سيسحقه” “مخلّص الأمم” في “زمن البلايا” الذي لم يشهد له العالم مثيلا من قبل، والذي “ينهض” ليحرر “أبناء” الرب؟

أمر واحد مؤكد، أخيراً.. حلّ اليوم الذي يكسر فيه ملك إيران.


إذاً.. فانتظروا ماوعدتم ..

الجزء الثالث: سقوط المملكة الخامسة !

كتب حضرة بهاءالله لأحد وزراء ناصرالدين شاه رسالة، ووجهها في نفس الوقت، الى العرش والبلاط الملكي ولشعب إيران. ورغم تمنيه الرخاء والأمن والسيادة الأبدية لهم، إلا أنهم رفضوا هذه النعمة:

“فسوف يمضي أيامكم وأيام الذين هم كانوا اليوم على غرور مبين وتجتمعون في محضر الله وتسئلون عما اكتسبتم بايديكم وتجزون بها فبئس مثوى الظالمين”

وأوضح، أن مثل هذه الأفعال، لن تجلب لأي شخص مخلص سوى الندامة:

“فوالله لو تتطلع بما فعلت لتبكي على نفسك وتفر الى الله”.

عندما تم تجاهل كل مناشداته وتحذيراته، كتب حضرته هذه الكلمات المنذرة بالسوء:

“اذاً فانتظر ما نُـزّل في آخر هذه الآية المباركة وهذا وعد غير مكذوب من مقتدر حكيم”

كان اغتيال ناصرالدين شاه، أول علامة على قيام الثورة التي ستخلع كل خلفائه وتمحو سلالة القاجار.

كان خليفة ناصر الدين شاه، “موسى فريدالدين شاه”، رجلا ضعيفا متردداَ، أُجبر على توقيع دستور يحدّ من سلطات الملك. أما خليفته محمد علي شاه، فبتهوره أطلق شرارة ثورة أطاحت بملكه وعزلته.

وأخيرا.. تولى عرش السلطنة، أحمد شاه؛ شخص نكرة تماماً لم يلتفت لواجباته أبداً؛ فزادت الفوضى في البلاد وقاربت أحوال الدولة المادية الباعثة على الأسى منذ فترة طويلة على الإفلاس. وعملياً هجر الملك مملكته، مفضلاً حياة العواصم الأوروبية على مسئوليات المملكة الثقيلة. وبينما هو في إحدى رحلاته المستهترة، قام البرلمان بعزله؛ وبذلك انقرضت السلالة القاجارية التي اعتلت عرش إيران لمائة وثلاثين عاما.

في عام 1925، تم توقيع الوثيقة التي أنهت هذه السلالة. وكان هذا الإذلال الأخير قد تم في مباني الحكومة التي تقف على مرمى حجر من السجن الموجود تحت الأرض حيث حَبس ناصرالدين شاه فيه حضرة بهاءالله. ومن هذا السجن.. كان ناصرالدين شاه “أمير الظالمين” يسمع أصوات مناجاة حضرة بهاءالله وأتباعه المسجونين لربهم في ساعات الفجر، فيزعجه تأكيدهم على انتصارهم المستقبلي:

“وعلى الله فليتوكل المتوكلون”

أوفى حضرة بهاءالله بوعده. وسقطت المملكة الخامسة.


الفصل العاشر

عكــــاء

الجزء الأول : الإعـلان

لم يترك نفي بهاءالله إلى العراق داخل الإمبراطورية العثمانية التركية، ناصرالدين شاه ولا رجال الدين الإيرانيبن في سلام. ففي العراق توجد مجموعة من المزارات الإسلامية التي اعتاد الإيرانيون زيارتها. لذا قلق رجال الدين الإيرانيون من شروع مجموعة المنفيين الصغيرة تلك في استقطاب أعداد من الحجاج الى الدين الجديد.

لذلك بدأت حكومة الشاه في زيادة الضغط على وزراء السلطان في استنبول، لنقل السجين الى أبعد ما يكون عن الحدود الإيرانية. وبرغم العداء بين الأمبراطوريتين التركية والفارسية، إلا أن اضطهاد المنفيين كان أحد النقاط القليلة التي اتفق عليها هؤلاء الطغاة. وبناءَ على ذلك، تم أبلاغ بهاءالله في 22 أبريل 1863، بضرورة المغادرة فوراً والانتقال مع مرافقيه إلى استنبول عاصمة الامبراطورية.

قبل تلك الرحلة القسرية، قام بهاءالله بأول إعلان لرسالته السماوية، وقال أن يوم “قطيع واحد وراع واحد” قد حلّ، وأنه هو الموعود المنتظر لجميع أتباع أديان الأرض.

تم هذا الإعلان التاريخي بحديقة في ضواحي مدينة بغداد آنذاك، خلال الإثني عشر يوما، بين 21 أبريل و 2 مايو من عام 1863. والأن في هذا اليوم، يحتفل البهائيون بهذه المناسبة في جميع أنحاء العالم، باعتبارها أقدس وأبهج الأعياد في التاريخ البهائي على الاطلاق، وتسمى عيد الرضوان.

تتابعت أفواج الزوار من بغداد الى تلك الحديقة المشهورة، ليتمكنوا من وداع ذلك الزائر الذي عاش بينهم قرابة العشر سنوات، وأحبوه بشدة. وأنه لمن الصعب التصديق أنهم أنفسهم الذين صدقوا بسهولة منذ فترة وجيزة الإفتراءات والأكاذيب التي نشرها عملاء ناصرالدين شاه عن هؤلاء المنفيين.

وفي يوم مغادرته لبيته متوجها نحو حديقة الرضوان، احتشدت جموع المودعين من الرجال والنساء والأطفال قرب منزله في بغداد، جاءوا من جميع الأنحاء يبتغون نظرة أخيرة من حضرته. موظفوا دولة ورجال دين وتجار وأعيان، إضافة الى الفقراء والأيتام والمتسولين والعامة، الجميع راقبوا رحيل بهاءالله عن مدينتهم بعيون دامعة ونواح؛ وكتب أحد المؤرخين الإيرانيين عن تلك الساعات الحزينة، قال: “كانت الدموع تنهمر مثل أمطار الربيع”.

أما الحشود الهائلة التي أحاطت بهاءالله في يوم رحيله عن حديقة الرضوان وعن بغداد، فكانت أكثر تأثراً وهياجاً. فبهيكل الجلال والعظمة، امتطى بهاءالله جوادا مطهما أصيلا كميت اللون اشتراه أحباؤه لرحلته، مخترقاً الحشود الباكية المتزاحمة حوله من جميع الجهات. هكذا بدأ بهاءالله المرحلة الأولى من رحلة نفيه التاريخية الى القسطنطينية.

غادر بهاءالله وادي نهري دجلة والفرات الى الأبد، تلك البقعة التي شاهد فيها النبي حزقيال رؤيا “مجد الرب”؛ وهاهو الآن يبدأ رحلته غير المباشرة الى عكاء، ليصل في النهاية الى البقعة التي تنبأ حزقيال أن “مجد الرب” سيأتيها من “الشرق”.

كانت سمعة بهاءالله كمبلّغ ومربي مقدس، تسبقه الى كل مكان، فلازمته مظاهر التبجيل والاحترام طوال رحلته شمالا، كما سبق ولازمته أثناء اقامته في بغداد. رحلته الى ميناء صامصون على البحر الأسود استغرقت مائة وعشرة أيام؛ خلالها كانت الوفود تسارع للخروج لانتظاره على الطرق مرحبة بقدومه وهو يمر بقراها ومدنها، بينما تشيّعه وفود أخرى لتوديعه الى مسافات طويلة خارجها.

أخيرا.. وصل بهاءالله وأصحابه الى البحر الأسود، وعندما شاهد من فوق هودجه شاطئ البحر، كتب لوحاَ مؤثراَ أشار فيه الى الأحزان “العميقة المؤلمة” التي تنتظره.

ركب بهاءالله ومن معه سفينة بخارية تركية عابرين البحر الأسود، وبعد ثلاثة أيام وصلوا ميناء القسطنطينية الشهير. كانت عاصمة الدولة التركية تلقب “قبة الإسلام”. وبسبب ظلم وطغيان السلطان عبدالعزيز، سيصفها بهاءالله مستقبلا، بأنها “عرش الظلم”؛ كان يعلم أن سنوات الراحة والهدوء القليلة التي تمتع بها في العراق على وشك الانتهاء، فأمواج الشدائد ستبدأ من جديد.

ما زالت هناك في الأفق، رحلة أخرى لبهاءالله، في هذه المرة ستكون عبر البحر المتوسط، إضافة الى رحلتي نفي ومحاولات مستمرة للقضاء على حياته، ستبوء جميعها بالفشل. وسيصل في السنين المقبلة الى أرض فلسطين وسيمشي على سفح “جبل الرب”.

وكما وعد إشعيا، هاهو بهاءالله يسافر الى الأراضي المقدسة “عن طريق البحر”. وفي أصحاح كامل مليء بتمجيد “موعود آخر الزمان”، يعلن إشعيا، أن هذا “المختار” سليل “نسل ابراهيم”، هو “الرجل الصالح القادم من الشرق” الذي يبعثه الله “ليحكم على الملوك” والذي “يمضي بأمان” الى مقصده في فلسطين “حتى ولو لم يسير على قدميه”.  سافر بهاءالله كما ورد في رؤيا العهد القديم على لسان النبي ميخا، “من بحر الى بحر”، في طريقه من الشرق الى الأرض المقدسة حيث يخلص البشرية……ولكن من يقرأ ويفهم ويتقدم لمساعدته؟!


 شحب وجهه الصدر الأعظم

الجزء الثاني:”عرش الظلم”

بعد رحلة طويلة مرهقة.. سمح لحضرة بهاءالله البقاء في العاصمة القسطنطينية أقل من خمسة شهور فقط. فالسلطان العثماني، لم يحتمل سماع أخبار ما قوبل به حضرة بهاءالله من آداب الاحترام ومظاهر التبجيل أثناء الطريق في رحلته من بغداد، فهو يعتقد انه الشخص الوحيد الذي يستحق مثل هذا الاهتمام من شعبه.

وبسرعة تم نفي حضرته مرة أخرى. كان هذا النفي القاسي المفاجئ، يمثل “التعاون المؤقت بين الحكومتين التركية والفارسية” ضد رجل واحد ومجموعة أتباعه الصغيرة بزوجاتهم وأولادهم حيث كانوا أقل من ثمانين شخصا. في هذه المرة، لم يقبل حضرة بهاءالله الفرمان ببساطة، بل رد عليه في ذات اليوم برسالة شديدة اللهجة ارسلها مع “شمسي بيك”، المراسل الخاص لعالي باشا رئيس وزراء السلطان حيث سلمها له باليد شخصيا. ولقد ترك لنا المراسل هذه الرواية باعتباره شاهد عيان لهذا الحدث.

(لم أكن أعرف فحوى الرسالة، إلا أن الصدر الأعظم ما كاد يلقي عليها نظره، حتى شحب وجهه وامتقع لونه، وقال: “كأني بملك الملوك يصدر أوامره لأصغر ولاته يرشده إلى المسلك القويم”. ثم بدأت حالته تسوء إلى درجة أني فضلت الانسحاب” 94

تم تنفيذ أمر إبعاد حضرة بهاءالله مع عائلته وأصحابه غير المستعدين الى منفاهم الثالث على التوالي وفي الحال. فركب بعضهم في عربات، وركب بعضهم ظهور الدواب، بينما جلس آخرون صامتين بين بقايا ممتلكاتهم فوق عربات تجرها الثيران وسط برد شتاء قارس.

كان صباح أحد أيام شهر ديسمبر شديد البرودة عندما أمرهم الضباط الأتراك وجنودهم بالمسير قدماً. ولقد أوضح حضرة بهاءالله بنفسه أن القسوة والاذلال اللذين عومل بها ورفاقه خلال رحلة النفي تلك، لم يكونا ضروريين ولا يمكن غفرانهما. كما ذكر أن لا أحد من رفاقه كانت عليه كسوة مناسبة تقيه ذلك الزمهرير.

وكتب المؤرخ الإيراني نبيل زرندي عن تلك الأيام: “كان شتاء تلك السنة قارساً بدرجة لم يعهد المعمرون لها مثيلا، فقد تجمدت الحيوانات ونفقت بين الثلوج”.

وترك أحد رفاق حضرة بهاءالله روايته عن تلك الرحلة، قال: “للحصول على الماء من الينابيع، كان لزاما علينا أن نشعل بجوارها نارا عظيمة لمدة ساعتين بالضبط حتى يذوب الجليد.”

لذلك لم يكن مدهشاً أن خاطب بهاءالله السلطان عبدالعزيز بلهجة قوية:

“أن يا أيها السلطان اسمع قول من ينطق بالحق.. إنك ظل الله في الأرض فافعل ما يليق لهذا الشأن المتعالى العظيم.. اسمع يا سلطان ما ألقينا على حضرتك ثم امنع الظالمين عن ظلمهم ثم اقطع أيديهم عن رؤوس المسلمين. ولا تنس حكم الله في كل ما أردت أو تريد”

وفي عشية رحيله من القسطنطينية، كتب حضرة بهاءالله أيضاً لسفير إيران الذي حرض السلطات التركية على تعجيل ابعاده وأشعل مخاوفهم من المنفيين، وذكّره بأتباعه الذين زاد عددهم عن العشرين ألفاً ممن ضحوا بحياتهم لهذا الدين في إيران. وأوضح له بعدم جدوى محاولاته في إخماد نار الحب الإلهي في قلوب الناس باضطهادهم.

“ماذا استفدت أنت وأمثالك من قتلكم الكثير من المضطهدين كل عام وصبكم البلايا على رؤوسهم حين زاد عددهم مائة ضعف.. تعالى أمره تعالى عما تكيدون”.

ثم أعطى بهاءالله وعداً سيحققه الوقت والتاريخ لاحقاً:

“إعلم جيداً، لو اتحدت جميع حكومات الأرض لسلب حياتي وحياة من يحملون هذا الاسم “بهائي”، فلن يخمدوا هذا النور الإلهي، وسيطوق جميع ملوك الأرض، بل كل ما خلق من الماء والطين.. إن كل ما سيحل بنا، سيكون سبب عظمتنا، ويظهر ما سيحل بهم من خسران مبين.

سافر حضرة بهاءالله وأتباعه إلى أدرنة لمدة اثنى عشر يوما، وسط الثلوج والأمطار والأعاصير، وفي بعض الأحيان أجبروا على السفر ليلا. كانت مدينة أدرنة هي أبعد نقطة وصلها بهاءالله في نفية المتكرر، فسمّاها “السجن البعيد”. كان أول مؤسس لدين سماوي، تطأ قدماه التراب الأوربي من بين مؤسسي أديان الله المنزلة العظيمة، وبذلك ربطت رسالته بين الشرق والغرب. وكان أول رسل الله يعلن عن ديانته من الغرب كما أعلنها من الشرق.

سجن ناصرالدين شاه حضرة بهاءالله في الحفرة السوداء في مدينة طهران مسقط رأسه، حيث بدأت هناك مهمته، ثم نفي إلى مكان آخر لكي يسكتوه ويضعفوا تأثيره. وفي وادي دجلة والفرات الشهيرين، أعلن حضرته بصراحة الى أتباعه وللعالم عن هدف مهمته. وخوفاً من تنامي هيبته وقوته، تآمر ناصرالدين شاه مع السلطان عبدالعزيز لنفيه إلى القسطنطينية بعيدا عن دائرة أقربائه وأصدقائه وأتباعه؛ فأرسلاه إلى قارة أخرى، الى أوروبا. وهناك.. في عقر “عرش الظلم”، استهل حضرته أول مرحلة لإعلان دعوته الى العالم في العاصمة استنبول.

والآن.. وبعد أن أبعد إلى منفى آخر بعيد جداً، ظنّ هؤلاء أن قوته ستتلاشى في التأثير على أي شخص ذي شأن. وسيقطع عن العالم تماماً.

وعلى عكس ما خطط له الملوك هناك في أدرنة، وصلت رسالة حضرة بهاءالله إلى أوجها، حيث كتب ألواحه التاريخية لملوك ورؤساء العالم، فنزلت كالفيض المنهمر تعلن عن رسالته الى العالم بشكل غير مسبوق في تاريخ الأديان.

كل اضطهاد وكل قمع خططه ونفذه هؤلاء الملوك لتثبيط عزيمة بهاءالله، كان يتبعه هطول غيث أعظم من التعاليم والروحانيات رغم معاناته وآلامه الجسدية. وثبت أن كل ما ابتدعوه كان مقدمة فقط لاعلان مشيئة الله للبشر.

إن المعاناة الكبرى، والإعلان العظيم.. آتيان قدماً.


” الساكن في السموات يضحك ..” (مزامير)

الجزء الثالث: النفي الأخير

ظل بهاءالله سجينا ومنفيا ما يقرب خمس سنوات في ذلك الإقليم النائي بمدينة أدرنه، تعرض خلالها لثلاث محاولات للقضاء على حياته. فلقد حاول أعداؤه دس السم له مرتين، وتآمروا على ذبحه في الحمام العمومي. إلا أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل.

والآن التفت بهاءالله الى مهمة كشف التعاليم الإلهية لحكومات وشعوب الأرض على حد سواء. فكتب المؤرخ نبيل زرندي عن أهم كتابات بهاءالله وأشملها في تلك الفترة وكميتها، قائلاً: “كان هناك عدد من الناسخين انهمكوا ليل نهار في تدوين آثار الوحي النازلة، ومع ذلك عجزوا عن اتمام مهمتهم”.

كتب بهاءالله خلال حياته أكثر من مائة مجلد تتعلق بالمشاكل المتنوعة التي تواجهها البشرية ومجتمعاتها. كانت فترة أدرنة، واحدة من أكثر الفترات إثماراً في مجمل مهمته الإلهية. وأكد بنفسه عن غزارة كتاباته خلال تلك الشهور في تركيا، قائلاَ:

“عجز الكتّاب عن تحرير ما نزل في هذه الأرض (أدرنة) فظل أكثره بلا تحبير”

وأعلن في مناسبة أخرى:

” تالله لقد نزل في تلك الأيام ما يعادل كل ما أنزل على النبيين من قبل”

كانت هذه الكتابات جزءاً من الإعلان التاريخي لدينه الى ملوك وحكام الأرض. وكانت بداياته في القسطنطينية عندما أرسل رسالته القوية لرئيس وزراء السلطان عبدالعزيز والتي تلاها لاحقاً المرسوم الملكي بنفيه الى أدرنة، ثم بلغ ذروته خلال إقامته في أدرنه.

هناك.. كتب بهاءالله أكثر رسائله خطورة الى الرؤوس المتوجة في العالم. “فلأول مرة وجه كلماته الى عموم الملوك في الشرق والغرب”. حذرهم فيها بأن ” العقاب الإلهي سيأخذهم من كل الجهات”، اذا فشلوا في تقدير مسؤولياتهم تجاه أهمية المبادىء الروحية والاجتماعية الجديدة التي أوحى بها الله لإتحاد العالم. وتنبأ بأن الله:

“سوف يرفع أمره بين السموات والأرضين ولو لم يتوجه إليه منهم أحد”

إن من أمهل نفسه لتأمل وفهم كلماته وتعاليمه، إهتز من أعماقه، فجوهر رسالته لملوك ورؤساء العالم وسكانه، يمكن العثور عليها في تلك الآثار المباركة التي انهمرت باستمرار من قلمه الأعلى خلال سنين أدرنة. كانت العدالة الاجتماعية أساس معظم بياناته التي أصدرها إلى قادة الأمم. فقد ناشد باستمرار أهل السلطة لحماية وحفظ الفقراء، وشجعهم على حماية المحرومين وغرس ورعاية الأمل في قلوب المضطهدين، حيث تفضل:

“يَا أَيُها المُلُوكُ  إن الفقراء أمانات الله بينكم، إياكم أن لا تخانوا في أماناته ولا تظلموهم ولا تكونن من الخائنين.”

وكتب في مكان آخر:

“خبروا الأغنياء بأنين الفقراء في الأسحار الفقر عما سوى الله فنعمة عظيمة لا تحتقرها، لأن في نهايتها يبدو الغنى بالله”

هذه “الفترة المتألقة” في دعوة بهاءالله والتي امتلأت بنصائحه لحماية شعوب العالم، ستبقى الى الأبد “ذروة” ولايته على الارض. حيث حث خلالها قادة العالم على وضع برنامج ضد الفقر ينهي تماما الظلم الناتج عن الفرق الشاسع بين الفقر المدقع والغناء الفاحش؛ كان ذلك منذ مائة عام مضى. فكتب:

“أَنِ اسْتَمِعُوا مَا يَنْصَحُكُمْ بِه القَلَمُ الأَعْلَى لَعَلَّ تَسْتَرِيحُ بِهِ أَنْفُسُكُمْ ثُمَّ الفُقَرَاءُ وَالمَساكِينُ، نَسْأَلُ اللهَ بِأَنْ يُؤَيِّدَ المُلُوكَ عَلَى الصُّلْحِ إِنَّهُ لَهُوَ القادِرُ عَلَى ما يُرِيدُ”

خلال أيام أدرنه العصيبة، نهض بهاءالله “بكل اقتدار” ليعلن لجميع قادة الأمم في الشرق والغرب من الذين يمسكون زمام السلطات الدنيوية بأيديهم، عن الدعوة التي عُهِدت إليه.

ورغم ثقل الأحزان والمعاناة من آثار آخر محاولة اعتداء على حياته، كان بهاءالله مدرك تماما أن هناك نفي آخر جديد على وشك الحدوث. ورغم كل هذه الصعوبات والمخاطر، بدأ دينه خلال هذه الفترة يسطع “في أوج بهائه” ويظهر قوته الشاملة.

بدأت الحكومة التركية الآن بالاستسلام تماما للضغط الذي يمارسه السفير الإيراني، فقررت ارسال المنفيين الى مكان يوفر فيه الانعزال وسرعة الهلاك.فصدر مرسوم يأمر بنفي بهاءالله للمرة الرابعة إلى مستعمرة العقاب الرهيبة في عكاء.

فجأة.. قامت السلطات بملاحقة واعتقال أتباع بهاءالله من منازلهم ومن شوارع أدرنة، وتم استجوابهم وتجريدهم من أوراقهم الرسمية وزجهم في السجن، واستدعوا لعدة مرات للمثول أمام السلطات لسؤالهم عن العدد الحقيقي لأفراد عائلة بهاءالله والأحباء، وانتشرت الشائعات في المدينة، أنه سيتم تفريقهم الى أماكن مختلفة أو قتلهم بسرية.

أكد الوزراء للسلطان عبدالعزيز، أنه لا بهاءالله ولا دينه يمكنهما النجاة في أجواء عكاء الموبوءة. فلقد كانت مدينة الحصن هذه من أكثر سجون الإمبراطورية التركية هولاً. وشعر مستشارو السلطان بالثقة من فناء بهاءالله لا محالة في ذلك المكان الحقير. في الحقيقة.. كانوا يتقمصون لهم أدواراً في المسرحية الإلهية التي تنبأ بها ووصفها الأنبياء السابقون. فبنفيهم بهاءالله، ظنّ أعدائه أنهم ينفذون أوامر حاكمهم السلطان عبدالعزيز، بينما في الحقيقة.. كانوا أدوات لتحقيق “الوعود” الإلهية التي وردت في الكتب المقدسة منذ أمد بعيد.

لم يكن أصحاب بهاءالله حتى آخر لحظة قبل مغادرتهم أرض تركيا، عارفين بمكان ارسال حضرته. إلا أن بهاءالله، “جمال القدِم”، “محور العديد من النبؤات المدهشة والمثيرة في الكتب المقدسة السابقة”، كان مطلع تماما على مكان النفي المقصود منذ عدة سنوات.

بالعودة الى السنين الأولى لنفي بهاءالله إلى أدرنة، نجد أنه قد نوّه بالفعل لوصوله المستقبلي الى مدينة الحصن عكاء، “باب الرجاء” للبشرية. وكتب عن انتصار دينه العالمي الذي سيعقب ذلك الوصول التاريخي. وخلال تلك السنين الأولى في تركيا، ألمح الى أهمية ومغزى ذلك الحدث التاريخي المستقبلي للنزول في عكاء. لقد كانت كلماته نبوءة في الواقع. كتب:

“وجدنا قومًا استقبلونا بوجوه عزّ درّيًّا.. وكان بأيديهم أعلام النّصر  إذن نادى المنادِ فسوف يبعث الله من يدخل النّاس في ظلل هذه الأعلام ”

ملحوظة: بعد مرور مائة عام، وبينما كان مؤلف هذا الكتاب حاضرا في احتفال الذكرى المئوية لوصول حضرة بهاءالله للأرض المقدسة. شاهد تحقق نبوءة حضرة بهاءالله، فلقد بدأت تصل الأخبار من جميع جهات الأرض معلنة عن دخول أعداد كبيرة من المؤمنين الجدد تحت لواء دين بهاءالله من أمريكا، آسيا، أوروبا، أمريكا الشمالية والجنوبية، أستراليا، جزر الباسيفيك، المحيط الأطلسي والهادي، والبحر المتوسط والكاريبي من جميع الأعراق والشعوب وخصوصا من شباب العالم في أكثر من ثلاثين ألف مركز موزعة في كل اقاليم العالم تقريبا.  حقاً.. لقد “انضمت” معظم أجناس البشر في هذا اليوم تحت “لواء” دين بهاءالله.


” قل للسلطان سوف تخرج هذه الأرض من يديه”

الجزء الرابع :-  الرحلة عن طريق البحر

في 12 أغسطس 1868م، بدأت رحلة بهاءالله وعائلته البرية إلى غالبيولي، واستمرت أربعة أيام، فكانت المرحلة الأولى لنفيهم النهائي. كان يرافقهم نقيب من الجيش وكتيبة من الجنود؛ ولقد توقفت المجموعة في عدة مدن أثناء الطريق.

وفي “كاشانية”، بدأ حضرة بهاءالله بأشهر رسالة من رسائله لملوك الارض، وقد أتمها بعد مدة قصيرة في “جياور كيوي”. وقبل مغادرة تركيا، أوضح أنه لن ينسى هذه الأرض، وأكد ذلك بقوله:

“قل قد خرج الغلام من هذه الديار وأودع تحت كل شجر وحجر وديعة سوف يخرجها الله بالحق”

وقد ظهر مغزى هذه الكلمات سريعاً.

وصل بهاءالله ومرافقوه أخيرا الى ميناء غالبيولي على البحر، حيث قضوا فيها ثلاث ليالي، وكانت هذه آخر محطة وقوف في تركيا. وحتى في تلك الساعة الأخيرة، أعطى حضرة بهاءالله فرصة أخيرة للسلطان عبدالعزيز، كي يتوب عن أفعاله الماضية، من خلال رسالة شفوية أرسلها مع ضابط تركي يدعى عمر. طلب فيها حضرته من السلطان تدبير مقابلة معه لمدة عشرة دقائق، حتى يتفحص ديانته ويقرر كيفما يشاء، اذا ما كانت من عند الله أم لا.

رفض هذا الاقتراح، كما سبق ورفضت جميع محاولاته لمقابلة الملوك أو وزرائهم أو رجال الدين.

أعد بهاءالله نفسه للمغادرة الى عكاء، المدينة التي كانت يوما ما جزءاَ من الأرض القديمة لكنعان، وطبقا لما جاء في الكتاب المقدس، انها الأرض التي سيرثها في آخر الأيام أحد أبناء “ذرية” إبراهيم.

ينحدر بهاءالله من سلالة النبي ابراهيم من زوجته الثالثة ” قتورة”؛ وكم هي لطيفة وجميلة قصة ابراهيم “ونسله” بهاءالله؟ وكم تتفق مهمتيهما الإلهيتين معاً؟ وكم تتشابه قصتيهما بشكل ملفت للنظر؟

في وادي نهري دجلة والفرات، نادى ابراهيم بوحدانية الله، وفي نفس الوادي نادى بهاءالله بوحدة جميع الأديان والأعراق والشعوب. نُفي إبراهيم من ذلك الوادي الى أرض كنعان، وتبعه بهاءالله في ذات النفي إلى نفس تلك الأرض حيث أكمل تعاليمه وأوامره لخلاص كل البشرية.

أعلن بهاءالله في لوح أنزله عشية فترة نفيه الى مستعمرة القصاص عكاء:

” هذا يوم لو أدركه الخليل ليخر ساجداً على الارض قائلا: “قد اطمأن قلبي يا إله من في ملكوت السموات والأرضين وأشهدتني ملكوت أمرك وجبروت اقتدارك”.

حانت ساعة مغادرة بهاءالله لتراب أرض أوربا. وقبل أن يصرف حضرته من معيته “حسن أفندي”، آخر ضابط تركي رافقه من أدرنة، حمّله رسالة أخيرة للسلطان عبدالعزيز تنبأ فيها:

” قل للسلطان سوف تخرج هذه الأرض من يده، وسوف تضطرب الأمور”

في هذه اللحظة.. أراد حضرة بهاءالله أن يعرف السلطان، أنه لا يتكلم كسجين أو منفي، بل “كرسول إلهي”. كان يخاطب الملك بنفس السلطة التي تحدث بها موسى وعيسى ومحمد من قبل.

سجل آقا رضا هذا المشهد للأجيال القادمة:

وأضاف حضرة بهاءالله الى ما سبق قائلاً: “لست أنا قائل هذا بل إنه هو الله” .كان حضرة بهاءالله يرتل الآيات في تلك اللحظات بصوت بلغ مسامعنا ونحن في الطابق الأول. فلقد قيلت بقوة وشدة، خيّل لي معها أن أساس المنزل بذاته كان يهتز ويرتجف“.

ركب بهاءالله السفينة متوجها إلى عكاء ماراً بمصر. وفوراً أبلغ السفير الإيراني في تركيا القنصل الإيراني في مصر، أن الحكومة التركية قد رفعت حمايتها عن أتباع بهاءالله. كانت حقيقة جوهر هذه المعلومة المرسلة عن طريق ذلك العدو الدائم، هي: “أنت حرٌ الآن لمعاملتهم كيفما تشاء”.

ومع كل ما سبق ونزل على حضرة بهاءالله وأتباعه من المصاعب والمحن، إلا أنه راح يحذر أصحابه ومرافقي رحلته الى منفاه الأخير من المخاطر والبلايا العظيمة التي ستحل بهم مستقبلاً. وقال لهم، إن كل من لا يجد في نفسه الجرأة والقدرة على مواجهتها، فله الحرية المطلقة للمغادرة والتوجه الى أي جهة يختارها. ثم عاد وكرر تحذيره لمن اختاروا مرافقته وأخبرهم أنه سيكون من المستحيل عليهم المغادرة مستقبلا:

“إن هذه الرحلة تختلف عن أية رحلة أخرى”

 


“لو طار طائر فوق عكا لسقط ميتا”

الجزء الخامس :-  ملك البهاء يدخل البوابة

نقل بهاءالله ومرافقوه في 21 أغسطس 1868م، على سفينة بخارية نمساوية لشركة “لويد” متجهة نحو الأرض المقدسة؛ وخلال ابحارها، مرت أولا في مودلي وأزمير، ثم في ميناء الاسكندرية حيث تم نُقـل حضرته مع أصحابه الى سفينة أخرى مرت فيما بعد في بورسعيد ثم توجهت أخيرا الى يافا في فلسطين.

وفي 31 أغسطس، رست على جانب رصيف ميناء حيفا عند قدم جبل الكرمل “وكر الانبياء” و “كرم الله”. وأخيرا وصل بهاءالله الى “موطنه”!

جاء “مجد الرب”، “عن طريق البحر”، كما وعد الكتاب المقدس، راكباً البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط حتى وصل محطته الأخيرة “عش كل الأنبياء”. إنها أرض “قدّسها كتاب موسى، ومجدها أحبار العبرانيين وقضاتهم وملوكهم وأنبياؤهم بحياتهم وأعمالهم”   وهي المكان الذي اجتمع فيه زرادشت مع بعض أنبياء بني إسرائيل؛ ثم تقدست بكونها مهد المسيحية؛ كما ارتبطت بإلاسراء الليلي لرسول الإسلام محمد؛ فهي الأرض التي جمعت بين مؤسسي الرسالات اليهودية والزرادشتية والمسيحية والإسلام، واليوم ترتبط مع المبشر ومع المؤسس للديانة البهائية، الباب وبهاءالله حيث ترقد رفاتهما هناك.

وأشار حزقيال إلى عكاء باعتبارها “البوابة” التي سيأتي منها “مجد الرب” الى “فلسطين” من “الشرق”. وأخيرا .. ها هو قد أتى.

ولم يصف داوود عكاء في مزاميره فقط على أنها “المدينة القوية”، بل تنبأ أيضا أن “مجد الرب” “بهاء” سيأتي من خلال “البوابات” ولن يبقى “صامتاً”. وأخيرا .. ها هو قد أتى.

كما وصف هوشع مدينة عكاء أنها “باب الرجاء”؛ وتنبأ إشعيا أنها ستصبح ملجئاً آمناً لـ “قطيع” الرب في آخر الايام.

وها هو الرسول العربي محمد الذي سكن أتباعه مدينة عكاء يصف هذه المدينة التاريخية بأنها: “مدينة بالشام اختصها الله برحمته”، “مدينة على شاطىء البحر”.. “بيضاء حسن بياضها عند الله”.

من خلال تصرفات أعدائه، كان على بهاء الله “منفيّ بغداد والآستانة والقسطنطينية وأدرنة”، أن يقضي الثلث الأخير من مجمل حياته، وأكثر من نصف مدة ولايته الأرضية في تلك الأرض المقدسة.

كما كان “عبدالبهاء” ابن بهاءالله أيضا، سجينا في تلك الأحداث التاريخية؛ وكتب عن وصول بهاءالله إلى تلك الأرض قائلا: “إنّه لمن المحال أن يتصوّر العقل كيف حدث هذا النّفي والتّبعيد حيث يهاجر الجمال المبارك من إيران ويضرب خيمته في الأرض المقدّسة”

قام شاه إيران وسلطان تركيا وهما أعلى سلطتين دنويتين حاكمتين لمصير المسلمين الشيعة والسنّة، بسجن بهاءالله فيما اعتبروه سجنه الأخير، لقد أودعوه في مدينة بائسة حتى انها كانت توصف بـ “عاصمة البوم”؛ وكان جوّ مدينة القلعة غير صحي وملوث تتفشى فيه الملاريا والتيفود والدوسنتاريا. كان هناك مثل يقول: ” لو طار طائر فوق عكاء لسقط ميتاً”.

لو عدنا بالنظر الى محاولات الملوك لتدمير بهاءالله، نجدها محاولات محزنة، فالكتب المقدسة للديانات الرئيسة أوضحت كيف انتهت كل هذه الجهود بخيبة أمل، فبالرغم من تظافر وتكرار جهود الملوك ورجال الدين للقضاء عليه، الا أنه ظهر في النهاية على جبل الرب المقدس، “الكرمل”.

لقد فشل حكام العالم في جميع المراحل؛ نعم.. كانوا قادرين على إضافة المزيد لكأس أحزان بهاءالله. لكنهم كانوا واهنين في منعه من اتمام مهمته المتنبأ عنها. كل خطوة خلال الطريق، كانت تحقق بالفعل نبوءات كتب أولئك الملوك المقدسة رغماً عنهم، حتى وصل في النهاية إلى “الربوة المقدسة”.

هذه القصة بذاتها، أي مأساة هؤلاء الملوك كفيفي البصيرة، أنذر بها كتاب المزامير بصورة دائمة. فلقد أوضحت النبؤة:

“قام ملوك الأرض، وتآمر الرؤساء معا على الرب.. الساكن في السموات يضحك. الرب يستهزئ بهم، حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه.. أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي.. فالآن يا أيها الملوك تعقلوا، تأدبوا يا قضاة الأرض.. طوبى لجميع المتكلين عليه”

بغض النظر عن عدد المرات التي عرض فيها حضرة بهاءالله مساعدته للسلطان التركي. إلا أن السلطان فشل في وضع ثقته في بهاءالله. ومشى قضاة ووزراء وحكام تلك البلاد على خطى مليكهم، فلم يكونوا حكماء في أحكامهم. كان سقوطهم واختفاؤهم من التاريخ المعاصر حتى ذلك الوقت، ممنهج بيد غيبية إلهية.


“ويقتلون كلهم إلا واحداً منهم ينزل في مرج عكاء”

الجزء السادس : “المأدبة الإلهية”

بوصول حضرة بهاءالله الى عكاء، بدأ الطور الأخير والنهائي لفترة “الأربعين سنة” من ولايته؛ هذه الفترة بالذات، أكد عليها الكتاب المقدس مراراً. لقد جاء بهاءالله الى قلب اليهودية والمسيحية، والآن أوصله النفي الى أحد “معاقل” الإسلام.

من الصعب ادراك جهالة هذين الحاكمين المسلمين، السلطان عبدالعزيز وناصرالدين شاه، اذا أخذنا في الاعتبار كثرة الدلالات المشيرة الى جميع هذه الأحداث في كتبهم المقدسة. فعلى خلاف ملوك المسيحية، كان حكام المسلمين، يطبقون في كل يوم جزءا من النظام الدينى، حسب ما تشير اليه أسماؤهم وألقابهم، وكان سلوكهم يدلّ بوضوح على حقيقة اخلاصهم في إيمانهم بدينهم. ومع ذلك، كانا غافلين عما ورد من نبوءات متكررة في كتبهم المقدسة، تلك النبؤات التي حققاها بطريقة مذهلة بأفعالهما القاسية ضد بهاءالله.

فعلى سبيل المثال، أشار النبي محمد باهتمام إلى مدينة السجن “عكاء”، حيث سماها: “مدينة قد اختصها الله برحمته”؛ وفي مكان آخر وصفها كمدينة: “على شاطىء البحر.. حسن بياضها عند الله”   ومن النبوءات النقلية التي فخّمت مدينة عكاء بشكل كبير، ويمكن العثور عليها في كتب الملكين التركي والإيراني المقدسة، هذه الكلمات المدهشة التي لابد وأنهما تأملاها جيدا:

“طوبى لمن زار عكاء، وطوبى لمن زار زائر عكاء”

“من أذّن فيها كان له مد صوته في الجنة”

“فقراء عكاء ملوك الجنة وسادتها”، و “إن شهرا في عكاء أفضل من ألف سنة في غيرها”

فلماذا لم يتمكن أحد من فهم هذا السرّ حتى وصول بهاءالله اليها؟!.

وأخيرا.. نجد أحد أهم النبؤات على الاطلاق، وتعتبر ذات أهمية خاصة عند دراسة تاريخ استشهاد حضرة الباب المبشر بدين بهاءالله؛ فلقد استشهد وذبح حوالي عشرين ألفاً من أتباعه، بينما قدّر لبهاءالله النجاة من هذا المصير مرة بعد أخرى في إيران والعراق وتركيا، وكان المؤيد الوحيد لحضرة الباب الذي هجر إيران. لقد تحدثت النبؤات بتكرار، عن “الشخص” الذي سيظهر في سنة 1260 هجرية، “1844 ميلادية”، وسيكون أول الرسولين. أحد هذه النبؤات تنبئ باستشهاد هذا الرسول المقدس وكثير من أتباعه، فتقول:

“ويقتلون كلهم إلا واحداً منهم ينزل في مرج عكاء في المأدبة الإلهية”

ملحوظة: توافق سنة 1260 في التقويم الإسلامي الهجري، سنة 1844 في التقويم المسيحي الميلادي. وللمزيد عن هذا العام  في كل من الاسلام والمسيحية، راجع الصفحات 8-28 من كتاب ” لص في الليل”.

بعد وصول بهاءالله الى مرج عكاء، كتب لملوك العالم بخصوص تلك المأدبة الالهية العظيمة التي يقدمها لهم لإطعام وتوحيد البشرية. فتفضل:

“قل قد أتى المختار ليحيي الأكوان ويتحد العالم ويجمعهم على هذه المائدة التي نزلت من السماء”

كذلك حقق وصوله إلى الأراضي المقدسة نبوءات كتاب ميخا العجيبة. فلقد أخبر كما سبق وفعل أشعيا ودانيال، عن المجيء الأول، وعن المجيء الثاني في مجد الآب “بهاءالله”، ووصفوا رحلته من إيران الى جبل الكرمل. هذه النبوءات لوحدها كافية لجميع البشر.

لقد تنبأ ميخا أنه في آخر الأيام، عندما تعم الفوضى والضغينة كل العالم. سيأتي “المخلص” من بابل إلى فلسطين. وقد نفي بهاءالله الى فلسطين من بغداد الواقعة على مقربة من موقع بابل القديمة.

في أحد إصحاحاته يعطي ميخا إجابة مدهشة لأولئك الذين سخروا منه، وتسائلوا قائلين: “أين الرب إلهك؟” فيجيبهم في إصحاح آخر:

1- “في ذلك اليوم أيضا، يأتون إليك من آشور…”

وقد جاء بهاءالله من وسط الامبراطورية الآشورية، كما عرّفها ميخا.

2- “في ذلك اليوم أيضا، يأتي إليك من المدن المحصنة…”.

وقد جاء بهاءالله من المدينة المحصنة في القسطنطينية إلى مدينة الحصن عكاء.

3- “في ذلك اليوم أيضا، سيأتي إليك.. من الحصن الى النهر…”

جاء بهاءالله من مدينة القلعة الى النهر القديم “نعمان” (Belus)، في شمال غرب فلسطين، عندما أطلق سراحه من السجن.

4- “في ذلك اليوم أيضا، يأتي إليك.. من بحر إلى بحر..”

وجاء بهاءالله عابرا البحر الأسود في نفيه الى القسطنطينية، وعبر البحر المتوسط في نفيه الأخير إلى الأرض المقدسة.

5- “في ذلك اليوم أيضا، سيأتي إليك.. من جبل إلى جبل…”.

وقد جاء بهاءالله من جبل سركلو في كردستان في وادي نهري دجلة والفرات “من بابل القديمة” الى جبل الكرمل، كرم الله في فلسطين.

وفي الآية التالية، يقول ميخا “وتصير الأرض خربة” عندما يأتي المخلص.

وقد وصفت عكاء في ذلك الوقت، بـ “أكثر المدن خراباً”، وبعد وصول بهاءالله الى تلك الأرض الجدباء “الخربة”، بدأت المنطقة تدريجيا “تتفتح كالزهرة”.

ثم يقول ميخا في الآية التالية، إن “الرب المخلص” “يطعم” قطيعه في “وسط الكرمل”.

أعلن بهاءالله على سفح جبل الكرمل ان كل النبؤات قد تحققت. فمركز ديانته العالمي (بيت العدل الأعظم)، شيّد “وسط الكرمل”، ومنه تخرج تعاليم بهاءالله الى جميع أنحاء الأرض “لتطعم” أمم وشعوب العالم.

في الآية التالية يقول ميخا أن الله سيعطي المخلص “أشياء مدهشة” لمدة أربعين سنة.

إمتدت مهمة بهاءالله أربعين عاما بالضبط، شارك خلالها ملوك وحكام العالم “الأشياء المدهشة” التي كشفها الله له.

تقول نبوءات ميخا، أنه في آخر الأيام “سيتأسس” “بيت الرب” في الجبل، و”ستجري” شعوب كثيرة اليه، و”ستخرج” “الشريعة” منه، وأن اسرائيل ستصبح “أمة قوية”.

أن “مثل هذه الكلمات ليست بحاجة الى تعليق”، حيث نجدها في تعاليم بهاءالله، فهي تدل على حقيقتها بنفسها؟”

فهل يوجد في التاريخ قصة أروع من هذه؟

كان من المتوقع أن ترفرف الأعلام وتعزف فرق الموسيقى وتغني قلوب وأفواه البشر فرحاً بوصول موعود كل الأزمنة على سفح جبل الله المقدس.

لكن ماذا حدث بالفعل؟

كتب بهاءالله عن وصوله الى ذلك السجن الفظيع قال:

” لا يعلم ما ورد علينا الا الله العزيز..”

كانت السنوات التسع الأولى من سجن بهاءالله في مستعمرة القصاص، عصيبة وخطيرة جدا، فكتب قائلا:

“ثمّ اعلم أنّ في ورودنا هذا المقام سمّيناه بالسجن الأعظم. ومن قبل كنّا في أرض أخرى تحت السّلاسل والأغلال [أي طهران]، وما سُمّي بذلك قل تفكّروا فيه يا أولي الألباب”

لكنه أكد على أتباعه قائلا “بما معناه مترجم عن الفارسية”:

“مع ابتلائي ببلايا لا تحصى .. أبلغنا الرؤساء واحدا تلو الآخر بما أراده الله، لتعلم الأمم أن البلاء لا يمنع قلم القدم، إنه يتحرك بإذن الله مصوّر الرمم. لا تخوفك جنود من على الأرض ولا تمنعك سطوة من عليها.”

كان قرار نفي بهاءالله الى عكاء مؤرخاً في 26 يوليو 1868، وقرأ الفرمان السلطاني علناً فور وصوله داخل الجامع الرئيسى للبلدة، كتحذير لسكان المدينة.

كان السلطان خائفا فيما يبدو من وقوع أهالي عكاء تحت تأثير جمال بهاءالله الساحر، كما حدث لأهالي بغداد وأدرنة. لذا صمم في هذه المرة، أن يكون بهاءالله وأتباعه موضع سخرية وبغض سكان المدينة، وكان عازما أن لا يخطىء هذه المرة.

حكم هذا الفرمان على بهاءالله وعائلته وأتباعه بالنفي الدائم، وفرض عليهم الحبس والعزل الشديد وحظر عليهم اتصال أحدهم بالآخر أو بالأهالي، وحرّض أهالي مدينة عكاء لإهانة واضطهاد بهاءالله وعائلته وأتباعه بكل طريقة ممكنة، بعد أن وصفهم بأعداء الله والشعب.

وبهذه التصرفات الحاقدة، دمغ السلطان بختمه على وثيقة إخماد مجده الظاهري. فقد قادت كل هذه الأحداث إلى هلاك الإمبراطورية التركية، “عرش الظلم”.

 


الفصل الحادي عشر

سقوط المملكة السادسة

مَنْ خَانَ اللهَ يَخَانُ السُّلْطَانَ

الجزء الأول: تحذير

كان خليفة المسلمين، سلطان الدولة العثمانية، يقرأ القرآن الذي تكمن فيه الوعود الإلهية كل يوم. ومع ذلك، تآمر مع شاه إيران في ثلاث مناسبات متعاقبة ضد الرسول الإلهي الذي جاء يدعو للإيمان؛ وكلما كانت تصل الى وزراء السلطان أي معلومة تخص حضرة بهاءالله وأتباعه، كانوا يحرفونها ويغيرونها في الحال إلى اتهامات زائفة، ويصورونهم للملك على أنهم “مصدر الأذى للعالم” ومستحقين لكل قصاص وعقاب.

ومن جملة نصائحه، كتب حضرة بهاءالله الى السلطان عبدالعزيز يحذره من هذه الأكاذيب:

” إِيَّاكَ يَا أَيُّهَا المَلِكُ لا تَجْمَعْ فِي حَوْلِكَ مِنْ هؤُلاءِ الوُكَلاءِ الّذِينَ لا يَتَّبِعُونَ إِلاّ هَواهُمْ وَنَبَذُوا أَمَانَاتِهِمْ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَكَانُوا عَلَى خِيَانَةٍ مُبِينٍ.”

كان حضرة بهاءالله مهتم جدا بمثل هؤلاء الوزراء الظالمين الذين وضعوا مصالحهم الشخصية فوق مصالح الملك ورعاياه، فكتب:

“إِيَّاكَ يَا أَيُّهَا المَلِكُ.. لا تَدَعِ النَّاسَ وَأُمُورَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ هؤُلاءِ . مَنْ خَانَ اللهَ يَخَانُ السُّلْطَانَ وَلَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ شَيْءٍ وَلَنْ يَتَّقِيَ فِي أُمُورِ النَّاسِ وَمَا كَانَ مِنَ المُتَّقِينَ”

شاهد حضرة بهاءالله بشكل جليّ مقدار انتشار فساد الذمم والأخلاق في امبراطورية السلطنة. وكان يعرف كم يعاني الفقراء على أيدي وزراء البلاد الجشعين الفاسدين. وأكد بشدة على هذا الخطر العظيم في رسالته للسلطان عبدالعزيز، قائلا:

“إِنَّ الّذينَ تَجِدُ قُلُوبَهُمْ إِلَى غَيْرِكَ فَاحْتَرِزْ عَنْهُمْ وَلا تَأْمُنْهُمْ..وَلا تَجْعَلِ الذِّئْبَ رَاعِيَ أَغْنَامِ اللهِ وَلا تَدَعْ مُحِبِّيهِ تَحْتَ أَيْدِي المُبْغِضِينَ.. وَلا تَتَّبِعْ سُنَنَ الظَّالِمِينَ”.

نصح بهاءالله، الملك أن يكون مسؤولا بنفسه عن مصالح شعبه، وحذره أن لا يسمح للآخرين بالاستيلاء على سلطته واستغلالها بطريقة ظالمة لاضطهاد من هم أدنى منهم.

“خُذْ زِمَامَ أَمْرِكَ فِي كَفِّكَ وَقَبْضَةِ اقْتِدَارِكَ ثُمَّ اسْتَفْسِرْ عَنْ كُلِّ الأُمُورِ بِنَفْسِكَ وَلا تَغْفَلْ عَنْ شَيْءٍ وَإِنَّ فِي ذلِكَ لَخَيْرٌ عَظِيمٌ.. وَشُكْرُكَ رَبَّكَ هُوَ حُبُّكَ أَحِبَّاءَهُ وَحِفْظُكَ عِبَادَهُ وَصِيَانَتُهُمْ عَنْ هَؤُلاءِ الخَائِنِينَ، لئَلاَّ يَظْلِمَهُم أَحَد”.

لكن جميع هذه التحذيرات ذهبت أدراج الرياح، فالسلطان كان منغمس بشدة في أهوائه الذاتية بعيدا عن اهتماماته بشؤون رعيته، موكلا أمور رعيته بين أيدي بعض السياسيين الجشعين عديمي الأخلاق، من الذين كانوا يؤكدون له على الدوام إستقرار الأحوال وازدهار الأمور كما كان يشتهي. لكن ما حدث في الواقع، أن طمعهم وظلمهم أسقطهم الى الدركات السفلى ساحبين معهم السلطان وعرشه.


اتركوها لله وللزمن وسوف يحكم بيننا

الجزء الثاني: المدينة المتينة

زادت نداءات حضرة بهاءالله لحكام العالم بشدة وتكثفت خلال هذه “الأيام القاسية”. فكلما زادت معاناة حضرته، زادت قوة نداءاته للعالم للنهوض وازالة كل أشكال الظلم والضرر. وكتب:

“يا مَعْشَرَ المُلُوكِ إِنَّا نَرَاكُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ تَزْدادُونَ مَصَارِفَكُمْ وَتُحَمِّلُونَها عَلَى الرَّعِيَّةِ إِنْ هذا إِلاَّ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، اتَّقُوا زَفَرَاتِ المَظْلُومِ وَعَبَرَاتِهِ وَلا تُحَمِّلُوا عَلَى الرَّعِيَّةِ فَوْقَ طاقَتِهِم”

وفي إحد أكثر كتاباته شجباً للملوك من أمثال عبدالعزيز، سلطان تركيا الظالم، كتب حضرته:

” وَلا تُخْرِبُوهُمْ لِتَعْمِيرِ قُصُورِكُمْ، أَنِ اخْتَارُوا لَهُمْ ما تَخْتَارُونَهُ لأَنْفُسِكُمْ كَذلِكَ نُبَيِّنُ لَكُمْ ما يَنْفَعُكُمْ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ المُتَفَرِّسِينَ”

وطالب قادة البشر بالانتباه إلى رعاياهم على أنهم أهم وأغلى ممتلكاتهم:

” يا ملوك الأرض.. إِنَّهُمْ خَزَائِنُكُمْ إِيَّاكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ ما لا حَكَمَ بِهِ اللهُ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُسَلِّمُوها بِأَيْدِي السَّارِقِينَ، بِهِمْ تَحْكُمُونَ وَتَأْكُلُونَ وَتَغْلِبُونَ وَعَلَيْهِمْ تَسْتَكْبِرُونَ إِنْ هذا إِلاَّ أَمْرٌ عَجِيبٌ”

إن دفاع حضرة بهاءالله الشديد عن حقوق الفقراء والمظلومين أمام حكام الأرض الأقوياء، كان أحد الأحداث المهمة التي سبق وتنبأت عنها الكتب المقدسة قديما. فلقد ورد في العهد القديم:

“احمدوا الرب الذي ضرب ملوكا عظماء والذي في مذلتنا ذكرنا ونجانا من أعدائنا”

لقد فعل حضرة بهاءالله ذلك بالضبط، فلقد حان وقت خلاص جميع البشر من مثل هؤلاء الأعداء.

لقد حانت ساعة “قصاص” هؤلاء الملوك العظام.

وبالرغم من جميع تحذيرات بهاءالله، سمح السلطان عبدالعزيز لوزرائه الاستمرار باضطهاد السجين وأتباعه متجاهلا جميع نصائحه. عندها.. تنبأ حضرته بالجزاء المحتوم الذي سيلحق بالملك، مذكرا إياه بهذه الكلمات:

“ومع ذلك زادت غفلتكم وكذلك سُلِّطَ عليكم الوباء ولم تتنبّهوا ولكن عليكم أن تترقّبوا لأنَّ الغضب الإلهيّ لبالمرصاد وعن قريب ستشاهدون ما صدر من قلم الأمر”

إن كلمات حضرته لقادة العالم، أوضحت بدون شك، أن هذا الصراع العالمي الخطير الذي شمل ممالك بأكملها، لم يكن خلافا بينه وبين أصحاب السلطة، بل هو تصادم عالمي بين الذين يحبون الأمور الإلهية وبين أولئك الذين يحبون الأمور المادية. إنها معركة لا مفر منها بين القوى المادية والقوى الأخلاقية، إنه صراعٌ عالمي بين المادة والروح، بين الظلم القديم من جهة والعدل الحقيقي من جهة أخرى.

ان جميع المآسي التي غمرت العالم اليوم، ظهرت بسبب ابتعاد الانسان عن الله وانغماسه في المادية البحتة تماما، وبسبب انتصار طبيعته الحيوانية؛ وإلى أن يرجع إلى الله، فإنه سيبقى يعانى باستمرار مآسي عظيمة ومصائب شديدة. لهذا السبب نادى حضرة بهاءالله الملوك لمد يد المساعدة له لإنقاذ الإنسانية من هذه الكارثة المخيفة التي تهددهم. فدوره هو التوجيه والإرشاد، وعلى حكام الوقت.. القيادة.

لقد تحدى حضرته السلطان ووزرائه ورجال دينه ودعاهم لتفحص التعاليم البهائية بعقل مفتوح. وأوضح أنه إذا كان هذا الدين حق، فلن يستطيع أي ملك منع إشراقه. فليس بإمكان أي إنسان منع شمس يوم جديد. وأشار أيضا، أنه إذا لم يكن هذا الدين حق، فإن تفحص السلطان والوزراء ورجال الدين الشامل، ستكشف حقيقته الكاذبة فوراً وسيكون من السهل عليهم دحضه ومحوه.

فما هو سبب خشيتهم من التفحص وإجراء تحقيق صادق؟!

كتب بهاءالله:

“يا ملأ المبغضين إن كان هذا الأمر حق من عند الله لن يقدر أحد أن يمنعه، وإن لم يكن من عنده يكفيه علمائكم والذين هم اتبعوا اهوائهم وكانوا من المعرضين”.

لم يكن السلطان عبدالعزيز مهتما بالتحري عن أي شيء قاله بهاءالله. كان مهتما فقط بإسكات حضرته بالسرعة الممكنة. لذلك وقّع السلطان على الفرمان الذي أرسله إلى سجن عكاء، عسى أن يضع حداً لذكراه.

وحتى آخر لحظة، كان حضرة بهاءالله يحاول فتح عيون الملك ورجال الدين لمشاهدة تحقق الوعود العظيمة في كتبهم المقدسة. لقد جيء بحضرته إلى “المدينة المحصنة”، كما سمّاها داود النبي، بأمر وفرمان من السلطان؛ ولقد أشار حضرته بأن هذه واحدة من أصغر النبؤات التي تحققت بأيدي أعدائه.

هذه الكلمات قالها حضرته للجميع بكل بساطة ووضوح:

” أتركوها لله وللزمن وسوف يحكمون بيننا ”


” قريبا سنأخذ أميرهم الذي يحكم على البلاد “

الجزء الثالث : قرع للطبول

خليفة رسول الإسلام والحاكم المطلق للإمبراطورية القوية، السلطان عبدالعزيز، كان أول من تلقى قصاص العدل الإلهي من بين ملوك الشرق. فلم يكتف بهاءالله بإرسال تحذير شفهي لملك تركيا ووزرائه فقط، بل دوّنها كتابة أيضا بلهجة صريحة شديدة حتى يقرأها الناس في كل زمان، متنبئاً بسقوطه الوشيك.

كان كل من رئيس الوزراء عالي باشا، ووزير الخارجية فؤاد باشا، والسفير الإيرانى ميرزا حسين خان، يتآمرون على تنفيذ النفي المتكرر لبهاءالله.

بالنسبة لفؤاد باشا، فقد وصفه حضرة بهاءالله، بـ “المحرض” وراء النفي الرابع والأخير الى سجن عكاء. وكان هذا يشجّع رفيقه المتآمر “عالي باشا”، سعياً لتوثيق العلاقات السياسية مع إيران، من خلال إثارة مخاوف وشكوك السلطان عبدالعزيز الذي لم يكن بحاجة إلا إلى قليل من الحث والتشجيع.

لم يكن هناك غموض أو إبهام في كلمات بهاءالله المباشرة لوزراء الدولة التركية هؤلاء، بل كان تحديا واضحاً؛ ومن خلالهم حذر أيضا جميع القادة في مراكزهم المشابهة عن عاقبة الظالمين عديمي الضمير في حالة تخليهم عن شعوبهم التي وثقت بهم. فتفضل حضرته قائلا:

“قُلْ يَا أَيُّها الوُكَلاءُ يَنْبَغِي لَكُمْ بِأَنْ تَتَّبِعُوا أُصوُلَ اللهِ في أَنفُسِكُم وَتَدَعُوا أُصُولَكُمْ وَتَكُونُنَّ مِنَ المُهْتَدِينَ. فَسَوْفَ تَجِدُونَ مَا اكْتَسَبْتُمْ فِي الحَيٰوةِ البَاطِلَةِ وَتُجْزَوْنَ بِمَا عَمِلْتُمْ فِيهَا”

وأضاف هذه الكلمات أيضا:

“سَتَمضي أَيَّامُكُمْ وكُلُّ ما اَنْتُم تَشتَغِلُونَ بِهِ وبِهِ تَفْتَخِرُونَ عَلَى النَّاسِ.. وَهَذا مِنْ يَوْمِ الّذي يَأْتِيكُمْ وَالسَّاعَةِ الَّتي لا مَرَدَّ لَهَا”

كان فؤاد باشا، أول من عانى آلام الانتقام. ففي خلال عام بعد وصول بهاءالله إلى مدينة السجن عكاء، طُعن وزير الخارجية خلال رحلة إلى باريس، ومات في مدينة نيس. وهكذا هلكت مكائده وطموحاته معه.

وجه بهاءالله خطابه الثاني إلى رئيس الوزراء التركي عالي باشا، ووصفه بأنه من طراز القادة الذين يستنكرون ويضطهدون رسل الله في كل زمان. كان عالي باشا يعتبر نفسه مثل ناصرالدين شاه، ملك إيران، أمل تركيا. كان يأمل من برنامجه العصري أن يجعل من الإمبراطورية المتهالكة والآيلة للسقوط أمة قوية وبعيدا عن ضعف ودكتاتورية السلطان، فإن هذا البرنامج كان من المفترض أن يعطي الحكومة الكثير من القوة والتحكم.

تنبأ بهاءالله بدمار رئيس الوزراء عالي باشا، وحذره من الانخداع بنفوذه الحالي ومركزه العالي، وطلب منه تأمل مغزى وفاة زميله المبكر والحذر منها. وحذره والسلطان، بالكوارث التي ستضربهما قريبا. فقد كتب بوضوح عن المأسي الوشيكة الحدوث، حتى يعلم العالم كله أنه تنبأ بسقوطهما. فكتب يقول:

“سوف نعزل الذى كان مثله (عالي باشا) ونأخذ أميرهم الذى يحكم على البلاد (السلطان عبد العزيز)”

وتحققت النبوءة الدرامية بدون سابق إنذار.ففجأة.. جُرّد عالي باشا من جميع سلطاته، وعزل من منصبه ثم مات بعد ذلك بقليل في نسيان تام. وأصبحت حياته السياسية التي كان يأمل منها أن تكون (أمل تركيا)، حياة قصيرة.

وتنبأ أيضا بخصوص مدينة أدرنة. فوصف المآسي التي ستقع عليها وعلى سكانها، ليس بسبب استخفاف السلطان ووزراءه بمبدأ العدل فقط، بل بسبب استخفاف سكانها أيضا.

إن كلمات بهاءالله، لها صدى اليوم مثل قرع الطبول:

“فَسَوْفَ تُبَدَّلُ أَرْضُ السِّرِّ (أدرنه) وَما دُونَها وَتَخْرُجُ مِنْ يَدِ المَلِكِ وَيَظْهَرُ الزِّلْزالُ وَيَرْتَفِعُ العَوِيلُ وَيَظْهَرُ الفَسَادُ فِي الأَقْطار”

وتنبأ بهاءالله أيضا:

” وَتَخْتَلِفُ الأُمُورُ بِما وَرَدَ عَلَى هؤِلاءِ الأُسَرَاءِ مِنْ جُنُودِ الظَّالِمِينَ، وَيَتَغَيَّرُ الحُكْمُ وَيَشْتَدُّ الأَمْرُ عَلَى شَأْنٍ يَنُوحُ الكَثِيبُ فِي الهِضَابِ وَتَبْكِي الأَشْجَارُ فِي الجِبالِ وَيَجْرِي الدَّمُ مِنْ كُلِّ الأَشْياءِ وَتَرى النَّاسَ فِي اضْطِرابٍ عَظِيمٍ”

وأعاد بهاءالله الى ذاكرة الخليفة العثماني السلطان عبدالعزيز، رأس عائلة آل عثمان، ما آل إليه مصير أقرانه الحكام. فلقد تجاهل مرة تلو الأخرى احتياجات ومتطلبات الوضع الحالي. حيث أنه لم يكن يتأثر بمعاناة شعبه، وكان لا يحبذ تماما أي اقتراحات للاصلاح تأتيه من القلم الأعلى للسجين. وحتى لا يلتبس على السلطان معنى كلمات بهاءالله، تفضل مصرحاً:

“وَسَوْفَ يَأْخُذُكُمْ بِقَهْرٍ مِنْ عِنْدِهِ وَيَظْهَرُ الفَسَادُ بَيْنَكُمْ وَيَخْتَلِفُ مَمالِكُكُمْ، إِذاً تَنُوحُونَ وَتَتَضَرَّعُونَ وَلَنْ تَجِدُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ مُعِينٍ وَلا نَصِير”

ومثلما حدث لنابليون الثالث وبقية الملوك، تحققت هذه النبؤة بسرعة مخيفة. فلقد تجمعت عوامل انهيار الدولة بسبب طريقة الحكم الفاسدة. وفي معاملة السلطان عبدالعزيز لحضرة بهاءالله، نموذجا فريدا لذلك. فلم تكن لديهم رغبة للثقة بالله. لقد ذكرنا في هذا الكتاب من قبل الأحداث التي تلت ذلك.

وبدون سابق إنذار أسقطت ثورة البلاط الحكومة الملكية. وأُقـتيد السلطان الذي كان يعتبر بذاته شخصاً مقدساً، بأيدي فظة قاسية ووضع في السجن. وقام الثوار بعزله لصالح إبن أخيه “عبدالحميد” الذي كانوا يعتقدونه الأنسب في الحكم. وكانت المشكلة المتبقية هي، ماذا يفعلون بالملك المخلوع، فلقد أصبح رأس السلطة الدينية والمدنية مشكلة حقيقية بالنسبة لهم.

أخيراً.. تم حلّ هذه المشكلة بنفس الطريقة التي كان يحل بها السلطان عبدالعزيز مشاكله. ففي صباح أحد الأيام، طرق سمع السلطان البائس وهو في زنزانته صوت خطوات تدخل غرفته التي احتجز فيها. وكان ذلك آخر شيء يسمعه…!

 


“أن يا ملأ المدينة اتّقوا الله”

الجزء الرابع : سقوط المملكة السادسة

خلال ولاية السلطان عبدالحميد الثاني، ازدادت الانتفاضات عنفاً وقوة. وفي النهاية، في عام 1909م، تقدم الى العاصمة للثأر، جيش أرسلته جمعية اتحاد تركيا الفتاة من سالونيكا، فعاقبت كل من عارض خططها الإصلاحية، واتخذت خطوات للتعامل مع السلطان عبدالحميد الثاني نفسه. فتخلى أصدقاء السلطان عنه، وأدين من قبل مرؤوسيه. فلقد كان مكروها من نظرائه ملوك أوروبا، وأجبر على التنازل عن العرش. وكسابقه السلطان عبدالعزيز، أصبح سجين الدولة، ثم نفي نفياً أبدياً. وهكذا عانى السلطان من نفس العقوبات التي تعرض لها عمه جزاء أيذائه لبهاءالله وعائلته. أما الوزراء الملكيين الذين شجعوا الملوك على ظلمهم وتربحوا من تصرفاتهم، فكان ينتظرهم مصيرا فظيعا. ففي يوم من أيام عام 1909، اعتقل ما لا يقل عن 31 وزيراَ وموظفاً كبيراً، واقتيدوا جميعا للمشانق، وكان بينهم عدد من أكثر أعداء دين بهاءالله. وحتى في مدينة القسطنطينية نفسها، التي سبق وأضفي عليها من قبل لقب المدينة الباهرة للإمبراطورية الرومانية، ولاحقا أصبحت عاصمة الإمبراطورية العثمانية، فلقد استبدلتها الثورة بمدينة أنقرة، ولم تعد عاصمة الدولة. وهكذا.. جردت من مجدها ومن عظمتها، واستبدل حتى اسمها ليصبح استنبول.

إن ما انتهى اليه مصير القسطنطينية، يستحضر الى الأذهان بشدة كلمات بهاءالله. فلقد تحدث عن الحالة التي وجد عليها مدينة القسطنطينية وأهلها عندما وصلها كسجين منفي:

“فَلَمَّا وَرَدْنَا المَدِينَةَ وَجَدْنَا رُؤَسَاءَهَا كَالأَطْفَالِ الَّذينَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الطِّينِ لِيَلْعَبوا بِهِ وَلِذَا بَكَيْنَا عَلَيْهِمْ بِعُيُونِ السِّرِّ لارْتِكَابِهِمْ بِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِغْفَالِهِم عَمَّا خُلِقُوا لَهُ”

لم يكن بين أهل القسطنطينية مستمع، لذا حذر بهاءالله تلك المدينة بأنها ستنال الإنتقام الإلهي:

“فَسَوْفَ يُظْهِرُ اللهُ قَوْماً يَذْكُرُونَ أَيَّامَنا وَكُلَّ مَا وَرَدَ عَلَيْنَا وَيَطْلُبُونَ حَقَّنَا عَنِ الّذينَ هُمْ ظَلَمُونَا بِغَيْرِ جُرْمٍ وَلا ذَنْبٍ مُبِينٍ وَمِنْ وَرَائِهِمْ كَانَ اللهُ قَائِماً عَلَيْهِمْ وَيَشْهَدُ مَا فَعَلُوا وَيَأْخُذُهُمْ بِذَنْبِهِمْ وَإِنَّهُ أَشَدُّ المُنْتَقِمِينَ”.

لقد فقدت اسطنبول مكانتها العالية التي استمرت لستة قرون متوالية بلا انقطاع كعاصمة لامبراطورية عريضة لا تضاهى معنويا وفعليا. لقد انتهت الامبراطورية العثمانية. وقرر الثوار معاقبة العاصمة أيضا، واعلنوا أنها لن تكون بعد الآن مركز الظلم وإبتزاز لأموال والأرواح. فهجرت مساجد العاصمة، وتحول “مسجد آية صوفيا” الذي كان أفخرها وأجملها إلى متحف، بل واستبعدت من البلاد حتى اللغة العربية، لغة الرسول.

رنت كلمات بهاءالله بوضوح عند من لديهم “آذان ليستمعوا بها”:

“يا أيّتها النّقطة الواقعة في شاطي البحرين قد استقرّ عليك كرسيّ الظّلم واشتعلت فيك نار البغضآء على شأن ناح بها الملأ الأعلى والّذين يطوفون حول كرسيّ رفيع، نرى فيك الجاهل يحكم على العاقل والظّلام يفتخر على النّور وإنّك في غرور مبين، أغرّتك زينتك الظّاهرة سوف تفنى وربّ البريّة وتنوح البنات والأرامل وما فيك من القبآئل كذلك ينبّئك العليم الخبير”

كم يبدو كلام بهاءالله مماثلاً لكلام المسيح المضطهد تجاه أورشليم، حيث قال: “لأنكِ لم تعرفي زمان افتقادك”

عندما نُقلَت العاصمة التركية الجديدة إلى أنقرة، كانت هي الضربة الأخيرة والنهائية. وبذلك هوت القسطنطينية “قبة الإسلام”، التي مجّدها الامبراطور قسطنطين كـ “روما جديدة”، والعاصمة الرفيعة لكل من الرومان والمسيحية، ومجدت باعتبارها “عرش خلفاء الإسلام”.. نزلت إلى مرتبة المدن العادية، وجردت من كل أبهتها وخيلائها وسنائها، وأصبحت مناراتها العالية الرشيقة، مثل شاهد على قبر أبهتها وروعتها التي بادت.

وسقطت المملكة السادسة.

 


الفصل الثاني عشر

لا حاجة للسؤال بمحضر من أقف

الجزء الأول  : جبل الكرمل

كان سجين عكاء قد فاز في المعركة الروحية ضد مضطهديه حتى قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية بوقت طويل. فبرغم نجاح رجال السياسة الفاسدين في القسطنطينية في نشر الافتراءات والأكاذيب وتحريض العامة والمسؤولين ضده حتى قبل وصوله، إلا أن تعاقب السنين أعطت أهالي عكاء فرصة التعرف على زائرهم. ورغم أن قلة قليلة منهم أدركت حقيقة مهمته، إلا أن صبره وحلمه وحكمته، أسرت أقسى قلوب سكانها، فأعتبروه قديساً بارك بوجوده الإقليم بأتمه.

إن فرمان النفي لم يبطل أبدا، لكنه أصبح مجرد أمراً ميتاً. فبهاءالله كان سجيناً شكلياً، حيث فتحت له أبواب مدينة السجن بأمر حكام عكاء أنفسهم بعدما أدركوا مقامه العظيم.

أخيرا.. أصبح بهاءالله حراً وباستطاعته الخروج من أبواب المدينة للتمشي على جانب جبل الكرمل، وهناك أختار الموقع المستقبلي لمرقد مبشره حضرة الباب. فقد رتب بنفسه عملية نقل الرفات المقدسة من إيران إلى الأراضى المقدسة.

وبالتدريج أدرك كل الناس براءة بهاءالله من التهم المنسوبة إليه، ونفذت روح تعاليمه الحقيقية ببطء عبر الحواجز السميكة من اللامبالاة والتعصب الأعمى للناس.

وقام الشيخ محمود، رجل الدين المسئول في عكاء، المشهور بتعصبه الأعمى في محاربة دين بهاءالله، باعتناق الدين البهائي واشتعلت حماسته ليصنف ويجمع العديد من النبوءات المتكررة في الكتابات الإسلامية المرتبطة بمغزى مدينة عكاء وزائرها. وفي غضون سنوات قام بعض رجال الدين من جميع الأديان بالسير على نهجه. واضافة الى المسلمين، سعت مجموعة من مثقفي المسيحيين واليهود للدخول في محضره.

فزار البروفسير براون من جامعة كامبردج بهاءالله وتشرف بمحضره في أربعة مقابلات متوالية. وكتب يخبر أحد أصدقائه عن تلك الساعات قائلا: “الواقع أنّه كانت تجربة غريبة ومثيرة، ولا أمل لي في أن أنقل إليك من تأثيراتها شيئاً ذا بال”

ووصف إحدى مقابلاته مع بهاءالله في هذه الكلمات:

(أمّا الوجه الّذي طالعني فلا يمكنني أن أنساه، وإن كنت لا أستطيع أن أصفه.. ولم أكن بحاجة إلى أن أسأل أحدًا في محضر من وقفت. وانحنيت بين يدي من يحيطه من المحبة والوفاء ما يحسده عليهما الملوك والأباطرة..)


سيحطم أغلال أعناق الناس

الجزء الثاني : مركز الميثاق

رحل حضرة بهاءالله عن هذا العالم في بيت خارج مدينة عكاء في 29 مايو 1892م، بعدما تحققت مهمته. ومع أن شريحة من أتباعه لم تكن مدركة لمدى أبعادها في وقتها، إلا أنه وضع أساساً لمجتمع عالمي سيزود العالم بنموذج “نظام جديد في العلاقات الإنسانية” والذي سبق ورفضه الملوك بشدة.

كان الناس في عكاء مدركين أنهم فقدوا من وسطهم شخصية عظيمة لا بديل عنها. فاحتشد جمع غفير من مختلف الأديان والمذاهب في الحقول المحيطة ببيت حضرة بهاءالله. وكتب شاهد عيان قائلا: “حشد كبير من مواطني عكاء والقرى المجاورة شوهدوا وهم يبكون ويضربون رؤوسهم ويصرخون من حزنهم”.

في “وصية عهده” الخطية، عيّن حضرة بهاءالله، حضرة “عبد البهاء”، المبين الوحيد لتعاليمه، ومركزا لعهده وميثاقه.

حمل حضرة عبدالبهاء، نداء بهاءالله لشعوب وقادة العالم، وسافر إلى أوروبا وأمريكا في عام 1911م وعام 1912م محاولا إيقاظ العالم من الأخطار التي تهدده.

عند وصول حضرة بهاءالله الى مدينة السجن، ذكر أنه قال لحضرة عبد البهاء: “سأهتم بكتابة الأوامر والنصائح لمستقبل العالم الآن؛ واترك لك وظيفة استقبال الزوار وخدمة الناس”.

ورد في المزامير عن اليوم الذي سيؤسس فيه “يهوه” هذا العهد “لكل الأجيال” عندما “يفرق أعداءه” و”يسحق خصومه”: “قطعت عهدا مع مختاري.. أن أجعل بكري أعلى من ملوك الأرض.. ويثبت عهدي له.. يثبت معه مثل القمر الى أبد الدهر”

لم يكن حضرة عبدالبهاء، رسولا أو “مظهراً إلهياً” مثل حضرة بهاءالله أو المسيح أو بقية مؤسسي الأديان العظيمة. أن دوره في التاريخ الروحاني الإنساني، يعتبر لغزاً. فمن جهة تعتبر حياته أعظم مثال يحتذى به من قبل المؤمنين بالدين البهائي، فهو الدليل على أن تعاليم حضرة بهاءالله هي أسلم وأبدع طريقة ليحيا من خلالها البشر عصراً جديداً. ومن جهة أخرى، فان حضرة عبدالبهاء هو المصمم لنظام المؤسسات الإدارية كما أبدعها وخططها حضرة بهاءالله، وهو المشرف على تكوين أول هذه الكيانات الديمقراطية المختارة على النهج الذي صممه والده. فلأول مرة في التاريخ، يقدم رسول إلهي مبادئ إجتماعية ومؤسسات نموذجية إضافة إلى التعاليم الروحانية. وبسبب هذا الدور الفريد الذي منحه قلم حضرة بهاءالله الأعلى، احترمه ووقره جميع البهائيين في كل مكان.

إن قصة وفود حضرة بهاءالله، “مجد الرب” إلى جبل الكرمل في الأرض المقدسة لتأسيس ميثاق عهده مع الناس لكل الأزمنة، هو أمر جميل جداً وقوي بحيث يكون من المستحيل إبعاد أصداء كلمات إشعيا في الكتاب المقدس:

“ويأتي الفادي الى صهيون.. أما أنا فهذا عهدي معهم قال الرب.. قومي استنيري لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليك لأنه هاهي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم. أما عليك فيشرق الرب ومجده عليك يُرى.. لأن الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد وخراباً تخرب الأمم.. وتعرفين إني أنا الرب مخلصك ووليك”

في عكاء.. وصل الاضطهاد الذي بدأ على يد عبدالعزيز إلى ذروته على يد وريثه عبدالحميد الثاني قبل سقوط السلطنة العثمانية. لكن عبدالبهاء رفض السماح لهذه التهديدات الجديدة بإعاقته عن الاستمرار في مساعدة المرضى والمحتاجين. ففي كل يوم كان يزور اليتامى والمرضى والفقراء. وطوال حياته، رفض بهدوء السماح لمشاكله الخاصة أن تقطع زياراته الشخصية لهؤلاء النفوس التي كانت بحاجة لمساعدته.

في ليلة مبكرة من شتاء 1907، حلم حضرة عبد البهاء حلماً رواه لأصدقائه، فقد رأى سفينة تلقي بمرساها في عكاء، ثم تطير منها بعض الطيور؛ وعندما اقتربت من حضرته، أتضح له أنها تشبه أعواد الديناميت. تقدمت هذه الطيور وراحت تحوم فوق رأسه. وكان حضرته واقفا بين حشد كبير من الناس يملأهم الذعر والخوف. وفجأة.. رجعت الطيور لسفينتها دون أن تنفجر.

بعد عدة أيام.. ظهرت من بعيد، سفينة في الأفق رست في ميناء حيفا، كانت تحمل لجنة ملكية جديدة جاءت من القسطنطينية، مؤلفة من أربعة ضباط تحقيق يرأسهم “عارف بك”، ومن بينهم من هو عدو لحضرة بهاءالله ودينه، وكانت تحمل كافة التفويضات المطلوبة للتخلص من حضرة عبدالبهاء نهائيا وبأي طريقة تراها مناسبة.

وعلى الفور.. تحفظت اللجنة على جميع مكاتب التلغراف والخدمات البريدية في حيفا وحجرت عليها، وصرفت منها أي موظف اشتبه بأنه صديق لحضرة عبدالبهاء، ومن ضمنهم حاكم المدينة. ثم قامت بوضع حراس على منزل حضرته. فشجعت مظاهر القوة هذه أعداءه لحضور جلسات اللجنة للقيام بدورهم في ضمان سقوطه. وبسبب الخوف من انتقام المحققين، تخلى عنه حتى بعض الفقراء الذين كان يساعدهم بمنتهى الكرم لوقت طويل.

مرة أخرى راحت تنتشر الأخبار في حيفا وعكاء عن مصير عبدالبهاء وأنه سيؤخذ كسجين على متن السفينة، وقد يلقى به في أعماق المحيط أو يتم نفيه في رمال أفريقيا أو حتى تسميره على أبواب عكاء.

لم يهتز هدوء حضرته، وقال لبعض الأحباء الذين بقوا في عكاء: “إن معنى الحلم الذي حلمته أصبح واضحا الآن.. أرجوك يا إلهي لا تجعل الديناميت ينفجر”.

 


“لأني عامل عملا في أيامكم لا تصدقون به أن أخبر به” سفر حبقوق1/5

الجزء الثالث: سلاح الله

في إحدى الأمسيات، قبل وقت الغروب، رفعت السفينة التي كانت راسية في حيفا مرساتها وتوجهت إلى عكاء. فانتشرت الأخبار بسرعة مرة أخرى: “لقد ركبت اللجنة السفينة. ومن المتوقع أن يتوقفوا وقتاً كافياً في عكاء ليأخذوا عبدالبهاء معهم.

أحاط الكرب والغم عائلة حضرة عبدالبهاء. وناح المؤمنون الذين أمرهم بترك المدينة بشدة من فكرة الافتراق عنه. في تلك اللحظات المفجعة، شوهد حضرته في حديقة بيته وهو يعتني بأزهارها في صمت وسكون.

بعد غروب الشمس وعتمة السماء، كانت أنوار السفينة تبدو واضحة للعيان وهي تتقدم من بعيد.

فجأة.. اذا بها تهتز وتتمايل وتغير اتجاهها بعيدا، فاتضح انها تبحر نحو القسطنطينية.

لم ينفجر الديناميت! بل بالأحرى انفجر نوع آخر منه. فلقد ثار أعضاء حزب “تركيا الفتاة” في العاصمة وسحقوا كل مقاومة ملكية، وتم خلع السلطان عبدالحميد ووضع مكانه ملك صوري آخر. وبدلا من أن تأخذ السفينة حضرة عبدالبهاء إلى موت محقق، أخذت إلى القسطنطينية ذات أعضاء لجنة التحقيق الذين حاولوا إدانة حضرته، ليلقوا حتفهم هناك.

إن السلاح الذي رفعه ثوار حزب تركيا الفتاة، لم يبعد التهديدات عن رأس حضرة عبدالبهاء فقط، بل حرره أيضا من سجن دام أكثر من خمسين عاما. بدأ هذا الحبس، عندما كان حضرته طفلا بعمر تسع سنوات فقط، وانتهى وهو في سن الرابعة والستين.

حمل حضرة عبدالبهاء، دين حضرة بهاءالله، إلى أفريقيا وأوروبا وأمريكا. هذه الرحلات التبليغية ستظل للأبد فريدة في سجلات الأحداث الدينية التاريخية.

تخيلوا..! إبن رسول إلهي يزور ويخطب في الكاتدرائيات والكنائس والكُنس، وفي المدارس والجامعات، ويحاور رؤساء البلديات والقادة والمثقفين والفلاسفة والعلماء..ويدخل بيوت المليونيرات وأحياء الفقراء!.

استضيف حضرة عبدالبهاء من قبل الأمراء والمهراجا والنبلاء. وتكلم مع كبار رجال الدين في كل من إنجلترا وأمريكا، ومع الثيوصوفيين، اللاأدريين، الماديين، الروحانيين، علماء المسيحية، المصلحين الاجتماعيين، الهندوس، الصوفيين، المسلمين، البوذيين، الزردشتيين. كما تكلم مع الكاثوليك والبروتستانت واليهود. وأيضا مع وزراء الدول والسفراء وأعضاء الكونجرس والبرلمانات، والتقى وزراء الدول وعمداء الجامعات ومشاهير العلماء وقواد الجيش وكبار شخصيات المجتمع. جميعهم التقوا به واستمعوا لرسالته الداعية إلى الوحدة.

ولمدة ثمانية أشهر طوال، سافر عبدالبهاء من الساحل إلى الساحل عبر الولايات المتحدة وكندا، معلنا عن دين والده من فوق المنابر والمنصات ووسائل الصحافة. وبصرف النظر عن كل ما سيحمله المستقبل من أحداث ووقائع، فمن المستحيل على أي انسان القول أنه لم تسنح له فرصة السماع عن الظهور الإلهي في عصرنا.

لماذا لم يسمع الملايين، بدل الآلاف، حتى يؤمنوا؟

ربما نجد مفتاح السرّ في سفر حبقوق الذي تنبأ: “لأن الأرض تمتلئ من معرفة مجد الرب كما تغطي المياه البحر”. وقال أيضا: “.. انظروا بين الأمم وأبصروا وتحيروا حيرة، لأني عامل عملا في أيامكم لا تصدقون به إن أخبرتم به”

أثناء الحرب العالمية الأولى، كتب حضرة عبدالبهاء عمله التاريخي، “ألواح الخطة الإلهية”، حيث نادى من خلالها أتباع حضرة بهاءالله بحمل رسالة اتحاد العالم والعدل الاجتماعي لكل ركن من أركان الكرة الأرضية مهما بعدت. فاستجاب الآلاف وتأسس مجتمع حضرة بهاءالله الآن على أكثر من 130,000 مركز وفي أكثر من 350 أمة مستقلة وأقليم رئيسي. ورغم أن هذه الأرقام دونت الآن، إلا أن هذه الاحصائية ستعتبر قديمة، لأن الدين البهائي ينمو بسرعة.

من الملفت للانتباه أن دارسو الكتب المقدسة السابقة، بدأوا يظهرون اهتماما بكلمات النبي دانيال بعدما وجدوا لها تحققا مثيراً في قصة حضرة بهاءالله. لم يتنبأ دانيال فقط بسقوط الملوك، بل تنبأ أيضا: “وفي أيام هؤلاء الملوك “الطالحين”، يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبدا.. وهي تثبت إلى الأبد”.147

وعن هذه الفترة التي صور دانيال حدوث هذه الأمور فيها، قال عدد من علماء الإنجيل، إنه لابد وأنها استهلت في 1844م، ذات السنة التي ولد فيها الدين البهائي.

وقال حضرة عبدالبهاء عند سقوط عبدالحميد:

“نزع الله الأغلال من عنقي ووضعها حول عنق السلطان عبدالحميد. حدث ذلك بغتة وفي مدة قصيرة، وفي نفس الساعة التي أعلن حزب “تركيا الفتاة” الحرية وأطلقت لجنة الاتحاد والترقي سراحي. رفعوا الأغلال عن عنقي ورموها حول عنق عبدالحميد. إن ما فعله معي انعكس عليه”

أما بشأن السلاح الذي أطلقته ثورة تركيا الفتاة بهذا الشكل القوي، قال عنه حضرته:

“كان ذلك سلاح الله”.

 

 


الفصل الثالث عشر

سقوط الممالك في كل مكان !

“أن يا أيها الملوك، قد مضت عشرون من السنين”

الجزء الأول: سقوط الممالك في كل مكان

إن كتابات حضرة بهاءالله، وخطب حضرة عبدالبهاء في أوروبا وأمريكا، أوضحت ان الله لم يناشد فقط أولئك الذين تسلموا الرسائل الخاصة، بل كل حكام الأمم مسئولين عن الوديعة التي عهدت اليهم، ولقد جاء اليوم التي تترجم فيه هذه الأمانة إلى تصرفات عادلة.

لا تنطبق هذه المناشدة على مجموعة معينة بقدر ما تنطبق على الملوك بالتحديد، فالانهيار اللاحق للملكية واختفاء العديد من العروش، يجعلنا نفهم علاقة ذلك بتجاهلهم لرسالة الله. لقد حذرهم بهاءالله من الخسارة الكبيرة التي سيتكبدوها إذا اهملوا نصيحته:

“أَنْ يا مُلُوكَ الأَرْضِ.. وَمَا تَجَسَّسْتُم في أَمْرِهِ بَعْدَ الّذِي كَانَ هذا خَيْرٌ لَكُمْ عَمَّا تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْها إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الْعَالِمينَ”

بحث بهاءالله دون جدوى عن ذلك القائد العظيم للبشر الذي سيرغب بتقديم أي تضحية ضرورية لرفع شأن العدل، ليس في الشرق والغرب، ولا بين الأغنياء والفقراء ولا بين النور والظلمة ولا بين اليهود وغيرهم، بل بين جميع أهل الارض.

أطرى بهاءالله على مثل هذا القائد بقوله:

“طُوبَى لِمَلِكٍ قَامَ عَلَى نُصْرَةِ أَمْرِي.. إِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ البَصَرِ لِلْبَشَرِ وَالغُرَّةِ الغَرّآءِ لِجَبِينِ الإِنْشآء”

انتظر بهاءالله بصبر ما يقرب من نصف مدة حياته، ليظهر مثل هذا الملك أو القائد، لقد تشوّق ليشهد خلال حياته ثمار مثل هذا العمل البطولي، وأعلن ان العالم سيصبح عالماً آخر، والناس سيصبحون أناساً آخرين لو استجابوا لندائه. ونصح أنه بدلاً من “الصلح الأكبر”، على الانسان ان يقنع نفسه “بالصلح الأصغر”. وبسبب قلة استجابة البشرية، لذا عليها أن تعاني كي تفوز بهدف اتحاد وسلام العالم.

ومع ذلك، لم ينهض أي ملك أو أمة لتلبية نداءه. وفي النهاية أعلن:

“أَنْ يَا أَيُّهَا الْمُلُوكُ قَدْ قَضَتْ عِشْرينَ مِنَ السِّنِينَ.. وَمَا كُنْتُمْ مِنَ المَانِعِينَ، بَعدَ الَّذي يَنْبَغِي لَكُمْ بِأَنْ تَمْنَعُوا الظّالِمَ عَنْ ظُلْمِهِ وَتَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالعَدْلِ لِيَظْهَرَ عَدالَتُكُمْ بَيْنَ الخَلائِقِ أَجْمَعِينَ”

إن حكام الشعوب سمحوا “للذئاب” أن يوجهوا ظلمهم إلى “الأغنام”. لذلك.. فان ساعة الجزاء لن تتأخر. وأعلن بهاءالله اعلاناً مذهلاً، قال: إن الله قد سلب القوة من الملوك، وقريبا ستهاجمهم رياح البلايا من كل الجهات. وكتب عن هؤلاء الملوك الظالمين قائلا:

” قد أخذوا بناصيتهم ولا يعرفون”

لم تمض سوى سنتين فقط بين الوقت الذى أرسل فيها أول رسائله للملوك وتم تجاهلها وبين الوقت الذي انهارت فيه أول مملكة. فالعاهل الفرنسي نابليون الثالث الذي جحد نصيحة بهاءالله لمرتين وتعمد إزدرائه، كان أول من أطيح به عن عرشه، ثم تبعته سلسلة لا تنتهي من العروش خلال عقود لاحقة.

ما يلي.. هو الترتيب الزمني لجزء من قائمة الأحداث المهمة التي أعقبت بيانات بهاءالله التاريخية للرؤوس المتوجة في العالم، والمصير الذي لحق ببعض الممالك الكبيرة في العالم:

  1. سقوط المملكة الفرنسية (1870)
  2. اغتيال السلطان عبدالعزيز (1876)
  3. اغتيال ناصرالدين شاه (1896)
  4. سقوط السلطان عبدالحميد الثاني (1909)
  5. سقوط المملكة البرتغالية (1910)
  6. سقوط المملكة الصينية (1911)
  7. سقوط المملكة الروسية (1917)
  8. سقوط المملكة الالمانية (1918)
  9. سقوط المملكة النمساوية (1918)
  10. سقوط المملكة الهنجارية – المجر- (1918)
  11. سقوط المملكة التركية (1922)
  12. سقوط السلالة القاجارية (1925)
  13. سقوط المملكة الاسبانية (1931)
  14. سقوط المملكة الالبانية (1938)
  15. سقوط المملكة الصربية (1941)
  16. سقوط المملكة الايطالية (1946)
  17. سقوط المملكة البلغارية (1946)
  18. سقوط المملكة الرومانية (1947)
  19. سقوط المملكة المصرية (1952)
  20. سقوط المملكة العراقية (1958)
  21. سقوط المملكة اليمنية (1962)

كان مشهدا ضخما وهائلا بدى أمام عيون الناس وهي تتأمل المجال الذي هبّت عليه رياح الانتقام الالهي منذ بداية دعوة بهاءالله.

سبق واحتفلت المجلات وصحف الأخبار بشهرة العصور الفكتورية والإدواردية وبزينة ملوكهم وأبهتهم الفريدة، وكتب المؤرخون والسياسيون مجلدات عن “سقوط الامبراطوريات”، إلا أن علماء الاجتماع والتاريخ حاولوا عبثاً شرح هذا المشهد وربطه بالقوى السياسية أو التاريخية فقط، وبحثوا دون جدوى لكشف النقاب عن “القوى المفجعة التي ساقتهم الى حتفهم”.

عندما كتب بهاءالله رسالته الأولى من المكان البعيد في أدرنه عام 1867م، لم يكن باستطاعة أحد التنبؤ بالأفول العالمي لمؤسسات اعتبرت العمود الرئيسي لأي حضارة في التاريخ. فالرأي العام لم يستطع تصوّر عالم بلا ممالك. فلا مؤرخ عاقل ولا فيلسوف سياسي مؤهل لتقديم مثل هذه التنبؤات.

لقد تركت مهمة إعلان إسدال الستار نهائياً على الملوك حول العالم ولمدة طويلة، لرسول الله.


“كل البيوت العظيمة لها نهاية”

الجزء الثاني : “من رأس الكرمل”

باتمام إعلان بهاءالله للملوك، بزغ فجر “اليوم المفزع العظيم” الذي سبق وتنبأ عنه النبي أرميا، وارتفعت حرارة منتصف نهاره القوية. اليوم الذي تنبأ به بمجيء موعود الأمم، وأخبرنا ماذا سيفعل الله بملوك الأرض الظالمين الطغاة، قائلا:

“خذ كأس خمر هذا السخط من يدي، واسق جميع الشعوب الذين أرسلك أنا اليهم اياها.. وكل ملوك الشمال القريبين والبعيدين، كل واحد مع أخيه، وكل ممالك الارض التي على وجه الارض. وتقول لهم: هكذا قال رب الجنود.. اشربوا واسكروا وتقيأوا واسقطوا ولا تقوموا من اجل السيف الذي أرسله أنا بينكم.. لا تتبرأون، لاني أنا أدعو السيف على كل سكان الارض، يقول رب الجنود”

لكن العقاب تطور أكثر من ذلك، وشمل عائلات الهوهنتسولرن، هابسبيرغ، رومانوف، بونابارت، والعثمانية والقاجارية. ولحق أيضا بأغلب الممالك والسلالات الصغيرة التي حكمت في الأرض. إن الزوبعة التي وعد بمجيئها النبي إشعيا، قد أتت الآن وعصفت بملوك وأمراء ومسحتهم من على وجه الأرض كلها.

ربما لا يوجد نبي في العهد القديم سبق وتنبأ بوضوح بمصيبة الملوك القادمة، مثلما فعل النبي عاموس؛ إنه هو بذاته الذي وصف بدقة الأحداث المادية التي وقعت أيام “الباب”، مبشر الدين البهائي الذي واجه القتل من فوج عسكري مؤلف من 750 ألف جندي.

تنبأ عاموس.. كما تنبأ من قبله إشعيا، أنه في “يوم الزوبعة” سيمضي “الملك” و”أمرائه” الى العبودية، وسيكون هناك “جوع وعطش” لسماع “كلمات الرب”. وسيركض أدعياء التحرر واللادينيين والماديين “ذهابا وإيابا” للبحث عن كلمات الله، لكنهم لن يجدوها أبدا.

أعلن عاموس أن الرب في ذلك اليوم، سيدعو من صهيون ومن “أعلى الكرمل” بقوة الى محضره. سيأتي الرب و”لن يكون صامتا”.

إن صدى كلمات بهاءالله، من خلال القصور الخالية تنذر:

“يَا أَيُّها المُلُوكُ وَإِنْ لَنْ تَسْتَنْصِحُوا بِما أَنْصَحْناكُمْ في هذا الكِتابِ بِلِسانِ بِدْعٍ مُبينٍ، يَأخُذُكُمُ العَذَابُ مِنْ كُلِّ الجِهاتِ وَيَأتِيكُمُ اللهُ بعَدْلِهِ، إذاً لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَقُومُوا مَعَهُ وَتَكُونُنُّ مِنَ العَاجِزينَ، فَارْحَموُا عَلى أنفُسِكُمْ وَأنْفُسِ العِبادِ”

إنه لمن المدهش أن يؤكد رسول إلهي في زماننا على ان الوقت قد حان لعقاب وردع كل أنواع العدوان. ومهما بلغت قوة المعتدي، فلن يتمكن من التغلب على مشاكل العالم:

” لم يغمض الله عينه عن طغيان المعتدين، بل انه انتقم في هذا الظهور من كل الطغاة أجمعين”

من مكان الأسر في عكاء، من “باب الرجاء”، حيث وعد النبي هوشع، مضى بهاءالله في سنين حياته الأخيرة يستشف مقدار استجابة العالم وشعوبه لدعوته. وبعد سنوات طويلة من المناشدة المستمرة، ورغم حزنه، صرّح بشكل مؤكد:

” فيا إلهي وسيدي ومحبوبي أنت تعلم بأني ما قصرت في تبليغ أمرك وأظهرت لعبادك أعظم ما عندهم أمرا من عندك، ولو استمعوا لي لتغيرت الأرض بغير الأرض”

إن الاثباتات قدّمت، والنبوءات تحققت، والاختام فتحت، وموعود جميع الديانات والأمم والشعوب أعلن مهمته الإلهية بشكل عالمي لم يسبق لعيون البشر أن شهدت من قبل مثيلا لها.

وصرّح بهاءالله في آخر أيام مهمته على الأرض:

“هل بقي لأحد في هذا الظهور من عذر؟ لا ورب العرش العظيم! قد أحاطت الآيات كل الجهات، والقدرة كل البرية”


الفصل الرابع عشر

“عن قريب سيطوى بساط العالم ويٌبسط بساط آخر”

الجزء الأول : ميراث الملوك

اختفى آل هابسبورغ وعائلة هوهنتسولرن، لكن إرثهم بقي من بعدهم. وياللأسف.. كان ميراثا مأساويا استلمته كل البرية، فلم يفشل الملوك في الإستجابة لإحتياجات العصر الجديد التي بيّنـها المبعوث الإلهي، حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ولم ينهض سوى رئيس دولة واحد ليناصر العالم الذى صوّره بهاءالله.

قبل سنوات من إعلانه للملوك، نادى بهاءالله بتشكيل محكمة دولية للتحكيم بين الأمم. فبدت الفكرة آنذاك في منتصف القرن التاسع عشر وكأنها فكرة ثورية، بل واكثر من ذلك بسبب الصورة التي اقترحها.

“لا بُدَّ أَنْ تُشَكَّلَ فِي الأَرْضِ هَيْئَةٌ عُظْمَى يَتَفَاوَضُ الْمُلُوكُ وَالسَّلاَطِينُ فِي تِلْكَ الْهَيْئَةِ بِشَأْنِ الصُّلْحِ الأَكْبَر”

ولا يجب ان تكون المحكمة مجرد مؤتمر لقاءات أو مكانا للنقاش، بل يجب أن تمنح لها القدرة والسلطة لتطبق السلام بالقوة، قوة مستمدة من تعاون جميع الحكومات.

“أن اتحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الاختلاف بينكم وتستريح الرعية ومن حولكم إن أنتم من العارفين. إن قام أحد منكم على الآخر قوموا عليه إن هذا إلاّ عدل مبين.”

خلال مؤتمر السلام عام 1919، نادى الرئيس الأمريكى ودرو ويلسون Woodrow Wilson بإنشاء “عصبة الأمم” لضمان السلم في العالم. وكانت إبنة الرئيس قد أظهرت إهتماما وحماسا بالظهور الإلهي الجديد! وبغض النظر عن المصدر، إن كان من ابنته، أو من بنات أفكاره الخاصة؛ قدم هذا الرجل فكرة جديدة تتفق مع روح العصر حين اقترح على رفاقه الانضمام إليه في أول تجاربه المتواضعة لتشكيل النظام العالمي.

أما ما تلى ذلك، فكانت قصة حزينة معروفة، حيث تعرض لخيانة بعض دبلوماسي الأمم الأخرى الطموحين، وكذلك لخيبة أمل محزنة من رفاقه رجال دولته حين قابلوا دعوته بسلوك مشين؛ فشاهد رجل الدولة هذا، “خذلان محزن” هدم صرح حلمه. لقد قدم حياته في محاولة عقيمة لضمان دعم الولايات المتحدة للهيئة العالمية المبتدعة الجديدة.

وعندما ظهرت عصبة الأمم، كانت تفتقد إلى “أسنان” لتجعل قراراتها فاعلة. وقبل حلول ظلام ليل سنة 1939م على أوربا، كانت عصبة الأمم محط سخرية عالمية.

إن اللوح الصادر من قلم بهاءالله الى أعضاء البرلمانات المنتخبين في جميع البلدان احتوى على إنذار وتحذير واضح لورثة العروش:

فانظروا العالم كهيكل إنسان إنّه خُلق صحيحا كاملاً فاعترته الأمراض بالأسباب المختلفة المتغايرة وما طابت نفسه في يوم بل اشتد مرضه بما وقع تحت تصرّف أطباء غير حاذقة الذين ركبوا مطيّة الهوى وكانوا من الهائمين.”

لم يعتبر العالم أو يتعظ من صور الدمار التي سببتها مغامرات العسكر المتهورة للملوك المخلوعين. ففي جميع أنحاء العالم، كانت الحلول المقدمة للمشاكل التي راحت تغرق فيها المجتمعات العالمية بشكل مطرد، إما حلولاً سياسية أو على الأكثر إجتماعية وإقتصادية. وحتى وقت قريب، بقيت تقابل بسخرية وتهكم أي رأي يقول إن أصل جذور هذه الاضطرابات العالمية، هي مسألة روحانية.

كم كان ما نطق به سجين عكاء منذ قرن مضى، إنذارا بالسوء في عصر هيروشيما:

“إن في الأرض أسبابا عجيبة وغريبة ولكنها مستورة عن الأفئدة والعقول. وتلك الأسباب قادرة على تبديل هواء الأرض كلها وسميتها سبب للهلاك.”

وأخيرا:

“سيعم العالم الاضطراب، ثم تشرق شمس العدل من أفق عالم الغيب.”

“عن قريب سيطوى بساط العالم ونمدّ بساط آخر مكانه  إنّ ربّك لهو الحق علاّم الغيوب.

 

 

 

“مسيحيو الغرب سيرشدون العالم الى بهاءالله

الجزء الثاني : نظرة جديدة للتاريخ

وماذا بشأننا؟ وماذا بشأنهم؟ وماذا بشأن الملايين من الجنس البشري الذين لفتوا انتباه البشرية الى أن بهاءالله يبتغي حمايتهم من تجاهل الملوك وطغاة الحكام؟ فرسالة بهاءالله الإلهية، لم توجه الى الحكومات فقط، بل لكل فرد من بني البشر. كم هو غريب أن الحضارة التي استخدمت الذرة واخترقت الفضاء واكتشفت الكثير من أسرار الطبيعة الرائعة، وأوجدت العديد من الانجازات البراقة في مختلف مجالات العلوم، تهمل العالم الروحاني تماما دون اكتشاف.

كيف حصل أن غفلت الإنسانية رغم مصادرها الهائلة الفذة البراقة، عن أكثر الحقائق أهمية، ألا وهي: الفهم الروحاني والأخلاقي للتاريخ؟ إن الغاية الحقيقية من الحياة، كما أشارت التعاليم البهائية، هي تحسين الصفات والكمالات الانسانية الحميدة. فبناء الفضائل الأخلاقية والمعنوية هي المهمة الحقيقية في الحياة لكل الشعوب والأمم. وكل ما يدعم هذا الهدف، هو ذو قيمة ويجب تشجيعه. وكل ما يعوقه ويؤخره أو يمنعه، عديم الفائدة ويجب نبذه. إن الحياة كلها تدور حول هذا الهدف؛ إنه سبب الوجود. فكل حدث في الحياة يعتمد في نفعه الأساسي وقيمته باتصاله المباشر أو غير المباشر بهذا الهدف الرئيسي. إنه مكسب كبير اذا وضع في مقدمة الأمور، وخسارة كبيرة إذا لم نفعل.

وأي فلسفة لا تدعم هذا المنظور بشكل من الأشكال، هي عديمة الجدوى. فأي شخص يكرّس نفسه لشيء آخر مثل كسب الثروة أو المتع المادية، الرفاهية، اشباع الرغبات، المنافع الشخصية، ويفكر أن الحصول على هذه الأهداف، هو قيمة غنية مستقلة، وأنها أهم من الدوافع الروحانية والأخلاقية في حياته، فإنه سيصاب عاجلاً أم آجلاً بخيبة أمل وتعاسة. وشخص كهذا، ليس لديه هدف حقيقي في الحياة، سيكون عرضة للحزن وتدمير الذات بصورة أو بأخرى. وسيدمر نفسه بالتدريج، جسديا أو أخلاقيا، أو الاثنين معا، من خلال اليأس أو من خلال الافراط في المتع المادية التي يسعى من خلالها عبثا الفرار من قدره.

هذه هي المأساة التي بدأت تأخذ مكانها اليوم على المستوى العالمي. فلم يعد يحبنا أحد.. لا أمهاتنا، ولا آبائنا، ولا أولادنا، ولا زوجاتنا، ولا أزواجنا، ولا أحبائنا… لا أحد.

إن عوائلنا وأصدقائنا يحبون فقط ما نملكه من صفات معنوية داخلية، مثل: العطف، الكرم، الشفقة، الحنان، الحب، العدل، الإنصاف، الرقة، الاهتمام..الخ؛ هذه هي الأشياء التي يحبونها. فكلما زدنا من هذه الصفات في حياتنا، زاد حبهم لنا. وحالما نفتقد هذه المناقب، تضمحل محبتهم وتنتهي. وما ينطبق على الأفراد ينطبق كذلك على الشعوب والحضارات. إن اكتساب هذه الاخلاق الجوهرية والفضائل الطيبة، هو الهدف الأساس لحياة الفرد وروح المجتمع.

وأي هدف آخر، لا قيمة له، اذا ما قورن بهذا الهدف. لقد فقد العالم اليوم معظم هذه الفضائل، ويواصل فقدانها. إن تيار المذهب المادي الفارغ جرف كل الناس والشعوب، ولا بد لشيء ما أن يعكس تياره. ولأجل ذلك جاء بهاءالله، هذا هو جوهر مهمة ديانته. إن الكنائس تعجز عن إيجاد علاج ناجع، لأنهم فقدوا طبيبهم الإلهي، المسيح. لقد تركتهم روحه قبل أكثر من قرن من الزمان عندما عاد في مجد الآب، بهاءالله، بينما أشاحت الكنائس وقادتها بوجوههها عنه تماما، كما فعلوا أول مرة. وبالمثل ينطبق هذا الاعراض على بقية الأديان السابقة الكبيرة.

لم تكن لتنجرف الأمور الى هذا المستوى، لو استجاب رجال أديان العالم للرسول الإلهي الذين يزعمون أنهم يتوقون اليه منذ عدة قرون. رغم دعوته المباشرة لهم فرادى وجماعات، كما سبق وخاطب الملوك.

فعلى سبيل المثال.. تحدث مع البابا بيوس التاسع. وقصة تلك الرسالة المقتضبة وأصدائها في التاريخ الحديث، ربما يكون أكثر فصل درامي في مجمل الدراما الروحانية.

أخبر بهاءالله، البابا، أنه، هو بنفسه “الآب” الذي سبق ووعد بظهوره المسيح “الإبن” بالضبط.. نفس الذات المقدسة التي كان ينتظرها البابا بالتحديد؛ الذات المقدسة التي بإسمها، يتسلم ويرتقي البابا مكانته المقدسة.

ثم.. مضى قرن كامل من الصمت من جانب الكنيسة، لكن البذور كانت قد زرعت. فدعونا نرى ماذا حدث بعد مائة عام…

 

 

“أيها البابا الأسمى”

الجزء الثالث: أصداء من الماضي

كم من المسيحيين قاموا بدراسة الرسالة الرعوية المنشورة للبابا يوحنا الثالث والعشرين، (Peace on Earth)، “السلام على الأرض”؟ ربما لم يبد غالبية البروتستانت اهتماما بها. لكن كم من الكاثوليك أعاروها اهتمامهم؟

للعودة الى أصول هذا المنشور البابوي الذي كان له تأثير بعيد المدى على الكنيسة الكاثوليكية الرومانية المعمرة منذ 2000 عام. علينا الرجوع لكلمات بهاءالله التي وجهت الى البابا يوحنا السابق، بيوس الخامس في عام 1869.

فلقد أخبر حضرة بهاءالله، البابا بصراحة، أن “الآب” قد أتى، كما سبق ووعد “الإبن”، يسوع المسيح. وأنه هو بهاءالله، بنفسه هو “الآب”.

آنذاك.. كانت الاستجابة محزنة..!

ربما.. كان هذا التصرف السلبي مفهوما منذ مائة عام. صحيح أنه مؤسف، لكنه مفهوم. فليس من المتوقع أن يهتز رئيس أي دين عالمي ويتأثر من أعماقه حينما يواجهه تحد لمنصبه السامي، خصوصا اذا بدى هذا التحدي – حسب الظاهر – تحدياً غير منطقي ومرسل من قبل سجين في مستعمرة القصاص محكوم عليه بالنفي المؤبد.

إن “قيافا”، كبير أحبار اليهود، لم يهتز نشوة عندما أخبره السيد المسيح، أنه “إبن الله”، عند مقابلته وجها لوجه. بل على العكس، فقد وصف المسيح بـ “المجدّف”.

لذلك يمكننا تخيل ردة فعل رسالة بهاءالله، لدى البابا بيوس الخامس. فلم يكلف أحدهم نفسه حتى بوصفه مجدفاً، رغم أن إدعاءه كان أكثر جرأة من إدعاء المسيح. ولم تبد حتى الرئاسة البابوية أي إنزعاج أو انتباه منه، مثلما ظهر بين عدد من الملوك. بل على العكس، فقد أسدلت ستارة كثيفة من الصمت حول الموضوع بالكامل.

بعدها بمائة عام، وفي نفس السنة ونفس الشهر بالضبط في الذكرى المئوية التي أعلن فيها بهاءالله دعوته المقدسة الموعودة في جميع الكتب المقدسة للعالم، أصدر البابا يوحنا الثالث والعشرين منشوره الذي تلقاه العالم بالترحاب.

كان الثناء مبرراً، ليس بسبب تعامل الرسالة البابوية مع المشاكل العالمية فقط، بل لأن البابا يوحنا نفسه كان محبوبا ويعتبر كشخص قديس من قبل أتباعه الحقيقيين. في المنشور البابوي، تحدث الحبر الأعظم عن المواضيع التالية:

السلام العالمي

المجتمع العالمي

البحث عن الحقيقة

الثقافة العالمية

المساواة بين الرجال والنساء

وحدة العالم الانساني

الوحدانية الإلهية

اتفاق الدين والعلم

نزع السلاح

التحذير من الأسلحة النووية

الحل الروحاني للمشاكل الاقتصادية.

هل صوت هذه الأفكار، كان مألوفا من قبل؟!

نعم.. إنها مبادىء الدين البهائي جملة وتفصيلا.

إنها التعاليم الإلهية والنصائح المقدسة التي أعطاها بهاءالله للملوك ولرؤساء الأديان في العالم منذ أكثر من قرن مضى، وقبل أن ينطق البابا بها مؤخراً.بعد مائة سنة بالضبط. كم هي قوية كلمات بهاءالله التي قيلت منذ أمد بعيد للبابا في روما، والآن يرن صداها في أروقة التاريخ بعد قرن من الزمان:

” أن يا رئيس القوم! أن استمع لما ينصحك به مصور الرمم”

بسبب حب البابا يوحنا الثالث والعشرين الحقيقي للإنسانية، وقيادته الحكيمة لعالم مليء بالمشاكل، نال جائزة نوبل للسلام. كما حاز الإعجاب والتقدير في جميع أنحاء العالم على المستويين الشعبي والصحفي.

ومع ذلك، لم يكن ما قاله سوى صدى ضعيف لتعاليم بهاءالله المقدسة بعد مائة عام. لم يفعل أكثر من مشاركة البشرية تلك المثل العليا التي أنكرها القادة الدينيين والدنيويين معا منذ قرن.

ماذا كانت مكافأة بهاءالله؟

لقد تم تعذيبه وتصفيده بالسلاسل ونفيه وسجنه لما يقرب من نصف قرن، لقد أتهم بأنه عدو للنظامين الديني والمدني. إن أكثر من ثابروا بتعصب على انكار تعاليمه المقدسة، إن كان في إيران، تركيا، أو في الشرق الأدنى، كانوا من رجال الدين. وفي الواقع أخذ رجال الدين الإسلامي الدور القيادي في مواجهته؛ لكن الحقيقة المؤسفة، إن الذين عملوا ما في وسعهم لنشر تلك المفتريات المبكرة، كانوا من المبشرين المسيحيين الذين شعروا بالحسد والغيرة حفاظا لهيبتهم لدى جمهورهم. وعلى كل حال، فلم تستطع الكنيسة سوى تأخير حقيقة تأثير الوحي الإلهي الذي طالما انتظروه.


“أتـرك قصـرك”

الجزء الرابع: أصداء أخرى لذات القلم الأعلي

إنه لمن المستحيل تماما أن ندير ظهورنا للأحداث العظيمة التي أخذت مكانها في ديانات العالم اليوم، بدون تتبع آثار إلهامات الكلمات التي أرسلها بهاءالله منذ أمد طويل إلى رجال الدين في القرن التاسع عشر.

كم من الكاثوليكيون ادركوا وفهموا مغزى زيارة البابا بول التاسع للأمم المتحدة؟ وكم من المسيحيون انتبه للمعاني الروحانية فيما تضمنته زيارته للمجمع الاستشاري العالمي للكنائس في سويسرا؟ أو لكمبالا بأوغندا؟ كل هذه الأحداث لها “جذورها” في رسالة بهاءالله للبابا في روما منذ أكثر من قرن من الزمان.

نادى بهاءالله البابا بيوس التاسع “للخروج” من “قصوره” واللهج بذكر ربه بين الأرض والسماء، وحثه أيضا على “بيع ما يمتلكه من زينة مزخرفة وإنفاقها في سبيل الله”. لم يطلب بهاءالله من البابا أن يفعل أي شيء يماثل ما فعله هو بنفسه من تضحيات مطلقة بجميع المقاييس.

عندما حانت ساعة حمل بهاءالله لدعوة الله تعالى، كان ذلك وهو في “منتهى الثروة والعز”. كان من نبلاء مقاطعة نور في إيران، ومع ذلك طرح جانبا ورمى “كل اعتبارات دنيوية للثروة والجاه”، رغم علمه جيدا لما سيقوده إليه مثل هذا القرار. في تلك الأوقات كان البابا بيوس التاسع في قمة السلطة والشهرة الشعبية، أما بهاءالله فقد انحدر من أعلى منزلة مادية إلى أدناها، ومن الحرية الى السجن. شكر بهاءالله ربه على تلك “المحنة” قائلا:

” إنّ العنق الّذي عوّدتَهُ ملمس الحرير قد قيّدتَهُ آخر الأمر بأغلالٍ غليظةٍ والبدن الّذي نعّمته بلباس الدّمقس والدّيباج أخضعتَهُ في النّهاية لذلّ الحبس”.

حث بهاءالله البابا ليتبعه في هذا المثال، وطلب منه ترك “القصور” ومساعدة (الآب)، وعرض تعاليمه الإلهية “للبشر من جميع الأديان”.

من مدينة السجن التي أرسل بهاءالله رسالته الى البابا بيوس التاسع كتب قائلا:

” قد قيد جمال القِدَم لاطلاق العالم وحُبس في الحصن الأعظم لعتق العالمين واختار لنفسه الأحزان لسرور من في الأكوان.. قد قبلنا الذلة لعزكم والشدائد لرخائكم”

مثل هذه المهام، كان يجب أن تكون الشغل الشاغل للبابا أيضا، طالما هو يعلن أنه نائب المسيح على الأرض. لقد أبلغه بهاءالله أن الموعود الإلهي الذي ينتظره قد جاء. والمسيح العائد يقف أمام عينيه، وحذره من الإعراض عنه بسبب اختلاف اسمه المتوقع:

“إِيَّاكَ أَنْ يَحْجُبَكَ هَواكَ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى وَجْهِ رَبِّكَ..أَتَرَوْنَ أَنْفُسَكُمَ فِي القُصُورِ وَسُلْطانُ الظُّهُور فِي أَخْرَبِ البُيُوتِ؟  قُومُوا عَنْ قُبُورِ الهَوَى مُقْبِلِينَ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّكُمْ مالِكِ العَرْشِ وَالثَّرَى”

لم يفعل البابا أي شيء من هذا. وبسرعة راح يعاني من نفس خسارة مملكته الدنيوية كما حدث للحكام الدنيويين.

لقد أنزل بهاءالله في تلك الأيام، لوح البابا بيوس التاسع، وقتما كان يجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية. لكن، وعلى ذات خطى أقرانه من الملوك، وجد نفسه مقيداً بالقوى التي انبثقت من “يوم الله”.

وفجأة.. أعلن الملك فيكتور عمانويل الأول، الحرب على الولايات البابوية، فزحفت جيوش الملك الى روما ودخلتها وسيطرت عليها.

مباشرة، في صباح اليوم التالي، وبعدما بدأ القصف المدفعي، أمر البابا برفع الأعلام البيضاء على قمة كنيسة سانت بيتر، ثم اختار البابا أن يحبس نفسه في أعلى البنايات التي تركت له، وأعلن نفسه “سجين الفاتيكان”. أما روما المدينة الخالدة التي تمتعت بالمجد لأكثر من 25 قرنا والتي حكمها الباباوات بسلطات مطلقة لمدة 10 قرون، فقد أصبحت أخيرا كرسي المملكة الجديدة الصغيرة ومسرحا للذلة التي فرضها البابا على نفسه والتي سبق وتعرض لها بهاءالله من أعدائه.

على كل حال، بقيت أوامر الله في لوح البابا جارية القضاء. فسقوط البابا بيوس التاسع، لم يغير فيما بعد من الالتزامات الواجبة على من أعلنوا أنفسهم نواب يسوع المسيح على الأرض.

كان البابا جون، أول بابا يجبر على التخلي عن البابوية بصورة مفاجئة. أما خليفته، البابا بول السادس، فقد استجاب بشكل أكثر ولكن برغبة أقل، استجاب لدعوة بهاءالله بعد مئة عام ليخرج من قصر لاتيران الى وسط شعوب العالم. فكانت زياراته لإفريقيا، آسيا، أمريكا اللاتينية، أمريكا الشمالية وأوروبا، وهكذا كسرت التقاليد البابوية الممتدة منذ عشرين قرنا.

زيارة البابا بول السادس لمركز الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، كانت من أهم زياراته. هناك أعلن عن رأيه بوضوح بين قادة الأمم. وحثهم على العدل والانتباه للأمور المذكورة في كتاب الله المقدس.

لماذا يعتبر هذا الحدث بالذات مهما بالنسبة لمن يدرس قصة بهاءالله؟

لنعطي بعضا من الاسباب:-

  1. دعى بهاءالله ملوك وحكام الأمم لتأسيس هيئة عالمية كالأمم المتحدة منذ قرن مضى.
  2. زار ابنه عبدالبهاء مدينة نيويورك منذ ثلاثة أرباع قرن مضى، حيث المقر الرئيسي لهيئة الأمم المتحدة الآن، وشرح خلالها أهمية “عهد” بهاءالله مع شعوب العالم، وأطلق عليها اسم “مدينة العهد والميثاق” لبهاءالله.
  3. زار عبدالبهاء كاليفورنيا أيضا. وخلال تواجده في مدينة سان فرانسيسكو، أعلن أن كاليفورنيا تستحق رفع أول علم للسلام العالمي. وبعد ثلاثين عام من هذه الزيارة، كتب دستور الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، واختير اللونين الأزرق والأبيض رمز السلام لراية الأمم المتحدة.

كم هو ملفت للنظر استجابة البابا بشكل لا إرادي لدعوة الله ذات المئة عام.

بينما كان البابا بول السادس يخطب في الأمم المتحدة، كما سبق وفعل يوحنا الثالث والعشرين من قبله، كان يتردد صدى نفس تلك المبادئ التي نادى بها بهاءالله للعالم. فمن المحزن أنها احتاجت أكثر من مائة سنة! والأشد حزناً أن لا يكون لكلمات خطابه المتأخر كثيرا.. أي تأثير. أمر واحد كان ذا صلة في خطابه، تكرار ذات كلمات خطاب بهاءالله، لسلفه:

“قد أتى رب الأرباب.. خزن ما اختار في أوعية العدل وألقى في النار ما ينبغي لها”.

وعلى كل حال، لم تكتمل علاقة البابا مع التاريخ. فقد حدد لمكتبه مهمتين دقيقتين أخريين، الأولى تركات أسلافه، والثانية حتمية تمام الوعد الإلهي. ويتقدم البابا مدفوعا بيد خفية باتجاه الدور المرسوم له قبل مئة عام.


“تزوجوا يا قوم ليظهر منكم من يذكرني بين عبادي”

الجزء الخامس: ” يا ملأ الرهبان”

دعا حضرة بهاءالله البابا بيوس التاسع لزيارته في الأرض المقدسة، ولو كان البابا قد أحب المسيح وتذكّره، لفتح قلبه لحضرة بهاءالله، ولكان مبدأ “التوكل” على الله هو التأمين الوحيد الذي سيحتاجه في رحلة كهذه.

لو كان البابا حقاً منتظراً صادقا وباحثا مخلصا، لما فشل في التحقق من دعوى أعطى كلماتها، بهاءالله  كل هذه القوة الأخلاقية الهائلة. ولو لم يستطع الحضور، فكان بإمكانه ارسال المئات بدلا عنه.

لم تتحقق الرحلة أبدا. ولم يكن هناك سوى الصمت من قبل الكنيسة، إنه قرن من الصمت.

ثم.. وبعد مائة سنة، زار البابا بول السادس الأرض المقدسة كاسراً جميع القواعد، ولأسباب غير واضحة ترك روما وزار الأرض التي دعا فيها رسول الله سلفه. وقد أُستقبل بول السادس بحفاوة بالغة كما اُستقبل من قبله الإمبراطور فرانز جوزيف والقيصر ويلهلم الأول، واعتبرته الصحافة حدثاً عظيماً.أخيرا جاء البابا للأرض المقدسة.

في المجيء الثاني.. جاء حضرة بهاءالله سجيناً منفيّاً، محبوسا ومزدرى. بينما في المقابل، حضر البابا الذي يحتل باسم الموعود عرش حضرته محاطا بالتهليل والتبريك.

تأخر كثيرا، قرنا من الزمان، منذ أن كان الموعود هناك. ومع ذلك، لم يسع البابا بول السادس للتحري عن المركز المزدهر الذي تحتل مقاماته وحدائقه سفح جبل الكرمل ذكرى لسجين عكاء.

خلال زيارة البابا بول السادس لاسرائيل، وصلت الأخبار للمركز العالمي البهائي في ذلك اليوم، معلنة أن تعاليم حضرة بهاءالله، “مجد الرب”، قد انتشرت بالفعل في جميع أنحاء العالم بين اكثر من 2100 قبيلة وجنس ومجموعات عرقية في اكثر من 130000 مكان مختلف على الكوكب.

أما الصحافة والتلفزيون والراديو، فجميعها تجاهلت هذا الخبر! وهذا ما سبق وحصل من قبل أيضا.

وكما ورد في رؤيا النبي حبقوق: “لأن الأرض تمتلىء من معرفه مجد الرب كما تغطي المياه البحر”

هناك على سفح جبل الكرمل، ” كرم الله”، ينتصب عرش العالم لـ “مملكة الله” التي يمجدها البابا ومعه أكثر من نصف مليار كاثوليكي في صلواتهم كل يوم.

لقد جاءت “مملكة الله”، وتحقق الوعد الإلهي على الأرض كما جاء الوعد في صلوات الرب، لقد ظهرت مملكة المسيح الموعودة في نفس البقعة التي تنبأ بها في فقرة تلو أخرى الكتاب المقدس، الذي يقدسه البابا وأتباعه. ولكن مع الأسف.. لا الكاثوليك ولا البروتستانت كانوا منتبهين لأسرار كتابهم.

من المؤكد أن صدى صوت بهاءالله قد تردد بين تلك الهضاب المقدسة بمناسبة زيارة البابا بول. ولابد أن كلماته ترددت مثل صوت الرعود المدوية بين ثنايا جنبات جبل صهيون والقدس وبيت لحم والناصرة حيث قيلت في الأصل لأول مرة.

“أن يا بابا.. قد أتى الآب.. يا معشر البطارقه! إن الذي وعدتم به في الألواح قد أتى”

“يا معشر الأساقف! قد أتى رب الأرباب”.

“قل يا ملأ الأساقف! انطقوا بذكر ربكم بين السموات والأرضين”

“قل ياملأ القسيسين! دعوا النواقيس ثم اخرجوا من الكنائس.. قد أتى الرب ذو المجد الكبير”

“ياملأ الرهبان! .. اخرجوا بإذني.. كذلك يأمركم مالك يوم الدين.. تزوجوا ليقوم بعدكم أحد مقامكم”

“يا ملأ النصارى! .. تدعونني وغفلتم عن ظهوري.. يا ملأ الإنجيل! إنه (المسيح) قال تعاليا لاجعلكما صيادي الإنسان، واليوم نقول تعالوا لنجعلكم محيي العالم”

وبتهكم، حذر بهاءالله في خطابه للبابا بيوس التاسع “الحبر الأعظم”، بأن لا يكرر نفس الخطأ الذي ارتكبه كبار الأحبار وقادة الأديان في أيام المسيح. وكتب:

“إنك من شموس سموات الأسماء احفظ نفسك لئلا تغشيها الظلمة وتحجبك من النور”.

لقد حذر السيد المسيح بنفسه من مثل هذه المصيبة. ففي إصحاح متى، الذي أعطى فيه المسيح العديد من الإثباتات بميعاد مجيئه؛ حذر كذلك، أن الشمس سوف تظلم والقمر لن يعطي نوره والنجوم تتساقط من السماء وتهتز قوات السماء.

فالمعنى الذي شرحه حضرة بهاءالله لهذه النبوءات، كان واضحاً. فـ “الأقمار” هم قادة الأديان الذين يستمدون نورهم من شمس المسيح. فهم “الأقمار” و “النجوم”، لابد أن يختفي نورها كل صباح عند اشراق شمس يوم جديد. وعلى ذات المنوال، عندما تشرق “شمس” المسيح من جديد، تظلم شمس اليوم الماضي؛ أما إذا رفض القمر ضوء الشمس الجديدة، فإنه سيظلم أيضا ولن يلقي نوره على مشاكل البشر.

كان هذا هو معنى كلمات حضرة بهاءالله عندما ناشد قادة الأديان بعدم الابتعاد عن رسالته:

“أنتم أنجم سماء علمي، وفضلي لا يحب أن تتساقطوا على وجه الأرض”

بقيت مهمة أخرى للبابا بول صاحب الأرقام القياسية في كثرة التجوال.

زار البابا بول المجلس الكنسي العالمي في سويسرا في يونيو عام 1969، وبهذا الشكل جمع معاً قادة الطائفتين الكاثوليكية والبروتستانتية. حصلت تلك الزيارة بعد مائة عام من حث بهاءالله لبابا روما بيوس التاسع وارشاده بفعل ما يلي بالتحديد: (لتقديم تعاليمي المقدسة لبقية قادة البشر الدينيين، عليك “بالشرب” منها بنفسك أولا، ثم تقديمها لبقية أتباع الأديان).

لقد سبق واجتمع قادة المجلس الاستشاري لكنائس البروتستانت من قبل. وخلال إحدى اجتماعاتهم العالمية، أعلنت الصحافة، أن المندوبين أقروا باستحالة الى تصويت في موضوع رجعة المسيح، حيث أن الممثلين لـ 163 طائفة من 48 بلد، عارضوا بشدة وفي الأساس السؤال المطروح: “إذا كان الأمل المسيحي في تحقيق إنشاء مملكة الله في هذه الدنيا، أم فقط بعد العودة الأخرى للمسيح”.

إنـه قـد أتى وقد ذهـب!

منذ أكثر من قرن وربع القرن، وتقريبا لمدة ثلاثة عشر عقدا، طاف كل من الباب وبهاءالله وعبد البهاء، وكذلك اتباع بهاءالله، مختلف أنحاء العالم في أكثر من 30000 مركزا مختلفا، وهم يخبرون العالم المسيحي، أن المسيح قد عاد بالفعل، إنه قد أتى ومضى، تماما كما ذكر الإنجيل ذلك، وكما سبق وحذر المسيح: “كل العيون سترى مجده”، وإنه “سيأتي كلص في الليل”. والقصة الرمزية التي ذكرها أوضحت ذلك، فاللص “الإلهي” قد يأتي ويذهب! وقد حدث ذلك منذ أكثر من مائة عام! ولهذا يصرف العالم المسيحي الساعات وهم يتجادلون فيما إذا كان بإمكانهم تأسيس مملكة المسيح الآن، أم فقط بعد عودته، ولهذا قطع بابا الكاثوليك كل أولوياته وذهب للالتقاء بهم.

ومن المحزن أنه لم يكن لديهم شيء ليقوله بعضهم لبعض عند لقائهم. وفي الواقع.. ان البابا لم ينتبه للحافز الذي أرسله الى هناك، ولم يظهر لأنصاره، أي انتباه للرسالة ذات العلاقة.

وهكذا.. عاد الجميع إلى ديارهم.


أنتم تغلقون ملكوت السموات في وجوه الناس

الجزء السادس: القادة العميان

هكذا كتب بهاءالله إلى رجال الدين المسيحى في وقتة قائلا:

” لمّـا تفرسنا، وجدنا أكثر أعدائنا العلماء”.

وخاطبهم مباشرة قائلا:

“إلى متى توجهون سيوف البغضاء في وجه البهاء.. لا تتصرفوا بأهوائكم التي غيرت وجه العالم”.  

حاول بهاءالله فتح عيونهم وآذانهم عسى أن يسمعوا “النغمة الجديدة” التي سبق وتحدث عنها النبي إشعيا، فتفضل قائلا:

“نزهوا آذانكم لتسمعوا النداء الإلهي.. هل يقدر أحد منكم أن يجول مع هذا الغلام الإلهي في مضمار الحكمة والبيان أو يطير معه في سماء المعاني والتبيان.. هل يقدر صاحب الأرجل الخشبية أن يقاوم مع من جعله الله صاحب الأرجل الفولاذية؟ لا قسماً بمن ينير العالم”.

لقد عرض بهاءالله بحراً من البراهين لقادة جميع الأديان على أنه هو “الذات” المنتظر؛ وبالرغم من ذلك لم يرفضه الكثيرون فحسب، بل قاوموه واضطهدوه بشدة وحاولوا القضاء عليه وعلى تعاليمه. وتقريبا دون استثناء، قام القادة الدينيون جميعا بأخذ زمام القيادة في اغلاق الباب أمام وجوه أتباعهم، كلما وجدوا منهم اهتماما برسالة بهاءالله.

إن هجمات أتباع رجال الدين ضد هذا الظهور الإلهي، واستعدادهم لترديد ما يصلهم من قادتهم من كذب وإفتراءات، تحمل في طياتها ذات أصداء تصرفات معارضي الدين المسيحي في أيام ظهوره الأولى.

ولا عجب أن يكتب بهاءالله لمثل رجال الدين هؤلاء:

” يا أيها الجهلاء المعروفون بالعلم.. لماذا تدعون في الظاهر بأنكم الرعاة ثم غدوتم في الباطن ذئاب أغنامى”.

وليس من الغريب أن يحذر المسيح بنفسه من مثل هؤلاء الرعاة العمي لأغنامه قائلا: “أتركوهم فانهم عميان قادة عميان وإذا كان أعمى يقود أعمى فكلاهما يسقطان في حفرة”

ومع ذلك، لم يقلل بهاءالله من أهمية قادة العالم الدينين، بل بالأحرى مدح بصراحة من توافقت أعمالهم وتصرفاتهم مع أقوالهم، فقال:

” كان ولا يزال هداية العباد بواسطة تلك النفوس المقدسة”.  

وكتب أيضا عن مثل هؤلاء من أي دين أو طائفة كانوا:

” يصلين عليه أهل الفردوس والذين يطوفون حول العرش في البكور والأصيل”.

وصرّح عنهم أيضا: مثل هؤلاء العمالقة الروحانيون، سواء كانوا مسيحين أو يهود أو مسلمين أو من أي دين كان، “إنهم بمثابة الروح لجسم العالم”، وبمثابة “بصر العالم”.

في عام 1893م، قام اثنان من المبشرين المسيحيين بتعريف الأمر البهائي لأمريكا في البرلمان العالمي للأديان، أحدهما كتب مقالة وصف بها بهاءالله بـ “شبيه المسيح”؛ أما الآخر، فقرأ الوثيقة لجمهور الحضور.

أكثر من أربعمائة رجل دين مسلم بارز، بعضهم من مشاهير البلاد، اعتنقوا واعترفوا بـ “الباب” و”بهاءالله” كرسولين موعودين من الله عز وجل، وقدموا تضحيات عظيمة من أجل إيمانهم، بل واستشهد العديد منهم. ومنذ ذلك الحين، اعتنق رجال دين من مختلف الديانات تعاليم بهاءالله، من قساوسة كاثوليك الى كهنة بوذيين، وفي جميع حالاتهم تقريبا، كان يتجنبهم رفاقهم السابقون ويسخرون منهم ويتهكمون عليهم ويضطهدوهم، وفي بعض الحالات يقتلوهم.

لقد بات متأخرا القدرة على رأب صدع ورتق شذرات قطع المسيحية المثيرة للشفقة. فالمئات من الطوائف ذات الألوان الفسيفسائية الغريبة المختلفة، تتنافس فيما بينها على القيادة الروحية. وحتى علامات الأمل التي تساهم في رسمها شعوب الارض، فهي ليست سوى نتائج غير مباشرة لرسالة بهاءالله الداعية للاتحاد؛ وما تجرفه رياح التغيير للقطع المحطمة المتناثرة نحو غاية “الاتحاد” المشترك، هي تقريبا ضد رغباتهم.

وحتى لو اتحدت جميع الطوائف المسيحية، فسيبقى اليهود والمسلمين والبوذيين والهندوس والزردشتيين والملحدين والكفرة والناس البدائيين. أما دعوة بهاءالله “الآب”، فقد مدّت يدها لاحتضان جميع الأديان وجميع البشر، وليس المسيحيين فقط.

حزن بهاءالله من تجاهل وخمول جموع المسيحيين الذين قدمت لهم فرص عديدة، بينما جموع ورثة بقية الأديان يدخلون دين الله أمام أعينهم، فقال يخاطبهم:

” يا ملأ الإنجيل قد دخل الملكوت من كان خارجا منه واليوم نراكم متوقفين لدى الباب.. أن افتحوا أبواب قلوبكم.. إنا فتحنا لكم أبوب الملكوت هل أنتم تغلقون على وجهي أبواب البيوت؟”.

وفي إشارة شعرية لظهوره في الشرق، كما تنبأ عنه في الكتاب المقدس، ونفيه الى أرض المسيح، حيث تأسست مملكته الإلهية، قال ما ترجمته:

“يا بيت لحم! إن هذا النور قد ارتفع في الشرق، وسافر الى الغرب، حتى وصلك في نهاية مطافه. فقولي لي إذن: هل تعرّف الأبناء على الآب واعترفوا به، أم أنكروه كما أنكر الناس المسيح من قبل؟”.


الفصل الخامس عشر

قد اشتعل قلب العالم

سيخوضون إنفعالاً لن ينسوه أبداً

الجزء الأول: ثوار الله

إن أمة بهاءالله العالمية، قامت بشكل كبير نتيجة لجهود الشباب، فمئات من الشباب من الجنسين كانوا مستعدين لتقديم حياتهم عن طيب خاطر فداء للبشرية، وذلك من خلال الأحداث الدرامية والإضطهاد الذي قع عليهم من ملوك العالم. هكذا ولد هذا الظهور.

فجأة، وجد ثلاثمائة وثلاثة عشر شاباً من الولهين بمحبة الله وممن أمضوا غالبية حياتهم في التعبد والخلوات الدينية، وجدوا أنفسهم في حالة دفاع عن النفس مقابل جيش عرمرم مدرب ومجهز بالأسلحة المختلفة ومساند من جموع الناس ومبارك من رجال الدين ويقوده أمراء من دم ملكي ومساندين بموارد الدولة.

نهض هؤلاء المؤمنون الرواد المخلصين لحضرة الباب، كروح واحدة ضد الفساد والنفاق في مجتمعهم. فأصبحت ثورتهم الروحية ضد الظلم، “البذرة” التي بدأت تثمر فواكه على شكل نظام عالمي هدفه رفاهية ووحدة الجنس البشري.

أنه أمر لا يستهان به، فلقد وصف الكاتب الفرنسي “رينان” في كتابه “الرسل”، أحد الأحداث الدرامية أثناء نهوض الدين البهائي: “لعلّه يوما لا مثيل له في تاريخ العالم”.

أكثر من عشرين ألف من الأتباع قتلوا في بلاد فارس فقط، غالبية هؤلاء المؤمنين الرواد، ذبحوا في سنة واحدة، ففاق عددهم عدد المسيحيين الذين استشهدوا بقرار حكومي روماني خلال سنوات الاضطهاد الشديدة الثمان على يد الإمبراطور ديوقليدس.

وكتب اللورد كرزون من كدلستون: “إنّ دينًا في مقدوره أن يوقظ في أتباعه مثل هذا الرّوح النّادر النّبيل من التّضحية بالنّفس والنّفيس ليس بالشّيء الّذي يمكن الاستهانة بشأنه”.

إن الروح التي ألهمت وحركت هؤلاء المدافعين المخلصين من أوائل المؤمنين، كانت مؤثرة جدا لدرجة أن البروفيسور أ. ج. براون، من جامعة كامبردج، قال: “قلما تعجز عن التأثير بقوة في كل من يتعرض لها.. ما أن تظهر لهم هذه الروح نفسها، حتى يحسوا بشعور لا أعتقد أنهم قادرون على نسيانه أبداً”.

إن العالم الناضج في الوقت الحالي، تمسكه قبضة الشباب الحديدية التي لا يمكن فهمها ولا التحكم بها، فيقف جانبا على الهامش وهو يراقب بيأس أحبائه يلقون في النيران دفعة واحدة. ومع نزق الشباب، فإن ثورتة تجرف بعيدا الجيد والرديء، ومن الصعب والمؤلم جدا أن تقلع أشجار صالحة لتعالج غابات الأشجار المريضة، فتسقط كل الأشجار. واقترن التمرد العرقي مع ثورة الشباب بدرجة أصبحا في حالات عديدة أمراً مبهما. إنه يخرج من حرم الجامعات الى الشوارع وإلى البيوت ليهدد بإحتواء كل المجتمع، فبدى الثوار رغم نضجهم، كمن يرمي الطفل وماء استحمامه، حتى لا يطردهم الجيران.

والحقيقة أن جميع الحضارات أدامت نفسها لفترات طويلة حتى بعد مفارقة “الروح” التي تسببت في ولادتها. فنحن نطالب الحضارة الغربية في يومنا هذا بالحيوية والنقاء والاستقامة والشجاعة لشبابها رغم ما تعانيه من أمراض الشيخوخة. إن تصلب الشرايين الروحانية قد بدأ، وتحاول التقاليد الدينية الغور عميقا في برميل مصادرها الروحانية للعثور على أية حلول، إلا أنها تخرج خاوية. وباستمرار.. يحاول قادة الأديان والحكومات في المؤسسات القديمة “التوفيق” فيما بينهما. و”يثق” هؤلاء القادة أن مشاكل العالم “وقتية”، ولا شك أنهم سيجدون حلاً لهذه الأزمات العابرة فيما لو تحلى الشباب بالصبر الكافي.

ويبدو أن ممثلو الأنظمة السائدة عاجزين بشكل ما على تقبل فكرة عدم إمكانية العودة الى الماضي لمحاولة حلّ المشاكل على مستويات أسس وطنية وقومية فقط. فأي حلّ لا يستند على رؤية عالمية لحاجات البشر الصارخة، مصيره الفشل. ناهيك عن الطوائف الدينية التي ليس لها علاقة في زمن يحتاج للتوحد كضرورة للبقاء. فلم يعد بالإمكان إطلاق صواريخنا على علاف خيولنا. إن المجتمع العالمي يميد تحت أقدامنا وجدران الحضارات تتساقط من خلفنا، ومازلنا نحاول إخفاء ذلك. إن العالم اليوم لا يعاني من عدم توازن عابر، بل من آلام موت نظام عقيم مهترئ. لقد أصبحنا مجتمعا يسعى للربح بدلا من صنع الرفاهية، ويبحث عن النسيان بدلا من الحقيقة. إن مصادر كوكبنا المادية الهائلة تنفق على أسلحة الحروب والدفاع، وليس على الصحة والتعليم والقضاء على الفاقة والعوز.

فكيف بالامكان توجه الشباب أو أي أمة، لطلب المشورة بخصوص السلام ورفاهية العيش من وكالات أوجدت أساسا لانهاء الحرب والهدم؟


لماذا يستثنى هؤلاء؟

الجزء الثاني: الإنقلاب الروحاني

حذر بهاءالله من الانقلاب الروحاني الذي يجتاح اليوم حتى العائلة باعتبارها حجر الأساس في النظام الاجتماعي. ومهما كانت العملية مؤلمة، فقد حذر من الجهود المبذولة للدفاع عن القيم والمؤسسات القديمة التي تمنع الناس بسبب وجودها من الانتباه الى الحاجة الملحة لنظام اجتماعي جديد يستند على الالهامات الالهية.

إن المبادىء التي يقوم عليها المجتمع البهائي تعلن صراحة:

“إذا عجزت القيم العزيزة القديمة، وافلست المؤسسات المقدسة السابقة، وكفّت المؤسسات الاجتماعية والدينية قدرتها على التجاوب مع احتياجت البشر المتنامية باستمرار وتحقيق رفاهية غالبيتهم، فلتترك جميعها وتبعد جانباً ولتوضع في دهاليز النسيان مع ما سبقها من العقائد المهملة القديمة. فلماذا تحصّن وتستثنى دون بقية مؤسسات البشرية قاطبة، في عالم تحكمه سنّة شاملة ثابتة قائمة على الضعف والتغيير والتبدل؟ فمعايير القوانين والنظريات السياسية والبرامج الاقتصادية، ما وضعت الا لحماية مصالح البشرية جمعاء، وليس لصلب الناس على أعواد مشانقها”.

إن البهائيون يرون الإنهيار الإجتماعي الحالي، عملية طبيعية لا مرد لها، إلا أنه يمكن في حالة واحدة فقط، كبح جماحها وتغيير مسارها سلميا، إذا انعطف الناس والأمم إلى المصدر الأساس لكل الحضارات الانسانية.

إن البهائيون يطيعون بحزم حكومات البلدان التي يسكنونها، وبهاءالله بذاته أمرهم التصرف بـ “أمانة وإخلاص ومصداقية” مع حكومات بلادهم. إن تعاليمه لا تطلب من البهائيين أن يقتصر ولاؤهم لحكوماتهم فقط، بل حرّمت عليهم أيضا، أي تدخل في الحركات السياسية.

على البهائيين في كل مكان واجب مقدس في السعي لترقية مصالح حكوماتهم وشعوبهم بأفضل السبل دون اقحام أنفسهم في الشؤون السياسية والنشاطات الدبلوماسية لأي حكومة. وهم يعتقدون أن الوطنية الحقة لا تتعارض مع ولاء الإنسان الأسمى لله تعالى ولرفاهية الجنس البشرى.

وفي هذا الإطار الواضح المستقيم، فإن البهائيون يعملون باجتهاد لتغيير كل ما هو طالح وظالم بكل الوسائل المتاحة. وفوق كل ذلك، يبحثون عن تغيير قلوب البشر، فلا يمكن إيجاد نظام عالمي جديد، إلا إذا كان هناك ضمير عالمي جديد. إن فئة الشباب هي الفئة التي تبدو أكثر تفهما لأهمية هذا التوازن، ويا للسخرية.. فإن هذه الشريحة من المجتمع والتي توصف بـ “غير المسئولة” والعنيفة، هي الأكثر تفهما لحاجة الإنسانية للأخلاقيات والتجديد الروحاني.

تذكر كتابات بهاءالله أن “أهم واجب حيوي” كلف به البهائي، هو “تطهير” الذات. فكل بهائي مأمور بالتصرف بأخلاق حميدة الى درجة أن يشار اليه بالبنان بين الناس. وعلى ما يبدو في الظاهر أن هذه الأهداف المستحيلة يمكن تحقيقها فقط بما أبدعه يراع بهاءالله من جامعة حقيقية ومجتمع يناسب البشرية للعيش فيه.

يقول بهاءالله، إن الله يحب ويؤيد في هذه الأيام “أولئك الذين يعملون في سبيله متكاتفين”. مثل البدن السليم، تقدم جامعة بهاءالله، الغذاء الروحاني الذي تحتاجه كل خلية في الجسد. فليس هناك سبيل آخر للحياة.

وبعيدا عن التشاؤم، فقد أدركت الجامعة البهائية أن أوجاع الأمراض التي ابتلي بها المجتمع اليوم، هي “رعشة الموت” لحضارة تحتضر، وفي نفس الوقت، هي “آلآم ولادة” لأسس حضارة انسانية جديدة و”فلك نجاة البشرية”، تنهض بقوة وجمال على أطلال الحضارة القديمة.

ساعة الانتصار النهائي

الجزء الثالث: مجتمع عالمي

إن مجتمع بهاءالله كان منذ أيامه الأولى مجتمع شباب، فلم يتجاوز عمر المبشر بالدين البهائي “حضرة الباب”، عند بداية رسالته المقدسة، عن 25 ربيعا، وكان عمره 31 عاما فقط عندما صوّب نحوه 750 جندي من فرقة الإعدام بنادقهم. أما رفيقه الذي استشهد معه في تلك المناسبة ورأسه يستند الى صدر مولاه، فقد كان عمره 18 عاما فقط.

إن جميع أعمار حواريي حضرته كانوا شبابا، فالأول كان في السابعة والعشرين والأخير في التاسعة عشر. وبهاءالله بذاته لم يتجاوز السابعة والعشرين عاما عندما بدأ بنشر تعاليم الباب في مقاطعته المحلية، و 36 عاما عندما بدأ رسالته المقدسة. وكان عمر “عبدالبهاء” تسعة أعوام عندما أدرك لأول مرة المكانة العظيمة لوالده “بهاءالله”. كان طفلا صغيرا عندما رأى بهاءالله يكتنفه الألم والمعاناة تحت وطأة وثقل السلاسل الحديدية في سجن الجب الأسود، وكان عمره 19 عاما عندما غادر العراق منفيا مع والده، ولم يكن عمره سوى 24 عاما عندما وصل إلى مدينة السجن عكاء وأسند “بهاءالله” له مسئولية التعامل مع العالم الخارجي. وفي نهاية عقده الخامس، وبعدما وفاة والده، ألقي على عاتقه مسؤولية إدارة شؤون العالم البهائي.

ميرزا مهدي، أخ عبدالبهاء الأصغر، لم يكن عمره سوى 22 عاما عندما ضحى بحياته في سجن عكاء على أمل أن تفتح أبواب السجن وتلمس روح وحي بهاءالله المقدسة، قلوب البشرية جمعاء. وحفيد عبدالبهاء، ولي أمر الدين البهائي، “شوقي أفندي”، كان عمره 25 عاما عندما تسنم القيادة العالمية للدين البهائي.

كما أن عضوية الهيئة الإدارية العالمية الحالية (بيت العدل الأعظم)، وهي أعلى هيئة منتخبة في الدين البهائي والتي وصفت في الآثار البهائية بـ “الملجأ الفريد” لهذه “الحضارة المتداعية”، قد تألفت من 9 أفراد، ويشكل الشباب نسبة كبيرة من أعضائها.

أما الرسول الذي حمل رسالة بهاءالله الجبارة الى ناصرالدين شاه، فكان بالكاد صبياً لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، وكانت عائلته يائسة من تصرفاته، واعتبروه كما يقال اليوم عن أمثاله بـ “المهمل”. ومع ذلك فقد اختاره بهاءالله من وسط جموع المتطوعين لهذه المهمة الجليلة. ووحيدا.. مشى على قدميه كل المسافة من السجن على البحر الابيض المتوسط الى طهران عاصمة إيران، في رحلة دامت أربع شهور. كان اسمه “أقا بزرك”، معروف بإسم “بديع”، وبمجرد تسليمه الرسالة لناصرالدين شاه، اعتقل وكوي بالحديد المحمى وعذب لثلاثة أيام متوالية، وفي النهاية ضرب حتى لقي حتفه والقيت جثته في حفرة.

وقد كتب حضرة بهاءالله عن ذلك الشاب: “نفخنا فيه روحا من لدنا”، وامتدحه باستمرار زهاء ثلاثة أعوام في آثاره المباركة قائلا ان هذه التضحية كانت مثل “ملح” في الغذاء الروحاني الذي تحتاجه البشرية.

في كل أنحاء العالم، في أفريقيا، آسيا، أستراليا، جزر جنوب الباسفيك، أمريكا اللاتينية وأوربا، تزداد أعداد الشباب الذين يعتنقون دين بهاءالله كل سنة. وهؤلاء المراهقون والشباب يشكلون الأغلبية لجيش بهاءالله الروحاني الجديد.

لا توجد في الجالية البهائية “فجوة أجيال”، كما هو الحال في عدم وجود فوارق بين الأعراق والطبقات. إن الافتقار للتواصل الاجتماعي الذي يسبب انشقاقا في مجتمعنا المريض، لن يدوم إذا تقبل كل فرد غيره كما هو عليه دون اعتبار للسن أو العرق أو الجنس أو.

إن أحد حواري “الباب”، شاب في التاسعة عشرة من عمره، (القدوس) كان أول من قاسى العذاب على التراب الإيراني، وشارك في جميع مراحل التعذيب . جنبا الى جنب مع حواري آخر عجوز (الملا حسين) ” صمدا في دورة من دورات التعذيب بمعجزة أمام ألف جلدة على ظهره. لقد قاسيا معا كأتباع مؤمنين. وهى متكررة دائما.

فترة الشباب في الأساس، ليست حالة زمنية معينة، إنها حالة عقلية؛ فالسنين تجعد البشرة، لكن فقدان المثل العليا يؤدي إلى تجعّد روح الانسان وذبولها، مهما كان عمره، شابا أو مسناً.

لم يأت بهاءالله لفئة معينة، بل جاء للعالم أجمع، ودينه دعوة للشباب وللكبار على حد سواء، ليقوم الجميع بتبليغ تعاليمه لشفاء واصلاح عالم تسيطر عليه أهواء الحياة الشخصية. ويقدم بهاءالله تحدياً يختبر فيه اليوم عزيمة وجَلَد وإيثار وتضحية واخلاص جميع الناس من مختلف الأعراق والثقافات والأمم ومن جميع المستويات الاجتماعية.

هذه هي كلمات شوقي أفندي، حفيد بهاءالله الأعظم  التي ألهمت وقادت انتشار رسالة الله حول العالم:

(.. على الأحباء الاعزاء المؤيدين والعاملين في ظل تأييد حضرة بهاءالله الروحاني ممن يشكلون جحافل جيشه المتقدمة قبالة أي تهديد يلاقونه وتحت أي مناخ يناضلون فيه وتحت أي ظرف من الظروف.. سواء في المناطق الباردة المحيطة بالقطب الشمالي أو الاستوائية الحارة من الشرق والغرب، على حدود غابات بورما، ماليزيا والهند؛ على أطراف صحراء أفريقيا أو شبه الجزيرة العربية، في الجزر الفريدة المنعزلة من الأطلسي والهادى وبحر الهند وبحر الشمال، بين القبائل المتنوعة لزنوج أقريقيا، بين شعوب الاسكيمو واللابيين في المناطق القطبية وفي منغوليا في الشرق أو في جنوب شرق آسيا بين القبائل القاطنة في جزر جنوب المحيط الاطلسى، او تحت وطأة تحفظات الهنود الحمر في الأمريكتين أو بين الماوريين في نيوزيلاندا والسكان الأصليين لأستراليا أو في معاقل تعصب المسيحيين والمسلمين سواء أكانوا في مكة، روما، القاهرة، النجف، كربلاء أو في المدن التي ينغمس أهلها في الماديات ويتنفسون ما يحيطهم من رياح الكراهية والتعصب ويجدون أنفسهم إما محاطين بسلاسل المادية الشديدة أو بين من يتنفسون هواء التعصب العدواني، أو مصفدين في أغلال كراهية من سقطوا تحت وطأة قوى التعصب والعنصرية ومواجهين بضيق الأعداء.. نقول لهم جميعا بالاضافة الى أولئك الذين وهبوا أنفسهم لتحقيق وأزدهار المشروع الالهي، بأنهم هم الذين لبوا النداء وقاموا رغم كل ما واجههم من صعاب.. لنصرة هذا الدين القاهر، سواء كانوا وسط الهندوس يساهمون بدعم الكلمة الالهية لكسر النظم القديمة التي عفى عليها الزمن لرفعهم الى درجات أعلى وكذلك لتقديم البديل الذي يستغنى به عن تعاليم الدين البوذي وكسر قيود مؤسساته ونظمه الدينية بقوى المؤسسات الالهية وبالانتصارات التي يحصلون عليها من نظام حضرة بهاءالله الذي سيتغلغل في غابات الامازون ويصعد الى الجبال في مناطق التبت ليؤسس ويواجه مباشرة الجموع التي ستستقبله مستبشرة حتى في وسط الصين ومنغوليا واليابان، فيجلس الاحباء بينهم ويتناقشون ويتشاورون حتى في داخل مستعمراتهم وداخل أسوار روسيا او حتى في المناطق المتناثرة والتجمعات القليلة في سيبريا؛ اني أناشدكم جميعا لاطاعة حضرة بهاءالله والعمل بموجب تعاليمه حتى تغمركم التأييدات الالهية وينصرنكم جنود الملأ الاعلى استعدادا ليوم الأيام الذي تظهر فيه الانتصارات الالهية. عندها سنحتفل بساعة النصر النهائي). من رسائل موجهة للعالم البهائي صفحة 37-38. (مترجم).

فهبّ الناس من جميع الأعمار، بالمئات والآلاف من كل الأمم والأعراق، لتلبية هذا النداء.

يتفضل حضرة بهاءالله ما ترجمته: “إن الأمر الإلهي قد هيأ قلب العالم للاشتعال، فكم هو مؤسف إذا فشلت أنت في إيقاده”.

 

وليم سيرز، كاتب ومخرج تلفزيوني، حاز على جمهور كبير من المستمعين وعدد من الجوائز في الولايات المتحدة. كتب ومثّل في برنامجه “CBS” و”في الحديقة”، وله عمل آخر عرف في دليل التلفزيون، هو الأكثر شيوعا في مجاله.

في عام 1953، شرع السيد سيرز في أول سلسلة لرحلاته الواسعة في افريقيا والشرق الادنى ليجمع مستلزمات كتبه التالية: “لص في الليل”، “دع الشمس تشرق”، “الله يحب الضحك” و “الخمر المذهل”.

وخلال رحلاته.. خطرت له بالمصادفة قصته “السجين والملوك”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملحق الصور

 

 

 

 

 

 

 

 

المرحوم ويليام سيرز William Sears   عاش (1911-1992م)

مؤلف هذا الكتاب The Prisoner and the Kings  باللغة الإنجليزية

 

 

 

 

 

 

 

خارطة تبين خط سير رحلات نفي حضرة بهاء الله من طهران إلى بغداد سنة 1853م و من بغداد إلى إستانبول سنة 1863م  و منها إلى أدرنة (ارض السر) حيث نفي في اغسطس 1868م إلى مدينة السجن الأعظم عكا في رحلة بحرية انطلقت من ميناء غلبولي مرورا بالاسكندرية و بور سعيد و حيفا و انتهاءاً بعكا التي عاش فيها و في نواحيها بقية سنوات ولايته  حتى صعوده سنة 1892م.

 

 

 

 

 

 

صورة نادرة من سجن سياه جال ( الجب الاسود) جنوب طهران الذي سجن فيه حضرة بهاء الله مع أكثر من مائة و خمسين سجيناً سنة 1852م و شهد بداية ولايته المباركة ونزول التكليف الإلهي عليه بتجلي الروح الأعظم عليه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة للسلسلة الحديدية الضخمة التي ربطت حول عنق حضرة بهاء الله خلال فترة سجنه في سياه جال الجب الأسود وتعرف باسمقره جوهر أثقلالسلاسلوتزن نحو 51 كلغ.و قد تركت أثارها على عنقه و معصميه.

مشهد لمدينة أدرنة(في الشطر الاوروبي من تركيا)  التي نفي إليها حضرة بهاء الله  و عاش فيها في الفترة (1863-1868م) و عرفت في أثاره بأرض السر و السجن البعيد التي شهدت الإعلان العالمي لرسالته المباركة و منها بدأ بمخاطبة ملوك  و رؤساء زمانه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة جوية لـمدينة السجن الأعظم عكا التي نفي إليها حضرة بهاء الله مع عائلته و عدد من أتباعه  بموجب فرمان السلطان عبد العزيز سنة 1868م.و داخل أسوار هذه المدينة نزل الكتاب الاقدس سنة 1873م أقدس كتب دورته المباركة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قلعة سجن عكا التي سجن حضرة بهاء الله مدة سنتين وشهرين و خمسة أيام منذ 31 أغسطس 1868م

 

 

 

ناصر الدين شاه قاجار عاش (1831-1896م) سلطان العجم نجل محمد شاه قاجار و قد اعتلى العرش و هو لا يزال قاصراً منذ 17 سبتمبر 1848م و بقي على عرش إيران حتى اغتياله في ضريح شاه عبد العظيم في 1 ماي 1896م و في عهده كان استشهاد حضرة الباب في 9 يوليو 1850م و ولاية حضرة بهاء الله (1853-1892م)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السلطان العثماني عبد العزيز عاش (1830-1876م) حكم (1861-1876م)

الذي أصدر فرمان نفي حضرة بهاء الله و عائلته إلى السجن الاعظم في عكا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نابلوين الثالث عاش (1808-1873م)  ابن لويس بونابرت شقيق نابليون بونابرت

رئيس جمهورية فرنسا منذ 10 ديسمبر 1848م و إمبراطورها من 2 ديسمبر 1852 و حتى 4 سبتمبر 1870م.

 

 

 

ويلهام الأول Wilhelm I عاش (1797-1888م) ملك مملكة بروسيا (2 يناير 1861-9 مارس 1888م) و إمبراطور ألمانيا الموحدة (18 يناير 1871-9 مارس 1888م)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القيصر ألكسندر الثاني نيكولايفيتش رومانوف عاش (1818-1881م) دوق فينلندا الكبير و  قيصر روسيا من 22 مارس 1855م و حتى اغتياله 13 مارس 1881م

 

 

ألكسندرينا فكتوريا Alexandrina Victoria عاشت( 1819-1901م) ملكة بريطانيا العظمى و إيرلندا من20 يونيو 1837 و إمبراطورة الهند منذ 1ماي 1876م و حتى وفاتها 22 يناير 1901م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فرانز جوزيف الأول Franz Joseph I عاش (1830-1916م) إمبراطور إمبراطورية النمسا و المجر من 2 ديسمبر 1848 و حتى وفاته 21 نوفمبر 1916م

 

 

 

البابا بيوس التاسع و لد باسم جيوفاني ماريا ماستاي – فيريتي و عاش (1792-1878م) و اعتلى كرسي البابوية في روما 16 يونيو 1846م و استمرت ولايته قرابة 32 سنة و اشتهر بأنه صاحب مرسوم العصمة البابوية سنة 1869م و أخر بابا ذو سلطة حكم سياسية و قد أجبر على التخلي عن روما بعد توحيد إيطاليا سنة 1870م و صار حبيس الفاتيكان حتى وفاته 7 فبارير 1878م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اغتيال ابن شقيق إمبراطورية (النمسا-المجر) ولي العهد النمساوي و زوجته في سراييفو عاصمة إقليم البوسنة و الهرسك  بتاريخ الأحد 28 يونيو 1914 م من قبل الطالب الصربي غفريلو برانسيب Gavrilo Princip حيث أطلق رصاصتين من مسدسه الشبه أتوماتيكي من نوع 1910FN Model caliber380  فأصاب ولي العهد الارشيدوق فرانز فرديناندArchduke Franz Ferdinand  برصاصة في العنق و أصاب زوجته برصاصة في الصدر فماتا على الفور على الساعة الحادية عشر صباحاً.و كانت تلك الحادثة شرارة اندلاع الحرب العالمية الأولى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السجين والملوك

 

 

مترجم عن كتاب

The Prisoner and the Kings

by William Sears

 

 

 

 

 

الإصدار الأول 2013


قائمة المحتويات

تمهيـــد 4

مقـدمـة 5

الفصل الأول- 6

الجزء الأول : القـتلة 6

الفصل الثاني- 9

الجزء الأول: السجين- 9

الجزء الثاني: قصة “الباب” الماساوية 12

الجزء الثالث: سجن الجب الأسود 16

الجزء الرابع : أصوات فى الليل- 20

الجزء الخامس : وزن السلاسل- 22

الفصل الثالث- 24

الجزء الأول : الناقوس الأفخـم 24

الجزء الثاني : اللفافة المخبأة 27

الجزء الثالث: يوم الحساب- 29

الجزء الرابع : الإنهيـار السريع- 31

الجزء الخامس : تقلّب الأدوار- 34

الجزء السادس : سقوط أول مملكة 36

الفصل الرابع- 38

الجزء الأول : “رب المعارك” 38

الجزء الثاني : صوت الحرب- 40

الجزء الثالث: السيف المسلول- 42

الجزء الرابع : أحد الملوك  “ومليك الملوك ” 44

الجزء الخامس: كوارث متتابعة 46

الجزء السادس: الخروج المشين- 49

الجزء السابع: سقوط المملكة الثانية 51

الفصل الخامس– 52

الجزء الأول : القيصر المحرر- 52

الجزء الثاني : استمعوا للنداء- 55

الجزء الثالث: سقوط المملكة الثالثة 58

الفصل السادس– 61

الجزء الأول : نهاية الإمبراطورية الرومانية المقدسة 61

الجزء الثانى : إنقسام إلى أجزاء- 64

الجزء الثالث : سقوط المملكة الرابعة 67

الفصل السابع- 70

الجزء الأول : نهوض مملكة 70

الفصل الثامن- 76

الجزء الأول: بقايا الدار- 76

الجزءالثاني:  خارجا من الجب- 79

الفصل التاسع- 83

الجزء الأول: قاتل!  قاتل! 83

الجزء الثاني: أمير الظالمين- 86

الجزء الثالث: سقوط المملكة الخامسة ! 88

الفصل العاشر- 90

الجزء الأول : الإعـلان- 90

الجزء الثاني:”عرش الظلم” 93

الجزء الثالث: النفي الأخير- 97

الجزء الرابع :-  الرحلة عن طريق البحر- 101

الجزء الخامس :-  ملك البهاء يدخل البوابة 104

الجزء السادس : “المأدبة الإلهية” 107

الفصل الحادي عشر- 112

الجزء الأول: تحذير- 112

الجزء الثاني: المدينة المتينة 114

الجزء الثالث : قرع للطبول- 117

الجزء الرابع : سقوط المملكة السادسة 121

الفصل الثاني عشر- 124

الجزء الأول  : جبل الكرمل- 124

الجزء الثاني : مركز الميثاق- 126

الجزء الثالث: سلاح الله– 130

الفصل الثالث عشر- 134

الجزء الأول: سقوط الممالك في كل مكان- 134

الجزء الثاني : “من رأس الكرمل” 138

الفصل الرابع عشر- 141

الجزء الأول : ميراث الملوك- 141

الجزء الثاني : نظرة جديدة للتاريخ- 144

الجزء الثالث: أصداء من الماضي- 147

الجزء الرابع: أصداء أخرى لذات القلم الأعلي- 150

الجزء الخامس: ” يا ملأ الرهبان” 154

الجزء السادس: القادة العميان- 159

الفصل الخامس عشر- 162

الجزء الأول: ثوار الله– 162

الجزء الثاني: الإنقلاب الروحاني- 165

الجزء الثالث: مجتمع عالمي- 167

ملحق الصور ————————–———————————————-172  

 


 

 

 

تمهيـــد

يسعدني أنا وشركاء هذا العمل أن نقدم للقارئ العربي هذا الكتاب مترجما من الانجليزية للعربية عن أحد الأعمال الكتابية البارزة في تاريخ الأمر البهائي المبارك، ألا وهو كتاب (السجين والملوك) للكاتب المتميز “وليم سيرز” الصادر باللغة الانجليزية باسم “The Prisoner and the Kings”  .وأقدم عظيم الامتنان للسيد “سيفي سيفي”  للمساعدة في المراجعة والتدقيق لهذا الإصدار كما أنوه إذا أمكن لقارئنا الفاضل الإطلاع علي “ألواح حضرة بهاء الله للملوك والرؤساء” أثناء قراءته لهذا الكتاب حيث سيكون لها أثراً متميزاً وراسخاً في الفهم وزيادة الاستفادة.

روحيه حسن

 


السجين والملوك

بقلم: وليـم سيرز

مقـدمـة

يحدثنا كتاب السجين والملوك عن قصة أعظم لغز في العصر الحديث. ففيما بين عام 1867 وعام 1873، كتب سجين معزول في مستعمرة تركية،سلسلة من الرسائل لملوك وأباطرة تلك الفترة، تنبأ فيها بدقة مذهلة عن مجرى التاريخ الحديث، من انهيار دول وسقوط عروش وانحدار مؤسسات دينية ونهوض الشيوعية العالمية وقيام دول جديدة ومخاطر التلوث النووي.

هذا السجين هو “حضرة بهاءالله”، أروع رجل في عصرنا بل وفي جميع العصور طراً. ما السر وراء هذه الحفنة من الرسائل المذهلة؟ ما هو مصدر علم هذا السجين؟ وما الذي تخبرنا به هذه الرسائل عن الإنسانية ومستقبلها في القرن العشرين؟ “بهاءالله” هو اسم فارسي! ومن الوارد جدا أنه سيكون معروفا لأبنائكم كمعرفتهم لأسمائهم.


الفصل الأول

الذعر فى الطرقات

الجزء الأول : القـتلة

إن فخامة الزي الرسمي للقيصر ويلهلم الأول كانت تتحدث عن نفسها، فخوذته تلمع كشمس ثانية داخل عربته الملكية المتمايلة بهيبة وفخامة طوال شوارع برلين المشجرة. ويتباهي الملك بنفسه متسائلا: أيوجد ملك آخر يضاهيني؟

نعم هناك ما يدعوه للتباهي! فلقد حقق أكثر مما كان يحلم، فانتقم من فرنسا وأذلها، وأصبح أول ملك بروسي يحكم ولايات المانيا المتحدة كإمبراطور.

فجأة.. حطم هذا المشهد الهادئ دوي طلق ناري! واخترقت رصاصة خوذة القيصر، فهوى على كرسي عربته متأثرا باصابته الخطيرة، وانطلقت صيحات الذعر في شوارع برلين… قاتل… قاتل.

نجا ويلهلم الأول من الرصاصة التي كادت أن تودي بحياته والتي كانت علامة على بداية سلسلة من الكوارث التي ضربت أقرانه الملوك في أوروبا والشرق، وكان أغلب هؤلاء الملوك أسوأ حظا منه.

في القسطنطينية العظمى، كان هناك ملك آخر يجلس على عرشه بتفاخر، وهو أيضا غير مدرك تماما لشراك الموت التي تتجمع خيوطها حول ملوك الأرض.إنه السلطان عبدالعزيز حاكم الإمبراطورية العثمانية العظمى الذي أحاط نفسه بشبكة من الجواسيس لحمايته، كانوا يبلغونه عن أتفه الشكوك التي قد تهدد العرش؛ وفي المقابل، كان أعداء السلطان بنفس الدرجة من الحرص والدقة. فجأة وبدون سابق إنذار انتشرت الأقدام المسرعة بين أروقة القصر معلنة عن قيام ثورة.

شحب وجه السلطان عبدالعزيز عندما صاح طالبا النجدة دون إستجابة، لم يكن هناك مكان يلجأ اليه؛ ألقى زعماء الثورة القبض عليه بمنتهى القسوة وسجنوه داخل قصره. وهكذا لحق به نفس المصير الذي طارد ملوك الأرض. وفي صباح أحد الأيام ظهرت آثار القاتل مما أدى إلى إثارة الرعب وعلو الصيحات في شوارع الآستانه.. قاتل..! قاتل..!

ويبدو أن هناك ملك ثالث كان ينتظره ذات المصير. إنه نيقولا الكسندر الثاني قيصر روسيا. كان أتعس حالا، فلقد عاش في خوف طوال أيام حياته وكانت دوريات الحراسة على بابه تتغير باستمرار، ويتم مسبقا اختبار جميع أطباق الطعام التي تقدم له، كما كان جناح النوم الملكي يفتش كل ليلة. كانت هواجس الملك المفزعة مادة للقصص التي يتبادلها الشعب عن القيصر. وبالرغم من أنه كان يجوب الشوارع بعربته المكشوفة محاولا تكذيب الإشاعات المدمرة المتداولة، إلا أنه داخليا كان هائبا متوقعا ظهور عدو خفي.

وجاء اليوم المحتوم، فبينما كانت عربته الملكية تجوب أحد شوارع المدينة، كانت هناك حركة غير عادية بين جموع المحتشدين، ثم صوت انفجار قنبلة أمام العربة. أسرع الحراس لاعتقال المشتبه به، ثم ترجل الكسندر من عربته لمواجهته، ولكنه قبل أن يتمكن من حماية نفسه، سارع شريك القاتل بالقاء قنبلة ثانية انفجرت تحت أقدام القيصر. ففرت الجموع هاربة في كل اتجاه على غير هدى، ونقل الكسندر الثاني الى قصره متأثرا بجراحه المميتة. وقبل إنقضاء اليوم، كانت الهمسات في شوارع بطرسبرج تدور عن القاتل.

في قارة أخرى، ملك رابع جرفه نفس المصير. ناصرالدين شاه ملك إيران. كان في طريقه لتأدية الصلاة بهدوء في أمسية الاحتفال باليوبيل الذهبي لتتويجه، بعد خطط بعناية لكل خطوة من هذا الإحتفال العظيم تمجيدا لإسمه وتخليدا لذكراه في التاريخ. فجأة وبدون سابق إنذار، وبينما كان يصلي، باغتته رصاصة. إن المأساة الملكية التي وقعت في طهران، هي تكرار لما حدث في برلين وبطرسبرج والقسطنطينية!! دوت صرخات الذعر بين الحاشية عاجزين عن التصرف، ذهل رئيس الوزراء الذي كان مرافقا للشاه نتيجة الحدث المفاجئ، وأمر بكتمان الخبر على الأقل حتى انتهاء الاحتفال.

تم حمل جثمان الشاه لعربته سراً، وجلس الصدر الأعظم (متوارياً) خلف الجثة ليثبتها على مقعدها وهو في طريق عودته لقصره غارق في جمود الموت غير مدرك لصخب الموسيقى وتفجر الألعاب النارية أو لرفرفة الأعلام في كل مكان؛ كانت الجموع مبتهجة تهتف باسم وحياة جلالته الذي لقب نفسه بـ “ملك الملوك”. وبمجرد وصول العربة الى القصر، صرخ الوزراء بفزع وذعر شديد: قاتل.. قاتل.!


الفصل الثاني

أدعُ الأمم الى الله

الجزء الأول: السجين

ترى أي قدر محتوم جمع ملوك ألمانيا وروسيا وتركيا وإيران؟ لماذا عصفت بهم جميعا هذه النهاية العنيفة في نفس الوقت تقريبا؟ قصتهم هذه هي من أعظم القصص الدرامية لجيلنا! لماذا لم نسمع المزيد عنهم؟ فلم يكونوا ملوك من قصص الخيال، ولم يكن سقوطهم ودمارهم جزء من رواية تاريخية مشكوك فيها أو مأخوذة من بعض صفحات قصص الإثارة الشهيرة. لقد كانوا قادة ممالك بالفعل، فسقطوا هم وممالكهم من بعدهم ومحيوا. ومنذ ذلك الحين وخلال نصف قرن، سقط ما لا يقل عن عشرين مملكة! أفليس عجيبا أن القدر الذي أطاح بهم، أخذ يلاحق حتى خلفائهم في جمهوريات حلت محل ممالكهم!.

إن الحلقة التي تربط الملوك الأربعة وأتباعهم معا، هو “سجين” زج به في زنزانة منعزلة في إحدى القلاع التركية الواقعة على ساحل فلسطين. لكن.. من غير المعقول أن يتحدى سجين لا حول له ولا قوة، حكام العالم أجمع.

اثنان من هؤلاء الملوك قاما باضطهاده وإهانته بوحشية، وبالرغم من أنهما كانا عازمان على إسكاته، إلا أن محاولاتهما بأتمها باءت بالفشل الذريع. ولم تؤد كل تلك الخطط التي دبرت للتخلص من هذا السجين، إلا لعلو أمره، ودنو شأنهم، “كأنها أخطاء كوميدية في مسرحية هزلية”، وتدريجيا أصبحوا هم السجناء، وهو، كما قال أحد المؤرخين البريطانيين: “موضع محبة يحسده عليها الملوك والأباطرة، وعبثا يحاولون الوصول اليها”.

هذه قصة فريدة عجيبة لم يوجد في التاريخ مثيل لها أبداً. قصة “سجين”.. قُذف بالأحجار ثلاث مرات؛ وعانى آلآم خيزرانة الفلقة على أخمص قدميه؛ وجُـلد حتى تمزق جلده؛ وسالت الدماء من جروح وكدمات جسده؛ وكُـبل بالأغلال حول عنقه حتى أحنت ظهره؛ وتركت سلاسل حديدية ثقيلة شدّت بأقفال ومسامير لبعضها البعض، ندباً عميقة غائرة في أكتافه طيلة حياته؛ وسَلخت أسفل قدميه مقطرة خشبية كبلتا بها؛ وثبّت في مكانه على أرضية السجن بسلاسل حديدية مع مجموعة من رفاقه؛ ودس له السم ثلاث مرات؛ وجردته فرمانات الملوك من ثروته الطائلة ومكانته الاجتماعية العالية؛ وأبعدوه مع عائلته عن قومه ومسقط رأسه؛ ثم نُـفي بعيداً عن أرض وطنه إلى الأبد لأربع مرات متتالية، كُـل منفى منهم أقسى من سابقه. وفي النهاية حاول الملوك التخلص منه بنفيه الى أبشع منفى في الشرق الأوسط، مكان اعتقدوا أنه محط نهايته. فكان سجنه الأخير يقع في حصن محاط بالخنادق المائية وجدار عالي من صخر صماء بفتحات ضيقة. لقد كان محاطا بالأعداء وبمناخ غير صالح للسكنى ومنطقة مليئة بالأمراض والأوبئة.

وصل الملوك الى مرحلة من الثقة أن موت هذا السجين محتّم ولن يُسمع عنه ثانية. إن ما حدث كان يجب أن يكون النهاية، ولكنه في الحقيقة لم يكن إلا مجرد البداية، ففي غمرة أحداث القتل والمعاناة، تنبأ هذا السجين بدنو إنهيار ممالك كل هؤلاء الملوك، حيث وصف حتمية إندثار امبراطورياتهم، وكانت دقة تلك النبؤات مخيفة.

من هذه الأرض التاريخية المقدسة، أرسل هذا المنفي المعزول إنذراته للملوك يحذرهم من الكارثة التي توشك أن تقع عليهم، ووصلت هيمنة هذه الشخصية الغامضة للقارتين الأوروبية والآسيوية لدرجة هزت ممالكها حتى تزعزعت قواعدها وتصدعت هياكلها، فهوت..!

وبالرغم من معاناة هذا السجين على أيدي هؤلاء الملوك، إلا انه عرض عليهم يد العون لمنع تلك الكوارث الوشيكة! ترى هل أكترثوا لكلماته؟ لو أنهم أنصتوا إليه لتجنبوا قدرهم المحتوم، ولما اندثرت جموع من الممالك واحدة تلو الأخرى من مسرح هذا الزمان.

ولنتساءل من هو هذا السجين؟ ما علاقة سجين منفي بأعتى أربع ملوك في عصره؟ لقد أعلن أن له شأن وطيد بالملوك وحكوماتهم، وأخبرهم بكل وضوح أن رسالته في الحياة هي إيقاظ حكام العالم لأداء واجباتهم الإجتماعية والروحية في هذا العصر الجديد، وأعلن أنه أداة إلهية أرسلت لحماية المظلومين والمقهورين في الأرض وتحدى الملوك بقوله:

(وإنْ لنْ تمنعوا الظّالم عن ظلمه ولن تأخذوا حقّ المظلوم فبأي شيء تفتخرون بين العباد وتكونن من المفتخرين)

دعى السجين الملوك والرؤساء لتوحيد طاقاتهم وبذل الجهود للوصول بالبشرية الى العدالة الإجتماعية والسلام قائلاً:

“قم بين الناس بهذا الأمر المبرم ثم أدع الأمم الى الله العلي العظيم”

ما الذي يجعل أي ملك يلتفت الى مثل هذا الأقوال؟ من ذا الذي يصدق سجينا يعلن على الملأ إنهيار أعظم ممالك الأرض! كيف سيستطيع التحكم بمصير الملوك، وهو لم يستطع حتى إنقاذ نفسه من السجن!

ولكن هذا ما فعله بالتحديد! فلقد ألقي الملوك في السجون وأطلق سراح السجين، ونفذت كلماته ونبؤاته الى عقول جميع البشر، بينما اختفت وتلاشت العروش. لقد تحققت النبؤات بدقة مذهلة خطوة بعد خطوة، حتى خُلع كل طاغية عن عرشه وجُرّد من سلطاته وأفُل ملكهم الى الأبد، بالضبط كما ورد في الألواح التي أرسلها هذا السجين من زنزانته في فلسطين.

إنها حقا أعجب قصص عصرنا هذا!


دعوني أرمه بحجر

الجزء الثاني: قصة “الباب” الماساوية

تبدأ القصة في إيران سنة 1844م، فبالرغم من تاريخ إيران الطويل في الإنجاز الثقافي، إلا انها كانت في القرن التاسع عشر مرتعا لانحلال وفساد أخلاقي لا مثيل له، فلقد كان الشاه حاكماً مستبداً وحكومته تتعامل بمزيج من ابتزاز المال والتملق والوحشية، وأصبحت إدارة شؤون البلاد في أيدي مجموعة من السياسيين المرتشين ورجال دين متعصبين يوما بعد يوم.

فجأة! وبينما تعاني البلاد من أدنى درجات الانحطاط في تاريخها، ظهرت نهضة روحية لم تمر بها أي أمة أخرى في العصر الحديث، تجربة استمرت تسع سنوات، عندما ظهر شاب لقّب نفسه “الباب” ليعلن أن يوم الله قد إقترب. فتهافت عشرات الألوف من أرجاء إيران لاعتناق هذا الأمر الإلهي الجديد. كان أكثر أتباعه حماسا من طلبة المعاهد الدينية! وبدا للحظة من لحظات التاريخ، وكأن الأمة بأكملها قد تقبلت تعاليمه التي تنادي بالعدالة الإجتماعية والبعث الروحي. إلا أن رجال الدين ورجال الحاشية الملكية حالوا دون حدوث ذلك – مدركين بأن في هذه الدعوة خطرا سيهدد المزايا التي يتمتعون بها – فتمكنوا من إقناع الشاه بأن “الباب” مصدر خطر على ولايته. وبرغم إظهار الباب لإحترامه للسلطة المدنية، إلا أن الشاه اختار أن يأخذ برأي مستشاريه. وبدأوا بشن حملات الإرهاب والتعذيب، وقاموا بمطاردة الآلآف من أتباعه في البلاد، ونفذوا أعمال الغدر والتعذيب والذبح، وأخيرا في 9 يوليو عام 1850م أعدم “الباب”.

كان هناك شاب من النبلاء من مؤيدي أمر الباب، لقّبه “بهاءالله”. ولأنه ينتمي لعائلة شهيرة وذو شخصية محترمة، كسب احترام البلاط الفارسي، فلم يتم قتله في المذبحة العامة لأتباع الباب. ومع أن زعامته للبابيين المضطهدين جعلته في مكانة خطرة بالنسبة للمعادين، حيث ظهر تصميمهم على قتله، بيد أنه لم يكن لديهم ذريعة معقولة يمكنهم بها إدانة مثل هذه الشخصية المرموقة، فلقد كان بهاءالله محترما بشكل واسع النطاق.

في عام 1852، أتيح لهم المبرر، فلقد حاول شابان قتل الشاه بإطلاق النار عليه عندما كان خارجا من قصره ممتطيا جواده، وفي الحال ألقيت المسئولية على أتباع الباب وبهاءالله، واجتاح الأمة عداء لا يمكن ردعه، وباءت بالفشل كل محاولات تحري الحقيقة. فاتحد الشاه والوزراء ورجال الدين والشعب على كراهيته، وابتهجوا لحصولهم على ذريعة للفتك بمن اعتبروه خطرا على الدولة والدين.

كما اعتقل وقتل كثير من الذين كانوا مجرد أصدقاء أو متعاطفين مع الدين الجديد، إلا اذا كانوا أغنياء وقادرين على مليء خزائن مضطهديهم. أما بالنسبة لحالة “بهاءالله”، فقد أدركت السلطات أن موضوع قتله أو تعذيبه يجب تدبيره بطريقة ماكرة، لأنه وعائلته كانوا يحظون باحترام كبير في البلاد، فوالده كان أحد النبلاء ووزير سابق حظى بتقدير كبير وشرف عالي في الدولة.

خلال تلك الأيام المحمومة وبينما وصلت موجات الإضطهاد الى ذروتها، كان حضرة بهاءالله ضيفا على رئيس الوزراء الجديد “ميرزا أقا جان”، وكان من المفترض أن يكون بمأمن هناك. رئيس الوزراء هذا، سبق له وأن وعد حضرة الباب بمساعدة أتباعه المظلومين الأبرياء من غضب الملك، إذا قام هو بمساعدته في المقابل. وقد وفى حضرة الباب بوعده. والآن وبعد أن أصبح “الميرزا أقا جان” الصدر الأعظم، وجب عليه أيضا مواجهة حرج الوفاء بوعده.

لا يوجد من هو أكثر علما من الصدر الأعظم ببراءة حضرة بهاءالله من أي جريمة. لكن مشكلة هذا الوزير المهزوز تتمثل في طبيعة شخصيته، حيث أن ولاءه يتقلب باستمرار، ففي لحظة يأتيه خاطر يحثه على مساعدة أتباع الباب المضطهدين، وفي اللحظة التالية يتراجع في خوف هائباً فقدان مركزه، فيعاود الهجوم على أتباع الباب.

في النهاية، تغلب خوفه على شجاعته وإنصافه، وجلب على نفسه الخزي والعار.

حاول “ميرزا أقا جان” في البداية، إصلاح الشأن بين الشاه وبهاءالله، فأرسل رسالة ودية لحضرة بهاءالله في كربلاء (العراق) – عندما كان حضرته منفيا لفترة وجيزة بأمر الصدر الأعظم السابق – يخبره فيها عن خططه ويدعوه للعودة الى العاصمة.

نزل بهاءالله لمدة شهر ضيف شرف على ميرزا أقا جان، وفي هذه المدة اندفعت أفواج من نبلاء ووجهاء طهران لملاقاته، وقد أثار هذا الاهتمام والتبجيل لحضرته غضب وحسد أعدائه.

كان حضرة بهاءالله ضيفا في قرية “أفـجه”، عندما وصلت أخبار محاولة إغتيال الشاه، فشجب واستنكر هذه الفعلة بشدة، ولكنه أيضا رفض الإذعان لنصيحة أخو الصدر الأعظم الذي حضّه على الفرار للإختباء في المناطق المجاورة. وبدلا من ذلك، ذهب حضرة بهاءالله مشيّا على الأقدام إلى معسكر الجيش الشاهاني في قرية “نياوران” ليثبت براءته، بل ورفض أيضا اقتراحا بمرافقة حراس مسلحين لحمايته.

بوصوله الى قرية زرنده، قابله سكرتير السفير الروسي (الأمير دلغوروكوف) وأصطحبه الى منزله. فانتقلت الى ناصرالدين شاه في الحال أخبار وصول بهاءالله، وادهشته بشدة جرأته وقدومه الى معسكره مباشرة. أما الأمير دلغوروكوف، فقد اقترح على الصدر الأعظم “ميرزا أقا جان”، حماية بهاءالله من الأعداء الذين يريدون القضاء عليه، وذلك بأن يقيم في مقر إقامته الخاصة، لكن الصدر الأعظم خشى أنه لو تمادى في تقديم المزيد من الإهتمام بحضرة بهاءالله، فقد يؤدي ذلك الى فقدان مركزه ومكانته، لذلك سلّمه لأيدي مجموعة من أعدائه في الجيش.

نزع عن حضرة بهاءالله غطاء رأسه، وأخذ سيرا على الأقدام لمسافة ما يقارب الثلاثين كيلومترا من ضاحية شميران الى العاصمة طهران وهو عارى الرأس حافي القدمين تحت لهيب أشعة الشمس الحارقة مكبلا بالسلاسل والأغلال. وفي الطريق.. قام الجنود والغوغاء بتمزيق ملابسه الخارجية عدة مرات، وتعرض للضرب من قبل الضباط المرافقين له، وأحاطوه بالسباب والسخرية والتهجم والرشق بالحجارة.

وما كاد يقترب من العاصمة، حتى اندفعت من بين جموع المحتشدين إمرأة عجوز متعصبة وهي ترفع حجرا بيدها وجسدها يرتعش غضبا، لكن الموكب كان يسير بسرعة لم تمكنها من اللحاق به، فصاحت صارخة: (أتوسل اليكم أن تعطوني فرصة لأرمي هذا الحجر في وجهه!).

عندما رأها حضرته وهي مسرعة نحوه، أستوقف الحارس مدة كافية لإعطائها فرصة اللحاق به، قائلا: (لا تمنعوها عما تعتقده عملا مجيدا عند الله).


“هو المخلص لأولئك المكبلون بالسلاسل”

الجزء الثالث: سجن الجب الأسود

ألقي حضرة بهاءالله في زنزانة موبوءة معتمة تحت الأرض، ليمضي فيها أربعة أشهر، بعدما أقتيد في رواق مظلم ثم ليهبط ثلاث درجات، وكان لا بد عليه من إحناء جسده حتى يمكن تقييده بالسلاسل إلى الأرض مع رفاقه بينما وضعت أقدامه في مقطرة خشبية.

كان مسجونا مع حوالي مائة وأربعون شخصا، بينهم قتلة ولصوص وقطاع طرق، ولم يكن هناك منفذ خارجي للمكان المليء بالجرذان والحشرات والأمراض، سوى الباب الذي دخلوا منه. كان مكانا باردا ورطبا وذو روائح كريهة من استمرار تراكم النفايات والقاذورات.

ولمدة ثلاثة أيام وليالي، لم يقدم لحضرة بهاءالله أي طعام أو شراب. لقد أوثقوا عنقه باثنين من أشهر السلاسل آنذاك – تزن الواحدة منها حوالي مائة رطل، وتستخدم فقط لمعاقبة أعتى المجرمين – حتى سلخت تلك الأطواق الحديدية جلده، مما استحال معه النوم.

أصبح جليا بعد فترة وجيزة من دخوله السجن، أنه ليس هناك أي أساس للشبهات المقدمة ضده، ومع ذلك ظل مكبلا بالسلاسل في ذلك المكان الكريه. وفي كل يوم كان السجان يفتح الباب ليدخل معه بصيصا من الضوء مخترقا ظلمة المكان لينادي أسماء من سيتم تنفيذ حكم الاعدام بهم في ذلك اليوم وسط باحة السجن. كان من الصعب تخيل مدى البؤس والمعاناة التي ألمت بهؤلاء الضحايا الأبرياء نتيجة غضب الملك عليهم.

من هذا السجن الموبوء، بدأت رسالة حضرة بهاءالله، فمثلما هبطت حمامة الوحي على السيد المسيح عند نهر الأردن معلنة بدء رسالته، هكذا مسّت نفس “روح القدس” حضرة بهاءالله في تلك الحفرة الكريهة التي ألقي فيها بأمر شاه إيران.

وقد كتب حضرته عن هذه المناسبة قائلا:

” أصغيت لتلك الكلمة العليا من جميع الجهات :  ( إنا ننصرك بك وبقلمك. لا تحزن عما ورد عليك ولا تخف أنك من الآمنين. سوف يبعث الله كنوز الأرض وهم رجال ينصرونك بك وبأسمك الذي به أحيا الله أفئدة العارفين)

وقد كتب حضرة بهاءالله بعد حوالي عشرين عاما في رسالته الى ناصرالدين شاه عن تلك الأيام التي قضاها في ذلك السجن المظلم، سرد فيها أحداث العشرون عاما الطويلة التي قضاها سجينا منفيا وتحملها في صبر. وبرغم كل ذلك ظل حضرته يشمل الشاه بالصبر والصفح وكرم المودة, فتفضل قائلا:

(يا سُلْطانُ  إِنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَكَ ظِلَّهُ بَيْنَ العِبادِ وَآيَةَ قُدْرَتِهِ لِمَنْ فِي البِلادِ أَنِ احْكُمْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الَّذِينَ ظَلَمُونا مِنْ دونِ بَيِّنَةٍ وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ، إِنَّ الَّذِينَ فِي حَوْلِكَ يُحِبُّونَكَ لأَنْفُسِهِم وَالغُلامُ يُحِبُّكَ لِنَفْسِكَ وَما أَرَادَ إِلاَّ أَنْ يُقَرِّبَكَ إِلَى مَقَرِّ الفَضْلِ وَيُقَلِّبَكَ إِلَى يَمِينِ العَدْلِ وَكَانَ رَبُّكَ عَلَى ما أَقُولُ شَهِيداً)

حذرت كلمات حضرة بهاءالله ناصرالدين شاه، إنه اذا لم يرفع يده عن الظلم، فستزول عزته وستنضب ثروته وسيتحول مجده الى ذلة. وأوضح كذلك أن كلمات الله لا يمكن أن تعيقها حوائط السجون وأنه سيخرج من السجن ليبني مملكته الالهية في قلوب البشر، وإن الملك الذي لا يصغي لتحذيراته، لن ينال سوى الحزن واليأس، فتفضل قائلا:

(ولا ريب أنّ بعد هذه البلايا رحمة كبرى ويلي هذه الشّدائد العظمى رخاء عظيم ولكن من المأمول أن يهتمّ حضرة السّلطان بنفسه الأمور حتّى يكون ذلك سبباً لرجاء القلوب وفيما عرضتُ الخير المحض وَكَفى باللهِ شَهِيداً)

منذ البداية، كان اهتمام الشاه الأول، أن لا يسمع المزيد عن بهاءالله، وكانت والدته تشتعل غضبا من كراهية حضرته، حيث وصمته بأنه سيكون: “قاتل ابني”. كانت عازمة على هلاكه. ومن أغرب ملابسات تلك الأحداث أنها وجميع المتآمرين التابعين لها لم يتمكنوا من أقناع الشاه أن يأمر بقتل بهاءالله، وعلى ما يبدو وكأن هناك درع قدسي خفي يحيط بحضرته فيكسر أي رمح يوجهونه إليه.

لقد تحققت الوعود المذكورة في جميع الكتب المقدسة بخروج حضرة بهاءالله من السجن ونفيه، كما تمت من قبل تلك الوعود بدخوله الى السجن. فأطلق سراحه وأعلن رسالته الى ملوك العالم، وقام أتباعه بتبليغ رسالته إلى الملوك وأولي الأمر في جميع أرجاء المعمورة. وعلى ضوء هذه الأحداث، تحققت جميع النبؤات المذكورة في الكتب المقدسة السابقة بشكل مذهل.

ليس هناك وصف لهذه الأحداث أكثر روعة من تلك التي ذكرها العهد القديم في سفري أيوب والمزامير. لقد وصفا سجن حضرة بهاءالله في الجب ومعاناته ونجاته والإعلان العالمي لرسالته كأنها خطة دقيقة لرحلة مدروسة.

وصف أيوب في أحد إصحاحاته السجين الذي سيلقى به في “حفرة” و”توضع” أقدامه في “مقطرة”  و”يعاني” الكثير من “الآلام” لتبليغ رسالته، و”البريء” الذي ستمسه “نفحة الرب” وستكون رسالته “كاملة” “المعرفة” و”الحكمة” للبشرية.وسيخلص من حبسه وينجو من مكائد “أعدائه”  وأنه سيأتي “في الظلام” بـ “رؤية” وعلم جديد وأنه “سيكلم” الإنسان ليس “مرة” بل “مرتين”.

هذه الرؤية العظيمة تطابق تماما وصف “السجين” في مزامير داود، الذي سينجو من “الجب البشع” وعلى “لسانه سينطق الرب” بترنيمة جديدة، وسوف يذكر “مجيئه في الكتب” وإنه لن “يخفي” رسالته بل “سيعلنها لأعظم التجمعات” في العالم؛ إنه نفس ما ذكره أيوب “أما انا فقد علمت بأن وليي حي والآخر على الأرض يقوم”  لقد وعد أيوب بأن هذا الشخص العظيم “سوف يدمر الظالمين ويهلك الأمراء”، كما تنبأ أن “نور” الرب سوف يأتي في اليوم الأخير ويقول (ها أنا هنا).

في 24 مايو 1844م، اليوم التالي لميلاد الدين البهائي، أرسل “صامويل اف بي مورس” أول رسالة تلغراف من واشنطن الى بلتيمور نصها:  (هذا ما صنع الله). ولقد وصفت الصحف هذا الحدث بأنه (برق أيوب).

لقد استند المستكشفون لآثار مدينة ميسينا اليونانية القديمة ولطروادة ولمدينة أنكا القديمة على أدلة قليلة، مقارنة بما توفر لنا من أدلة في بحثنا عن الموعود بهاءالله. فالكنوز الموجودة في تعاليم حضرة بهاءالله لا يضاهيها شيء في قيمتها.


 أنـا لا أعـرفه

الجزء الرابع : أصوات فى الليل

كان حضرة بهاءالله دوما يبعث البهجة والسرور في قلوب مرافقيه خلال الأربعة أشهر التي أمضاها في زنزانته المظلمة ويشجعهم على الاستمرار في ثباتهم ويؤكد لهم أن لا شئ سيمنع إنتصار هذا الأمر مستقبلا.

كتب حضرة بهاءالله متذكرا تلك الفترة في الجب الأسود:

“لقد حشرنا سوية في زنزانة واحدة، وأقدامنا في المقطرة وصفدت أعناقنا في أثقل السلاسل… لم يسمح لأي بصيص نور من اختراق تلك الزنزانة الموبؤة أو ادخال الدفء لبرودتها القارسة. لقد وُضعنا في صفين وجها لوجه. وقد ألقينا عليهم بعض الآيات ليرددوها ويتغنوا بها كل ليلة بحماس شديد”.

علّم حضرة بهاءالله أتباعه المساجين التسبيح الالهي، فكان الصف الأول ينشد: (قل الله هو الكافي وهو الذي يكفي من كل شئ). ويرد عليهم الصف الثاني: (وعلى الله فليتوكل المتوكلون).

كانت أصواتهم مجلجلة في الساعات الأولى من الفجر وصدى تسبيحهم مرتفعا لدرجة أنه يصعد من أعماق الزنزانة مخترقا أصداء الميدان ليصل الى مهجع الملك في البلاط الشاهنشاهي، فتوقظه وتزعجه وتقلقه، لأنه لم يستطع تحديد ماهية هذه الضوضاء ولا مصدرها  مما دعاه لارسال أحد أفراد حاشيته لاستفسار عنها، فقيل له أنها أصوات الترانيم التي يرددها بهاءالله ومرافقيه في الجب الأسود، فبالرغم من معاناتهم ما زال هؤلاء المجانين يرتلون التسابيح الإلهية. عندئذ استدار منصرفا في صمت، وهو يشعر بالقلق بسبب اخفاقه في فهم هذه الحماسة في مواجهة الأهوال والتهديد بالموت الذي يعرف أنها تحيط بهم.

كان الشاه مضطرب في داخله من هذا الحادث، فيا ترى هل تمكن من قراءة المستقبل! أما ذلك الجانب الذي كانت تصدر منه أصوات مرافقي حضرة بهاءالله الثمالى بمحبة الله، فسيوقّع قلم الله قريباً أمراً يطيح بالسلالة الملكية لناصرالدين شاه وكل ملوك قاجار الى الأبد. وسيحيا ملوك فارس ليروا التحقق المذهل للنبؤات التي أعلنها حضرة بهاءالله ضدهم.

وبالرغم من المؤامرات التي دبرت للقضاء على حضرته، لم يتم العثور على أي دليل يشير الى تورطه في الجريمة التي أتهم بها، مما أجبر أعدائه علي تدبير مؤامرة جديدة للتخلص منه، فاستدعوا شاباً يدعى عباس ساعدهم من قبل في الإرشاد عن أتباع حضرة الباب في شوارع طهران، فقرروا استخدامه كأداة ضد حضرة بهاءالله.

كان عباس هذا قد قابل حضرة بهاءالله عدة مرات في الماضي، وقد وعدته السلطات بمكافأة مالية سخية بعدما يتمكنوا من مصادرة ممتلكاته، اذا أشار الى بهاءالله فقط، على أنه هو المتهم. فأخبروه أن كل ما يحتاجوه هو شاهد واحد فقط، وأكدت والدة الشاه وهي حزينة أنه أمر مخزي بالنسبة لي كوالدة للشاه أن لا أستطيع أن أوقع بهذا السجين العقاب الذي يستحقه.

ووعدت الملكة العجوز عباس، بمكافأة سخية إذا استطاع الغدر ببهاءالله ليقع بين يديها. فأمرت الشاب أن يذهب إلى الجب وينظر في وجه بهاءالله، وقالت له إنك سترى في ذلك الوجه من قد يكون قاتل ابني.

اقتيد عباس الى محضر بهاءالله ليس لمرة واحدة، بل لعدة مرات. وفي كل مرة يقابل فيها بهاءالله، كان يقف أمامه كالمشلول وهو يحدق في وجهه ويقول: “أنا لا أعرفه”. ثم يلتف ويغادر المكان، ولم تستطع التهديدات أو الوعود أن تفلح في اقناعه.


“فلتأمر بذبح جماعي لأهل تلك القرية”

الجزء الخامس : وزن السلاسل

فشلت كل محاولات أعداء بهاءالله في القضاء عليه، إلا أن انتشار التهم التي أُلصقت بحضرته والتي علـم بها عامـة الناس والسفارات الأجنبية كانت تستدعي القيام بعمل ما.

وعندما أدركوا أنه من الصعب إعدامه علنا، لجأوا الى حيلة ماكرة، فقرروا دسّ السم له.

بعض ممن هم في السلطة، كانوا يتمنون تملق والدة الشاه كسباَ لرضاها وربما أيضا للحصول على مبالغ مالية ضخمة، فقاموا بتدبير مؤامرة لقتل بهاءالله بسرّية قبل أن يتم اخراجه من السجن، فاستوقفوا الطعام المرسل لحضرته، وخلط بكمية من السم، ظنوا أنها كافية لقتله. ولكن حتى هذه المحاولة باءت بالفشل.

لقد تركت محاولات تسميمه هذه آثارها على صحته لعدة سنوات، وأصيب حضرته بأمراض شديدة وآلاماً مبرحة في زنزانة ذلك السجن، ولكن آمال أعداءه خابت جميعا.

زار “عبد البهاء” الصبي ذو الثمانية سنوات والده بهاءالله عندما كان مسجونا في “سياه جال”، وقد روى عن ذلك اللقاء قائلا: إن شكل حضرة بهاءالله قد تغير بصورة مخيفة وظهرت على وجهه علامات الألم والمعاناة. ويسترجع عبد البهاء ذلك المشهد الحزين: “كان شعره ولحيته ملبدتين ورقبته متقرحة متورمة من ضغط وثِقل الأطواق الحديدية وجسده محني من وزن السلاسل”. لقد ترك ذلك المنظر في ذاكرة الصبي الحساس انطباعا يستحيل نسيانه.

لم تكن تلك إلا بداية نصف قرن من الاضطهاد والآلام. وما يبدو لنا اليوم غريبا في هذه القصة، أن أعداء بهاءالله لم يوجهوا أي تهمة رسمية ضده في أي لحظة، ولم ينل حضرته في أي وقت من الأوقات الفرصة لمحاكمة رسمية. وبالتالي لم يكن كل ما عاناه نتيجة جرم ارتكبه. فالنفي المؤبد والإهانة والسجن كان نتيجة سلطة منفردة وأحكام شخصية من ملكين ديكتاتوريين.

إن قصة بهاءالله تفرض علينا الذهاب بعيدا عن مجرد التعاطف الانساني. فبقدر ما تخط تعاليم المظهر الإلهي طريقا للمستقبل، بقدر ما ترسم ملامح حياته نبوءة عن مستقبل البشرية. فما عاناه السيد المسيح سابقا، رسم معاناة شعوب منطقة البحر الأبيض المتوسط نتيجة رفض تعاليمه ورسالته الداعية للسلام والأخوّة. فهل سيمر ملايين البشر في القرن العشرين بنفس المعاناة التي مرّ بها حضرة بهاءالله من نفي وذلة وسجن؛ تلك التي حكم بها عليه حكام تلك الشعوب؟

تكمن الإجابة عند أولئك القادة الذين امتلكوا القوة الحقيقية في العالم خلال القرن التاسع عشر، ملوك وقادة أعظم دول أوروبا، فرنسا وبريطانيا وروسيا وألمانيا.

إلى هؤلاء الرجال، أظهر حضرته نفسه.


الفصل الثالث

سقوط أول مملكة

ليس الحرية والمساواة والأخاء، بل الفروسية والمشاة والمدفعية

الجزء الأول : الناقوس الأفخـم

قل يا ملك الباريس نبّئ القسيس بأن لا يدق النواقيس   تالله الحق قد ظهر الناقوس الأفخـم”

كانت هذه أولى الكلمات التي وجهها حضرة بهاءالله في رسالته الى نابليون الثالث، امبراطور فرنسا. فقد أخبر الامبراطور أن الناقوس الأفخم لم يكن إلا نفسه (بهاءالله) وأنه جاء ” ليحي الأكوان من نفحات اسمه الرحمن ليتحد العالم”

هناك سلسلة أحداث متعاقبة غير عادية جاءت بحضرته من سجن الجب الأسود في طهران إلى القلعة التركية في عكاء على ساحل البحر الأبيض المتوسط حيث كتب منها رسالته هذه. إن الأكثر عجبا في تفاصيل هذه القصة غير العادية، هي دقة الأحداث التي تنبأت بها الكتب المقدسة لأديان العالم الثلاثة.

سنعود فيما بعد لنتأمل أحداث مصير ناصرالدين شاه والمملكة الفارسية. وعلى كل حال، لم يكن الشاه أول حاكم تصله دعوة خاصة من هذا السجين، بل تلقى نابليون الثالث أيضا، أقوى ملوك ذلك العصر، رسالة مماثلة. لذلك علينا العودة الى الوراء لبضعة سنين، لاستطلاع ذلك اللقاء التاريخي بين الملك والسجين.

كتب بهاءالله لامبراطور فرنسا ليس لمرة واحدة بل لمرتين، ورُوي أن نابليون الثالث اَلقى بالرسالة الأولى جانبا بكل غضب ساخراً من فحواها.

كان نابليون أول حاكم غربي أرسل له السجين إحدى رسائله التاريخية النافذة، وكان أول حاكم جرفته تلك الرياح العارمة التي تحدثت عنها تلك الرسائل.

في عام 1844م، كان أول إعلان للباب عن مجيء الموعود “السجين”، وفي نفس العام تقريبا، أٌلهم لويس نابليون ليكتب بنفسه مقالة عن كيفية القضاء على الفقر. فبدى أن الملك يتوافق وبانسجام مع روح تعاليم سجين الأرض المقدسة. إن القضاء على الفقر المدقع والغناء الفاحش كان أحد المبادئ الرئيسية التي حث السجين ملوك الأرض على تنفيذها.

صرّح نابليون الثالث: “تقدم نحو الأفكار الرئيسية لهذا القرن، وستتبعك تلك الأفكار وتؤيدك. أما لو اتجهت عكسها، فستطيح بك”. وفي خلال 16 عام، ساق الامبراطور أمته لثلاثة حروب، دمرت فرنسا إقتصاديا.

لقد أعطي لويس نابليون الفرصة ليصبح وسيلة لدعم مصالح الجنس البشري، لكنه لم يتمكن من إبعاد رغباته الخاصة جانبا، فتضافر قدره مع ما جاء به السجين مرة تلو الأخرى.

وفي عام 1873م، وهي نفس سنة وفاة لويس نابليون، نزل من قلم السجين أعظم كتبه، حيث ناشد فيه مرة أخرى ملوك وحكام الأرض.

في هذا الكتاب وجه السجين رسالة خاصة الى “رؤساء وحكام الجمهوريات في الغرب”. وكذلك وضع أسس مجتمع منظم يعمّه السلام، كما وصف المؤسسات التي يمكنها تحقيق هذا الهدف. ولقد زعم نابليون الثالث أنه القائد المتفاني للوصول إلى هذه الأهداف الخاصة بالعدالة الاجتماعية.

وعن محفزه خلال حياته، قال لويس نابليون: “انها الأفكار الخاصة بالنواحي الاجتماعية والصناعية والتجارية المفيدة للبشرية”. وعندما حاد نابليون الثالث بعيدا عن هذه المبادئ، بدأ سقوطه.

كتب السجين من مدينة القلعة “عكاء”:

” يا ملك باريس.. لأنـا بلوناك وجدناك في معزل.. لو كنت صاحب الكلمة ما نبذت كتاب الله وراء ظهرك. إنا بلوناك به ما وجدناك على ما ادعيت”

لا يوجد مكان هنا لدراسة تفاصيل العلاقة بين أفول الامبراطورية الثانية، وظهور التعاليم العالمية للسجين. فهذه القصة لا تعدو أن تقدم لمحة من مشهد ضئيل من بين تلك الأحداث التي هزت وأيقظت العالم.

إن خسارتنا لكبيرة لأنهم فشلوا في فعل ذلك.

 


صرير القلم الأعلي

الجزء الثاني : اللفافة المخبأة

لو أن أحد ما توقع أن لويس نابليون، خليفة نابليون بونابارت الأعظم، سيتجرع المرارة في أولى فتوحاته من نقطة صغيرة إسمها قلعه عكاء، كان سيعتبر مختل عقليا. مع أن نابليون الأول بنفسه، أقر فيما بعد، أنه لم يهُـزم من قبل الإنجليز أو الأتراك، بل من “حَبة رمل” اسمها عكاء.

وبعد مرور نصف قرن، أرسل سجين ضعيف عند الأتراك، رسالة من ذات المكان “عكاء”، يتنبأ فيها بأفول السلالة النابليونية الحاكمة.ولكن لم يلتفت العالم لتلك الرسالة.

قيل أن بهاءالله فَتنَ وأسَر كل من زاره في مدينة السجن. في البداية..لم تعر السلطات التركية مثل هذه الأخبار اهتماما واعتبرتها مضحكة، خاصة عندما أصبح المعتمد الفرنسي المحترم لحكومة لويس نابليون صديقاً مخلصا للسجين المحكوم عليه. ولكن.. عندما بدأ التأثير التدريجي القوي للسجين يجتاح جميع الزوار الذين يحضرون لزيارته، ازدادت الشكوك لدى الحراس بكل زائر، وتم إخضاعهم للفحص الدقيق جميعا، ولم يسمح لأي منهم بحمل الرسائل من أو إلى السجين.

وبالرغم من كل هذه الرقابة المشددة، لم يكن بالامكان منع رسالة السجين التاريخية الثانية لنابليون الثالث من عبور أسوار مدينة السجن.

عندما استعد زائر السجين لمغادرة السجن، وأومأ للحرس برأسه موافقاً على تفتيشه بالكلية، لم يعثروا على شيء معه. وبعدما ابتعد عن المكان، ابتسم في نفسه، فلقد كان واثقا أن أيا منهم لن يفكر في التفتيش تحت قبعته، وسار في شوارع عكاء غير مكترث، وهو يحمل في ذلك المكان الخفي، رسالة بهاءالله التاريخية الثانية لنابليون الثالث، حيث سلمت للمعتمد الفرنسي في عكاء الذي قام بالترجمة المناسبة ورتب الأمور لتصل بين يدي الإمبراطور.

في تلك اللفافة المخفية تحت غطاء رأس الزائر، تنبأ السجين بمصير كل من الملك والأمة والإمبراطورية والسلالة.

“إذاً تجد نفسك في خسران مبين. إلا أن تقوم على نصرة هذا الأمر وتتبع الروح”


” ويخرج الملك من كفك جزاء عملك”

الجزء الثالث: يوم الحساب

كان قصر نابليون الثالث حديث كل أوروبا، ولم يتوقع أحد السقوط الدرامي لهذا الملك، كما تنبأ السجين.

إن الاحتفال والمهرجان اللذين أقيما في بلاط نابليون الثالث كان محل حسد جيرانه، وقد تملك معاصريه الحسد من إسرافه غير المبرر، فباخرة لويس نابليون وصلت أعالي البحار، وهو نفسه بالكاد كان يصدق حسن طالعه الذي تعدى كل أحلامه، فلقد فُتحت أمامه كل الأبواب الذهبية وكان بوسعه تأسيس مملكته التي طالما حلم بها. كانت الدنيا كلها ملك يده.

قال السجين:

” قل يا ملك باريس… انه لجميل بملك الزمان أن يفحص حال أولئك المظلومين وخليق به بأن يمد يد عنايته للضعفاء”

كان نابليون يهتم بالأقوياء دون الضعفاء، وبالاغنياء دون الفقراء، وبالتالي لم يكن ليهتم بالمساجين الأتراك وفي الحقيقه كان حليفا للأتراك ضد قيصر روسيا. إن حرب القِـرم كانت للإنتقام لعمه نابليون العظيم. ولم يكن في نيته جلب الضرر لنفسه إرضاء لخاطر حلفاءه الأتراك.

كانت أعمال نابليون تنم عما قاله بوضوح: “لا تشغلوني بالأمور التافهة، فالعالم على حافة الهاوية”.

لكن عالم نابليون هو الذي كان على حافة الهاوية، فقد خسره بالفعل. إن استمرار أفعاله المزرية، استدعت السجين أن يكتب الرسالة الثانية لإمبراطور فرنسا قائلا:

“قُمْ وَتَدارَكْ ما فاتَ عَنْكَ سَوْفَ تَفْنَى الدُّنْيا وَما عِنْدَكَ وَيَبْقى المُلْكُ للهِ رَبِّكَ وَرَبِّ آبائِكَ الأَوَّلِينَ، لا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقْتَصِرَ الأُمُورَ عَلَى ما تَهْوَى بِه هَواكَ..”

وحذره أيضا أنه اذا لم يتدارك ويصحح ما فات عنه في الحال، فسوف ينال أبشع عقاب:

بِما فَعَلْتَ تَخْتَلِفُ الأُمُورُ فِي مَمْلَكَتِكَ وَتَخْرُجُ المُلْكُ مِنْ كَفِّكَ جَزاءَ عَمَلِكَ إِذاً تَجِدُ نَفْسَكَ فِي خُسْرانٍ مُبِينٍ”

إن يوم الحساب قادم!!

 

 

” قد نرى الذله تسعى عن ورائك “

الجزء الرابع : الإنهيـار السريع

كانت هذه بداية النهاية للسلالة النابليونية، لقد قام نابليون الثالث بالتحريض على حرب القِـرم ليشبع غضبه الدفين ضد الامبراطور الروسي. كان يتوق لتمزيق معاهدة عام 1815م، لينتقم لكارثة عمه في موسكو.

كانت أحد أحلام نابليون الثالث الطموحة، هو تأسيس امبراطورية له في المكسيك، وكان يتخيل هذه الفكرة الوهمية قبل أن يصبح إمبراطورا، فتصور لنفسه “القسطنطينية الجديدة” على مضيق بنما، لتمتد مملكته في كل من الشرق والغرب.

قال نابليون أنه سوف يقيم في وسط أمريكا مركزاً لسلطته يعود عليه بالنفع. ومن العجيب أن بهاءالله وعده تقريبا بهذه المكافأة، إذا ما كرّس نفسه ليكون سببا للوحدة والعدالة بين كل البشر. فكتب السجين:

” قل يا ملك باريس. قم على خدمه الله ونصرة أمره، إنه يؤيدك بجنود الغيب والشهادة ويجعلك سلطانا على ما تطلع الشمس عليها” (أي الشرق والغرب)

لم يحاول نابليون الثالث مساعدة السجين أو حتى الاستماع لكلماته. وباءت المغامرة الأمريكية لنابليون الثالث بالفشل الذريع، ولاقت كل المحاولات التالية نفس المصير.

وفجأة.. ذهبت كل أمجاد الأيام الماضية، ففي البداية هزم نابليون كل من روسيا والنمسا في حرب القِـرم والحرب الايطالية. وقد أذهل العالم عندما تفوق على أعتى الجيوش في كل أوروبا.

ثم أخذ موقف المتفرج في الحرب ما بين النمسا وبروسيا عام 1866م، فكانت خطته التدخل مع الجانب المناسب في الوقت المناسب، أي مع الجانب الذي سيمنحه منفعة أكبر.

لكنه أخطأ التخمين، فقد قهرت بروسيا النمسا بسرعة وبشكل حاسم، فكانت تلك أولى سلسلة أخطاء نابليون التي تتابعت فلازمته حتى تهاوت مكانته.

لقد ذُكر في الانجيل “إن الله سيعاقب الملوك والأمم”، فكان لويس نابليون على الغالب هو المثل الأنسب لذلك المبدأ الأنفذ، وفي الواقع أن الأمم والملوك هم الذين يعاقبون أنفسهم بأيديهم، فكانوا يجلبون لأنفسهم المعاناة باتخاذ القرارات الخاطئة.

في “يوم الله” هذا، كلما قام حاكم بأعمال ظالمة لمجرد ضمان نفوذه وهيبته، أو من أجل ممتلكاته أو لرخاء شعبه على حساب بقية الشعوب، فمثل هذه القرارات لا تجني ولا تحصد سوى البلايا والكوارث، فكلما اتسع الفارق بين هذه القرارات وبين أساس الشرائع الإلهية القائمة على العدل، كلما عظمت الكوارث وأصبح إنهيار كل من إتخذ تلك القرارات مؤكدا، ومهما طالت العملية، فإن النهاية دائما واحدة.

حاول السجين توضيح هذا المبدأ لقادة البشرية، فمهمته كانت تنبيههم لشريعة الله، فإذا عصوها فان العقاب الناتج سيكون نتيجة قراراتهم الخاطئة. هكذا “يعاقب الله الملوك والأمم”، إنهم يعاقبون أنفسهم.

أعلن القيصر ويلهلم الأول لاحقا، إن حرب 1866م التي اتخذ خلالها نابليون الثالث موقف المحايد، أدت إلى دمار فرنسا، وأوضح أنه كان على نابليون مهاجمة جيوشنا من الخلف.

لقد فات الأوان وانتهى زمن الازدهار، فلم يعد لنابليون أي ملجأ سوى الحرب، وبالفعل كان يغامر باحتمال ثورة وشيكة الحدوث في بلاده. وفي عام 1870م  قاد نابليون أمته الى حرب ضد بروسيا.

أعلن وزير الحربية الفرنسي بفخر، أن فرنسا تتوقع نصراً كاملاً وعظيماً، لكن التاريخ يُرينا كم كان هذا الاعلان مثيرا للشفقة، فقد أصبحت القرارات الخاطئة من كل الجوانب هي العلامة المميزة لنابليون الثالث. فدبت الفوضى في كل شيء، الى درجة أن جنود المشاة او كبار الضباط كانوا يعجزون عن معرفة مواقعهم، وفي برقية وصلت من الجنرال مايكل في يوم 21 يوليو إلى بلفورد، يقول فيها: “لا أستطيع العثور على فرقتي، ولا يمكنني العثور على قسمها الأكبر، فماذا أفعل؟  لا أعلم أين هو الجيش.” فلوحظ أنها من الوثائق الفريدة في التاريخ العسكري.

لقد بدأ تحقق وعد سجين الأرض المقدسة لنابليون الثالث:

“بِما فَعَلْتَ تَخْتَلِفُ الأُمُورُ فِي مَمْلَكَتِكَ وَتَخْرُجُ المُلْكُ مِنْ كَفِّكَ جَزاءَ عَمَلِكَ إِذاً تَجِدُ نَفْسَكَ فِي خُسْرانٍ مُبِينٍ”

إنضم نابليون إلى الجيش بنفسه مع ابنه الأصغر في محاولة منه لمنع التمرد بين الجنود. لقد أنهكت قواه الضغوط المحيطة به، وكانت صحته تتدهور نتيجة صراعه مع مرض حصى الكلى، وكان بالكاد يستطيع البقاء فوق ظهر حصانه أثناء استعراض الجند. وقيل أنه كان يصبغ وجنتيه باللون الأحمر ليخفي ما بهما من شحوب أمام الجنود.

وهكذا.. أصبح نابليون الثالث وجنوده في طي النسيان.

لقد أصبح المعتمد الفرنسي في عكاء، من أتباع السجين، عندما شاهد تحقق الدمار الذي ورد في النبوءات التي قام هو بنفسه بترجمتها إلى الفرنسية وسلمها وقتئذ الى نابليون الثالث.


” وأدخلونا في السجن الأعظم بظلم مبين “

الجزء الخامس : تقلّب الأدوار

عندما نستعرض التباين بين حياة بهاءالله ومكانة نابليون الثالث في بداية حكمه، ثم نشهد كم انعكست مراكزهما في النهاية تماما، نبدأ في فهم المغزى الحقيقي للتحذير الذي أرسله السجين للملك عندما قال له:

” أعزك غرك، لعمري إنه لا يدوم وسوف يزول إلا بأن تتمسك بهذا الحبل المتين، قد نرى الذلة تسعى عن ورائك وأنت من الراقدين”

وتبدو الكلمات التي استخدمها عبد البهاء في موضع آخر، ملائمة ومطابقة بخصوص نابليون فرنسا الثالث، حيث تفضل:

” سوف تذهب سلطنتك أدراج الرياح ويحل بك الخراب”

انه لمن الصعب تخيل تناقض أعظم من ذلك الذي وُجد بين نابليون الثالث والسجين. ففي عام 1852م، نصّب لويس نابليون ليصبح نابليون الثالث، امبراطوراً لفرنسا. وفي نفس العام، اعتقل بهاءالله بعيدا في إيران ومشى عدة أميال عاري الرأس حافي القدمين تحت أشعة الشمس الحارقة؛ لقد اقتيد محاطا بصريخ الغوغاء من الأعداء، وفي نفس الساعات التي تُرك فيها بلا طعام ولا شراب، كان نابليون الثالث يتناول عشاءه الفاخر في عاصمة امبراطوريته المتألقة.

في يناير عام 1853م، تزوج نابليون الثالث من “يوجين دي مونتاجو”، الكونتيسة الاسبانية، وقد بدأت حياة الامبراطور بالاستقرار وتربعت عائلته بأمان على عرش فرنسا. وفي نفس ذلك الشهر، اقتلعت جذور السجين من وطنه وسُلبت منه مكانته وثروته ونفي إلى الأبد من وطنه الأصلي.

على ما يبدو، كلما زادت قوة وهيمنة نابليون الثالث، كلما قلّ – في الظاهر- حظ سجين الأرض المقدسة.

لقد نُفي بهاءالله، مثل النبي ابراهيم، ورُجم مثل النبي موسى، وجُلد مثل النبي عيسى، وسجن وكُبل وسُمم ونُفي من مدينة إلى مدينة، وفي النهاية وصل إلى أبشع سجن تركي، إنها قلعة عكاء الواقعة في ظل جبل الكرمل، “كرم الله”. ومن مدينة السجن تلك أرسل رسالته الثانية إلى امبراطور فرنسا.

منذ تلك اللحظة وما بعدها ورغم الضربات السريعة من يد القدر، نهض السجين وانتشرت تعاليمه في كل بقعة على هذا الكوكب، بينما كان الامبراطور يتهاوى من القمة وعظمته تُخسف بالكامل.

لن نستطيع معرفة أي أفكار جالت في خاطر لويس نابليون عندما أُسر على يد ملك أجنبي بعد انهزامه في معركة سيدان، تُرى هل استرجع تلك الكلمات التي وجهها له سجين عكاء ولو لمرة واحدة؟  إنه إحتمال بعيد أن يدرك أي شيء من تلك النهضة الروحية التي أثارت الرأي العام وهو يسقط، وما كان بأعمى البصيرة عن تلك الدراما التي هو جزء منها.


” ستنقضي أيام جلوسهم على سرير العزّة “

الجزء السادس : سقوط أول مملكة

إن الرسائل التي تلقاها نابليون الثالث من مدينة السجن “عكاء”، كانت تحتوي على العديد من النبوءات المنذرة. فلقد تنبأ السجين أنه قريبا سيغيّر نصيب وقدر كل الملوك المستبدين، وأن مكانتهم في الحياة ستنقلب بقدرة الله القدير. لم يكن هناك ملك تطابق قدره ومصيره مع تلك الكلمات، أكثر من نابليون فرنسا الثالث:

“أَنْ يَا أَيُّهَا السُّلْطَانُ اسْمَعْ قَوْلَ مَنْ يَنْطِقُ بِالحَقِّ سَتَمْضِي بَلايانا وَاضْطِرارُنا وَالشِّدَّةُ الَّتِي أَحاطَتْنا مِنْ كُلِّ الجِهاتِ وَكَذلِكَ تَمْضِي رَاحَتُهُمْ وَالرَّخَاءُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ”

وصف السجين الانقلاب العظيم الذي سيحل بهم قائلا:

“وَسَيُقْضَى سُكُونُنا عَلَى التُّرابِ بِهذِهِ الذِّلَّةِ وَجُلُوسُهُمْ عَلَى سَرِيرِ العِزَّةِ وَيَحْكُمُ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمينَ”

وكتب السجين قائلا:

“يا ملك.. بما فعلت تختلف الأمور في مملكتك وتأخذ الزلازل كل القبائل”

حاصر الألمان باريس، وتلاشت كل مقاومة واستسلمت المدينة، فانصعق الشعب الفرنسي من الإنهيار المهين لجيشهم العظيم وألقوا باللوم على الامبراطور، مما أثار حربا أهلية تبعت الحرب البروسية – الفرنسية، وأطلق على تلك الفترة “السنوات العصيبة”، حيث فاقت في ضراوتها فترة الحرب نفسها، فتركت علامة في ذاكرة الفرنسيين اثّرت على فرنسا إلى هذا اليوم، وعمت الفوضى الأمة بأكملها وعانت من المجاعة والثورة والأوبئة التي قضت على أرواح الآلاف في باريس، مدينة نابليون “مدينة النور”.

” قد نرى الذلة تسعى عن ورائك…جزاء عملك..”

أصبح الامبراطور أكثر رجل مكروه في فرنسا، وانطلقت الحشود في باريس تطالب بالانتقام منه ملقين اللوم عليه لإذلاله بلادهم، وبالكاد تمكنت الإمبراطورة “أوجينيو” من الفرار بحياتها، بينما قضي على الملكية تماما.

كان لنابليون ولد واحد، هو الأمير “أوجين لويس جين جوزيف”، الذي تلقى تعليمه في انجلترا. كان نابليون الثالث يأمل حتى بعد سقوطه، باستعادة عرش آل نابليون في المستقبل مع ابنه كامبراطور؛ وياللرحمة أنه لم يعش ليرى مقتل الأمير بعيدا في حرب الزولو في جنوب أفريقيا بين السود والبيض.

وبالفعل كانت نبوءات السجين لأحد ملوك الأرض رهيبة جدا، فمثل هذا التحذير، ورد أيضا في الكتاب المقدس منذ قرون مضت، عندما ذكر إشعيا النبي في أحد إصحاحاته، أنه سيأتي اليوم الذي سيتلقى الملوك فيه “عقابهم”، وحذر أن الرب في ذلك اليوم، “سيقلب الارض تحت اقدامهم رأسا على عقب”، و”سيفرق بين الأمم”، وسيبطل “تغطرس” المستكبرين بسبب شرهم. وحتى لا يكون هناك خطأ او التباس في فهم المقصود من كلام إشعيا، كتب السجين بنفسه للملوك قائلا:

“قل إني أنا المذكور بلسان أشعيا، طوبى لملك ما منعه المُلك عن مالكه وأقبل إلى الله بقلبه”

لقد فشل نابليون الثالث في اجتياز الامتحان الالهي، “فسقط على التراب”، وعانى مما قدّر للملوك في نبوءه أشعيا منذ أمد بعيد:

“ويكون في ذلك اليوم أن الرب يطالب جند العلاء في العلاء وملوك الأرض على الأرض”.

وسقطت أول مملكة.


الفصل الرابع

رجع إلى التراب بخسران عظيم

الجزء الأول : “رب المعارك”

في 18 يونيو عام 1871م، دخل القيصر ويلهلم الأول، إمبراطور ألمانيا إلى برلين على رأس جيشه المنتصر، فكان يوم فرح عظيم. لقد سُحقت فرنسا نابليون الثالث، وأصبح الإمبراطور بطل قومي وأسطوري في ألمانيا. وبينما كانت الخيول تجلجل محدثة رنين النصر في شوارع برلين، كان القيصر ويلهلم الأول محط أنظار كل العيون، لقد حقق تقريبا كل أحلامه وأصبح بالترتيب أميراً ثم ملكاً والآن إمبراطوراً على ألمانيا المتحدة.

لم يكن هناك أحد ليتحداه، لكن صوتاً واحداً أعلن تحذيره له. فمن مدينة السجن البعيدة، ذكّر بهاءالله القيصر بما حلّ بإمبراطور فرنسا، وحذر ويلهلم بأنه سيواجه نفس المصير الذي لحق بنابيون الثالث، إذا لم يتّبع أوامر الله التي يعرضها على ملوك الأرض، ويكّرس نفسه لخدمة الوحدة والعدل.

أرسل السجين هذه الكلمات إلى ويلهلم الأول:

“يا ملك برلين… أذكر من كان أعظم منك شأنا وأكبر منك مقاما أين هو وما عندهه؟

لقد أٌعطيت الفرصة للمنتصر لتلبية نداء الله، مثلما أعطيت للمهزوم من قبل، فقد كان الملوك “أوصياء” الله، وإليهم عهدت مسؤولية هذه الثقة.

لقد حذر السجين القيصر ويلهلم الأول من نسيان الدرس الذي أعطي للعالم بالمصير الدرامي الذي حل بنابليون الثالث قائلا:

“يا ملك تفكّر فيه وفي أمثالك الّذين سخّروا البلاد وحكموا على العباد قد انزلهم الرّحمن من القصور الى القبور”

ومع ذلك ظل الإمبراطور مقتنعاً دائماً بأن “بروسيا” هي الأوج الأنسب لكل ألمانيا، وكان يعتقد أن أمراً واحداً سيحقق ذلك، وهو الجبروت والقوة المتمثلة في الجيش العظيم. لكن التاريخ أظهر خلاف ذلك ليثبت له صحة ما قاله السجين.

لم يكن السجين يشاور ملوك الأرض فحسب، بل كان يحذّرهم، ولم يكن ويلهلم الأول قيصر ألمانيا مستثنى من تلك الإنذارات:

“يا ظََلَمة الأرض، كُفوا أيديكم عن الظلم، لأني قد أَقسمت ألا أتجاوز عن ظلم أحد”

كان ويلهلم الأول يقضي كل أوقاته في الجيش، وقبل أن يحين وقت اعتلائه العرش، كان يوصف لصرامته “بالعسكري” و “الاستبدادي”، واعترف أنه كان يرى نفسه “رب المعارك”. وقد حذر السجين الإمبراطور:

“يا مَلِكَ بِرلينَ.. انْتَبِهْ وَلا تَكُنْ مِنَ الرَّاقِدِينَ، إِنَّهُ نابليون الثالث  نَبَذَ لَوْحَ اللهِ وَرآءهُ  لِذَا أَخَذَتْهُ الذِّلَّةُ مِنْ كُلِّ الجِهَاتِ إِلَى أَنْ رَجَعَ إِلَى التُّرَابِ بِخُسْرانٍ عَظِيمٍ.. يا مَلِكُ تَفَكَّرْ فِيهِ.. اعْتَبِرْ وَكُنْ مِنَ المُتَذَكِّرِينَ”

 


“أن اتحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الاختلاف بينكم “

الجزء الثاني : صوت الحرب

لم يصغ ويلهلم الأول لتحذيرات سجين عكاء، وبوفاته سلّمت المانيا إلى يديّ حفيده المتهور المتكبر الشاب ويلهلم الثاني. وكان للقيصر الجديد اتجاه معاكس لكل نصائح السجين، وبدلا من جلب الهدوء والسلام للشعب والأمة، زاد من سرعة حركة آلته العسكرية، مما ساق أمته إلى كارثة، وفي النهاية أدى ذلك الى تدمير سلام العالم.

في عام 1898م، زار ويلهلم الثاني الأرض المقدسة، ولم يكن الملك يبعد عن مدينة السجن إلا أميال قليلة، ذات المكان الذي أرسل منه السجين رسائله التاريخية إلى جده والتي أنذر فيها بسقوط السلالة الملكية الألمانية. وخلال تلك الزيارة، قام القيصر بالتحالف مع أشهر مضطهدي السجين، وهو سلطان تركيا. وعندما وصل الأرض المقدسة، قامت السلطات بهدم وتوسعة إحدى بوابات المدينة المقدسة “القدس”، لتناسب التشريف والاحترام اللائق للزيارة الملكية.

كان وصول بهاءالله إلى الأرض المقدسة مختلف تماماً، فلقد حشرت جماعة المنفيين في مركب صغير، وتأخروا لساعات على ساحل مدينة حيفا حتى عبروا الخليج إلى مدينة القلعة “عكاء”، وسار حضرته على قدميه في الشوارع مع استهزاءات أهل المدينة. وأخيرا أُلقي به في سجن القلعة.

حشر 78 سجيناً معه في نفس الحجرة، وحرموا من الطعام والماء، وأصيب أكثرهم بالملاريا والتيفوئيد، ومات بعضهم. كل ذلك بسبب فرمان سلطان تركيا، ذلك العرش الذي أسرف ويلهلم الثاني في مدحه.

وفي أثناء زيارته للقدس، وصف القيصر نفسه بأنه صديق الخليفة التركي السلطان عبد الحميد، ونشر أخبار معاهدته مع تركيا، وكان فخورا بتلك الشراكة الجديدة بين الملوك، وأعلن أن السلطان والقيصر سيتمكنا من الوقوف أمام العالم معا.

كانت مملكة كلا هذين الصديقين على وشك الانهيار بشكل متزامن، وكانت سلالتهما على وشك الاختفاء الى الأبد وفي نفس الوقت. كم كانت كلمات السجين ملائمة لويلهلم الثاني خلال الأيام التي قضاها في المدينة المقدسة “القدس”.

لم يجهد القيصر نفسه في البحث عن “السجين” أو الاستعلام عنه، والحقيقة أنه تجاهل كل ما يتعلق بالسجين وتعاليمه التي لو طرأت على باله، فلا شك كان سيبعدها باعتبارها غير ذات قيمة. ولم يكن له أي علاقة بالتعصب الديني الجامح بل بالملكية المطلقة. كان ويلهلم يتعامل مع الأمور الأهم مثل الحرب. والتي كان أقرانه الحكام يوافقونه عليها بإخلاص. لقد كان لديهم أمور أخرى أكثر أهمية من زيارة سجناء.

تحدت كلمات بهاءالله هؤلاء المدّعين، فتفضل قائلا:

” أن يا ملوك المسيحية.. ما استقبلتم إليه وما حضرتم بين يديه لتسمعوا آيات الله من لسانه وتطّلعوا بحكمة الله العزيز الحكيم.. بذلك منعت نسمات الله عن قلوبكم ونفحات الله عن فؤادكم… انتم وما عندكم ستفنى.. وتُسألون عما اكتسبتم”

أن شدة لهجة خطاب بهاءالله أزعجت الملوك بشدة، وربما تزعجنا وتقلقنا نحن أيضا. فالبشرية عموماً وبصورة أوتوماتيكية، تنزع مبدئيا إلى رفض كل داع يتكلم باسم الله. بل أن حضارتنا، وبالتحديد قيمنا الأخلاقية، تشكلت كلها بتلك الطريقة. فكان لكلمات بهاءالله نفس القوة والسلطة التي كان يتحدث بها موسى وعيسى في الماضي


“يجب حماية حقوق ومصالح كل البشر”

الجزء الثالث: السيف المسلول

عبّر ويلهلم الثاني عن حل مشاكل العالم بطريقة تعارض تماما أفكار “السجين” التي تقول:

“أن يا ملوك الأرض.. أصلحوا ذات بينكم وقللوا في العساكر ليقل مصارفكم وتكونن من المستريحين”

كان ويلهلم الثاني في الجهة الأخرى يثير الخلافات مع جيرانه، ويزيد من أسلحته الثقيلة، فألقى في كل يوم عبئا أثقل على شعبه، وقام بشحن أمة متحضرة بأحلام الحرب وإراقة الدماء.

وأعلن السجين قائلا:

“أن يا ملوك الأرض.. وإن ترفعوا الاختلاف بينكم لن تحتاجوا إلى كثرة الجيوش إلا على قدر الذي تحرسون به بلدانكم وممالككم.. اتقوا الله ولا تكونن من المسرفين”

رسّخ ويلهلم الثاني الحرب كمبدأ مقدس لوطنه، ونفر من أي إقتراحات متعلقة بنزع السلاح أو السلام، وسخر من النتائج التي أقرت في مؤتمر السلام في مدينة لاهاي عام 1898. وأعلن صراحة عن ازدرائه لكل تلك المؤتمرات بالكلمات التالية: “أني أثق في الله وفي سيفي المسلول وفي نفسي أكثر من كل قرارات المؤتمرات العالمية”.

كانت نصيحة السجين هي الأكثر تعارضا مع هذا الموقف، فقال إن سلام العالم واطمئنانه منوط بقادة البشرية، وعليهم أن يجتمعوا ويتشاوروا بروح وإرادة قوية ويعلوا مهمة السلام فوق كل شئ.. كتب السجين:

“أن تتشبث الدول العظمى بصلح محكم لراحة العالم.. عسى أن يفوز بمشيئة الله الملوك والسلاطين الذين هم مرايا اسم الله العزيز بهذا المقام ويحفظوا العالم من سطوة الظلم.”

لقد كان الصدام بين رؤية “السجين” وملوك سلالة آل هوهنتسولرن، أمراَ محتوماَ.


” نريد أن تمحى الاختلافات العرقية “

الجزء الرابع : أحد الملوك  “ومليك الملوك ”

اعتمد القيصر ويلهلم الثاني خلال أيامه الأولى في السلطة على الكياسة والدبلوماسية. وعندما تولى منصب الملك، ناشد السيد المسيح بشغف وتوسل اليه يطلب التأييد الإلهي، وتعهد على نفسه استعادة عرش آبائه والتربع على العرش كملك من ملوك الصولجان.

تجاهل ويلهلم الثاني كل النصائح، وازدرى جميع التحذيرات، كما فعل جده ذلك من قبل. كان كمن يعرف ما هو دوره، فلم يكن بحاجة إلى نصائح الآخرين ليخبروه أن ألمانيا يجب أن تكون الأسمى.

في المقابل، نصح السجين الحكام بطريقة أخرى:

” أن يا أيها الملوك.. إن الله قد أودع زمام الخلق بأيديكم لتحكموا بينهم بالحق وتأخذوا حق المظلوم عن هؤلاء الظالمين وإن لن تفعلوا بما أمرتم في كتاب الله لن يذكر أسماؤكم عنده بالعدل وإن هذا لغبن عظيم”

أن النصائح الحكيمة وكلمات التحذير، لم تحرك القيصر ويلهلم الثاني مهما كان مصدرها أو من هو القائل. فلقد قال مخاطبا شعبه: “أتقدم دون اعتبار للأحداث والآراء من حولي”.

كان لدى ويلهلم الثاني رغبة عارمة للسيطرة الفردية، لدرجة أنه لم يعد يحتمل مشاركة القرارات مع رئيس وزرائه الشهير “أتوفون بسمارك”. وفي مارس عام 1890، وبعد الأزمة المريرة، دفع بسمارك الى الاستقالة، وابتهج جدا لأنه أصبح أخيرا الحاكم المنفرد. واستشهادا لما قاله سابقا، فهو “سيد الأمور الكبيرة والصغيرة”.

في نفس العام 1890، في وادي عكاء في الأرض المقدسة، الوادي الذي وصفه النبي هوشع بأنه “باب الأمل” للبشرية. وصل المستشرق البريطاني الشهير إدوارد جرانفيل براون من كلية كامبردج لزيارة “السجين”، وخلال المقابلة تكلم “السجين” عن “الحروب المدّمرة” التي يفكر فيها القيصر وتكلم عن “المشاحنات العقيمة” التي انتشرت كالطاعون في أوروبا والعالم. فقال:

“إنا نرى ملوككم وحكامكم ينفقون خزائنهم على وسائل تدمير الجنس البشري، بدلا من إنفاقها على ما يؤدي إلى سعادته.”

لا يمكن أن يكون هناك تحدي أعظم لأفكار القيصر ويلهلم الثاني مما نجده في الكلمات التي نطق بها “السجين”، للبروفيسور براون في تلك المناسبة:

“ليس الفخـر لحبكم أنفسكم بل لحب أبناء جنسكم. وليس الفضل لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم”

وبينما كان القيصر يدبر مكيدة لاحتلال أراضى جيرانه بالقوة، كان السجين يعيد تأكيد كلماته عن الوحدة والسلام، فأخبر بروفيسور براون:

“جئت لترى مسجونا ومنفيا.. نحن لا نريد إلا إصلاح العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك، يعتبروننا مثيرين للفتنة والعصيان، ومستحقين للحبس والنفي.. فأي ضرر أن يتحد العالم على دين واحد وأن يكون الجميع إخوانا، وأن تستحكم روابط المحبة والاتحاد بين بني البشر، وأن تزول الاختلافات الدينية وتمحى الاختلافات العرقية؟.. ولا بد من حصول هذا كله، فستنقضي هذه الحروب المدمرة والمشاحنات العقيمة، وسيأتي “الصلح الأعظم”.. ألستم تحتاجون إلى ذلك في أوروبا أيضا؟”.

في أوروبا وفي نفس العام 1890م، ابتهج قيصر ألمانيا ويلهلم الثاني لسقوط مستشاره بسمارك، فلم يعد هناك أي مراقب عليه، وأعلن مبتهجا “سيبقى الهدف كما كان.. إلى الأمام”.

 

 

 (بلاء أوروبا)

الجزء الخامس: كوارث متتابعة

كانت سلسلة من الكوارث.

كان المصير الذي تنبأ به “السجين” لجميع الملوك الظالمين، يسارع ليشمل آل هوهنتسولرن الملكية الألمانية بأكملها. ففي البداية، ضرب ذلك الامبراطور الذي كتب له “السجين” أول إنذاراته الرهيبة. ولاحقا، أطاح بخليفته القيصر ويلهلم الثاني ومحيت سلطتهم للأبد.

تعرض ويلهلم الأول، لثلاث محاولات اغتيال في حياته، وبالرغم من نجاته، عاش في خوف دائم خشية تكرار المحاولة، وفقد راحة البال حتى وفاته. وعلى كل حال، كان عليه تحمل إثم تلك المصيبة التي أطاحت به وبسلالته. إنه لمن السذاجة بالطبع أن نلوم القيصر وحده على قيام الحرب العالمية الأولى، فلم يكن إلا واحداً من العديدين الذين شاركوا في الأسباب. لكنه لم يكن هناك على كل حال، شك في أنها الحرب التي كان يتطلع إليها، والتي خطط لاستعجالها بكل الطرق الممكنة. كانت ألمانيا بدفع منه، تستعرض للعالم باستمرار “عضلات جيوشها الضخمة”، إلى أن ضربتها العاصفة الأولى في النهاية.

كانت انتصارات جيوش القيصر القوية على جميع الجبهات. واتضح أن انتصاراته المبكرة شملت جميع خصومه. وبدا أن ليس هناك أدنى شك أن ألمانيا ستنال انتصاراَ سريعاَ ساحقاَ.

انتشرت أخبار تلك الانتصارات الهائلة حول العالم، ولاقت النجاحات المبهرة السهلة لجيوش القيصر وقصص انتصارات ألمانيا القوية، ترحيباَ كبيراَ في مناطق معينة في إيران موطن “السجين”، مما أدى الى السخرية من نبوءات رسالته التي ذكر فيها:

” يا شواطئ نهر الراين، قد رأيناك مغطاة بالدماء بما سُل عليك سيوف الجزاء ولك مرة أخرى””

فلقد أنذر السجين امبراطور ألمانيا من المصير الذي سيلحق بأمته وعاصمته إذا اتبع ذات السلوك الطائش الذي اتبعه نابليون الثالث وأدى إلى “سقوطه”.

ومن نصائح تلك الرسالة وإنذاراتها:

” يا ملك تفكّر.. أعتبر وكن من المتذكرين.. نسمع حنين البرلين، ولو أنها اليوم على عزّ مبين”

من الممكن أن تقابل نبؤات السجين عن ألمانيا، من قبل القيصر والعالم بقليل من الاهتمام؛ إلا أن أعدائه في إيران لم ينسوها، فلقد كانت تلك ساعة ابتهاجهم، حينما انتشرت أخبار انتصارات ألمانيا فيما بينهم كانتشار النار في الهشيم، وكانت كافية لتهكمهم باستمرار: “ثبت أن نبوءة  بهاءالله العظيمة عن ألمانيا.. أكاذيب”.

أين حنين البرلين؟

هل تغطت شواطئ نهر الراين بالدماء؟

هل صُدّت ألمانيا حتى ولو لثانية؟

بقي أتباع “السجين” صامتين! فماذا عساهم أن يقولوا وجيوش ألمانيا في تقدم ساحق؟ فكلمات السجين المنذرة لألمانيا، ما زالت غير متحققة. ونهر الراين لم يشهد أية مذابح. بل على العكس، كانت برلين في “عز مبين”.

كانت أحوال ألمانيا على عكس ما تنبأ به “السجين” بالضبط، فلقد اكتسح القيصر الجميع من أمامه، وفي العديد من الجبهات كان جيشه الجبار يعتبر الجيش الذي لا يقهر.

أصبحت القيادة العليا للفرق العسكرية المدربة الضخمة لألمانيا بلاءً على أوروبا؛ فتحت شعار (الله معنا)، ابعدوا كل معارضة، فأسعدوا حلفاءهم وأرعبوا أعدائهم، وكانوا يطلقون النكات عن نبؤات “السجين”.

لقد ظهر بالفعل أن الله مع القيصر!


“اُقـتلعت أسنان النمـر وطرد إلى الأبد”

الجزء السادس: الخروج المشين

أثبتت الأحداث المأساوية التي خلفت الانتصارات المبكرة، أن كلمات السجين لم تكن نبوءه لا قيمة لها. فسيرى قريبا كل “من له عين ترى”، التحقق الرائع لكل بيان من بياناته. فالعواقب التي جاءت متأخرة، كانت جميعها أشد قسوة. فكتب السجين لكل أولئك الذين شككوا في قدرة الله على تحقيق إرادته:

“هل تظن بأنك تعجزه في شيء أو تمنعه عن حكمه وسلطانه أو يقدر أن يقوم مع أمره كل من في السموات والأرضين لا فونفسه الحق لا يُعجزه شيء عما خلق”

وسريعاً تحققت تلك الكلمات. فالحرب التي بدأت بشكل مثير لصالح ألمانيا، تدهورت فجأة على جميع الجبهات. وتوالت الانكسارات الكارثية المفاجئة بسرعة، حتى شملت كل جيوش القيصر. وفي النهاية، خسرت ألمانيا الحرب فجأة. وحطمت الشروط القاسية لمعاهدة الاستسلام حياة الشعب الألماني، وتلاشت آمال مستقبلهم، وسُمع “حنين البرلين” من جميع الجهات.

وفي إيران.. ندم أعداء “السجين” بمرارة عند انتباههم لتحقق كلمات نبؤاته عن مصير ألمانيا الثقيل. بل أن الوعد الإلهي كان أكثر بعدا وشمولاً من “حنين البرلين”، عندما أشار الى ضفاف نهر الراين:

” يا شواطئ نهر الراين قد رأيناك مغطاة بالدماء بما سُل عليك سيوف الجزاء، ولك مرة أخرى”

فبسبب سياسة الجيش العدوانية، عانت ألمانيا ليس لمرة واحدة، بل لمرتين، وسحقت في كلا الحربين العالميتين. ولمرتين كانت شواطئ نهر الراين “مغطاة بالدماء”. ولكرتين سُمع “حنين البرلين” حول العالم. وقاست الأمة الألمانية “مرة أخرى”، عندما انسلت ضدها “سيوف الجزاء” وقصفت بالقنابل عندما هاجمت أمم العالم الإمبراطورية النازية لأدولف هتلر ودمرتها وساوت بالأرض كثير من أجزائها. ولسخرية القدر، أسر أمير آل هوهنتسولرن الألماني “وليم”، من قبل الفرنسيين، وكان يخدم في فرقة الموتيسكلات العسكرية النازية. وظهر بين الأسرى أيضا “أوجست ويلهلم” أصغر أبناء ويلهلم الثاني في صفوف النازيين، وسقط معهم!.

في 11 نوفمبر 1918م، أعلنت عناوين الصحف في برلين خبر (تنازل القيصر عن العرش).

لم يتم إبلاغ الإمبراطور المشدوه المكتئب بالهدنة. فقبل الهدنة بيوم واحد، في يوم الأحد 10 نوفمبر، فرّ ويلهلم الثاني بطريقة مهينة إلى هولندا في قطار كان ينزلق خلسة في ضباب الصباح الباكر مبتعدا عن محطة “سبا”. ثم تم توصيله بسيارة الى الحدود الألمانية.

وعلى الحدود.. خضع لموقف مخزي آخر بعد استسلام جيوشه، فلقد كان عليه تسليم سيفه لضابط الجمارك الهولندي قبل عبوره الحدود.

لقد قلعت أسنان النمر، وطرد من بلاده الى الأبد.

تماما كما نفي السجين!

وذكر المؤرخ تايلور: (على مدى التاريخ.. لم يكن هناك رحيل أكثر مأساوية ومهانة من هذا، وزاد ذلك، الطريقة المهينة التي خرج بها).


“سأدمر الملك والأمراء”

الجزء السابع: سقوط المملكة الثانية

انتهت السلالة الملكية الألمانية، وتلاشى معها العديد من ملوكها وأمرائها. فقبل 15 نوفمبر 1918، تنازل أمراء جميع الولايات الألمانية، ومعهم سلسلة من العروش الأخرى الموالية لهم، واستبعد الملك كلياً، وولي العهد وجميع الأمراء الملكيين الأقل رتبة، وجردوا من مناصبهم الشرفية تماما، وسقطت عائلة نبلاء هوهنتسولرن الألمانية إلى التراب. وفي 28 نوفمبر 1918، أعلن النعي الرسمي لوفاتها، عندما وقع ويلهلم الثاني على المرسوم الرسمي لتنازله عن العرش الذي أنهى حكمه كملك بروسي وإمبراطور ألماني.

أنهت تلك الوثيقة حكم مائتي وخمسين عاما من ظلم سلالة آل هوهنتسولرن الألمانية القوية. وأبعد الدستور الملكية الألمانية الى الأبد. وحملت معها الى طي النسيان كل الأمراء الملكيين، وشتت الى الأبد كل الملوك التابعين للولايات الألمانية ومن بصحبتهم من الأمراء المرافقين لهم.

أما رجال الدين حول العالم، فشاهدوا في تلك الأحداث العنيفة، تحقق نبؤات الكتاب المقدس. لكن الحقيقة.. كانت أبعد ما يكون عن أي فهم أدركوه. فنبوءة أرميا النبي تحدثت عن آخر الأيام: (وأضع كرسيي في عيلام “إيران”، وأبيد من هناك الملك والرؤساء)،  أشارت بطريقة خفية الى “السجين” القادم من عيلام (إيران)، الذي قدّم بالفعل الأوامر التي برفضها أدت الى دمار ملوك وأمراء اثنين من أعظم الأمم. إن قصة بهاءالله بتمامها، متأصلة بعمق في الكتب المقدسة لكل الديانات العظيمة. إن المصير المحتوم للممالك الأخرى التي وجه لها بهاءالله مناشداته، سوف تتحقق بشكل وعود وتحذيرات أكثر روعة.

في ألمانيا.. سقطت المملكة الثانية..!


الفصل الخامس

سقوط المملكة الثالثة

” لقد نصرني أحد سفرائك “

الجزء الأول : القيصر المحرر

لا يحتوي فصل آخر في قصة “السجين والملوك” على أحداث تقليدية تراجيدية، كالفصل الذي يهتم بروسيا وملكها البائس نيقولا الكسندر الثاني.

أنه لمن الصعوبة بمكان، الشعور بالشفقة على إمبراطور فرنسا المتكبر التافه. ومن المستحيل الشعور بها كذلك تجاه سلالة القياصرة الألمان الذين لعبت عجرفتهم دورا كبيرا في جرّ الجنس البشري إلى أهوال الحرب العالمية الأولى.

أما على الجانب الآخر، فليس من الصعب الشعور بالشفقة تجاه رجل قاده جُبنه وضعفه إلى أخطاء مميتة؛ نعم.. قد ينتابنا جميعا نفس شعور التردد والضعف في مناسبات مماثلة، لكن أولئك الذين يعتلون مناصب ذات أهمية عظيمة وقوية ويستفيدون من منافعها، عليهم تقبل التزاماتها أيضا، وإلا.. فالبديل الوحيد أمامهم هو التنازل عن المنصب والانسحاب إلى دور أقل مكانة في إدارة شؤون الناس.

يعتبر نيقولا الكسندر الثاني شخصا بارزا من عدة نواحي، وقيصرا استثنائيا فريدا بدون شك. ومع بعض الاستثناءات، نجد أن أجداده كانوا أقوياء قساة مستبدين يحكمون أملاكهم الواسعة بقبضة من حديد، وأكثرهم شهرة هو القيصر بطرس العظيم الذي قَتل ابنه، والآخر هو “إيفان الرهيب” سيئ السمعة الذي كان يعلّق أعداءه بدقهم أحياء على أسوار الكرملين.

عائلة مثل هذه، لها هذا التاريخ سيء السمعة، سبب لالسكندر كراهية بين الشعب، رغم أن طبيعته كانت جيدة في الأساس، فلقد كان رحيما يكره المعاناة. وأبعد من ذلك، كان على خلاف باقي أفراد عائلة رومانوف، حيث تلقى تعليمه على يد مدّرس فرنسي خاص. ونتيجة لذلك، فقد تبنى عدة أفكار تقدمية متحررة جداً. فكان تنصيبه يعتبر في نظر الكثيرين كفجر يوم جديد.

كانت أعظم مشكلة اجتماعية عند الروس، هي عبودية أولئك الذين يكدحون ببؤس وشقاء في ممتلكات اللوردات العِظام، وثاني أعظم مشكلة ملّحة كانت الإفتقار لحكومة ديموقراطية قبل كل شئ.

كان الكسندر معروفا بتأييده للإصلاحات الشاملة في كلا المجالين. ففي بداية سلطته، أدهش العالم نسبيا وأقلق الأرستقراطيين بإلغاء العبودية في كل مكان في روسيا. حدث ذلك حتى قبل 4 سنوات من قيام الولايات المتحدة بإلغاء المؤسسة الأكثر سوءاً للعبيد الزنوج! وأتبع هذا القرار التقدمي، بقرارات أخرى أعدت للشروع في توزيع تدريجي عادل للأراضي بين الفلاحين ليمتلكوا مزارع خاصة بهم حتى يمكنهم التصويت في الحكومة. لقد بدى أن علامات “الألفية” تأخذ طريقها الى روسيا. ولقد نودي بالكسندر على أنه “القيصر المحرر”.

هذا الامبراطور المميز، هو الذي خاطبه بهاءالله بأكثر نداءاته عطفاً وتأثيراً في المشاعر. فلقد أبدت الحكومة الروسية قبل عدة سنوات جهداَ جيداً، عندما تدخل سفيرها مباشرة، وخاطب المحكمة صراحة شاجباً الاتهامات الموجهة ضد بهاءالله، وليصفها بـ “الكذبة السخيفة”. كان أهم شخصية أجنبية بارزة في طهران تدخلت لمصلحة السجين المضطهد من قبل ناصرالدين شاه.

وفيما بعد عند إطلاق سراح بهاءالله ونفيه، رافق ضابط روسي مجموعة المنفيين إلى أبعد نقطة على التراب الإيراني حتى الحدود التركية. ومن دون شك كان لهذا التدخل تأثيرا مريحا ومساعدة لمجموعة المنفيين الصغيرة.

تنبأ بهاءالله بمنزلة عظيمة للقيصر إذا تبنى ذات النهج الذي يدعو له وحاول مساعدة الجنس البشري، موجهاً اليه هذه الكلمات المباشرة:

” قد نصرني أحد سفرائك إذ كنت في السجن [في إيران] تحت السلاسل والأغلال، بذلك كتب الله لك مقاما لم يحط به علم أحد”

وليساعده الله في الحصول على مثل هذا المقام الرفيع، كان على القيصر بذل الجهد في توجيه قلوب البشر الى الله، وإطلاع العالم برسالة الوحدة والعدالة التي أتى بها بهاءالله. فأكد له قائلا:

“إن ربك لهو المقتدر على ما يشاء يعطي من يشاء ما يشاء”

فهل ينصت القيصر المنقذ؟


” لتعرف صبري واصطباري”

الجزء الثاني : استمعوا للنداء

حث بهاءالله الكسندر الثاني أن يتولى القيادة في إبراز الأخلاق ومعايير القيم الفاضلة للناس، فتفضل قائلا:

“أن يا ملك الروس. قم بين الناس بهذا الأمر المبرم ثم ادع الأمم إلى الله”

وأخبره أنه لا يوجد مأمن لأحد في هذا اليوم إلا بحفظ الله قائلا:

“إن ربك يحفظ من يشاء ولو يكون في قطب البحر أو في فم الثعبان أو تحت سيوف الظالمين”

وفي نفس تلك الرسالة قال بهاءالله، انه سمع أمنيات القيصر التي رددها في سرّ قلبه أثناء صلاته، ووعده بتحقيق أمانيه إذا بقي مخلصاً حقيقياً لأمانة مُلكه. وأوضح:

“إنا سمعنا ما ناديت به مولاك في نجواك لذا هاج عَرف عنايتي وماج بحر رحمتي وأجبناك بالحق”

وبالمثل.. قبل حوالي ألفي عام، تلقى الامبراطور تيبيريوس وعدا من المسيح، على أنه إذا آمن برسالته وأعلنها، فسيصبح موضع حسد الماضي والحاضر والمستقبل. وهو وعد مماثل أيضا للعرض الذي قدمه بهاءالله لنابليون ورفضه، فسقط من مكانته العالية.

في هذه اللحظات.. كان القيصر نيقولا الكسندر الثاني على أعتاب عظمة فريدة في تاريخ الملوك المدوّن، وكان من الممكن مشاهدة تأثير تأييدات رسول إلهي على تصرفاته. فلم يكن بحاجة لأكثر من مدّ يده لمساعدة “الموعود”، الذي بقدومه تمجدت صفحات الكتاب المقدس الخاص بالقيصر نفسه.

آملاً أن يدرك الملك هذا ولا يفقد فرصته الذهبية، كرر بهاءالله نداءه قائلا:

“أن استمع ندائي مرة أخرى من شطر سجني. لتعرف صبري واصطباري”

تنبأ بهاءالله بمركز رائع للقيصر، ولم يكن على الملك إلا أن يخطو خطوة واحدة لتصبح حقيقة. كتب بهاءالله:

“أن يا ملك الروس وعمري لو تعرف ما نزل من قلمي وتطلع بخزائن أمري. لتفدي نفسك في سبيلي حبا لأسمي وشوقا الى ملكوتي العزيز المنيع. طوبى لملك ما منعه المُلك عن مالكه وأقبل إلى الله بقلبه”

من دون شك، كان الكسندر بحاجة لمثل هذا التشجيع، فقد غمرته اصلاحاته في المشاكل، فمن جهة عارض سياسته النبلاء ورجال الدين بعنف لأنها ستكلفهم ممتلكاتهم وأراضيهم، مما دفعهم لمحاولة إيذائه بأي طريقة ممكنة. ومن جهه أخرى ظهر جيل جديد من الثوريين الواثقين من فشل القيصر، من الذين لا يؤمنون إلا بالإرهاب. فهم يرون أنه لا سبيل أمامه لتطوير جموع الفلاحين الأميين المؤمنين بالخرافات من الداعمين لعرشه. فرغم حب الفلاحين للقيصر، لكنهم جهلاء غير منظمين. فانتظروا اللحظة التي يستطيعوا فيها اطلاق ثورة وطنية.

أصبح الكسندر يائساً، فالمجموعة القوية التي كان يعتمد عليها من بعض المفكرين في الحكومة ومن المتعلمين في المدارس، وجدوا في الأحوال السائدة فرصة لدعم سمعتهم الشخصية، مما تسبب في تنازعهم على النفوذ والمراكز.

أدرك القيصر أن برنامجه بني على رمال متحركة. فمن أين له العثور على قوى روحانية وأخلاقية يمكنها تعبئة جموع الشعب الروسي المتدين وفق أسس إجتماعية جديدة، بينما دين الكنيسة الارثودوكسية لم يكن سوى مجموعة طقوس مكسوّة بالخرافات، فلا علاقة بين برنامج الاصلاح الاجتماعي والنظام الديني القائم، بينما القوة الوحيدة التي يمكنها تحريك الملايين الروسية هو الدين.

لا توجد في التاريخ، قصة تراجيدية وساخرة في نفس الوقت، أكثر من هذه. ففي هذا الوقت بالذات كانت الحاجة ملحة إلى سلطة روحانية لتغيير الحياة الاجتماعية، ولقد منحها الله في وقتها. ففي الديانات السابقة، كان الله يكلم البشر من خلال أفراد يرسلهم. أما الآن، فالله يكلم الأمم والطبقات الاقتصادية والمجموعات العرقية والمؤسسات، ويتحدث عن المشاكل التي تهز العالم بالتحديد، من خلال بهاءالله.

وباعتباره أكثر شخص موثوق بين عموم العائلات الروسية والكنيسة، فمن الصعب تخيل الأثر الهائل الذي كان سيحدثه القيصر “الأب الصغير للأمة”، لو أعلن عن عودة المسيح وافتتاحه مملكة الوحدة والعدل الإلهي. لا شيء كان سيقف في طريقة. لكنه تردد وتذبذب، ثم قرر تجاهل رسالة سجين عكاء والرضوخ لضغوط النبلاء. لقد دُفع بقوة داخل التيار، والآن يترنح بخوف عائدا الى شاطئه المعهود.

فدوت كلمات بهاءالله في أذنه:

“لو تتطلّع بخزائن أمري لتفدي نفسك في سبيلي حباً لأسمي وشوقاً الى ملكوتي العزيز المنيع”


” رجفة عظيمة سرت في أسس البلاد وهزت كيانها هزاً “

الجزء الثالث: سقوط المملكة الثالثة

وكما سقطت عائلة نابليون والسلالة الألمانية، سقطت عائلة رومانوف، وبدأ قدرهم يهبط بانحدار سريع حتى الحرب العالمية الأولى، حينما نهضت البلشفية خلال ذلك الفوران المتّقد لتهز عرش القياصرة وتقضي عليه. استسلمت آخر سنوات حكم الكسندر الثاني للإرهاب والعنف غير المسبوق، فتراجع الكسندر عن سياساته الليبرالية وتولى برنامجا قمعيا، فأستلمه من بعده ورثته المستبدين الإثنان وتوسعوا فيه. لقد عاش القيصر في خوف على حياته، فالحياة نفسها أصبحت محنة يومية، ولم يغادر القصر إلا تحت حراسة مشددة، وكان يفضل الا يغادره بتاتاً. وكان يأمر بتفتيش محل إقامته بحرص كل ليلة قبل ان يهجع للنوم، وذلك لخوفه من وجود قتلة مختفين.

واخيرا جاء اليوم المشؤوم.. ففي 13 مارس عام 1881، وبينما هو يمتطي عربته على امتداد أحد الشوارع الرئيسة لسانت بطرسبرغ بالقرب من القصر الشتوي، انفجرت في طريقه سلسلة من القنابل، فانقلبت عربته وحطمها الانفجار. لكن الكسندر لم يمت، وعندما قام ليعرف قاتله، ألقى قاتل آخر بقنبلة أخرى أمام أقدامه مباشرة، فمات في غرفته في القصر الملكي بعد ساعات قليلة.

أما القيصر التالي من عائلة رومانوف، فكان الكسندر الثالث الذي كان نسخة أكثر استبدادية؛ وكان وريثه نيكولاس الثاني من بعده آخر القياصرة، بنفس الصرامة، ويا للحسرة.. فلم يستطع عمل شيء.

ان السخط الذي كان ينمو بين عامة الجماهير أصبح الآن ثورة منظمة، فكلا المثقفين والفلاحين نهضوا ضد القيصر، وأخيرا انفجر سخطهم في خِضم الحرب العالمية الأولى.

اجتاحت نيران الثورة كل البلاد، كانت فريدة في التاريخ الحديث، حيث تحدّت مبادىء كل العصور القديمة وأَغلقت المؤسسات القديمة المتمتعة بالسيادة منذ القِدم ونشرت الفوضى والدمار والموت في كل جانب. ولقد وصف حضرة شوقي أفندي، موت سلالة رومانوف بهذه الكلمات:

“سرت في أسس تلك البلاد رجفة عظيمة هزت كيانها هزاً”

انطفأ نور الدين، وجرفت بعيداً جميع المؤسسات الكنسية لكل الطوائف ولم يعد لها وجود يُذكر، وقيّد دين الدولة ثم اضطهد ثم ألغي نهائياً، وغابت الامبراطورية العظيمة في طيّ النسيان.

يتفضل حضرة شوقي أفندي: “تجزأت الامبراطورية المترامية الأطراف ونفت طبقة العمال العسكرية الظافرة المفكرين ونهبت طبقة النبلاء وقتلتهم واختزلت الحرب الأهلية والأوبئة السكان الذين كانوا من قبل واقعين بين براثن الكرب واليأس وأخيراَ انجرف عاهل هذه البلاد القوية هو وزوجته وأسرته وآله في تيار هذا الانقلاب العظيم وهلكوا”

وهذا ما جلب نهاية نسل ملوك حكموا روسيا لمدة 300 عام، وهؤلاء أيضاً أداروا آذانهم الصماء لكلمات رسول الله:

“أن اسمعوا ما ينصحكم به القلم الأعلى لعلّ تستريح به أنفسكم ثم الفقراء والمساكين. نسأل الله بأن يؤيد الملوك على الصلح .. إياكم أن تدعوا ما نصحكم به من لدن عليم أمين”

انهارت عائلة رومانوف ووصلت نهايتها، السلالة التي كان نيقولا الكسندر الثاني فخورا بها جداً، فالقياصرة لم “يقوموا بكف أيدي الظالمين” ولم “يحموا حقوق المظلومين”، وبوقوع تلك الكارثة، فإن كل نبوءة من نبوءات بهاءالله التي عبّر فيها عن مصير الملوك الظالمين قد تحققت.

عندما نعود بالنظر للوراء لتلك الحقبة التاريخية المحزنة والى عجز الدين الذي كان يحركها، تبدو كلمات بهاءالله لالكسندر الثاني ومن خلاله الى حكومة روسيا صائبة وفي محلها:

“إياك أن يحجبك هواك عن التوجه الى وجه ربك .. إياك أن تبدل هذا المقام العظيم .. إياك أن يمنعك الملك عن المالك”

وكم هو واضح تطابق كلمات العهد القديم المذكورة في سفر حجي المتعلقة بهذا اليوم مع مأساة عائلة رومانوف والتعساء الذين تبعوها:

“وأزلزل كل الأمم. ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً، قال رب الجنود.. وأقلب كرسي الممالك.. وأقلب المركبات والراكبين فيها”

.. وسقطت المملكة الثالثة..


الفصل السادس

المملكة الرابعة تسقط

” وجدناك متمسكاً بالفرع غافلاً عن الأصل”

الجزء الأول : نهاية الإمبراطورية الرومانية المقدسة

“من المستحيل تصوّر أي شخص، تفسخ الإمبراطورية النمساوية واختفائها تماماً من على وجه الأرض؛ فلابد من وجودها طالما أوروبا نفسها موجودة”.

هذا بالتأكيد سيكون رأي أي مدقق في أحوال أوروبا خلال تلك الأيام التي أرسل فيها حضرة بهاءالله رسالته إلى فرانسوا جوزيف، الملك الإمبراطور المستبد للمملكة النمساوية والمجرية. “إنها ستتلاشى مثل الضباب قبل شروق الشمس”.

من ذا الذي يستطيع تصديق مثل هذا عن الأمبراطورية الرومانية المقدسة؟ لقد عانت كثيرا من التقلبات ومن مشاكلها الخاصة، بعضها كان خطير جدا، لكنها جمعت كامل البنية الاقتصادية لوسط أوربا.

كان نهر الدانوب يمثل الطريق السريع لأوروبا ومركزها التجاري، وكانت تحميه الإمبراطورية النمساوية. وبغض الطرف عما وصلت اليه أحوالها المزرية وظروفها المتدهورة، إلا أنه لم يكن باستطاعة رعيتها فعل شئ رغم معاناتها.مع ذلك، اختفت الامبراطورية مثل ضباب في صباح يوم جديد.

سافر الامبراطور فرانسوا جوزيف للأراضى المقدسة ليقدم تبجيله للمسيح، ومرّ على مقربة من سجن عكاء الذى كان بهاءالله أسيرا فيه.في الماضي كانت مدينة السجن القديمة “عكاء”، تسمّى “عكّو”، وهي الموقع الذي أشير اليه في نبوءة هوشع، وقال أنها ستكون “باب الأمل” للأمم. وتنبأ إشعيا أن هذه المدينة ستكون “مرتع قطيع الرب”، “لشعبي الذي بحث عني”. إن فرانسوا جوزيف لم يبحث عن بهاءالله ولم يهتم به، بالرغم من سمعة وحياة بهاءالله التي وصفها كتّاب ودبلوماسيّ أوروبا، كحياة مصلح وقديس.

ومن مدينة السجن، كتب بهاءالله هذة الكلمات التاريخية لفرانسوا جوزيف:

“يا ملك النمسة كان مطلع نور الأحدية في سجن عكاء إذ قصدت المسجد الأقصى مررت وما سئلت عنه بعد إذ رفع به كل بيت وفتح كل باب منيف قد جعلناه (القدس) مقبل العالم لذكرى وأنت نبذت المذكور إذ ظهر بملكوت الله ربك ورب العالمين”

سيقول أي شخص لم يتحقق من دين بهاءالله في أول رد فعل له: “من ذا الذي يستطيع لوم الأمبراطور؟ لو كنت ملكا وخاطبني شخص ما بمثل هذه الكلمات، فسأتجاهله، لأن مثل هذا الإدعاء، مناف للعقل.” لكن من جهة أخرى، تعد هذه الأجابة غير مقبولة اذا كان الشخص يؤمن بأحد أديان العالم.

المسيحيون واليهود والمسلمون يعتقدون أن الله يحدثنا عن طريق رسله؛ وأن دعواتهم متشابهة؛ وأنهم جميعا تعرضوا للاضطهاد؛ وأنهم جميعا وعدوا أن الله سيرسل ذاتاً مقدسة “في تمام الوقت” سيكون “أميراً للسلام”. إضافة الى ذلك، إن الكنيسة المسيحية ذاتها قامت على نفس أساس المقولة غير المعقولة لمن وصف بالجنون في وقته، والذي كان ضعيف جداً لدرجة أنه لم يقو حتى على إنقاذ نفسه. لقد وصفت كلمات المسيح آنذاك “بالكذب”.

كان هذا هو اعتقاد فرانسوا جوزيف. لقد كان يستمع “للقداس” كل يوم، ويستمع لذات القصة المألوفة عن أضطهاد هيرودس وبيلاطس البنطى للمسيح، اللذان كانا كذلك، يتضرعان لله في كل يوم ليوفي بوعده، قائلين: “لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض.”

إن المشكلة مع الوعود التي أعطانا الله إياها، كما اكتشف الفريسيون ذلك قبل ألفي عام، أنها حتمية. والله.. سيفي بها.

كتب بهاءالله الى فرانسوا جوزيف قائلا:

“كنا معك في كل الأحوال ووجدناك متمسكا بالفرع غافلا عن الأصل”

 

“إنا ما جئنا إلا لاتحاد من على الأرض كلها”

الجزء الثانى : إنقسام إلى أجزاء

كانت زيارة الأمبراطور فرانسوا جوزيف للأراضي المقدسة غاية في الفخامة والفخفخة، ولم يتكفل بمصاريف مثل هذا المهرجان المهيب، إلا العمال وبسطاء الناس في مملكته.

ومثل بقية الملوك الأخرين، أهمل فرانسوا جوزيف كلمات بهاءالله.

“ثم اعلموا بأنّ الفقراء أمانات الله بينكم إيّاكم أن لا تخانوا في أماناته ولا تظلموهم ولا تكوننّ من الخائنين.”

حزن بهاءالله بالتأكيد من سلوك الامبراطور الذي اقترب من مراد قلبه جداً، لكن حزنه كان أكبر على البشرية. وواسى المضطهدين من البشر بقوله أنه بالرغم من معارضة جميع الحكام للمظهر الإلهي، إلا أنه آجلاً أم عاجلاً سيتحد جميع الرجال بعزيمة مشتركة لتحقيق هدف واحد، ألا وهو: “السلام والحرية”. إن قادة الشعوب باستطاعتهم تعجيله أو تأخيره، لكنهم سيعجزون عن إيقافه.

وكتب من مدينة السجن عكاء:

“قد جئنا لاتحاد من على الأرض واتفاقهم يشهد بذلك ما ظهر من بحر بياني بين عبادي ولكن القوم أكثرهم في بعد مبين”

بهاءالله، “مجد الرب”، جاء الى الأرض المقدسة من “الشرق” من خلال “البوابة”، كما تنبأت به فقرات الكتاب المقدس الذي يبجله امبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة.

مرّ فرانسوا جوزيف، أقوى أباطرة زمانه، تماما بالقرب من “سجين عكاء”، ومع ذلك كان غافلاً عن كلماته لقادة الأمم:

“ينبغي لجنابك أن تدعو العباد في جميع الأحوال لما هو سبب ظهور الأخلاق الروحانية والأعمال الطيّبة حتى يدرك الجميع ما هو سبب ارتفاع الوجود”

كسجين.. ليس باستطاعة بهاءالله زيارة أوروبا، لكن امبراطور النمسا جاء للأرض المقدسة ومرّ من تحت ظل حضرته. لم يكن لقائهما مقدراً، لكن كلمات بهاءالله لفرانسوا جوزيف ستبقى مطوية بين صفحات النسيان حتى يلتفت التاريخ ليشهد تحققها.

أعلن بهاءالله أن “اليوم الموعود” يقترب:

“سوف يرون المخلصون شمس العدل مشرقة من أفق العلاء كذلك يخبرك مولى الورى في سجنه المتين”

وكتب قائلا:

“من يقدر أن يطفئ ما أناره الله بيده البيضاء ومن يستطيع أن يخمد ما أشعلته يد قدرة ربّك القوي الغالب القدير”

بالتأكيد ليس باستطاعة أي ملك منع نهوض أمره وانتشاره، أو منع النور الذي أشرق في قلوب أتباعه. لقد كتب بهاءالله بنفسه:

“قل إنّ جبل سكون أصفيائي لا يتزعزع من أرياح العالم ولا من عواصف الأمم”

وقال:

“كذلك يأمركم رسول الله لهذا اليوم من السجن المتين أنه لا يمكن للملوك أو للبشر أن يمنعوا إشراق شمس تعاليمه بل أن الله وجههم لخير الإنسانية”.

وكتب بهاءالله:

“يا معشر البشر تمسّكوا بالحبل المتين إنّه ينفعكم في الأرض من لدى الله ربّ العالمين.. وفي بعض الأحيان عندما كانت البلايا والرزايا تحيط بنا من كلّ جهة دعونا أهل الأرض إلى الأفق الأعلى بكمال الاقتدار.. إن هذه الأراضي المقدسة وُصِفت وذُكِرت في جميع الكتب الإلهية.. إنّ كلّ ما ظهر اليوم قد ذُكر في كتب القبل”

لقد أخبر إرميا عن “الشخص العظيم” الذى سيأتي من إيران في “ذلك اليوم”، ليدمر “الملوك والأمراء”، وتنبأ بمصير تلك الأمم التي ستعارضه، قائلا: “أنت لي فأس وأدوات حرب، فأسحق بك الأمم، وأهلك بك الممالك”

لقد بدأ سقوط المملكة الرابعة.. فلا أمة، ولا إمبراطورية “تفتتت الى أجزاء” بمثل هذه الحالة الدراماتيكية الدائمة التي حصلت لآل هابسبورغ.

.


“انتم وما عندكم ستفنى”

الجزء الثالث : سقوط المملكة الرابعة

أعلن الانهيار والتحلل الداخلي عن الزلزال الذي يهدد مملكة فرانسوا جوزيف.

فقد نصح بهاءالله ملوك الأرض بمراعاة حقوق رعاياهم قائلا:

“وإنّك لو تجري أنهار العدل بين رعيّتك لينصرك الله بجنود الغيب والشهادة ويؤيدك على أمرك”

عورضت تصرفات الامبراطور النمساوي المجري فرانسوا جوزيف مباشرة. فلم تفض “أنهار العدل” عبر البلاد، ولم يساعده أو يسانده أحد في الأزمة العميقة التي غمرت امبراطوريته المشتتة في أواخر القرن التاسع عشر. ولقد وصف حضرة بهاءالله المصير الذى ينتظر هؤلاء الملوك في كتاباته قائلا:

“وَكُنْتُمْ في وَادِي الشَّهَوَاتِ لَمِنَ المُحبَرينَ، فَوَاللهِ أَنتُمْ وَما عِنْدَكُمْ سَتَفْنَى”

لقد قيل عن عهد فرانسوا جوزيف، أن “المآسي المتكررة قد أظلمت نظامه”. فبإصرار مرعب توالت الأحداث المفجعة واحدة تلو الأخرى. فقد هزم أخوه مكسيمليان وسجن، ثم قتل بالرصاص أثناء ثورة الفلاحين في المكسيك؛ أما إبنه الأمير رودلف ولي العهد، فقد ألحق العار بالعائلة الملكية، وأخيرا مات بطريقة مخزية؛ زوجته الامبراطورة اليزابيث اغتيلت في جنيف؛ أما الارشيدوق “الأمير” فرانسيس فرديناند وزوجته، فقد كانت حادثة اغتيالهما المأساوية في سرايفو هي شرارة اندلاع الحرب العالمية العظمى. وبعد فترة قصيرة واجه فرانسوا جوزيف الموت بنفسه، وبموته “انتهى نظام لم يتفوق عليه نظام آخر في جرّ البلاد لمثل هذه الكوارث”. بلاد مركبة من ولايات مختلطة بالأعراق واللغات؛ لقد بدأت الامبراطورية الرومانية المقدسة القاسية، بالتفتت.

تركت كل تلك الأحداث، الامبراطورية الرومانية المقدسة العظيمة، دولة منكمشة تقضي حياة بائسة”

ثم سيطر هتلر على الجمهورية النمساوية الصغيرة، وأعيدت في عام 1945 خلال الاجتماع الهام الذي أقامه ممثلو الجيوش الأربعة.

لقد أحدثت كلمات بهاءالله صدى من زنزانة السجن في الأرض المقدسة عبر البحر المتوسط. وتحققت وعوده و”أطيح بالسلالة النمساوية” وأزيح الملك والأمراء على حد سواء.

كمثيلاتها من الممالك السابقة، عاقبت السلالة النمساوية نفسها بقراراتها الخاطئة، وكان أول الأخطاء هو نبذهم رسول إلهي، وهذا خطأ روحاني، ثم تلا ذلك أخطاء أخلاقية تتعلق بالسلام والعدل؛ وأخيرا حسابات سياسية خاطئة جدا، فكانت النهاية.

إن الغفلة عن الله والانسانية، تدفع بأهل السلطة لتركيز اهتمامهم في البحث عن رفعة مصالحهم ومصالح أحزابهم وأممهم؛ وهذا مخالف لروح العدل والمحبة؛ وبهذا يستقطبون سقوطهم آجلا أو عاجلا بشكل حتمي.

إن الرسول الإلهي هو المشرّع لقوانين زمانه، ومن يكسر الشرع ينال جزاءه. وكذلك الحال في المجتمعات المدنية، ينال الذين يتجاهلون أو يكسرون القوانين الموضوعة تبعات إهمالهم. فهذه القوانين الخارجية، هي مرآة لعالم الأخلاق والأدب، وكذلك لروحانيات شرع الله التي هي الأساس والقاعدة للحياة على الأرض. لذلك يكون العقاب أكثر شدة وبشكل عام طالما أن المذنبين هم القادة والشعوب معاً.

عندما تشرق الشمس، فعلى جميع الكائنات موائمة نفسها لليوم الجديد. فعلى سبيل المثال، تتفتح براعم الأزهار مع دفء نور الشمس التدريجي. فاذا تجاهلت ذلك وبقيت منطوية منغلقة على نفسها حتى وقت الظهيرة، عندها ستدمرها قوة أشعة شمس منتصف النهار المفاجئة.

وبالمثل.. فان الممالك والأمم التي رفضت لأكثر من قرن تفتح قلوبهم “لشمس حقيقة هذا اليوم”، فلقد وعدهم بهاءالله في جميع “كتبهم المقدسة”، أنهم سيجدون أنفسهم الآن في خطر عظيم بسبب رفضهم التواؤم مع نور وحرارة “اليوم الجديد”.

جاء “وقت الربيع” الإلهي بميلاد الدين البهائي عام 1844م قبل قرن ونصف ومضى؛ وكان لابد لجليد الاختلافات وثلوج الاعتراض المتراكمة أن تذوب منذ أمد بعيد. والآن أصبح هذا الإغفال المتجمد عاجزاً عن مقاومة حرارة شمس صيف تعاليم بهاءالله، وواهناً أمام الأشعة اللاهبة التي أذابت وأفاضت وإكتسحت كل شيء أمامها.

وكم تبدو كلمات النبي صفنيا مدهشة ومتوافقة عندما نتأمل مصير الامبراطور فرانسوا جوزيف وعائلته، فلقد تنبأ بخصوص مجيء “يوم الرب العظيم” عندما سيكون على “جبله المقدس”.

لقد زار فرانسوا جوزيف ذلك “الجبل”، كما قرأنا، ومرّ تحت ظلال سجن عكاء. ومع ذلك، لم يكلف نفسه حتى بالسؤال عنه، كما ذكر ذلك حضرة بهاءالله بنفسه في كلماته.

والآن، لم يعد لملك ولا لأمراء آل هابسبروغ الملكيين أي وجود. لقد تنبأ النبي صفنيا عن هذه الحقبة من الزمن، قائلا: “ويكون في يوم ذبيحة الرب إني أعاقب الرؤساء وبني الملوك”

.. وسقطت المملكة الرابعة.

.


الفصل السابع

نهوض مملكة

“إذا كان هذا من الله فانه سيبقى”

الجزء الأول : نهوض مملكة

“يا أَيَّتُها المَلِكَةُ فِي اللُّونْدْرَةِ أَنِ اسْتَمِعِي نِدَاءَ رَبِّكِ.. إِنَّهُ قَدْ أَتَى فِي العَالَمِ بِمَجْدِهِ الأَعْظَمِ وَكَمُلَ مَا ذُكِرَ فِي الإِنْجِيلِ”

بهذه الكلمات، استهلّ حضرة بهاءالله خطابه الى الملكة فكتوريا، ملكة بريطانيا العظمى، حيث ربط فيه مرة أخرى بين “دعوته” ودعوة المسيح، وذكر أن مدينة عكاء تشرفت “بموطئ أقدام” الموعود، وأتيحت الفرصة للبشرية في هذا اليوم “لاستنشاق عبير” الوحي الإلهي حتى يثملوا من صهباء وجوده.

مدح حضرة بهاءالله الملكة فكتوريا على قرارين اتخذتهما الحكومة البريطانية، وكانا صعبا المنال، فكتب:

“قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكِِ مَنَعْتِِ بَيْعَ الغِلْمَانِ وَالإِماءِ هذا ما حَكَم بِهِ اللهُ فِي هذَا الظُّهُورِ البَدِيعِ، قَدْ كَتَبَ اللهُ لَكِ جَزَاءَ ذلِكَ إِنَّهُ مُوفِي أُجُورَالمُحْسِنِينَ”

وفي جزء آخر من هذا اللوح، قال حضرته:

“وَسَمِعْنا أَنَّكِ أَوْدَعْتِ زِمامَ المُشاوَرَةِ بِأَيادِي الجُمْهُورِ نِعْمَ ما عَمِلْتِ لأَنَّ بِها تَسْتَحْكِمُ أُصُولُ أَبْنِيَةِ الأُمُورِ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُ مَنْ فِي ظِلِّكِ مِنْ كُلِّ وَضِيعٍ وَشَرِيفٍ”

كان حضرة بهاءالله حزينا على أحوال العالم، ويشتاق لانتشار السلام بين البشر حتى تتقدم مَلَكات الابداع في جميع القلوب، ونسب معظم معاناة البشر الى نفاق وجشع القادة السياسيين، فكتب:

“وَاليَوْمَ نَرَاهُ (العالم) تَحْتَ أَيْدِي الَّذِينَ أَخَذَهُمْ سُكْرُ خَمْرِ الغُرُورِ عَلَى شَأْنٍ لا يَعْرِفُونَ خَيْرَ أَنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ هذا الأَمْرَ الأَوْعَرَ الخَطِيرَ، إِنْ سَعَى أَحَدٌ مِنْ هؤُلاءِ فِي صِحَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ إِلاَّ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ اسْماً كَانَ أَوْ رَسْماً لِذَا لا يَقْدِرُ عَلَى بُرْئِهِ إِلاَّ عَلَى قَدَرٍ مَقْدُور”

ووصف في رقيمته للملكة فكتوريا علاجا يشفي سقم العالم:

“يا أَيَّتُها المَلِكَةُ فِي اللُّونْدْرَةِ.. وَالَّذِي جَعَلَهُ اللهُ الدِّرْياقَ الأَعْظَمَ وَالسَّبَبَ الأَتَمَّ لِصِحَّتِهِ هُوَ اتِّحادُ مَنْ عَلَى الأَرْضِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ، هذَا لا يُمْكِنُ أَبَدَاً إِلاَّ بِطَبِيبٍ حاذِقٍ كامِلٍ مُؤَيَّدٍ لَعَمْرِي هذا لَهُوَ الحَقُّ وَما بَعْدَهُ إِلاَّ الضَّلالُ المُبِينُ”

بأي روح استقبلت الملكة لوح حضرة بهاءالله؟

نقلا عن أحد التقارير المكتوبة، ذكر أن الملكة فكتوريا قالت عند قراءتها اللوح (الرسالة) المنزّل إليها: “إذا كان هذا الأمر من عند الله، فسوف يبقى..”تماما كما فعل الحاخام الكبير جمالائيل الذي رفض أدانة المسيح أو الايمان به؛ لقد فضلت الملكة أن يأخذ التاريخ مجراه..

من بين جميع الحكام الذين كتب لهم حضرة بهاءالله، كانت الملكة فكتوريا هي الوحيدة التي استجابت وان كان ذلك بشكل محدود، وهي الوحيدة من بين الملوك التي نجت مملكتها ولم تمر بأي من الكوارث المدمرة القاسية خلال فترة حكمها.

توفيت الملكة فيكتوريا في 22 يناير1901 خلال حرب جنوب أفريقيا، لقد حكمت شعبها أكثر من ثلاثة وستين عاما، فكانت أطول فترة حكم عرفها التاريخ البريطاني. وبالتأكيد فإن فكتوريا قد بوركت بنظام تباين بشدة مع بقية أقرانها من الحكام.

وعلى كل حال، سيكون هناك لاحقاً، رابطا مباشرا أكبر بين الملكة و”السجين”. مكافأة أكثر عظمة ستأتي لأحد أفراد سلالتها. ففيما بعد، أصبحت “ماري” ملكة رومانيا، حفيدة الملكة فكتوريا، من أتباع “سجين عكاء” المخلصات. وتركت هذه الملكة المؤمنة أدلة عديدة كتبتها بقلهما عن ديانة بهاءالله. لقد أعلنت أيمانها للملأ علناً.

كتبت الملكة ماري: إن استرعى انتباهكم اسم بهاءالله.. فلا تبعدوا آثاره عنكم.. ودعوا كلماتها ودروسها المجيدة الحاملة للسلام الخالقة للمحبة تهوي في سويداء قلوبكم، كما هوت إلى أعماق قلبي.. فتشوا عنها وكونوا أسعد حالاً”.

وكتبت بعد ذلك: “إنها رسالة السيد المسيح مرة أخرى، أخذت نفس الكلمات من جديد تقريبا، إلا أنها تعدلت بما يلائم فوارق الألفي سنة تقريبا الفاصلة بين السنة الأولى لظهوره ويومنا الراهن”.

فرح البهائيون الكنديون بالرسالة التي وجهت من الملكة ماري الى الجريدة الكندية “نجمة تورنتو” عندما أعلنت على صفحاتها أيمانها لأول مرة.

هناك صلة ثانية أيضا تربط بين الملكة ماري، أول ملكة تعتنق دين بهاءالله، وأول الملوك الذين وجه لهم حضرة بهاءالله رسائله الخاصة. فالملكة “ماري”، ملكة رومانيا، هي حفيدة كلا من الملكة فكتوريا وألكسندر الثاني ملك روسيا. فكتوريا كانت الملكة الوحيدة التي أبدت استجابة بسيطة لرسالة حضرة بهاءالله. ومع أن ألكسندر الثاني لم يبال، إلا أن أحد سفرائه كان قد بذل مجهودا غير مجدي لإنقاذ حضرة بهاءالله من أيدي مضطهديه.

إن حفيدة كلا هذين الملكين، كانت الأولى من سلالة الملوك التي عرفت وآمنت بدعوة حضرة بهاءالله، الدعوة التي أعلن مؤسسها أنه سيخضع لها في النهاية ولاء معظم الجنس البشري.

أي بركات ستحل بأمة أصغى حاكمها بصدق للكلمات التي أرسلها إليهم بهاءالله؟  وأي نِعم ستحل بالجنس البشري بأكمله؟

وعد حضرة بهاءالله بنفسه قائلا:

“طُوبَى لِمَلِكٍ قَامَ عَلَى نُصْرَةِ أَمْرِي فِي مَمْلَكَتِي وَانْقَطَعَ عَنْ سِواي”

لقد أخبر حضرة بهاءالله، أحد الملوك، بأنه لولا إعراض رجال الدين وتآمر الحكام، لقدم لهم ما “ينعش ويهز قلوب” و”يقر عيون” و”يهدي أرواح” البشر طراً.

لام حضرة بهاءالله بقسوة هؤلاء الملوك الذين رفضوا القيام بأي مجهود لتحري حقيقة أمره، وتكرر فشلهم بإنكارهم لمسئوليتهم أمام الله تجاه رخاء شعوبهم وسلام العالم.

وعلى كل حال، يجب أن لا نخطئ في التفكير بأن نعتبر هذه الإدانة تمثل نقدا لمقام الملكية ذاتها، أو تعتبر هجوما على الحكومات الموجودة. وتنبأ حضرة بهاءالله باليوم الذي ينهض فيه الملوك العادلين وبقية الحكام ليغتنموا الفرصة التي فاتت الملوك السابقين بشكل مأساوي.

وكتب حضرة بهاءالله قائلا:

“عما قريب سوف يظهر الله ملوك يجلسون على سرير العدل ويحكمون بين الناس كما يحكمون أنفسهم هؤلاء أفضل خلقي في الوجود”

ولقد وصف حضرة بهاءالله البركات التي سوف يجلبها هؤلاء الملوك للكوكب بأكمله:

“يَا مَعْشَرَ الأُمَرَآءِ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ جُنْدٌ أَقْوَى مِنَ الْعَدْلِ وَالْعَقْلِ. أَلْحَقُّ أَقُولُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الأَرْضِ جُنْدٌ أَقْوَى مِنَ الْعدْلِ وَالْعَقْلِ وَلَنْ يَكُونَ. طُوبَى لِمَلِكٍ يَمْشِي وَتَمْشِي أَمَامَ وَجْهِهِ رَايَةُ الْعَقْلِ وَعَنْ وَرَائِهِ كَتِيبَةُ الْعَدْلِ إِنَّهُ غُرَّةُ جَبِينِ السَّلاَمِ بَيْنَ الأَنَامِ وَشَامَةُ وَجَنَةِ الأَمَانِ فِي الإِمْكَانِ. فِي الْحَقِيقَةِ إِذَا انْقَشَعَ سَحَابُ الظُّلْمِ عَنْ شَمْسِ الْعَدْلِ لِتُرَى الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ”

بالنسبة لقضية الملكة فكتوريا، فنحن مدركون لهالة الاحترام التي أحاطتها وعرشها، لكننا نخشى اهمال حقيقة تاريخية لها دور واسع في قصتنا.

عندما اعتلت الملكة فكتوريا العرش سنة 1838، كانت المملكة البريطانية في أدنى درجات الانحطاط. كان جدها جورج الثالث مجنونا؛ ولحقت بعمها جورج الرابع فضيحة قومية ألهمت العامة لكتابة أغنية أطفال سوقية؛ أما عمها الثاني، سلفها المباشر، ويلهلم الرابع، فلقد كان موضع استهزاء العموم أثناء حياته، وفي يوم جنازته وصفتها جريدة “التايمز” بجنازة شخص من العامة. أما فكتوريا نفسها، فكانت امرأة صغيرة السن عديمة الخبرة، وآخر فرع صغير في شجرة العائلة المالكة، وليس لها إلا عدد قليل من المناصرين، وكان سكان لندن يعتقدون أنها ستكون آخر ملكة لانكلترا، وأن بريطانيا ستتبع فرنسا أو الولايات المتحدة أو بقية الأمم المتقدمة لتتحول الى جمهورية.

لكن ما حصل، أن الملكة فكتوريا حكمت لمدة ستين عاما، وتركت مملكتها في أمان أكثر من أي وقت لها على مرّ التاريخ.

أشار حضرة بهاءالله بوضوح، إن الإستجابة للنداء الإلهي حتى ولو كانت بأبسط صورها، فإنها تجلب الكثير من البركات. كما هو الحال عند اختراق أقل شعاع لعدسة الكاميرا، فإنه يطبع صورة كاملة على الفيلم الحساس. إن العقل ليذهل من القوة الكامنة التي يمكن أن تتحرر عند استجابة جموع البشرية للدعوة الإلهية.

وبعكس الملكة فكتوريا وحكومتها، فإن بقية الملوك الأوروبيين قد أبعدوا تماما عن المشيئة الإلهية، وبذلك قاسوا بشدة من التأثير التام لخواء ثقتهم بأنفسهم وتباين ممارساتهم.

اتسم ملوك القرن التاسع عشر بمخالفة تعاليم حضرة بهاءالله، إلا أن أعنفهم كان ملوكا إيران وتركيا. إنهما لم يفشلا فقط في الاستجابة ولو بشكل بسيط لكلمات بهاءالله، بل انضما مرارا وبكل نشاط للقوى التي عذبت وسجنت ونفت رسول إلهي. وفي واحدة من هاتين الامبراطوريتين، ذُبح بأبشع الطرق أكثر من عشرين ألفا من أوائل أتباع الدين البهائي.

وصف حضرة بهاءالله، أول هذين الملكين، بـ “أمير الظالمين”، ووصف الثاني بالجالس على “عرش الظلم”.

وقال أن الله سيجعلهما “درسا نموذجيا للعالم”.


الفصل الثامن

المنفى

“مذبحة جماعية”

الجزء الأول: بقايا الدار

إن التركيز نحو العلاقة بين الرسول الإلهي وبين قادة الأمم الغربية القوية، أدى بنا الى تخطي أحداث الشرق الأدنى. وقبل المضي نحو قصة المملكة الخامسة، لنعد ونلقي نظرة سريعة على الأحداث التي أخرجت بهاءالله من موطنه الأصلي ومهدت السبيل لأعلان دعوته للملوك.

كان بهاءالله ما يزال حبيساً في سجن “الجب الأسود” بطهران، حينما وقعت حادثة معينة أدت الى إطلاق سراحه. فلقد جنّد من حاول اغتيال ناصرالدين شاه، شابا معتوها لمساعدته. وخلال فترة الاضطهادات، اعتقل هذين الشخصين، فاعترف الأول بذنبه على أنه المخطط الوحيد منذ البداية وأن رفيقه البائس هو المساعد الأوحد له.

وفور الحصول على الاعتراف، ذهب على الفور مندوبا عن رئيس الوزراء ليدونه حرفياً، كذلك انتهزت السفارة الروسية هذه الفرصة لترسل مترجمها على الفور، وذلك لاهتمامها بـ “السجين”. وبهذا حاز الاعتراف على توثيق رسمي.

أصاب الغضب أعداء بهاءالله، فقد أغاظتهم فكرة احتمال نجاته من الجب بعدما بات قريب جدا من الهلاك. وقبل أن يُطلق سراحه، حاصر أولئك المتآمرون الشاه بالخطط الجديدة التي ابتدعوها، وأكدوا له قدرتهم على توريط بهاءالله في مشاكل خطيرة. فقد كانوا واثقين من أن تلك الدسائس ستضمن هلاكه. ولجأوا للضغط على الشاه بواسطة والدته.وكالمعتاد تصرف وكأنها رغبته هو، فخضع لمخطط الذين يهابهم ووافق على مكائدهم.

استدعى الشاه رئيس الوزراء وطلب منه أرسال كتائب من الجنود لمهاجمة منطقة سكن بهاءالله في مدينة نور. ثم قيل للجنود أنهم سيُرسلون لقمع مجموعة من مثيري الشغب. كانا يتوقعان أن يؤدي هذا الهجوم المفاجيء الى فوضى عامة، فيرتبك أهل القرى ويندفعون للمقاومة المسلحة. كانت الخطة هي افتعال ثورة بين القرويين وإلقاء تبعيتها على بهاءالله واتهامه بالتحريض على ثورة سياسية.

كان المنزل الصيفي لبهاءالله في قرية تاه كور في مقاطعة نور. ورغم أن رئيس الوزراء أدرك تماما بمجرد سماعه بهذه التعليمات، أنها خطة موجهة ضد بهاءالله بالذات، إلا أنه لم يفعل شيئا لمنعها.

وضِعت كتيبة من الجنود تحت قيادة ضابط يُدعى ميرزا أبو طالب، وبمجرد وصول قواته الى قرية تاه كور، أمرهم بالاستعداد لهجوم شامل. وعندما أدرك أهل القرية العزل المندهشين اقتراب الجنود، قاموا بأرسال مندوبين عنهم لمناشدة الضابط وسؤاله عن أسباب مثل هذا الهجوم، إلا أن ميرزا أبو طالب رفض مقابلتهم، وبدلا من ذلك، أرسل رسالة قاسية يخبرهم فيها: “أنه مكلف من قبل الملك بعمل مذبحة جماعية لرجال هذه القرية والقبض على نساءها ومصادرة ممتلكاتها”.

كان أول عمل قام به الجنود، هو مهاجمة المنزل الصيفي البديع لبهاءالله الذي ورثه عن والده وزير التاج الملكي، وكان مشهورا بأثاثه الفاخر الثمين. فأمر أبو طالب رجاله باقتحام كل ركن فيه وتفتيش كل زاوية ومصادرة جميع محتويات المنزل. وأصدر تعليماته بحرق أو تدمير كل ما لا يمكن حمله. فشوّهت جدران الحجرات المزينة بالنقوش الجميلة بطريقة لا يمكن أصلاحها، وهدمت الأعمدة ودمرت الزخارف وترك المنزل خراباً. وبعد الانتهاء من هذا الهجوم، توجهت الكتيبة لتدمير باقي منازل القرية، ثم أشعلت فيها النيران.

هذا الاستفزاز المتعمد، لدفع المواطنين للقيام ضد حكوماتهم ومقاومتها بالسلاح، كان سابقة عسكرية لمشاريع مماثلة سيستعملها طغاة القرن العشرين على نطاق أوسع مستقبلا ضد من يبتغون تدميره من شعوبهم. وكان من المؤمل أن يحاول بهاءالله ومؤيدوه تحريض أهل المقاطعة ضد الحكومة، وعندها تقمع المقاومة، ثم يدان بهاءالله بالخيانة العظمى.


“غرضنا محو الحروب وإراقة الدماء من على وجه الأرض”

الجزءالثاني:  خارجا من الجب

فشلت المؤامرة الجديدة، ولم يُظهر بهاءالله وعائلته أي ميل للتحريض ضد التاج الملكي. وبعد أن أصبحت براءته علنيةً، ضاعت عليهم فرصة تشويه سمعته وقتله. وتكدر أعدائه عندما أدركوا أنه ليس من الممكن أو من الحكمة إحتجازه كسجين أكثر من ذلك.

أرسل الحاج علي، وهو أحد وزراء التاج الملكي، وصديق سابق لبهاءالله، لمرافقته الى خارج “الجب”. كانت الأوامر تقضي باخراجه أمام أعين السلطات ساعة معرفته بخبر إطلاق سراحه؛ عندما شاهد الوزير قذارة ونتانة الزنزانة وأرضيتها المليئة بالحشرات، ارتعب كثيرا وراح يشتم رئيس الوزراء ويصيح: “اللعنة على أقا جان”. وعندما تقدم في تلك الظلمة ليرى بهاءالله الذي كان يحبه ويحترمه، وشاهد هيئته بشعر رأسه الأشعث المتلبد وملابسه المتسخة الممزقة وأكتافه المتقرحة من ثقل السلاسل التي أحنت رقبته، قال متأسفاً بصوت مسموع والدموع تنهمر من عينيه: “يشهد عليّ الله أنني لم أدرك أبداً أنك ستخضع لمثل هذه المعاملة”.

لم يتحمل الحاج علي النظر الى الأسمال الممزقة القذرة التي كانت على جسد بهاءالله، فخلع عبائته الفاخرة ووضعها على كتفه متوسلاً اليه ارتدائها، فليس من اللائق ظهوره بتلك الحالة المزرية وسط البلاط الملكي، باعتباره أحد أفراد أقدم العائلات الفارسية النبيلة. فرفض بهاءالله ذلك، وقال إنه يفضل الظهور أمامهم بنفس الملابس التي أدخل بها الى السجن، ملابس سجين ما زال هناك أبرياء آخرون يرتدونها.

كان بهاءالله يعلم أن المعاناة التي تكبدها وأصحابه في سياه جال، لم تكن إلا مقدمة لرزايا عظيمة ستأتي لاحقاً، وسيدرك الشاه ورجال الدين ذات يوم، أن حضرته لم يكن مجرد أحد مشاهير البابيين فقط، بل هو الموعود الذي تنبأ له حضرة “الباب”، أن البلايا ستحيط به كالطوفان من كل جانب.

وفيما بعد، أعاد بهاءالله الى الأذهان ذكرى شهور سياه شال العصيبة في رسالته التي أرسلها الى ناصرالدين شاه من سجنه في عكاء، قال:

“يَا سُلْطانُ إِنِّي كُنْتُ كَأَحَدٍ مِنَ العِبادِ وَرَاقِدَاً عَلَى المِهَادِ مَرَّتْ عَلَيَّ نَسَائِمُ السُّبْحانِ وَعَلَّمَنِي عِلْمَ مَا كَانَ لَيْسَ هذا مِنْ عِنْدِي بَلْ مِنْ لَدُنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ، وَأَمَرَنِي بِالنِّدَاءِ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمآءِ وَبِذلِكَ وَرَدَ عَلَيَّ مَا تَذَرَّفَتْ بِهِ عُيونُ العَارِفِينَ”

أُقتيد بهاءالله من السجن الى مقر الحكومة السلطانية، وأُدخل في محضر رئيس الوزراء ميرزا أقا جان، ولابد أنه أصيب بالذعر من هيئة بهاءالله؛ لما تعرض له من معاملة قاسية شديدة، لدرجة أن لا أحد من معارفه استطاع التعرف عليه.

فشل رئيس الوزراء في الوفاء بوعده للباب، فلم يحمِ البابيين أو يدافع عنهم كما سبق ووعده بذلك؛ وبدلا منه، ورغم أنه الوزير الأعلى في البلاد، فقد تولى قيادة وتنظيم المذابح التي وصفها المؤرخون الأوربيون “لا نظير لها”. وكتب عنها الملحق العسكري النمساوي: “ينصعق قلمي ذعراً عند محاولة وصف ما وقع على هؤلاء الرجال والنساء البواسل”.

تأكدت أكاذيب ميرزا أقا جان حيال عهوده لكل من الباب وبهاءالله، لكنه بقي غير مستعد لمواجهة ضميره؛ وعوضاً عن ذلك، راح يخاطب بهاءالله بخشونة ليداري عاره، فقال: “لو أخذت بنصيحتي، وقطعت صلتك بدين الباب، لما عانيت كل هذا الألم والمهانة”.

حدّق حضرة بهاءالله في عينيه ورد عليه بكل بساطة:

“في المقابل.. لو أتبعت نصائحي، لما وصلت أمور الحكومة لمثل هذه الحالة الحرجة”

من ذا الذي يستطيع معرفة الأفكار التي برقت لحظتها في خاطر ميرزا أقا جان؟ هل تذكّر حادثة مرضه القديمة وسماعه قرار الأطباء في فقدان أي أمل بشفاءه؟ هل تذكّر زيارات صديقه بهاءالله واعتنائه به؟ هل تذكّر تصريحاته لمعارفه أن بهاءالله من أعاد له عافيته؟ هل تذكّر ما تنبأه عنه وأخبر به إبنه؟ “يا بني.. أولئك الذين يمدحونا الآن بشفاههم، سنلقى منهم الأدانة والاهانة اذا فشلنا للحظة واحدة في تحقيق مصالحهم. لكن ليس هكذا الحال مع بهاءالله. فعلى عكس بقية من يحيط بنا من مشاهير الرجال، فهو يجذبك بحب صادق واخلاص لا يمكن للزمن ولا للأعداء تدميره”. هل تذكّر ساعات خياره الرهيب، عندما كان بهاءالله ضيفا في منزله، عند تسليمه للجب الأسود كي يحمي مركزه كرئيس لوزراء البلاد؟ هل ما زال يسمع أصوات التراتيل المبهجة لاولئك الشهداء الذين ذبحوا علانية بأبشع الطرق التي لا يمكن تخيلها في ميدان طهران؟

لن نتمكن من معرفة حقيقة ذلك أبداً. فكل ما نعرفه بالفعل هو أن رئيس الوزراء قد تضايق بشدة جراء خروج بهاءالله من سجنه؛ كان يرتعد من منظر ما فعله بمن لم يتلق منه الا الإحسان والمعروف في مناسبات عديدة. لم يستطع البقاء على عدائه في تلك المواجهة. وفي محاولة هزيلة بائسة مكررة منه للتكفير عن أفعاله السابقة، قال لبهاءالله: “إن التحذير الذي سبق وقدمته، أصبح حقيقة. فبماذا تنصحني الآن لأفعله ؟” أجابه بهاءالله: “عليك أن تأمر حكّام المقاطعات بوقف اضطهاد الأبرياء والكف عن نهب ممتلكاتهم وانتهاك حرمة نسائهم. على الحكومة أن تتخلى عن فكرة أن لها الحق في اضطهاد أتباع الباب بسبب معتقداتهم الدينية”.

في هذه المرة، لم يتردد ميرزا أقا جان. فأصدر في نفس اليوم أوامره لحكام المقاطعات، بأن يوقفوا كل أفعالهم ضد أتباع الباب.

لم يكن ناصرالدين شاه راضياً عن أطلاق سراح بهاءالله من السجن، ولم يستطع تحمل وجود ضحيته في إيران، لذلك أصدر مرسوماً فورياً لنفيه الى خارج إيران. وفي خلال عشرة أيام، في 12 يناير 1853، بدأ بهاءالله رحلة النفي التي قادته الى خارج وطنه إلى الأبد، ليصل أخيرا إلى سفح جبل الكرمل “كرم الرب” في فلسطين. وبعدما جرّد من جميع ممتلكاته، أُعطي مؤناً قليلة وملابس لا تلائم رحلة برد الشتاء القاسية عبر جبال إيران الغربية المغطاة بالثلوج الى العراق.

شعر الملك ورجال الدين بحالة من الرضى، فعلى الأقل أنهم تخلصوا من عدوٍ مكروه. فأجنحة المنون تحوم حول دين بهاءالله. وبدا للعيان هزيمة كلاً من الباب وبهاءالله. وظهر بهاءالله (مخلص البشر وموحد العالم) في خسران كبير.

كان ناصرالدين شاه واثقاً أنه أباد الدين الجديد وأتباعه. لكن الحقيقةً، أثبتت له عكس ذلك. فبإرساله بهاءالله الى المنفى، أكد أن أشعة أنوار التاريخ الساطعة ستتمركز على كل حادثة ارتبطت برحلة نفي بهاءالله، وسيدرس المؤرخون مستقبلاً، كل كلمة وكل فعل خص تلك الرحلة التاريخية.

بنفي بهاءالله، “مجد الرب”، الى العراق، أرض بابل القديمة، دفع الشاه بـ “سجينه” قسرياً الى البقعة التاريخية التي بقربها شاهد حزقيال في رؤياه “مجد الرب”، بجانب النهر القديم “خابور”. وبفعلته هذه، أكد ناصرالدين شاه، أن بهاءالله سينفى الى ذات البقعة التي تنبأ بها حزقيال بخصوص “الموعود” الذي سيأتي إلى الأرض المقدسة من “الشرق” عن طريق “البوابة”.

… كان بهاءالله في الطريق اليها…


الفصل التاسع

سقوط المملكة الخامسة

(إن رب الجنود قد قضي فمن يبطل، ويده ممدودة فمن يردها)

سفر اشعيا – الأصحاح 14 – الآية 27

الجزء الأول: قاتل!  قاتل!

الآن.. حانت الساعة التي يلقى فيها شاه إيران جزاء ما اقترفت يداه. وكما وعده بهاءالله، سيكون قريبا “عبرة للعالمين”.

حدث ذلك أثناء الإحتفال العظيم باليوبيل الذهبي الذي نظمه الشاه تمجيدا لولايته. كان يتطلع لتلك المناسبة كأعظم حدث في حياته، وخطط بعناية لتدشين عهد جديد أمل من وراءه تخليد إسمه في التاريخ. كان متأثرا جدا بالحضارة الأوربية. وبخلاف أسلافه، قام بزيارة فرنسا وبعض البلدان الغربية طامحا أن يصفه التاريخ بالمجدد لإيران الحديثة.

لكن التاريخ.. كانت له خطط أخرى..!

ذهب ناصرالدين شاه الى ضريح الشاه “عبد العظيم”، لأداء الصلاة عشية تلك المناسبة التاريخية، وهو يقول في نفسه: “غداً.. سيقوم بحملة يستميل بها عواطف رعيته”. وبينما كانت المشاعل تنير سماوات الليل، والرايات ترفرف حاملة ألقاب الملك، والأبواق والصنج والطبول تعلن في كل جانب عظمة وجلال ناصرالدين شاه، ملك إيران.. فجأة.. وبدون سابق إنذار.. امتدت يد القاتل لتضرب ضربتها.. فسقط العاهل الملكي ميتاً على أرض الضريح، مما أفزع وزارءه وحاشيته وشلّ قدرتهم على الحركة من هول المشهد.

ولتأجيل نبأ مصرعه، حملوا جسده الى عربته الملكية، بينما جلس رئيس الوزارء بنفسه الى جانبه متوارياً ليسنده والعربة تجوب الشوارع، بينما الإحتفال الكبير باليوبيل الذهبي ساريا، فالرايات ترفرف والفرق الموسيقية تعزف والجماهير المحتشدة تصدح بالشعارات الواهية لملك غير محبوب ولا محترم، وتنادي بحياة جثة ملك هامدة مسندة.

أصاب الرعب وزراء الشاه غير مدركين من سيكون التالي، وتبادلوا كلمات ستصبح شعاراً لسياسة العهد الحديث: القاتل!  القاتل!

في البداية.. ألصقت تهمة الإغتيال بالمجتمع البهائي؛ مثلما سبق وحدث للمسيحيين في روما القديمة، أو لليهود تحت الحكم النازي. كان البهائيون هم أول المرتاب بهم وأول الأهداف وأول الضحايا حين ظهور أية مشكلة في أي مكان داخل المملكة. أما القاتل الحقيقي، فكان الميرزا رضا، أحد أتباع الثائر المعروف سيد جمال الدين الأفغاني الذي كان ألد أعداء الدين البهائي.

لم يستطع أصحاب العقول الشيطانية الذين ذبحوا أكثر من عشرين ألف تابع لهذا الدين، التصديق أن ضحاياهم لم يقضوا أيامهم ولياليهم بإضمار البغض والتخطيط للانتقام ممن اضطهدهم، فلقد كان ذلك بالضبط ما سيفعلونه هم، فلم لا يفعله البهائيون؟

كم كان ضئيلا ما يعرفونه عن تعاليم بهاءالله الذي منع العنف وحرّم القتل، عندما أمر أتباعه: “خير لكم أن تُقتلوا من أن تَقتلوا”. فتعاليمه أظهرت التباين الواضح بين إستقامة أتباعه وقسوة وتعصب حكام إيران.

قبل موت ناصرالدين شاه بفترة قصيرة، ألقي القبض على مبلّغ وشاعر معروف يدعى “ورقاء”، مع ولده البالغ من العمر 12 سنة وسجنا معا في سجن طهران.

فيما بعد، أجبر حاجب الدولة المتوحش الإبن على الوقوف ومشاهدته وهو يغمد السيف في أحشاء والده بعدما خاب أمله في إجبار ورقاء على طلب الرحمة؛ ثم بدأ الضابط الحانق في تقطيع جسد الأب إرباً أمام عيني الإبن. بعدها.. التفت إلى “روح الله” وسأله: “والآن هل لك أن تنكر دينك؟” فجاء رفض الولد صارماً: “لن يحدث هذا أبدا!” ومع مشاعر الخيبة والغضب، أخذ حاجب الدولة حبلاً وخنق الطفل.

لم يكن عجيبا أن يقول بهاءالله في دعوته لأهل إيران الذين اضطهدوا دينه بوحشية، أنه لا يمكن لأي كان أن يطفئ نور الله في القلوب بعدما تشتعل بالأيمان، قال:

”ثمّ اعلموا يا ملأ الأعاجم بأنّكم لو تقتلونني يقّوم الله أحد مقامي وهذه من سنّة الله التي قد خلت من قبل ولن تجدوا لسنّته لا من تبديل ولا من تحويل. أتريدون أن تطفئوا نور الله في أرضه أبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو أنتم تكرهوه في أنفسكم”

بدأ إنهيار صرح السلالة القاجارية على رؤوس ملوكها، وباءت بالفشل كل الجهود التي بذلت لتدعيمه ومنعه من السقوط. وراح صدى كلمات النبي أشعيا يتردد عبر القرون الماضية:

“قد كَسر الربّ عصا الأشرار، قضيب المتسلطين الضارب الشعوب.. فإن ربّ  الجنود قد قضى، فمن يبطل؟  ويده هي الممدودة، فمن يردّها.”

وبسرعة شارفت سلالة ناصرالدين شاه على الانقراض، وإنهارت جميع الجدران من كل الجوانب، وعاجلا سيدفن عن آخرهم كل ملوكهم وأمرائهم تحت ذلك الإنهيار.


“هذه الساعة التي لا مرد لها ! “

الجزء الثاني: أمير الظالمين

في إحدى تحذيرات حضرة بهاءالله، أنذر بالمصير المظلم الذي سيلحق بالسلالة الإيرانية، فتفضل قائلا:

“وتسئلون عما أكتسبتم في الحيوة الباطلة وتجزون بما فعلتم وهذا من يوم الذي يأتيكم والساعة التي لا مرد لها”

كان حكام سلالة القاجار، أكثر الملوك مسؤولية في محاولتهم تحطيم الوحي الالهي. فمنذ ساعة ولادة هذه السلالة حتى يوم سقوطها، لم يحاول القادة القاجار ولو لمرة واحدة، تخفيف حدّة مشاعر حقدهم وعدائهم.

لقد بذل بهاءالله ما في وسعه لتنبيه هؤلاء الحكام الى الفرصة التي يكونوا فيها رمزاً للعدالة، وليس للكراهية، فتفضل باللغة الفارسية، ما ترجمته:

“اذا كان ملوك وسلاطين الأرض مظاهر اقتدار الحق جل جلاله قاموا بعمل ما ينتفع به من على الارض سيرتفع نور عهد العدل ويضيء العالم”

لقد ألقى حضرة بهاءالله بمسئولية خطيرة على أكتاف ناصرالدين شاه شخصياً، ووصفه بـ “أمير الظالمين”، فلقد كان المسؤول المباشر عن استشهاد حضرة الباب، والمسؤول المباشر أيضا وبصورة مأساوية عن نفي حضرة بهاءالله وتعذيبه طوال حياته. وفي النهاية، موافقته على القتل الظالم لأتباع الدين الجديد الأبرياء لفترة طويلة.

لقد أمدنا الانجيل مرة أخرى، بالمعاني المدهشة للأحداث المحيطة بقصة بهاءالله. فهل كان ناصرالدين شاه هو “الملك الرهيب” الذي قال النبي دانيال أنه سيظهر في “آخر الأيام”! “الملك” الذي سيدمر “الشعب المقدس”؟  هل هو الملك الذي سيقف ضد “أمير أمراء” الرب؟ هل هو “الملك” الذي “سيسحقه” “مخلّص الأمم” في “زمن البلايا” الذي لم يشهد له العالم مثيلا من قبل، والذي “ينهض” ليحرر “أبناء” الرب؟

أمر واحد مؤكد، أخيراً.. حلّ اليوم الذي يكسر فيه ملك إيران.


إذاً.. فانتظروا ماوعدتم ..

الجزء الثالث: سقوط المملكة الخامسة !

كتب حضرة بهاءالله لأحد وزراء ناصرالدين شاه رسالة، ووجهها في نفس الوقت، الى العرش والبلاط الملكي ولشعب إيران. ورغم تمنيه الرخاء والأمن والسيادة الأبدية لهم، إلا أنهم رفضوا هذه النعمة:

“فسوف يمضي أيامكم وأيام الذين هم كانوا اليوم على غرور مبين وتجتمعون في محضر الله وتسئلون عما اكتسبتم بايديكم وتجزون بها فبئس مثوى الظالمين”

وأوضح، أن مثل هذه الأفعال، لن تجلب لأي شخص مخلص سوى الندامة:

“فوالله لو تتطلع بما فعلت لتبكي على نفسك وتفر الى الله”.

عندما تم تجاهل كل مناشداته وتحذيراته، كتب حضرته هذه الكلمات المنذرة بالسوء:

“اذاً فانتظر ما نُـزّل في آخر هذه الآية المباركة وهذا وعد غير مكذوب من مقتدر حكيم”

كان اغتيال ناصرالدين شاه، أول علامة على قيام الثورة التي ستخلع كل خلفائه وتمحو سلالة القاجار.

كان خليفة ناصر الدين شاه، “موسى فريدالدين شاه”، رجلا ضعيفا متردداَ، أُجبر على توقيع دستور يحدّ من سلطات الملك. أما خليفته محمد علي شاه، فبتهوره أطلق شرارة ثورة أطاحت بملكه وعزلته.

وأخيرا.. تولى عرش السلطنة، أحمد شاه؛ شخص نكرة تماماً لم يلتفت لواجباته أبداً؛ فزادت الفوضى في البلاد وقاربت أحوال الدولة المادية الباعثة على الأسى منذ فترة طويلة على الإفلاس. وعملياً هجر الملك مملكته، مفضلاً حياة العواصم الأوروبية على مسئوليات المملكة الثقيلة. وبينما هو في إحدى رحلاته المستهترة، قام البرلمان بعزله؛ وبذلك انقرضت السلالة القاجارية التي اعتلت عرش إيران لمائة وثلاثين عاما.

في عام 1925، تم توقيع الوثيقة التي أنهت هذه السلالة. وكان هذا الإذلال الأخير قد تم في مباني الحكومة التي تقف على مرمى حجر من السجن الموجود تحت الأرض حيث حَبس ناصرالدين شاه فيه حضرة بهاءالله. ومن هذا السجن.. كان ناصرالدين شاه “أمير الظالمين” يسمع أصوات مناجاة حضرة بهاءالله وأتباعه المسجونين لربهم في ساعات الفجر، فيزعجه تأكيدهم على انتصارهم المستقبلي:

“وعلى الله فليتوكل المتوكلون”

أوفى حضرة بهاءالله بوعده. وسقطت المملكة الخامسة.


الفصل العاشر

عكــــاء

الجزء الأول : الإعـلان

لم يترك نفي بهاءالله إلى العراق داخل الإمبراطورية العثمانية التركية، ناصرالدين شاه ولا رجال الدين الإيرانيبن في سلام. ففي العراق توجد مجموعة من المزارات الإسلامية التي اعتاد الإيرانيون زيارتها. لذا قلق رجال الدين الإيرانيون من شروع مجموعة المنفيين الصغيرة تلك في استقطاب أعداد من الحجاج الى الدين الجديد.

لذلك بدأت حكومة الشاه في زيادة الضغط على وزراء السلطان في استنبول، لنقل السجين الى أبعد ما يكون عن الحدود الإيرانية. وبرغم العداء بين الأمبراطوريتين التركية والفارسية، إلا أن اضطهاد المنفيين كان أحد النقاط القليلة التي اتفق عليها هؤلاء الطغاة. وبناءَ على ذلك، تم أبلاغ بهاءالله في 22 أبريل 1863، بضرورة المغادرة فوراً والانتقال مع مرافقيه إلى استنبول عاصمة الامبراطورية.

قبل تلك الرحلة القسرية، قام بهاءالله بأول إعلان لرسالته السماوية، وقال أن يوم “قطيع واحد وراع واحد” قد حلّ، وأنه هو الموعود المنتظر لجميع أتباع أديان الأرض.

تم هذا الإعلان التاريخي بحديقة في ضواحي مدينة بغداد آنذاك، خلال الإثني عشر يوما، بين 21 أبريل و 2 مايو من عام 1863. والأن في هذا اليوم، يحتفل البهائيون بهذه المناسبة في جميع أنحاء العالم، باعتبارها أقدس وأبهج الأعياد في التاريخ البهائي على الاطلاق، وتسمى عيد الرضوان.

تتابعت أفواج الزوار من بغداد الى تلك الحديقة المشهورة، ليتمكنوا من وداع ذلك الزائر الذي عاش بينهم قرابة العشر سنوات، وأحبوه بشدة. وأنه لمن الصعب التصديق أنهم أنفسهم الذين صدقوا بسهولة منذ فترة وجيزة الإفتراءات والأكاذيب التي نشرها عملاء ناصرالدين شاه عن هؤلاء المنفيين.

وفي يوم مغادرته لبيته متوجها نحو حديقة الرضوان، احتشدت جموع المودعين من الرجال والنساء والأطفال قرب منزله في بغداد، جاءوا من جميع الأنحاء يبتغون نظرة أخيرة من حضرته. موظفوا دولة ورجال دين وتجار وأعيان، إضافة الى الفقراء والأيتام والمتسولين والعامة، الجميع راقبوا رحيل بهاءالله عن مدينتهم بعيون دامعة ونواح؛ وكتب أحد المؤرخين الإيرانيين عن تلك الساعات الحزينة، قال: “كانت الدموع تنهمر مثل أمطار الربيع”.

أما الحشود الهائلة التي أحاطت بهاءالله في يوم رحيله عن حديقة الرضوان وعن بغداد، فكانت أكثر تأثراً وهياجاً. فبهيكل الجلال والعظمة، امتطى بهاءالله جوادا مطهما أصيلا كميت اللون اشتراه أحباؤه لرحلته، مخترقاً الحشود الباكية المتزاحمة حوله من جميع الجهات. هكذا بدأ بهاءالله المرحلة الأولى من رحلة نفيه التاريخية الى القسطنطينية.

غادر بهاءالله وادي نهري دجلة والفرات الى الأبد، تلك البقعة التي شاهد فيها النبي حزقيال رؤيا “مجد الرب”؛ وهاهو الآن يبدأ رحلته غير المباشرة الى عكاء، ليصل في النهاية الى البقعة التي تنبأ حزقيال أن “مجد الرب” سيأتيها من “الشرق”.

كانت سمعة بهاءالله كمبلّغ ومربي مقدس، تسبقه الى كل مكان، فلازمته مظاهر التبجيل والاحترام طوال رحلته شمالا، كما سبق ولازمته أثناء اقامته في بغداد. رحلته الى ميناء صامصون على البحر الأسود استغرقت مائة وعشرة أيام؛ خلالها كانت الوفود تسارع للخروج لانتظاره على الطرق مرحبة بقدومه وهو يمر بقراها ومدنها، بينما تشيّعه وفود أخرى لتوديعه الى مسافات طويلة خارجها.

أخيرا.. وصل بهاءالله وأصحابه الى البحر الأسود، وعندما شاهد من فوق هودجه شاطئ البحر، كتب لوحاَ مؤثراَ أشار فيه الى الأحزان “العميقة المؤلمة” التي تنتظره.

ركب بهاءالله ومن معه سفينة بخارية تركية عابرين البحر الأسود، وبعد ثلاثة أيام وصلوا ميناء القسطنطينية الشهير. كانت عاصمة الدولة التركية تلقب “قبة الإسلام”. وبسبب ظلم وطغيان السلطان عبدالعزيز، سيصفها بهاءالله مستقبلا، بأنها “عرش الظلم”؛ كان يعلم أن سنوات الراحة والهدوء القليلة التي تمتع بها في العراق على وشك الانتهاء، فأمواج الشدائد ستبدأ من جديد.

ما زالت هناك في الأفق، رحلة أخرى لبهاءالله، في هذه المرة ستكون عبر البحر المتوسط، إضافة الى رحلتي نفي ومحاولات مستمرة للقضاء على حياته، ستبوء جميعها بالفشل. وسيصل في السنين المقبلة الى أرض فلسطين وسيمشي على سفح “جبل الرب”.

وكما وعد إشعيا، هاهو بهاءالله يسافر الى الأراضي المقدسة “عن طريق البحر”. وفي أصحاح كامل مليء بتمجيد “موعود آخر الزمان”، يعلن إشعيا، أن هذا “المختار” سليل “نسل ابراهيم”، هو “الرجل الصالح القادم من الشرق” الذي يبعثه الله “ليحكم على الملوك” والذي “يمضي بأمان” الى مقصده في فلسطين “حتى ولو لم يسير على قدميه”.  سافر بهاءالله كما ورد في رؤيا العهد القديم على لسان النبي ميخا، “من بحر الى بحر”، في طريقه من الشرق الى الأرض المقدسة حيث يخلص البشرية……ولكن من يقرأ ويفهم ويتقدم لمساعدته؟!


 شحب وجهه الصدر الأعظم

الجزء الثاني:”عرش الظلم”

بعد رحلة طويلة مرهقة.. سمح لحضرة بهاءالله البقاء في العاصمة القسطنطينية أقل من خمسة شهور فقط. فالسلطان العثماني، لم يحتمل سماع أخبار ما قوبل به حضرة بهاءالله من آداب الاحترام ومظاهر التبجيل أثناء الطريق في رحلته من بغداد، فهو يعتقد انه الشخص الوحيد الذي يستحق مثل هذا الاهتمام من شعبه.

وبسرعة تم نفي حضرته مرة أخرى. كان هذا النفي القاسي المفاجئ، يمثل “التعاون المؤقت بين الحكومتين التركية والفارسية” ضد رجل واحد ومجموعة أتباعه الصغيرة بزوجاتهم وأولادهم حيث كانوا أقل من ثمانين شخصا. في هذه المرة، لم يقبل حضرة بهاءالله الفرمان ببساطة، بل رد عليه في ذات اليوم برسالة شديدة اللهجة ارسلها مع “شمسي بيك”، المراسل الخاص لعالي باشا رئيس وزراء السلطان حيث سلمها له باليد شخصيا. ولقد ترك لنا المراسل هذه الرواية باعتباره شاهد عيان لهذا الحدث.

(لم أكن أعرف فحوى الرسالة، إلا أن الصدر الأعظم ما كاد يلقي عليها نظره، حتى شحب وجهه وامتقع لونه، وقال: “كأني بملك الملوك يصدر أوامره لأصغر ولاته يرشده إلى المسلك القويم”. ثم بدأت حالته تسوء إلى درجة أني فضلت الانسحاب” 94

تم تنفيذ أمر إبعاد حضرة بهاءالله مع عائلته وأصحابه غير المستعدين الى منفاهم الثالث على التوالي وفي الحال. فركب بعضهم في عربات، وركب بعضهم ظهور الدواب، بينما جلس آخرون صامتين بين بقايا ممتلكاتهم فوق عربات تجرها الثيران وسط برد شتاء قارس.

كان صباح أحد أيام شهر ديسمبر شديد البرودة عندما أمرهم الضباط الأتراك وجنودهم بالمسير قدماً. ولقد أوضح حضرة بهاءالله بنفسه أن القسوة والاذلال اللذين عومل بها ورفاقه خلال رحلة النفي تلك، لم يكونا ضروريين ولا يمكن غفرانهما. كما ذكر أن لا أحد من رفاقه كانت عليه كسوة مناسبة تقيه ذلك الزمهرير.

وكتب المؤرخ الإيراني نبيل زرندي عن تلك الأيام: “كان شتاء تلك السنة قارساً بدرجة لم يعهد المعمرون لها مثيلا، فقد تجمدت الحيوانات ونفقت بين الثلوج”.

وترك أحد رفاق حضرة بهاءالله روايته عن تلك الرحلة، قال: “للحصول على الماء من الينابيع، كان لزاما علينا أن نشعل بجوارها نارا عظيمة لمدة ساعتين بالضبط حتى يذوب الجليد.”

لذلك لم يكن مدهشاً أن خاطب بهاءالله السلطان عبدالعزيز بلهجة قوية:

“أن يا أيها السلطان اسمع قول من ينطق بالحق.. إنك ظل الله في الأرض فافعل ما يليق لهذا الشأن المتعالى العظيم.. اسمع يا سلطان ما ألقينا على حضرتك ثم امنع الظالمين عن ظلمهم ثم اقطع أيديهم عن رؤوس المسلمين. ولا تنس حكم الله في كل ما أردت أو تريد”

وفي عشية رحيله من القسطنطينية، كتب حضرة بهاءالله أيضاً لسفير إيران الذي حرض السلطات التركية على تعجيل ابعاده وأشعل مخاوفهم من المنفيين، وذكّره بأتباعه الذين زاد عددهم عن العشرين ألفاً ممن ضحوا بحياتهم لهذا الدين في إيران. وأوضح له بعدم جدوى محاولاته في إخماد نار الحب الإلهي في قلوب الناس باضطهادهم.

“ماذا استفدت أنت وأمثالك من قتلكم الكثير من المضطهدين كل عام وصبكم البلايا على رؤوسهم حين زاد عددهم مائة ضعف.. تعالى أمره تعالى عما تكيدون”.

ثم أعطى بهاءالله وعداً سيحققه الوقت والتاريخ لاحقاً:

“إعلم جيداً، لو اتحدت جميع حكومات الأرض لسلب حياتي وحياة من يحملون هذا الاسم “بهائي”، فلن يخمدوا هذا النور الإلهي، وسيطوق جميع ملوك الأرض، بل كل ما خلق من الماء والطين.. إن كل ما سيحل بنا، سيكون سبب عظمتنا، ويظهر ما سيحل بهم من خسران مبين.

سافر حضرة بهاءالله وأتباعه إلى أدرنة لمدة اثنى عشر يوما، وسط الثلوج والأمطار والأعاصير، وفي بعض الأحيان أجبروا على السفر ليلا. كانت مدينة أدرنة هي أبعد نقطة وصلها بهاءالله في نفية المتكرر، فسمّاها “السجن البعيد”. كان أول مؤسس لدين سماوي، تطأ قدماه التراب الأوربي من بين مؤسسي أديان الله المنزلة العظيمة، وبذلك ربطت رسالته بين الشرق والغرب. وكان أول رسل الله يعلن عن ديانته من الغرب كما أعلنها من الشرق.

سجن ناصرالدين شاه حضرة بهاءالله في الحفرة السوداء في مدينة طهران مسقط رأسه، حيث بدأت هناك مهمته، ثم نفي إلى مكان آخر لكي يسكتوه ويضعفوا تأثيره. وفي وادي دجلة والفرات الشهيرين، أعلن حضرته بصراحة الى أتباعه وللعالم عن هدف مهمته. وخوفاً من تنامي هيبته وقوته، تآمر ناصرالدين شاه مع السلطان عبدالعزيز لنفيه إلى القسطنطينية بعيدا عن دائرة أقربائه وأصدقائه وأتباعه؛ فأرسلاه إلى قارة أخرى، الى أوروبا. وهناك.. في عقر “عرش الظلم”، استهل حضرته أول مرحلة لإعلان دعوته الى العالم في العاصمة استنبول.

والآن.. وبعد أن أبعد إلى منفى آخر بعيد جداً، ظنّ هؤلاء أن قوته ستتلاشى في التأثير على أي شخص ذي شأن. وسيقطع عن العالم تماماً.

وعلى عكس ما خطط له الملوك هناك في أدرنة، وصلت رسالة حضرة بهاءالله إلى أوجها، حيث كتب ألواحه التاريخية لملوك ورؤساء العالم، فنزلت كالفيض المنهمر تعلن عن رسالته الى العالم بشكل غير مسبوق في تاريخ الأديان.

كل اضطهاد وكل قمع خططه ونفذه هؤلاء الملوك لتثبيط عزيمة بهاءالله، كان يتبعه هطول غيث أعظم من التعاليم والروحانيات رغم معاناته وآلامه الجسدية. وثبت أن كل ما ابتدعوه كان مقدمة فقط لاعلان مشيئة الله للبشر.

إن المعاناة الكبرى، والإعلان العظيم.. آتيان قدماً.


” الساكن في السموات يضحك ..” (مزامير)

الجزء الثالث: النفي الأخير

ظل بهاءالله سجينا ومنفيا ما يقرب خمس سنوات في ذلك الإقليم النائي بمدينة أدرنه، تعرض خلالها لثلاث محاولات للقضاء على حياته. فلقد حاول أعداؤه دس السم له مرتين، وتآمروا على ذبحه في الحمام العمومي. إلا أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل.

والآن التفت بهاءالله الى مهمة كشف التعاليم الإلهية لحكومات وشعوب الأرض على حد سواء. فكتب المؤرخ نبيل زرندي عن أهم كتابات بهاءالله وأشملها في تلك الفترة وكميتها، قائلاً: “كان هناك عدد من الناسخين انهمكوا ليل نهار في تدوين آثار الوحي النازلة، ومع ذلك عجزوا عن اتمام مهمتهم”.

كتب بهاءالله خلال حياته أكثر من مائة مجلد تتعلق بالمشاكل المتنوعة التي تواجهها البشرية ومجتمعاتها. كانت فترة أدرنة، واحدة من أكثر الفترات إثماراً في مجمل مهمته الإلهية. وأكد بنفسه عن غزارة كتاباته خلال تلك الشهور في تركيا، قائلاَ:

“عجز الكتّاب عن تحرير ما نزل في هذه الأرض (أدرنة) فظل أكثره بلا تحبير”

وأعلن في مناسبة أخرى:

” تالله لقد نزل في تلك الأيام ما يعادل كل ما أنزل على النبيين من قبل”

كانت هذه الكتابات جزءاً من الإعلان التاريخي لدينه الى ملوك وحكام الأرض. وكانت بداياته في القسطنطينية عندما أرسل رسالته القوية لرئيس وزراء السلطان عبدالعزيز والتي تلاها لاحقاً المرسوم الملكي بنفيه الى أدرنة، ثم بلغ ذروته خلال إقامته في أدرنه.

هناك.. كتب بهاءالله أكثر رسائله خطورة الى الرؤوس المتوجة في العالم. “فلأول مرة وجه كلماته الى عموم الملوك في الشرق والغرب”. حذرهم فيها بأن ” العقاب الإلهي سيأخذهم من كل الجهات”، اذا فشلوا في تقدير مسؤولياتهم تجاه أهمية المبادىء الروحية والاجتماعية الجديدة التي أوحى بها الله لإتحاد العالم. وتنبأ بأن الله:

“سوف يرفع أمره بين السموات والأرضين ولو لم يتوجه إليه منهم أحد”

إن من أمهل نفسه لتأمل وفهم كلماته وتعاليمه، إهتز من أعماقه، فجوهر رسالته لملوك ورؤساء العالم وسكانه، يمكن العثور عليها في تلك الآثار المباركة التي انهمرت باستمرار من قلمه الأعلى خلال سنين أدرنة. كانت العدالة الاجتماعية أساس معظم بياناته التي أصدرها إلى قادة الأمم. فقد ناشد باستمرار أهل السلطة لحماية وحفظ الفقراء، وشجعهم على حماية المحرومين وغرس ورعاية الأمل في قلوب المضطهدين، حيث تفضل:

“يَا أَيُها المُلُوكُ  إن الفقراء أمانات الله بينكم، إياكم أن لا تخانوا في أماناته ولا تظلموهم ولا تكونن من الخائنين.”

وكتب في مكان آخر:

“خبروا الأغنياء بأنين الفقراء في الأسحار الفقر عما سوى الله فنعمة عظيمة لا تحتقرها، لأن في نهايتها يبدو الغنى بالله”

هذه “الفترة المتألقة” في دعوة بهاءالله والتي امتلأت بنصائحه لحماية شعوب العالم، ستبقى الى الأبد “ذروة” ولايته على الارض. حيث حث خلالها قادة العالم على وضع برنامج ضد الفقر ينهي تماما الظلم الناتج عن الفرق الشاسع بين الفقر المدقع والغناء الفاحش؛ كان ذلك منذ مائة عام مضى. فكتب:

“أَنِ اسْتَمِعُوا مَا يَنْصَحُكُمْ بِه القَلَمُ الأَعْلَى لَعَلَّ تَسْتَرِيحُ بِهِ أَنْفُسُكُمْ ثُمَّ الفُقَرَاءُ وَالمَساكِينُ، نَسْأَلُ اللهَ بِأَنْ يُؤَيِّدَ المُلُوكَ عَلَى الصُّلْحِ إِنَّهُ لَهُوَ القادِرُ عَلَى ما يُرِيدُ”

خلال أيام أدرنه العصيبة، نهض بهاءالله “بكل اقتدار” ليعلن لجميع قادة الأمم في الشرق والغرب من الذين يمسكون زمام السلطات الدنيوية بأيديهم، عن الدعوة التي عُهِدت إليه.

ورغم ثقل الأحزان والمعاناة من آثار آخر محاولة اعتداء على حياته، كان بهاءالله مدرك تماما أن هناك نفي آخر جديد على وشك الحدوث. ورغم كل هذه الصعوبات والمخاطر، بدأ دينه خلال هذه الفترة يسطع “في أوج بهائه” ويظهر قوته الشاملة.

بدأت الحكومة التركية الآن بالاستسلام تماما للضغط الذي يمارسه السفير الإيراني، فقررت ارسال المنفيين الى مكان يوفر فيه الانعزال وسرعة الهلاك.فصدر مرسوم يأمر بنفي بهاءالله للمرة الرابعة إلى مستعمرة العقاب الرهيبة في عكاء.

فجأة.. قامت السلطات بملاحقة واعتقال أتباع بهاءالله من منازلهم ومن شوارع أدرنة، وتم استجوابهم وتجريدهم من أوراقهم الرسمية وزجهم في السجن، واستدعوا لعدة مرات للمثول أمام السلطات لسؤالهم عن العدد الحقيقي لأفراد عائلة بهاءالله والأحباء، وانتشرت الشائعات في المدينة، أنه سيتم تفريقهم الى أماكن مختلفة أو قتلهم بسرية.

أكد الوزراء للسلطان عبدالعزيز، أنه لا بهاءالله ولا دينه يمكنهما النجاة في أجواء عكاء الموبوءة. فلقد كانت مدينة الحصن هذه من أكثر سجون الإمبراطورية التركية هولاً. وشعر مستشارو السلطان بالثقة من فناء بهاءالله لا محالة في ذلك المكان الحقير. في الحقيقة.. كانوا يتقمصون لهم أدواراً في المسرحية الإلهية التي تنبأ بها ووصفها الأنبياء السابقون. فبنفيهم بهاءالله، ظنّ أعدائه أنهم ينفذون أوامر حاكمهم السلطان عبدالعزيز، بينما في الحقيقة.. كانوا أدوات لتحقيق “الوعود” الإلهية التي وردت في الكتب المقدسة منذ أمد بعيد.

لم يكن أصحاب بهاءالله حتى آخر لحظة قبل مغادرتهم أرض تركيا، عارفين بمكان ارسال حضرته. إلا أن بهاءالله، “جمال القدِم”، “محور العديد من النبؤات المدهشة والمثيرة في الكتب المقدسة السابقة”، كان مطلع تماما على مكان النفي المقصود منذ عدة سنوات.

بالعودة الى السنين الأولى لنفي بهاءالله إلى أدرنة، نجد أنه قد نوّه بالفعل لوصوله المستقبلي الى مدينة الحصن عكاء، “باب الرجاء” للبشرية. وكتب عن انتصار دينه العالمي الذي سيعقب ذلك الوصول التاريخي. وخلال تلك السنين الأولى في تركيا، ألمح الى أهمية ومغزى ذلك الحدث التاريخي المستقبلي للنزول في عكاء. لقد كانت كلماته نبوءة في الواقع. كتب:

“وجدنا قومًا استقبلونا بوجوه عزّ درّيًّا.. وكان بأيديهم أعلام النّصر  إذن نادى المنادِ فسوف يبعث الله من يدخل النّاس في ظلل هذه الأعلام ”

ملحوظة: بعد مرور مائة عام، وبينما كان مؤلف هذا الكتاب حاضرا في احتفال الذكرى المئوية لوصول حضرة بهاءالله للأرض المقدسة. شاهد تحقق نبوءة حضرة بهاءالله، فلقد بدأت تصل الأخبار من جميع جهات الأرض معلنة عن دخول أعداد كبيرة من المؤمنين الجدد تحت لواء دين بهاءالله من أمريكا، آسيا، أوروبا، أمريكا الشمالية والجنوبية، أستراليا، جزر الباسيفيك، المحيط الأطلسي والهادي، والبحر المتوسط والكاريبي من جميع الأعراق والشعوب وخصوصا من شباب العالم في أكثر من ثلاثين ألف مركز موزعة في كل اقاليم العالم تقريبا.  حقاً.. لقد “انضمت” معظم أجناس البشر في هذا اليوم تحت “لواء” دين بهاءالله.


” قل للسلطان سوف تخرج هذه الأرض من يديه”

الجزء الرابع :-  الرحلة عن طريق البحر

في 12 أغسطس 1868م، بدأت رحلة بهاءالله وعائلته البرية إلى غالبيولي، واستمرت أربعة أيام، فكانت المرحلة الأولى لنفيهم النهائي. كان يرافقهم نقيب من الجيش وكتيبة من الجنود؛ ولقد توقفت المجموعة في عدة مدن أثناء الطريق.

وفي “كاشانية”، بدأ حضرة بهاءالله بأشهر رسالة من رسائله لملوك الارض، وقد أتمها بعد مدة قصيرة في “جياور كيوي”. وقبل مغادرة تركيا، أوضح أنه لن ينسى هذه الأرض، وأكد ذلك بقوله:

“قل قد خرج الغلام من هذه الديار وأودع تحت كل شجر وحجر وديعة سوف يخرجها الله بالحق”

وقد ظهر مغزى هذه الكلمات سريعاً.

وصل بهاءالله ومرافقوه أخيرا الى ميناء غالبيولي على البحر، حيث قضوا فيها ثلاث ليالي، وكانت هذه آخر محطة وقوف في تركيا. وحتى في تلك الساعة الأخيرة، أعطى حضرة بهاءالله فرصة أخيرة للسلطان عبدالعزيز، كي يتوب عن أفعاله الماضية، من خلال رسالة شفوية أرسلها مع ضابط تركي يدعى عمر. طلب فيها حضرته من السلطان تدبير مقابلة معه لمدة عشرة دقائق، حتى يتفحص ديانته ويقرر كيفما يشاء، اذا ما كانت من عند الله أم لا.

رفض هذا الاقتراح، كما سبق ورفضت جميع محاولاته لمقابلة الملوك أو وزرائهم أو رجال الدين.

أعد بهاءالله نفسه للمغادرة الى عكاء، المدينة التي كانت يوما ما جزءاَ من الأرض القديمة لكنعان، وطبقا لما جاء في الكتاب المقدس، انها الأرض التي سيرثها في آخر الأيام أحد أبناء “ذرية” إبراهيم.

ينحدر بهاءالله من سلالة النبي ابراهيم من زوجته الثالثة ” قتورة”؛ وكم هي لطيفة وجميلة قصة ابراهيم “ونسله” بهاءالله؟ وكم تتفق مهمتيهما الإلهيتين معاً؟ وكم تتشابه قصتيهما بشكل ملفت للنظر؟

في وادي نهري دجلة والفرات، نادى ابراهيم بوحدانية الله، وفي نفس الوادي نادى بهاءالله بوحدة جميع الأديان والأعراق والشعوب. نُفي إبراهيم من ذلك الوادي الى أرض كنعان، وتبعه بهاءالله في ذات النفي إلى نفس تلك الأرض حيث أكمل تعاليمه وأوامره لخلاص كل البشرية.

أعلن بهاءالله في لوح أنزله عشية فترة نفيه الى مستعمرة القصاص عكاء:

” هذا يوم لو أدركه الخليل ليخر ساجداً على الارض قائلا: “قد اطمأن قلبي يا إله من في ملكوت السموات والأرضين وأشهدتني ملكوت أمرك وجبروت اقتدارك”.

حانت ساعة مغادرة بهاءالله لتراب أرض أوربا. وقبل أن يصرف حضرته من معيته “حسن أفندي”، آخر ضابط تركي رافقه من أدرنة، حمّله رسالة أخيرة للسلطان عبدالعزيز تنبأ فيها:

” قل للسلطان سوف تخرج هذه الأرض من يده، وسوف تضطرب الأمور”

في هذه اللحظة.. أراد حضرة بهاءالله أن يعرف السلطان، أنه لا يتكلم كسجين أو منفي، بل “كرسول إلهي”. كان يخاطب الملك بنفس السلطة التي تحدث بها موسى وعيسى ومحمد من قبل.

سجل آقا رضا هذا المشهد للأجيال القادمة:

وأضاف حضرة بهاءالله الى ما سبق قائلاً: “لست أنا قائل هذا بل إنه هو الله” .كان حضرة بهاءالله يرتل الآيات في تلك اللحظات بصوت بلغ مسامعنا ونحن في الطابق الأول. فلقد قيلت بقوة وشدة، خيّل لي معها أن أساس المنزل بذاته كان يهتز ويرتجف“.

ركب بهاءالله السفينة متوجها إلى عكاء ماراً بمصر. وفوراً أبلغ السفير الإيراني في تركيا القنصل الإيراني في مصر، أن الحكومة التركية قد رفعت حمايتها عن أتباع بهاءالله. كانت حقيقة جوهر هذه المعلومة المرسلة عن طريق ذلك العدو الدائم، هي: “أنت حرٌ الآن لمعاملتهم كيفما تشاء”.

ومع كل ما سبق ونزل على حضرة بهاءالله وأتباعه من المصاعب والمحن، إلا أنه راح يحذر أصحابه ومرافقي رحلته الى منفاه الأخير من المخاطر والبلايا العظيمة التي ستحل بهم مستقبلاً. وقال لهم، إن كل من لا يجد في نفسه الجرأة والقدرة على مواجهتها، فله الحرية المطلقة للمغادرة والتوجه الى أي جهة يختارها. ثم عاد وكرر تحذيره لمن اختاروا مرافقته وأخبرهم أنه سيكون من المستحيل عليهم المغادرة مستقبلا:

“إن هذه الرحلة تختلف عن أية رحلة أخرى”

 


“لو طار طائر فوق عكا لسقط ميتا”

الجزء الخامس :-  ملك البهاء يدخل البوابة

نقل بهاءالله ومرافقوه في 21 أغسطس 1868م، على سفينة بخارية نمساوية لشركة “لويد” متجهة نحو الأرض المقدسة؛ وخلال ابحارها، مرت أولا في مودلي وأزمير، ثم في ميناء الاسكندرية حيث تم نُقـل حضرته مع أصحابه الى سفينة أخرى مرت فيما بعد في بورسعيد ثم توجهت أخيرا الى يافا في فلسطين.

وفي 31 أغسطس، رست على جانب رصيف ميناء حيفا عند قدم جبل الكرمل “وكر الانبياء” و “كرم الله”. وأخيرا وصل بهاءالله الى “موطنه”!

جاء “مجد الرب”، “عن طريق البحر”، كما وعد الكتاب المقدس، راكباً البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط حتى وصل محطته الأخيرة “عش كل الأنبياء”. إنها أرض “قدّسها كتاب موسى، ومجدها أحبار العبرانيين وقضاتهم وملوكهم وأنبياؤهم بحياتهم وأعمالهم”   وهي المكان الذي اجتمع فيه زرادشت مع بعض أنبياء بني إسرائيل؛ ثم تقدست بكونها مهد المسيحية؛ كما ارتبطت بإلاسراء الليلي لرسول الإسلام محمد؛ فهي الأرض التي جمعت بين مؤسسي الرسالات اليهودية والزرادشتية والمسيحية والإسلام، واليوم ترتبط مع المبشر ومع المؤسس للديانة البهائية، الباب وبهاءالله حيث ترقد رفاتهما هناك.

وأشار حزقيال إلى عكاء باعتبارها “البوابة” التي سيأتي منها “مجد الرب” الى “فلسطين” من “الشرق”. وأخيرا .. ها هو قد أتى.

ولم يصف داوود عكاء في مزاميره فقط على أنها “المدينة القوية”، بل تنبأ أيضا أن “مجد الرب” “بهاء” سيأتي من خلال “البوابات” ولن يبقى “صامتاً”. وأخيرا .. ها هو قد أتى.

كما وصف هوشع مدينة عكاء أنها “باب الرجاء”؛ وتنبأ إشعيا أنها ستصبح ملجئاً آمناً لـ “قطيع” الرب في آخر الايام.

وها هو الرسول العربي محمد الذي سكن أتباعه مدينة عكاء يصف هذه المدينة التاريخية بأنها: “مدينة بالشام اختصها الله برحمته”، “مدينة على شاطىء البحر”.. “بيضاء حسن بياضها عند الله”.

من خلال تصرفات أعدائه، كان على بهاء الله “منفيّ بغداد والآستانة والقسطنطينية وأدرنة”، أن يقضي الثلث الأخير من مجمل حياته، وأكثر من نصف مدة ولايته الأرضية في تلك الأرض المقدسة.

كما كان “عبدالبهاء” ابن بهاءالله أيضا، سجينا في تلك الأحداث التاريخية؛ وكتب عن وصول بهاءالله إلى تلك الأرض قائلا: “إنّه لمن المحال أن يتصوّر العقل كيف حدث هذا النّفي والتّبعيد حيث يهاجر الجمال المبارك من إيران ويضرب خيمته في الأرض المقدّسة”

قام شاه إيران وسلطان تركيا وهما أعلى سلطتين دنويتين حاكمتين لمصير المسلمين الشيعة والسنّة، بسجن بهاءالله فيما اعتبروه سجنه الأخير، لقد أودعوه في مدينة بائسة حتى انها كانت توصف بـ “عاصمة البوم”؛ وكان جوّ مدينة القلعة غير صحي وملوث تتفشى فيه الملاريا والتيفود والدوسنتاريا. كان هناك مثل يقول: ” لو طار طائر فوق عكاء لسقط ميتاً”.

لو عدنا بالنظر الى محاولات الملوك لتدمير بهاءالله، نجدها محاولات محزنة، فالكتب المقدسة للديانات الرئيسة أوضحت كيف انتهت كل هذه الجهود بخيبة أمل، فبالرغم من تظافر وتكرار جهود الملوك ورجال الدين للقضاء عليه، الا أنه ظهر في النهاية على جبل الرب المقدس، “الكرمل”.

لقد فشل حكام العالم في جميع المراحل؛ نعم.. كانوا قادرين على إضافة المزيد لكأس أحزان بهاءالله. لكنهم كانوا واهنين في منعه من اتمام مهمته المتنبأ عنها. كل خطوة خلال الطريق، كانت تحقق بالفعل نبوءات كتب أولئك الملوك المقدسة رغماً عنهم، حتى وصل في النهاية إلى “الربوة المقدسة”.

هذه القصة بذاتها، أي مأساة هؤلاء الملوك كفيفي البصيرة، أنذر بها كتاب المزامير بصورة دائمة. فلقد أوضحت النبؤة:

“قام ملوك الأرض، وتآمر الرؤساء معا على الرب.. الساكن في السموات يضحك. الرب يستهزئ بهم، حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه.. أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي.. فالآن يا أيها الملوك تعقلوا، تأدبوا يا قضاة الأرض.. طوبى لجميع المتكلين عليه”

بغض النظر عن عدد المرات التي عرض فيها حضرة بهاءالله مساعدته للسلطان التركي. إلا أن السلطان فشل في وضع ثقته في بهاءالله. ومشى قضاة ووزراء وحكام تلك البلاد على خطى مليكهم، فلم يكونوا حكماء في أحكامهم. كان سقوطهم واختفاؤهم من التاريخ المعاصر حتى ذلك الوقت، ممنهج بيد غيبية إلهية.


“ويقتلون كلهم إلا واحداً منهم ينزل في مرج عكاء”

الجزء السادس : “المأدبة الإلهية”

بوصول حضرة بهاءالله الى عكاء، بدأ الطور الأخير والنهائي لفترة “الأربعين سنة” من ولايته؛ هذه الفترة بالذات، أكد عليها الكتاب المقدس مراراً. لقد جاء بهاءالله الى قلب اليهودية والمسيحية، والآن أوصله النفي الى أحد “معاقل” الإسلام.

من الصعب ادراك جهالة هذين الحاكمين المسلمين، السلطان عبدالعزيز وناصرالدين شاه، اذا أخذنا في الاعتبار كثرة الدلالات المشيرة الى جميع هذه الأحداث في كتبهم المقدسة. فعلى خلاف ملوك المسيحية، كان حكام المسلمين، يطبقون في كل يوم جزءا من النظام الدينى، حسب ما تشير اليه أسماؤهم وألقابهم، وكان سلوكهم يدلّ بوضوح على حقيقة اخلاصهم في إيمانهم بدينهم. ومع ذلك، كانا غافلين عما ورد من نبوءات متكررة في كتبهم المقدسة، تلك النبؤات التي حققاها بطريقة مذهلة بأفعالهما القاسية ضد بهاءالله.

فعلى سبيل المثال، أشار النبي محمد باهتمام إلى مدينة السجن “عكاء”، حيث سماها: “مدينة قد اختصها الله برحمته”؛ وفي مكان آخر وصفها كمدينة: “على شاطىء البحر.. حسن بياضها عند الله”   ومن النبوءات النقلية التي فخّمت مدينة عكاء بشكل كبير، ويمكن العثور عليها في كتب الملكين التركي والإيراني المقدسة، هذه الكلمات المدهشة التي لابد وأنهما تأملاها جيدا:

“طوبى لمن زار عكاء، وطوبى لمن زار زائر عكاء”

“من أذّن فيها كان له مد صوته في الجنة”

“فقراء عكاء ملوك الجنة وسادتها”، و “إن شهرا في عكاء أفضل من ألف سنة في غيرها”

فلماذا لم يتمكن أحد من فهم هذا السرّ حتى وصول بهاءالله اليها؟!.

وأخيرا.. نجد أحد أهم النبؤات على الاطلاق، وتعتبر ذات أهمية خاصة عند دراسة تاريخ استشهاد حضرة الباب المبشر بدين بهاءالله؛ فلقد استشهد وذبح حوالي عشرين ألفاً من أتباعه، بينما قدّر لبهاءالله النجاة من هذا المصير مرة بعد أخرى في إيران والعراق وتركيا، وكان المؤيد الوحيد لحضرة الباب الذي هجر إيران. لقد تحدثت النبؤات بتكرار، عن “الشخص” الذي سيظهر في سنة 1260 هجرية، “1844 ميلادية”، وسيكون أول الرسولين. أحد هذه النبؤات تنبئ باستشهاد هذا الرسول المقدس وكثير من أتباعه، فتقول:

“ويقتلون كلهم إلا واحداً منهم ينزل في مرج عكاء في المأدبة الإلهية”

ملحوظة: توافق سنة 1260 في التقويم الإسلامي الهجري، سنة 1844 في التقويم المسيحي الميلادي. وللمزيد عن هذا العام  في كل من الاسلام والمسيحية، راجع الصفحات 8-28 من كتاب ” لص في الليل”.

بعد وصول بهاءالله الى مرج عكاء، كتب لملوك العالم بخصوص تلك المأدبة الالهية العظيمة التي يقدمها لهم لإطعام وتوحيد البشرية. فتفضل:

“قل قد أتى المختار ليحيي الأكوان ويتحد العالم ويجمعهم على هذه المائدة التي نزلت من السماء”

كذلك حقق وصوله إلى الأراضي المقدسة نبوءات كتاب ميخا العجيبة. فلقد أخبر كما سبق وفعل أشعيا ودانيال، عن المجيء الأول، وعن المجيء الثاني في مجد الآب “بهاءالله”، ووصفوا رحلته من إيران الى جبل الكرمل. هذه النبوءات لوحدها كافية لجميع البشر.

لقد تنبأ ميخا أنه في آخر الأيام، عندما تعم الفوضى والضغينة كل العالم. سيأتي “المخلص” من بابل إلى فلسطين. وقد نفي بهاءالله الى فلسطين من بغداد الواقعة على مقربة من موقع بابل القديمة.

في أحد إصحاحاته يعطي ميخا إجابة مدهشة لأولئك الذين سخروا منه، وتسائلوا قائلين: “أين الرب إلهك؟” فيجيبهم في إصحاح آخر:

1- “في ذلك اليوم أيضا، يأتون إليك من آشور…”

وقد جاء بهاءالله من وسط الامبراطورية الآشورية، كما عرّفها ميخا.

2- “في ذلك اليوم أيضا، يأتي إليك من المدن المحصنة…”.

وقد جاء بهاءالله من المدينة المحصنة في القسطنطينية إلى مدينة الحصن عكاء.

3- “في ذلك اليوم أيضا، سيأتي إليك.. من الحصن الى النهر…”

جاء بهاءالله من مدينة القلعة الى النهر القديم “نعمان” (Belus)، في شمال غرب فلسطين، عندما أطلق سراحه من السجن.

4- “في ذلك اليوم أيضا، يأتي إليك.. من بحر إلى بحر..”

وجاء بهاءالله عابرا البحر الأسود في نفيه الى القسطنطينية، وعبر البحر المتوسط في نفيه الأخير إلى الأرض المقدسة.

5- “في ذلك اليوم أيضا، سيأتي إليك.. من جبل إلى جبل…”.

وقد جاء بهاءالله من جبل سركلو في كردستان في وادي نهري دجلة والفرات “من بابل القديمة” الى جبل الكرمل، كرم الله في فلسطين.

وفي الآية التالية، يقول ميخا “وتصير الأرض خربة” عندما يأتي المخلص.

وقد وصفت عكاء في ذلك الوقت، بـ “أكثر المدن خراباً”، وبعد وصول بهاءالله الى تلك الأرض الجدباء “الخربة”، بدأت المنطقة تدريجيا “تتفتح كالزهرة”.

ثم يقول ميخا في الآية التالية، إن “الرب المخلص” “يطعم” قطيعه في “وسط الكرمل”.

أعلن بهاءالله على سفح جبل الكرمل ان كل النبؤات قد تحققت. فمركز ديانته العالمي (بيت العدل الأعظم)، شيّد “وسط الكرمل”، ومنه تخرج تعاليم بهاءالله الى جميع أنحاء الأرض “لتطعم” أمم وشعوب العالم.

في الآية التالية يقول ميخا أن الله سيعطي المخلص “أشياء مدهشة” لمدة أربعين سنة.

إمتدت مهمة بهاءالله أربعين عاما بالضبط، شارك خلالها ملوك وحكام العالم “الأشياء المدهشة” التي كشفها الله له.

تقول نبوءات ميخا، أنه في آخر الأيام “سيتأسس” “بيت الرب” في الجبل، و”ستجري” شعوب كثيرة اليه، و”ستخرج” “الشريعة” منه، وأن اسرائيل ستصبح “أمة قوية”.

أن “مثل هذه الكلمات ليست بحاجة الى تعليق”، حيث نجدها في تعاليم بهاءالله، فهي تدل على حقيقتها بنفسها؟”

فهل يوجد في التاريخ قصة أروع من هذه؟

كان من المتوقع أن ترفرف الأعلام وتعزف فرق الموسيقى وتغني قلوب وأفواه البشر فرحاً بوصول موعود كل الأزمنة على سفح جبل الله المقدس.

لكن ماذا حدث بالفعل؟

كتب بهاءالله عن وصوله الى ذلك السجن الفظيع قال:

” لا يعلم ما ورد علينا الا الله العزيز..”

كانت السنوات التسع الأولى من سجن بهاءالله في مستعمرة القصاص، عصيبة وخطيرة جدا، فكتب قائلا:

“ثمّ اعلم أنّ في ورودنا هذا المقام سمّيناه بالسجن الأعظم. ومن قبل كنّا في أرض أخرى تحت السّلاسل والأغلال [أي طهران]، وما سُمّي بذلك قل تفكّروا فيه يا أولي الألباب”

لكنه أكد على أتباعه قائلا “بما معناه مترجم عن الفارسية”:

“مع ابتلائي ببلايا لا تحصى .. أبلغنا الرؤساء واحدا تلو الآخر بما أراده الله، لتعلم الأمم أن البلاء لا يمنع قلم القدم، إنه يتحرك بإذن الله مصوّر الرمم. لا تخوفك جنود من على الأرض ولا تمنعك سطوة من عليها.”

كان قرار نفي بهاءالله الى عكاء مؤرخاً في 26 يوليو 1868، وقرأ الفرمان السلطاني علناً فور وصوله داخل الجامع الرئيسى للبلدة، كتحذير لسكان المدينة.

كان السلطان خائفا فيما يبدو من وقوع أهالي عكاء تحت تأثير جمال بهاءالله الساحر، كما حدث لأهالي بغداد وأدرنة. لذا صمم في هذه المرة، أن يكون بهاءالله وأتباعه موضع سخرية وبغض سكان المدينة، وكان عازما أن لا يخطىء هذه المرة.

حكم هذا الفرمان على بهاءالله وعائلته وأتباعه بالنفي الدائم، وفرض عليهم الحبس والعزل الشديد وحظر عليهم اتصال أحدهم بالآخر أو بالأهالي، وحرّض أهالي مدينة عكاء لإهانة واضطهاد بهاءالله وعائلته وأتباعه بكل طريقة ممكنة، بعد أن وصفهم بأعداء الله والشعب.

وبهذه التصرفات الحاقدة، دمغ السلطان بختمه على وثيقة إخماد مجده الظاهري. فقد قادت كل هذه الأحداث إلى هلاك الإمبراطورية التركية، “عرش الظلم”.

 


الفصل الحادي عشر

سقوط المملكة السادسة

مَنْ خَانَ اللهَ يَخَانُ السُّلْطَانَ

الجزء الأول: تحذير

كان خليفة المسلمين، سلطان الدولة العثمانية، يقرأ القرآن الذي تكمن فيه الوعود الإلهية كل يوم. ومع ذلك، تآمر مع شاه إيران في ثلاث مناسبات متعاقبة ضد الرسول الإلهي الذي جاء يدعو للإيمان؛ وكلما كانت تصل الى وزراء السلطان أي معلومة تخص حضرة بهاءالله وأتباعه، كانوا يحرفونها ويغيرونها في الحال إلى اتهامات زائفة، ويصورونهم للملك على أنهم “مصدر الأذى للعالم” ومستحقين لكل قصاص وعقاب.

ومن جملة نصائحه، كتب حضرة بهاءالله الى السلطان عبدالعزيز يحذره من هذه الأكاذيب:

” إِيَّاكَ يَا أَيُّهَا المَلِكُ لا تَجْمَعْ فِي حَوْلِكَ مِنْ هؤُلاءِ الوُكَلاءِ الّذِينَ لا يَتَّبِعُونَ إِلاّ هَواهُمْ وَنَبَذُوا أَمَانَاتِهِمْ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَكَانُوا عَلَى خِيَانَةٍ مُبِينٍ.”

كان حضرة بهاءالله مهتم جدا بمثل هؤلاء الوزراء الظالمين الذين وضعوا مصالحهم الشخصية فوق مصالح الملك ورعاياه، فكتب:

“إِيَّاكَ يَا أَيُّهَا المَلِكُ.. لا تَدَعِ النَّاسَ وَأُمُورَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ هؤُلاءِ . مَنْ خَانَ اللهَ يَخَانُ السُّلْطَانَ وَلَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ شَيْءٍ وَلَنْ يَتَّقِيَ فِي أُمُورِ النَّاسِ وَمَا كَانَ مِنَ المُتَّقِينَ”

شاهد حضرة بهاءالله بشكل جليّ مقدار انتشار فساد الذمم والأخلاق في امبراطورية السلطنة. وكان يعرف كم يعاني الفقراء على أيدي وزراء البلاد الجشعين الفاسدين. وأكد بشدة على هذا الخطر العظيم في رسالته للسلطان عبدالعزيز، قائلا:

“إِنَّ الّذينَ تَجِدُ قُلُوبَهُمْ إِلَى غَيْرِكَ فَاحْتَرِزْ عَنْهُمْ وَلا تَأْمُنْهُمْ..وَلا تَجْعَلِ الذِّئْبَ رَاعِيَ أَغْنَامِ اللهِ وَلا تَدَعْ مُحِبِّيهِ تَحْتَ أَيْدِي المُبْغِضِينَ.. وَلا تَتَّبِعْ سُنَنَ الظَّالِمِينَ”.

نصح بهاءالله، الملك أن يكون مسؤولا بنفسه عن مصالح شعبه، وحذره أن لا يسمح للآخرين بالاستيلاء على سلطته واستغلالها بطريقة ظالمة لاضطهاد من هم أدنى منهم.

“خُذْ زِمَامَ أَمْرِكَ فِي كَفِّكَ وَقَبْضَةِ اقْتِدَارِكَ ثُمَّ اسْتَفْسِرْ عَنْ كُلِّ الأُمُورِ بِنَفْسِكَ وَلا تَغْفَلْ عَنْ شَيْءٍ وَإِنَّ فِي ذلِكَ لَخَيْرٌ عَظِيمٌ.. وَشُكْرُكَ رَبَّكَ هُوَ حُبُّكَ أَحِبَّاءَهُ وَحِفْظُكَ عِبَادَهُ وَصِيَانَتُهُمْ عَنْ هَؤُلاءِ الخَائِنِينَ، لئَلاَّ يَظْلِمَهُم أَحَد”.

لكن جميع هذه التحذيرات ذهبت أدراج الرياح، فالسلطان كان منغمس بشدة في أهوائه الذاتية بعيدا عن اهتماماته بشؤون رعيته، موكلا أمور رعيته بين أيدي بعض السياسيين الجشعين عديمي الأخلاق، من الذين كانوا يؤكدون له على الدوام إستقرار الأحوال وازدهار الأمور كما كان يشتهي. لكن ما حدث في الواقع، أن طمعهم وظلمهم أسقطهم الى الدركات السفلى ساحبين معهم السلطان وعرشه.


اتركوها لله وللزمن وسوف يحكم بيننا

الجزء الثاني: المدينة المتينة

زادت نداءات حضرة بهاءالله لحكام العالم بشدة وتكثفت خلال هذه “الأيام القاسية”. فكلما زادت معاناة حضرته، زادت قوة نداءاته للعالم للنهوض وازالة كل أشكال الظلم والضرر. وكتب:

“يا مَعْشَرَ المُلُوكِ إِنَّا نَرَاكُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ تَزْدادُونَ مَصَارِفَكُمْ وَتُحَمِّلُونَها عَلَى الرَّعِيَّةِ إِنْ هذا إِلاَّ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، اتَّقُوا زَفَرَاتِ المَظْلُومِ وَعَبَرَاتِهِ وَلا تُحَمِّلُوا عَلَى الرَّعِيَّةِ فَوْقَ طاقَتِهِم”

وفي إحد أكثر كتاباته شجباً للملوك من أمثال عبدالعزيز، سلطان تركيا الظالم، كتب حضرته:

” وَلا تُخْرِبُوهُمْ لِتَعْمِيرِ قُصُورِكُمْ، أَنِ اخْتَارُوا لَهُمْ ما تَخْتَارُونَهُ لأَنْفُسِكُمْ كَذلِكَ نُبَيِّنُ لَكُمْ ما يَنْفَعُكُمْ إِنْ أَنْتُمْ مِنَ المُتَفَرِّسِينَ”

وطالب قادة البشر بالانتباه إلى رعاياهم على أنهم أهم وأغلى ممتلكاتهم:

” يا ملوك الأرض.. إِنَّهُمْ خَزَائِنُكُمْ إِيَّاكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ ما لا حَكَمَ بِهِ اللهُ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُسَلِّمُوها بِأَيْدِي السَّارِقِينَ، بِهِمْ تَحْكُمُونَ وَتَأْكُلُونَ وَتَغْلِبُونَ وَعَلَيْهِمْ تَسْتَكْبِرُونَ إِنْ هذا إِلاَّ أَمْرٌ عَجِيبٌ”

إن دفاع حضرة بهاءالله الشديد عن حقوق الفقراء والمظلومين أمام حكام الأرض الأقوياء، كان أحد الأحداث المهمة التي سبق وتنبأت عنها الكتب المقدسة قديما. فلقد ورد في العهد القديم:

“احمدوا الرب الذي ضرب ملوكا عظماء والذي في مذلتنا ذكرنا ونجانا من أعدائنا”

لقد فعل حضرة بهاءالله ذلك بالضبط، فلقد حان وقت خلاص جميع البشر من مثل هؤلاء الأعداء.

لقد حانت ساعة “قصاص” هؤلاء الملوك العظام.

وبالرغم من جميع تحذيرات بهاءالله، سمح السلطان عبدالعزيز لوزرائه الاستمرار باضطهاد السجين وأتباعه متجاهلا جميع نصائحه. عندها.. تنبأ حضرته بالجزاء المحتوم الذي سيلحق بالملك، مذكرا إياه بهذه الكلمات:

“ومع ذلك زادت غفلتكم وكذلك سُلِّطَ عليكم الوباء ولم تتنبّهوا ولكن عليكم أن تترقّبوا لأنَّ الغضب الإلهيّ لبالمرصاد وعن قريب ستشاهدون ما صدر من قلم الأمر”

إن كلمات حضرته لقادة العالم، أوضحت بدون شك، أن هذا الصراع العالمي الخطير الذي شمل ممالك بأكملها، لم يكن خلافا بينه وبين أصحاب السلطة، بل هو تصادم عالمي بين الذين يحبون الأمور الإلهية وبين أولئك الذين يحبون الأمور المادية. إنها معركة لا مفر منها بين القوى المادية والقوى الأخلاقية، إنه صراعٌ عالمي بين المادة والروح، بين الظلم القديم من جهة والعدل الحقيقي من جهة أخرى.

ان جميع المآسي التي غمرت العالم اليوم، ظهرت بسبب ابتعاد الانسان عن الله وانغماسه في المادية البحتة تماما، وبسبب انتصار طبيعته الحيوانية؛ وإلى أن يرجع إلى الله، فإنه سيبقى يعانى باستمرار مآسي عظيمة ومصائب شديدة. لهذا السبب نادى حضرة بهاءالله الملوك لمد يد المساعدة له لإنقاذ الإنسانية من هذه الكارثة المخيفة التي تهددهم. فدوره هو التوجيه والإرشاد، وعلى حكام الوقت.. القيادة.

لقد تحدى حضرته السلطان ووزرائه ورجال دينه ودعاهم لتفحص التعاليم البهائية بعقل مفتوح. وأوضح أنه إذا كان هذا الدين حق، فلن يستطيع أي ملك منع إشراقه. فليس بإمكان أي إنسان منع شمس يوم جديد. وأشار أيضا، أنه إذا لم يكن هذا الدين حق، فإن تفحص السلطان والوزراء ورجال الدين الشامل، ستكشف حقيقته الكاذبة فوراً وسيكون من السهل عليهم دحضه ومحوه.

فما هو سبب خشيتهم من التفحص وإجراء تحقيق صادق؟!

كتب بهاءالله:

“يا ملأ المبغضين إن كان هذا الأمر حق من عند الله لن يقدر أحد أن يمنعه، وإن لم يكن من عنده يكفيه علمائكم والذين هم اتبعوا اهوائهم وكانوا من المعرضين”.

لم يكن السلطان عبدالعزيز مهتما بالتحري عن أي شيء قاله بهاءالله. كان مهتما فقط بإسكات حضرته بالسرعة الممكنة. لذلك وقّع السلطان على الفرمان الذي أرسله إلى سجن عكاء، عسى أن يضع حداً لذكراه.

وحتى آخر لحظة، كان حضرة بهاءالله يحاول فتح عيون الملك ورجال الدين لمشاهدة تحقق الوعود العظيمة في كتبهم المقدسة. لقد جيء بحضرته إلى “المدينة المحصنة”، كما سمّاها داود النبي، بأمر وفرمان من السلطان؛ ولقد أشار حضرته بأن هذه واحدة من أصغر النبؤات التي تحققت بأيدي أعدائه.

هذه الكلمات قالها حضرته للجميع بكل بساطة ووضوح:

” أتركوها لله وللزمن وسوف يحكمون بيننا ”


” قريبا سنأخذ أميرهم الذي يحكم على البلاد “

الجزء الثالث : قرع للطبول

خليفة رسول الإسلام والحاكم المطلق للإمبراطورية القوية، السلطان عبدالعزيز، كان أول من تلقى قصاص العدل الإلهي من بين ملوك الشرق. فلم يكتف بهاءالله بإرسال تحذير شفهي لملك تركيا ووزرائه فقط، بل دوّنها كتابة أيضا بلهجة صريحة شديدة حتى يقرأها الناس في كل زمان، متنبئاً بسقوطه الوشيك.

كان كل من رئيس الوزراء عالي باشا، ووزير الخارجية فؤاد باشا، والسفير الإيرانى ميرزا حسين خان، يتآمرون على تنفيذ النفي المتكرر لبهاءالله.

بالنسبة لفؤاد باشا، فقد وصفه حضرة بهاءالله، بـ “المحرض” وراء النفي الرابع والأخير الى سجن عكاء. وكان هذا يشجّع رفيقه المتآمر “عالي باشا”، سعياً لتوثيق العلاقات السياسية مع إيران، من خلال إثارة مخاوف وشكوك السلطان عبدالعزيز الذي لم يكن بحاجة إلا إلى قليل من الحث والتشجيع.

لم يكن هناك غموض أو إبهام في كلمات بهاءالله المباشرة لوزراء الدولة التركية هؤلاء، بل كان تحديا واضحاً؛ ومن خلالهم حذر أيضا جميع القادة في مراكزهم المشابهة عن عاقبة الظالمين عديمي الضمير في حالة تخليهم عن شعوبهم التي وثقت بهم. فتفضل حضرته قائلا:

“قُلْ يَا أَيُّها الوُكَلاءُ يَنْبَغِي لَكُمْ بِأَنْ تَتَّبِعُوا أُصوُلَ اللهِ في أَنفُسِكُم وَتَدَعُوا أُصُولَكُمْ وَتَكُونُنَّ مِنَ المُهْتَدِينَ. فَسَوْفَ تَجِدُونَ مَا اكْتَسَبْتُمْ فِي الحَيٰوةِ البَاطِلَةِ وَتُجْزَوْنَ بِمَا عَمِلْتُمْ فِيهَا”

وأضاف هذه الكلمات أيضا:

“سَتَمضي أَيَّامُكُمْ وكُلُّ ما اَنْتُم تَشتَغِلُونَ بِهِ وبِهِ تَفْتَخِرُونَ عَلَى النَّاسِ.. وَهَذا مِنْ يَوْمِ الّذي يَأْتِيكُمْ وَالسَّاعَةِ الَّتي لا مَرَدَّ لَهَا”

كان فؤاد باشا، أول من عانى آلام الانتقام. ففي خلال عام بعد وصول بهاءالله إلى مدينة السجن عكاء، طُعن وزير الخارجية خلال رحلة إلى باريس، ومات في مدينة نيس. وهكذا هلكت مكائده وطموحاته معه.

وجه بهاءالله خطابه الثاني إلى رئيس الوزراء التركي عالي باشا، ووصفه بأنه من طراز القادة الذين يستنكرون ويضطهدون رسل الله في كل زمان. كان عالي باشا يعتبر نفسه مثل ناصرالدين شاه، ملك إيران، أمل تركيا. كان يأمل من برنامجه العصري أن يجعل من الإمبراطورية المتهالكة والآيلة للسقوط أمة قوية وبعيدا عن ضعف ودكتاتورية السلطان، فإن هذا البرنامج كان من المفترض أن يعطي الحكومة الكثير من القوة والتحكم.

تنبأ بهاءالله بدمار رئيس الوزراء عالي باشا، وحذره من الانخداع بنفوذه الحالي ومركزه العالي، وطلب منه تأمل مغزى وفاة زميله المبكر والحذر منها. وحذره والسلطان، بالكوارث التي ستضربهما قريبا. فقد كتب بوضوح عن المأسي الوشيكة الحدوث، حتى يعلم العالم كله أنه تنبأ بسقوطهما. فكتب يقول:

“سوف نعزل الذى كان مثله (عالي باشا) ونأخذ أميرهم الذى يحكم على البلاد (السلطان عبد العزيز)”

وتحققت النبوءة الدرامية بدون سابق إنذار.ففجأة.. جُرّد عالي باشا من جميع سلطاته، وعزل من منصبه ثم مات بعد ذلك بقليل في نسيان تام. وأصبحت حياته السياسية التي كان يأمل منها أن تكون (أمل تركيا)، حياة قصيرة.

وتنبأ أيضا بخصوص مدينة أدرنة. فوصف المآسي التي ستقع عليها وعلى سكانها، ليس بسبب استخفاف السلطان ووزراءه بمبدأ العدل فقط، بل بسبب استخفاف سكانها أيضا.

إن كلمات بهاءالله، لها صدى اليوم مثل قرع الطبول:

“فَسَوْفَ تُبَدَّلُ أَرْضُ السِّرِّ (أدرنه) وَما دُونَها وَتَخْرُجُ مِنْ يَدِ المَلِكِ وَيَظْهَرُ الزِّلْزالُ وَيَرْتَفِعُ العَوِيلُ وَيَظْهَرُ الفَسَادُ فِي الأَقْطار”

وتنبأ بهاءالله أيضا:

” وَتَخْتَلِفُ الأُمُورُ بِما وَرَدَ عَلَى هؤِلاءِ الأُسَرَاءِ مِنْ جُنُودِ الظَّالِمِينَ، وَيَتَغَيَّرُ الحُكْمُ وَيَشْتَدُّ الأَمْرُ عَلَى شَأْنٍ يَنُوحُ الكَثِيبُ فِي الهِضَابِ وَتَبْكِي الأَشْجَارُ فِي الجِبالِ وَيَجْرِي الدَّمُ مِنْ كُلِّ الأَشْياءِ وَتَرى النَّاسَ فِي اضْطِرابٍ عَظِيمٍ”

وأعاد بهاءالله الى ذاكرة الخليفة العثماني السلطان عبدالعزيز، رأس عائلة آل عثمان، ما آل إليه مصير أقرانه الحكام. فلقد تجاهل مرة تلو الأخرى احتياجات ومتطلبات الوضع الحالي. حيث أنه لم يكن يتأثر بمعاناة شعبه، وكان لا يحبذ تماما أي اقتراحات للاصلاح تأتيه من القلم الأعلى للسجين. وحتى لا يلتبس على السلطان معنى كلمات بهاءالله، تفضل مصرحاً:

“وَسَوْفَ يَأْخُذُكُمْ بِقَهْرٍ مِنْ عِنْدِهِ وَيَظْهَرُ الفَسَادُ بَيْنَكُمْ وَيَخْتَلِفُ مَمالِكُكُمْ، إِذاً تَنُوحُونَ وَتَتَضَرَّعُونَ وَلَنْ تَجِدُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ مُعِينٍ وَلا نَصِير”

ومثلما حدث لنابليون الثالث وبقية الملوك، تحققت هذه النبؤة بسرعة مخيفة. فلقد تجمعت عوامل انهيار الدولة بسبب طريقة الحكم الفاسدة. وفي معاملة السلطان عبدالعزيز لحضرة بهاءالله، نموذجا فريدا لذلك. فلم تكن لديهم رغبة للثقة بالله. لقد ذكرنا في هذا الكتاب من قبل الأحداث التي تلت ذلك.

وبدون سابق إنذار أسقطت ثورة البلاط الحكومة الملكية. وأُقـتيد السلطان الذي كان يعتبر بذاته شخصاً مقدساً، بأيدي فظة قاسية ووضع في السجن. وقام الثوار بعزله لصالح إبن أخيه “عبدالحميد” الذي كانوا يعتقدونه الأنسب في الحكم. وكانت المشكلة المتبقية هي، ماذا يفعلون بالملك المخلوع، فلقد أصبح رأس السلطة الدينية والمدنية مشكلة حقيقية بالنسبة لهم.

أخيراً.. تم حلّ هذه المشكلة بنفس الطريقة التي كان يحل بها السلطان عبدالعزيز مشاكله. ففي صباح أحد الأيام، طرق سمع السلطان البائس وهو في زنزانته صوت خطوات تدخل غرفته التي احتجز فيها. وكان ذلك آخر شيء يسمعه…!

 


“أن يا ملأ المدينة اتّقوا الله”

الجزء الرابع : سقوط المملكة السادسة

خلال ولاية السلطان عبدالحميد الثاني، ازدادت الانتفاضات عنفاً وقوة. وفي النهاية، في عام 1909م، تقدم الى العاصمة للثأر، جيش أرسلته جمعية اتحاد تركيا الفتاة من سالونيكا، فعاقبت كل من عارض خططها الإصلاحية، واتخذت خطوات للتعامل مع السلطان عبدالحميد الثاني نفسه. فتخلى أصدقاء السلطان عنه، وأدين من قبل مرؤوسيه. فلقد كان مكروها من نظرائه ملوك أوروبا، وأجبر على التنازل عن العرش. وكسابقه السلطان عبدالعزيز، أصبح سجين الدولة، ثم نفي نفياً أبدياً. وهكذا عانى السلطان من نفس العقوبات التي تعرض لها عمه جزاء أيذائه لبهاءالله وعائلته. أما الوزراء الملكيين الذين شجعوا الملوك على ظلمهم وتربحوا من تصرفاتهم، فكان ينتظرهم مصيرا فظيعا. ففي يوم من أيام عام 1909، اعتقل ما لا يقل عن 31 وزيراَ وموظفاً كبيراً، واقتيدوا جميعا للمشانق، وكان بينهم عدد من أكثر أعداء دين بهاءالله. وحتى في مدينة القسطنطينية نفسها، التي سبق وأضفي عليها من قبل لقب المدينة الباهرة للإمبراطورية الرومانية، ولاحقا أصبحت عاصمة الإمبراطورية العثمانية، فلقد استبدلتها الثورة بمدينة أنقرة، ولم تعد عاصمة الدولة. وهكذا.. جردت من مجدها ومن عظمتها، واستبدل حتى اسمها ليصبح استنبول.

إن ما انتهى اليه مصير القسطنطينية، يستحضر الى الأذهان بشدة كلمات بهاءالله. فلقد تحدث عن الحالة التي وجد عليها مدينة القسطنطينية وأهلها عندما وصلها كسجين منفي:

“فَلَمَّا وَرَدْنَا المَدِينَةَ وَجَدْنَا رُؤَسَاءَهَا كَالأَطْفَالِ الَّذينَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الطِّينِ لِيَلْعَبوا بِهِ وَلِذَا بَكَيْنَا عَلَيْهِمْ بِعُيُونِ السِّرِّ لارْتِكَابِهِمْ بِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِغْفَالِهِم عَمَّا خُلِقُوا لَهُ”

لم يكن بين أهل القسطنطينية مستمع، لذا حذر بهاءالله تلك المدينة بأنها ستنال الإنتقام الإلهي:

“فَسَوْفَ يُظْهِرُ اللهُ قَوْماً يَذْكُرُونَ أَيَّامَنا وَكُلَّ مَا وَرَدَ عَلَيْنَا وَيَطْلُبُونَ حَقَّنَا عَنِ الّذينَ هُمْ ظَلَمُونَا بِغَيْرِ جُرْمٍ وَلا ذَنْبٍ مُبِينٍ وَمِنْ وَرَائِهِمْ كَانَ اللهُ قَائِماً عَلَيْهِمْ وَيَشْهَدُ مَا فَعَلُوا وَيَأْخُذُهُمْ بِذَنْبِهِمْ وَإِنَّهُ أَشَدُّ المُنْتَقِمِينَ”.

لقد فقدت اسطنبول مكانتها العالية التي استمرت لستة قرون متوالية بلا انقطاع كعاصمة لامبراطورية عريضة لا تضاهى معنويا وفعليا. لقد انتهت الامبراطورية العثمانية. وقرر الثوار معاقبة العاصمة أيضا، واعلنوا أنها لن تكون بعد الآن مركز الظلم وإبتزاز لأموال والأرواح. فهجرت مساجد العاصمة، وتحول “مسجد آية صوفيا” الذي كان أفخرها وأجملها إلى متحف، بل واستبعدت من البلاد حتى اللغة العربية، لغة الرسول.

رنت كلمات بهاءالله بوضوح عند من لديهم “آذان ليستمعوا بها”:

“يا أيّتها النّقطة الواقعة في شاطي البحرين قد استقرّ عليك كرسيّ الظّلم واشتعلت فيك نار البغضآء على شأن ناح بها الملأ الأعلى والّذين يطوفون حول كرسيّ رفيع، نرى فيك الجاهل يحكم على العاقل والظّلام يفتخر على النّور وإنّك في غرور مبين، أغرّتك زينتك الظّاهرة سوف تفنى وربّ البريّة وتنوح البنات والأرامل وما فيك من القبآئل كذلك ينبّئك العليم الخبير”

كم يبدو كلام بهاءالله مماثلاً لكلام المسيح المضطهد تجاه أورشليم، حيث قال: “لأنكِ لم تعرفي زمان افتقادك”

عندما نُقلَت العاصمة التركية الجديدة إلى أنقرة، كانت هي الضربة الأخيرة والنهائية. وبذلك هوت القسطنطينية “قبة الإسلام”، التي مجّدها الامبراطور قسطنطين كـ “روما جديدة”، والعاصمة الرفيعة لكل من الرومان والمسيحية، ومجدت باعتبارها “عرش خلفاء الإسلام”.. نزلت إلى مرتبة المدن العادية، وجردت من كل أبهتها وخيلائها وسنائها، وأصبحت مناراتها العالية الرشيقة، مثل شاهد على قبر أبهتها وروعتها التي بادت.

وسقطت المملكة السادسة.

 


الفصل الثاني عشر

لا حاجة للسؤال بمحضر من أقف

الجزء الأول  : جبل الكرمل

كان سجين عكاء قد فاز في المعركة الروحية ضد مضطهديه حتى قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية بوقت طويل. فبرغم نجاح رجال السياسة الفاسدين في القسطنطينية في نشر الافتراءات والأكاذيب وتحريض العامة والمسؤولين ضده حتى قبل وصوله، إلا أن تعاقب السنين أعطت أهالي عكاء فرصة التعرف على زائرهم. ورغم أن قلة قليلة منهم أدركت حقيقة مهمته، إلا أن صبره وحلمه وحكمته، أسرت أقسى قلوب سكانها، فأعتبروه قديساً بارك بوجوده الإقليم بأتمه.

إن فرمان النفي لم يبطل أبدا، لكنه أصبح مجرد أمراً ميتاً. فبهاءالله كان سجيناً شكلياً، حيث فتحت له أبواب مدينة السجن بأمر حكام عكاء أنفسهم بعدما أدركوا مقامه العظيم.

أخيرا.. أصبح بهاءالله حراً وباستطاعته الخروج من أبواب المدينة للتمشي على جانب جبل الكرمل، وهناك أختار الموقع المستقبلي لمرقد مبشره حضرة الباب. فقد رتب بنفسه عملية نقل الرفات المقدسة من إيران إلى الأراضى المقدسة.

وبالتدريج أدرك كل الناس براءة بهاءالله من التهم المنسوبة إليه، ونفذت روح تعاليمه الحقيقية ببطء عبر الحواجز السميكة من اللامبالاة والتعصب الأعمى للناس.

وقام الشيخ محمود، رجل الدين المسئول في عكاء، المشهور بتعصبه الأعمى في محاربة دين بهاءالله، باعتناق الدين البهائي واشتعلت حماسته ليصنف ويجمع العديد من النبوءات المتكررة في الكتابات الإسلامية المرتبطة بمغزى مدينة عكاء وزائرها. وفي غضون سنوات قام بعض رجال الدين من جميع الأديان بالسير على نهجه. واضافة الى المسلمين، سعت مجموعة من مثقفي المسيحيين واليهود للدخول في محضره.

فزار البروفسير براون من جامعة كامبردج بهاءالله وتشرف بمحضره في أربعة مقابلات متوالية. وكتب يخبر أحد أصدقائه عن تلك الساعات قائلا: “الواقع أنّه كانت تجربة غريبة ومثيرة، ولا أمل لي في أن أنقل إليك من تأثيراتها شيئاً ذا بال”

ووصف إحدى مقابلاته مع بهاءالله في هذه الكلمات:

(أمّا الوجه الّذي طالعني فلا يمكنني أن أنساه، وإن كنت لا أستطيع أن أصفه.. ولم أكن بحاجة إلى أن أسأل أحدًا في محضر من وقفت. وانحنيت بين يدي من يحيطه من المحبة والوفاء ما يحسده عليهما الملوك والأباطرة..)


سيحطم أغلال أعناق الناس

الجزء الثاني : مركز الميثاق

رحل حضرة بهاءالله عن هذا العالم في بيت خارج مدينة عكاء في 29 مايو 1892م، بعدما تحققت مهمته. ومع أن شريحة من أتباعه لم تكن مدركة لمدى أبعادها في وقتها، إلا أنه وضع أساساً لمجتمع عالمي سيزود العالم بنموذج “نظام جديد في العلاقات الإنسانية” والذي سبق ورفضه الملوك بشدة.

كان الناس في عكاء مدركين أنهم فقدوا من وسطهم شخصية عظيمة لا بديل عنها. فاحتشد جمع غفير من مختلف الأديان والمذاهب في الحقول المحيطة ببيت حضرة بهاءالله. وكتب شاهد عيان قائلا: “حشد كبير من مواطني عكاء والقرى المجاورة شوهدوا وهم يبكون ويضربون رؤوسهم ويصرخون من حزنهم”.

في “وصية عهده” الخطية، عيّن حضرة بهاءالله، حضرة “عبد البهاء”، المبين الوحيد لتعاليمه، ومركزا لعهده وميثاقه.

حمل حضرة عبدالبهاء، نداء بهاءالله لشعوب وقادة العالم، وسافر إلى أوروبا وأمريكا في عام 1911م وعام 1912م محاولا إيقاظ العالم من الأخطار التي تهدده.

عند وصول حضرة بهاءالله الى مدينة السجن، ذكر أنه قال لحضرة عبد البهاء: “سأهتم بكتابة الأوامر والنصائح لمستقبل العالم الآن؛ واترك لك وظيفة استقبال الزوار وخدمة الناس”.

ورد في المزامير عن اليوم الذي سيؤسس فيه “يهوه” هذا العهد “لكل الأجيال” عندما “يفرق أعداءه” و”يسحق خصومه”: “قطعت عهدا مع مختاري.. أن أجعل بكري أعلى من ملوك الأرض.. ويثبت عهدي له.. يثبت معه مثل القمر الى أبد الدهر”

لم يكن حضرة عبدالبهاء، رسولا أو “مظهراً إلهياً” مثل حضرة بهاءالله أو المسيح أو بقية مؤسسي الأديان العظيمة. أن دوره في التاريخ الروحاني الإنساني، يعتبر لغزاً. فمن جهة تعتبر حياته أعظم مثال يحتذى به من قبل المؤمنين بالدين البهائي، فهو الدليل على أن تعاليم حضرة بهاءالله هي أسلم وأبدع طريقة ليحيا من خلالها البشر عصراً جديداً. ومن جهة أخرى، فان حضرة عبدالبهاء هو المصمم لنظام المؤسسات الإدارية كما أبدعها وخططها حضرة بهاءالله، وهو المشرف على تكوين أول هذه الكيانات الديمقراطية المختارة على النهج الذي صممه والده. فلأول مرة في التاريخ، يقدم رسول إلهي مبادئ إجتماعية ومؤسسات نموذجية إضافة إلى التعاليم الروحانية. وبسبب هذا الدور الفريد الذي منحه قلم حضرة بهاءالله الأعلى، احترمه ووقره جميع البهائيين في كل مكان.

إن قصة وفود حضرة بهاءالله، “مجد الرب” إلى جبل الكرمل في الأرض المقدسة لتأسيس ميثاق عهده مع الناس لكل الأزمنة، هو أمر جميل جداً وقوي بحيث يكون من المستحيل إبعاد أصداء كلمات إشعيا في الكتاب المقدس:

“ويأتي الفادي الى صهيون.. أما أنا فهذا عهدي معهم قال الرب.. قومي استنيري لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليك لأنه هاهي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم. أما عليك فيشرق الرب ومجده عليك يُرى.. لأن الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد وخراباً تخرب الأمم.. وتعرفين إني أنا الرب مخلصك ووليك”

في عكاء.. وصل الاضطهاد الذي بدأ على يد عبدالعزيز إلى ذروته على يد وريثه عبدالحميد الثاني قبل سقوط السلطنة العثمانية. لكن عبدالبهاء رفض السماح لهذه التهديدات الجديدة بإعاقته عن الاستمرار في مساعدة المرضى والمحتاجين. ففي كل يوم كان يزور اليتامى والمرضى والفقراء. وطوال حياته، رفض بهدوء السماح لمشاكله الخاصة أن تقطع زياراته الشخصية لهؤلاء النفوس التي كانت بحاجة لمساعدته.

في ليلة مبكرة من شتاء 1907، حلم حضرة عبد البهاء حلماً رواه لأصدقائه، فقد رأى سفينة تلقي بمرساها في عكاء، ثم تطير منها بعض الطيور؛ وعندما اقتربت من حضرته، أتضح له أنها تشبه أعواد الديناميت. تقدمت هذه الطيور وراحت تحوم فوق رأسه. وكان حضرته واقفا بين حشد كبير من الناس يملأهم الذعر والخوف. وفجأة.. رجعت الطيور لسفينتها دون أن تنفجر.

بعد عدة أيام.. ظهرت من بعيد، سفينة في الأفق رست في ميناء حيفا، كانت تحمل لجنة ملكية جديدة جاءت من القسطنطينية، مؤلفة من أربعة ضباط تحقيق يرأسهم “عارف بك”، ومن بينهم من هو عدو لحضرة بهاءالله ودينه، وكانت تحمل كافة التفويضات المطلوبة للتخلص من حضرة عبدالبهاء نهائيا وبأي طريقة تراها مناسبة.

وعلى الفور.. تحفظت اللجنة على جميع مكاتب التلغراف والخدمات البريدية في حيفا وحجرت عليها، وصرفت منها أي موظف اشتبه بأنه صديق لحضرة عبدالبهاء، ومن ضمنهم حاكم المدينة. ثم قامت بوضع حراس على منزل حضرته. فشجعت مظاهر القوة هذه أعداءه لحضور جلسات اللجنة للقيام بدورهم في ضمان سقوطه. وبسبب الخوف من انتقام المحققين، تخلى عنه حتى بعض الفقراء الذين كان يساعدهم بمنتهى الكرم لوقت طويل.

مرة أخرى راحت تنتشر الأخبار في حيفا وعكاء عن مصير عبدالبهاء وأنه سيؤخذ كسجين على متن السفينة، وقد يلقى به في أعماق المحيط أو يتم نفيه في رمال أفريقيا أو حتى تسميره على أبواب عكاء.

لم يهتز هدوء حضرته، وقال لبعض الأحباء الذين بقوا في عكاء: “إن معنى الحلم الذي حلمته أصبح واضحا الآن.. أرجوك يا إلهي لا تجعل الديناميت ينفجر”.

 


“لأني عامل عملا في أيامكم لا تصدقون به أن أخبر به” سفر حبقوق1/5

الجزء الثالث: سلاح الله

في إحدى الأمسيات، قبل وقت الغروب، رفعت السفينة التي كانت راسية في حيفا مرساتها وتوجهت إلى عكاء. فانتشرت الأخبار بسرعة مرة أخرى: “لقد ركبت اللجنة السفينة. ومن المتوقع أن يتوقفوا وقتاً كافياً في عكاء ليأخذوا عبدالبهاء معهم.

أحاط الكرب والغم عائلة حضرة عبدالبهاء. وناح المؤمنون الذين أمرهم بترك المدينة بشدة من فكرة الافتراق عنه. في تلك اللحظات المفجعة، شوهد حضرته في حديقة بيته وهو يعتني بأزهارها في صمت وسكون.

بعد غروب الشمس وعتمة السماء، كانت أنوار السفينة تبدو واضحة للعيان وهي تتقدم من بعيد.

فجأة.. اذا بها تهتز وتتمايل وتغير اتجاهها بعيدا، فاتضح انها تبحر نحو القسطنطينية.

لم ينفجر الديناميت! بل بالأحرى انفجر نوع آخر منه. فلقد ثار أعضاء حزب “تركيا الفتاة” في العاصمة وسحقوا كل مقاومة ملكية، وتم خلع السلطان عبدالحميد ووضع مكانه ملك صوري آخر. وبدلا من أن تأخذ السفينة حضرة عبدالبهاء إلى موت محقق، أخذت إلى القسطنطينية ذات أعضاء لجنة التحقيق الذين حاولوا إدانة حضرته، ليلقوا حتفهم هناك.

إن السلاح الذي رفعه ثوار حزب تركيا الفتاة، لم يبعد التهديدات عن رأس حضرة عبدالبهاء فقط، بل حرره أيضا من سجن دام أكثر من خمسين عاما. بدأ هذا الحبس، عندما كان حضرته طفلا بعمر تسع سنوات فقط، وانتهى وهو في سن الرابعة والستين.

حمل حضرة عبدالبهاء، دين حضرة بهاءالله، إلى أفريقيا وأوروبا وأمريكا. هذه الرحلات التبليغية ستظل للأبد فريدة في سجلات الأحداث الدينية التاريخية.

تخيلوا..! إبن رسول إلهي يزور ويخطب في الكاتدرائيات والكنائس والكُنس، وفي المدارس والجامعات، ويحاور رؤساء البلديات والقادة والمثقفين والفلاسفة والعلماء..ويدخل بيوت المليونيرات وأحياء الفقراء!.

استضيف حضرة عبدالبهاء من قبل الأمراء والمهراجا والنبلاء. وتكلم مع كبار رجال الدين في كل من إنجلترا وأمريكا، ومع الثيوصوفيين، اللاأدريين، الماديين، الروحانيين، علماء المسيحية، المصلحين الاجتماعيين، الهندوس، الصوفيين، المسلمين، البوذيين، الزردشتيين. كما تكلم مع الكاثوليك والبروتستانت واليهود. وأيضا مع وزراء الدول والسفراء وأعضاء الكونجرس والبرلمانات، والتقى وزراء الدول وعمداء الجامعات ومشاهير العلماء وقواد الجيش وكبار شخصيات المجتمع. جميعهم التقوا به واستمعوا لرسالته الداعية إلى الوحدة.

ولمدة ثمانية أشهر طوال، سافر عبدالبهاء من الساحل إلى الساحل عبر الولايات المتحدة وكندا، معلنا عن دين والده من فوق المنابر والمنصات ووسائل الصحافة. وبصرف النظر عن كل ما سيحمله المستقبل من أحداث ووقائع، فمن المستحيل على أي انسان القول أنه لم تسنح له فرصة السماع عن الظهور الإلهي في عصرنا.

لماذا لم يسمع الملايين، بدل الآلاف، حتى يؤمنوا؟

ربما نجد مفتاح السرّ في سفر حبقوق الذي تنبأ: “لأن الأرض تمتلئ من معرفة مجد الرب كما تغطي المياه البحر”. وقال أيضا: “.. انظروا بين الأمم وأبصروا وتحيروا حيرة، لأني عامل عملا في أيامكم لا تصدقون به إن أخبرتم به”

أثناء الحرب العالمية الأولى، كتب حضرة عبدالبهاء عمله التاريخي، “ألواح الخطة الإلهية”، حيث نادى من خلالها أتباع حضرة بهاءالله بحمل رسالة اتحاد العالم والعدل الاجتماعي لكل ركن من أركان الكرة الأرضية مهما بعدت. فاستجاب الآلاف وتأسس مجتمع حضرة بهاءالله الآن على أكثر من 130,000 مركز وفي أكثر من 350 أمة مستقلة وأقليم رئيسي. ورغم أن هذه الأرقام دونت الآن، إلا أن هذه الاحصائية ستعتبر قديمة، لأن الدين البهائي ينمو بسرعة.

من الملفت للانتباه أن دارسو الكتب المقدسة السابقة، بدأوا يظهرون اهتماما بكلمات النبي دانيال بعدما وجدوا لها تحققا مثيراً في قصة حضرة بهاءالله. لم يتنبأ دانيال فقط بسقوط الملوك، بل تنبأ أيضا: “وفي أيام هؤلاء الملوك “الطالحين”، يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبدا.. وهي تثبت إلى الأبد”.147

وعن هذه الفترة التي صور دانيال حدوث هذه الأمور فيها، قال عدد من علماء الإنجيل، إنه لابد وأنها استهلت في 1844م، ذات السنة التي ولد فيها الدين البهائي.

وقال حضرة عبدالبهاء عند سقوط عبدالحميد:

“نزع الله الأغلال من عنقي ووضعها حول عنق السلطان عبدالحميد. حدث ذلك بغتة وفي مدة قصيرة، وفي نفس الساعة التي أعلن حزب “تركيا الفتاة” الحرية وأطلقت لجنة الاتحاد والترقي سراحي. رفعوا الأغلال عن عنقي ورموها حول عنق عبدالحميد. إن ما فعله معي انعكس عليه”

أما بشأن السلاح الذي أطلقته ثورة تركيا الفتاة بهذا الشكل القوي، قال عنه حضرته:

“كان ذلك سلاح الله”.

 

 


الفصل الثالث عشر

سقوط الممالك في كل مكان !

“أن يا أيها الملوك، قد مضت عشرون من السنين”

الجزء الأول: سقوط الممالك في كل مكان

إن كتابات حضرة بهاءالله، وخطب حضرة عبدالبهاء في أوروبا وأمريكا، أوضحت ان الله لم يناشد فقط أولئك الذين تسلموا الرسائل الخاصة، بل كل حكام الأمم مسئولين عن الوديعة التي عهدت اليهم، ولقد جاء اليوم التي تترجم فيه هذه الأمانة إلى تصرفات عادلة.

لا تنطبق هذه المناشدة على مجموعة معينة بقدر ما تنطبق على الملوك بالتحديد، فالانهيار اللاحق للملكية واختفاء العديد من العروش، يجعلنا نفهم علاقة ذلك بتجاهلهم لرسالة الله. لقد حذرهم بهاءالله من الخسارة الكبيرة التي سيتكبدوها إذا اهملوا نصيحته:

“أَنْ يا مُلُوكَ الأَرْضِ.. وَمَا تَجَسَّسْتُم في أَمْرِهِ بَعْدَ الّذِي كَانَ هذا خَيْرٌ لَكُمْ عَمَّا تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْها إِنْ أَنْتُمْ مِنَ الْعَالِمينَ”

بحث بهاءالله دون جدوى عن ذلك القائد العظيم للبشر الذي سيرغب بتقديم أي تضحية ضرورية لرفع شأن العدل، ليس في الشرق والغرب، ولا بين الأغنياء والفقراء ولا بين النور والظلمة ولا بين اليهود وغيرهم، بل بين جميع أهل الارض.

أطرى بهاءالله على مثل هذا القائد بقوله:

“طُوبَى لِمَلِكٍ قَامَ عَلَى نُصْرَةِ أَمْرِي.. إِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ البَصَرِ لِلْبَشَرِ وَالغُرَّةِ الغَرّآءِ لِجَبِينِ الإِنْشآء”

انتظر بهاءالله بصبر ما يقرب من نصف مدة حياته، ليظهر مثل هذا الملك أو القائد، لقد تشوّق ليشهد خلال حياته ثمار مثل هذا العمل البطولي، وأعلن ان العالم سيصبح عالماً آخر، والناس سيصبحون أناساً آخرين لو استجابوا لندائه. ونصح أنه بدلاً من “الصلح الأكبر”، على الانسان ان يقنع نفسه “بالصلح الأصغر”. وبسبب قلة استجابة البشرية، لذا عليها أن تعاني كي تفوز بهدف اتحاد وسلام العالم.

ومع ذلك، لم ينهض أي ملك أو أمة لتلبية نداءه. وفي النهاية أعلن:

“أَنْ يَا أَيُّهَا الْمُلُوكُ قَدْ قَضَتْ عِشْرينَ مِنَ السِّنِينَ.. وَمَا كُنْتُمْ مِنَ المَانِعِينَ، بَعدَ الَّذي يَنْبَغِي لَكُمْ بِأَنْ تَمْنَعُوا الظّالِمَ عَنْ ظُلْمِهِ وَتَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالعَدْلِ لِيَظْهَرَ عَدالَتُكُمْ بَيْنَ الخَلائِقِ أَجْمَعِينَ”

إن حكام الشعوب سمحوا “للذئاب” أن يوجهوا ظلمهم إلى “الأغنام”. لذلك.. فان ساعة الجزاء لن تتأخر. وأعلن بهاءالله اعلاناً مذهلاً، قال: إن الله قد سلب القوة من الملوك، وقريبا ستهاجمهم رياح البلايا من كل الجهات. وكتب عن هؤلاء الملوك الظالمين قائلا:

” قد أخذوا بناصيتهم ولا يعرفون”

لم تمض سوى سنتين فقط بين الوقت الذى أرسل فيها أول رسائله للملوك وتم تجاهلها وبين الوقت الذي انهارت فيه أول مملكة. فالعاهل الفرنسي نابليون الثالث الذي جحد نصيحة بهاءالله لمرتين وتعمد إزدرائه، كان أول من أطيح به عن عرشه، ثم تبعته سلسلة لا تنتهي من العروش خلال عقود لاحقة.

ما يلي.. هو الترتيب الزمني لجزء من قائمة الأحداث المهمة التي أعقبت بيانات بهاءالله التاريخية للرؤوس المتوجة في العالم، والمصير الذي لحق ببعض الممالك الكبيرة في العالم:

  1. سقوط المملكة الفرنسية (1870)
  2. اغتيال السلطان عبدالعزيز (1876)
  3. اغتيال ناصرالدين شاه (1896)
  4. سقوط السلطان عبدالحميد الثاني (1909)
  5. سقوط المملكة البرتغالية (1910)
  6. سقوط المملكة الصينية (1911)
  7. سقوط المملكة الروسية (1917)
  8. سقوط المملكة الالمانية (1918)
  9. سقوط المملكة النمساوية (1918)
  10. سقوط المملكة الهنجارية – المجر- (1918)
  11. سقوط المملكة التركية (1922)
  12. سقوط السلالة القاجارية (1925)
  13. سقوط المملكة الاسبانية (1931)
  14. سقوط المملكة الالبانية (1938)
  15. سقوط المملكة الصربية (1941)
  16. سقوط المملكة الايطالية (1946)
  17. سقوط المملكة البلغارية (1946)
  18. سقوط المملكة الرومانية (1947)
  19. سقوط المملكة المصرية (1952)
  20. سقوط المملكة العراقية (1958)
  21. سقوط المملكة اليمنية (1962)

كان مشهدا ضخما وهائلا بدى أمام عيون الناس وهي تتأمل المجال الذي هبّت عليه رياح الانتقام الالهي منذ بداية دعوة بهاءالله.

سبق واحتفلت المجلات وصحف الأخبار بشهرة العصور الفكتورية والإدواردية وبزينة ملوكهم وأبهتهم الفريدة، وكتب المؤرخون والسياسيون مجلدات عن “سقوط الامبراطوريات”، إلا أن علماء الاجتماع والتاريخ حاولوا عبثاً شرح هذا المشهد وربطه بالقوى السياسية أو التاريخية فقط، وبحثوا دون جدوى لكشف النقاب عن “القوى المفجعة التي ساقتهم الى حتفهم”.

عندما كتب بهاءالله رسالته الأولى من المكان البعيد في أدرنه عام 1867م، لم يكن باستطاعة أحد التنبؤ بالأفول العالمي لمؤسسات اعتبرت العمود الرئيسي لأي حضارة في التاريخ. فالرأي العام لم يستطع تصوّر عالم بلا ممالك. فلا مؤرخ عاقل ولا فيلسوف سياسي مؤهل لتقديم مثل هذه التنبؤات.

لقد تركت مهمة إعلان إسدال الستار نهائياً على الملوك حول العالم ولمدة طويلة، لرسول الله.


“كل البيوت العظيمة لها نهاية”

الجزء الثاني : “من رأس الكرمل”

باتمام إعلان بهاءالله للملوك، بزغ فجر “اليوم المفزع العظيم” الذي سبق وتنبأ عنه النبي أرميا، وارتفعت حرارة منتصف نهاره القوية. اليوم الذي تنبأ به بمجيء موعود الأمم، وأخبرنا ماذا سيفعل الله بملوك الأرض الظالمين الطغاة، قائلا:

“خذ كأس خمر هذا السخط من يدي، واسق جميع الشعوب الذين أرسلك أنا اليهم اياها.. وكل ملوك الشمال القريبين والبعيدين، كل واحد مع أخيه، وكل ممالك الارض التي على وجه الارض. وتقول لهم: هكذا قال رب الجنود.. اشربوا واسكروا وتقيأوا واسقطوا ولا تقوموا من اجل السيف الذي أرسله أنا بينكم.. لا تتبرأون، لاني أنا أدعو السيف على كل سكان الارض، يقول رب الجنود”

لكن العقاب تطور أكثر من ذلك، وشمل عائلات الهوهنتسولرن، هابسبيرغ، رومانوف، بونابارت، والعثمانية والقاجارية. ولحق أيضا بأغلب الممالك والسلالات الصغيرة التي حكمت في الأرض. إن الزوبعة التي وعد بمجيئها النبي إشعيا، قد أتت الآن وعصفت بملوك وأمراء ومسحتهم من على وجه الأرض كلها.

ربما لا يوجد نبي في العهد القديم سبق وتنبأ بوضوح بمصيبة الملوك القادمة، مثلما فعل النبي عاموس؛ إنه هو بذاته الذي وصف بدقة الأحداث المادية التي وقعت أيام “الباب”، مبشر الدين البهائي الذي واجه القتل من فوج عسكري مؤلف من 750 ألف جندي.

تنبأ عاموس.. كما تنبأ من قبله إشعيا، أنه في “يوم الزوبعة” سيمضي “الملك” و”أمرائه” الى العبودية، وسيكون هناك “جوع وعطش” لسماع “كلمات الرب”. وسيركض أدعياء التحرر واللادينيين والماديين “ذهابا وإيابا” للبحث عن كلمات الله، لكنهم لن يجدوها أبدا.

أعلن عاموس أن الرب في ذلك اليوم، سيدعو من صهيون ومن “أعلى الكرمل” بقوة الى محضره. سيأتي الرب و”لن يكون صامتا”.

إن صدى كلمات بهاءالله، من خلال القصور الخالية تنذر:

“يَا أَيُّها المُلُوكُ وَإِنْ لَنْ تَسْتَنْصِحُوا بِما أَنْصَحْناكُمْ في هذا الكِتابِ بِلِسانِ بِدْعٍ مُبينٍ، يَأخُذُكُمُ العَذَابُ مِنْ كُلِّ الجِهاتِ وَيَأتِيكُمُ اللهُ بعَدْلِهِ، إذاً لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَقُومُوا مَعَهُ وَتَكُونُنُّ مِنَ العَاجِزينَ، فَارْحَموُا عَلى أنفُسِكُمْ وَأنْفُسِ العِبادِ”

إنه لمن المدهش أن يؤكد رسول إلهي في زماننا على ان الوقت قد حان لعقاب وردع كل أنواع العدوان. ومهما بلغت قوة المعتدي، فلن يتمكن من التغلب على مشاكل العالم:

” لم يغمض الله عينه عن طغيان المعتدين، بل انه انتقم في هذا الظهور من كل الطغاة أجمعين”

من مكان الأسر في عكاء، من “باب الرجاء”، حيث وعد النبي هوشع، مضى بهاءالله في سنين حياته الأخيرة يستشف مقدار استجابة العالم وشعوبه لدعوته. وبعد سنوات طويلة من المناشدة المستمرة، ورغم حزنه، صرّح بشكل مؤكد:

” فيا إلهي وسيدي ومحبوبي أنت تعلم بأني ما قصرت في تبليغ أمرك وأظهرت لعبادك أعظم ما عندهم أمرا من عندك، ولو استمعوا لي لتغيرت الأرض بغير الأرض”

إن الاثباتات قدّمت، والنبوءات تحققت، والاختام فتحت، وموعود جميع الديانات والأمم والشعوب أعلن مهمته الإلهية بشكل عالمي لم يسبق لعيون البشر أن شهدت من قبل مثيلا لها.

وصرّح بهاءالله في آخر أيام مهمته على الأرض:

“هل بقي لأحد في هذا الظهور من عذر؟ لا ورب العرش العظيم! قد أحاطت الآيات كل الجهات، والقدرة كل البرية”


الفصل الرابع عشر

“عن قريب سيطوى بساط العالم ويٌبسط بساط آخر”

الجزء الأول : ميراث الملوك

اختفى آل هابسبورغ وعائلة هوهنتسولرن، لكن إرثهم بقي من بعدهم. وياللأسف.. كان ميراثا مأساويا استلمته كل البرية، فلم يفشل الملوك في الإستجابة لإحتياجات العصر الجديد التي بيّنـها المبعوث الإلهي، حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ولم ينهض سوى رئيس دولة واحد ليناصر العالم الذى صوّره بهاءالله.

قبل سنوات من إعلانه للملوك، نادى بهاءالله بتشكيل محكمة دولية للتحكيم بين الأمم. فبدت الفكرة آنذاك في منتصف القرن التاسع عشر وكأنها فكرة ثورية، بل واكثر من ذلك بسبب الصورة التي اقترحها.

“لا بُدَّ أَنْ تُشَكَّلَ فِي الأَرْضِ هَيْئَةٌ عُظْمَى يَتَفَاوَضُ الْمُلُوكُ وَالسَّلاَطِينُ فِي تِلْكَ الْهَيْئَةِ بِشَأْنِ الصُّلْحِ الأَكْبَر”

ولا يجب ان تكون المحكمة مجرد مؤتمر لقاءات أو مكانا للنقاش، بل يجب أن تمنح لها القدرة والسلطة لتطبق السلام بالقوة، قوة مستمدة من تعاون جميع الحكومات.

“أن اتحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الاختلاف بينكم وتستريح الرعية ومن حولكم إن أنتم من العارفين. إن قام أحد منكم على الآخر قوموا عليه إن هذا إلاّ عدل مبين.”

خلال مؤتمر السلام عام 1919، نادى الرئيس الأمريكى ودرو ويلسون Woodrow Wilson بإنشاء “عصبة الأمم” لضمان السلم في العالم. وكانت إبنة الرئيس قد أظهرت إهتماما وحماسا بالظهور الإلهي الجديد! وبغض النظر عن المصدر، إن كان من ابنته، أو من بنات أفكاره الخاصة؛ قدم هذا الرجل فكرة جديدة تتفق مع روح العصر حين اقترح على رفاقه الانضمام إليه في أول تجاربه المتواضعة لتشكيل النظام العالمي.

أما ما تلى ذلك، فكانت قصة حزينة معروفة، حيث تعرض لخيانة بعض دبلوماسي الأمم الأخرى الطموحين، وكذلك لخيبة أمل محزنة من رفاقه رجال دولته حين قابلوا دعوته بسلوك مشين؛ فشاهد رجل الدولة هذا، “خذلان محزن” هدم صرح حلمه. لقد قدم حياته في محاولة عقيمة لضمان دعم الولايات المتحدة للهيئة العالمية المبتدعة الجديدة.

وعندما ظهرت عصبة الأمم، كانت تفتقد إلى “أسنان” لتجعل قراراتها فاعلة. وقبل حلول ظلام ليل سنة 1939م على أوربا، كانت عصبة الأمم محط سخرية عالمية.

إن اللوح الصادر من قلم بهاءالله الى أعضاء البرلمانات المنتخبين في جميع البلدان احتوى على إنذار وتحذير واضح لورثة العروش:

فانظروا العالم كهيكل إنسان إنّه خُلق صحيحا كاملاً فاعترته الأمراض بالأسباب المختلفة المتغايرة وما طابت نفسه في يوم بل اشتد مرضه بما وقع تحت تصرّف أطباء غير حاذقة الذين ركبوا مطيّة الهوى وكانوا من الهائمين.”

لم يعتبر العالم أو يتعظ من صور الدمار التي سببتها مغامرات العسكر المتهورة للملوك المخلوعين. ففي جميع أنحاء العالم، كانت الحلول المقدمة للمشاكل التي راحت تغرق فيها المجتمعات العالمية بشكل مطرد، إما حلولاً سياسية أو على الأكثر إجتماعية وإقتصادية. وحتى وقت قريب، بقيت تقابل بسخرية وتهكم أي رأي يقول إن أصل جذور هذه الاضطرابات العالمية، هي مسألة روحانية.

كم كان ما نطق به سجين عكاء منذ قرن مضى، إنذارا بالسوء في عصر هيروشيما:

“إن في الأرض أسبابا عجيبة وغريبة ولكنها مستورة عن الأفئدة والعقول. وتلك الأسباب قادرة على تبديل هواء الأرض كلها وسميتها سبب للهلاك.”

وأخيرا:

“سيعم العالم الاضطراب، ثم تشرق شمس العدل من أفق عالم الغيب.”

“عن قريب سيطوى بساط العالم ونمدّ بساط آخر مكانه  إنّ ربّك لهو الحق علاّم الغيوب.

 

 

 

“مسيحيو الغرب سيرشدون العالم الى بهاءالله

الجزء الثاني : نظرة جديدة للتاريخ

وماذا بشأننا؟ وماذا بشأنهم؟ وماذا بشأن الملايين من الجنس البشري الذين لفتوا انتباه البشرية الى أن بهاءالله يبتغي حمايتهم من تجاهل الملوك وطغاة الحكام؟ فرسالة بهاءالله الإلهية، لم توجه الى الحكومات فقط، بل لكل فرد من بني البشر. كم هو غريب أن الحضارة التي استخدمت الذرة واخترقت الفضاء واكتشفت الكثير من أسرار الطبيعة الرائعة، وأوجدت العديد من الانجازات البراقة في مختلف مجالات العلوم، تهمل العالم الروحاني تماما دون اكتشاف.

كيف حصل أن غفلت الإنسانية رغم مصادرها الهائلة الفذة البراقة، عن أكثر الحقائق أهمية، ألا وهي: الفهم الروحاني والأخلاقي للتاريخ؟ إن الغاية الحقيقية من الحياة، كما أشارت التعاليم البهائية، هي تحسين الصفات والكمالات الانسانية الحميدة. فبناء الفضائل الأخلاقية والمعنوية هي المهمة الحقيقية في الحياة لكل الشعوب والأمم. وكل ما يدعم هذا الهدف، هو ذو قيمة ويجب تشجيعه. وكل ما يعوقه ويؤخره أو يمنعه، عديم الفائدة ويجب نبذه. إن الحياة كلها تدور حول هذا الهدف؛ إنه سبب الوجود. فكل حدث في الحياة يعتمد في نفعه الأساسي وقيمته باتصاله المباشر أو غير المباشر بهذا الهدف الرئيسي. إنه مكسب كبير اذا وضع في مقدمة الأمور، وخسارة كبيرة إذا لم نفعل.

وأي فلسفة لا تدعم هذا المنظور بشكل من الأشكال، هي عديمة الجدوى. فأي شخص يكرّس نفسه لشيء آخر مثل كسب الثروة أو المتع المادية، الرفاهية، اشباع الرغبات، المنافع الشخصية، ويفكر أن الحصول على هذه الأهداف، هو قيمة غنية مستقلة، وأنها أهم من الدوافع الروحانية والأخلاقية في حياته، فإنه سيصاب عاجلاً أم آجلاً بخيبة أمل وتعاسة. وشخص كهذا، ليس لديه هدف حقيقي في الحياة، سيكون عرضة للحزن وتدمير الذات بصورة أو بأخرى. وسيدمر نفسه بالتدريج، جسديا أو أخلاقيا، أو الاثنين معا، من خلال اليأس أو من خلال الافراط في المتع المادية التي يسعى من خلالها عبثا الفرار من قدره.

هذه هي المأساة التي بدأت تأخذ مكانها اليوم على المستوى العالمي. فلم يعد يحبنا أحد.. لا أمهاتنا، ولا آبائنا، ولا أولادنا، ولا زوجاتنا، ولا أزواجنا، ولا أحبائنا… لا أحد.

إن عوائلنا وأصدقائنا يحبون فقط ما نملكه من صفات معنوية داخلية، مثل: العطف، الكرم، الشفقة، الحنان، الحب، العدل، الإنصاف، الرقة، الاهتمام..الخ؛ هذه هي الأشياء التي يحبونها. فكلما زدنا من هذه الصفات في حياتنا، زاد حبهم لنا. وحالما نفتقد هذه المناقب، تضمحل محبتهم وتنتهي. وما ينطبق على الأفراد ينطبق كذلك على الشعوب والحضارات. إن اكتساب هذه الاخلاق الجوهرية والفضائل الطيبة، هو الهدف الأساس لحياة الفرد وروح المجتمع.

وأي هدف آخر، لا قيمة له، اذا ما قورن بهذا الهدف. لقد فقد العالم اليوم معظم هذه الفضائل، ويواصل فقدانها. إن تيار المذهب المادي الفارغ جرف كل الناس والشعوب، ولا بد لشيء ما أن يعكس تياره. ولأجل ذلك جاء بهاءالله، هذا هو جوهر مهمة ديانته. إن الكنائس تعجز عن إيجاد علاج ناجع، لأنهم فقدوا طبيبهم الإلهي، المسيح. لقد تركتهم روحه قبل أكثر من قرن من الزمان عندما عاد في مجد الآب، بهاءالله، بينما أشاحت الكنائس وقادتها بوجوههها عنه تماما، كما فعلوا أول مرة. وبالمثل ينطبق هذا الاعراض على بقية الأديان السابقة الكبيرة.

لم تكن لتنجرف الأمور الى هذا المستوى، لو استجاب رجال أديان العالم للرسول الإلهي الذين يزعمون أنهم يتوقون اليه منذ عدة قرون. رغم دعوته المباشرة لهم فرادى وجماعات، كما سبق وخاطب الملوك.

فعلى سبيل المثال.. تحدث مع البابا بيوس التاسع. وقصة تلك الرسالة المقتضبة وأصدائها في التاريخ الحديث، ربما يكون أكثر فصل درامي في مجمل الدراما الروحانية.

أخبر بهاءالله، البابا، أنه، هو بنفسه “الآب” الذي سبق ووعد بظهوره المسيح “الإبن” بالضبط.. نفس الذات المقدسة التي كان ينتظرها البابا بالتحديد؛ الذات المقدسة التي بإسمها، يتسلم ويرتقي البابا مكانته المقدسة.

ثم.. مضى قرن كامل من الصمت من جانب الكنيسة، لكن البذور كانت قد زرعت. فدعونا نرى ماذا حدث بعد مائة عام…

 

 

“أيها البابا الأسمى”

الجزء الثالث: أصداء من الماضي

كم من المسيحيين قاموا بدراسة الرسالة الرعوية المنشورة للبابا يوحنا الثالث والعشرين، (Peace on Earth)، “السلام على الأرض”؟ ربما لم يبد غالبية البروتستانت اهتماما بها. لكن كم من الكاثوليك أعاروها اهتمامهم؟

للعودة الى أصول هذا المنشور البابوي الذي كان له تأثير بعيد المدى على الكنيسة الكاثوليكية الرومانية المعمرة منذ 2000 عام. علينا الرجوع لكلمات بهاءالله التي وجهت الى البابا يوحنا السابق، بيوس الخامس في عام 1869.

فلقد أخبر حضرة بهاءالله، البابا بصراحة، أن “الآب” قد أتى، كما سبق ووعد “الإبن”، يسوع المسيح. وأنه هو بهاءالله، بنفسه هو “الآب”.

آنذاك.. كانت الاستجابة محزنة..!

ربما.. كان هذا التصرف السلبي مفهوما منذ مائة عام. صحيح أنه مؤسف، لكنه مفهوم. فليس من المتوقع أن يهتز رئيس أي دين عالمي ويتأثر من أعماقه حينما يواجهه تحد لمنصبه السامي، خصوصا اذا بدى هذا التحدي – حسب الظاهر – تحدياً غير منطقي ومرسل من قبل سجين في مستعمرة القصاص محكوم عليه بالنفي المؤبد.

إن “قيافا”، كبير أحبار اليهود، لم يهتز نشوة عندما أخبره السيد المسيح، أنه “إبن الله”، عند مقابلته وجها لوجه. بل على العكس، فقد وصف المسيح بـ “المجدّف”.

لذلك يمكننا تخيل ردة فعل رسالة بهاءالله، لدى البابا بيوس الخامس. فلم يكلف أحدهم نفسه حتى بوصفه مجدفاً، رغم أن إدعاءه كان أكثر جرأة من إدعاء المسيح. ولم تبد حتى الرئاسة البابوية أي إنزعاج أو انتباه منه، مثلما ظهر بين عدد من الملوك. بل على العكس، فقد أسدلت ستارة كثيفة من الصمت حول الموضوع بالكامل.

بعدها بمائة عام، وفي نفس السنة ونفس الشهر بالضبط في الذكرى المئوية التي أعلن فيها بهاءالله دعوته المقدسة الموعودة في جميع الكتب المقدسة للعالم، أصدر البابا يوحنا الثالث والعشرين منشوره الذي تلقاه العالم بالترحاب.

كان الثناء مبرراً، ليس بسبب تعامل الرسالة البابوية مع المشاكل العالمية فقط، بل لأن البابا يوحنا نفسه كان محبوبا ويعتبر كشخص قديس من قبل أتباعه الحقيقيين. في المنشور البابوي، تحدث الحبر الأعظم عن المواضيع التالية:

السلام العالمي

المجتمع العالمي

البحث عن الحقيقة

الثقافة العالمية

المساواة بين الرجال والنساء

وحدة العالم الانساني

الوحدانية الإلهية

اتفاق الدين والعلم

نزع السلاح

التحذير من الأسلحة النووية

الحل الروحاني للمشاكل الاقتصادية.

هل صوت هذه الأفكار، كان مألوفا من قبل؟!

نعم.. إنها مبادىء الدين البهائي جملة وتفصيلا.

إنها التعاليم الإلهية والنصائح المقدسة التي أعطاها بهاءالله للملوك ولرؤساء الأديان في العالم منذ أكثر من قرن مضى، وقبل أن ينطق البابا بها مؤخراً.بعد مائة سنة بالضبط. كم هي قوية كلمات بهاءالله التي قيلت منذ أمد بعيد للبابا في روما، والآن يرن صداها في أروقة التاريخ بعد قرن من الزمان:

” أن يا رئيس القوم! أن استمع لما ينصحك به مصور الرمم”

بسبب حب البابا يوحنا الثالث والعشرين الحقيقي للإنسانية، وقيادته الحكيمة لعالم مليء بالمشاكل، نال جائزة نوبل للسلام. كما حاز الإعجاب والتقدير في جميع أنحاء العالم على المستويين الشعبي والصحفي.

ومع ذلك، لم يكن ما قاله سوى صدى ضعيف لتعاليم بهاءالله المقدسة بعد مائة عام. لم يفعل أكثر من مشاركة البشرية تلك المثل العليا التي أنكرها القادة الدينيين والدنيويين معا منذ قرن.

ماذا كانت مكافأة بهاءالله؟

لقد تم تعذيبه وتصفيده بالسلاسل ونفيه وسجنه لما يقرب من نصف قرن، لقد أتهم بأنه عدو للنظامين الديني والمدني. إن أكثر من ثابروا بتعصب على انكار تعاليمه المقدسة، إن كان في إيران، تركيا، أو في الشرق الأدنى، كانوا من رجال الدين. وفي الواقع أخذ رجال الدين الإسلامي الدور القيادي في مواجهته؛ لكن الحقيقة المؤسفة، إن الذين عملوا ما في وسعهم لنشر تلك المفتريات المبكرة، كانوا من المبشرين المسيحيين الذين شعروا بالحسد والغيرة حفاظا لهيبتهم لدى جمهورهم. وعلى كل حال، فلم تستطع الكنيسة سوى تأخير حقيقة تأثير الوحي الإلهي الذي طالما انتظروه.


“أتـرك قصـرك”

الجزء الرابع: أصداء أخرى لذات القلم الأعلي

إنه لمن المستحيل تماما أن ندير ظهورنا للأحداث العظيمة التي أخذت مكانها في ديانات العالم اليوم، بدون تتبع آثار إلهامات الكلمات التي أرسلها بهاءالله منذ أمد طويل إلى رجال الدين في القرن التاسع عشر.

كم من الكاثوليكيون ادركوا وفهموا مغزى زيارة البابا بول التاسع للأمم المتحدة؟ وكم من المسيحيون انتبه للمعاني الروحانية فيما تضمنته زيارته للمجمع الاستشاري العالمي للكنائس في سويسرا؟ أو لكمبالا بأوغندا؟ كل هذه الأحداث لها “جذورها” في رسالة بهاءالله للبابا في روما منذ أكثر من قرن من الزمان.

نادى بهاءالله البابا بيوس التاسع “للخروج” من “قصوره” واللهج بذكر ربه بين الأرض والسماء، وحثه أيضا على “بيع ما يمتلكه من زينة مزخرفة وإنفاقها في سبيل الله”. لم يطلب بهاءالله من البابا أن يفعل أي شيء يماثل ما فعله هو بنفسه من تضحيات مطلقة بجميع المقاييس.

عندما حانت ساعة حمل بهاءالله لدعوة الله تعالى، كان ذلك وهو في “منتهى الثروة والعز”. كان من نبلاء مقاطعة نور في إيران، ومع ذلك طرح جانبا ورمى “كل اعتبارات دنيوية للثروة والجاه”، رغم علمه جيدا لما سيقوده إليه مثل هذا القرار. في تلك الأوقات كان البابا بيوس التاسع في قمة السلطة والشهرة الشعبية، أما بهاءالله فقد انحدر من أعلى منزلة مادية إلى أدناها، ومن الحرية الى السجن. شكر بهاءالله ربه على تلك “المحنة” قائلا:

” إنّ العنق الّذي عوّدتَهُ ملمس الحرير قد قيّدتَهُ آخر الأمر بأغلالٍ غليظةٍ والبدن الّذي نعّمته بلباس الدّمقس والدّيباج أخضعتَهُ في النّهاية لذلّ الحبس”.

حث بهاءالله البابا ليتبعه في هذا المثال، وطلب منه ترك “القصور” ومساعدة (الآب)، وعرض تعاليمه الإلهية “للبشر من جميع الأديان”.

من مدينة السجن التي أرسل بهاءالله رسالته الى البابا بيوس التاسع كتب قائلا:

” قد قيد جمال القِدَم لاطلاق العالم وحُبس في الحصن الأعظم لعتق العالمين واختار لنفسه الأحزان لسرور من في الأكوان.. قد قبلنا الذلة لعزكم والشدائد لرخائكم”

مثل هذه المهام، كان يجب أن تكون الشغل الشاغل للبابا أيضا، طالما هو يعلن أنه نائب المسيح على الأرض. لقد أبلغه بهاءالله أن الموعود الإلهي الذي ينتظره قد جاء. والمسيح العائد يقف أمام عينيه، وحذره من الإعراض عنه بسبب اختلاف اسمه المتوقع:

“إِيَّاكَ أَنْ يَحْجُبَكَ هَواكَ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى وَجْهِ رَبِّكَ..أَتَرَوْنَ أَنْفُسَكُمَ فِي القُصُورِ وَسُلْطانُ الظُّهُور فِي أَخْرَبِ البُيُوتِ؟  قُومُوا عَنْ قُبُورِ الهَوَى مُقْبِلِينَ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّكُمْ مالِكِ العَرْشِ وَالثَّرَى”

لم يفعل البابا أي شيء من هذا. وبسرعة راح يعاني من نفس خسارة مملكته الدنيوية كما حدث للحكام الدنيويين.

لقد أنزل بهاءالله في تلك الأيام، لوح البابا بيوس التاسع، وقتما كان يجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية. لكن، وعلى ذات خطى أقرانه من الملوك، وجد نفسه مقيداً بالقوى التي انبثقت من “يوم الله”.

وفجأة.. أعلن الملك فيكتور عمانويل الأول، الحرب على الولايات البابوية، فزحفت جيوش الملك الى روما ودخلتها وسيطرت عليها.

مباشرة، في صباح اليوم التالي، وبعدما بدأ القصف المدفعي، أمر البابا برفع الأعلام البيضاء على قمة كنيسة سانت بيتر، ثم اختار البابا أن يحبس نفسه في أعلى البنايات التي تركت له، وأعلن نفسه “سجين الفاتيكان”. أما روما المدينة الخالدة التي تمتعت بالمجد لأكثر من 25 قرنا والتي حكمها الباباوات بسلطات مطلقة لمدة 10 قرون، فقد أصبحت أخيرا كرسي المملكة الجديدة الصغيرة ومسرحا للذلة التي فرضها البابا على نفسه والتي سبق وتعرض لها بهاءالله من أعدائه.

على كل حال، بقيت أوامر الله في لوح البابا جارية القضاء. فسقوط البابا بيوس التاسع، لم يغير فيما بعد من الالتزامات الواجبة على من أعلنوا أنفسهم نواب يسوع المسيح على الأرض.

كان البابا جون، أول بابا يجبر على التخلي عن البابوية بصورة مفاجئة. أما خليفته، البابا بول السادس، فقد استجاب بشكل أكثر ولكن برغبة أقل، استجاب لدعوة بهاءالله بعد مئة عام ليخرج من قصر لاتيران الى وسط شعوب العالم. فكانت زياراته لإفريقيا، آسيا، أمريكا اللاتينية، أمريكا الشمالية وأوروبا، وهكذا كسرت التقاليد البابوية الممتدة منذ عشرين قرنا.

زيارة البابا بول السادس لمركز الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، كانت من أهم زياراته. هناك أعلن عن رأيه بوضوح بين قادة الأمم. وحثهم على العدل والانتباه للأمور المذكورة في كتاب الله المقدس.

لماذا يعتبر هذا الحدث بالذات مهما بالنسبة لمن يدرس قصة بهاءالله؟

لنعطي بعضا من الاسباب:-

  1. دعى بهاءالله ملوك وحكام الأمم لتأسيس هيئة عالمية كالأمم المتحدة منذ قرن مضى.
  2. زار ابنه عبدالبهاء مدينة نيويورك منذ ثلاثة أرباع قرن مضى، حيث المقر الرئيسي لهيئة الأمم المتحدة الآن، وشرح خلالها أهمية “عهد” بهاءالله مع شعوب العالم، وأطلق عليها اسم “مدينة العهد والميثاق” لبهاءالله.
  3. زار عبدالبهاء كاليفورنيا أيضا. وخلال تواجده في مدينة سان فرانسيسكو، أعلن أن كاليفورنيا تستحق رفع أول علم للسلام العالمي. وبعد ثلاثين عام من هذه الزيارة، كتب دستور الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، واختير اللونين الأزرق والأبيض رمز السلام لراية الأمم المتحدة.

كم هو ملفت للنظر استجابة البابا بشكل لا إرادي لدعوة الله ذات المئة عام.

بينما كان البابا بول السادس يخطب في الأمم المتحدة، كما سبق وفعل يوحنا الثالث والعشرين من قبله، كان يتردد صدى نفس تلك المبادئ التي نادى بها بهاءالله للعالم. فمن المحزن أنها احتاجت أكثر من مائة سنة! والأشد حزناً أن لا يكون لكلمات خطابه المتأخر كثيرا.. أي تأثير. أمر واحد كان ذا صلة في خطابه، تكرار ذات كلمات خطاب بهاءالله، لسلفه:

“قد أتى رب الأرباب.. خزن ما اختار في أوعية العدل وألقى في النار ما ينبغي لها”.

وعلى كل حال، لم تكتمل علاقة البابا مع التاريخ. فقد حدد لمكتبه مهمتين دقيقتين أخريين، الأولى تركات أسلافه، والثانية حتمية تمام الوعد الإلهي. ويتقدم البابا مدفوعا بيد خفية باتجاه الدور المرسوم له قبل مئة عام.


“تزوجوا يا قوم ليظهر منكم من يذكرني بين عبادي”

الجزء الخامس: ” يا ملأ الرهبان”

دعا حضرة بهاءالله البابا بيوس التاسع لزيارته في الأرض المقدسة، ولو كان البابا قد أحب المسيح وتذكّره، لفتح قلبه لحضرة بهاءالله، ولكان مبدأ “التوكل” على الله هو التأمين الوحيد الذي سيحتاجه في رحلة كهذه.

لو كان البابا حقاً منتظراً صادقا وباحثا مخلصا، لما فشل في التحقق من دعوى أعطى كلماتها، بهاءالله  كل هذه القوة الأخلاقية الهائلة. ولو لم يستطع الحضور، فكان بإمكانه ارسال المئات بدلا عنه.

لم تتحقق الرحلة أبدا. ولم يكن هناك سوى الصمت من قبل الكنيسة، إنه قرن من الصمت.

ثم.. وبعد مائة سنة، زار البابا بول السادس الأرض المقدسة كاسراً جميع القواعد، ولأسباب غير واضحة ترك روما وزار الأرض التي دعا فيها رسول الله سلفه. وقد أُستقبل بول السادس بحفاوة بالغة كما اُستقبل من قبله الإمبراطور فرانز جوزيف والقيصر ويلهلم الأول، واعتبرته الصحافة حدثاً عظيماً.أخيرا جاء البابا للأرض المقدسة.

في المجيء الثاني.. جاء حضرة بهاءالله سجيناً منفيّاً، محبوسا ومزدرى. بينما في المقابل، حضر البابا الذي يحتل باسم الموعود عرش حضرته محاطا بالتهليل والتبريك.

تأخر كثيرا، قرنا من الزمان، منذ أن كان الموعود هناك. ومع ذلك، لم يسع البابا بول السادس للتحري عن المركز المزدهر الذي تحتل مقاماته وحدائقه سفح جبل الكرمل ذكرى لسجين عكاء.

خلال زيارة البابا بول السادس لاسرائيل، وصلت الأخبار للمركز العالمي البهائي في ذلك اليوم، معلنة أن تعاليم حضرة بهاءالله، “مجد الرب”، قد انتشرت بالفعل في جميع أنحاء العالم بين اكثر من 2100 قبيلة وجنس ومجموعات عرقية في اكثر من 130000 مكان مختلف على الكوكب.

أما الصحافة والتلفزيون والراديو، فجميعها تجاهلت هذا الخبر! وهذا ما سبق وحصل من قبل أيضا.

وكما ورد في رؤيا النبي حبقوق: “لأن الأرض تمتلىء من معرفه مجد الرب كما تغطي المياه البحر”

هناك على سفح جبل الكرمل، ” كرم الله”، ينتصب عرش العالم لـ “مملكة الله” التي يمجدها البابا ومعه أكثر من نصف مليار كاثوليكي في صلواتهم كل يوم.

لقد جاءت “مملكة الله”، وتحقق الوعد الإلهي على الأرض كما جاء الوعد في صلوات الرب، لقد ظهرت مملكة المسيح الموعودة في نفس البقعة التي تنبأ بها في فقرة تلو أخرى الكتاب المقدس، الذي يقدسه البابا وأتباعه. ولكن مع الأسف.. لا الكاثوليك ولا البروتستانت كانوا منتبهين لأسرار كتابهم.

من المؤكد أن صدى صوت بهاءالله قد تردد بين تلك الهضاب المقدسة بمناسبة زيارة البابا بول. ولابد أن كلماته ترددت مثل صوت الرعود المدوية بين ثنايا جنبات جبل صهيون والقدس وبيت لحم والناصرة حيث قيلت في الأصل لأول مرة.

“أن يا بابا.. قد أتى الآب.. يا معشر البطارقه! إن الذي وعدتم به في الألواح قد أتى”

“يا معشر الأساقف! قد أتى رب الأرباب”.

“قل يا ملأ الأساقف! انطقوا بذكر ربكم بين السموات والأرضين”

“قل ياملأ القسيسين! دعوا النواقيس ثم اخرجوا من الكنائس.. قد أتى الرب ذو المجد الكبير”

“ياملأ الرهبان! .. اخرجوا بإذني.. كذلك يأمركم مالك يوم الدين.. تزوجوا ليقوم بعدكم أحد مقامكم”

“يا ملأ النصارى! .. تدعونني وغفلتم عن ظهوري.. يا ملأ الإنجيل! إنه (المسيح) قال تعاليا لاجعلكما صيادي الإنسان، واليوم نقول تعالوا لنجعلكم محيي العالم”

وبتهكم، حذر بهاءالله في خطابه للبابا بيوس التاسع “الحبر الأعظم”، بأن لا يكرر نفس الخطأ الذي ارتكبه كبار الأحبار وقادة الأديان في أيام المسيح. وكتب:

“إنك من شموس سموات الأسماء احفظ نفسك لئلا تغشيها الظلمة وتحجبك من النور”.

لقد حذر السيد المسيح بنفسه من مثل هذه المصيبة. ففي إصحاح متى، الذي أعطى فيه المسيح العديد من الإثباتات بميعاد مجيئه؛ حذر كذلك، أن الشمس سوف تظلم والقمر لن يعطي نوره والنجوم تتساقط من السماء وتهتز قوات السماء.

فالمعنى الذي شرحه حضرة بهاءالله لهذه النبوءات، كان واضحاً. فـ “الأقمار” هم قادة الأديان الذين يستمدون نورهم من شمس المسيح. فهم “الأقمار” و “النجوم”، لابد أن يختفي نورها كل صباح عند اشراق شمس يوم جديد. وعلى ذات المنوال، عندما تشرق “شمس” المسيح من جديد، تظلم شمس اليوم الماضي؛ أما إذا رفض القمر ضوء الشمس الجديدة، فإنه سيظلم أيضا ولن يلقي نوره على مشاكل البشر.

كان هذا هو معنى كلمات حضرة بهاءالله عندما ناشد قادة الأديان بعدم الابتعاد عن رسالته:

“أنتم أنجم سماء علمي، وفضلي لا يحب أن تتساقطوا على وجه الأرض”

بقيت مهمة أخرى للبابا بول صاحب الأرقام القياسية في كثرة التجوال.

زار البابا بول المجلس الكنسي العالمي في سويسرا في يونيو عام 1969، وبهذا الشكل جمع معاً قادة الطائفتين الكاثوليكية والبروتستانتية. حصلت تلك الزيارة بعد مائة عام من حث بهاءالله لبابا روما بيوس التاسع وارشاده بفعل ما يلي بالتحديد: (لتقديم تعاليمي المقدسة لبقية قادة البشر الدينيين، عليك “بالشرب” منها بنفسك أولا، ثم تقديمها لبقية أتباع الأديان).

لقد سبق واجتمع قادة المجلس الاستشاري لكنائس البروتستانت من قبل. وخلال إحدى اجتماعاتهم العالمية، أعلنت الصحافة، أن المندوبين أقروا باستحالة الى تصويت في موضوع رجعة المسيح، حيث أن الممثلين لـ 163 طائفة من 48 بلد، عارضوا بشدة وفي الأساس السؤال المطروح: “إذا كان الأمل المسيحي في تحقيق إنشاء مملكة الله في هذه الدنيا، أم فقط بعد العودة الأخرى للمسيح”.

إنـه قـد أتى وقد ذهـب!

منذ أكثر من قرن وربع القرن، وتقريبا لمدة ثلاثة عشر عقدا، طاف كل من الباب وبهاءالله وعبد البهاء، وكذلك اتباع بهاءالله، مختلف أنحاء العالم في أكثر من 30000 مركزا مختلفا، وهم يخبرون العالم المسيحي، أن المسيح قد عاد بالفعل، إنه قد أتى ومضى، تماما كما ذكر الإنجيل ذلك، وكما سبق وحذر المسيح: “كل العيون سترى مجده”، وإنه “سيأتي كلص في الليل”. والقصة الرمزية التي ذكرها أوضحت ذلك، فاللص “الإلهي” قد يأتي ويذهب! وقد حدث ذلك منذ أكثر من مائة عام! ولهذا يصرف العالم المسيحي الساعات وهم يتجادلون فيما إذا كان بإمكانهم تأسيس مملكة المسيح الآن، أم فقط بعد عودته، ولهذا قطع بابا الكاثوليك كل أولوياته وذهب للالتقاء بهم.

ومن المحزن أنه لم يكن لديهم شيء ليقوله بعضهم لبعض عند لقائهم. وفي الواقع.. ان البابا لم ينتبه للحافز الذي أرسله الى هناك، ولم يظهر لأنصاره، أي انتباه للرسالة ذات العلاقة.

وهكذا.. عاد الجميع إلى ديارهم.


أنتم تغلقون ملكوت السموات في وجوه الناس

الجزء السادس: القادة العميان

هكذا كتب بهاءالله إلى رجال الدين المسيحى في وقتة قائلا:

” لمّـا تفرسنا، وجدنا أكثر أعدائنا العلماء”.

وخاطبهم مباشرة قائلا:

“إلى متى توجهون سيوف البغضاء في وجه البهاء.. لا تتصرفوا بأهوائكم التي غيرت وجه العالم”.  

حاول بهاءالله فتح عيونهم وآذانهم عسى أن يسمعوا “النغمة الجديدة” التي سبق وتحدث عنها النبي إشعيا، فتفضل قائلا:

“نزهوا آذانكم لتسمعوا النداء الإلهي.. هل يقدر أحد منكم أن يجول مع هذا الغلام الإلهي في مضمار الحكمة والبيان أو يطير معه في سماء المعاني والتبيان.. هل يقدر صاحب الأرجل الخشبية أن يقاوم مع من جعله الله صاحب الأرجل الفولاذية؟ لا قسماً بمن ينير العالم”.

لقد عرض بهاءالله بحراً من البراهين لقادة جميع الأديان على أنه هو “الذات” المنتظر؛ وبالرغم من ذلك لم يرفضه الكثيرون فحسب، بل قاوموه واضطهدوه بشدة وحاولوا القضاء عليه وعلى تعاليمه. وتقريبا دون استثناء، قام القادة الدينيون جميعا بأخذ زمام القيادة في اغلاق الباب أمام وجوه أتباعهم، كلما وجدوا منهم اهتماما برسالة بهاءالله.

إن هجمات أتباع رجال الدين ضد هذا الظهور الإلهي، واستعدادهم لترديد ما يصلهم من قادتهم من كذب وإفتراءات، تحمل في طياتها ذات أصداء تصرفات معارضي الدين المسيحي في أيام ظهوره الأولى.

ولا عجب أن يكتب بهاءالله لمثل رجال الدين هؤلاء:

” يا أيها الجهلاء المعروفون بالعلم.. لماذا تدعون في الظاهر بأنكم الرعاة ثم غدوتم في الباطن ذئاب أغنامى”.

وليس من الغريب أن يحذر المسيح بنفسه من مثل هؤلاء الرعاة العمي لأغنامه قائلا: “أتركوهم فانهم عميان قادة عميان وإذا كان أعمى يقود أعمى فكلاهما يسقطان في حفرة”

ومع ذلك، لم يقلل بهاءالله من أهمية قادة العالم الدينين، بل بالأحرى مدح بصراحة من توافقت أعمالهم وتصرفاتهم مع أقوالهم، فقال:

” كان ولا يزال هداية العباد بواسطة تلك النفوس المقدسة”.  

وكتب أيضا عن مثل هؤلاء من أي دين أو طائفة كانوا:

” يصلين عليه أهل الفردوس والذين يطوفون حول العرش في البكور والأصيل”.

وصرّح عنهم أيضا: مثل هؤلاء العمالقة الروحانيون، سواء كانوا مسيحين أو يهود أو مسلمين أو من أي دين كان، “إنهم بمثابة الروح لجسم العالم”، وبمثابة “بصر العالم”.

في عام 1893م، قام اثنان من المبشرين المسيحيين بتعريف الأمر البهائي لأمريكا في البرلمان العالمي للأديان، أحدهما كتب مقالة وصف بها بهاءالله بـ “شبيه المسيح”؛ أما الآخر، فقرأ الوثيقة لجمهور الحضور.

أكثر من أربعمائة رجل دين مسلم بارز، بعضهم من مشاهير البلاد، اعتنقوا واعترفوا بـ “الباب” و”بهاءالله” كرسولين موعودين من الله عز وجل، وقدموا تضحيات عظيمة من أجل إيمانهم، بل واستشهد العديد منهم. ومنذ ذلك الحين، اعتنق رجال دين من مختلف الديانات تعاليم بهاءالله، من قساوسة كاثوليك الى كهنة بوذيين، وفي جميع حالاتهم تقريبا، كان يتجنبهم رفاقهم السابقون ويسخرون منهم ويتهكمون عليهم ويضطهدوهم، وفي بعض الحالات يقتلوهم.

لقد بات متأخرا القدرة على رأب صدع ورتق شذرات قطع المسيحية المثيرة للشفقة. فالمئات من الطوائف ذات الألوان الفسيفسائية الغريبة المختلفة، تتنافس فيما بينها على القيادة الروحية. وحتى علامات الأمل التي تساهم في رسمها شعوب الارض، فهي ليست سوى نتائج غير مباشرة لرسالة بهاءالله الداعية للاتحاد؛ وما تجرفه رياح التغيير للقطع المحطمة المتناثرة نحو غاية “الاتحاد” المشترك، هي تقريبا ضد رغباتهم.

وحتى لو اتحدت جميع الطوائف المسيحية، فسيبقى اليهود والمسلمين والبوذيين والهندوس والزردشتيين والملحدين والكفرة والناس البدائيين. أما دعوة بهاءالله “الآب”، فقد مدّت يدها لاحتضان جميع الأديان وجميع البشر، وليس المسيحيين فقط.

حزن بهاءالله من تجاهل وخمول جموع المسيحيين الذين قدمت لهم فرص عديدة، بينما جموع ورثة بقية الأديان يدخلون دين الله أمام أعينهم، فقال يخاطبهم:

” يا ملأ الإنجيل قد دخل الملكوت من كان خارجا منه واليوم نراكم متوقفين لدى الباب.. أن افتحوا أبواب قلوبكم.. إنا فتحنا لكم أبوب الملكوت هل أنتم تغلقون على وجهي أبواب البيوت؟”.

وفي إشارة شعرية لظهوره في الشرق، كما تنبأ عنه في الكتاب المقدس، ونفيه الى أرض المسيح، حيث تأسست مملكته الإلهية، قال ما ترجمته:

“يا بيت لحم! إن هذا النور قد ارتفع في الشرق، وسافر الى الغرب، حتى وصلك في نهاية مطافه. فقولي لي إذن: هل تعرّف الأبناء على الآب واعترفوا به، أم أنكروه كما أنكر الناس المسيح من قبل؟”.


الفصل الخامس عشر

قد اشتعل قلب العالم

سيخوضون إنفعالاً لن ينسوه أبداً

الجزء الأول: ثوار الله

إن أمة بهاءالله العالمية، قامت بشكل كبير نتيجة لجهود الشباب، فمئات من الشباب من الجنسين كانوا مستعدين لتقديم حياتهم عن طيب خاطر فداء للبشرية، وذلك من خلال الأحداث الدرامية والإضطهاد الذي قع عليهم من ملوك العالم. هكذا ولد هذا الظهور.

فجأة، وجد ثلاثمائة وثلاثة عشر شاباً من الولهين بمحبة الله وممن أمضوا غالبية حياتهم في التعبد والخلوات الدينية، وجدوا أنفسهم في حالة دفاع عن النفس مقابل جيش عرمرم مدرب ومجهز بالأسلحة المختلفة ومساند من جموع الناس ومبارك من رجال الدين ويقوده أمراء من دم ملكي ومساندين بموارد الدولة.

نهض هؤلاء المؤمنون الرواد المخلصين لحضرة الباب، كروح واحدة ضد الفساد والنفاق في مجتمعهم. فأصبحت ثورتهم الروحية ضد الظلم، “البذرة” التي بدأت تثمر فواكه على شكل نظام عالمي هدفه رفاهية ووحدة الجنس البشري.

أنه أمر لا يستهان به، فلقد وصف الكاتب الفرنسي “رينان” في كتابه “الرسل”، أحد الأحداث الدرامية أثناء نهوض الدين البهائي: “لعلّه يوما لا مثيل له في تاريخ العالم”.

أكثر من عشرين ألف من الأتباع قتلوا في بلاد فارس فقط، غالبية هؤلاء المؤمنين الرواد، ذبحوا في سنة واحدة، ففاق عددهم عدد المسيحيين الذين استشهدوا بقرار حكومي روماني خلال سنوات الاضطهاد الشديدة الثمان على يد الإمبراطور ديوقليدس.

وكتب اللورد كرزون من كدلستون: “إنّ دينًا في مقدوره أن يوقظ في أتباعه مثل هذا الرّوح النّادر النّبيل من التّضحية بالنّفس والنّفيس ليس بالشّيء الّذي يمكن الاستهانة بشأنه”.

إن الروح التي ألهمت وحركت هؤلاء المدافعين المخلصين من أوائل المؤمنين، كانت مؤثرة جدا لدرجة أن البروفيسور أ. ج. براون، من جامعة كامبردج، قال: “قلما تعجز عن التأثير بقوة في كل من يتعرض لها.. ما أن تظهر لهم هذه الروح نفسها، حتى يحسوا بشعور لا أعتقد أنهم قادرون على نسيانه أبداً”.

إن العالم الناضج في الوقت الحالي، تمسكه قبضة الشباب الحديدية التي لا يمكن فهمها ولا التحكم بها، فيقف جانبا على الهامش وهو يراقب بيأس أحبائه يلقون في النيران دفعة واحدة. ومع نزق الشباب، فإن ثورتة تجرف بعيدا الجيد والرديء، ومن الصعب والمؤلم جدا أن تقلع أشجار صالحة لتعالج غابات الأشجار المريضة، فتسقط كل الأشجار. واقترن التمرد العرقي مع ثورة الشباب بدرجة أصبحا في حالات عديدة أمراً مبهما. إنه يخرج من حرم الجامعات الى الشوارع وإلى البيوت ليهدد بإحتواء كل المجتمع، فبدى الثوار رغم نضجهم، كمن يرمي الطفل وماء استحمامه، حتى لا يطردهم الجيران.

والحقيقة أن جميع الحضارات أدامت نفسها لفترات طويلة حتى بعد مفارقة “الروح” التي تسببت في ولادتها. فنحن نطالب الحضارة الغربية في يومنا هذا بالحيوية والنقاء والاستقامة والشجاعة لشبابها رغم ما تعانيه من أمراض الشيخوخة. إن تصلب الشرايين الروحانية قد بدأ، وتحاول التقاليد الدينية الغور عميقا في برميل مصادرها الروحانية للعثور على أية حلول، إلا أنها تخرج خاوية. وباستمرار.. يحاول قادة الأديان والحكومات في المؤسسات القديمة “التوفيق” فيما بينهما. و”يثق” هؤلاء القادة أن مشاكل العالم “وقتية”، ولا شك أنهم سيجدون حلاً لهذه الأزمات العابرة فيما لو تحلى الشباب بالصبر الكافي.

ويبدو أن ممثلو الأنظمة السائدة عاجزين بشكل ما على تقبل فكرة عدم إمكانية العودة الى الماضي لمحاولة حلّ المشاكل على مستويات أسس وطنية وقومية فقط. فأي حلّ لا يستند على رؤية عالمية لحاجات البشر الصارخة، مصيره الفشل. ناهيك عن الطوائف الدينية التي ليس لها علاقة في زمن يحتاج للتوحد كضرورة للبقاء. فلم يعد بالإمكان إطلاق صواريخنا على علاف خيولنا. إن المجتمع العالمي يميد تحت أقدامنا وجدران الحضارات تتساقط من خلفنا، ومازلنا نحاول إخفاء ذلك. إن العالم اليوم لا يعاني من عدم توازن عابر، بل من آلام موت نظام عقيم مهترئ. لقد أصبحنا مجتمعا يسعى للربح بدلا من صنع الرفاهية، ويبحث عن النسيان بدلا من الحقيقة. إن مصادر كوكبنا المادية الهائلة تنفق على أسلحة الحروب والدفاع، وليس على الصحة والتعليم والقضاء على الفاقة والعوز.

فكيف بالامكان توجه الشباب أو أي أمة، لطلب المشورة بخصوص السلام ورفاهية العيش من وكالات أوجدت أساسا لانهاء الحرب والهدم؟


لماذا يستثنى هؤلاء؟

الجزء الثاني: الإنقلاب الروحاني

حذر بهاءالله من الانقلاب الروحاني الذي يجتاح اليوم حتى العائلة باعتبارها حجر الأساس في النظام الاجتماعي. ومهما كانت العملية مؤلمة، فقد حذر من الجهود المبذولة للدفاع عن القيم والمؤسسات القديمة التي تمنع الناس بسبب وجودها من الانتباه الى الحاجة الملحة لنظام اجتماعي جديد يستند على الالهامات الالهية.

إن المبادىء التي يقوم عليها المجتمع البهائي تعلن صراحة:

“إذا عجزت القيم العزيزة القديمة، وافلست المؤسسات المقدسة السابقة، وكفّت المؤسسات الاجتماعية والدينية قدرتها على التجاوب مع احتياجت البشر المتنامية باستمرار وتحقيق رفاهية غالبيتهم، فلتترك جميعها وتبعد جانباً ولتوضع في دهاليز النسيان مع ما سبقها من العقائد المهملة القديمة. فلماذا تحصّن وتستثنى دون بقية مؤسسات البشرية قاطبة، في عالم تحكمه سنّة شاملة ثابتة قائمة على الضعف والتغيير والتبدل؟ فمعايير القوانين والنظريات السياسية والبرامج الاقتصادية، ما وضعت الا لحماية مصالح البشرية جمعاء، وليس لصلب الناس على أعواد مشانقها”.

إن البهائيون يرون الإنهيار الإجتماعي الحالي، عملية طبيعية لا مرد لها، إلا أنه يمكن في حالة واحدة فقط، كبح جماحها وتغيير مسارها سلميا، إذا انعطف الناس والأمم إلى المصدر الأساس لكل الحضارات الانسانية.

إن البهائيون يطيعون بحزم حكومات البلدان التي يسكنونها، وبهاءالله بذاته أمرهم التصرف بـ “أمانة وإخلاص ومصداقية” مع حكومات بلادهم. إن تعاليمه لا تطلب من البهائيين أن يقتصر ولاؤهم لحكوماتهم فقط، بل حرّمت عليهم أيضا، أي تدخل في الحركات السياسية.

على البهائيين في كل مكان واجب مقدس في السعي لترقية مصالح حكوماتهم وشعوبهم بأفضل السبل دون اقحام أنفسهم في الشؤون السياسية والنشاطات الدبلوماسية لأي حكومة. وهم يعتقدون أن الوطنية الحقة لا تتعارض مع ولاء الإنسان الأسمى لله تعالى ولرفاهية الجنس البشرى.

وفي هذا الإطار الواضح المستقيم، فإن البهائيون يعملون باجتهاد لتغيير كل ما هو طالح وظالم بكل الوسائل المتاحة. وفوق كل ذلك، يبحثون عن تغيير قلوب البشر، فلا يمكن إيجاد نظام عالمي جديد، إلا إذا كان هناك ضمير عالمي جديد. إن فئة الشباب هي الفئة التي تبدو أكثر تفهما لأهمية هذا التوازن، ويا للسخرية.. فإن هذه الشريحة من المجتمع والتي توصف بـ “غير المسئولة” والعنيفة، هي الأكثر تفهما لحاجة الإنسانية للأخلاقيات والتجديد الروحاني.

تذكر كتابات بهاءالله أن “أهم واجب حيوي” كلف به البهائي، هو “تطهير” الذات. فكل بهائي مأمور بالتصرف بأخلاق حميدة الى درجة أن يشار اليه بالبنان بين الناس. وعلى ما يبدو في الظاهر أن هذه الأهداف المستحيلة يمكن تحقيقها فقط بما أبدعه يراع بهاءالله من جامعة حقيقية ومجتمع يناسب البشرية للعيش فيه.

يقول بهاءالله، إن الله يحب ويؤيد في هذه الأيام “أولئك الذين يعملون في سبيله متكاتفين”. مثل البدن السليم، تقدم جامعة بهاءالله، الغذاء الروحاني الذي تحتاجه كل خلية في الجسد. فليس هناك سبيل آخر للحياة.

وبعيدا عن التشاؤم، فقد أدركت الجامعة البهائية أن أوجاع الأمراض التي ابتلي بها المجتمع اليوم، هي “رعشة الموت” لحضارة تحتضر، وفي نفس الوقت، هي “آلآم ولادة” لأسس حضارة انسانية جديدة و”فلك نجاة البشرية”، تنهض بقوة وجمال على أطلال الحضارة القديمة.

ساعة الانتصار النهائي

الجزء الثالث: مجتمع عالمي

إن مجتمع بهاءالله كان منذ أيامه الأولى مجتمع شباب، فلم يتجاوز عمر المبشر بالدين البهائي “حضرة الباب”، عند بداية رسالته المقدسة، عن 25 ربيعا، وكان عمره 31 عاما فقط عندما صوّب نحوه 750 جندي من فرقة الإعدام بنادقهم. أما رفيقه الذي استشهد معه في تلك المناسبة ورأسه يستند الى صدر مولاه، فقد كان عمره 18 عاما فقط.

إن جميع أعمار حواريي حضرته كانوا شبابا، فالأول كان في السابعة والعشرين والأخير في التاسعة عشر. وبهاءالله بذاته لم يتجاوز السابعة والعشرين عاما عندما بدأ بنشر تعاليم الباب في مقاطعته المحلية، و 36 عاما عندما بدأ رسالته المقدسة. وكان عمر “عبدالبهاء” تسعة أعوام عندما أدرك لأول مرة المكانة العظيمة لوالده “بهاءالله”. كان طفلا صغيرا عندما رأى بهاءالله يكتنفه الألم والمعاناة تحت وطأة وثقل السلاسل الحديدية في سجن الجب الأسود، وكان عمره 19 عاما عندما غادر العراق منفيا مع والده، ولم يكن عمره سوى 24 عاما عندما وصل إلى مدينة السجن عكاء وأسند “بهاءالله” له مسئولية التعامل مع العالم الخارجي. وفي نهاية عقده الخامس، وبعدما وفاة والده، ألقي على عاتقه مسؤولية إدارة شؤون العالم البهائي.

ميرزا مهدي، أخ عبدالبهاء الأصغر، لم يكن عمره سوى 22 عاما عندما ضحى بحياته في سجن عكاء على أمل أن تفتح أبواب السجن وتلمس روح وحي بهاءالله المقدسة، قلوب البشرية جمعاء. وحفيد عبدالبهاء، ولي أمر الدين البهائي، “شوقي أفندي”، كان عمره 25 عاما عندما تسنم القيادة العالمية للدين البهائي.

كما أن عضوية الهيئة الإدارية العالمية الحالية (بيت العدل الأعظم)، وهي أعلى هيئة منتخبة في الدين البهائي والتي وصفت في الآثار البهائية بـ “الملجأ الفريد” لهذه “الحضارة المتداعية”، قد تألفت من 9 أفراد، ويشكل الشباب نسبة كبيرة من أعضائها.

أما الرسول الذي حمل رسالة بهاءالله الجبارة الى ناصرالدين شاه، فكان بالكاد صبياً لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، وكانت عائلته يائسة من تصرفاته، واعتبروه كما يقال اليوم عن أمثاله بـ “المهمل”. ومع ذلك فقد اختاره بهاءالله من وسط جموع المتطوعين لهذه المهمة الجليلة. ووحيدا.. مشى على قدميه كل المسافة من السجن على البحر الابيض المتوسط الى طهران عاصمة إيران، في رحلة دامت أربع شهور. كان اسمه “أقا بزرك”، معروف بإسم “بديع”، وبمجرد تسليمه الرسالة لناصرالدين شاه، اعتقل وكوي بالحديد المحمى وعذب لثلاثة أيام متوالية، وفي النهاية ضرب حتى لقي حتفه والقيت جثته في حفرة.

وقد كتب حضرة بهاءالله عن ذلك الشاب: “نفخنا فيه روحا من لدنا”، وامتدحه باستمرار زهاء ثلاثة أعوام في آثاره المباركة قائلا ان هذه التضحية كانت مثل “ملح” في الغذاء الروحاني الذي تحتاجه البشرية.

في كل أنحاء العالم، في أفريقيا، آسيا، أستراليا، جزر جنوب الباسفيك، أمريكا اللاتينية وأوربا، تزداد أعداد الشباب الذين يعتنقون دين بهاءالله كل سنة. وهؤلاء المراهقون والشباب يشكلون الأغلبية لجيش بهاءالله الروحاني الجديد.

لا توجد في الجالية البهائية “فجوة أجيال”، كما هو الحال في عدم وجود فوارق بين الأعراق والطبقات. إن الافتقار للتواصل الاجتماعي الذي يسبب انشقاقا في مجتمعنا المريض، لن يدوم إذا تقبل كل فرد غيره كما هو عليه دون اعتبار للسن أو العرق أو الجنس أو.

إن أحد حواري “الباب”، شاب في التاسعة عشرة من عمره، (القدوس) كان أول من قاسى العذاب على التراب الإيراني، وشارك في جميع مراحل التعذيب . جنبا الى جنب مع حواري آخر عجوز (الملا حسين) ” صمدا في دورة من دورات التعذيب بمعجزة أمام ألف جلدة على ظهره. لقد قاسيا معا كأتباع مؤمنين. وهى متكررة دائما.

فترة الشباب في الأساس، ليست حالة زمنية معينة، إنها حالة عقلية؛ فالسنين تجعد البشرة، لكن فقدان المثل العليا يؤدي إلى تجعّد روح الانسان وذبولها، مهما كان عمره، شابا أو مسناً.

لم يأت بهاءالله لفئة معينة، بل جاء للعالم أجمع، ودينه دعوة للشباب وللكبار على حد سواء، ليقوم الجميع بتبليغ تعاليمه لشفاء واصلاح عالم تسيطر عليه أهواء الحياة الشخصية. ويقدم بهاءالله تحدياً يختبر فيه اليوم عزيمة وجَلَد وإيثار وتضحية واخلاص جميع الناس من مختلف الأعراق والثقافات والأمم ومن جميع المستويات الاجتماعية.

هذه هي كلمات شوقي أفندي، حفيد بهاءالله الأعظم  التي ألهمت وقادت انتشار رسالة الله حول العالم:

(.. على الأحباء الاعزاء المؤيدين والعاملين في ظل تأييد حضرة بهاءالله الروحاني ممن يشكلون جحافل جيشه المتقدمة قبالة أي تهديد يلاقونه وتحت أي مناخ يناضلون فيه وتحت أي ظرف من الظروف.. سواء في المناطق الباردة المحيطة بالقطب الشمالي أو الاستوائية الحارة من الشرق والغرب، على حدود غابات بورما، ماليزيا والهند؛ على أطراف صحراء أفريقيا أو شبه الجزيرة العربية، في الجزر الفريدة المنعزلة من الأطلسي والهادى وبحر الهند وبحر الشمال، بين القبائل المتنوعة لزنوج أقريقيا، بين شعوب الاسكيمو واللابيين في المناطق القطبية وفي منغوليا في الشرق أو في جنوب شرق آسيا بين القبائل القاطنة في جزر جنوب المحيط الاطلسى، او تحت وطأة تحفظات الهنود الحمر في الأمريكتين أو بين الماوريين في نيوزيلاندا والسكان الأصليين لأستراليا أو في معاقل تعصب المسيحيين والمسلمين سواء أكانوا في مكة، روما، القاهرة، النجف، كربلاء أو في المدن التي ينغمس أهلها في الماديات ويتنفسون ما يحيطهم من رياح الكراهية والتعصب ويجدون أنفسهم إما محاطين بسلاسل المادية الشديدة أو بين من يتنفسون هواء التعصب العدواني، أو مصفدين في أغلال كراهية من سقطوا تحت وطأة قوى التعصب والعنصرية ومواجهين بضيق الأعداء.. نقول لهم جميعا بالاضافة الى أولئك الذين وهبوا أنفسهم لتحقيق وأزدهار المشروع الالهي، بأنهم هم الذين لبوا النداء وقاموا رغم كل ما واجههم من صعاب.. لنصرة هذا الدين القاهر، سواء كانوا وسط الهندوس يساهمون بدعم الكلمة الالهية لكسر النظم القديمة التي عفى عليها الزمن لرفعهم الى درجات أعلى وكذلك لتقديم البديل الذي يستغنى به عن تعاليم الدين البوذي وكسر قيود مؤسساته ونظمه الدينية بقوى المؤسسات الالهية وبالانتصارات التي يحصلون عليها من نظام حضرة بهاءالله الذي سيتغلغل في غابات الامازون ويصعد الى الجبال في مناطق التبت ليؤسس ويواجه مباشرة الجموع التي ستستقبله مستبشرة حتى في وسط الصين ومنغوليا واليابان، فيجلس الاحباء بينهم ويتناقشون ويتشاورون حتى في داخل مستعمراتهم وداخل أسوار روسيا او حتى في المناطق المتناثرة والتجمعات القليلة في سيبريا؛ اني أناشدكم جميعا لاطاعة حضرة بهاءالله والعمل بموجب تعاليمه حتى تغمركم التأييدات الالهية وينصرنكم جنود الملأ الاعلى استعدادا ليوم الأيام الذي تظهر فيه الانتصارات الالهية. عندها سنحتفل بساعة النصر النهائي). من رسائل موجهة للعالم البهائي صفحة 37-38. (مترجم).

فهبّ الناس من جميع الأعمار، بالمئات والآلاف من كل الأمم والأعراق، لتلبية هذا النداء.

يتفضل حضرة بهاءالله ما ترجمته: “إن الأمر الإلهي قد هيأ قلب العالم للاشتعال، فكم هو مؤسف إذا فشلت أنت في إيقاده”.

 

وليم سيرز، كاتب ومخرج تلفزيوني، حاز على جمهور كبير من المستمعين وعدد من الجوائز في الولايات المتحدة. كتب ومثّل في برنامجه “CBS” و”في الحديقة”، وله عمل آخر عرف في دليل التلفزيون، هو الأكثر شيوعا في مجاله.

في عام 1953، شرع السيد سيرز في أول سلسلة لرحلاته الواسعة في افريقيا والشرق الادنى ليجمع مستلزمات كتبه التالية: “لص في الليل”، “دع الشمس تشرق”، “الله يحب الضحك” و “الخمر المذهل”.

وخلال رحلاته.. خطرت له بالمصادفة قصته “السجين والملوك”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملحق الصور

 

 

 

 

 

 

 

 

المرحوم ويليام سيرز William Sears   عاش (1911-1992م)

مؤلف هذا الكتاب The Prisoner and the Kings  باللغة الإنجليزية

 

 

 

 

 

 

 

خارطة تبين خط سير رحلات نفي حضرة بهاء الله من طهران إلى بغداد سنة 1853م و من بغداد إلى إستانبول سنة 1863م  و منها إلى أدرنة (ارض السر) حيث نفي في اغسطس 1868م إلى مدينة السجن الأعظم عكا في رحلة بحرية انطلقت من ميناء غلبولي مرورا بالاسكندرية و بور سعيد و حيفا و انتهاءاً بعكا التي عاش فيها و في نواحيها بقية سنوات ولايته  حتى صعوده سنة 1892م.

 

 

 

 

 

 

صورة نادرة من سجن سياه جال ( الجب الاسود) جنوب طهران الذي سجن فيه حضرة بهاء الله مع أكثر من مائة و خمسين سجيناً سنة 1852م و شهد بداية ولايته المباركة ونزول التكليف الإلهي عليه بتجلي الروح الأعظم عليه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة للسلسلة الحديدية الضخمة التي ربطت حول عنق حضرة بهاء الله خلال فترة سجنه في سياه جال الجب الأسود وتعرف باسمقره جوهر أثقلالسلاسلوتزن نحو 51 كلغ.و قد تركت أثارها على عنقه و معصميه.

مشهد لمدينة أدرنة(في الشطر الاوروبي من تركيا)  التي نفي إليها حضرة بهاء الله  و عاش فيها في الفترة (1863-1868م) و عرفت في أثاره بأرض السر و السجن البعيد التي شهدت الإعلان العالمي لرسالته المباركة و منها بدأ بمخاطبة ملوك  و رؤساء زمانه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صورة جوية لـمدينة السجن الأعظم عكا التي نفي إليها حضرة بهاء الله مع عائلته و عدد من أتباعه  بموجب فرمان السلطان عبد العزيز سنة 1868م.و داخل أسوار هذه المدينة نزل الكتاب الاقدس سنة 1873م أقدس كتب دورته المباركة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قلعة سجن عكا التي سجن حضرة بهاء الله مدة سنتين وشهرين و خمسة أيام منذ 31 أغسطس 1868م

 

 

 

ناصر الدين شاه قاجار عاش (1831-1896م) سلطان العجم نجل محمد شاه قاجار و قد اعتلى العرش و هو لا يزال قاصراً منذ 17 سبتمبر 1848م و بقي على عرش إيران حتى اغتياله في ضريح شاه عبد العظيم في 1 ماي 1896م و في عهده كان استشهاد حضرة الباب في 9 يوليو 1850م و ولاية حضرة بهاء الله (1853-1892م)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السلطان العثماني عبد العزيز عاش (1830-1876م) حكم (1861-1876م)

الذي أصدر فرمان نفي حضرة بهاء الله و عائلته إلى السجن الاعظم في عكا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نابلوين الثالث عاش (1808-1873م)  ابن لويس بونابرت شقيق نابليون بونابرت

رئيس جمهورية فرنسا منذ 10 ديسمبر 1848م و إمبراطورها من 2 ديسمبر 1852 و حتى 4 سبتمبر 1870م.

 

 

 

ويلهام الأول Wilhelm I عاش (1797-1888م) ملك مملكة بروسيا (2 يناير 1861-9 مارس 1888م) و إمبراطور ألمانيا الموحدة (18 يناير 1871-9 مارس 1888م)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القيصر ألكسندر الثاني نيكولايفيتش رومانوف عاش (1818-1881م) دوق فينلندا الكبير و  قيصر روسيا من 22 مارس 1855م و حتى اغتياله 13 مارس 1881م

 

 

ألكسندرينا فكتوريا Alexandrina Victoria عاشت( 1819-1901م) ملكة بريطانيا العظمى و إيرلندا من20 يونيو 1837 و إمبراطورة الهند منذ 1ماي 1876م و حتى وفاتها 22 يناير 1901م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فرانز جوزيف الأول Franz Joseph I عاش (1830-1916م) إمبراطور إمبراطورية النمسا و المجر من 2 ديسمبر 1848 و حتى وفاته 21 نوفمبر 1916م

 

 

 

البابا بيوس التاسع و لد باسم جيوفاني ماريا ماستاي – فيريتي و عاش (1792-1878م) و اعتلى كرسي البابوية في روما 16 يونيو 1846م و استمرت ولايته قرابة 32 سنة و اشتهر بأنه صاحب مرسوم العصمة البابوية سنة 1869م و أخر بابا ذو سلطة حكم سياسية و قد أجبر على التخلي عن روما بعد توحيد إيطاليا سنة 1870م و صار حبيس الفاتيكان حتى وفاته 7 فبارير 1878م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اغتيال ابن شقيق إمبراطورية (النمسا-المجر) ولي العهد النمساوي و زوجته في سراييفو عاصمة إقليم البوسنة و الهرسك  بتاريخ الأحد 28 يونيو 1914 م من قبل الطالب الصربي غفريلو برانسيب Gavrilo Princip حيث أطلق رصاصتين من مسدسه الشبه أتوماتيكي من نوع 1910FN Model caliber380  فأصاب ولي العهد الارشيدوق فرانز فرديناندArchduke Franz Ferdinand  برصاصة في العنق و أصاب زوجته برصاصة في الصدر فماتا على الفور على الساعة الحادية عشر صباحاً.و كانت تلك الحادثة شرارة اندلاع الحرب العالمية الأولى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الغصن الاعظم عباس أفندي الملقب بـ حضرة عبد البهاء الابن الارشد لـ حضرة بهاء الله

عاش (1844-1921م) و لايته (1892-1921م)

 

الغصن الاعظم عباس أفندي الملقب بـ حضرة عبد البهاء الابن الارشد لـ حضرة بهاء الله

عاش (1844-1921م) و لايته (1892-1921م)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: