الأقتصاد والقيم الأخلاقية

الإقتصاد والقيم الأخلاقية

بقلم وليم هاتشر

Economics and Moral Values

By

William S. Hatcher

مجلة   World Order

المجلد 9 العدد 2 –  شتاء 1974/1975


هنالك شعور طاغي بأن الاقتصاد والأخلاقيات شيئان لا يتواءمان. فالأخلاقيات تتعامل مع القيم المعنوية غير الحسّية وتعالج ماهو إنساني شخصي وما هو عاطفي أو انفعالي لدي الإنسان، بينما الإقتصاد بطبيعته ليس إنساناً وليس له كيان ذاتي، فهو يضع سعراً (قيمة مادية) علي كل شئ. ويعتبر الإنسان وحدة إنتاجية استهلاكية في نظام واسع ليس له كيان ذاتي.

لقد زعمت المبادئ الأخلاقية للأعمال التجارية الحديثة أن السمة غير الذاتية (غير الإنسانية) للإقتصاد الحديث لا يمكن تفاديها، إذ يقال لإنتاج ما يكفينا لابد من زيادة معدل الإنتاج باستمرار، وكل ما لا يساعد علي الزيادة المستمرة في الإنتاج يعتبر معوقا ويضر بالإقتصاد وبالتالي يضر بخير ورفاهية العموم. فمثلا ما هو مفيد لجنرال موتورز مفيد لكل واحد منا وهكذا يظهر التناقض بين الإقتصاد والأخلاقيات. بين ما هو معنوي وما هو حسّي. وكان كل من ساند هذا التناقض بين الإقتصاد والأخلاقيات يهدف إلي تحرير النظام الإقتصادي كُلية من أي تحكم خارجي لا صلة له بالأمور الإقتصادية البحتة. ولم يعتريهم أدني شك في قبول عامة الناس بعدم ربط الإقتصاد بالأخلاقيات لأنه وحسب إعقادهم أن الطبيعة البشرية دائما تميل إلي الحسّيات وليس المعنويات.

ولكن أصبح واضحاً الآن أن الغالبية العظمي من الناس خاصة الأجيال الشابة الحالية تميل إلي المعنويات وليس الحسّيات. عموما هنالك شك في سلامة الرأي المساند للتناقض بين الأخلاقيات والإقتصاد. لأنه من الممكن أن تكون القيم غير الإنسانية المتعلقة بالنظام الإقتصادي الحديث قد سبقت هذا النظام الإقتصادي وليست وليدة منه.

لأن المال ليس مفسدة ولكن الأشخاص الفاسدون هم الذين يستعملون المال (الثروة) بطرق فاسدة لغايات فاسدة. إن نظامنا الإقتصادي هو إنعكاس خارجي لما في داخل نفوسنا ويؤكد ذلك إقتناع وإعتراف الإقتصاديين مؤخراً بأن المعنويات يمكنها أن تؤثر سلباً في الإنتاجية.

لا يمكن تغيير النظام الإقتصادي بأي حال من الأحوال إلا إذا غيرنا أخلاقياتنا.

بادئ ذي بدئ، فلنتخيل بداية التاريخ عندما كان هنالك أفراد ولم يكن هنالك أي نظام إجتماعي. حينذاك كان الفرد حراً من أي قيود إجتماعية وكان علي الفرد أن ينتج ما يستهلك أي هو المستهلك الوحيد لإنتاجه. وكانت الدائرة الإقتصادية متمركزة في الفرد. ولكن الفرد في المجتمع عليه نوعان من القيود، أولا: إحتياجاته الخاصة التي لا بد من الإيفاء بها كالطعام والمأوي … الخ، وهي معنوية وحسيّـة أيضا. ثانيا: قيود إجتماعية وهي متطلبات خارجية تفرض عليه بواسطة المجتمع في محاولة لإجباره علي أن يلعب دوراً معيناً في حياة المجتمع. ومن وجهة نظر الفرد فإن أي نظام إجتماعي لابد من أن ينظر إليه علي أنه حالة توافقية بين هذه القيود. أي إحتياجات الفرد من جهة واحتياجات المجتمع لضبط النظام والسيطرة علي أوضاع المجتمع.

في تلك الأزمنة كان الفرد حراً تماماً من أي قيود إجتماعية وذلك لعدم وجود مجتمع، ولكنه كان واقعاً تحت قيود احتياجاته المادية من مأكل وملبس ووقاية فإذا وقع فريسة للمرض أو العجز الذي يعوقه عن النشاط لفترة طويلة فإنه سيموت.

بعد أن كونا فكرة عن الوضع الإقتصادي للفرد بدون مجتمع فلننظر الآن إلي كيف يساهم النظام الإجتماعي في تغيير هذا الوضع، أي وضع الفرد بدون مجتمع، وهو الذي ينتج كل ما يستهلك وهو المستهلك الوحيد لما ينتج، والشئ الوحيد الذي يغير هذا الوضع هو أن ينتج الآخرون شيئاً يستهلكه الفرد أو أن يستهلك الآخرون شيئاً ينتجه الفرد: أي أن تبدأ عملية ما يسمي بإقتسام العمل division of labour.

إن إقتسام العمل هو الخطوة الأولي المنطقية نحو تكوين المجتمع، علي الأقل من وجهة نظر إقتصادية بحتة. إن إقتسام العمل يعتبر أداة للنظام الإجتماعي لا تفترض الإستعانة بأي نوع من التكنلوجيا رغم أنها تتأثر بوجود التكنلوجيا، ولكنها تستلزم أنواعاً معينة من العلاقات الإجتماعية. فعلي سبيل المثال من أجل أن يقبل الفرد ألا ينتج بعض الأشياء التي يحتاجها لا بد أن تكون لديه ثقة في أن الآخرين سينتجونها.. والآخرون يجب أن تكون لديهم ثقة في أن هذا الفرد سينتج ما يحتاجونه.

إذن لابد من وجود نوع من الثقة المتبادلة. وهذه الثقة المتبادلة هي حجر الزاوية في اقتسام العمل وفي بناء المجتمع، فهي قيمة معنوية (أخلاقية) لإنتاج أشياء حسيّـة. وهذه الثقة المتبادلة لها شقان: فهي أولا ثقة في الفرد بأنه سيسعي بأمانة لأداء واجبه في إنتاج الجزء الملقي علي عاتقه والذي يحتاجه الآخرون ولكنهم لا ينتجونه. ثانيا إنها ثقة في النظام الإجتماعي بأن يفرض علي الأفراد الآخرين القيام بواجباتهم حتي يتحصل الفرد علي الأشياء التي يحتاجها ولكنه الآن لا ينتجها.

وعليه فإننا نري أن المعالم الأساسية الأخلاقية موجودة ضمناً منذ البداية وتتمثل في إنضباط الفرد، الطاعة، الثقة، خلق الفرد، المسئولية الإجتماعية وغيرها. وهنا يبدأ نوع من الشد والجذب. فالفرد قد أصبح الآن بين تيارين: تيار داخلي يتمثل في إحتياجاته ورغباته، وتيار خارجي من المجتمع الذي يفرض عليه أداء مهام معينة تجاه مجتمعه.

وبما أن الفرد قد أعفي من إنتاج بعض الأشياء التي يحتاجها لأن الآخرون سينتجوها، فقد إزدادت حريته تلقاء نفسه ولكن قلت (تقلصت) حريته تجاه المجتمع.

في البداية لم يكن تحقيق الفرد لذاته بأكثر من جهده للبقاء علي قيد الحياة لأن معركته للبقاء علي قيد الحياة أخذت منه كل وقته واستنفذت كل طاقاته فلم يكن هنالك أي تطور فكري، وروحي أو معنوي. لأن المتطلبات المادية أجبرت الفرد علي أن يعيش في مستوي الحيوان. ولم يكن هنالك أي تقدم من جيل إلي آخر، لأن كل جيل كان يبدأ من نفس المستوي أي من نقطة الصفر. وهذا يوضح كم هي إجتماعية أفكارنا وأحاسيسنا الخاصة. وكل ما يرفعنا أو يسمو بنا فوق المستوي الحيواني أصبح ممكنا بفضل وجود نوع من النظام الإجتماعي الذي بدوره يعتمد علي وجود مستوي معين من الأداء الأخلاقي والمعنوي. لذا يمكننا القول بأن الأنظمة الإجتماعية بما في ذلك النظام الإقتصادي لأي مجتمع في أي زمان ومكان هو تعبير عما يتمتع به المجتمع من أخلاقيات وعليه فإن الإقتصاد يعتمد علي الأخلاقيات.

يمكننا الآن معرفة أن الإتجاه الأساسي للتطور والنماء الإجتماعي هو الزيادة المطردة في حرية الفرد تجاه ذاته (أي الحرية الداخلية). يصاحبها مستوي من التوازن الدقيق والمنضبط في النظام الإجتماعي. لا يهدف المجتمع إلي توفير إحتياجات الفرد المادية فقط، لأنها توفرت له من غير مجتمع ومن الواضح أن المجتمع ليس فقط مجموع الأفراد الذين يكونونه، ولكنه مجموع الأفراد زائدا الخواص التي تتميز بها العلاقات بين هؤلاء الأفراد. أما إذا غابت العلاقات المتبادلة في أي تجمع للأفراد فإنه يكون أقـرب إلي الحالة البدائية التي بدأنا بها أي الفرد. وبما أن طبيعة هذه العلاقات أساساً أخلاقية فإن عدمها (غيابها) في تجمعات للأفراد مهما كبرت هذه التجمعات فإنها تكون أقـرب إلي المستوي الحيواني من الوجود، يسعي كل فرد فيه من أجل نفسه فقط وتقل فيه درجة الحرية نحو الذات (الحرية الداخلية) إلي الصفر.

إن اقتسام العمل division of labour كأداة للتنظيم الإجتماعي يمثل الخطوة الأولي فوق المستوي الحيواني من الوجود.

مع تقدم علماء المجتمع يميل إقتسام العمل نحو المزيد من المهارة الفردية والتخصص وتأتي الخطوة التالية في تطور ونماء المجتمع عندما تصبح المعرفة والمهارات اللازمة للحفاظ علي النظام الإجتماعي أكبر من أن يتولي أمرها الفرد بنفسه. وهنا تبرز الحاجة إلي مستوي آخر من التنظيم. فيظهر المعلمون والمدربون والمثقفون الذين يكرسون جهدهم لفهم واستيعاب المهارات ونقلها من جيل إلي آخر. ويتكون هنالك وعي واضح بالأهمية التي تلعبها الجودة في العلاقات الإنسانية اللازمة للنظام الإجتماعي. فهنالك الآن أناس أصبحت مهمتهم دراسة واستيعاب هذه الجودة في القيم ونقلها من جيل إلي جيل، أي أصبحت هنالك حاجة ماسة لإداريين ومدربين وقانونييـن… الخ.

وهذا أدي إلي ظهور طبقة (مجموعة) من الناس لا تنتج بصورة مباشرة أي شئ حسي (طعام، مأوي … الخ) ولكنهم يستهلكون وهذا اقتصاديا يتطلب مستوي أكبر من الإنتاجية من قبل الأفراد المنتجين. في المجتمعات الصناعية الحديثة توفر للمجتمع وسائل وأدوات فعالة لإنجاز ذلك، ولكن في المجتمعات البدائية كان هنالك سبيل واحد لا غيره ألا وهو إيجاد طبقة تنتج أكثر مما تستهلك لتعويض استهلاك تلك الطبقة من الإداريين والمدربين والمثقفين التي تستهلك أكثر مما تنتج.

وهكذا ظهر نوع من الرق وأصبح ظاهرة متبعة في المجتمع الإنساني. وأصبح هذا الشكل الحتمي من الرق الإضطراري سمة من سمات كل مجتمعات ما قبل الوصول إلي المستوي الصناعي للقرن العشرين. ولم يشذ أي مجتمع عن هذه القاعدة. واستمر هذا الوضع إلي القرن التاسع عشر عندما حرر الرقيق في أمريكا الشمالية وحرر الفلاحون عبيد الأرض المملوكين للإقطاعيين في روسيا ومنعت تجارة الرقيق في المستعمرات البريطانية. مع ذلك إلا أن الرق (التسخير) قد استمر في المجال الصناعي في أمريكا وأوروبا حتي في القرن العشرين. قد يجادل البعض بالقول بأنه كان بالإمكان إلغاء العبودية والرق في مجتمعات ما قبل الثورة الصناعية، ولكن الحقيقة التاريخية الدامغة تدل علي أنه لم يحاول ذلك أي مجتمع من مجتمعات ما قبل الثورة الصناعية.

إذا كان الرسل الكرام لم يحرموا الرق تحريما باتاً إلا أنهم اتخذوا خطوات قوية للتخفيف من وطأته وجعله أكثر إنسانية. وقد سنوا بعض القوانين والأحكام التي تضمن معاملة حسنة للرقيق. فنجد أن سيدنا موسي قد أتاح للرقيق الوقت للراحة والاستجمام، إذ حرم العمل في يوم السبت (مرة في الأسبوع) وجعل ذلك إحدي الوصايا العشر. كما أكد السيد المسيح علي القيمة الأصيلة في كل فرد، أي فرد، وقدرته علي إقامة علاقة مع الله سبحانه وتعالي، خالقه وموجده، علاقة لا تعتمد علي وضعه الإجتماعي بل مبنية علي المحبة. أم الإسلام فقد جعل من عتق رقبة كفارة عن السيئات وجعل من كل طفل يولد لأي مسلم حراً. والجدير بالذكر هنا أن النساء في زمن سيدنا محمد (صلعم) كن في وضع يماثل وضع الرقيق فكن يبعن ويشترين لكل الأغراض، فأمر الرجال بأن يكونوا قوامين علي النساء لكي يراعوهن ويمجدوهن ويحترموهن ويقوموا علي راحتهم كما أعطي النساء حقوقا في عقود الزواج.

نعود ونلخص النقاط الرئيسية في موضوعنا وهي: النظام الإقتصادي لأي مجتمع مبني علي اقتسام العمل. والمستوي الأول من هذا الإقتسام هو انتاج واستهلاك الضروريات المادية. والمستوي الثاني هو إنتاج الأفكار والخدمات الضرورية للحفاظ علي استمرارية المستوي الأول. وفي مثل هذا النظام بفترض وجود نوع من الأخلاقيات كالثقة المتبادلة والرغبة في المشاركة في مثل هذا النظام الذي بإمكانه الاستمرار دون أن تكون هنالك تكنلوجيا متقدمة، ولكن وجود التكنلوجيا يؤثر كثيرا علي مثل هذا النظام. فعلي سبيل المثال يمكن للإستعانة بالتكنلوجيا أن نسمح بمنع الرق علي الأقـل في المجال الصناعي.

إذاً ما هو الشئ الذي يجعل الفرد وبمحض إدارته يتخصص في مجال ويقبل بوضعه في النظام الإقتصادي؟ وما هو الشئ الذي يمنحه الثقة في أن الأشياء التي يحتاجها ولا ينتجها سيحصل عليها؟  باختصار، ما هو الأساس الدافع والباعث علي الثقة المتبادلة الضرورية لاستمرار النظام الإقتصادي؟  من الواضح أن هنالك إجابات مختلفة لهذه التساؤلات، ولكن كل إجابة ستحدد نظاماً إقتصادياً بعينه. نظاماَ إقتصادياً يحق لنا تغريفه حسب الأساس الدافع والباعث لواقع أخلاقياته.

أحد الدوافع الممكنة هي رغبة الفرد في زيادة استهلاكه، أي رضا الفرد بأن يلعب دوره في النظام الإقتصادي لأنه يرغب في المزيد والمزيد من المنافع والخدمات “أنا أنتج لأحصل علي المزيد وأنت تفعل نفس الشئ”  هذه هي كلمة السر غير المكتوبة وهذا هو الدافع المعنوي الذي يبني عليه النظام الرأسمالي المعاصر. والذي فيه يعتمد الإنتاج علي الرغبة في المزيد من الإستهلاك. ومن أجل أن ينجح هذا النظام لابد لهذا الدافع أن يكون لدي حميع الأفراد تقريباً. أما إذا انصرف جزء كبير من الناس عن هذه الرغبة أي زيادة استهلاكهم فإن هذا النظام الإقتصادي سيكون في ورطة.

أحد معالم هذا النظام هو ديناميكيته أي حركته ونشاطه، إذ بما أن الرغبات لا حدود لها، عكس الاحتياجات التي هي بطبيعتها محدودة، فإنه لا توجد نقطة تشبع، أي أن هنالك خط حلزوني لا ينتهي تولد فيه الرغبة للمزيد من الإستهلاك، والمزيد من الإستهلاك ينتج عنه المزيد من الإنتاج والذي بدوره يولد المزيد من الإستهلاك وهكذا. فالرغبة في الإستهلاك هي الشرارة التي تنطلق مباشرة من المستهلك إلي المنتج وبالعكس دون وساطة. والفرد المنتج–المستهلك ليس بحاجة إلي تأكيد رسمي من الحكومة أو أي طرف آخر بأن الآخرون قد التزموا بأن ينتجوا، فهو يعلم بأنهم سينتجون لأنهم يريدون أن يستهلكوا تماما كما هو يريد أن يستهلك. لذا فإن دور الحكومة في النظام الرأسمالي موجه لحد كبير نحو التأكد من أن قواعد “اللعبة” تحترم بصورة أو بأخري. إن ديناميكية النظام الرأسمالي لا تعتمد علي الحكومة التي تلعب دوراً تنظيمياً فقط. إن قدرة النظام الرأسمالي علي العمل باستقلالية كبيرة سمح للحكومة بأن تبدو أكثر استقراراً مما هي عليه في واقع الأمر. فقد تحدث عدة أزمات في المجال السياسي دون أن يتأثـر النظام الإقتصادي بصورة واضحة. إن أكثر ما يضر بالنظام الرأسمالي، أكثر من تدخل الحكومة، هو أي شئ يضعف من المحرك والباعث الأساسي لهذا النظام. فالهيبيز Hippies   وما شابهها من حركات تعتبر تهديداًَ كبيراً للنظام الرأسمالي لأنهم يرفضون الدافع والباعث الأساسي للنظام ألا وهو المزيد من الإستهلاك. إن الغضب الغير عادي تجاه هؤلاء السذج هو اعتراف بخطورة التهديد للنظام الإقتصادي بإضعاف المحرك والباعث له.

النظام الإقتصادي الثاني هو النظام الإشتراكي بصوره المختلفة. إن الدافع والباعث للنظام الإشتراكي مشابه لما في النظام الرأسمالي ويختلفان فقط في أن الإشتراكية تركز علي الإيفاء بالإحتياجات وليس الرغبات، وهذا يتطلب نوعا من الوساطة والتي عادة تقوم بها الدولة. والدولة هي التي تحدد ما هي الإحتياجات. بالإضافة إلي أن في النظام الإشتراكي تختلف طريقة توزيع المنتجات عن تلك في النظام الرأسمالي. إذ يعتمد التوزيع في النظام الرأسمالي علي آلية السوق، بينما يعتمد في النظام الإشتراكي علي الدولة ثم علي آلية السوق. لذا في النظام الإشتراكي تلعب الحكومة دوراً أكير أهمية في تسيير دفة النظام الإقتصادي أكثر مما في الرأسمالية. وفي النظام الإشتراكي يجب أن يكون لدي الفرد ثقة ليس فقط فيمن ينتجون ما يحتاجه من أشياء، ولكن أيضاً في عدالة وكفاءة الجكزمة كجهة تحدد الإحتياجات وتقوم بالتوزيع.

في الرأسمالية قد يكون الفرد قليل الثقة في الحكومة ولكن لديه الثقة الكاملة ف أن رغبة المنتج في الاستهلاك ستحثه وتدفعه علي العمل. وعليه فإن الحكومة في النظام الإشتراكي تكون أقل تسامحاً مع ألآراء الناقدة لأدائها. فالثقة والولاء للحكومة حتمي لاستمرار النظام الإشتراكي وهذا يفسر أهمية الايدلوجية ideology  في النظام الإشتراكي لأنه لابد من للحكومة من أن تبذل مجهودات مستمرة لتقنع الجمهور بأنها عادلة ولديها الكفاءة في التنظيم والتوزيع وهذا يستوجب عليها بذل مجهودات مستمرة لترسخ في أذهان الناس أفكاراً فلسفية معينة. وعلي النقيض في النظام الرأسمالي حيث المشاكل ليست فلسفية بل مشاكل عملية تتمثل في زيادة الإنتاج وزياة الرغبة في الإستهلاك. إن ضرورة ثقة الفرد في الحكومة في النظام الإشتراكي قد توضح لنا السمات التسلطية للعديد من الحكومات الإشتراكية. ولأن ليس للفرد الدافع لكي ينتج لابد من إرغامه علي الإنتاج أما إذا أعلن شكه علانية في كفاءة وعدالة الحكومة وجب التعامل بعه بحزم.

بدأ المفكرون يشعرون بأن أيا من هذين النظامين الإقتصاديين لا يصلح للعالم الذي نعيش فيه اليوم. فقد ولد النظام الإشتراكي في منتصف القرن التاسع عشر عندما كان الرق وتسخير العمالة للأغرض الصناعية ما زال منتشراً بصورة واسعة حتي في الأمم المتقدمة تكنلوجياً. إلا أن التكنلوجيا والميكنة في أواخر القرن التاسع عشر قد أحدثت انقلاباً في النسبة بين كمية الإنتاج وحجم العمالة اليدوية اللازمة للإنتاج الوفير. هذا التغيير الذي حدث في مدة زمنية قصيرة حد كثيرا من تسخير العمالة لأغراض اقتصادية (الرق).

في واقع الأمر لم تعد هنالك حاجة للرق فحسب بل أصبحت البطالة هي المشكلة الرئيسية نتيجة لوسائل الإنتاج القوية. ففي قرن واحد من الزمان تحولنا من الرق إلي البطالة الجماعية، لدرجة أن مصطلح  “فائض الإنتاج”  أصبح من مفردات لغة الإقتصاد.

وبما أن تلبية الإحتياجات والإيفاء بها لم يعد المشكلة الأساسية في أفكار تمتلك تكنلوجيا متقدمة، فقد فٌـوّض (تضعضع) الأساس الذي بٌنيت عليه الإشتراكية. فأصبحت الإشتراكية تبدو أكثر فأكثر منافية للظروف والأوضاع الراهنة، إذ أنها نظام صمم أساساً ليجاري مشكلة لم يعد لها وجود.

علي كل حال، فالرأسمالية لم تكن أسعد حالاً، فقد نتج عنها من المشاكل ما يوازي أو يفوق الإشتراكية. بما أن الراسمالية تتغذي علي الرغبة المستمرة في زيادة الإستهلاك، أصبح الآن من الضروري تنشيط هذه الرغبة بطرق مصطنعة زائفة. مما أدي إلي التلاعب بالجمهور وإلي تبديد الموارد الطبيعية. فأخذت جودة المنتجات تتدني لإفساح المجال للمزيد من الإستهلاك. وزيادة الإنتاج أصبحت غاية في حد ذاتها وأصبحت الجودة ضحية شعارات التطور. وباتت القرارات التي تتخذ بشأن استعمال الموارد الطبيعية تهدف إلي فائدة قلة من الناس علي المدي القصير بدلاً من فائدة جميع الناس علي المدي البعيد.

بعد أن أصبحت الأسواق مشبعة جداً بالمنتجات، بدأ هنالك بحث
مسعور عن أسواق خارجية مما أدي إلي ظاهرة الإمبريالية الإقتصادية
economic emperialism . الجدير بالذكر أن بحثاً لمجموعة  “نادي روما” The Club of Rome قد أظهر مؤخراً أنه إذا استمر الإستثمار الرأسمالي والزيادة غير المنضبطة في استغلال الموارد الطبيعية من غير رادع علي نفس المستوي الحالي فلا مناص من حدوث كارثة إقتصادية وإجتماعية كبري في غضون جيل من الزمان. وما يخيف فعلاً هو أن الباعث والدافع الأساسي للنظام الرأسمالي يقلل من إمكانية إتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب. لقد كثرت بل وترسخت الأقاويل والأوهام من قبيل أن الزيادة دائماً محبة ويجب السعي وراءها وكل ما هو جديد أو مختلف هو محبب وهكذا.

لقد ظهر كلا النظامين الرأسمالي والإشتراكي قبل النهضة التكنلوجية في القرن العشرين. وكان لزاماً علي النظامين أن يكيفا أوضاعهما لتتماشي مع التغييرات التي أحدثتها هذه التكنلوجيا الجديدة، ولكن تمسك كل منهما بمفاهيمه وأوهامه العزيزة عليه. فجعلت التكنلوجيا من أسس وقواعد الإشتراكية قواعد وأسس ومفاهيم ولي زمانها وعفي عليها الدهر، وجعلت من أسس وقواعد الرأسمالية أسساً وقواعد خطيرة.

لتغيير هذين النظامين لابد من تغيير الدافع والباعث الذي علي أساسه قام كل منهما. ولكن ما هي الأسس الجديدة التي يمكن تقديمها كبديل؟  إن الدين البهائي يقترح حلاً يبدد هذه الحيرة.

طبقا لتعاليم الدين البهائي فإن الأساس الذي يبني عليه الإقتصاد في هذا العصر الجديد له شقان: الخدمة والتعاون. إذ يجب أن يكون المحرك والباعث للفرد لكي ينتج هو خدمة الآخرين. وهذا الدافع والباعث الأساسي يجب أن يحل محل الدافع الرأسمالي والإشتراكي. بالإضافة إلي أن الدافع إلي خدمة الآخرين يجب أن يعبر عن نفسه قردياً وجماعياً عن طريق التعاون وليس عن طريق المنافسة.

لا شك في أن الدافع علي الخدمة يمثل مستوي أعلي وأسمي من الأخلاقيات مما هو عليه الحالفي الإشتراكية والرأسمالية. فالخدمة تعني توجها أقل حرصاً علي المنفعة الذاتية في الحياة كتلبية الإحتياجات أو تلبية الرغبات. كما أن التعاون وليس المنافسة يعني علاقة بين المجموعات البشرية أقل أنانية.

قد يعترض البعض بالقول أن هذا التوجه البهائي مثالي جداً يصعب تحقيقه. نقول: في حالات كثيرة يشعر المرء بأن النفس البشرية أنانية بطبيعتها وأن الرغبة في زيادة الإستهلاك ستظل الدافع الأساسي الطبيعي للإنسان. ولكن دعنا نتذكر بأن الدور الأساسي لأي نظام إقتصادي هو تحرير الفرد لكي يحقق ذاته بصورة أكبر. لقد وضع غياب التكنلوجيا في الماضي قيوداً قاسية علي الأنماط الممكنة للأنظمة الإجتماعية والإقتصادية وكان ينظر إلي العمل علي أنه فقط للبقاء علي قيد الحياة for survival وكان معظم الناس مرغمين علي أداء أعمال منفرة ومملة أو ليس فيها خلق ولا إبداع، فكان للعمل دلالة سالبة.

وفي هذا الإطار فإن نقيض العمل هو أوقات الفراغ leisure (الإستجمام). وقد أصبحت أوقات الفراغ متاحة بعد جني ثمار التكنلوجيا الحديثة. لذا يمكن اعتبار أن ثمار التكنلوجيا هي المزيد والمزيد من أوقات الفراغ والتي أصبحت ممتعة ومبهجة بالمزيد والمزيد من الإستهلاك، وهكذا ولا شعوريا ولكن بصورة هدامة أصبحت المادية materialism  (الإقبال علي الماديات) هي الفلسفة والممارسة التي يقدم عليها نظامنا الإقتصادي بل وحياتنا الجماعية كلها.

بالرعم من أن المادية مناخ طبيعي للوفرة الإقتصادية في القرن العشرين ولكنها منطقيا ليست ضورة حتمية لا يمكن تفاديها.

هناك وعي متزايد في كل قطاعات المجتمع أن أسلوب الحياة المادي هذا لم يجعل الناس سعداء حقاً. إن عدم السعادة وعدم الرضا التي يعيشها الكثير من الشباب الأثرياء المترفين والتوتر واختلال المزاج والتشويش والإضطراب النفسي والتعاسة في المجتمعات الحالية والتدهور في الحياة الأسرية وفي العلاقات الإنسانية والإحساس بعدم جدوي ما يؤديه البعض من وظائف وأعمال، كل هذه شواهد علي الفشل التام للمادية في تلبية الإحتياجات المعنوية (الروحانية) العميقة لدي الفرد.

إن سرعة التحول من الرق والنهج الإقتصادي القديم إلي الوفرة الإقتصادية وأوقات الفراع أخفت عنا حقيقة أن للعمل عنصر معنوي روحاني تماماً كما له عنصر ظاهري إقتصادي. يكون الإنسان أسعد حالاً عندما يؤدي عملاً يحبه. إن العمل الخلاق الإبداعي المرضي ضرورة لكي يحقق الإنسان ذاته. والتكنلوجيا بإزاحنها عبئ الأعمال المملة الثقيلة غير الخلاقة عن كاهل الإنسان قد أفسحت المجال لمجتمع يعمل فيه الأفراد لدوافع أخري غير الإقتصادية البحتة، ولأول مرة في التاريخ نواجه بمثل هذه الإمكانية. وياللمفارقة، إن التكنلوجيا التي هي تقدم مادي أتاحت لنا الفرصة لكي نعي وندرك القيم الروحية للعمل. فبدلاً من أن ننظر إلي الوفرة الإقتصادية الجديدة هذه علي أنها فرصة للإنعتاق من أعباء العمل، يجب أن ننظر إليها كفرصة للعمل بكيفية جديدة ومن وجهة نظر جديدة تماماً.

في الأقطار المتقدمة صناعيا تسببت التكنلوجيا في نسبة كبيرة من البطالة وخفضت لحد كبير ساعات العمل مما يدل علي قصور المفهوم القديم للعمل بأنه من أجل البقاء علي قيد الحياة. ولولا الحروب والمنافسة التي لا طائل من ورائها كان من الممكن تخفيض ساعات العمل إلي مستوي أقل من المستوي الحالي. وعليه فإن الدافع والباعث البهائي للعمل لا يتعارض مع طبيعة البشر بل هو يعبر عما يجيش في دواخل الفرد. وهو ليس بالمثالي وليس من الصعب تحقيقه، بل هو الوسيلة العملية الوحيدة لتهيئة المجتمع لاستيعاب وسائل الإنتاج الجبارة التي دفع بها التاريخ في أيدينا.

إن عملية نشوء وتطور الإقتصاد التي بدأت باقتسام العمل البدائية من آلاف السنين قد وصلت إلي مرحلة جديدة من النضج رُفع فيها العمل من كونه من أجل القاء علي قيد الحياة فقط إلي أن تكون له وظيفة روحانية أسمي. يمكن تشبه عملية الرفع والإرتقاء بالعمل هذه بنواحي أخري في الحياة. فعلي سبيل المثال في بدء الخليقة أي لدي الإنسان الأول كانت العلاقات الجنسية وظيفة بيولوجية ولكنها مع مرور الزمن أصبحت قادرة علي التعبير عن نواحي روحانية عميقة من الطبيعة البشرية إذا وضعت في مسارها الشرعي السليم.

قد يكون هنالك من يعترض علي التعاون ويمجد التنافس علي أنه بعث لمبدأ البقاء للأقوي ويقال أنه ضروري للتقدم لأنه يقضي علي الضعيف ويشد من أزر القوي. خطأ هذه الحجة يكمن في أنها تفترض معيار (دستور) البقاء علي قيد الحياة سيبقي ثابتاً لا يتغير طوال مراحل التطور والنماء. صحيح سيبقي الأقوي، ولكن ما هو المعيار الذي تقاس به القوة؟ كلنا يعلم أن في مراحل النشوء والتطور البيولوجي كان العقل وملكة التفكير تمثل قوة أسمي من القوة الجسمانية لأن الإنسان قد تمكن من البقاء علي قيد الحياة في صراعه مع حيوانات ومخلوقات أقوي منه جسمانياً. لهذا نكون مخطئين إذا اعتقدنا أن القوة الجسمانية عي المعيار الوحيد للبقاء علي قيد الحياة.

حقاً، إن في عالم أصبح بين ليلة وضحاها قرية صغيرة، صار من الواضح أن التعاون هو الوسيلة للبقاء علي قيد الحياة. قد ساهمت المنافسة في عملية التطور في مرحلة معينة، ولكنها الآن لاشك، تقف عائقاً أمام التقدم والنماء. لقد فرض علينا ما وصلنا إليه من تطور ونماء أن نتعاون.

إن الأوضاع الراهنة تدعونا بأعلي صوتها لكي نتعاون علي كل المستويات، نتعاون بين الأمم، بين الأجناس، بين الأديان، وبين الشعوب. خذ علي سبيل المثال الفائض الإقتصادي في بعض البلاد والناتج عن المنافسة الإقتصادية في القمح والفواكه وغيرها والتي يكون الناس في بلاد أخري في أمس الحاجة إليها ، ياللحسرة فإنها تحرق.

نحن لا ننفك نتكلم عن فائض الإنتاج بدلاً من أن نتكلم عن سوء التوزيع. إليك مثال التجمع الإقتصادي الأوربي European Economic Community رغم أنه في مراحله التجريبة الآن إلا أنه برهن علي نجاحه الذي فاق كل التوقعات وذلك لأنه قام علي التعاون وليس المنافسة.

لقد أصبح العالم قرية صغيرة وأي محاولة للحفاظ علي الإقتصاد بخلق أسواق محلية مصطنعة سيكون مصيرها الفشل.

إن التعاون ليس ضرورة عي المستوي العالمي فحسب بل إن كل مؤسسة صناعية يجب أن تكيف اوضاعها عل أساس مشاركة كل الأطراف كما تنص علي ذلك التعاليم البهائية. لأن هذه هي الطريقة المثلي لتفادي الصراعات التقليدية بين رأس المال والعمال. لأنه أصبح للكل الأن نصيب في الأرباح والمنافع التي تجنيها المؤسسة.

طبقا للمفهوم البهائي فإن مبدأ الخدمة والتعاون هذا لا يعمل من فراغ بل يعمل (يُدار) وفقا للنظام العالمي لحضرة بهاءالله والذي يكفي هنا ذكر بعض المعالم البارزة فيه.

في النظام البهائي تُدبّـر وتُـدار حياة المجتمع علي ثلاثة مستويات:
المحلي والقومي والعالمي، وفي كل مستوي منها هيئة منتخبة تتكون من تسعة أفراد، لكل من أسلوب عمل وكيفية انتخاب هذه الهيئات أهمية بالغ. ولنشرح ذلك باختصار. علي المستوي المحلي في كل سنة ينتخب المجتمع البهائي المحلي محفلاً روحانياً محلياً من تسعة أفراد بالغين، ينتخبون من بين أفراد المجتمع البهائي كله. في هذه الإنتخابات ليس هنالك ترشيح ولا دعاية انتخابية. يسجل كل ناخب بالإقتراع السري أسماء أولئك التسعة أفراد الذين يراهم أكثر كفاءة للقيام بمهام عضو المحفل. تفرز هذه الأصوات، والأفراد الحائزون علي أعلي الأصوات هم أعضاء المحفل الروحاني الجديد.

هنالك شيئان مهمان في هذه العملة الإنتخابية: أولاً لا يسمح لأي فرد علي الإطلاق السعي بأي وسيلة كانت لكي يُنْتخَب أو حتي الإشارة إلي رغبته في أن يُنْتخَب أو لا يُنْتخَب.  ثانيا إن الناخب ينتخب أفراداً يعرفهم ويحكم هو بمفرده علي صلاحيتهم لهذه المهمة. ولا يصوت لصورة علي شاشة التلفزيون أو لمرشحين تم سلفاً ترشيحهم.  في مثل هذه العملية الإنتخابية.  إختيار الناخب لتسعة أسماء يكون عملاً خيراً لأنه ليس هنالك أي مساومة في إختياره. وتتبع الانتخابات علي المستوي القومي والعالمي نفس الإجراءات.

علي المحفل الروحاني المحلي يقع عبء تسيير دفة شئون المجتمع المحلي. في أسلوب عمله وعلي المحفل الروحاني المحلي أن يتأكد من أن القرارات تتخذ لفائدة الكل علي المدي الطويل وليس لفائدة القلة علي المدي القصير كما هو الحال في المجتمعات الحالية. تُـبني عملية اتخاذ القرارات في المحفل الروحاني علي المشورة والتي تعني أن من واجب كل عضو بل يشرفه أن يطرح وجهة نظره بصراحة وحرية تامة ولا يتخذ القرار إلا بعد النقاش والمداولة المستفيضة، ويتخذ القرار إما بالإجماع أو بأغلبية الأصوات.

تمارس المشورة ليس في اجتماعات المحفل الروحاني المحلي فحسب، بل أيضا في اجتماعات المجتمع البهائي المحلي الدورية المنتظمة والتي تسمي بالضيافات التسع عشرية. في هذه الضيافات التسع عشرية يتشاور كل أفراد المجتمع في كل ما يهمهم من أمور ولهم كامل الحرية في أن يرفعوا توصياتهم وافتراحاتهم إلي المحفل الروحاني المحلي الذي يجب عليه النظر فيها وإفادة المجتمع بما يتخذه من قرارات بشأنها. وهنا يجدر الذكر بأن للفرد في المجتمع الحق أن يرفع بمقترحاته إلي المحفل الروحاني المركزي أو حتي لبيت العدل الأعظم عن طريق محفله الروحاني المحلي. وهذه ميزة عظيمة في النظام البهائي.

وهنا نصل إلي نقطة مهمة جدا فيما يختص بالنظام البهائي والإقتصاد، ألا وهي أن في البهائية هنالك فصل تام ين الدور الفني (التخصصي المهني أو المهارة التقنية) والدور الإجتماعي للفرد. إذ ليس بالضرورة أن يكون للفرد ذي المهارات الفنية في الهندسة أو الطب أو الطيران وغيرها أفكار في الأمور الإجتماعية وإدارة أفضل ممن ليس له لديه هذه الكفاءة الفنية كعامل النظافة مثلا. أما في النظام الإقتصادي الحالي فإن المكانة الإجتماعية للفرد تعتمد بصورة مباشرة علي الدور الفني والكفاءة التقنية فنجد أن الأطباء والمهندسين والمحامين لهم وزن اجتماعي أكبر مما لدي عامة الناس. فمثلا، أن تكون طبيبا لا يعني أن يكون لك دور فني معين فحسب بل تعني تمتعك بامتيازات ونمط خاص في الحياة وتعيش في محيطك الخاص بك.

هذا الخلط بين القيمة الإجتماعية والإنسانية والدور الفني يقسم المجتمع إلي طبقات ويحدث الفرقة والتعصب ويخلق الفوارق الإقتصادية لأن الأشخاص الذين بفضل قدراتهم الفنية يحصلون علي الكثير من المال عن نفس الأشخاص الذين بيدهم مقاليد السلطة السياسية وهم الذين يقررون كيفية استغلال الموارد الطيعية. بالإضافة إلي أن هذا الخلط يتسبب في النفاق والرياء والمداهنة في المعايير والضوابط الفنية وبالتالي يخلق نوعاً من عدم الأهلية والكفاءة الفنية وهذا لأن الفرد ولشعوره بأن تكون لديه قيمة إنسانية لا بد أن يحصل علي مؤهل فني لذا فإنه يسلك كل السبل (المشروعة وغير المشروعة) لكي تكون لديه مؤهلات فنية وبالتالي مكانة إجتماعية. وهذا لا شك يُحْدِث تدهوراً في المستويات الفنية. وفي مثل هذا النظام المرتبك القيم والمختلة موازينه، يفضل الفرد أن يكون مهندساً ميكانيكياً غير كفء وغير سعيد وغير منتج عن أن يكون عاملاً فنيا كفأً سعيداً منتجاً.

إن هذا السعي غير السليم عن المكانة الإجتماعية قد أحدث تلوثاً في الحياة الإجتماعية والإقتصادية لدرجة أن الكثير من الشباب يرفضون الوظائف التي لو عرضت عليهم في غير هذه الظروف لكانوا سعداء بها.

يدافع البعض عن حتمية مثل هذا التقسيم الطبقي بقولهم أنه لا يمكن وضع نفس الأجور لكل الناس. ولكن الحقيقة هي أنه يمكن أن تكون هنالك فوارق فنية دون أن تكون هنالك فوارق اجتماعية. وهذا بالضبط ما نجده في البهائية، حيث التدرج في الأجور مسموح به حسب القدرات الفنية، ولكن عند اتخاذ القرارات التي تخص الحياة الإجتماعية والمجتمع ككل تكون لكل فرد نفس المكانة والقيمة والمقام. فعلي سبيل المثال، في الضيافة التسع عشرية يأخذ المحفل الروحاني الإقتراح المقدم من عامل بسيط بنفس القدر من الأهمية التي يأخذ بها إقتراحاً مقدماً من طبيب ماهر، بالإضافة إلي أن مناقشة الإقتراحات والأفكار يشترك فيها كل أفراد المجتمع حتي الأطفال والشباب وكل المجتمعين في تآخي وبروح الوحدة والإتحاد وهم يمارسون المشورة. قد يصاب القارئ الذي لا معرفة له بالمجتمع البهائي بالدهشة لعمل هذا النظام المتقن البديع ولكن هذه هي الحقيقة. أناس من ثـقافات وأعراق مختلفة يجلسون معاً ويتخذون قراراتهم معاً. في المشورة البهائية يشعر الفرد بأنه يدلي بافكاره للمجموعة ويأتي القرار النهائي مطعماً ومفعماً بأفكار من الحاضرين ولا أحد يدَّعي أنه صاحب الفكرة أو صاحب القرار.

بالرغم من أن البهائية تسمح بالتدرج والتفاوت في الأجور ولكنها لا تسمح بالفقر المدقع ولا بالغني الفاحش في المجتمع البهائي وذلك عن طريق الضرائب ووسائل أخري مشابهة. كما أن العيش الكريم مكفول للمزارعين وغيرهم أذا دعت الضرورة ويقرر ذلك المحفل الروحاني المحلي والمحفل الروحاني المركزي بالإضافة إلي أنه طالما تدار المؤسسات الإقتصادية علي كل المستويات علي أساس المشاركة في الأرباح فإن القطاعا المختلفة في المجتمع ستستفيد إقتصادياً علي أسس عادلة.

إذا من الممكن أن تكون هنالك فوارق فنية دون أن تكون هنالك فوارق اجتماعية. وأيضا من الممكن أن تكون هنالك فوارق فنية دون تصنيف هذه الفوارق إلي مراتب علي أساس المقام والقيمة والمكانة. أي لا مكانة للإحساس بالتعالي أو الإحساس بمركب النقص، تماماً كما أن اللغة الفرنسية تختلف تماماً عن اللغة الألمانية دون أي اعتقاد بأن إحداهما أفضل من الأخري.

لقد ضَربَت فكرة أن الفوارق الفنية لابد أن تؤدي إلي النظام الطبقي، ضَربَت بجذورها في المجتمع لدرجة أن الكثير من الناس يعتقد أن هذا أحد قوانين الحياة أو هذه هي سُـنّة الحياة . إن تفشي هذا المفهوم الخاطئ يسبب خللا في النظام الإقتصادي. فمثلا: في الجامعة هنالك حاجة إلي فئتين فنيتين، الأساتذة والإداريين. ولأنه ينظر إلي الإداريين علي أنهم أرفع مقاماً من الأساتذة، فقد نتج عن ذلك نظام طبقي جعل الأساتذة الأكفاء يسعون وراء المناصب الإدارية التي هم ليسوا أكفاء فيها. بدلا من أن يعتبر كل من الإداريين والأساتذة أن ما يقومون به هو خدمة لخير ورفاهية الكل دون الشعور بتعالي أحدهم علي الآخر. ونفس الشئ ينطبق علي أي نظام يتطلب أدواراً فنية مختلفة.

إن كل الأديان السابقة قد وضعت بصورة أو بأخري الأساس الباعث للنظام الإقتصادي كما تضمنت تعاليمها ما يدل علي أن أفضل الثمار تجني من الإتحاد والعدالة، آخذة في الإعتبار القيود الناتجة من محدودية التكنلوجيا في ذلك الوقت. أما عصرنا الحالي فقد زالت هذه القيود. والخيارات غير المحدودة التي أصبحت متاحة الآن تضع علي عاتق الإنسان مسئولية عظمي تجاه النظام الإقتصادي الذي يتبناه مما يجعل من الضروري إيجاد أساس باعث جديد للنظام الإقتصادي.

يؤمن البهائيون بأن الإنسان أصبح الآن علي أعتاب بلوغه سن الرشد، وعليه لن يستطيع أي نظام إقتصادي الصمود والبقاء إن لم يأخذ في الإعتبار حقيقة أن الهدف والمغزي من حياة الإنسان هو في المقام الأول روحاني. أذاً نحن في حاجة إلي إعادة إكتشاف وتأصيل المغزي الروحاني للعمل والمغزي الروحاني للتكنلوجيا في الضمير الجماعي. وحينئذ فقط وفي إطار نظام اجتماعي متسق ومتوازن مبني علي هذا المفهوم يكون باستطاعتنا تأسيس إقتصاد صحي وسليم لنا وللكوكب الذي نعيش عليه. علينا أن نضع القيم المعنوية أولاً قبل التفكير في الحسيّـات لأن المعنويات (غير الحسيّـات) intangibles  هي التي تدفع بالحسيّـات tangibles .

لقد كان المفهوم المثالي للإشتراكية خاطئاً لأنه افترض أن بالإمكان تحقيق نظام إقتصادي مثالي دون تغيير حقيقي في الباعث الروحاني لدي الناس الذين علي أكتافهم يقوم هذا النظام الإقتصادي، بمعني أنهم لم يقولوا لنا كيف يتحول الإنسان من الأنانية إلي الإيثار.

أما الرأسمالية فقد سعت جاهدة إلي إرضاء أنانية كل فرد إلي أقصي درجة. لذا إن لم يتخذ المجتمع خطوات واعية لتقويم الدائرة الحلزونية المادية للمنافسة والرغبة في الإستهلاك فسينهار النظام الإقتصادي لأن الناس ستتعلم البحث والمثابرة لتحقيق ذاتهم بوسائل أخري غير استحواذ واستهلاك المنتجات المادية.

إن الحل الذي يقدمه الدين البهائي لهذه المشكلة حل ناجز بديع لأنه يعالج المرض من جذورة ولأنه يتعامل مع الإنسان ككيان متكامل وليس كوحدة قياس للإنتاج والاستهلاك. إن أي علاج مؤقت لن يشفي علة نظام اقتصادي مريض.

وما هذا إلا قبس من نور الحلول البهائية للمشاكل الإجتماعية.

                                        وليم هاتشر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: