ما معنى مفهوم يوم القيامة والجنة والنار فى الدين البهائى

 

 

تُوجَد في الكِتابات البهائيّة مَوادّ غزيرةٌ عن يوم القيامة، عن علاماتها وأشراطها، وعن الوقائع الهائلة التي من المفروض حَسَبَ الأسفار المقدَّسة لمُعْظَم الديانات ــ وليس فقط الديانة الإسلاميّة ــ أن تقع فيه. وقبل أن نشرع في شرح الموضوع، دَعْنا نتدبّر قليلاً في المسألة التالية: 

لِماذا، في كل مرّةٍ بَعَثَ الله بنبيّ أو رسولٍ الى العالم إيفاءً بالوعود والنبوءات التي سبق أن أدلى بها في النُصُوص المقدَّسة المُنزَلة من عنده، لم يُسْتَقْبَلوا هؤلاء من قِبَل الناس الا بالنفي والرفض والاستنكار، الا قليلاً. فلم يكن يُعَدّ أصحاب النبي محمد في أوّل الأمر مثلاً الا على أصابع اليد الواحدة، كما أنّ تلامذة السيد المسيح لم يتجاوزوا الاثنتي عشرة نفسًا في مَسْتَهَلّ بعثتة.

ألا تُعْزَى هذه الظاهرة المتكرّرة ــ أي، انتكاس الناس في الكُفر بعد إيمانهم ــ الى عدم، أو سوء، فَهْمِهِم للكُتُب المقدّسة بين أيديهم، والتي تُشِير من طَرْفٍ خَفِيّ لكل من كان على بصيرةٍ بالظهور الآتي؟

فمثلاً، كانت اليهود تتوقّع من المسيح بأنّه يَجْلِس على كُرسيّ داود، ويَحْكُم بسيفٍ من الفولاذ، وبأنّ الذئب في ذلك الوقت سَيَسْكُن مع الحَمَل، الى آخر ما هنالك من أشراطٍ وتصوّراتٍ من هذا القبيل، لا تزال تلك الأُمّة الى يومنا هذا تترقّب ظهورها بكل شَوْقٍ ولَهْفةٍ؛ وفِعْلاً قد ارتفع النداء في الآوِنة الأخيرة: “ترقبّوا ظهور المسيح!” 

أ يُوجَد مكانٌ للّشكّ بأنّ العِلّة الرئيسة لعدم قبولهم للنبي عيسى كالمسيح المُرْتَقَب، كما لعدم قبول النَصَارَى في دَوْرِهِم للرسول الأكرم كالنبيّ الذي بُشّروا بظهوره في كتابهم، لم تكن سِوَى أنّ هذه النبوءات والإشارات تحقّقت على نَحْوٍ رَمْزيّ ومعنويٍّ، وليس على النحوٍ الحرفيّ والظاهريّ الذي تَبَادَر الى أذهانهم. 

بَلَى، لقد استوى السيد المسيح على كُرسيّ داود أّوّل ما نزل عليه الروح على ضِفاف نهر الأُردنّ وكأنّه حمامة؛ ولكن كان المُلْك الذي تقلّده عند ذاك مُلْكاً روحيّاً وسماويّاً في الدرجة الأولى، يسري مفعوله في القلوب ، و يُشْعَر بهَيْبَته وهَيْمَنَته في عالم الملكوت … وإن لم يلبث هذا المّلْك السماويّ أن يتطوّر الى سلطة دُنْيَويّة زمنيّة فيما بعد. 

أّمّا سيفه فكان لسانه الذي به فَرَّق بين الناس، مُمَيِّزاً السعيد من الشقيّ والناجي من الهالك ــ فاللسان الذي ينطق به المظهر الإلهيّ هو حُكْماً لسان الله ؛ وهذا اللسان هو في كل دَوْرٍ المِحَكّ والفَيْصل والفُرقان.

أّمّا أن يَسْكُن الذئب مع الحَمَل: فيعني ذلك أن الأقوام المتباغضة والمتشاحنة التى كانت حتّى مجيء السيد المسيح كالحيوانات الضرية تفترس بعضها البعض صارت بعد اعتناقهم لرسالته أليفة ووادعة ومتوادّة. 

فعلى هذا النحو الرمزي من التفسير يّسْتَفاد أيضاً من العهدَيْن العتيق والجديد ظهور نبيّ بعد موسى، يكون اسمه شبيها بالكلمتَيْن العِبْريّتَيْن “حِمْدَة” و”مَحْمَد”. 

فعلى هذا النمط من التفسير أيضاً يَفْهَم البهائيّون الآية التالية من العهد العتيق: 

“… أقبل الربّ من سيناء، وأشرف عليهم من سَعِيرَ، وتألّق في جبل فاران؛ جاء محاطاً برَبَوَات القُدْس وعن يمينه يُومِض بريقٌ عليهم”

يَفْهَم البهائيّون هذه النبوءة كإشارةٍ خفيّةٍ الى الظهورات الموساويّ والعيساويّ والمحمديّ والبهائيّ على التوالي. 

وباختصارٍ شديدٍ فإنّ البهائيّين يعتقدون بأنّ كل ما يتعلّق بالساعة وعلاماتها وأشراطها وأحوالها وأهوالها وأعاجيبها وكيفياتها ــ بما في ذلك البعث والمعاد والحساب والصراط والميزان والجنّة والنار الخ ــ هي كلها حقٌّ لا رَيْبَ فيها؛ غَيْرَ أنّ لها، كما أسلفنا، وبإيعاز القرآن الكريم أيضاً، معنىً روحيّاً ودلالةً رمزيّةً ومفهوماً صوريّاً.

فالموت مثلاً هو عدم الإيمان، كما يَدّلّ على ذلك بمُنْتَهَى الوضوح آي الذِكْر الحكيم كالآتية مثلاً … 

“أَوَمن كان مَيْتاً فأحيَيْناه وجَعَلْنا له نوراً يَمْشِي به في الناس كَمَن مَثَله في الظُلُمات ليس بخارجٍٍ منها…؟”

… بينما الحيوة من طَرَفٍ أخَرَهي اعتناق الحقيقة ــ أي، تلك المتمثِّلة في فالمَظْهَر الإلهيّ. 

ثَمّ إنّ النور هو الآخَر، كما يُسْتَشَفّ أيضاً من الآية المُقْتَبَسة، هو كِنايةٌ عن حالة استفاضة المؤمن من مَصْدَرالبهاء والتجلّي والإشراق ــ تلك الحالة التي لا يَتِمّ الا بواسطة الإقبال الى ذلك المثال السَنيّ المتلألئ المَرْتَسِم في مِرْآة الله. 

كما أنّ العَمَاية الوارد ذِكْرها في كل الزُبُر والأسفار المقدَّسة، بما فيها القرآن طبعاً، لها أيضاً مفهوماً معنويّاً ودلالةٌ مجازيّةً: 

“قُلْ هل يَسْتَوِي الأعمى والبصير أفلا تتفكَّرون؟” 

إذا كانت هذه المفاهيم كلها ــ الموت والحيوة، النور والظلمة، البصيرة والعماية ــ وغيرها أيضاً تُسْتَعْمَل في القرآن للتدليل على حالتَيْ الإيمان والكُفْر، فما المانع أن تَنْطَبِق هذه القاعدة أيضاً على تلك الآي التي تُصَوِّر أحوال يوم الله؟… 

ذلك اليوم الذي سيُنْشَر فيه الأموات من قُبورِهِم ــ وألا يُحٍْتَمَل أن تكونَ هذه القُبور هَياكِلَ أجسادِهِم قبل تنويرها بنور الإيمان؟ 

ذلك اليوم الذي سوف تُشْرِق فيه الأرض بنور رَبِّها ــ وألا يُحْتَمَل أن يكونَ هذا النور نورَ الإيمان، كما في الآي الأُخْرَى من القرآن الكريم؟ 

ذلك اليوم الذي سوف يَصْرُخُ فيه الكُفّار: “لِمَ حَشَرْتَني أعْمى وكُنْتُ بصيراً؟” ــ وألا يُحْتَمَل أن تكونَ هذه العَماية عماية القلب، كما في الآية الشريفة: “فإنّها لا تَعْمَى الأبصار ولكن تَعْمَى القُلوب التي في الصُدور”؟

ففي نَظَر البهائيّين، الإيمان هو الجَنّة بعَيْنِها، كما تُوحي بذلك أيضاً بعض آي الذِكْر الحكيم.

كما أنّ الكُفْر هو النار بعَيْنِها، كما تُوحِي بذلك أيضاً فَقَراتٌ عِدَّةٌ في الكتاب المُبِين. 

فإذا كان الإنسان بالواقِع مُحِبّاً لِلحقيقة، وعاشقاً لِلنور، وتائقاً لِلمُكاشَفَة، هل يُتَصَوَّر له فِرْدَوْسٌ أعْظَمُ من التَقَرُّب الى الله زُلْفى، و بالمقابل هل تُتَصَوَّر له جَهَنَّمُ أفْظَعُ من الهُوِيّ سَحيقاً مَحْضَرِهِ تعالى؟ 

وهكذا، جميع علامات الساعة وأشراطها تَقْبَل تفسيراً مَجازيّاً من هذا القبيل.

بل، إنّ هذا المَنْهَج من التفسير هو أقْرَبُ لِلعَقْل والمَنْطِق والذَوْق، إذ إنّ العُلَماء قد أقَرّوا بأنَّ ظَواهِر يوم القيامة المُتَنَوِّعَة، من مَحْشَرٍ وساهِرةٍ وحَوْضٍ وميزانٍ وصراطٍ وما الى ذلك؛ وبأنّ أحداثها المُتَعَدِّدَة، من بَعْثٍ وحَشْرٍ وحِسابٍ وتَلْبِيَةٍ وسَيْرٍ على الصِراط وما إلى ذلك ــ من المُسْتَحيل أن يُتَصَوَّرعلى أيّ نَحْوْ كل هده، إذا فُهِمَت حَرْفِيّاً، تَتَجَاوَر وتَتَرَابَط وتَتَسَاوَق وتَتَفاعَل وتَتَسَلْسَل مع بعضها البعض، فالعِلْم بذلك، حَسَبَ إقرارِهِم عِنْد الله.

من أهمِّ العَلامات المُوذِنَة بحُلول الساعة، كما هو معروفٌ، أنه سَيُنْفَخ في الصور نَفْخَتَيْن: نَفْخَةً تُؤَدِّي الى المَوْت، ونَفْخَةً أُخْرَى تُؤَدِّي الى الحيوة:

“ونُفِخ في الصور فصَعِقَ من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثُمَّ نُفِخ فيه أُخْرَى فإذا هم قِيامٌ يَنْظُرون.”

يَعْتَقِد البهائيّون، تَبَعاً لنَمَط التفسير المذكور أعْلاه، بِأنّ النَفْخَة الأُولَِى هي عِبارةٌ عن ظُهور حضرة الأعْلَى، الذي آذَنَ بِطَيِّ سموات المنشورات في الدَوْر السابق “كطَيّ السِجِلّ لِلكُتٌب”؛ بينما النَفْخَة الأُخْرَى هي عِبارةٌ عن ظهور حضرة بهاء الله، الذي آذَنَ بامْتِلاء السموات والأرض في المآل نوراً وأشراقاً وبَهاءً. 

ثَمَّ إنّ ظُهور حضرة فاطمة على الصراط سافرةً، كما هو مُنْبَئ عنه في الأخبار، تَحَقَّق هو الآخر في نَظَر البهائيّين عندما ظَهَرت حضرة طاهِرةٌ قُرَّة العَيْن سافِرةً أمام حَشْد الحُضور في مؤْتَمَر بَدَشت (١٨٤٨).

وعلى هذا المِنْوال يُمْكِن تفسير كل الأشياء التي من المفروض أن تَتَحَقَّق يومَ القيامة ــ ذلك الانْقِلاب الهائل الذي يَحْذُثُ أَوّلَ ما يَحْدُثَ في عالم الغَيْب؛ ثّمَّ تِظْهَر آثارُه وانعِكاساته وتَدَاعياته شَيْئاً فشَيْئاً في حَيِّز الوجود.

فعَمَلِيَّة خُروج الأمر الإلهيّ من عَالَم الغَيْب الى مِنَصّة الظُهور، ثُمَّ ارتفاع الأمر رُوَيْداً رُوَيْداً بين العَالَمين، هو في رأي البهائيّين القيامة الحقيقيّة في ذلك اليوم: فالخيار بين الإيمان والكُفْر هو الحِساب الحقيقيّ، وهو البلاء الحقيقيّ، وهو الغربلة الحقيقيّة التي حَذَّر الرسول من مَغَبَّتِها عندما قال: “لَتُغَرْلَن؛ ثُمَّ لَتُغَرْبَلَن؛ ثُمَّ لَتُغَرْبَلَن.” 

ولا غَرْوَ إذا امتدّ ذلك الى أكثرَ من يومٍ مِمّا نَعُدّ ههنا في الدُنْيا ــ بل الى ألف سنةٍ: فقد قال تعالى: 

“وإنّ يوماً عند رَبِّك كألفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّون؛” ثُمَ كَرَّر ذلك قائلاً: 

“يُدَبِّر الأمر من السماء الى الأرض ثم يَعْرُج اليه في يومٍ (أي يوم القيامة) كان مِقدارُهً ألفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّون.”

وقد وَرَدَ في القرآن أنّه يَمْتَدّ حتى الى خمسين ألفِ سَنَةٍ. 

فبِنَظَر البهائيّين، ليس يوم القيامة خاصّةً بِجِيلٍ مُعَيَّنٍ من الناس، ثم الذين يأتون من بعدهم ــ وقد ارتَفَع أمرُ الدين وجاء النَصْرُ ودَخَلَ الناسُ فيه أفواجاً ــ يُفْلِتون من طائلته. بل هو حادثةٌ تَطَال كلَ نفسٍ حَيِيَت وكلَ نفسٍ تَحْيَى، من قيامةٍ الى قيامةْ، على الأرض كما في السماء، الى ما شاء الله. 

بلى هناك بَعْثُ من القبور، ولكنّه بَعْثُ من قبور النفس.

بلى هناك صراطٌ مُمْتَدٌّ بين السماء والأرض، ولكنّه صراط الإيمان المُسْتَقيمُ.

بلى هناك مَسألةٌ، ولكنه السؤالُ “ألَسْتُ بِرَبِّكم” ــ فهلا قُلْنا “بلى”؟

ولِلمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع يُحَالُ القارئ الى كتاب الإيقان وكُتٌبٍ أُخْرى من هذا القبيل صادرةٍ من القلم الأعلى

رابط كتاب الإيقان 
http://reference.bahai.org/ar/t/b/KI/ki-3.html 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: