توقيعات حضرة شوقى افندى ولى امر اللة

توقيعات حضرة شوقى افندى

التوقيعات المباركة

نوروز 101 بديع

من الآثار الفارسية لحضرة ولي أمر الله

شوقي أفندي

ترجمة

عبد الحسين فكري

المقدمة

صدر توقيع نوروز 101 بديع من يراعة حضرة ولي أمرالله باللغة الفارسية في عام 1944م أي بعد مرور قرن واحد من اعلان دعوة حضرة الباب وبداية الدور المقدس البهائي. وبهذه المناسبة الميمونة أرسل حضرة ولي أمرالله هذا التوقيع لاحباء الدول والمناطق الشرقية لتكون أجمل هدية وأروع عمل يقدمه الهيكل المبارك لهم. وفي نفس السنة كتب كتاب
God Passes By لاحباء الدول الغربية باللغة الانجليزية والذي ترجم فيما بعد تحت عنوان “كتاب القرن البديع” ليكون أجمل عمل يقدمه لاحباء الدول الغربية وهو كتاب يحتوي على تاريخ المائة عام الاولى للظهور البهائي.

ان توقيع نوروز 101 بديع عبارة عن رسالة مطولة تحتوي على سرد حافل وشيق للتاريخ البابي والبهائي منذ اعلان دعوة حضرة الباب في 23 مايو عام 1844م وحتى المائة عام التي تلت ذلك، بالاضافة الى عرضه للمآسي والالام التي صاحبت تلك الفترة والانتصارات والفتوحات التي تخللتها. لقد سرد حضرة ولي أمرالله هذه الحوادث باسلوب أدبي جميل لا يضاهيه اسلوب آخر، ومزج عباراته بالجمل العربية المتداخله التي أعطتها رونقا وجمالا وروحانية مميزة، وبحق يمكن ان يقال ان هذا التوقيع المبارك – وهو أطول توقيع يصدر من قلمه المبارك – أروع وأجمل ما جادت به قريحة حضرة ولي أمرالله المحبوب من عمل أدبي رائع وفذ. كما احتوى أيضاً على مواضيع عرفانية واستدلالية وادارية مما يعتبر حقا كتابا جامعا شاملا يضم كافة جوانب وأركان الدين البهائي. ان هذه الترجمة لا تقاس بأي حال مع عظمة وجلال الاصل الفارسي الصادر من يراعة آية الله على الارض وغصنه الممتاز وولي أمره العزيز.

وتجدر الاشارة في هذا المقام الى ان هذا التوقيع المنيع قد عرف بين الاحباء الشرقيين بلوح القرن وقد قام المؤلف الشهير والعالم النحرير المرحوم عبدالحميد اشراق خاوري بتأليف كتاب بعنوان “رحيق مختوم” يقع في مجلدين كل منها سبعمائة صفحة في شرح معاني ومفردات ورموز وعبارات هذا التوقيع الكريم بشكل مفصل ومسهب. وقد قمت بالاستفادة من هذا الكتاب في شرح بعض الكلمات والعبارات الواردة في التوقيع بصورة مختصرة كما هو مذيّل في غالبية صفحات الكتاب. كما ان العبارات والجمل العربية التي كتبها حضرة ولي أمرالله والاثار المباركة العربية الاخرى قد تمت طباعتها بالخط المتين تمييزا عن الترجمة.

وفي الختام، أرى انه من واجبي أن أشيد بما قامت به الآنسه ألحان رحيمي من مراجعة للترجمة والمطابقة مع الاصل الفارسي وابداء الملاحظات القيمة التي أخذت بعين الاعتبار، فلها كل الشكر والتقدير.

عبد الحسين فكري

تموز 2006

احباء الله واماء الرحمن، الاخوه والاخوات الروحانيين في البلدان والممالك الشرقيه عليهم اطيب التحية والثناء:

الحمد لله، الفرد الاحد الأزلي الصمد، الحقيقة الفائضة والهوية الجامعة، الغيب المنيع والكنز الخفي، مبدء الفيض، علة العلل، مبعث الرسل، شارع الاديان وحده لا شريك له في الملك ولا نظير له في الابداع، كل عباد له وكل بأمره قائمون، وبمشيئته يتحركون، ومن فضله سائلون، كل بدئوا منه وكل اليه يرجعون، سبحانه سبحانه عما يصفه المرسلون او يذكره البالغون.

والصلوة والثناء على اعظم نور سطع ولاح من مطلع الاشراق على الافاق، جمال القدم والاسم الاعظم والرمز المنمنم، بهاء الله الافخم الاكرم، حقيقة الحقائق، جوهر الجواهر، نور الانوار، الاسم المكنون والسر المصون، الاصل القديم والنبأ العظيم، المظهر الكلي الالهي، مطاف الرسل والموعود في الكتب والصحف والمذكور بلسان النبيين والمرسلين، رب الجنود، مكلم الطور، باني الهيكل، مطهّر العلل، الجالس على كرسي داوود، الاب السماوي، الالف والياء، ملك الملوك، رب الملكوت، مالك يوم الدين، صاحب العهد، رب الميثاق، نير الافاق، الظاهر باسم القيوم، الملقب في الكتاب المجيد بمن يظهره الله، بقية الله المنتظر والمنظر الاكبر للبشر، مظلوم العالم ومحيي الرمم، ورافع بنيان الصلح الاعظم بين الامم، الذي بظهوره فك الرحيق المختوم وامتحن الله حقائق النبيين والمرسلين، وظهرت الطامة الكبرى والرادفة العظمى، ونفخ في الصور مرة اخرى، اذا اشرقت الارض بنور ربها، وحدثت اخبارها، واخرجت اثقالها، تعالى تعالى عزّه وبهائُه ومجده وعلائُه وسلطنته وجبروته وكبريائُه.

والتحية والبهاء على مبشّره الفريد، قرة عين النبيين، باب الله الاعظم، وذكر الله الاكبر الاكرم الافخم، وحجة الله بين الامم، الدّرة الاولى والعليّ الاعلى والنقطة الاولى، الظاهر بآثار جميع الانبياء، وجه الله الذي لا يموت ونوره الذي لا يفوت، القائم الموعود، المهدي المنتظر، صبح الهداية، صاحب الزمان، سلطان الرسل، الذي بظهوره قامت القيامة واتت الساعة وانشقت الارض وانفطرت السماء ومرت الجبال وانصعقت الكائنات وامتد الصراط ونصب الميزان وسعرت النيران ووضعت كل ذات حمل حملها وانفلق فجر الهدى وظهرت البشارة الكبرى واقترب بزوغ شمس البهاء الساطعة أنوارها على الخلائق اجمعين.

والتكبير والثنا على انبياء الله وسفرائه، هياكل التوحيد، وحقائق التجريد، المظاهر الالهيه والمرايا الصافيه والكلمات التامة والكينونات المقدسة، الذين اختارهم الله وجعلهم مظاهر نفسه ومهابط وحيه ومطالع أنواره ومشارق أمره وأمناء سرّه ومظاهر صفاته وينابيع حكمته ومكامن إلهامه وكنائز علمه ومخازن بيانه واعلام قدرته وسرج هدايته ومشاعل حبه وحملة امانته ومصادر احكامه، وبهم اظهر امره وانزل كتابه واسس شريعته واثبت برهانه وبلغ رسالته وبشر الخلق بيوم اللقاء، يوم الحساب، يوم الميعاد، يوم التلاق، يوم الله المخيف، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

والصلوة والسلام على مركز عهد الله وميثاقه، غصن الله الاعظم، سر الله الاقوم الاكرم والخليج المنشعب من بحر القدم، المثل الاعلى، حضرة من طاف حوله الاسماء، حضرة من اراده الله، قرة عين البهاء ووديعته بين خلقه، ومبيّن آياته وكلماته وحصن امره ودرع دينه ومرّوج شريعته وأمين سرّه وشارح اصول نظمه ورافع لواء نصره والمتوج باكليل العبودية في خدمة امره.

والروح والضياء على اولياء الله واوصيائه واصفيائه وانصاره وادلائه وشهدائه ونقبائه الذين اختارهم النبيون والمرسلون لتنفيذ احكام الله وتبيين كلماته واستحكام دعائم شريعته ونصرة امره واعلاء شأن دينه وبسط دعوته واثبات قدرته واحقاق حقه ودفع شر اعدائه وخصمائه. والتسليم والثناء على اهل البهاء، اصحاب الراية البيضاء والراكبين في السفينة الحمراء وعلى آله واوراق دوحته وفروع سدرته وحروفات كتابه وايادي امره وادلاء صراطه والثابتين على عهده والمتمسكين بعروة ولايته والمستشهدين في سبيله والناشرين لنفحاته والمؤسسين لأركان نظمه البديع، وليد شريعته وثمرة ميثاقه الاعز الارفع الاقدس الممتنع الفريد.

يا معشر المؤمنين، في هذا الحين الذي نقترب فيه من اختتام القرن الاول الافخم للكور الاعظم لجمال القدم الذي قال عنه مركز ميثاق ذلك المحيّ للرمم بانه الشمس المضيئه للقرون الاولى، والنور المنير للقرون الاخرى، فان نداء يا طوبى ويا بشرى مرتفع من سكان الملأ الاعلى وصوت التهليل والتكبير والتقديس والتسبيح متصاعد من حول حرم الكبرياء من اعلى غرفات جنة الابهى.

تبارك هذا القرن الابدع البديع والعصر الدري المشعشع المبارك المنيع الذي ما رأت شبهه عيون الاولين والاخرين. تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه انشأ الله بمشيئته الغالبه وارادته النافذة السدرة الالهية والدوحة الصمدانيه في قطب الافاق فنمت واخضرت واورقت وازهرت واثمرت وفرّعت وامتد ظلها الظليل على العالمين.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي في اول ليلة منه شُقّ حجاب الستر وعبقت نفحة الله واهتزت ارض الوجود وطوى بساط الاولين وظهرت الالف القائمة وقامت القيامة وفتح باب الاعظم على وجه الامم وسطع عن افق الفارس، نور الله العلى الاعلى ورفع النقاب عن وجه الغلام الابطحي العلوي وبرزت وتجلت النقطة الاولية التي تدور في حولها ارواح المرسلين.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه أتى الله في ظلل من الغمام وقام الروح وخرج جمال القدم عن خلف ألف ألف حجاب من النور وكشف عن وجهه النقاب واظهر في ارض العراق رشحا من النور المهيمن الحمراء، اذًا نُفخ في الصور مرة أخرى واستقر مكلم الطور على عرش الظهور واتى الرب من ربوات القدس وظهر من طاف حوله نقطة البيان وغرّد روح الاعظم في صدر البهاء وكُشف برقع الستر عن جمال الحسين بعد القائم وظهر الاب بمجده العظيم ونزل رب الجنود في ارض الميعاد وارتفعت الصيحة وناد المنادِ من مكان قريب.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه زلزلت الارض زلزالها واخرجت اثقالها وذُهلت كل مرضعة عما ارضعت، فتتابعت الزوابع ونسفت الجبال وانفطرت السماء واندكت ارض الوجود واسودت الوجوه وظهر سر التنكيس لرمز الرئيس وبرزت الفتنة العمياء الصماء وظهر الفزع الاكبر ونعق الناعق وسقط الصنم الاعظم وناح الطاغوت وتزلزلت اركان الجبت وانصعق الطوريون وتبدّل النور بالنار وظهرت ايام الشداد وتحركت طيور الليل وهبت روائح النقض واشتدت عواصف الامتحان ويبست الاغصان واصفرت وانتثرت الاوراق وضجت القبائل واضطرم نيران الحرب والقتال في الافاق وظهر ما ارتعدت به فرائص العالم وارتفع الضجيج والعويل واحترقت المدن وتتابعت صواعق يوم القهر وظهر انتقام الله الاكبر وهبت ارياح كُرهٍ عقيم.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه تلألأت انوار الصدق والصفاء في وجوه الاولياء واضطرم نار الحب والولاء في صدور ألوف من الاصفياء المتمسكين بالعروة النوراء والسالكين في المنهج البيضاء، عشاق جمال الابهى والطلعة الاولى، الاعلام الخافقة والشهب الثاقبة والنجوم الدرهرهة والاطواد الباذخة، خيرة الخلق وصفوتهم الذين خصّصهم الله لهذا الشرف العظيم واجتباهم لاثبات حجته بين العالمين وثبتهم على عهده القويم ورفع بهم رايات امره المبين ونصب بهم اركان نظمه البديع وألبسهم حلل التقديس والتنزيه وبلغ بهم رسالاته وارسلهم الى مشهد الفداء بآيات استجذبت منها حقائق النبيين والمرسلين.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه فُكّ الرحيق المختوم بأنامل القيوم وكُشف الحجاب عن الحقائق المودوعة في كنائز العصمة وخرجت حوريات المعاني من غرفات الكلمات وانكشفت الاسرار وظهرت البشارات وتحققت الوعود والنبوات وانجلت الرموز والاشارت المستورة في بطون الايات من التوراة والزبور والانجيل والفرقان وعن ورائهم احاديث سيد المرسلين وائمة الطاهرين وصحف اولياء الله واخبار امناء سره ومصادر احكامه من الاولين والاخرين.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه اقشعرّت جلود المنكرين والمعرضين والظالمين من الملوك والسلاطين والخلفاء والامراء والعلماء والفقهاء والوزراء والسفراء والاغنياء والاعزاء في مشارق الارض ومغاربها، الذين استكبروا على الله في القيامة الاولى ثم في القيامة الاخرى ثم في عهد مركز ميثاقه الاعز الامتن الارفع الاسمى واعتزلوا عنه وجاحدوا بآياته وكذبوا ببرهانه وأفتوا على قتله وهتكوا ستر حرمته وحكموا بنفيه وسجنه وسجن اهله واصحابه واستهزؤا برسله وسفرائه وغصبوا حق اوليائه وحاربوا مع امنائه وحروفاته وادلائه واودائه وسفكوا دماء عشاقه وخَدَمة امره وشتتوا شمل احبائه وغفلوا عن حجته وبيناته وانذاراته. قد خابت آمالهم وحبطت اعمالهم وطوى فراشهم ومحى الله آثارهم وبدد شملهم وقطع دابرهم واخذهم بقدرة من عنده وقهر من لدنه ورجعهم الى مثواهم في قعر الجحيم.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه ظهرت الاية الكبرى وسُطر الرقّ المنشور بأثر من القلم الاعلى وَنزّل الكتاب المكنون الموصوف بالصحيفة الحمراء وتأسس البنيان المرصوص في ظل شجرة انيسا عهد الله الوثيق وميثاقه الغليظ الذي اخذه الله في ذر البقاء القسطاس الاعظم مغناطيس التأييد سفينة النجاة العروة الوثقى، اللواء المعقود والحبل الممدود بين الارض والسماء الذي جعله الله ميزان كل شيء واختصه لهذا الظهور إظهارا لقدرته وإثباتا لعظمته وإعزازا لشريعته وحفظا لكيان أمره الغالب المقدس المهيمن الأوعر الخطير.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه نُزّل الناموس الاكبر ورشّ البحر الاعظم على الامم ونفخ روح الحيوان في جسد العالم وجرت سفينة الاحكام ونصب ميزان العدل ونزلت أورشليم الجديده من السماء وصدر الكتاب المقدس الاقدس من يراعة مالك الانام، الرقّ المنشور والسفر القديم، الصحيفة العليا والمرجع الاعلى والحجة العظمى، فُرات الرحمة بين البرية ومشكاة الفلاح في ملكوت الإبداع قسطاس الهدى بين الورى وبرهان الرحمن لمن في الارضين والسموات.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه نُصبت دعائم قصره المشيد ونظمه البديع وليد شريعته السمحاء الذي بَشّر بظهوره ذكرالله الأكرم وباب الله الاعظم في كتابه المبارك المجيد وصرّح به مؤسسه الفريد في كتابه المقدس الاقدس وبيّن أصوله وشرح فروعه غصن الله الاعظم المنصوص من القلم الاعلى، مركز عهد الله وميثاقه في كتاب وصيته بأثر من قلمه المبارك المقدس الشريف.

تبارك هذا القرن الابدع البديع الذي فيه تتابعت البشارات العظمى الصادرة من القلم الاعلى والمؤيدة بيراعة مركز عهده الأوفى والناطقة بقرب تأسيس المدنية الالهيه والسلطنة الازليه وظهور ملكوت الله وسطوع انوار الصلح والوئام بين الأنام ونصب سرادق العدل في قطب الآفاق وارتفاع اعلام استقلال الشريعة السمحاء وتوثيق عرى الاتحاد والاتفاق والاخوّة البشرية والوحدة الاصلية بين العموم من كافة الاجناس والاوطان والطبقات والاديان وبلوغ العالم الى درجة الكمال بحيث تبدل الارض غير الارض وتصبح قطعة من الفردوس تنعكس فيها أنوار الملأ الاعلى اذًا ترى الارض جنة الابهى، يومئذ يفرح المؤمنون.

يا ليلة القدس، عليكِ من التحيات اكملها وابهاها ومن الصلوات أطيبها وأزكاها، يا قرّة عين الإبداع وغرّة ايام الله ومطلع العصر الأعز الأكرم ومبدأ القرن المبارك الافخم، بحلولك فتح باب الاعظم على وجه العالم وظهر السر الأكتم وسطع النور الأقدم وامتد الصّراط الأقوم وعبقت روائح الروح على كل الامم. بذكرك استفرح الخليل في قلبه واستبشر الكليم في ذاته واستجذب الروح بكُليّته، واهتز الحبيب طربا في نفسه، وسبّح وهلل اهل ملأ العالين من الكرّوبين والقدّيسين والملائكة المقربين. بكِِِ أنارت الأرضون والسموات، وفيكِ بعثت الليالى ومنكِ استضاء الايام وحولك طافت ليلة القدر وبظهورك ابتسم ثغر الوجود وتشهّق طاووس الاحديه في قطب الجنان ودلع ديك العرش حول حرم الكبرياء وتموّج البحر الاحمر وظهر جمال الورد وكُشف النقاب عن جمال المعشوق بشأن تحيرّت أفئدة النبيين والمرسلين. طوبى ألف طوبى لمن عَرف شأنك وحفظ حرمتك وشهد آثارك واستفاض من فيوضاتك وافتخر باسرارك وأقرّ واعترف بسلطانك ومقامك المتعظم المتعزز المتعالى المشعشع المقدس الباذخ الفريد.

يا اهل البهاء لاحظوا كيف أنّ يد القدرة الالهية بعث وأيد ثلّة من الطلبة المستضعفين المنتسبين الى الطائفة الشيعية المنشعبة من الشيعة الاثنى عشرية والذين اعتبرهم جمهور الناس والعلماء والفقهاء والادباء والفضلاء والمشرّعون وأصحاب المناصب العالية انهم من الفئه الحقيرة ومن المضلّين والمنحرفين، وقد ابتلوا بشعب جاهل متعصب متوحش نازل عليه القهر والعذاب الالهي، إضافة إلى أن هذه الثلّة لم يكن لديها شيء من اسباب الملك وزخارف الدنيا أو اية شوكه او عزة او قوة او ثروة ظاهرية، ولكن نصرها الله واغدق عليها بركاته وأعطاها العزة والسطوة. تمكنت هذه الفئه القليلة وفي فترة زمنية بسيطة من أن يصل اسمها الى الطباق السبع ويذيع صيتها العظيم ويصبح عالميا على الرغم من هجوم سلاطين وأمراء الأسرة القاجاريه العنيف والتعرض الشديد من ملوك وخلفاء الاسلام واللطمات الوارده من علماء وفقهاء أهل الفرقان ودسائس ومفتريات حزب الشيطان ورؤساء البيان وتحريكات ناقضي العهد والميثاق وتدليس المتمردين وغير المخلصين واعتراضات ودسائس المبشرين المسيحيين.

اصبحت هذه الثلّة الضعيفه أمة قوية البنيان ثابتة الاركان ممتدة الفروع، تأسست في ثمانين اقليم من أقاليم العالم، ووفّقها الله وأيدها على تأسيس دين جديد ونظام بديع وجامعة مستقلة. امتد هذا الامر المبين في بداية انتشاره من مهد أمر الله في بلاد فارس الى الممالك المجاورة في العراق والهند ثم نصب خيمته في الدول العثمانيه وعلا صوته الملكوتي في المدينة الكبيرة وارض السر مُحدثا زلزالا بأركان الدولة الجائره. واخيرا جاء الى ارض الميعاد مركز الانبياء والمرسلين واستقر في مرج عكا، الملحمه الكبرى، وادي النبيل، مأدبة الله، المدينة المحصنه، البقعه المباركه البيضاء. ومن السجن الاعظم وصل نداؤه المهيمن الى اسماع الملوك والسلاطين ورفرف علم هدايته في برية الشام واقليم مصر وقفقازيا وتركستان. وعلى جبل الكرمل وقرب مقام إيليا ارتفعت خيمة عظمته وجرت من صهيون شريعته الغرّاء. ارتفعت صيحته من مكان قريب وبُنى الهيكل الموعود بأيادى قدرة حضرة القيوم. رويداً رويداً اخذت انواره الالهية تسطع في الدول الاجنبيه وتتجلى في امريكا – مهد المدنيه الالهية – بشكل ممّيز واهتزت لها أيضاً قلوب الشيوخ والشباب والوضعاء والاشراف في عواصم القارة الاوربية، ودعت القبائل المتحاربة الى الوحدة الاصليه وجمعتهم في ظل خيمة الميثاق.

لقد اهتز الصين ووصل صوت الامر الالهي المحيي للنفوس الى أسماع كل صغير وكبير في كل من اليابان واقصى جنوب قارتي افريقيا واستراليا الشّاسعتين، والجزر النائيه في المحيط الهادي. كما انبسط بشكل جديد في الافاق الغربيه والاقاليم الشماليه والممالك الجنوبيه وجذب الى حبّه قلوب جمع من الكبار والصغار. واخيرا تغلب على خصمه اللدود وفك قيد الاسر والذل من يده وشتت صفوف أعدائه الدينيين والسياسيين سواء في الداخل ام في الخارج، القديم منهم والجديد.

لم يمض كثيرًا حتى استقر الجسد المطهر لمبشّره الفريد على سفح الكرم الالهي، وتأسس معبدان عظيمان على احسن وجه واتقن وضع في قلب قارتي اسيا وامريكا بفضل فدائييه اللا نظير لهم. ارتفعت راية هدايته الكبرى تدريجيا في ستين مملكه من الممالك المستقله في شرق العالم وغربه وتُرجمت وطُبعت ونُشرت كتبه النفيسه وصُحُفه وألواحه القيّمة الى أربعين لغة من اللغات الشرقية والغربية. وفي مصر قام أعداؤه القدامى من أهل السنه والجماعة من رؤساء الشريعة برفع حجاب الستر عن وجه شريعته السمحاء وأعلنوا على رؤوس الأشهاد الحقائق الخفية والاسرار المكنونه للشريعة المقدسة الالهية وشهدوا بانفصال وأصالة واستقلال هذا الدين المبين وأصدروا حكمهم الصارم القاطع في هذا الشأن.

رُفعَ النقاب عن نظامه العالمى الجديد بعد هذه القضيه وارتفعت وُنصِبت أعمدة قصره المشيد بكل استحكام على يد حُماته الشجعان طبقا لما ورد في الواح الوصايا المتينه لمركز عهده القويم. في تلك الاثناء تشتت في بسيط الغبراء مروّجو مبادئه السامية بعزم قوي وانقطاع شديد وهاجروا الى أبعد مدن العالم متوكلين على الله، واستوطنوا الجزر النائيه في المحيطين الهادي والاطلسي. تمكنوا من جذب قلب الملكه المعظمة الى مغناطيس محبة الله واعلنوا في اعلى المقامات استقلال الشريعه البهائيه. حاولوا جاهدين شرح وتبيين اصول المدنية الالهية وكيفية إقامة الشعائر الدينية وتنفيذ الاحكام الالهية وعملوا على انفصال الجامعة واثبات اصالة الشريعة السماوية. كما قاموا بتشكيل وتسجيل وازدياد المحافل الروحانيه ووضع الدساتير والقوانين والانظمة المتينه وبناء حظائر القدس والمعاهد الدينيه وتوسعة دائرة المشاريع المتنوعة المفيده وتأليف وترجمة وطبع الكتب القيّمة والرسائل النفيسة وتعيين وشراء الاماكن المتبركة والمقدسة والتاريخية وتأسيس الأوقاف الأمرية في المدن والقرى في الدول المختلفة.

أدوا كل ذلك بشهامة وبسالة كبيرة وتعاون وتعاضد وثبات حتى اشتعل في عاقبة الامر السراج الالهي، وولدت البذرة الصغيره محصولا كبيرا واصبح الحزب المظلوم جليلا وعظيما وتحولت الفئه المقهورة القليله الى جاليه، بل ووفقت وافتخرت بوضع نظام بديع والاعلان عن دين مستقل وتشريع شريعة غراء وتأسيس حضارة جديدة. تعالت هذه القوة القدسية الدافعة السارية في حقائق الكائنات. تعالت هذه القدرة الأزلية الصمدانيه والسلطة البارزة الالهية المهيمنة على من في الارضين والسموات. تعالت هذه الشجرة المباركة المنبتة المرفوعه ثابتة الاصل غليظة الدوحة منشعبة الفروع ممتدة الاغصان كثيرة الاثمار. سبحان من انشأها سبحان من غرسها وأنبتها وسقاها وحفظها ورفع شأنها ومقامها وجعل ظلها الظليل ملجأ وملاذا للعالمين.

يا انصار الاسم الاعظم، ما مقدار عظمة هذا الامر الالهي ومارفعة شأن ومنزلة هذا الكور الأمنع الأفخم الأكرم الأعز المشعشع الصمداني. عن عظمة وكمال وقهارية وشمولية هذا الامر الفخيم وعلوّ وسموّ هذا اليوم العظيم ورفعة وجلال وشرافة هذا العصر الكريم، نزلت هذه الكلمات الدريات من سماء مشيئة رب الآيات البينات، قوله تبارك ذكره وعز بيانه: “إن العالم اليوم منور بأنوار الظهور وجميع الاشياء قائمة بالذكر والثناء والفرح والسرور. جاء ذكر هذا اليوم المبارك في الكتب السماوية من قبل ومن بعد واحتفلوا به احتفالا عظيما. طوبى لمن فاز به وعرف مقامه.” “اليوم، هناك شمس اخرى مشرقه وسماء أخرى مزينة بالثوابت والسيارات، إن العالم عالم آخر والامر أمرٌ آخر” “اليوم هو يوم الله والحق وحده ينطق فيه لا يذكر فيه الا هو” “اليوم هو سيد الايام وسلطانها” “النيروز هو اليوم وفي الحقيقة اليوم هو بصر الايام بل ان عين العالم مضيئة به، لا يمكن معادلة عالمنا بساعة من ساعاته” “هذا اليوم غير الايام الاخرى وهذا الامر غير الامور الاخرى” “اليوم هو يوم الله والامر أمره طوبى لمن ترك العالم وتوجه الى مشرق الوحي الالهي” “لا مثيل لهذا اليوم لأنه بمثابة البصر للقرون والاعصار وبمثابة النور لظلمة الايام” “لم يرى الشمس والقمر شبه هذا اليوم… لا شك بان ايام مظاهر الحق جل جلاله منسوبة الى الحق. وفي مقام اخر سُمّيت بايام الله ولكن هذا اليوم غير الايام، وقد ظهر مقام هذا اليوم منذ خاتم النبيين” “ذُكِرَ هذا الظهور الاعظم في جميع الكتب السماوية بذكرٍ فوق الاذكار وبأمرٍ فوق الأمور وبنور فوق الانوار… هذا الظهور الاعظم مزيّن في جميع الكتب بطراز التخصيص الاعظم.”

“إن أرضَ المعرفة نابتة ٌ اليوم من نسيم المكرمة بشكل وظهور جديد. هذه الرحمة خاصة لهذه الأيام وهذا الكرم لائق لهذه الأوقات” “إن ذَرّة من هذا اليوم يُرى كالشمس وقطراته كالبحر، ان تنفس امرءٌ بنَفَسٍ واحد في حب الله وخدمته فان ذلك يُعد من سيد الاعمال لدى القلم الاعلى.” “إن الباب المفتوح اليوم وأوسع من السموات والأرض وفضل مقصود العالمين محاط بالكل، إن العمل البسيط يُشاهد في مرآة العلم الالهي أكبر من الجبل. إذا أعطيتم قطرة ماء في سبيله فيشاهد كالبحر في تلك المرآة” “… إذا نذكر لكم عن عظمة اليوم الالهي على ما هو عليه سينصعق أكثر الناس بل يُشاهدوا صرعى” “إن القصد من خلق الوجود هو ظهور هذا اليوم الأمنع الأقدس المذكور في الكتب والصحف والزبر الالهية بيوم الله” “الحق أقول لكم لم يطّلع أحد على أصل هذا الامر” “لم يعرف أي من المظاهر الالهية السابقين شيئا عن كيفية هذا الظهور بتمامه إلا على قدر معلوم” “ما ظهر في هذا الظهور الأمنع الأعلى لم يظهر مثله في أي عصر سابق ولن يظهر في المستقبل.”

كما نطق محبوب الابهى مالك الأرض والسماء باللغة الفصحى بهذه البيانات الكاملة الجميلة: “قد ظهر في هذا الظهور ما لا ظهر في أزل الازال” “قد ظهر ما كان مخزونا في أزل الآزال في علم الله عالم الغيب والشهود” “قل قد أشرقت الشمس بإشراقات ما أشرقت بمثلها في أعصار القبل” “قل بَشَّرَ كل نبى بهذا اليوم وناح كل رسول حبا لهذا الظهور تالله الحق تلك أيام فيها امتحن الله كل النبيين والمرسلين ثم الذين هم كانوا خلف سرادق العصمة وفسطاط العظمة وخباء العزة وكيف هؤلاء المشركين” “هذا يوم فيه فازت الآذان بإصغاء ما سمع الكليم في الطور والحبيب في المعراج والروح إذ صعد إلى الله المهيمن القيوم” “قل هذا فجر فيه ظهر كينونة المكنون وغيب المخزون وفيه أخذ جمال القدم كأس البقاء بأنامل البهاء وسقى أولا بنفسه ثم أنفقه على أهل ملأ الإنشاء من كل وضيع وشريف. فياحبذا لمن أقبل واخذ وسقى بحبه العزيز المنيع. وإن ثمرة منها نطقت بما نطقت سدرة السيناء على بقعة المباركة البيضاء وسمعت منها اذن الكليم ما انقطعه عن الممكنات وقرّبه إلى مقر قدس مكين فيا حبذا من جذب الله المقتدر العليّ العظيم وثمرة اخرى نطقت بما استجذب منه الروح وصعد إلى سماء عزّ مبين فيا حبذا من هذا الروح الذي قد قام تلقائه روح الأمين بقبيل من الملائكة المقربين وثمرة أخرى نطقت بما استجذب منها قلب محمد رسول الله واستعرج من هذا النداء الأحلى إلى سدرة المنتهى وسمع نداء الله عن وراء سرادق الكبرياء عن سر اسمي المقدس العلي العظيم. فيا حبذا من هذه السدرة التي ارتفعت بالحق ليستظل في ظلها العالمين”.

“هذا لَهُوَ الذي أرسل من عنده المرسلين وجاء من لدنه معشر النبيين” “ولو يكون مشارق الوحي كلها في هذا الحين الذي فيه ينطق لسان العظمة والكبرياء ويتوقّفن في هذا الامر أقل من آن ليهبط أعمالهم كذلك قضى الامر من لدى الحق علام الغيوب… تالله إنه لا يقاس بما أتى ويأتي يشهد بذلك عباد مقربون” “تالله قد أتى من كان مخزونا في أفئدة الانبياء ومسطورا من القلم الأعلى في كتب الله رب العالمين” “قل هذا لَهُوَ الذي لولاه ما أُرسِل رسول وما نُزِّل كتاب يشهد بذلك كل الأشياء”.

“هذا لَهُوَ الذي قد أخذ نقطة البيان عهده في ذرّ البيان ومحمد رسول الله في ذرّ الفرقان والروح في ذرّ الإنجيل والكليم في ذرّ التوراة والخليل في ذرّ الأمر إن أنتم من العالمين” “وظهر منه حجة عليّ ثم برهان محمد ثم دليل الروح ثم ما أتى به الكليم ومن وراء ذلك قد ظهر بسلطان ما شهدت عين الإبداع شبهه ولا عيون ملائكة المقربين” “لولاه ما اشتعلت النار في سدرة السيناء على بقعة الطور لموسى الكليم وما جُعِل النار نورا لاسمنا الخليل وما ثبت أمر الله بين خلقه وما أشرقت عن أفق القدس شمس البقاء باسم ربكم العلى الاعلى” “هذا الغلام الذي في حبّه سفكت دماء النبيين المرسلين”.

“قل تالله قد رقم قلم القدس من رحيق المسك على جبيني البيضاء بخط أبهى أن يا ملأ الأرض والسماء إن هذا لَهُوَ المحبوب الذي ما شهدت عين الإبداع مثله ولا عين الاختراع شبهه وإنه لَهُوَ الذي قرّت بجماله عين الله الملك العزيز الجميل” “قد خلق في شاطيء هذا البحر بيداء ما أحاط أحد أولها وآخرها وفيه ارتفع نداء الله عن كل الاشطار وما مر عليه من نبي ولا من رسول الا وقد أخذته نفحات الله في هذا الواد واذا وصلوا الى قبة الأبهى التي خلقت من نور الذات في وسط هذا الواد خرّوا بوجوههم على التراب خُضَّعا لهذا الجمال الذي ظهر بالحق في هذا القميص الذي يجدن المخلصون منه رائحة الرحمن وكذلك كان الامر مقضيا”.

“هذا الظهور يُظهِر نفسه في كل خمسمائة ألف سنة مرة واحدة كذلك كشفنا القناع ورفعنا الاحجاب” “قل إن معراج محمد قد عرج سبعين ألف سنة إلى أن بلغ الى فناء هذا الباب” “قل ان روح القدس قد خُلق بحرف مما نزل من هذا الروح الاعظم ان كنتم تفقهون لعمر الله لما نزلت الايات من سماء المشية سجد النقطة الاولى وقال آمنت بك يا مالك الوجود” “هذا يوم لو ادركه محمد رسول الله لقال قد عرفناك يا مقصود المرسلين، ولو ادركه الخليل ليضع وجهه على التراب خضعا لله ربك ويقول قد اطمأن قلبي يا إله من في ملكوت السموات والارضين واشهدتني ملكوت امرك وجبروت اقتدارك واشهد بظهورك اطمانت أفئدة المقبلين ولو ادركه الكليم ليقول لك الحمد بما اريتني جمالك وجعلتني من الزائرين” “ان الحبيب ينادي قد اتى المحبوب بسلطان مبين والروح ينادي امام الوجه قد ظهر ما هو المكنون في سماء مشية ربكم العليم الخبير وابن عمران يقول تالله هذا ربكم الرحمن قد اتى بامر لا يقوم معه من في السموات والارضين والخليل يقول قد اتى الجليل ان اسرعوا اليه بالقلوب ولا تتبعوا كل متوهم مريب قد ظهر سيد الايام وفيه استقر مالك الانام على عرش اسمه العظيم”.

“قد اخذ اهتزاز اللقاء طور السيناء وارتفع نداؤه الاحلى في ذكر ربه الابهى ويقول اي رب اجد عرف قميصك كأنك تقربت بالاثار وشرفت بقدومك تلك الديار طوبى لشعبك لو يعرفونك ويجدون عَرفك فويل للراقدين” “قل قد اتى إيليا وطاف العرش في البكور والآصال” “قد تحركت بيت لحم من نسمة الله نسمع ندائها نقول يا ربي الكريم اين استقر مجدك العظيم قد احيتني نفحات وصلك بعد الذي اذابني هجرك لك الحمد بما كشفت السبحات وجئت مع القوات بجلال مبين” “قد اتصل نهر الاردن بالبحر الاعظم والابن في الواد المقدس ينادي لبيك اللهم لبيك والطور يطوف حول البيت والشجر ينادي قد اتى المقصود بمجده المنيع”.

“هذا يوم فيه فاز الكليم بانوار القديم وشرب زلال الوصال من هذا القدح الذي به سُجّرت البحور. قل تالله الحق ان الطور يطوف حول مطلع الظهور والروح ينادي من الملكوت هلموا وتعالوا يا ابناء الغرور هذا يوم فيه سرع كوم الله شوقا للقائه وصاح الصهيون قد اتى الوعد وظهر ما هو المكتوب في الواح الله المتعالي العزيز المحبوب”.

“قد اهتز كوم الله من نسمة الوصال انه سُمّي بكرمل ينادى قد اتى باني الهيكل ومطهّر العلل طوبى للفائزين” “قد اخذ الاهتزاز ارض الحجاز وحركتها نسمة الوصال تقول يا ربي المتعال لك الحمد بما احيتني نفحات وصلك بعد الذي اماتني هجرك طوبى لمن أقبل اليك وويل للمعرضين” “قد اخذ اهتزاز الوصال شطر الجنوب والشمال نسمع نداء البطحاء تقول لك الحمد يا ربي الابهى بما تضوع عرف قميص وصلك في تلك الديار. ومن جهة أخرى ارتفع النداء من المسجد الاقصى يقول لك الحمد بما احيتنى نفحات قربك بعد اذ اماتني هجرك يا محبوب من في الارضين والسموات”.

في كتاب قيوم الاسماء تحدّث ورقاء البقاء، الطلعة الاعلى، عن عظمة وابّهة ظهور جمال الأقدس الأبهى في القيامة الأخرى بهذه الكلمات العاليات: “يا قرة العين لا تجعل يدك مبسوطة على الامر لان الناس في سكران من السر وان لك الكرة بعد هذه الدورة بالحق الاكبر هنالك فاظهر من السر سراً على قدر سمّ الابرة في الطور الاكبر ليموتُنّ الطوريون في السينا عند مطلع رشح من ذلك النور المهيمن الحمراء باذن الله الحكيم وهو الله قد كان عليك بالحق على الحق حفيظا”. وفي مناجاة له نزلت هذه الكلمات العاليات من ذلك العاشق الراغب مخاطبا محبوبه الابهى: “يا سيّدي الاكبر ما انا بشيء إلّا وقد اقامتني قدرتك على الامر. ما اتكلت الا عليك وما اعتصمت في امر الا اليك. وانت الكافي بالحق والله من ورائك المحيط وكَفَى بالله على الحق بالحق القوي نصيرا. يا بقية الله قد فديت بكلّي لك ورضيت السّب في سبيلك وما تمنيت الا القتل في محبتك وكَفَى بالله العلّي معتصما قديما، وكَفَى بالله شاهدا ووكيلا. سبحانك اللهم يا الهي ما اصغر ذكري وما ينسب إليّ الا اذا اريد ان انسبه اليك فلتقبلني وما ينسب إليّ بفضلك انك انت خير الفاضلين”.

وفي ذِكر المقامات الرفيعة والمراتب الشامخة الجليلة للمتمسكين بالعروة الوثقى اتباع الجمال الابهى، جوهرالوجود، ومظهر المعبود، جاءت هذه الكلمات في أول وأعظم وأكبر كتب حضرة الباب(1) لتكون شهادة عليا صادرة من يراعته قوله المنيع: “ولقد خلق الله في حول ذلك الباب بحورا من ماء الاكسير مُحمّرا بالدهن الوجود وحيوانا بالثمرة المقصود وقدر الله له سفنا من ياقوتة الرطبه الحمراء ولا يركب فيها الا أهل البهاء باذن الله العلي وهو الله قد كان عزيزا وحكيما.” كما أضاف حضرته أيضاً “وقد كتبت جوهرة في ذكره وهو أنه لا يستشار بإشارتى ولا بما نزل في البيان” وأيضاًً “إن نطفة الظهور التالى هو أقوى من جميع أهل البيان” في هذا المقام وتأييدا لما صدر من فمه الدرّي الطاهر المنيع نزلت هذه الكلمات الباهرات من القلم الأعلى: “إذا اصبح اليوم كل من في السموات والارض مثل “حروف الحي” وهم الذين أعلى مرتبة مائه ألف مرة من الحروفات الفرقانيه ثم توقفوا في هذا الامر أقل من آن لحسبوا عند الله من المعرضين واعتبروا من حروف النفي.” وايضا يقول حضرة بهاء الله: “إذا بُعث حضرة الباب، روح ما سواه فداه، هذه الأيام وحضر أمام الوجه فسوف يكون مشغولا بتحرير الرسائل” وجاء في كتاب الايقان: “ان سلطان الهوية قادر على أن يقبض روح جميع أهل البيان بواسطة حرف واحد من بدائع كلماته أو أن يهب الجميع حياة بديعة قدسية بواسطة حرف واحد ايضا ويبعثهم من قبور النفس والهوى.” كما صدرت هذه الكلمات العاليات من القلم المعجز لمركز عهد جمال القدم غصن الله الأعظم وسره الأقوم: (يقول حضرة الأعلى روحي له الفداء: “لو أرادت نملة أن تفسر القران من ذكر باطنه وباطن باطنه لتقدر لأن السر الصمدانية قد تلجلج في حقيقة الكائنات” مادام لهذه النملة الضعيفه مثل هذا الاستعداد اللطيف فسيكون معلوما مقدار العون والعناية والتأييد والالهام الذي يأتي في ظل فيوضات جمال المبارك روحي لأحبائه الفداء).

وفي مكان آخر صدر من قلم الميثاق مطابقا لما نزل من القلم الاعلى ومؤيدا لما جرى من يراعة النقطة الأولى هذه الكلمات التّامّات والإشارات العاليات: “تمضي القرون وتنتهي الدهور وتنقضي الاف العصور حتى تشرق شمس الحقيقة في برج الاسد وبيت الحمل(2)… كان الأولياء السابقون ينصعقون عند تصورهم عصر الجمال المبارك ويتمنون الفوز به ولو لدقيقة واحده” كما قال ايضا: “لقد تمنى جميع الاولياء في العصور والقرون الماضية وبأعين دامعة الفوز بيوم من أيام الله، وبكل حسرة وأسف عرجوا الى العالم الآخر دون ان يفوزوا به” “إن جميع الأدلة والبراهين العقلية والنقلية مرجعها ومركزها جمال المبارك وحضرة الباب وقد تحققت وانتهت ولا يجوز الانتظار بعد ذلك سوى بعد خمسمائة ألف سنه.” “وأما المظاهر المقدسة التي تأتي من بعد في ظلل من الغمام من حيث الاستفاضه هم في ظل جمال القدم ومن حيث الإفاضه يفعل ما يشاء” “هذا الظهور الأعظم مثل الشمس أما الظهورات الأخرى في الأكوار السابقه واللاحقه فهي بمثابة النجوم والأقمار، وسوف لن يتكرر سوى بعد دهور وأحقاب لا تقل عن خمسمائة ألف سنة” “اذا لاحظتم ببصر حديد في هذا الكور البديع ستلاحظون بأن العالم قد فاز بخلق جديد في ظهور جمال القدم من المطلع الاعظم وتزين الوجود بجميع كمالات الغيب والشهود وسطعت أنوار التقديس من افق التوحيد على مطالع التجريد وهطل غمام التسبيح بأمطار التمجيد وظهرت شمس الحقيقة من برج الأسد وبرزت بأشد حرارتها من أعلى نقطة. وعلى الرغم من ان الاثار الباهره لهذا الطلوع الالهي غير مشهوده ظاهريا بتمامها الا انها تحققت في حقيقة الوجود وستظهر وتتجلى حسب استعداد العباد.”

يا حزب الله في المدن والديار، في هذا الاوان الذي يصادف فيه اختتام اول قرن ساطع الانوار للعصر العالمى لجمال الكبرياء، يجدر بنا أن نلقي الضوء على الحوادث المحيره والعجيبة لهذا القرن العظيم منذ طلوع فجر الهدى من أفق ذلك الإقليم المحاط بالمصاعب والبلايا حتى يومنا هذا. وعلينا أيضاً أن نفكر في التطورات العجيبة لهذا الأمر الجليل ونستذكر الحوادث الجسيمة والانقلابات الهائلة والانتصارات الباهرة والتاسيسات البديعة والمشروعات البهية التي صاحبتها. كما علينا أن نتعظ مما وقع، ونتأمل في نتائج بروز وظهور هذه القوّة القدسية في عالم الكون، وكيف أن الانقلابات والامتحانات والبلايا والرزايا والزجر والحرق والطرد والنهب والضرب والشتم والأسر والنفي والحبس والقتل لم تكن أيها مانعا لتقدم هذا الأمر العزيز الالهي ولم تُحدِث فتورا في همة وعزيمة أتباعه ومُدافِعيه في أقطار العالم المختلفة ولم تؤدّ الى اختلال نظامه البديع او انقسام أو تفرق او تشعب بين صفوف جنوده المجندون.

ولكن إذا أمعنا النظر نلاحظ بأن الانقلابات وتتابع المصائب والنوائب والشدائد والمتاعب والمحن والمصاعب كانت سببا في اتساع نفوذ الأمر الالهي ودافعا لقوّته. إن هبوب العواصف والبلايا واشتداد زوابع الامتحان والافتتان أدّى الى اتساع ساحته وارتفاع عموده واستحكام أساسه وظهور حقيقته وتسريع نفوذه وبروز انتصاراته وثبات سطوته. إن كل لطمة ظلم نزلت على جامعة أمر رب العالمين كانت سببا في إحراز انتصارات وفتوحات جديدة، وكل فتنة من تدبير وتدليس خائن فاسد من داخل الجامعة أحدثت انتصارا عظيما وأظهرت أمرا بديعا.

إن طلوع فجر الهداية من أفق بلاد فارس، وظهور القائم الموعود في مدينة شيراز الطيبة المعظمة المنورة، وفتح الباب الأعظم على أهل العالم في تلك الليلة المباركة، وإظهار الأمر الأعز الأفخم في البيت المكرم لأوّل من آمن، وصدور الآيات المهيمنة المهيجة لكتاب قيوم الاسماء خطابا للملوك وأبناء الملوك وللوزيرالأعظم وإلى عامة الملل والطوائف في شرق العالم وغربه وتعيين حروف الحي الذين هم أعظم وأكبر مائة ألف مرة من حروف الفرقان، ثم نزول توقيع شاه ايران والسلطان العثماني وإرسال رسول الى أرض الطاء(3) مقر السلطنة، وطواف بيت الله الحرام وإبلاغ أمرالله إلى شريف مكة وارتفاع النداء في إقليم الحجاز وقيام حروف الحي بتبشير وإعلان الأمر البديع في بلاد ايران والأقاليم المجاورة. كل ذلك أدّى الى حدوث زلزال بأركان الدولة والشعب وحرّك العلماء واشعل نار الفساد والبغض والعداوة. نتيجة لذلك أُلقي القبض على مظهر الظهور الالهي وأُحضِر إلى دار الحكومة ثم تم ضربه وتوبيخه وتحقيره إهانته أمام الحاكم حسين الشقي(4) وجمع كثير من العلماء والفقهاء. كما اضطُهد وعُذّب أتباع حضرة الباب، وصدر حكم الوزير المستبد(5) بنفي وسجن مظهرالمظلومية الكبرى في جبال آذربيجان وحبسه في قلعة ماكو. هذا الأسر والحبس اللذان استغرقا ثلاث سنوات في القلعتين ماكو وچهريق، وفيهما انفصل عن أصحابه واحبابه، كان نتيجتهما صدور كتاب البيان وتشريع الأحكام ونزول الآيات البينات كالغيث الهاطل وتأسيس ميثاق الرب الاعلى والبشارة بقرب ظهور من يظهره الله وكشف النقاب وكسر الحدود والنفخ في الصور في أرض بدشت بقيادة الجمال الابهى ومساعدة جناب الطاهرة المطهرة، النقطة المنجذبه، وهمة وشهامة ثلّة من الاصحاب وإعلان ظهور القائم دون ستر وحجاب بواسطة مظهر الظهور نفسه في عاصمة ولاية آذربيجان في مجلس الحكومة وفي محضر ولي العهد وامام علماء الشيخيه والمجتهدين العظام.

هذا الانتصار العظيم والاعلان الخطير كان سببا في اشعال نار العداوة والحسد بين الجهلة واثار رعبا وخوفا في قلوب الحكام والرؤساء وادّى إلى اتحاد واتفاق الحكام مع الشعب على قلع وقمع هذا الحزب المظلوم. ارتفع نداء وا شريعتاه ووا مذهباه من المنابر ووقعت هذه الفئة القليله تحت مخالب الذئاب الكاسرة. تطاول الاعداء على الاحباء من جميع الجهات وعملوا على سفك الدماء البريئة ونهب الاموال وأسر النساء والاطفال. تجرّع جمع من فحول الرجال والا نصار والرؤساء وحروف الحى كأس البلاء في واقعة مازندران المؤلمة(6) على مدى أحد عشر شهرا وأيضاًً في واقعتي نيريز وزنجان وفاجعة استشهاد الشهداء السبعة في مدينة طهران، حيث ذاقوا شتى انواع البلايا والرزايا وشربوا كأس الشهادة الكبرى.

جوهر التقديس وساذج التنزيه طلعة القدوس، اسم الله الاخر، الذي لقبّه مالك الانام في تفسير آية كل الطعام بلقب النقطة الاخرى وأعطى له حضرة الباب مقام العدد ثمانية واحد من مرآة الله ومن شدة نار محبته لم يستطع أحد الاقتراب منه وفي تفسير صاد صمد صدر من قلمه المعجز خمسمائة الف بيت من الشعر، قام الاشرار وبتحريك من اشقى الاشقياء سعيد العلماء(7) بتقطيع الجسد المطهر لهذا النفس المقدس في مدينة بارفروش وألقوا به في النار. الشخصية الشخيصه الوحيد الاكبر(8) الذي كان يحفظ ثلاثين الف حديث والمذكور في كتاب الايقان بوحيد عصره وفريد زمانه انتزعوا عمامته وسحبوه في ميدان وسوق نيريز وبين الازقة والشوارع ومن ثم رجموه. أما جوهر الصدق والصفاء ورافع الراية السوداء(9) وآية الاستقامة والشهامة النجم الساطع والبدر اللامع، أول من آمن، والملقب بالمرآة الاولية الذي قال عنه القلم الاعلى بكل فخر “لولاه ما استوى الله على عرش رحمانيته وما استقر على كرسى صمدانيته” والذي اشار حضرة الاعلى الى تربته المباركه بانها شفاء لكل مريض وسقيم الى مدى خمسة اميال مربعه، هذا النفس النفيس قتل في معركه مازندران واصبح هدفا لرصاص القائد الغدار. حضرة الحجة(10) المسّمى من قبل قلم الميثاق بالشخص الشاخص وصاحب القول النافذ والعالم النحرير والمتبحّر الشهير، استشهد بكل مظلومية في حادثة مدينة زنجان بل وأمر الحاكم الماكر(11) باخراج جثته من المدفن وربط الحبل حول رقبته وجرهّ في السوق بين الأزقه، ورموه في ساحة المدينة لمدة ثلاثة ايام.

خلال هذه الوقائع الجسيمه والمصائب الوارده على الاصحاب الاوائل وقعت فاجعة عظمى في تبريز وحدثت مصيبة أشد وأعظم على الفئة المظلومه، فقد اصدر السفاك الكبير والجريء(12) أمرا بقتل واعدام المشرّع الاعظم وسيد الامم واهراق دمه الاطهر. فقد علقوا الهيكل الألطف الأعز الاعلى في الهواء وشبكوا صدره المقدس برصاص اولي البغضاء وقطعوا جسده المنير شرحة شرحة ورموه بقرب خندق خارج تلك المدينة بكل تحقير ومهانه. وفي تلك السنة وطبقا لما ذكره مركز الميثاق قتل اكثر من اربعة الاف شخص وتشرّد وفقد جمّ غفير من النساء والاطفال. ثم حدثت المذبحة الكبرى في ارض الطاء على اثر حادثة رمي الشاه ووقع ضوضاء كبير بعد أفول نجم الهداية الدرّي من افق العالم. اشتعل نار غضب الشاه واشتد صرصر الامتحان وارتفعت الغوغاء والضوضاء في اطراف واكناف ذلك الصقع الجليل، وتولد اضطراب جديد في عاصمة ذلك الاقليم وأكثر ولاياته. ارتفعت صيحة العلماء العظام، واتفق الرؤساء والحكام على استئصال الشجره الالهية وسحق الاصحاب الباقين، وما تبقى من رؤساء الأمة المقهوره. صدر الفرمان السلطانى الى الحكام والمتنفذين على قلع وقمع الطائفة البابية، وتسابق حكام الولايات ورؤساء الملة على نهب الاموال وهتك الناموس وقتل النفوس والتعرض للنساء والاطفال.

الورقة الزكية الطاهره الطيبة المطهره، التي قال عنها مركز ميثاق جمال الابهى انها آية عصرها في الكتابة وأفضل من تأتى بالحجج الدامغة وضمن حروف البيان واعتبرت رائدة النساء في دورة البيان والتى انتصرت بشكل محير العقول في ارض بدشت، وبعد ان ضبطت وسجنت في مدينة طهران، فدت نفسها في سبيل المحبوب بين مخالب سوداء(13) متعطشه للدماء. في نفس تلك الايام استشهد سيد عزيز كاتب الوحي، انيس وجليس الباب الاعظم في الجبلين الشامخين، كما نال رتبة الشهادة الكبرى في هذه الفتنة العظمى كاتب آخر(14) كان أحد أركان الامر المبين ومحل ثقة واعتماد سيد الابرار.

اثناء ذلك اصبح جمال الاقدس الابهى وهو الناصر الوحيد لأمر الوهّاب والقدوة الحقيقية للاصحاب والاحباب والدرع الاعظم لأمر رب الارباب، اصبح بغتة هدفا لسهام الجميع اذ تم توقيفه بأمر من الامير السفاك والشاه الغاضب. فقد احضر ذلك الوجود العزيز، الملجأ الوحيد للمؤمنين وملاذهم والزعيم الحقيقي لاتباع امر رب العالمين من نياوران في عزّ الصيف سيرا وحافي القدمين ومكشوف الراس ومكبلا بالسلاسل والاغلال الى سجن طهران. وفي الطريق من شميران الى طهران رشقه الاشرار بالحجارة وسبّوه وقذفوه ثم حبسوا ذلك الجمال ذو الجلال في سجن سياه جال لمدة اربعة اشهر وصفّدوا عنقه المقدس بسلسلة “قرة گهر” وحشروه مع المجرمين والمتمردين والطغاة. وفي هذا المقام شهد مظلوم العالم لنفسه في رسالة ابن الذئب وأصدر هذه الكلمات الدريات من قلمه المبارك قوله عز بيانه وعظم كبريائه: “في تلك الايام كانت الامور مضطربة ونار الغضب مشتعلة، وقد قبضوا على مجموعة، منهم هذا المظلوم… ومن نياوران أتوا بنا الى سجن طهران عراة الرؤوس وحفاة الاقدام، مكبلين بالسلاسل وقد خلع الحارس الظالم التاج عن الرأس واخذونا مع مجموعة من الجلادين والحرس بسرعة تامة الى السجن ووضعونا هناك لمدة أربعة أشهر في مكان لاشبه له ولا مثل. اما السجن الذي كان محل هذا المظلوم والمظلومين، ففي الواقع كان السرداب الضيق المظلم افضل منه. وبعد ان وردنا السجن قادونا الى دهليز مظلم ثم هبطنا ثلاث دركات وبلغنا المقر الذي عينوه. اما المكان فكان مظلما يعيش فيه ما يقرب من المائه والخمسين من اللصوص والقتلة وقطاع الطرق. وبالرغم من وجود هذا الجمع الغفير فان المكان لم يكن له منفذ سوى الطريق الذي وردنا منه. ان الاقلام لتعجز عن وصفه والبيان يكلّ عن بيان روائحه المنتنه، وكان معظم هذا الجمع بلا لباس ولا فراش. الله يعلم ما ورد علينا في ذاك المقام الانتن الاظلم.”

واضاف حضرة بهاء الله قائلا: “لمدة اربعة اشهر كنا معذبين امام حضرة السلطان بعذاب لا يمكن للقلم من شرحه، وان اللسان عاجز وقاصر عن ذكره.” وفي مناجاة وصف فيها المصائب الوارده عليه نزلت هذه الكلمات العاليات: “لم ادر من أي بلائى اشكو اليك، اشكو يا الهي عن سجني في اشهر معلومات أو عما ورد عليّ فيه من سلاسل الذي كسرت عنقي من ثقلها او حديد الذي كان على رجلي عما اكتسبت ايدي الاشقياء… أو اذكر يا الهي حين الذي اخذوني واذهبوني من قرية الى مدينة وكان رأسي عريانا ورجلي متحافيا وعنقي مغلولا ويداي مشدودا ثم اجتمعوا عليّ العباد ومنهم عرفوني ومنهم الذين ما عرفوني والذينهم عرفوني فمنهم كانوا قائمون ومتحيرون في امري فمنهم كانوا ان يشمتونني والذين ما عرفوني رموا كلهم نحوي ما تيسر لهم من الحجر والخشب كأنهم ما شربوا خمر الانصاف وما شموا روائح الائتلاف فوجمالك القديمة وانوار وجهك البديعة وردوا عليّ ما استحي ان اذكره بين يديك والقلم لن يحرك عليه والمداد لن يجري به واللوح لن يحمل والنفوس لن تطيق.” وفي مناجاة اخرى صدرت هذه الكلمات من مخزن القلم الاعلى: “ان الرقبة التي ربيتها بين السندس والاستبرق ربطتها في اخر الامر بالسلاسل المُحكمة والجسم الذي منحته الراحة بلباس الحرير والديباج قررت له في النهاية الحبس الذليل. قلدتني قضائك قلائد لا تحد وطوقتني اطواقا لا تفك.”

في هذا الحين الذي قتل فيه فحول اصحاب النقطة الاولى واختفي ورُعبَ اكثر اتباعه وتشتتوا وأفل نجم الهداية الالهية، وأحيط الجمال الابهى باخطار عظيمة، ووقع تحت السياسة الشديدة وسجن وغلت يداه في اعماق ذلك السجن النتن، احاطت صاعقة الغيره الالهية بغتة وصاح مستغاث العالمين وأجاب إستغاثة المستضعفين من أهل البيان. في سِر السِرّ طبقا لما قاله الهيكل الموعود، اكتمل عدد النفوس المقدسه المطهّره الزكيه، كما انقضى ميقات أهل البيان وانتهت الدورة الاولى من القرن الاول للعصر الاعظم، وظهر سر سنة التسع(15) وتجلى الروح الاعظم على القلب اللطيف الرقيق لسلطان القدم، ووصل جنين الامر الى مقام احسن التقويم وارتفعت في اعلى غرفات الجنة العليا هلهلة فتبارك الله احسن الخالقين احسن المبدعين. تحقق مصداق قوله تعالى “وان لكم بعد حين أمر ستعلمون” وتبيّن الفرق بين القائم والقيوم والاعظم والعظيم(16). كما ظهر ولاح المقصود من بيان حضرة الباب “اننى انا حيّ في الافق الابهى” مخاطبا اول من اعرض عن الله.(17)

سطعت انوار الهداية مرة اخرى على افق العالم وازال العهد الاعز الافخم لجمال القدم والاسم الاعظم النقاب عن وجهه وظهرت بشارات ورموز ودلائل الكتاب المجيد وتحقق الوعد لصريح لحضرة النقطة الاولى “وفي سنة التسع كل خير تدركون”. اثباتا لهذا الامر وميقاته صدر من القلم الاعلى في الرسالة المذكورة هذا البيان الاحلى قوله عز عزازه: “وفي ذات ليلة أصغيت الى هذه الكلمة العليا في عالم الرؤيا من جميع الجهات، اننا ننصرك بك وبقلمك لا تحزن عما ورد عليك ولا تخف انك من الامنين. سوف يبعث الله كنوز الارض وهم رجال ينصرونك بك وباسمك الذي به أحيَ الله افئدة العارفين.” كما اضاف قوله جل كبريائه: “وبالرغم من ان النوم كان عزيز المنال من وطأة السلاسل والروائح المنتنه ولكن كنا نشعر احيانا بأن شيئا ما ينحدر من اعلى الرأس على الصدر وكأنه نهر عظيم ينساب من قمة جبل باذخ الى الارض ولهذا ظهر من جميع اعضاء الجسم اثار النار، وفي ذلك الحين كان الكلام يجري من اللسان ما لا يقدر أحد على اصغائه.”

لم يدم طويلا حتى حدثت زوبعة اخرى أدت الى تواري الشمس الطالعه من الافق الابهى عن الانظار بين السحب المظلمة وكسفت نورها لسنين عديدة. بعد خروج جمال القدم من ذلك السجن المظلم صدر أمر من رئيس الظالمين(18) باخراج ونفي محي الرمم من ارض ايران وهجرة وغربة ذلك الجمال المبين. بعد مهلة مدتها شهر واحد وفي وسط الشتاء غادر الجمال المبارك بصحبة مجموعة من الاهل والاطفال الى العراق بكل مظلوميه بعد ان نهبت املاكه وأمواله وابتلى الحزب المظلوم بيد الظالمين متروكا دون ناصر أو معين. وفي مناجاة صدرت في تلك الايام من يراعة سلطان الظهور نزلت هذه الكلمات الحزينة في وصف البلايا الوارده والمصائب المتواتره عليه قوله تبارك ذكره: “عاقبة الامر نزل حكم القضاء وجاء امر خروج هذا العبد من ايران، وقد خرجنا ومعنا جمع من ضعفاء العباد وصغار الاطفال مع جو بارد شديد لم نستطع الحركه من كثرة الثلج. كان بعض الاطفال يقرأون ايات الفرقان من مفارقة الاحباب والبعض الاخر ينوح من البعد عن الوطن والديار كتململ السليم(19). كنا نجول تائهين في بيداء الحيرة ونرجو اللقاء في صحراء الحسره عن ان يهب نسيم رحمتك ويصل احسانك القديم”.

خلال هذه الاحوال، اضيفت الى الانقلابات الداخليه اللطمات الخارجيه وعلى إثرها هاجر وغاب جمال الابهى الى جبال كردستان وحيدا فريدا لمدة سنتين. برزت العلائم الاولية لمحاربة اصل الشجرة الالهية بشكل تدريجي وارتفعت الرايات المتشابهات من كل صوب وحدب. فاحت رائحة الحسد الذي شهد له القلم الاعلى بانه لم يظهر ولن يظهر غلّ وحسد وبغض شبيه له منذ وجود العالم. ارتفعت اعلام النفاق وتدنّت اخلاق البابيين لدرجة أدّى الى تجاسر الاغيار ولوّث المدّعون بمحبة الله ذيل أمر الله باعمالهم غير اللائقة. قال عنهم الجمال الابهى ان كل شخص تقلد محملا وتخيّل ما اراد تبعا لهواه. ذكر مركز الميثاق ان خمسة وعشرين شخصا من الاصحاب والاحباب في العراق وايران رفعوا علم الاستقلال بجساره وادعوا مقام من يظهره الله. الشخص الموهوم الذي كان يدّعي زورا بانه خليفة نقطة البيان، اضطرب وارتعد في هذا الطوفان الجديد واصبح منزويا ومخفيا عن الانظار. قام باغوائه سيد اصفهانى اللئيم الذي سماه بالشهيد الاعظم وعمل بالاتفاق معه في بغداد وكربلاء اعمالا قبيحة شنيعة يعجز القلم عن وصفها. الشخص الذي كان يزعم انه وصيّ النقطة الاولى وافتخر بلقب المرآة الازلية انتهك عصمة حضرة الاعلى(20) وارتكب الخيانه العظمى في غياب جمال القِدَم. قام بقتل ابن عم حضرة الباب(21) وارسل خادم الله(22) الى طهران لأهداف شيطانيه وصمم على قتل ملك ايران وأصدر حكما على قتل شخص سمّاه النقطة الاولى بانه مخزن لأمانة الحق ومكمن للئآليء العلم الالهي والحرف الثالث المؤمن(23) بمن يظهره الله والذي علمّه العلم المكنون المخزون.

نتيجة لهذه الفظائع والاعمال ثم هجرة وغيبة مظهر الجلال خمد نار الحب الالهي كليا في السنوات الاولى من اقامة جمال القِدَم في العراق واصبح امر الله مهجورا وتسلط الاعداء واضطرب الاصحاب أشد اضطراب وصاروا في نهاية الذلة والمسكنه ومحلا لطعن وقذف الاعداء والغرباء. اشار جمال القِدَم في لوح مريم(24) على حال الاصحاب بعد رجوعه الى دار السلام بقوله تبارك ذكره: “رأينا نفوسا ذابلة مغمومة بل مفقوده ميته لم يتكلم أحد شيء عن أمر الله ولم نشهد قلبا واحدا عامرا به.” في ايران وطبقا لشهادة النبيل الاعظم الذي كان متجولا فيها آنذاك اطفيء سراج الامر وارتفعت صيحات المسؤلين واختل نظام الامر الالهي واصبح المحبّون والمخلصون في تيه وحيرة. وفي مدينة قزوين انقسم المؤمنون الى اربع فرق وانحرفوا عن صراط البيان. جاء هذا البيان المؤثر في كتاب الايقان من القلم الاعلى في وصف البلايا والاحزان الشديده الوارده عليه: “من أول وصول هذا العبد الى هذه الارض ولأني في جملة الامر اطّلعت على ما حدث فيما بعد فقد اخترت الهجرة وذهبت الى صحراء الفراق ومكثت سنتين في صحارى الهجرة وسرت من عيوني الدموع وجرت من قلبي بحور من الدم. لقد مضت ليال دون قوت وايام دون راحه… قسما بالله لم اقصد الرجوع من هذه الهجرة أو استمر في سفرى.” وفي لوح كل الطعام الذي نزل قبل هجرته صدرت هذه البيانات من قلم مولى الانام قوله عز اجلاله: “ان يا كمال اسمع نداء تلك النمله الذليلة المطروده التي خفي في وكره ويريد ان يخرج من بيتكم ويغيب عنكم مما اكتسبت ايدى الناس”… فآه آه فوالذي قد استكف ورقاء المحزون في صدر البهاء لنسيت كل ما شهدت من اول يوم الذي شربت لبن المصفى من ثدي أمي الى حينئذ بما اكتسبت أيدي الناس” وايضا في لوح مريم ترّنم جمال الكبرياء بهذا اللحن الحزين قوله عزّت كلمته: “يا مريم انا وردنا عراق العرب بأمر ظالم العجم من ارض الطاء بعد ابتلاء لا يحصى وابتلينا بِغلِّ الاحباء من بعد غُلّ الاعداء وبعده الله يعلم ما ورد عليّ. لقد تركنا النفس والبيت وما يتعلق بهما واخترت الهجرة فريدا وحيدا وسلّمت أمري لله وسافرت لدرجة بكى عليّ الجميع وحزنوا على غربتي وكربتي. آنست طيور الصحراء وجالست وحوش العراء… تالله حملت ما لا يحمله البحار ولا الامواج ولا الاثمار ولا ما كان ولا ما يكون.” وجاءت ابيات الشعر هذه من يراعة المحبوب الابهى في القصيدة الورقائيه في ايام هجرته:

فطوفان نوح عند نوحي كأدمعي                       وايقاد نيران الخليل كلوعتي

وحـزنـي  مـا يـعـقـوب بثّ أقـلـه               وكل بلاء أيـوب بعض بليتي

في حين لم يبقَ شيء من اثار التجرد والانقطاع والاستقامة والاستغناء وشجاعة الاصحاب الاوائل لحضرة الباب وعلى الاخص اصحاب قلعة مازندران واصحاب جناب الوحيد في نيريز وأصحاب جناب الحجة في زنجان وأصبح حزب الله على شرف الانحلال والاضمحلال، عندئذ خرجت يد الغيب من جيب القدرة وصدر الامر الالهي بالعوده. هب نسيم العناية مرة أخرى ولبست مدينة الله حلة قشيبة. انتعشت دار السلام من قدوم وقيام محى الانام. جرى روح الحياة في اجساد التائهين في بادية الفراق والضائعين في وادي الضلال. صدرت الارادة الالهية على استحكام الامر الجديد ودفع المفاسد وتزكيه الاخلاق وتربية النفوس وانتشار الاثار وارتفاع شأن الجالية الخيّرة وتشتيت شمل الاعداء واظهار الامر الاعز الاشرف الافخم الابهى. اصبح البيت الاعظم محلا لتوجه وانتباه العامه والخاصة من الاعراب والعجم والاكراد والعلماء وابناء الملوك واركان الدولة وأجلة الاصحاب والمنتسبين لنقطة البيان واشتعلت نار محبة الله في القلوب الذابلة.

نزلت في الليالى والايام كالغيث الهاطل توقيعات منيعة ورسائل مختلفه وتفاسير عديده وادعية متنوعه والواح إلهيه في اثبات وحدة المظاهر المقدسه الالهية وتفسير وشرح التعاليم السماوية والمباديء الساميه والمنع من التعرض والفساد والجدال والنزاع وترويج الاتحاد والاتفاق والتمسك بذيل الصدق والامانه والديانة والتقديس والتنزيه والصبر والانقطاع. صدر من القلم الاعلى كتاب الايقان والصحيفة الفاطمية(25) ورسالة السلوك(26) وتبيين مراتب سلوك السالكين وتعيين مهام المتمسكين بالعروة الوثقى والمستظلين في ظل السدرة القصوى. فتح ختم إناء مسك الاحدية بيد القدرة الربانيه ورفع النقاب عن حوريات المعانى الموجوده في حجرات الكلمات الالهيه. تعدلت الاخلاق وتنورت الافكار واستحكم اساس الامر وارتفع صيته ولاح نفوذ كلمة الله. الاعداء والمعاندون الذين اجتمعوا في الكاظمين يحرّضهم الشيخ(27) الخبيث قاموا بكل جسارة على اطفاء النار الموقدة الالهية ولكنهم هزموا وتراجعوا وخجلوا. تفضل جمال القِدَم بنفسه المقدس الاكرم في هذا المقام قائلا قوله عز بهائه: “بعد الورود نزلت الايات مثل الغيث الهاطل باعانه من الله وفضله ورحمته ثم ارسلت الى اطراف الارض ونصحنا الجميع وعلى الاخص هذا الحزب بمواعظ حكيمة ونصائح مشفقه ومنعناهم من الفساد والنزاع والجدال والقتال حتى تبدلت الغفله والجهالة بفضل الله الى البر والمعرفة واصبح السلاح هو الاصلاح.”

مؤيدا لما صدر من القلم الاعلى ذكر حضرة عبد البهاء: “بعد رجوع حضرة بهاء الله بذل جهدا بليغا في تربيته وتعليم وتنظيم واصلاح احوال هذه الطائفه لدرجة انه خلال فترة بسيطه تم إطفاء نار الفتنة والفساد واستقرت الامور واستتبت.” كما قال ايضا: “بعد ان استقرت الاوضاع في قلوب هذا الطائفة تحركوا في كل البلاد لدرجة انهم اشتهروا بين اولياء الامور بسلامة النفس وسكون القلب والنية الصادقة والاعمال الحسنة وحسن الاداب.” واضاف قائلا: “لقد احدث زلزالا في اركان العراق واخاف اهل النفاق وقد سرت نفوذه وسطوته في العروق لدرجة لم يجرؤ أحد في الكربلاء والنجف ان يذمه أو يعمل عملا شنيعا.” اشتعل نار العشق في القلوب الصافيه الزكيه ونفذت كلمة الله في الارواح وتأججت محبة الله في إفئدة طائفي كعبة الرحمن لدرجة ان ذبيح كعبة الوفاء(29) فصل بيده رأسه عن جسمه وفدى نفسه في سبيله. جال في فكر بعض الاحباء الطائفين ايضا ان يفدوا انفسهم في سبيله مما دفع رجال الدولة الى الحيرة والاضطراب من هذا الاشتعال وصدر الامر المبارك بعودة المهاجرين الايرانيين الى ديارهم.

كان النبيل الاعظم بنفسه حاضرا وناظرا في تلك الايام وقد وصف في كتابه حال الاصحاب بهذه الكلمات المثبوته المرقومه في صفحات تاريخه: “ان نفحات نسائم صبح الظهور قد اخذت الجميع واسعدتهم حتى ظهرت ورود من كل شوكة وبرزت سنابل من كل بذره ترابيه… يا لها من ايام واوقات سعيده… المنطقه الخارجيه من البيت الاعظم كانت خرابة ولكنها اصبحت مثل الفردوس الاعلى تيمّنا بقدوم المحبوب الابهى. ولم تمنعها قصر جدرانها عن مجاراة الشمس والقمر بالرغم من عدم وجود شيء بها سوى سرير مصنوع من سعف النخيل، محل جلوس سلطان الاسماء، وكانت جاذبة لابناء الملوك… لقد اخذت النشوة شاربي كأس الوصال لدرجة ان قصور الملوك لم تكن في نظرهم أفضل من بيت العنكبوت… كانت لديهم حياة لم يحلم بها ملوك الارض وكم من ليلة لم يزد فيها طعام العشرة منهم عن حفنة من التمر تشترى بفلس. ولم يكن احدهم يدري على وجه التحقيق شيئا عما يجده في بيته من الاحذية والعباءات والملابس أهي مُلكه هو، أم مُلك غيره. ولكن كل من ذهب الى السوق ادعى ان الحذاء الذي ينتعله حذاؤه وكل من يحظى بمحضر حضرة بهاء الله يؤكد أن الثوب الذي يلبسه هو ثوبه. أما اسماؤهم فقد نسوها، أما قلوبهم فقد فرغت من كل شيء الا ذكر محبوبهم وتقديسه… وقد بلغ اكثر الطائفين حول كعبة جمال الرحمن الى مقام تصفية النفس وتزكيتها لدرجة لا يتكلموا بغير ما اراد الله… وقد تعهد كل شخصين معا ان يذكرا بعضهما واذا ابتُلي شخص في النهار بكلمة هوى قالها كان يطلع صاحبه في الليل ويطلب منه اجراء الحد حسب العهد بينهما وحتى اجراء ذلك الحد كان يحرم من الطعام والشراب”.

هذه النهضه المدهشه واشتعال نار الحب الالهي في القلوب وتقليب النفوس وتحسين الاخلاق ورقيّ الافكار وتعديل المسلك والسلوك ونزول الالواح وانتشار الاثار وهزيمة وذلة الاعداء الاشرار انتهت بكشف النقاب عن وجه الجمال ذي الجلال. ففي اثناء حركته من الزوراء(30) الى المدينة الكبيره(31) ازاح الجمال المستور النقاب عن محياه بحديقة النجيبية في ميقات معلوم بعد انقضاء سنين المهلة وجلس السلطان القيوم على سرير السلطنة الالهية. استقر مكلم الطور على عرش الظهور وتضوعت روائح الروح وتحرك الكون وانغمست جميع الكائنات في بحر الطهارة وتزينت كل الاشياء بقميص الاسماء. جرت السفينة الحمراء في البحر الاحمر وبلغ ميعاد الالف والمئتين والتسعين الذي اشار اليه دانيال في الاصحاح الاخير من كتابه وتجلى سلطان الظهور على جميع الاشياء بجميع اسمائه الحسنى(32) وتحقق مصداق بيان النقطة الاولى “وان تمُنّ عليّ بلقائك في الرضوان ونفحاتك في ارض السلام”. خرج الحسين الموعود(33) من خلف ألف ألف حجاب من النور وسطعت رشحات من النور المهيمن الحمراء على اهل العالم. ظهر مالك يوم الدين بانتهاء الواحد وبداية الثمانين حسبما ذكر مبشر أمر رب العالمين. جرى الاحتفال الاعظم واللقاء الاتم واهتزت هياكل الوجود من الناقور الافخم(34) في الصيحة الاخرى. مرت نسائم الغفران من مهب العناية على هياكل الاكوان وتجددت هياكل الكائنات من تضوع هذه النفحات. خرجت حوريات البقاء من الغرف الحمراء وجرى ماء الحيوان على العالمين.

لم يَدُم الامر طويلا اذ أدت هذه النهضة الروحانية وظهور الامر الصمداني وكشف النقاب عن وجه الجمال الازلي الى حدوث فتنة كبرى واعظم انقلاب في القرن الاول من العصر الابهى. فقد اتفق خليفة المسلمين في المدينة الكبيره ومعه رؤساء وزرائه علي وفؤاد باشا ومندوبي الشعب مع سفير ايران على نفي جمال الموعود وآله واصحابه مرة اخرى. وبعد اربعة اشهر من الاقامه في استانبول وبذلة كبرى وفي فصل الشتاء نفي الى السجن البعيد الواقع خلف الجبال في منطقة روميلي. حول هذا ذكر مظلوم العالم في لوح موجّه الى الخليفة الاعظم ما يلى: “وأخرجونا عنها بذلة التي لن تقاس به ذلة في الارض ان انت من المطّلعين وأذهبونا الى ان أدخلونا في مدينة التي لن يدخل فيها أحد الا الذينهم عصوا أمرك وكانوا من العاصين… وما رحموا علينا وفعلوا بنا ما لا فعل مسلم على مسلم ولا مؤمن على كافر وكان الله على ما اقول شهيد وعليم. وحين إخرَاجنا عن مدينتك حملونا على خدور التي تحمل عليها العباد واثقالهم واوزارهم، فلما وردنا ما وجدنا فيها من بيت لنسكن فيها لذا نزلنا في محل الذي لن يدخل فيه الا كل ذي اضطرار غريب، ولم يكن لأهلى وللذينهم كانوا معى كسوة لتقيهم عن البرد في هذا الزمهرير”.

في هذه الفترة ومنذ السنوات الاولى من ورود الجمال الابهى لأرض السر قام مطلع الاعراض ومنبع الاغماض الميرزا يحيى الوقح الذي قال عنه القلم الاعلى ان العالم لم ير شخصا مثله في حب الرئاسة والمنصب، وشهد الجميع بحسده الكبير وبغضبه الشديد، قام هذا الشخص برفع الحجاب ولسع جمال الكبرياء مثل الحيه الرقطاء. تحدى ذلك الطير القبيح نسر سماء العليين وتمسك بالخلافة الباطلة(35) وقام بمحاربة من تحققت الخلافة والولاية والرسالة وما فوق ذلك باشارة منه. قامت فتنة عمياء صماء وارتفع ضجيج وانين الكروبين وأهل الملأ العالين وبكت عيون طلعات الفردوس لمظلومية الجمال المبين. رفع ذلك الوسواس الخناس ناقض عهد الجمال العلي الاعلى علم الاختلاف وسمّم هيكل الأعز الابهى بل وحرّض أحد الخدام(36) على قتل مظهر المعبود. قاما في ادرنه والمدينة الكبيره متحدين متفقين بنشر الاراجيف والاباطيل والتّهم الزائفة والمفتريات العجيبة وايقاد نائرة الفتنة والفساد وشوّشا افكار المسئولين الحكوميين. اشتعل نار الحرص والطمع وانتشرت الالواح النارية(37) في البلاد. تحقق كل ما نزل من القلم الابهى في ألواح شتّى حين الهجره من العراق. ظهر السامري وصاح العجل وارتفع نعاق الناعق الاعظم ووقع الفصل الاكبر وظهرت سنين الشداد(38). اعتزل جمال القدم من الجميع وبكى الاصحاب لفراقه وفرح الاعداء وتجددت امانيهم وزادت حريتهم وجسارتهم. وقع يوسف البهاء في بئر الحسد وابتلى نيّر الافاق بعد اشراقه من افق العراق بالكسوف وتزلزلت اركان الامر. في هذا المقام تحدث مظلوم العالم بهذا البيان الحزين: “قَسَمًا بشمس المعاني أن جسمي قد انحنى من ظلم هؤلاء الظالمين وابيض شعري وان حضرت لدى العرش سوف لن تعرف جمال القدم لأن ظلم المشركين قد بدل طراوته كما انتهت نضارته. تالله لقد ذاب القلب والفؤاد والحشا جميعا.” “تالله يا اعرابى لو تنظرونني لن تعرفوني وقد ابيض مسك السود من تتابع البلايا وظهرت ألف الامر على هيئة الدال من توالى القضايا ثم اصفر هذا الوجه المحمر المنير.”

كما قال ايضا: “فياليت كُنت فانيا وما ولدتني أمي وما سمعت ما ورد عليه من الذينهم عبدوا الاسماء وقتلوا مُنزلها وخالقها ومحققها ومُرسلها… يا عين ابكي لضري وبلائي ويا قلب ضجّ بما ورد عليّ نفسي. قَسَمًا بالذكر الاعظم أن جميع مظلوميّ العالم منذ اول الدنيا الى اليوم يبكون على ما ورد عليّ.” “فآه آه ثم آه آه لو كان نقطة الاولى في تلك الايام ويشهد حزنى ليترحم بي ويتلطف عليّ ويشوّقني في كل حين ويؤيّدني في كل آن فآه آه ليتني متّ بعده قبل تلك الايام كنت نسيما منسيا.” وتفضل في مقام آخر قائلا: “وكان قدّامي ثعبان القهر وفتح فمها ليبلعني وعن ورائي غضنفر الغضب ويريد ان يشقّني وعن فوقي يا محبوبى سحاب القضا ويمطر على أمطار البلاء وعن تحتي نصب رماح الشقاء ليجرح اعضائي وبدني” واضاف ايضا: “انك لو تسمع بسمعي لتسمع بأن عليًّا ينوح عليّ نفسي في الرفيق الابهى ومحمدا يبكي في الافق الاعلى والروح يضرب على راسه في سماء القضا بما ورد على هذا المظلوم من كل فاجر أثيما”.

خاطب القلم الاعلى ذلك الناقض لأمر رب الارباب بهذا البيان قوله عظم سلطانه: “تالله الحق عرّ روح الامين رأسه عن فعلك… وجلست حوريات الغرفات على الرماد من ظلمك وانك تكون في نفسك من الفرحين” “ان يا أخي فعلت باخيك ما لا فعل أحد بأحد ووردت عليه ما بكت عنه عيون ملأ البقا على غرفات عز منيرا… تالله بما جرى من قلمك قد خرّت وجوه العظمة على رماد السوداء وانشقت ستر حجب الكبريا في الجنة المأوى وتشبكت اكباد المقربين على مقاعد القصوى واضطربت افئدة كل فطن بصيرا… تالله ما بقي من جسدى من محل الا وقد ورد عليّ رماح تدبيرك وانك لو تنكر يشهد بذلك قلم لسان صدق عليما” واضاف ايضا “إنّا حفظنا الحية الرقطاء في الشتاء تحت جناحي فلما اشرقت شمس الصيف تحركت ولدغتني اول مرة يشهد بذلك عباد مكرمون” وايضا “ارتكب ما لا ارتكب نفس من الذينهم كفروا بالرحمن في كل الاعصار” “لو اذكر ما فعل لن تتمه بحور الارض لو يجعلها الله مدادا ولن تنفده الاشياء ولو يقلبها الله اقلاما.”

بعد هذه البليّة العظمى والرجفه الكبرى والفتنة الصماء ظهرت اثار النصر المبين والظفر الجديد تدريجيا طبقا لما جاء في الآية المباركه “قل ان القضاء مؤيّد لهذا الامر والبلاء معيّن لهذا الظهور” فقد سقط الصنم الاعظم وكانت نتيجته اعلان الامر الاتم الافخم جهارا لأهل العالم ورؤساء الاديان والامم في شرق العالم وغربه. شمس الحقيقة التي طلعت من برج الحمل في سنة الستين(39) أشرقت من أعلى افق العالم من برج الاسد في سنة الثمانين(40) ووصلت الى نقطة الاحتراق وأفاضت على الافاق. وعلى الرغم من المصاعب والبلايا التي لا تعد ولا تحصى قام الجمال الابهى بانزال الألواح والسُّوَر والرسائل المتفرقه ليلا ونهارا. قيام تحيرت واستجذبت منه افئدة النبيين والمرسلين. وفي هذا المقام شهد جمال القدم بنفسه المهيمنه على الموجودات قوله تبارك ذكره: “كانت امطار الرحمة الالهية هاطلة من غمام الفضل وسحاب الفيض بحيث ان في كل ساعة كان ينزل ألف بيت.” وقال ايضا: “ان فضل اليوم ظاهر لدرجة ان كاتب الوحي لو يقدر لكتب في ليلة وضحاها ما ينزل من سماء القدس الرباني معادلا البيان الفارسى وكذلك بشأن الايات على لسان عربي بديع” وايضاً “هناك مائة الف بيت موجود في هذه الارض (ادرنه) لم يتم تحريرها وقد يصل الى مجلد” وايضا: “ما من شخص من اهل البيان الا وعنده اثر الله ومن دون ذلك ما موجود في هذه الارض عجز الكتاب من تحريره وظل اكثره دون استنساخ”.

صدر من يراعة مظلوم العالم خطابات مهيمنة شديدة مهيجة قهرية بالتتابع مخاطبا ملوك الارض والخليفة العثماني(41) وملوك المسيحيه وسفير ملك باريس وسفير العجم(42) في المدينة الكبيره وشيوخ وحكماء واهالي تلك المدينة وملأ العجم وفلاسفة العالم. كان القلم الاعلى يتحرك ليلا ونهارا في إبداء النصح والعتاب والإنذار وكشف الأسرار وبيان الحقائق وإقامة الدلائل وإتمام الحجة. في سنة الستين وفي مدينة شيراز الطيبة خاطب القائم الموعود في قيوم الاسماء معشر الملوك وابناء الملوك بهذا النداء المحيي للفداء “انصرفوا عن ملك الله جميعكم على الحق بالحق جميلا” وأيضاًً “اتقوا الله يا معشر الملوك عن البعد بالذكر بعدما قد جائكم الحق بالكتاب والآيات من عند الله”. وفي سنة الثمانين في أرض السر ذكر سلطان القيوم في سورة الملوك معشر السلاطين بهذه الكلمات العاليات والآيات الباهرات قوله تعالت عظمته وعظم استقلاله “أن يا ملوك الارض اسمعوا نداء الله من هذه الشجره المثمره المرفوعه التي نبتت على أرض كثيب الحمراء برية القدس وتغنّ بأنه لا إله إلا هو العزيز المقتدر الحكيم… اتقوا الله يا معشر الملوك ولا تحرموا أنفسكم عن هذا الفضل الاكبر فألقوا ما في أيديكم فتمسكوا بعروة الله العلي العظيم وتوجهوا بقلوبكم إلى وجه الله ثم اتركوا ما امركم به هواكم ولا تكونن من الخاسرين. أن يا عبد فاذكر لهم نبأ عليّ إذ جائهم بالحق ومعه كتاب عز حكيم وفي يديه حجة من الله وبرهانه ودلائل قدس كريم وأنتم يا ايها الملوك ما تذكرتم بذكر الله في ايامه وما اهتديهم بانوار التي ظهرت ولاحت عن أفق سماء منير… إياكم أن لا تغفلوا من بعد كما غفلتم من قبل فارجعوا إلى الله بارئكم ولا تكونن من الغافلين… إياكم ان لا تمنعوا عن قلوبكم نسمة الله التي بها تحيَ قلوب المقبلين… وإن لن تستنصحوا بما انصحناكم في هذا الكتاب بلسان بدع مبين يأخذكم العذاب من كل الجهات ويأتيكم الله بعدله إذًا لا تقدرون أن تقوموا معه وتكونن من العاجزين…. أن يا ايها الملوك قد قضت عشرين من السنين وكنا في كل يوم منها في بلاء جديد… وأنتم سمعتم أكثرها وما كنتم من المانعين… وإن لن تفعلوا بما أمرتم في كتاب الله لن يذكر اسمائكم عنده بالعدل وإن هذا لغبن عظيم… دعوا ما عندكم وخذوا ما امركم الله به ثم ابتغوا الفضل من عنده وإن هذا لسبيل مستقيم ثم التفتوا إلينا وبما مستنا الباساء والضراء ولا تغفلوا عنا في أقل من آن ثم احكموا بيننا وبين أعدائنا بالعدل وإن هذا لخير مبين… أن يا عبد ذكّر العباد بما ألقيناك ولا تخف من أحد ولا تكن من الممترين فسوف يرفع الله أمره ويعلو برهانه بين السموات والأرضين فتوكل في كل الأمور على ربك وتوجه اليه ثم اعرض عن المنكرين فاكف بالله ربك ناصرا ومعين. إنا كتبنا على نفسنا نصرك في الملك وارتفاع أمرنا ولو لن يتوجه إليك أحد من السلاطين”.

وأيضاًً أرسل الجمال المبارك رسائل متعددة إلى الحبر الأعظم(43) وملكة لندن(44) وامبراطور روسيا(45) وألمانيا(46) والنمسا(47) ورؤساء الجمهور في أمريكا ورؤساء الكنيسة من بطاركة ومطارنه واساقفة وقساوسة ورهبان وأيضاًً إلى ملأ الإنجيل وملأ التوراة وعلماء الإسلام من سنة وشيعة وملأ المجوس ورؤساء البيان وملأ الحكماء والشعراء والأدباء والعرفاء والتجار والصدر الأعظم ووزير خارجية الدولة العثمانية وأعضاء المجالس في الممالك والديار. إلى كل هؤلاء قام الجمال المختار بتبيلغ دين الله وإبلاغ كلمة الله وإعلان أمر الله ونصحهم وانذرهم خلال أيام إقامته الأخيره في أرض السر وخلال السنوات الأولى من وروده للمدينة المحصنة عكا. أرسل ألواح إلهيه وتوقيعات منيعة إلى المقامات العاليه ولجهات مختلفه بشكل متتابع ومستمر. ولهذا فقد توهجت شعلة أمر الله ووصل صيته قفقازيا والديار المصرية والسودان وبرية الشام ونزلت أحكام ومناسك بيت الله الأعظم والبيت المكرم في ألواح خاصة. كما صدرت ألواح الصيام من يراعة مالك الأنام ونزلت سورة الغصن المبشر بكتاب العهد وكتاب البديع في إثبات هذا الأمر الرفيع المنيع وأيضاًً سورة الرئيس المباركة مترادفا متواترا من قلمه العزيز المنيع.

استبدلت تحية “الله اكبر” إلى “الله ابهى” وانفصل أهل البهاء الجالسين على السفينة الحمراء والسائرين على قلزم الكبرياء من ملأ البيان وأمة يحيى الممسوخة عديمة الوفاء. عشاق جمال الأحدية وبواسل ميدان الخدمة اقتدوا بالجمال المبين بعزم شديد وقاموا بكتابة الرسائل الاستدلالية والخطب البديعة والقصائد المتعددة كشفا للحقائق المستورة والرّد على من رّد على الله وبسط الدعوة الالهية ومدح مظهر الاحدية. هُزِم حزب الشيطان وأصبح ميؤوسا ومخذولا ومخجولا ومنكوبا إذ تحقق ما انبأ به قلم نيّر الآفاق في أرض العراق قوله عز ثنائه “إذا سمعت بأن سراج الحجاز ترك مشكاة العراق لا تحزن لأن فيه أسرار عظيم فسيوقد في بلور أخرى وهذا تقدير من عزيز قديم… قل ان في إخراج الروح عن جسد العراق لآيات بديعا لمن في السموات والارض فسوف تجدون هذا الفتى الإلهى راكبا على براق النصر إذا يتزلزل قلوب المغلين” كما ذكر قلم الميثاق “ظهر جوهر الوجود من مكان نفيه بقدرة عظيمة وقوة كبيرة لدرجة أن الخوف والفزع قد استوليا على قلوب اهالى تلك المنطقه وخافوا من أن يذاع صيته وتنتشر الشعله من تلك الخطة (ادرنه) الى العالم.”

بعد هذه القضايا ظهر من خلف حجاب القضاء انقلاب جديد ووجهت لطمة اخرى إلى جامعة اهل البهاء جديدة التأسيس. أصدر السلطان العثماني باتفاق سلطان العجم وبتحريك من الوزيرين غير المتدبرين(48) والسفير المخادع(49) فرمانا خاصا مخاطبا المشير المفخم ورؤساء اخرين بنفي وإبعاد وسجن سلطان الظهور والطائفين حوله إلى أخرب مدن العالم الشهيرة برداءة مائها وهوائها والمعروفة انها منفى المجرمين والسارقين وقطاع الطرق وقد منعوا حضرته من الاختلاط بأهالى تلك المدينة. حاصر العسكريون بغتة بيت الله وأمروا الجمال الأبهى ومعه أسرته والأصحاب بكل ذلة، مغادرة المكان. أحدث ذلك ضوضاء لدرجة أن الاغيار بكوا لحال الأحباء وقام أحد الأصحاب بقطع حنجرته(50) حزنا على بعده عن محبوبه الابهى. في لوح الرئيس جاء هذا البيان الأعز الاعلى من القلم الابهى قوله عز جلاله. “زحف الناس حول البيت وبكى علينا الاسلام والنصارى وارتفع نحيب البكاء بين الأرض والسماء بما اكتسبت ايدى الظالمين.”

اغتنم الفرصة الأعداء القدامى وتطاولوا على الأحباء والقوا القبض على مجموعة من الأصحاب المظلومين في إيران والعراق ومصر وفرقوا شملهم بل قتلوا بعضهم وأسروا البعض الآخر. توقفت السفينة الحاملة لحضرة بهاء الله ثلاث مرات وهي في طريقها إلى عكا، ثم ورد قلعة عكا وحُبس في غرفها الخرابة ومعه آل الله والمهاجرين وسُلّموا إلى أولاد الأفاعي. منع الكل من زيارة مولى الانام وفي الليلة الاولى وبشهادة مظلوم العالم حُرم الجميع من الأكل والشرب حتى طلبوا الماء فلم يستجب لهم احد. سُدّ باب اللقاء، وبشهاده القلم الأعلى ورد ظلم على الاسرى لم ير عين الإبداع شبهه ولم يسمع مثله. مقارنا مع هذه الاوضاع فدى الغصن الأطهر(51) المخلوق من نور البهاء وكنزه ووديعته في هذه الديار حياته في سبيل حياة العباد واتحاد من في البلاد وصعد إلى الرفيق الأعلى أسيرا مظلوما.

وبقول سلطان الأرض والسماء ارتفع نحيب البكاء من اهل سرادق الابهى ودفن ذلك الغصن الشهيد بكل مظلومية بيد الاغيار خارج المدينة. بعد ذلك انضمت الفتن الداخليه مع الانقلابات الخارجية والأحزان والرزايا المتتابعة. قام الدجال الخبيث والإبليس المحتال(52) الذي بقول الجمال الأبهى كان الجحيم ظاهرا من وجهه ورائحة اهل السجين من نفسه والذي كان منشغلا بالتجسس مع رفقائه ومرتبطا بموظفي الدولة، هذا الشخص، عاث في الارض فسادا وضايق المهاجرين لدرجة قامت مجموعة من الأصحاب بقتل خمسة أشخاص من تلك النفوس الخبيثة مع العلم بوجود أوامر بالنهي عن ذلك.أثيرت زوبعة كبيرة وأحضر الجمال الابهى إلى مقر الحكومة وابتلي غصنه الاعظم في ليمان(53) بالسلاسل والأغلال وسُجن خمسة وعشرون شخصا من الاصحاب. كان صرصر الامتحان شديدا لدرجة أن الجمال الابهى قال في مناجاة نزلت اثناء زوبعة السجن الأعظم هذه الكلمات قوله جلت عظمته: “قد تبلبل أجساد الأصفياء على أرض البعد أين بحر قربك يا جذاب العالمين… قد قام المشركون بالاعتساف في كل الاطراف اين تسخير قلم تقديرك يا مسخر العالمين قد ارتفع نباح الكلاب من كل الجهات اين غضنفر غياض سطوتك يا قهار العالمين… قد بلغت البلية إلى الغاية اين ظهورات فَرَجك يا فَرَج العالمين… قد طالت الاعناق بالنفاق اين اسياف انتقامك يا مهلك العالمين قد بلغت الذلة إلى النهاية اين آيات عزتك يا عزّ العالمين” وفي مقام آخر ذكر القلم الاعلى شدة البلايا والرزايا الواردة عليه التي شبّهها مركز الميثاق بالبئر المظلم والبلاء المبرم بهذه الكلمات: “ثم اعلم ان في ورودنا هذا المقام سمّيناه بالسجن الاعظم ومن قبل كنا في ارض أخرى تحت السلاسل والاغلال وما سمي بذلك قل تفكروا فيه يا أولي الالباب”.

ولم يمض طويلا حتى خرج غضنفر القدرة من عرين القوة وتبدّل ليل الذل والبلاء المظلم إلى طلوع صبح العزة والرخاء. خفت المضايقات الشديدة بتدابير إلهية ووسائل غيبية تدريجيا وتجلت عظمة وشهرة القدرة والغلبة الظاهرية لمظهر المظلومية الكبرى وغُصنه الفريد أمام أنظار القاصي والداني. نزل ام الكتاب الكتاب المقدس الأقدس من قلمه المنيع مؤيدا لما صدر للملوك والامراء والعلماء من قبل وناسخا لما شُرّع في البيان ومتمما لما نُزّل على النبيين والمرسلين. نزلت المدينة المقدسة وأورشليم الجديدة من السماء وظهرت السماء الجديدة والارض الجديدة المشبهة في مكاشفات يوحنا بالعروس المتزينة.

عين مركز عهد الله ومحور ميثاقه ومبين كتاب الله بتلويح أبلغ من تصريح وصدرت أحكام ومباديء النظام العالمي الإلهي الجديد الذي بشر به النقطة الاولى في كتاب البيان. جاء في صدر هذا الرق المنشور هذه الكلمات التامات من سلطان الظهور والمشرّع الأعظم قوله عز بيانه: “يا ملأ الارض اعلموا أن اوامري سرج عنايتى بين عبادي ومفاتيح رحمتي لبريتى كذلك نزل الامر من سماء مشية ربكم مالك الاديان… لا تحسبن انا انزلنا لكم الاحكام بل فتحنا ختم الرحيم المختوم بأصابع القدرة والاقتدار يشهد بذلك ما نزل من قلم الوحى تفكروا يا أولى الافكار” وفي بيان له إلى سلاطين العالم قال قوله جل اعزازه “يا معشر الملوك قد أتى المالك والملك لله المهيمن القيوم الا تعبدوا إلا الله وتوجهوا بقلوب نوراء إلى وجه ربكم مالك الأسماء هذا امر لا يعادله ما عندكم لو أنتم تعرفون… يا معشر الملوك قد نزل الناموس الأكبر في المنظر الانور وظهر كل أمر مستتر من لدن مالك القدر الذي به اتت الساعة وانشق القمر وفصل كل أمر محتوم. يا معشر الملوك انتم المماليك قد ظهر المالك بأحسن الطراز ويدعوكم إلى نفسه المهيمن القيوم. إياكم أن يمنعكم الغرور عن مشرق الظهور أو تحجبكم الدنيا عن فاطر السماء قوموا على خدمة المقصود الذي خلقكم بكلمة من عنده وجعلكم مظاهر القدرة لما كان وما يكون. تالله لا نريد أن نتصرف في ممالككم بل جئنا لتصرف القلوب…إنا ما اردنا منكم شيئا إنما ننصحكم لوجه الله ونصبر كما صبرنا بما ورد علينا منكم يا معشر السلاطين”.

وقد خاطب القلم الأعلى رؤساء الأديان في الكتاب الاقدس بهذا الخطاب “قل يا معشر العلماء لا تزنوا كتاب الله بما عندكم من القواعد والعلوم إنه لقسطاس الحق بين الخلق قد يوزن ما عند الامم بهذا القسطاس الاعظم وإنه بنفسه لو انتم تعلمون. تبكي عليكم عين عنايتى لأنكم ما عرفتم الذي دعوتموه في العشي والإشراق وفي كل اصيل وبكور توجهوا يا قوم بوجوه بيضاء وقلوب نوراء إلى البقعة المباركه الحمراء التي فيها تنادي سدرة المنتهى إنه لا إله إلا انا المهيمن القيوم. يا معشر العلماء هل يقدر أحد منكم أن يستنّ معي في ميدان المكاشفة والعرفان أو يجول في مضمار الحكمة والتبيان، لا وربيّ الرحمن كل من عليها فان وهذا وجه ربكم العزيز المحبوب… لو عرفتم الأفق الذي منه أشرقت شمس الكلام لنبذتم الانام وما عندهم وأقبلتم إلى المقام المحمود… إنا خرقنا الاحجاب إياكم ان تحجبوا الناس بحجاب آخر كسروا سلاسل الاوهام باسم مالك الانام ولا تكونن من الخادعين” وأيضاًً جاء من قلم مقصود الأمم مخاطبا جميع من في العالم، هذا البيان الأتم “يا ملأ الإنشاء اسمعو نداء مالك الاسماء إنه يناديكم من شطر سجنه الاعظم إنه لا إله إلا انا المقتدر المتكبّر المتسخّر المتعالي العليم الحكيم. إنه لا إله إلا هو المقتدر على العالمين، لو يشاء ياخذ العالم بكلمة من عنده إياكم أن تتوقفوا في هذا الامر الذي خضع له الملأ الاعلى وأهل مدائن الاسماء اتقوا الله ولا تكونن من المحتجبين. احرقوا الحجبات بنار حبّي والسبحات بهذا الاسم الذي به سخرنا العالمين” وفي وصف عظمة وكمال هذا الرق المنيع جاءت هذه الكلمات العاليات في الالواح المقدسة قوله جل إحسانه “ان اعمل يا عبد بما نزّل في الكتاب الأقدس تالله إنه لميزان الهدى بين الورى وبرهان الرحمن لمن في الارضين والسموات… طوبى لنفس عملت بما انزله الرحمن في كتابه الاقدس الذي تزين بالاحكام. قل إن الكتاب هو سماء قد زيناها بأنجم الأوامر والنواهي يشهد بذلك من عنده أم الالواح… قل ما حدد في الكتاب ليس لأحد أن ينظره كما ينظر إلى حدود التي ظهرت من ظنونات المتوهمين… إن الكتاب الأقدس جامع لجميع الشرائع الالهية طوبى للقارئين طوبى للعارفين طوبى للمتفكرين طوبى للمتفرسين. إنه نزل بانبساط أحاط الكل قبل الإقبال سوف يظهرفي الأرض سلطانه ونفوذه واقتداره إن ربك لهو العليم الخبير.”

لم يمض كثيرا حتى انتقل الجمال الابهى بعد حبس دام تسع سنوات في تلك المدينة المبتلية إلى مرج عكا وجلس واستقر في القصر الرفيع(54) “المقام الذي جعله الله المنظر الاكبر للبشر”. فتح باب اللقاء على وجه الزائرين من الاقاليم المختلفة ونصب علم سلطان السلاطين في خطة الهند وبورما وتركستان على يد رسل جمال الرحمن. دخل في رحاب أهل البهاء نفوس من خلفيات يهودية وزرادشتيه وبوذية، وقام ايادى امر الله بإيفاء وظائفهم المقدسة والمحددة. قام المبلغون ورافعين لواء أمر مولى العالمين وأقدر الأقدرين في أطراف واكناف العالم بنشر نفحات الله وطبع الكتب والرسائل. ارتفعت خيام العز على سفح جبل الكرمل وبشر كوم الله صهيون ثم نزل لوح كرمل بأنامل المحبوب. ظهر الوعد الإلهي وتجلى بهاء كرمل وسطع بشعاعه على أودية وأتلال أرض الجليل وعن ورائها مدينة أورشليم والمسجد الأقصى. عين مكان استقرار رفات حضرة الأعلى حسب التعليمات الصادرة من جمال القدم وصدرت الإرادة النافذة الإلهيه على انتقال الرمس الأطهر من أرض طهران المقدسة إلى الأراضي المقدسة. اشتُريَت الأراضي المجاورة لمكان إعلان دعوة المسيح مطابقا لما أراده الله بهمة ومثابرة الغصن الأعظم واتصل نهر الأردن بالبحر الاعظم(55). نزلت من سماء الوحى الالهي صحف قيمة ورسائل عديدة وأدعية مختلفة وألواح قدسية مثل الإشراقات والبشارات والكلمات الفردوسية والطرازات والتجليات ورسالة ابن الذئب وتعتبر بعضها متممة لأحكام الكتاب الاقدس.

أعلن إلى اهل العالم مبدأ وحدة الجنس البشري وأن حب الوطن ليس كافيا حيث قال “كلكم اثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد” “ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم”. ظهرت عظمة وشمولية امر الله وغلبة ونفوذ دين الله رغما لأنف ناصر الدين شاه الظالم وعزيز الجائر ويحيى الوقح. تفضل جمال القدم في يوم من الايام بهذا البيان “ما فعله شاه إيران كان بسبب الجهلة المحيطين به ولكن الخليفة العثماني ظلمنا دون سبب أو مبرر وارسلنا إلى قلعة عكا وقرر في فرمانه عدم زيارة احد لنا واصبحنا مكروهين لعامة وخاصة الشعب. لهذا انتقمت يد القدرة الربانية واهلكت وزيريه عالي باشا وفؤاد باشا ثم امتدت يد القدرة إلى السلطان عبد العزيز وطوى بساط عزه وأخذه أخذ عزيز مقتدر” وقد شهد مركز الميثاق على ذلك وقال “نزل التأييد الإلهى على السجن وانتقلت إيران من برزخ إلى برزخ آخر.” كما صدر هذا البيان من فمه المبارك: “ارتفع أمر هذا الشخص الجليل من السجن الأعظم وسطع نوره وذاع صيته وأصبح عالميا ثم انتشر علوّه وسموّه إلى شرق وغرب العالم وإلى يومنا هذا لم يقع في عالم الوجود شيء مثله.” كما صدرت هذه الشهادة من قلمه المبارك “إن عظمة أمره كانت ظاهرة في السجن الأعظم لدرجة أن حضوره كان حضور السلاطين وفي ساحته المقدسة تخضع الأعناق وتذل الرقاب بل وجميع الطوائف والملل. إن جميع القبائل والأمم معترفة بعظمة وكبرياء وعلوّ منزلة وسمّو مرتبة جمال القدم.” ولهذا صدر من القلم الاعلى حول مدينة عكا المباركه هذا البيان الاحلى: “هذا المقام الأعلى الذي سُمّي مرة بالسجن الاعظم وأخرى بسماء السماء”.

وقبل أفول شمس الحقيقة من هذا العالم، نزل كتاب العهد من قلمه المبارك الشريف إتماما للحجة وإكمالا للنعمة. أخذ جمال القيوم عهدا وثيقا من أتباعه ووضع ميثاقا غليظا وصفه قلم الميثاق بأنه لا نظير له في الإبداع ولا شبيه، وسلمّ ذلك الكتاب المبين إلى غصنه الأعظم. بعد ذلك وبعد قيادته لجند الله لمدة تسع وثلاثين سنة مظفرا منصورا عرجت روحه إلى الممالك الأخرى التي ما وقعت عليها عيون أهل الأسماء المذكورة في لوح الرؤيا وترك في عالم الناسوت ألوفا من عشاق جماله والمستظلين في ظله والمتمسكين بحبل ولائه.

تزامن غروب شمس البهاء من أفق العالم الأدنى واعلان وإنتشار كتاب العهد والصحيفة الحمراء وتعيين مركز ومقر أمر الله وجلوس المرجع المنصوص على سرير الخلافة العظمى وحلول الدورة الثالثه للقرن الأعظم الأفخم الأسنى، تزامن كل ذلك، وطبقا للحكمة المقنعة البالغة الالهية، مع هبوب أرياح القضاء وحدوث خطوب وكروب. احاطت أمواح البلاء السفينة الحمراء مرة أخرى وهبت أرياح السموم من الجهات السّتّ. انتشرت رائحة الدفراء وهز طوفان النقض الشجرة الالهية وأحدث طوفان الامتحان زلزالا باركان جامعة أهل البهاء وحجب بدر الميثاق في خوف الحسد وبغض الناقضين.

قام الغصن الاكبر النابت من السدرة الرحمانية والمنصوص عليه في كتاب عهد مولى البرية والمترعرع في حضن العناية الإلهية خلال سنين متوالية، على المحاربة مع أسد الميثاق وضَرْب أصل الشجرة الإلهية، وسرقة أمانة الله، وتحريف الآيات الالهيه والسعي جاهدا في هدم البنيان المرصوص، وهَتْك حرمة أمر الله، ومطابقة اسم مركز الميثاق مع اسم الشيطان وتسميته رئيسا للمشركين، وإعلان أن الغصن الاعظم يدّعي ظهورا جديدا وأن نداء إني انا الله مرتفع وأنه تفوق على جمال القدم والاسم الاعظم. التحق به الأغصان الآخرون وأوراق الشجرة الإلهية من أهل الحرم وآل الله وساهموا معه في نشر هذه الاراجيف والأباطيل. انحرف كاتب الوحي الالهي(56) عن الصراط المستقيم وانضم اليه ثلة من الافنان المنشعبين من السدرة الربانية ومجموعة من المهاجرين والمجاورين وشكلوا عصبة تمركزت في القصر المبارك حول المرقد المطهر، وسعوا جاهدين ليلا ونهارا على غصب الخلافة وهدم البنيان الالهي وإيذاء هيكل الميثاق واشعال فتنة كبيرة في أرض الاقدس وتُركَ عبد البهاء في بيت عكا وحيدا فريدا دون أنيس ومعين سوى الورقة المباركة العليا ثمرة سدرة المنتهى. لقد جددوا الأمل في أمة يحيى الميؤوسة وفرح الأعداء في الخارج وأصبحوا جسورين. بتصرفهم هذا تعذبت الروح الطاهرة في الملكوت الأبهى واحترقت قلوب المظلومين والمعذبين في إيران وباقي الأقاليم. عملوا على طبع وانتشار أوراق الشبهات(57) بكل مكر وتدليس، كما شوّشوا الأفكار وشوّهوا سمعة مركز العهد والميثاق أمام كل صديق وغريب.

غاب يوسف البهاء في بئر الحسد لمدة من الزمن ومن شدة وقوع هذا الخطب الجسيم والبلية الجديدة والزوبعة الشديدة كانت الآهات والأنات تؤنسه في الليالي بل ونار الحسرة تحرقه. بدأت ثعالب النقض تجول وتزلزل البعض أما المخلصون فصاحوا واحتاروا. بدأت تبرز علامات ظهور تابوت العهد المذكورة في مكاشفات يوحنا من بروق وأصوات ورعود وزلزال وبرد عظيم(58). في لوح من الالواح نزل في بحبوحة تلك العاصفه جاء هذا النداء الحزين من مركز الميثاق الحي الذي لا يموت: “إلهى ترى وحدتي وغربتي وكربتي وتشاهد نحول جسمي وذهول نفسي وخسوف بدري وكسوف شمسي وضعف أركاني وتزلزل أعضائي وتزعزع وجودي وتضييق صدري وخفقان قلبي وزهاق روحي وعدم شروحي وشدة بلائي في سبيلك وكثرة ابتلائي في محبتك. أي رب استأصلت الزوابع دوحتي الناشئة واقلعت الزلازل أرومتي النابتة وأخذتني أعاصير البلوى وأهلكتني شدائد البأساء والضراء” “يا محبوبى… انحنى ظهري وابيض شعري وذاب لحمي وبلي عظمي وتقطعت كبدي واحترق قلبي واتقدت نار الأسى بين أضالعي وأحشائي” ويقول في مقام آخر “تراني هدفا لكل سهام وغرضا لكل نصال وخائضا في غمار البلاء وغريقا في بحار المصائب والارزاء ارحمني بفضلك وجودك يا ذا الامثال العليا وريّحني عن كل كربة وبلاء وأرحني بنداء الرجوع إلى جوار رحمتك الكبرى وارفعني إليك لأن الأرض ضاقت عليّ والحياة مريرة لدي والآلام تتموج كالبحور والأحزان تهجم هجوم الطيور على الحب المنثور، فنهاري من آلامي ليل بهيم وصباحي مساء مظلم بهموم عظيم وعذبي عذاب وشرابي سراب وغذائي علقم وفراشي أشواك وحياتي حسرات ومياهي عبرات واوقاتي سكرات وبعزتك لقد ذهلت عن كل شيء ولا أكاد أفرق بين ليلي ونهاري وغداتي وعشائي وسهري ورقادي بما اشتدت الارزاء وعظم لي البلاء وعرض داء ليس له دواء” أشار جمال القدم بنفسه المحيطة على ما كان وما يكون إلى هذه الزرية الكبرى في أحد ألواحه: “تالله يا قوم يبكي عيني وعين عليّ في الرفيق الأعلى ويضج قلبي وقلب محمد في السرادق الأبهى ويصيح فؤادي وأفئدة المرسلين عند أولي النهى إن أنتم من الناظرين. لم يكن حزني من نفسي بل على الذي يأتي من بعدي في ظلل الأمر بسلطان لائح مبين. لأن هؤلاء لا يرضون بظهوره وينكرون آياته ويجحدون بسلطانه ويحاربون بنفسه ويخادعون في أمره كما فعلوا بنفسه في تلك الأيام وكنتم من الشاهدين” كما قال أيضاًً “هل يمكن بعد إشراق شمس وصيتك من أفق أكبر ألواحك أن تزل قدم أحد عن صراطك المستقيم قلنا يا قلمي الأعلى ينبغي لك أن تشتغل بما أمرت من لدى الله العلي العظيم. لا تسأل عما يذوب به قلبك وقلوب أهل الفردوس الذين طافوا حول أمري البديع”.

لم يمض كثيرا حتى سطعت شمس الغيرة الالهية واستُجيبت استغاثة وأنين مولانا الفريد الوحيد. تلاشت السُّحُب الكثيفة المتراكمة وتجلى قمر الميثاق في سماء أمر نيّر الآفاق بصورة محيرة وظهر مصداق الآية المباركة “قل البلاء دهن لهذا المصباح وبها يزداد نوره، شجرة لا شرقية ولا غربية” وتموج بحر الميثاق بحيث رمي على الساحل الاجساد الميتة وانفصلت الأغصان اليابسة والاوراق المصفرة من السدرة الالهية. سقط الغصن الأكبر بسبب الإنحراف وتبدل إلى الحطب الأكبر(59) طبقا للنص الإلهى القاطع “تالله الحق لو نأخذ عنه في أقل من الحين فيوضات الأمر ليصفرَّ ويسقط على التراب” ثم نزلت صاعقة العذاب على ناقضي العهد والميثاق الإلهي. قاوم اهل البهاء وأصحاب الوفاء السيل المنهمر من أراجيف الفئة الناقضة مثل السد المتين وقد بعثهم الله باستقامة وثبات محير للعقول وعملوا على تبديد شمل المارقين والناكصين وكتبوا ونشروا رسائل عديدة ومتينة في الرد على مركز النقض وقطب الشقاق. نشرت سدرة المنتهى التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ظلالها على الآفاق الغربية وامتدت فروعها إلى المناطق النائية الفسيحة في الولايات المتحده الأمريكية وفيما وراء البحار وارتفع صيت أمر الله في قارة أوروبا. نُصِبَ علمهُ المبين في عاصمتين من عواصم الدول الغربية العظيمة وقام جمعٌ من المؤمنين والمؤمنات من أوروبا وأمريكا بزيارة كعبة المقصود وأنهوا أحزان أرض الاقدس وتشرفوا بزيارة مطاف الملأ الاعلى بكل خضوع وخشوع وابتهال وتذكّر. اجتمعوا حول سراج الميثاق واستفاضوا من فيوضات أنواره، وبعد تلقيهم للتوجيهات والإرشادات اللازمة رجعوا أوطانهم منقطعين عن الجهات بكل شغف جميل وعزم متين وهمة عالية وعملوا على تبشير دين الله وتأسيس ملكوت الله. وعلى الرغم من انحراف وسقوط أول من أسس أمر الله في امريكا(60) وحدوث امتحانات وافتتانات ولكن ذلك لم يؤثّر في تأسيس مراكز جديدة وتشييد مشروعات بهية وتشكيل محافل روحانية بكل عشق وانجذاب. إذْ ظهر ما بشر به القلم الأعلى قوله عز وجل “إنه أشرق من جهة الشرق وظهر في الغرب آثاره”.

في كتاب قيوم الأسماء خاطب النقطة الأولى أهل الغرب بهذا الخطاب البديع وخصّهم بهذه العناية العظيمة قوله عز إجلاله: “يا أهل المغرب اخرجوا من دياركم لنصر الله… فأصبحوا في دين الله الواحد إخوانا على خط السواء قد أحب الله فيكم أن تكون قلوبكم مرآة لإخوانكم في الدين أنتم تنعكسون فيهم وهم ينعكسون فيكم هذا صراط الله العزيز بالحق وكان الله بما تعملون شهيدا” وأيضاًً في الكتاب الاقدس شرّف حضرة بهاء الله رؤساء الجمهوريات في تلك القارة بهذا الشرف الاعظم والأمر الأفخم بقوله جل إحسانه: “يا ملوك أمريقا ورؤساء الجمهور فيها… زينوا هيكل الملك بطراز العدل والتقى ورأسه بإكليل ذكر ربكم فاطر السماء كذلك يأمركم مطلع الاسماء من لدن عليم حكيم…. اجبروا الكسير بأيادي العدل وكسروا الصحيح الظالم بسياط أوامر ربكم الآمر الحكيم” ونزل من يراعة الميثاق هذه الكلمات الرائعة حول الدول الغربية وتلك القارة الواسعة وعلى الأخص الولايات المتحدة وشعبها المستعد: “ستلاحظون قريبا بأن أنوار بهاء الله ستحيط الشرق والغرب وستنزل سحاب الرحمة الإلهيه على جميع القلوب وتصبح خَضِرَة ونَضِرَة… دائما منذ القدم وحتى اليوم كان النور الإلهي يسطع من الشرق إلى الغرب ولكنّ سطوعه كان أشد في الغرب.ظهر السيد المسيح روحي فداه من الشرق وأضاء بنوره الغرب ولكن انتشر نور الملكوت في الغرب بصورة أكثر” كما قال ايضا: “ثم اعلم بأن الشرق استضائت آفاقها بأنوار الملكوت وعنقريب تتلألأ هذه الأنوار في مطالع الغرب أعظم من الشرق وتُحيِ القلوب في تلك الأقاليم بتعاليم الله وتأخذ محبة الله الأفئدة الصافية” وأيضاًً قال “في هذا العصر الجديد إن أملنا من فضل وعناية الرب الجليل أن تسطع الغرب بأنوار شمس الحقيقة من الشرق ويصبح الأحباء مطالع الأنوار ومظاهر الآثار” كما تفضل قائلا: “إن أمريكا عند الحق تبارك وتعالى ميدان لإشراق الأنوار وإنها دولة ظهور الاسرار ومنشأ الأبرار ومجمع الأحرار”. وأيضاً جاء في لوح من الألواح المنيعة مخاطبا جمهور المؤمنين والمؤمنات في الولايات المتحدة وإقليم كندا هذه الكلمات الدُّرّيات من قلم الميثاق: “يا حواريو بهاء الله روحي لكم الفداء… لاحظوا أن حضرة بهاء الله قد فتح لكم أبوابا واسعة وقدر لكم مقاما عاليا ويَسَّر لكم موهبة كبيرة” وأيضاً مخاطبا للمؤمنين والمؤمنات في تلك الديار تفضل قائلا: “إذا جمعتم الكلمة واتفقتم على المقصد الاصلي والمحبة المتحدة وحق من فلق الحبة وبرأ النسمة، تتلألأ الانوار من وجوهكم إلى عنان الأوج الرفيع الاعلى ويشيع صيت علوكم ويذيع آثار سموكم في جميع الارجاء وتنفذ قوتكم في حقائق الاشياء وتؤثر نواياكم في الامم العظيمة الكبرى وتحيط أرواحكم بالكائنات كلها وترون أنفسكم ملوكا في أقاليم الملكوت ومتوّجا بأكاليل جليله من عالم اللاهوت وتصبحون قُوّادا لجيوش السلام وأمراء لجنود الحياة ونجوما في أفق الكمال وسُرُجا موقدة ساطعة الأنوار بين الأنام” وأيضاً مخاطبا مؤمني ذلك الإقليم: “إن توفيقكم غير لائح حاليا ولكن قريبا سترون ان كل واحد منكم سيكون مثل النجم الدري اللامع الساطع منه نور الهداية الباعث على الحياة الابدية لشعب أمريكا… عندما يمر هذا النداء الإلهي من خطة أمريكا إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا وأستراليا وجزر الباسفيك، يكون احباء أمريكا قد جلسوا على سرير السلطنة الأبدية ووصل صيت نورانيتهم وهدايتهم إلى الآفاق وذاع جلالهم وعلوّهم في العالم.”

تزامنا مع ذلك ومع انتشار أمر حضرة ذو الجلال في الدول الغربية وارتفاع الرنة الإلهية والنغمات الملكوتية في المناطق النائيه للولايات المتحدة، وصل إلى ساحل أرض الأقدس من ارض الطاء العرش الطاهر للنقطة الأولى طبقا لما أراده الله وحسب تعليمات الغصن الأعظم الإلهي بعد خمسين سنة من الخفاء والانتقال من مكان لمكان وُسلمّ إلى مركز عهد جمال الابهى. اشتريت أراض على جبل الكرمل رغما لأنف الناقضين ووُضِع حجر زاوية المقام الأعلى حامل الأمانه الإلهية ومركز ميثاق رب البرية ثم بُدِئ ببناء المقام المقدس وانتقل الصندوق المطهر واستقر على ذلك الجبل المقدس.

هذه الانتصارات العظيمة والفتوحات الباهرة، وعلى الأخص ورود الزائرين والزائرات للمدينة المباركة البيضاء والبقعة النوراء، حرّكت حميّة الاعداء الألدّاء والناقضين الجهلاء والمعاندين. اشتعل نار الحسد والبغض مرة أخرى وتشبث حزب الفتور وعصبة الغرور(61) بفكر جديد ووسائل أخرى. قاموا بإشعال نائرة الفساد في الدوائر الحكومية بشكل أشد من قبل حيث أرسلوا رسائل إلى الجهات الرسمية وارتبطوا بحكام وولاة البلاد وعبد الحميد الخبيث(62) ورؤساء الإسلام ومبشري السيد المسيح. لقد تشبثوا بكل ذل برداء الأعداء وانشغلوا بالتزوير والخدعة والتدليس والرشوة وإيجاد الفتن والفساد. كما شدوا الأزر على إعدام عبد البهاء وسلموا الحكومة الآيات والكلمات الإلهية وأرسلوا الرسائل الملفقة والافتراءات. اعتبروا عبد البهاء عدوّا للحكومة واتهموه بالفساد وكتبوا عنه إلى ديوان الحكومة بأنه رافع لراية العصيان وأنه اتفق مع الامريكيين والمسيحيين على بناء قلعة على جبل كرمل ويعمل على ايجاد الخلاف والفساد في المدن والقرى ويحرض القبائل والعشائر ويدعي أنه ابن الله ويجمع مبالغ باهظة ويملك أراضي كثيرة ولديه أسلحة ومعدات حربية وأنه يسعى للاستيلاء على السلطة وتشكيل حكومة مستقلة. نتيجة لهذه الاتهامات والدسائس صدر الأمر من السلطان الجائر بتجديد حبس مركز العهد والميثاق والاحباء وتم تعيين هيئة تفتيشية ارسلت إلى عكا. بعد وصول الهيئة التفتيشيه إلى عكا اتصلت فورا بمركز النقض(63) وأعوانه وأتباعه وشرعت بإرسال رسائل عديدة إلى مقر السلطنة ووعدت الناقضين والناكثين بقتل وصلب عبد البهاء واعتبرته امرا مبرما وحتميا. قال حضرة عبد البهاء بأن المفتشين تواطئوا مع المفترين أثناء التحقيق والتفتيش واصبح المدعي والحاكم والشاهد شخصا واحدا. أحاط المرجعَ المنصوص خطرٌ عظيمٌ وهبّت عاصفة شديده لمدة سبع سنوات على مركز الامر الإلهي واستولت الغموم والهموم قلوب الأحباء في أرض الاقدس وإيران والمناطق الأخرى. في ألواح الوصايا التي نزلت في أوج البلايا صدرت هذه الكلمات الحزينة من قلم الميثاق في مناجاة له “رب ومحبوبي ومقصودي إنك لتعلم وترى ما ورد على عبدك المتذلل بباب أحديتك وما جنى عليه أهل الجفاء الناقضون لميثاق فردانيتك الناكثون لعهد حضرة رحمانيتك. إنه ما من يوم إلا رموني بسهام البغضاء وما من ليل إلا وبيتوا يشاورون في ضري في السر والخفي وما من صباح إلا ارتكبوا ما ناح به الملأ الاعلى وما من مساء إلا أن سلوا علي سيف الاعتساف ورشقوني بنصال الافتراء عند الاشقياء… ربِّ ورجائي ومغيثي ومنائي ومجيري ومعيني وملاذي تراني غريقا في بحار المصائب القاصمة للظهور والرزايا المضيقة للصدور والبلايا المشتتة للشمل والمحن والآلام المفرقة للجمع واحاطتني الشدائد من جميع الجهات واحدقت بي المخاطر من كل الاطراف خائضا في غمار الطامة الكبرى واقعا في بئر لا قرار لها مضطهدا من الاعداء ومحترقا في نيران البغضاء من ذوي القربى… ترى يا الهي يبكي عليّ كل الاشياء ويفرح ببلائي ذوو القربى فوعزتك يا الهي بعض الاعداء رثوا على ضري وبلائي وبكوا بعض الحساد على كربتي وغربتي وابتلائي.”

بينما كان سيل البلاء منهمرا والأحباء مضطربون والطائفون حول الرمز متشتتون وحائرون وأهل الحرم في يأس وحيرة والجواسيس حول البيت المبارك مواظبون ومراقبون والسفينة تتحرك بين حيفا وعكا ومهيأة ومستعدة لنفي هيكل الميثاق إلى صحراء فيزان(64) والهيئة التفتيشية في مدينة حيفا وأطراف المقام الاعلى منشغلة بالتفحص والتجسس والناقضون السذج في وجد وسرور، بغتة تحقق مفاد الآية المباركة “قل إن القضاء مؤيد لهذا الأمر والبلاء معين لهذا الظهور” حيث تلاشت السحب المتراكمة دفعة واحدة، وسطع نور التأييد واستضاء الافق المظلم وأشرق بدر الميثاق الذي ابتلي بخسوف الحسد والبغض لسنوات عديدة. وقعت في المدينة الكبيرة حوادث خطيرة واضطرابات حادة زلزلت اركان العاصمة، وبقول حضرة عبد البهاء إن “مدفع الله قد سمع وارتفع” لدرجة أن الحاكم الظالم قد ارتعب وخاف وقرر صرف النظر عن متابعة هذه القضية. لم يمض كثيرا حتى وقع هيجان كبير في عاصمة ذلك الإقليم وأعلنت الجمهورية في جميع أرجاء البلاد. أطلق سراح المبعدين السياسيين وأُسِر السلطان الجبار ثم خُلِع عن العرش ونُفِي خارج البلاد. إن ورقاء أيك العبودية التي كانت مسجونه في السجن الاعظم لمدة أربعين سنة قد أفرج عنها ومكث الغصن الأعظم عدة ايام على سفح الكرم الإلهي.

وفي نفس السنة التي سقط فيها الخليفة العثماني من أوج العزة إلى حضيض الذلة قام حامل الأمانة الإلهية(65) وبيده المباركة بوضع الهيكل المقدس للنقطة الاولى والجسد اللطيف المطهر للرب الاعلى بعد انتقال عرشه لمدة ستين سنه من مكان إلى مكان آخر، قام بوضعه في الصندوق المقدس. استقر هذا الصندوق المقدس في المقام الأعلى في قلب جبل الكرمل مقابل قبلة أهل البهاء الروضة الغناء والبقعة المطهرة المقدسة العليا ومحط رحال الملأ الأعلى وبقرب من مقام إيليا وبحضور جمع كريم من أحباء الشرق والغرب. بني اول معبد بهائي في مدينة العشق(66) واشتريت أراضي اول مشرق أذكار أمريكا أم معابد الغرب(67). انتخب وتأسس أول محفل روحاني بهائي في الدول الغربيه طبقا لأوامر مركز عهد مولى البرية ثم انعقد أول مؤتمر بهائي مركزي في أمريكا بمدينة شيكاغو. انتخبت الهيئة التنفيذية لمشرق الأذكار من قِبَل وكلاء البهائيين في تلك الديار وسجلت الاراضي رسميا باسم الهيئة المنتخبة.

تأسست المدارس البهائية في عاصمة إقليم إيران ونقاط أخرى وازداد عدد المحافل المقدسة الروحانية في موطن جمال القدم نتيجة تحرك قلم مركز الميثاق الدائم. قام المجاهدون الأمريكيون من رجال ونساء على تبليغ أمر الله بكل همة ومثابرة وسافروا إلى الأقاليم البعيدة وجزر المحيط الهادي وأقاموا في دولة إيران المقدسة وعملوا على تقوية المؤسسات الجديدة في ذلك الإقليم. وصل صيت الامر الإلهي إلى ألمانيا والصين واليابان وشبه الجزيرة العربية وجزر المحيط الهادي في الشرق الأقصى واتسعت دائرة المطبوعات والنشر الامرية في قارتي أوروبا وأمريكا بشكل عظيم وسريع. ترجمت وطبعت ألواح متعددة وصحف قيمة إلهية إلى لغات مختلفة وساهمت على اشتهار الامر الالهي.

خلال هذه الاحداث وبعد ان استقر العرش المطهر لحضرة الباب وأنجز هذا المشروع العظيم واللامثيل له، سافر مركز عهد الرب القدير إلى الدول الغربية وظل لمدة ثلاث سنوات يجول الديار المصرية وإنجلترا وفرنسا وألمانيا والمجر والنمسا وأيضاً أربعين مدينة من المدن الهامّة للولايات المتحدة وكندا. رفع الغصن الأعظم نداء يا بهاء الأبهى في المجامع والمجالس الكبيرة وفي دار الفنون الهامة والكنائس ومعابد اليهود ومجامع الزنادقه والاشتراكيون وطالبي السلام والفلاسفة والماديون على الرغم من كبر سنه وضعف مزاجه. قام سماحته ليلا ونهارا ودون حجاب بإثبات حقيقة الالوهيه ووحدة المظاهر الألهية وإبلاغ أمر الله وشرح المباديء الأساسيه السامية والكشف عن أسرار الحضارة الإلهيه وحل المشاكل الاقتصادية وإعلان وحدة الجنس البشري وإنذار البشرية بوقوع كارثة فجائية(68). وفي أيام الرضوان وضع حجر الزاوية لاول مشرق أذكار في أمريكا وكشف النقاب عن الهدف الأصلى لعهد وميثاق جمال الابهى المتين في اجتماعات الأحباء في مدينة الميثاق(69). اشترك بنفسه في مؤتمر الوكلاء المركزى لذلك الإقليم الواسع ونفخ روحا نباضة في جسم المشاريع البهية جديدة التأسيس لحزب المظلوم. نزلت كتائب التأييد بصورة مستمرة وأحدثت هيجانا عظيما في قلوب سكان ذلك القطر الكريم. ارتفع صوت التسبيح والتقديس في المجامع العظمى وهز نداء “يا بهاء الأبهى” و”يا عليّ الأعلى” قلوب جم غفير من الناس ونشرت الصحف والكتب والمجلات بشكل لا يعد ولا يحصى مميزات الأمر الإلهى وصفات مرجعه الكريم. ظهرت ولاحت نتائج البلايا والمصائب التي نزّلت على جمال القدم ومظلوم العالم واستشهاد مبشّر الاسم الاعظم وإهراق الدماء البريئة لأتباع الأمر الأعز الأفخم.

إن الذلة العظمى قد تبدلت إلى عزة كبرى وقد جاءت هذه الكلمات العاليات في لوح من ألواح مركز الميثاق أثناء مروره بالأقطار الغربية: “لقد تحققت جميع الوعود التي سمعتها من الفم المطهر وهذا من فضل ربي الأبهى.” ذكر في التاريخ المدون لسفر حضرة عبد البهاء (سفرنامه) بأنه في يوم من الأيام “ذهب إلى جلسة ثالثه وكان صوته المبارك عاليا لدرجة أن العبور كانوا يسمعونه رغم مرور العربات. يا بهاء الله ماذا عملت، يا بهاء الله
إني فداك، لقد مضت ايامك بكل مشقة وبلاء وتحملت مصائب لا تحصى وأخيرا وضعت اساسا متينا ورفعت عَلَما مبينا” كما جاء أيضاً في نفس كتاب التاريخ المدوّن “أحيانا أثناء السير كان يذكر الجمال المبارك ويتحدث عنه وقد ذكر بعبارات حزينة ايام السليمانية وعن عزلة ومظلومية جمال القدم. وعلى الرغم من أنه ذكر هذه الحكاية عدة مرات ولكن في ذلك اليوم انقلب حال الغصن الاعظم وبدأ يبكى بصوت مرتفع حتى وصل صوته بعيدا لدرجة ان جميع الخدام بكوا لبكائه. لقد استولى على الحاضرين حزن وأسى من سماعهم للبلايا والمصائب التي وردت على حضرة بهاء الله ومن رقة قلب سر الله الأكرم.

بعد هذا الانتصار العظيم وإعلان الامر الكريم في ذلك القطر الجليل وسفر وقيام الفرع المنشعب من ذلك الأصل القديم الذي لم يسبق له مثيل في الادوار السابقه والعصور الغابرة وسقوط وذلة الخصم الخصيم والعدو اللئيم، الناقض الاثيم، الذي رجع كيده إلى نحره وباء بغضب من الله، فجأه اشتعلت نار الحرب العالميه وتحققت الإنذارات الصريحة الصادرة من قلم الميثاق الملهم. تزلزلت أركان الهيئة الاجتماعية وانهمر سيل البلاء على العالمين ووصلت آثارها إلى الأرض الاقدس ولمدة اربع سنوات وقعت المقامات المقدسة في مرج عكا وجبل الكرمل في خطر عظيم. وقعت الأمور بيد جمال السفاك(70) واثيرت فتنة جديده. عصبة الغرور وأصحاب الفتور الذين أرعبهم سطوع انوار التأييد وشتتهم زئير اسد الميثاق، تجدد أملهم مرة اخرى وبدأوا بتوليد الفساد ونشر الأراجيف وتخديش الأذهان وعملوا على تحقيق أهدافهم السيئة واتصلوا مع الغرباء. سدت أبواب المراسلة مع المراكز الأمرية في الشرق والغرب واستولى الخوف والإضطرات على قلوب بعض الأحباء في الشرق والغرب. أعلن القائد الغدار لأصحابه وبكل صراحة، وهدد عدة مرات، بأنه بعد فتح مصر وهزيمة الأعداء الخارجيين سيتولى محاربة المفسدين الداخليين ويعمل حتما على إعدام مركز الميثاق على رؤوس الاشهاد وسيهدم ويزيل المقام المقدس(71) ويساويه مع الأرض. أحاطت الشدائد والرزايا الداخلية والخارجية حضرة عبد البهاء لمدة أربع سنوات، كما أن اشتعال نار الحرب والقتال وانتشار الافات ووصول الاخبار الموحشه وسد السبل وانقطاع الاخبار، كل ذلك أدى إلى ازدياد الأحزان على قلب مركز الأمر الالهي. وفي مناجاة صدرت ايام الحرب من قلم الميثاق جاءت هذه الكلمات: “إلهي إلهي ترى قد اشتد الظلام الحالك على كل الممالك واحترقت الافاق من نائرة النفاق واشتعلت نيران الجدال والقتال في مشارق الارض ومغاربها فالدماء مسفوكة والاجساد مطروحة والرؤس مذبوحة على التراب في ميدان الجدال رب رب ارحم هؤلاء الجهلاء وانظر اليهم بعين العفو والغفران واطفأ هذه النيران حتى تنقشع هذه الغيوم المتكاثفه في الافاق حتى تشرق شمس الحقيقة بانوار الوفاق وينكشف هذا الظلام ويستضيء كل الممالك بانوار السلام… رب قد طالت الحروب واشتدت الكروب وتبدل كل معمور بمطمور… رب ابعث في بلادك نفوسا خاضعة خاشعة منورة الوجوه بانوار الهدى منقطعة عن الدنيا ناطقة بالذكر والثناء ناشرة لنفحات قدسك بين الورى.”

لم يمض كثيرا حتى توقفت الحرب العالميه الطاحنة بأثر من تلك المناجاة وزال الخطر عن مركز امر الله والبقعتين المقدستين المباركتين(72). فقد انتصر الجنود البريطانيون وهزم جمال السفاك وهرب ورفع المنتصرون أعلام النصر على الاراضي المقدسه. تشرف قائد الجيش الانجليزى بحضور حضرة عبد البهاء طبقا للتعليمات الواردة إليه من وزير خارجية بريطانيا كما زار أيضاً المرقد المطهر لحضرة بهاء الله ومعه غصن الله الأعظم. انتهت كليا الأخطار العظيمة التي أحاطت جمال الأبهى ومركز الميثاق لمدة خمس وستين سنة نتيجة اعتداءات وتجاوزات حكام وزعماء العثمانيين في العراق والمدينة الكبيره وارض السر وقلعة عكا وارتفع السد المنيع تماما. تحققت ايات الكتاب الاقدس وارتفع حنين برلين وسقطت وانقرضت امبراطوريتي المانيا والنمسا وتيسرت السبل لهجرة واستيطان أبناء الخليل ووراث الكليم إلى الأراضي المقدسة. فتح باب اللقاء امام المشتاقين والمحترقين من نار الفراق واتسعت دائرة الاتصالات والمراسلات ونزلت ألواح ورسائل عديدة من قلم الميثاق ونشرت في اطراف العالم بسرعة تامة وحرية مطلقة. تم إبلاغ الأوامر الإلهيه مخاطبا فرسان ميدان الخدمة في أمريكا رسميا وصدرت ألواح الخطة الإلهية المتضمنة ألواحا خاصة للتبليغ من قلم الميثاق مخاطبا جمهور المؤمنين والمؤمنات في تلك الديار وقرئت وأعلنت في مجمع الروحانيين في عيد الرضوان.

انتخب الوكلاء باتفاق الاراء خارطة المعبد العظيم الشأن لأحباء امريكا وشرعوا بوضع أساس ذلك البناء القوي الأركان. قامت الورقة الزكية الشهيرة فخر المبلغين والمبلغات(73) بتبليغ امر الله باستقامة عظمى ورفعت علم الموهبة الكبرى بانقطاع شديد وشجاعة لا نظير لها. سافر جمع من المؤمنين والمؤمنات إلى الاقاليم البعيدة والنائية وفتحوا قارة أستراليا ورفعوا نداء ملكوت الله في إقليم البرازيل في قارة أمريكا الجنوبية وفي جنوب أفريقيا وفي إيطاليا وسويسرا وهولندا والمجر وتونس. في أرض الأقدس ارتفع صيت وقدرة وعلوّ وسمّو طلعة الميثاق يوما فيوما وجذب مغناطيس حبّه جمعاً من الوزراء والامراء والعلماء والادباء من الإنجليز والعرب والعجم. افتخر الجميع بزيارته واستفاضوا من أنوار هدايته وجلسوا على مائدة نعمته واستمدوا من بحر جوده وكرمه ونطقوا حمداً وشكراً النعمه وآلائه.

أما الناقضون الحسّاد والجحّاد فقد ظلوا مثل الفئران الضالة يزحفون في حفرهم وقد احتادوا واندهشوا من تلأليء انوار كوكب الميثاق. اذا تم ما صدر من قلم الميثاق: “هذه النفوس مثل البعوض التي تلوث نفسها في قذارتها وتنوح وتصيح ثم تموت في النهاية وكأن لم يكن شيئا مذكورا” “وسترون أن الأشعة الساطعة من شمس الميثاق أحاطت الآفاق وتزلزلت ارض الشبهات وفاض غمام العهد وغيض غدير النقض، يومئذ ترون جمال العهد مستقرا على كرسي الجلال وآيات الميثاق تُتلى على الآفاق” وأيضاً صدرت هذه الكلمات العاليات في لوح من الواح مركز العهد في بيان عظمة الميثاق الإلهي: “أيها الاحباء، إن سراج الميثاق هو نور الآفاق وحقيقة العهد موهبة الإشراق إن كوكب الميثاق هو القمر المضيء وآثار القلم الأعلى البحر الزخار. وثق الرب المجيد في ظل شجرة أنيسا عهدا جديدا ووضع ميثاقا عظيما… هل تحقق عهد مثل هذا في اي عهد او عصر او زمان او قرن او شوهد ميثاق من يراع القلم الاعلى مثله، لا ولله”. كما تفضل ايضا بقوله “إن قوة الميثاق مثل حرارة الشمس التي تغذي وترعرع وتنشيء جميع الكائنات الأرضية كما أن نور الميثاق ينمّي العقول ويربّي النفوس ويضيء القلوب والأرواح”. وأضاف قائلا: “العهد الذي اخذه الله في ذر البقاء لمركز الميثاق” ويقول في مقام آخر “هذا الميثاق الذي اخذه الله تحت شجرة أنيسا يوم ظهوره وإشراقه في ذر البقاء ثم تجسم وتمثل في ملكوت الاعيان على صورة لوح منقوش بالقلم الاعلى سبحان ربي الأبهى” كما قال أيضاً “إن السبب الأقوى والتشبث بذيل رداء الكبرياء هو عهد وميثاق جمال الابهى… إن العروة الوثقى التي نزلت من اول الابداع في الزبر والالواح والصحف الاولى هي العهد والميثاق والإيمان وعهد الله على الاطلاق” وايضا “هذه الجوهرة الفريده ترعرعت في حضن الملكوت الابهى وظهرت بأثر من القلم الاعلى ولا نظير لها أو شبيه من أول الإبداع” كما جاءت هذه البشارة العظمى في لوح من الالواح: “قد رجع حديث يوسف في نفس عبد البهاء والقوة في البئر الظلماء اهل الجفاء وسيرد رائد البقاء ويدلى دلو الوفاء ويقول يا بشرى هذا غلام البهاء ويعرضه في معرض مصر العلي ويتجلى بنور الميثاق عن مطالع الافاق وينجو من سجن اوهام اهل الشبهات ويجعله الله عزيزا بعد ما أمسى ذليلا بين متبعي المتشابهات ومهملي المحكمات ويقول المتكبرون تالله الحق ان الامر مشرق لائح سبحان من اختارك وجعلك مظهر التأييد ومركز العهد الجديد” وحول عظمة الميثاق الإلهي صدرت هذه الكلمات: “إن ميزان كل شيء اليوم ومغناطيس التأييد هو عهد وميثاق الرب المجيد… وإذا فرضنا بان روح القدس قد توقف لبرهة، قَسَمًا بجمال القدم روحي لأحبائه الفداء فان الجسم يصبح معوقا والجسد معطلا… وإذا قام طفل رضيع باستقامة تامة على خدمة الامر فان جنود ملكوت الابهى سينصره ويعينه الملأ الاعلى وسيظهر قريبا هذا السر العجيب.”

وقعت الرجفه الكبرى والمصيبة الدهماء اي افول النجم الدري مركز ميثاق جمال الابهى وصعود المرجع الوحيد المنصوص عليه والدرع الاعظم لاهل البهاء. لقد انفصل الغصن اليافع الاعز الاعلى من عالم الادنى وفقد الاب الحنون والمولى العزيز، مما نتج عنه أحزان كبيرة وانقلابات جديدة ودهشة عظيمة. تحركت الخفافيش وخرجت من حفر اليأس وتجولت من جديد وبدأت تصيح وتعربد. زعيم الناقضين الذي تقوقع في جيب الخمول اغتنم فرصة فقدان الدرع الاعظم للأمر الإلهي ورفع الراية وتمسك بحكم “قد اصطفينا”(74) وبدأ بنشر الاراجيف وتحريك وتدليس وتخديش الاذهان لكي يهدم البنيان الالهي الذي استحكمه ذلك الغصن الميمون وعززه سلوكه وبيانه الإعجازى في عالم الإمكان. لقد حاول أن يعوج الأمور المستقيمة ويضيع مشقات وصعاب تسع وعشرين سنة قضاها ذلك المولى الفريد ويهدم كل ما بناه. انضم إليه حفنة من النفوس الموهومة الواهية السافلة وعملت على إيجاد التصدع والانشقاق في الجامعة العالمية لاتباع نيّر الافاق. اجتمع الزعيم الثاني(75) وجمع من البلهاء والبلداء من أتباعه حول الضريح المقدس وبكل جراة استولوا على مفتاح ذلك المقام من حارس ومزارع الروضة المباركة(76) واتصلوا بولاة الأمور ورؤساء الشرع وعملوا على نشر الاراجيف والهذيانات والكلمات التي لا تسمن ولا تغني وادعوا حقهم في ولاية مطاف الملأ الاعلى وقبلة اهل البهاء. تذرع فائق الارمني ومعه مجموعة من الجهلاء في مدينة القاهرة بالجمعيه العلميه وقاموا على تخريب بنيان المحفل الروحانى وتشتيت شمل الاحباء واستحكام اساس الرئاسة واثارة الفساد. وفي امريكا صاحت امرأه جريئة وجسورة(77) بأن ألواح الوصايا لمركز عهد رب البرية مزيفة ولا اساس لها ولا اعتبار.وعملت بكل جد ومثابرة على اثبات ادعائها في امريكا وبريطانيا وصرفت مبالغ في هذا السبيل واتصلت بحكومة فلسطين وارسلت مبالغ لهم وأصرت على ان يتحقق ولاة الامور من هذا الامر الخطير ويقيموا دعواهم ويعلنوا هذا التزوير والخدعة على الجميع. تورط شخص من مؤمنى ومبلغي أمر الله في المانيا بتلك المرأة المحتجبة وانحرف عن المنهج القويم وانضم اليه بعض من الاحباء وابتلي بذلة الدارين.

القطرة الآسنه آواره المسكين(78)، قام على اطفاء النار الموقدة الالهيه بهمة تامه وبغض عظيم وامل كبير وقاوم أمواج الطمطام الاعظم. عمل على تحقير وتزييف وإهانة الامر الاعظم في مؤلفاته باسلوب شديد وعبارات شنيعه وتأويلات ركيكه وكلمات قبيحة. انشغل مدة من الزمن بنشر الاراجيف والهذيانات وبزعمه الباطل كشف الغطاء وفضح الأمر الإلهي امام الجميع وهدم اساس الشريعة السمحة البيضاء. كما ارتبط بعلماء السوء والمبشرين المسيحين والأعداء الآخرين وبيض وجه الاعداء القدامى ولم يبق شيئا من الافتراء والكذب إلا وقاله. تعهد لنفسه بأنه سيزيل أمر الله من أساسه ويزعزع النظام الإلهي ويشتت حزب الله ويسحقه ولن يبقي اثرا لدين الله في شرق العالم وغربه.

الأعداء القدامى في العراق العربي الذين ظلوا يراقبون ويرصدون الاحباء، اضطربوا في السنوات الاخيره من اشراق انوار الامر الالهي واقدامات مركز العهد السماوى في تعمير وترميم البيت الاعظم في مدينة الله. اغتنموا فرصة صعود مركز العهد والميثاق وبكل شدة تطاولوا على ذلك المكان المقدس واستولوا عليه.

تواطأ معهم أولياء الأمور وأثاروا فتنة وزوبعة وعملوا على استحكام التعديات والتجاوزات، اذا ظهر ما اخبر به القلم الاعلى في السنة الاولى في ارض السر قوله المبارك المنيع: “ثم اعلم بان ليس هذا اول وهن نزل على بيتى وقد نزل من قبل بما اكتسبت ايدي الظالمين وسينزل عليه من الذل ما تجرى به الدموع عن كل بصر بصير. كذلك ألقينا إليك بما هو المستور في حجب الغيب وما اطلع عليه أحد الا الله العزيز الحميد. ثم تمضي أيام يرفعه الله بالحق ويجعله علما في الملك بحيث يطوف حوله ملأ العارفين.”

هذه الأزمة الشديدة والمحنة الكبيرة بعد أفول كوكب الميثاق وهذه الهجمات المتتابعه وقيام الاعداء من الداخل والخارج وهذه الاعتداءات والتجاوزات من قِبَل الاعداء الدينيين والسياسيين وأيضاً دسائس ووساوس الخصوم القدامى والجدد أدت إلى اشتهار أمر الله واستحكام بنيانه الرصين والرزين وتوهّج شعلته وارتفاع صيته طبقا لمفاد الآية المباركه: “قل ان الاعراض من كل معرض مناد لهذا الامر وبه انتشر امر الله وظهوره بين العالمين.” وبشهادة قلم الميثاق فان الاختراق أدى الى الإلتئام والمنع أدى إلى التشجيع. قام أهل الوفاء المستظلين في ظل عناية حضرة
عبد البهاء كثلة واحدة، قيام العاشقين وتحصنوا في حصن ألواح الوصايا المتينة ومتوكلين على الله شرعوا بتأسيس النظام البديع وانشغلوا بايفاء وظائفهم المقدسة. لم يمض طويلا حتى نزلت التأييدات الالهية بشدة وبعثت القوة القدسية من جديد وظهر ولاح الوعد الإلهي الصريح “ونراكم من افقي الابهى وننصر من قام على نصرة أمري بجنود من الملأ الاعلى وقبيل من الملائكة المقربين”.

مرة اخرى خُذلَ الأعداء الألداء وُهزموا وانتصر الأمر الالهي وغَلب. فقد قام الحاكم الانجليزى بعد تحقيقات رسميه كاملة بتسليم مفتاح ذلك المقام المقدس الى حارسه في جوار نفس ذلك المرقد المنور وأضحت مفتريات ووساوس الجهلاء والبلهاء واضحة وثابتة لولاة الأمور. انتهت مجهودات ومساعي الخائنين والمغرضين والمستكبرين وطالبي الرئاسة بل كانت نتيجتها معكوسة. فقد اشتهرت قضية البيت الأعظم لجمال القدم وانتقلت من المحكمة الشرعية الجعفرية إلى المحاكم الأهليه ومن ثم إلى المحكمة العليا في ذلك البلد. وأخيرا طرح الموضوع على عصبة الأمم ونوقش بين مندوبي الدول المختلفه وبحضور وزراء وسفراء ووكلاء الدول الشرقيه والغربيه. وفي النهاية وبعد تحقيقات شاملة تبين ظلم وتعدي الشيعة على البيت المبارك وقبل تظلم البهائيين وأصدرت عصبة الأمم قرارا رسميا هاما وصريحا حول هذا الموضوع ونشر هذا القرار في الصحف الرسمية والجرائد المتنوعة في شرق العالم وغربه. كما طلبت باقي الدول من حكومة بريطانيا ضرورة الاتصال بالحكومة العراقيه من أجل المحافظة على حقوق البهائيين المسلوبه ودفع شر الغاصبين. في هذه الاثناء وطبقا للتعليمات الإلهية ونصوص ألواح الوصايا المتقنة الصريحة تأسس النظم الأعظم وليد ميثاق جمال القدم بأحسن ما يمكن في الإبداع على يد حُمَاة أمر الله وبُنَاة قصر دين الله المشيد وبذلك شيّد قوائم ودعائم ديوان العدل الإلهي في شرق العالم وغربه.

إن القوة القدسية التي بشّر بها نقطة البيان في سنة الستين في مدينة شيراز الطيبة والتى تولدت في سنة التسع في الارض المقدسة في سجن طهران وظهرت تصرفاتها الاولية في مدينة الله، وفي سنة الثمانين ومن ارض السر سرت ونفذت بكل قدره في حقائق الكائنات، وأثناء دورة مركز الميثاق ومن السجن الاعظم انتقلت إلى العالم الغربي وحركت الاقاليم الغربيه، هذه القوة السارية الدافعة النافذه، وبعد أفول كوكب الميثاق، حلّت وتجسّمت في المشروعات والمؤسسات البهية لاتباع أمر رب العالمين. جاءت في كتاب البيان الذي نزل في سجن آذربيجان في بداية دعوة حضرة الباب هذه البشارة العظمى من مبشرّ جمال الكبرياء قوله الأحلى: “طوبى لمن ينظر إلى نظم بهاء الله ويشكر ربّه فإنه يظهر ولا مرد له من عند الله في البيان إلى أن يرفع الله ما يشاء وينزل ما يريد إنه قوي قدير” ثم أشار المشرّع القدير في الكتاب الأقدس إلى هذا النظام الجديد بقوله عز بهائه: “قد اضطرب النظم من هذا النظم الأعظم واختلف الترتيب بهذا البديع الذي ما شهدت عين الابداع شبهه. اغتمسوا في بحر بياني لعل تطّلعون بما فيه من لئالي الحكمة والاسرار”.

هذا النظام البديع لم تر شبهه عيون أهل العالم ولم يماثله شيء في أي من الادوار السابقه للأديان العتيقه. وقد بشر به حضرة الباب بكل صراحة وربطه باسم موعود البيان وأنزل أصوله وأحكامه جمال الأبهى في الكتابِ الأقدس المقدس المرجع لسكان العالم، وشرح كيفية تأسيسه طلعة الميثاق في كتاب الوصايا. قام الجالسون على فلك البهاء والمتمسكون بالعروة الوثقى والثابتون على العهد الأوفى والمشيدون لهذا النظام الاعز الاعلى بوضع أساسه ورفع قوائمه وقواعده بكل اتحاد واتفاق في الشرق والغرب. تأسست المحافل الروحانيه التي هي اساس النظام البديع متتابعة في المدن والقرى في الاقاليم المتعدده.كما انعقدت اللجان الامرية التي تعد بمثابة ايادي وأجنحة المحافل وتأسست الصناديق الخيريه التي تدار تحت اشراف منتخبي جمهور المؤمنين والمؤمنات. ذكر هذا الامر الاكيد في الكتاب الاقدس من قلم المشرّع القدير قوله عز اجلاله: “قد كتب الله على كل مدينة ان يجعلوا فيها بيت العدل ويجتمع فيه النفوس على عدد البهاء وإن ازداد لا بأس ويُرون كأنهم يدخلون محضر الله العلي الاعلى ويرون من لا يُرى وينبغى لهم ان يكونوا امناء الرحمن بين الامكان ووكلاء الله لمن على الارض كلها ويشاوروا في مصالح العباد لوجه الله كما يشاورون في امورهم ويختاروا ما هو المختار كذلك حكم ربكم العزيز الغفار”. في ألواح مركز الميثاق جاءت هذه الكلمات الدّرّيات حول المحافل الروحانيه: “فهذه المحافل الروحانيه مؤيده بروح الله وحاميها عبد البهاء وينشر جناحه عليها فهل من موهبة اعظم من هذا. وهذه المحافل الروحانيه سُرج نورانيه وحدائق ملكوتيه ينتشر فيها نفحات القدس على الافاق ويشرق منها انوار العرفان على الامكان ويسرى منها روح الحياة على كل الجهات”.

بعد وضع اساس هذا النظام البديع تاسست المحافل الروحانيه المركزية بواسطة وكلاء المؤمنين والمؤمنات في الاقاليم المختلفة وستعرف هذه المحافل المركزية فيما بعد ببيوت العدل الخصوصية وعليه فقد ارتفعت اركان وأعمدة هذا القصر المشيد الإلهي. كما تأسست اللجان المركزية الواحده تلو الأخرى ثم المؤتمرات المركزية للوكلاء والصناديق الخيريه المركزية وكتب دستور الجامعة البهائيه واللائحة الأساسيه بكل دقة وإتقان ثم ترجم الى لغات مختلفه ونشر. كما انتظمت المؤسسات الامرية وازداد ارتباط المراكز البهائيه مع بعضها البعض وتعززت وحدة الجامعة. قام الاحباء بالاتصال مع اولياء الامور وعملوا على تسجيل المحافل الروحانيه المقدسة وحصلوا على شهادات رسميه صادرة من الجهات الحكوميه. تم تسجيل المحافل الروحانيه المركزية لأمريكا والهند ومصر وأستراليا وانجلترا بصفة رسمية وايضا تسجيل عدد من المحافل الروحانيه المحليه في الهند والمانيا وبورما وكندا وقارة استراليا وجزر المحيط الأعظم وأربعين محفل من المحافل الروحانية المحلية في قارة امريكا طبقا للقوانين السارية. اخذت هذه المحافل صفة رسمية لها وشرعية واعتبرها المسؤولون من المؤسسات الشرعيه. ولم يمض طويلا حتى تاسست الاوقاف البهائيه بكل قوة وسجلت الاماكن المتبركه والاراضي الواسعة والمعابد وحظائر القدس باسم هذه المحافل المركزية والمحليه في ادارات التسجيل العقاري بهذه الدول بشكل رسمي.

في ارض الاقدس قلب العالم وقبلة الامم ظهرت تدريجيا نتائج وثمرات المشروع الرفيع والفخيم الذي أسسه جمال القدم بنفسه الاعز الاكرم في تلك الارض بعد خروجه من السجن الاعظم. حيث تم شراء الارض وبني المقام الاسنى واستقر عرش النقطة الاولى واشتريت ايضا الاراضي المجاورة لذلك المقام المحمود في قلب جبل الكرمل بهمة وسخاء الاحباء وضمت الى اراضي الوقف السابقه وبلغت قيمة كافة الاوقاف البهائيه على ذلك الجبل المقدس نصف مليون جنيه. كما تأسس فرع لكل من المحفل الروحاني المركزى لامريكا والهند طبقا لقوانين دولة فلسطين وتم تسجيل جزء من هذه الاراضي الجديده بإسم فرع المحفل الروحاني المركزي للبهائيين في امريكا رغما لأنف الناقض الاكبر وابنه(79) بعد اتمام ثلاثين معاملة قانونيه في ادارة التسجيل العقاري. ولم يمض طويلا حتى اعفيت جميع هذه الاراضي الشاسعة من الرسوم الحكوميه واعتبرت ضمن الاوقاف العالميه للجامعة البهائيه. استكمل بناء حجرات ذلك الضريح المقدس طبقا للارادة النافذه لباني ذلك المرقد المنور وامتدت طبقات ذلك المقام الاطهر.

تأسست دار الاثار العالميه البهائيه وجمعت الاثار النفيسه والقيّمة في ثلاث غرف متصلة بذلك الرمس المطهّر واصبحت حدائق المقام الاعلى محلا لزيارة الجميع من كافة الطبقات والطوائف مما ازداد معه عظمة وشهرة ذلك المقام الرفيع. تأسست اوقاف جديده في مرج عكا وجنوب فلسطين وفي ما وراء نهر الاردن وتم تخلية قصر جمال القدم من الناقضين الناكثين رغما لانفهم بعد اربعين سنه من سكنهم في ذلك القصر الرفيع وتم تعميره واضاءته وأعفي من دفع الضرائب واعتبر من الاوقاف العالميه للجامعة البهائيه واصبح مزارا للجميع من الاحباء وغيرهم. اشتُريت الاماكن المتبركه في ولايات وعاصمة دولة ايران المقدسة وأيضاً اشتُريت اراض شاسعة خارج عاصمة ذلك القطر وعلى سفح جبل البُرز بمساحة تجاوز ثلاثة ملايين متر مربع وفي منطقة تطل على تلك الارض المقدسة من اجل بناء أول مشرق أذكار للبهائيين في إيران واعتُبِرت هذه الارض ضمن الاوقاف المركزية للبهائيين في ايران. تأسست حظائر قدس مركزية وهي المراكز الادارية لمندوبي الجامعة البهائيه في كل من مدينة الله وارض الطاء وفي جوار ام معابد الغرب وعاصمة الهند ومصر بالاضافة الى تأسيس اول مركز لامر الله في قارة استراليا. اقيمت مدارس صيفيه ومعاهد مختلفه بغرض ترويج مصالح اماء الرحمن والشباب والاطفال كما أنشيء مكتب عالمي بهائي في قلب قارة أوروبا وفي مركز هيئة الامم.

استنسخت الالواح الاصليه طبقا لتعليمات المحافل الروحانيه في الدول الشرقيه وتعاونت المحافل جديدة التأسيس مع المنظمات العامة التي تروج المصالح الاجتماعية والامور الخيرية وفتحت ابوب المخابرة والمراسلة من اجل تبليغ امر الله وإحقاق حقوق المظلومين. كما قدمت هذه المحافل كتبا قيّمة وصحفا إلهيه الى الملوك والامراء والوزراء والعلماء والادباء وبذلت جهدا كبيرا في اثبات شمولية وعمومية الامر الالهي بكل شجاعة ومتانة ومن دون ستر وخفاء.

في تلك الاثناء، جاءت ضربة قوية الى الجامعة القوية لأتباع جمال الرحمن وهاجم الاعداء السياسيون والدينيون بشكل غير متوقع وعنيف مقدسات ومؤسسات الامر البهائي. ان تأسيس النظام الجديد وارتفاع قواعد القصر المشيد ونصب أعمدته أوجد مناوئين جدد وحرك عرق التعصب لدى الأعداء القدامى.

ففي إقليم مصر مركز العالمَين العربي والاسلامي رُفع الحجاب الاعظم وكُشفت الحقائق المكنونه المستوره بعد ثمانين سنة من الستر خلف حجاب الحكمة. نتيجة لظهور هذه المؤسسات الجديدة للبهائيين في الديار المصرية، اصدرت المحكمة الشرعية الاسلاميه حكما قاطعا حول انفصال البهائيين رسميا عن الاسلام واخراجهم من الجامعة الاسلاميه، وفسخ عقد زواج البهائي من المسلم والتفريق بين الزوج وزوجته وأن البهائي مرتدّ وكافر وملحد. كما أقرت المحكمة باستقلالية الامر الاعظم الالهي وتبيّن اصالة الدين المبين بدلائل متقنه وآيات من الكتاب الاقدس وألواح مهمة أخرى صادرة من القلم الاعلى ويراعة الميثاق. صادق مفتي الديار المصرية وقاضي القضاة في مدينة القاهرة على هذا الحكم الشديد والصريح ونشر في الجرائد والمجلات المصرية وفي صحف الدول المجاورة وبالتالي خطى الاعداء الدينيون لأمر جمال القدم خطوة نحو استقلال هذا الدين الأعز الأقدس الأبهى. وفي هذا الحكم جاءت هذه العبارات الصريحة “إن البهائية دين جديد قائم بذاته له عقائد وأصول واحكام خاصة به تغاير وتناقض عقائد وأصول واحكام الدين الاسلامي تناقضا تاما. فلا يقال للبهائي مسلم ولا العكس كما لا يقال لبوذي او برهمي او مسيحى مثلا مسلم ولا العكس للتناقض فيما ذكر” ولكي لا يراجع البهائيون المحاكم الشرعية الاسلامية ولكي يوجدوا مشاكل لمندوبي الجامعة واعضاء المحافل الروحانيه جاء هذا الشرط والقيد في آخر ذلك الحكم: “ومن تاب وآمن منهم وصدق بكل ما جاء به سيدنا محمد رسول الله… وعاد الى الدين الاسلامي الكريم عودة صحيحة في نظر الاسلام والمسلمين حقا لا في نظر الادعياء المبطلين… وسلم بأن سيدنا محمد… هو خاتم النبيين والمرسلين لا دين بعد دينه ولا شرع ينسخ شرعه وأن القرآن هو آخر كتب الله ووحيه لانبيائه ورسله… قبل منه ذلك وجاز تجديد عقد زواجه ومن يتبع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين”.

بعد هذا الانفصال ونتيجة للضوضاء والغوغاء وهجوم الاشرار والمتعصبين في ذلك الاقليم ومنع دفن اموات الاحباء في مقابر المسلمين طلبت وزارة العدل من مفتي الديار المصرية اصدار فتوى بهذا الخصوص وقد نشرت الفتوى في الصحف والمجلات. جاءت في هذه الفتوى الخطيره التي تكمل حكم المحكمة الشرعية هذه العبارات: “ان هذه الطائفه ليست من المسلمين… ومن كان منهم في الاصل مسلما اصبح باعتقاده لمزاعم هذه الطائفه مرتدّا عن دين الاسلام وخارجا عنه تُجرى عليه احكام المرتدّ المقرره في الدين الاسلامي القويم واذا كانت هذه الطائفه ليست من المسلمين لا يجوز شرعا دفن موتاهم في مقابر المسلمين سواء منهم من كان في الاصل مسلما ومن لم يكن كذلك” هذا الحكم الشديد من علماء الدين واخراجهم بكل صراحة من جامعة المسلمين ونشوب المشاكل العظيمة ووقوع الامتحانات الشديده للمؤمنين والمؤمنات في ذلك الصقع والاقاليم الاخرى في الدول الاسلامية تزامن كل ذلك مع هجوم آخر من السياسيين والحكام.

في ذلك الحين ازدادت محن وبلايا أتباع جمال الأبهى الذين يتصفون بالشجاعة والبسالة في كل من تركستان وقفقازيا وأدى الى توقيف مندوبي الجامعة البهائية والتحقيق معهم وانتهى بإلغاء المحافل الروحانيه واللجان الامريه والمعاهد الدينيه ومنع الاتصال مع المراكز الخارجيه ومصادرة الكتب والاوراق والالواح الالهيه ومنع التبليغ وإلغاء الدستور البهائي وقفل المدارس والحجز على مشرق الاذكار واستملاكه ثم حبس وتعذيب ونفي غالبية المؤمنين والمؤمنات في تلك الديار.

اثناء هذه الحوادث الجسيمة والوقائع الخطيره سطعت اشعة التأييد مرة اخرى ونزلت فيالق التوفيق على حاملي الأمانة الالهية ورسل حضرة رب البرية وتحقق ما جاء في الاية الشريفه “قد جعل الله البلاء غادية لهذه الدسكرة الخضراء وذبالة لمصباحه الذي به اشرقت الارض والسماء” ان ما قام به الامراء والحكام والوزراء ثم صدور حكم انفصال الامر المبارك واتهام الاحباء بالكفر والالحاد من جانب رجال الدين وهجوم وتجاوز الرؤساء والحكام الاقوياء ادى الى إحراز نصر جديد وفتح مبين. فالاعلان عن انفصال الامر المبارك والمشاكل المختلفة التي وجدت ووقوع الامتحانات العظيمة والمضايقات الشديده لأتباع الاسم الاعظم لم يؤدِّ كل ذلك الى حرمانهم من اداء وظائفهم المقدسه. كما ان عربدة وعويل الجهلة لم يؤدِّ الى فتور واضطراب واختلال أتباع الاسم الاعظم.

أما جند الهدى، حماة الامر الالهي، وعلى الاخص ممثلو الجامعة البهائيه فقد اغتنموا الفرصة ورفعوا العلم المبين عاليا على رؤوس الاشهاد واعلنوا في أعلى المقامات استقلال الشريعة السمحاء وشدّوا من ازرهم. وبكل صراحة وشجاعة ومتانة اعلنوا الحقائق المستورة وكشفوا الاسرار المخزونة وعملوا على تنفيذ الاحكام الالهية من دون تقية أو كتمان. كما فتحوا باب المراسلة والاتصال رسميا مع ولاة الامور في الاقاليم المختلفه وبذلوا جهدهم في احقاق حقوق المظلومين والرد على المفترين والمبطلين والدفاع عن شريعة رب العالمين والكشف عن أصول الأمر العظيم وإقامة الحدود والأحكام وتعظيم شعائر ومناقب الدين المبين وترتيب وتدوين أحكام الكتاب الأقدس وترجمة أجزاء هامة منه إلى لغات مختلفة ثم طبعه ونشره وتقديمه إلى ولاة الأمور. اعلن الاحباء انفصالهم رسميا عن الدوائر الشرعيه والكنائس ومعابد الاديان العتيقة ولم يقبلوا الوظائف الشخصية في المعاهد والمؤسست الدينية المسيحيه واليهودية والاسلامية والهندوسية والبوذية والزردشتيه بل اعلنوا كل ذلك من دون ترديد او مداهنه الى شرق العالم وغربه.

إن التهديد والتوقيف والحبس والنفي والتحقير والإهانة ومصادرة الأوراق وحرق الكتب وتعطيل الدوائر وقفل المدارس لم يسبب أي خلل أو فتور في إرادة واستقامة مندوبي الجامعة البهائية ولم يوجد انحرافا لثلة المجاهدين عن الصراط المستقيم والمنهج القويم. لقد وضع ميزان العدل الالهي وتم تعميم وتنفيذ احكام الكتاب الاقدس الخاصة بالصوم والصلاة والزواج والطلاق والميراث وتجهيز وكفن ودفن الميت والبعد عن المشروبات الكحوليه والمحرمات الاخرى. وفي الدول الشرقية والغربية تم الاعلان عن العطل الامرية للمؤسسات البهائيه في الايام المتبركه المحرمه وتحقق القبول الرسمي لدين مولى البرية. كما تم تنفيذ قرار الانفصال الإداري للمتمردين والمنحرفين من الجامعة البهائية وحرموا من حق الانتخاب وعضوية المحافل الروحانيه في اقليم ايران المقدس والدول الاخرى.

في الاراضي المقدسة نفذت الشعائر الامرية دون ستر وحجاب ووافق ولاة الامور على تسجيل عقد الزواج البهائي في الدوائر الحكومية واعفيت المقامات المقدسه وتوابعها من الرسوم الحكوميه. كما اصدر المسؤلون في مصر اجازة رسمية لتأسيس مقابر بهائيه بعد مناقشات طويلة ومفاوضات رسمية وتم تعيين وتخصيص الارض من طرف الحكومة المصرية وسلمت الى امناء المحفل المركزي لذلك الاقليم. وفي خمس ولايات من الولايات المتحدة الامريكيه استطاعت المحافل الروحانيه ان تحصل على تصريح رسمي وكتبي من اجل اجراء عقد الزواج البهائي وعدم مراجعة المحاكم المدنيه والدوائر الدينية وتسجيل هذا العقد في الدوائر الحكومية. كما اجازت وزارة الدفاع ورؤساء اركان الجيش الامريكي للمحفل المركزي لذلك القطر ان يضع شعار الاسم الاعظم على قبور البهائيين في المقابر الحكومية من أجل تمييزها عن باقي قبور المسيحيين واليهود. رويدا رويدا اصبحت الشريعة الغراء والطريقه السمحاء البيضاء شهيرة الافاق وظهر السر المصون والكنز المخزون ولاح سلوك اهل البهاء للمدعين والحكام رغما لكل أفّاك أثيم.

تزامن اعلان انفصال شريعة حضرة بهاء الله مع ايمان الملكة الخيّره ذات الخصال الحميدة الى الامر المبارك مما زاد معه شهرة الامر الالهي. لقد انجذب القلب الصافي لتلك الملكة الميمونة حفيدة ملكة بريطانيا وامبراطور الروس اللذين ارسل لهما جمال القدم عندما وصل السجن الاعظم توقيعا كريما وفخيما، انجذب قلبها الى التعاليم السماوية نتيجة لمطالعتها الكتب الامرية والتحدث والتباحث مع تلك النفس المنقطعه الزكيه وقبسة نار محبة الله حيث اشرقت اثارها البهيه في العالم وانتشرت على بسيط الغبراء. ولم يمض طويلا حتى قامت هذه الملكه وبمبادرة من نفسها على نشر الامر المبارك في جرائد وصحف الاقاليم الشرقيه والغربية على الرغم من نفوذ رجال الكنيسه وارتباطهم بالبطرك الاعظم في عاصمة بلدها. فقد قامت بالحديث باسلوب بديع وبيان فصيح وشجاعة لا نظير لها عن المقام الشامخ لجمال القدم ورسالة الرسول الاكرم وعلو وسمو الامر المبارك. كما ارسلت مكاتيب متعدده الى اصدقائها واحبائها وإلى أمها الروحانية تعبّر فيها عن اعجابها بالتعاليم الالهية وطلبت كتبا أمرية من لندن وانشغلت خلال سنين عديده بمطالعتها والتفحص في تلك الاثار النفيسه وحصلت على قدر وافر من ماء الحياة. ثم شدّت الرحال مع ابنتها لزيارة وطواف المقامات المقدسة وأعلنت ذلك في جرائد وصحف الشرق والغرب. وصلت مدينة حيفا المباركه ولكنها مُنِعت من تحقيق مقصدها ومرامها نتيجة لنفوذ السياسيين وقد عبرت في رسالة عن استيائها واسفها لذلك. وفي رسالة كتبتها هذه الملكه الاديبه الفاضله جاءت هذه العبارات الراقيه: “احدثت رسالة حضرة بهاء الله وحضرة  عبد البهاء نورانية عظمى في وجودي. ان هذه البشارة… مثل البذره قد نبتت في قلبي. اما ابنتي الصغيره فانها تشعر بتقويه روحها وراحة نفسها من تعاليم هذين الشخصين العزيزين العظيمين. انني ومعى ابنتي نعمل على نقل هذه الرسالة الى كل وضيع وشريف وكلما ابلغنا شخصا الرسالة فان الانوار تسطع من وجهه بكل ضياء…… بعض الزملاء يتعجبون مني ولايوافقون على شجاعتي في اعلاء هذه الكلمات لانها ليست من عادة الملوك في العالم ولكن روحي قد تحركت بطريقه لا استطيع بها مقاومة نفسي من هذا الاقدام” في اعلانها الاول لأهل العالم تحدثت هذه الملكة السعيده بهذه النصيحة العظيمة: “كلما وصل الى سمعكم اسم حضرة بهاء الله او عبد البهاء لا تغفلوا عن التمعن في اثارهما بل تعمقوا في اثارهما وكتبهما واجعلوا كلماتهما وتعاليمهما الجاذبة للسلام والمحبة تتمكن في اعماق قلوبكم مثلما هي راسخة في قلبي” وفي بياناتها الاخرى جاءت هذه الشهادة الكبرى: “ان الدين البهائي ينادي بالصلح والسلام ويروّج حسن التفاهم بين الانام… رسالته هي تصديق للاديان السماوية، ومبادئه توافق المعتقدات السابقه. انه لا يسد أي باب بل يفتح كل السبل. وفي الوقت الذي يحزن فيه قلبي من الخلافات والنزاعات المتماديه للمذاهب المتعدده وروحي تعبة ومجروحه من الحمية الجاهليه لاتباع هؤلاء المذاهب فانني اتوجه الى التعاليم البهائيه حيث تلوح في هذه التعاليم الروح الحقيقية للسيد المسيح الذي لم يعرفه ولم يدركه العديد من الناس… من اجل هداية النفوس الباحثه عن النور فإن التعاليم البهائية مثل النجم الدرّي الذي يرشد للمعرفة الكاملة والاطمئنان والسلام وخير الانسان… ان الدين البهائي يطمئن الروح ويعطي الامل للقلب وان كلمات الآب السّماوي هي، بالقياس الى الباحثين عن الطمأنينه، كالنبع في الصحراء القاحلة من بعد هيمان طويل.”

هذا الإقرار والإعتراف باستقلالية الامر الالهي ثم انفصال الشريعة السماوية وايمان جلالة الملكه بالامر الالهي وصدور البيانات التاريخية في وصف وتمجيد الجمال المبارك ودعوة جلالتها لاهل العالم، تصادف كل ذلك، مع قيام الخدام العشاق لجمال الرحمن على الخدمه والعطاء في السنوات الاخيره من القرن الاول البهائي. فقد قام فرسان المضمار الالهي وعلى الاخص احباء امريكا وبعد انتظام امورهم الامريه وتأسيس واستقرار النظام البديع، قاموا بالخوض في ميدان التبليغ لدرجة ان امر الله قد احاط العالم بعد سنوات معدودة واصبح صيته عاليا. أما الدين الاعظم لحضرة بهاء الله الذي كان منتشرا في بدايته في اقليمي ايران والعراق في زمن جمال القدم وصل الى عشرة أقاليم من الاقاليم الشرقيه وفي دورة مركز العهد والميثاق رفرف علمه في عشرين دولة من الدول الشرقيه والغربيه، والان ونتيجة لهمة وسعي عشاق الاسم الاعظم والثابتين على عهده الاقوم وقبل نهاية القرن الاول الافخم ذاع صيته في ست وخمسين دولة من الدول المستقله في الشرق والغرب وفي اثنين وعشرين إقليما من الاقاليم التابعه في قارات امريكا واسيا وافريقيا. كما احتضن الامر المبارك نفوسا متعددة من اصول عربيه وايرانيه وتركيه وهندية وزنجيه وبورميه وصينيه ويابانيه وكردية وارمنية وانجليزية والمانيه وفرنسية وايطاليه وروسيه ومجرية وصربيه وبلغارية وسويدية ونرويجية وارنوطيه(80) وهولندية وايرلندية وفنلندية واسبانيه وبولندية وماورية(81) ومن الاسكيمو أيضاً، حيث دخلوا جميعا في ظل خيمة الامر الالهي واستفاضوا من شريعته المقدسة. وُزّعت النشرات الامرية بسرعة تامه في جميع مناطق العالم وقُدّمت الكتب والصحف الثمينة الى الملوك والامراء والادباء والعلماء والوزراء والسفراء ووضعت في المكتبات الخاصة والعامه في الدول المختلفه. وقد ازداد معه تأليف وطبع الكتب وتوزيع الرسائل وترجمة الاثار لدرجة ان في الولايات المتحده الامريكيه تم بيع واهداء تسعة عشر الف كتاب خلال أحد عشر شهرا وتوزيع مائه الف كتيب. كما تم ترجمة وطبع الكلمات المكنونه الى ثمان لغات، وكتاب الايقان الى سبع لغات، وكتاب المفاوضات الى ست لغات، وكتاب بهاء الله والعصر الجديد الى سبع وثلاثين لغة، وهذا الكتاب الاخير أعيد طبعه تسع مرات بلغته الاصليه ووزعت سبع وثلاثون ألف نسخة في شرق العالم وغربه.

وفي الولايات المتحدة الامريكيه قدم الاحباء ألف نسخة من الكتب الامريه الى المكتبات العامه وهيّؤوا الطرق والوسائل اللازمة للاستفادة من الالواح والكلمات الإلهيه للدارسين والدارسات في مؤسسات دار الفنون الهامّه وللمصابين بالعمى والمساجين. كما ارتفع في امريكا ام معابد الغرب رمز المدنية الإلهيه الذي قال عنه حضرة عبد البهاء بان ألوفا من مشارق الاذكار ستولد منه على الرغم من الازمة الاقتصادية التي احاطت ذلك الاقليم. وعقد اول اجتماع في هذا المعبد العظيم بعد تسعة عشر عاما من وضع حجر اساسه بيد مركز عهد مالك الانام واجريت تزيينات خارجيه له اثناء حرب السنة الواحده وانتهت قبل ميعادها.

وفي الاراضي المقدسة تم نقل الرمسين الاطهرين لغصن الله الاطهر والمخدره الكبرى والدة حضرة عبد البهاء(82) الورقة المقدسة العليا من جوار المقبره الاسلاميه الى جوار المقام الاعلى والحديقه الزاهره قرب ضريح سيدة اهل البهاء(83). وبناء عليه، اتخذت الخطوة الاولى نحو تأسيس المركز العالمي الاداري لاتباع الامر الاقدس مطابقا لما نُزّل في لوح الكرمل من القلم الاعلى. تحققت المرحلة الاولى من الواح الخطة الالهية التي نزلت بافتخار احباء امريكا ايام الحرب العالميه الاولى وتكللت خطة السبع سنوات(84) لاحبائنا المجاهدين في سبيل الله في ذلك القطر الكريم باكليل الفتح المبين. تأسست المحافل الروحانيه بكل دقة وانتظام في كافة الولايات المتحده الامريكيه وولايات اقليم كندا التي قال عنها حضرة عبد البهاء بأن لها مستقبلا عظيما واحداثًا جليلة.

بلغ عدد المراكز الامرية في المدن والقرى في ذينك القطرين الجليلين اللذين يقطن فيهما الاحباء اكثر من الف وثلاثمائه مركز. ارتفع علم الهداية الكبرى في كل جمهورية من جمهوريات امريكا الوسطى والجنوبيه وتأسست المحافل الروحانية في عواصم إحدى عشرة جمهورية من هذه الجمهوريات. في المكسيك التي عرف عن اهلها بالتعصب الديني والغرق في بحر التقليد استطاع مؤسسو النظام العالمي الجديد تأسيس ثلاثة محافل روحانيه وشراء حظيرة قدس مركزية وتسجيل المحفل الروحاني في عاصمة الدولة. انتشرت نفحات القدس في جمهورية بَنَما الواقعه بين محيطين كبيرين والتي قال عنها حضرة عبد البهاء بأن لها اهمية كبرى في المستقبل وان تحققت أي من التعاليم البهائيه هناك فإن الشرق والغرب والجنوب والشمال سيرتبطون مع بعضهم البعض. كما تأسس محفل روحاني في مدينة بهيه (aihaB) الواقعه على ساحل البرازيل التي قال عنها مركز الميثاق بان اسمها قد اطلق عليها بالهام من روح القدس في القرون الماضية. أضاء أحباء امريكا السراج الالهي في جمهوريتين للزنوج واقعتين في المحيط الاطلسي وهما مذكورتان في ألواح الخطه الالهيه واوصلوا نداء ملكوت الله الى مسامع ابناء الاسكيمو في الشمال المذكورين في تلك الالواح. كما اشعلوا شمع الهداية الكبرى في اقليم ألاسكا الواقع في اقصى شمال امريكا المشار اليه في نفس تلك الالواح المباركه وتنعّم هنود امريكا الحمر سكانها الاصليون بنعمة الهداية العظمى وهم الذين شبههم قلم الميثاق بسكان جزيرة العرب القدامى. استيقظ الزنوج في امريكا واهتزوا شوقا وطربا ورفعوا النداء الالهي في مجامعهم ومدارسهم ومعاهدهم. أسس الاحباء مركزا خاصا لطبع الكتب في عاصمة الارجنتين وترجموا الاثار الالهيه وألفوا كتبا هامة.

وفي جزيرة ايسلندا الواقعة بين قارتي أوروبا وأمريكا بالقرب من خط قطب الشمال كان الاحباء مصدر حياة جديدة حيث اقدموا على طبع الكتب ونشر المقالات في الصحف والمجلات. كما استوطن الاحباء مدينة مجلانيس النائيه الواقعة في أقصى جنوب أمريكا الجنوبيه والتي تعتبر ابعد المدن الجنوبيه من خط الاستواء ومتوكلين على الله قاموا بتبشير دين الله.

والآن نحن بصدد اختتام القرن الأول الذهبي للعصر البهائي المصادف للاحتفال العظيم لجامعة أتباع الاسم الاعظم، ومن حسن التصادف تكون قد انقضت خمسون سنه بالتمام من تأسيس أول مركز لأمر الله في الدول الغربيه. قام الاحباء الجنود المجندون لجمال الابهى في تلك القارة الواسعة الارجاء بترتيب عقد أول مؤتمر عالمي مجلل للبهائيين مما تعتبر معه مسك ختام القرن الاول للعصر المشعشع الالهي. صدرت الدعوة من أمناء المحفل الروحاني المركزي للولايات المتحده لممثلي إحدى وعشرين جمهورية من الجمهوريات الشماليه والمركزية والجنوبية الامريكيه للاجتماع في ليلة ذكرى اعلان دعوة النقطة الاولى في اشرف نقطة في العالم الغربي تحت ظلّ القبة البيضاء لأول مشرق اذكار رفيع البنيان وجديد التأسيس لاحباء الغرب وبذلك يكون الشمال والجنوب قد تعانقا. وسيتباحث هؤلاء الممثلون في وضع اساس الحضارة الالهيه في تلك القارة المستعدة الجسيمه العظيمة وعليهم ان يتفقوا جميعا في هذه الليلة المباركه بان يقوموا كنفس واحدة على خدمة الامر الكريم على الرغم من بُعدِ المسافه واختلاف الاجناس والمشارب واللغات. وفي القرن الثاني من العصر الاعظم عليهم ان يعبروا باقي المراحل، وكما امرهم محبوبهم ومولاهم، يعلنوا الامر المبين، ويأسسوا الشرع القويم في بقية اقاليم العالم. طوبى لهم، بشرى لهم من هذا الفوز العظيم والشرف المبين.

في لوح من ألواح حضرة عبد البهاء جاء هذا الوعد الالهي والبشارة الكبرى قوله الاحلى: “يا أمة الله اني ادعو الله ان يبعث نفوسا مقدسة منزهة روحانية في الاقطار الغربية والاقاليم الشماليه حتى تكون تلك النفوس ايات الهدى ورايات الملأ الاعلى وملائكة الملكوت الابهى عند ذلك تجدين الغرب افق الشرق والانوار تتلألأ كالاقمار في تلك الاقطار هنالك تصبح الارض قطعة من رياض الملكوت وتفيض عليها السحاب من أعلى المقامات وتهتز تلك الارض وتربو وتنبت من رياحين الحكمة والبيان وازهار المعرفة والايقان. فاطمئني يا أمة الله ان هذا الفضل سيشرق انواره على الغرب ويبعث الله تلك النفوس بقوى روحانيه وتأييدات ملكوتيه وهمم عاليه ووجوه نورانية وقلوب رحمانية وارواح سبحانية وسنوحات وجدانية ان ربك لمقتدر قدير”.

يا مشاعل الحبّ والوداد

ما ذكر كان بعضا من الانقلابات الهائله والانتصارات الباهرة التي وقعت خلال هذا القرن الابدع الافخم الاسنى الذي وصفه مركز الميثاق بانه سلطان القرون، وما وقع كان خروجا من خلف حجاب القضاء منذ ظهور الطلعة الاعلى الى يومنا هذا بالتدريج. ان وقوع هذه الحوادث الخطيره وحدوث هذه التطورات العجيبة خلال مائه عام كلها تثبت وتبرهن على صحة ما جاء في هذا البيان الاكمل الاتم الاحلى الصادر من مخزن القلم الابهى قوله عز اعزازه وتبارك بيانه: “إنّا لم نَزَلْ ارفعنا سدرات الامر بماء الاعراض والدم ان انتم من العالمين” وقال ايضا “قل تالله ترتفع هذه السدرة بماء اعراضكم ولكن انتم لا تشعرون في انفسكم وتكونن من الغافلين” وايضا “بالبلاء علا أمره وسنا ذكره” وفي مقام اخر جاءت هذه الاية المباركه “لو يسترون النور في البر انه يظهر من قطب البحر ويقول إني مُحيِ العالمين”.

ان التاريخ المحير لهذا القرن العظيم قد اثبت للجميع وفي كل الاقطار بأن هبوب العواصف الشديدة كانت سببا في تقوية جذور الشجرة الالهية وإن الامتحانات والافتتانات قد عززت من استحكام أساس بنيان الأمر السماوي. إن قميص الذله قد تبدّل الى قميص العزة وأصبح البأساء والضراء دهنا لمصباح الامر الالهي. كما إن التشدد والتعرض سببا الرسوخ والثبوت وإن الزجر والمنع أدّيا الى التوجه والإقبال والاشتهار. وما كانت نتيجة الظلم والقهر والهزيمة إلا سطوع انوار الغلبه والسطوة للأمر العزيز الالهي. ان الازمات والثورات بمرور الايام كانت سببا لتطهير وتقوية بُنية امر حضرة بهاء الله. أما نعاق الناعقين وعربدة المفسدين وضوضاء المعترضين فقد كان كل ذلك مساعدا على ارتفاع الرَّنه الملكوتيه وان خرق الاحجاب وهتك الأستار كان سببا في ظهور الحقائق والاسرار المودعة في كينونة امر الغني المتعال. ولهذا نزلت هذه الكلمات من القلم الاعلى: “بظلمهم رفعنا الأمر وانتشر ذكر اسم ربك في البلاد. بمنعهم ظهر الاقبال وبظلمهم طلع نيرّ العدل تفكروا لتعرفوا يا اولي الالباب” كما قال ايضا: “مرة بايادي الظالمين يرفع أمره وأخرى بايادي اوليائه الذين يرون الغافلون ككف تراب وينطقون بما نطق القلم الاعلى في الافق الابهى”.

والان وما تبقى من هذه الرسالة سنلقي الضوء على العاقبة المخزية للثّلة الضّاله من المشركين والمعرضين والمخادعين والخائنين والمنافقين والمغلين والمفسدين والمستكبرين الذين كانوا سببا لهذه الانقلابات الهائله خلال مائة سنة، وقاموا بتأجيج هذه الفتن والدسائس الشديده وتسببوا بهذه الامتحانات المظلمة ونزول البلايا والرزايا العظيمة. وعن الظالمين جاءت هذه الكلمات من يراع القلم الاعلى: “مثلما يعتبر هذا الظهور ومظاهر اثباته من اعظم الظهورات فان حروفات نفيه تعتبر ايضا اعظم من جميع الازمنه السابقة واللاحقة والاعراض عنه شديد وراسخ كذلك قدرنا الامر في لوح حفيظ”. ان السلاطين المقتدرين في الشرق والغرب بعضهم تطاول على هذا الامر المبين إذ اصدروا حكم الاسر والحبس على المشرّع الاعظم ومبشّره الفريد ومبيّن اثاره الكريم وقاموا على قلع وقمع الشجرة الالهية. اما البعض الاخر فلم يستجيبوا لنداء الله ولم يقبلوا الدعوة الالهيه بل انكروها واستكبروا عليها وتجاهلوا النصائح المشفقه والمواعظ الحكيمة للناصح الامين وامتنعوا عن نصرة مظهر نفس الله وابلاغ كلمة الله كما أمرهم القلم الاعلى. البعض الاخر لم يعتنِ او يهتم بالانذارات الصريحة والخطابات الشديدة الصادره في رسائل خاصه. لقد أخذ الله عزّهم مطابقا لما صدر من القلم الاعلى واحاطهم العذاب من كل الجهات وزعزع اركان سلطنتهم السخط والعدل الالهي في الشرق والغرب، فقتل وعزل البعض منهم والبعض الاخر أسر وهزم والآخرون تشتتوا ونكبوا.

اما الخلافة العظمى، العدو اللدود لجمال الابهى، التي قاومت الامر الالهي فقد سقطت وكما اخبر به النقطة الاولى في قيوم الاسماء فقد عذبوا بأشد العذاب وبأس النكال في القيامة الاخرى وابتلوا ببلاء ادهم مثل تلك النكبة العظمى والفادحة الكبرى التي نزلت على رؤس الكهنه وزعماء اليهود في القرن الاول الميلادي. علماء المسلمين الذين خاطبهم القلم الاعلى “بكم ناح الرسول وصاحت البتول وخربت الديار واخذت الظلمة كل الاقطار” والذين اشار اليهم الجمال المبارك بانهم نكسوا علم الاسلام وخذلوا الملة البيضاء وعملوا جاهدين على إهانة وتكفير وتدمير وتعذيب هذا الحزب المظلوم، تبدّل عزّهم كما اخبر به مركز الميثاق الى ذلة كبرى وتغيرت قوتهم وسطوتهم الى هزيمة عظمى وانقلبت نغمة واطوبى واطوبى الى صياح واويلا ووا أسفا. لقد احاطت الآفات والبليات ذلك القوم الظالم والجاهل من ستة اطراف وتزلزلت اركانهم ونكس علمهم وانتهى نفوذهم وغرب نجم سعادتهم.

أما الاعداء من الداخل فقد رفعوا علم الخلاف والنفاق إذ انحرف عن الصراط المستقيم بعض من آل الله والمنتسبين الى الشجرة المباركه والاغصان المنشعبة واوراق وافنان السدرة الالهيه والاصحاب الاوائل واقطاب الجامعة وكتّاب الكلمات الالهية وعملوا على توليد الفساد وايجاد الشقاق في جامعة اتباع الاسم الاعظم مثلما عمل الاعداء من الخارج. الجميع سقطوا من القمة الى قاع المذلة وابتلوا بالخسارة الابديه. قد طردهم الله واخرجهم من ملكوته واخذهم بقهره وجعلهم عبرة للناظرين. كما قام الامراء والوزراء والحكام والسفراء على اختلاف مراتبهم بالاعتداء والتطاول وتمسكوا بدسائس مختلفه ووسائل متنوعه وتواطئوا مع علماء الدين وهجموا على حزب الله هجوما عنيفا وكانت عاقبتهم مثل ملوك العالم الذين سقطوا من عرش العزة الى حضيض الذلة.

ان الشعب الايراني الذي قام على تنفيذ احكام ولاة الامور ورؤساء الدين بقساوة محيرة للعقول وشقاوة شديده، وارتكب ظلما واعتسافا، ذكره قلم الميثاق بأن حتى تاريخ القرون الاولى والعصور الوسطى لم يشهد له مثيلا، ولم يسمع عنه حتى عند وحوش وبرابرة افريقيا، هذا الشعب قد احاطه ما استحق جزاء اعماله. فخلال سنوات عديده متواليه زالت الراحة والبركه عن ذلك الشعب المتعصب الجاهل الظالم، واحاط كل وضيع وشريف شتى أنواع الآفات والقحط والوباء والبليات الاخرى، واخذت يد الله المنتقم القهار ألوفا الى دار البوار. أما العالم الانساني فقد تجاهل التعاليم الالهيه وغفل عنها ولم يستجب للنداء الالهي ولم يستمع الى النصائح الوديه والوصايا الثابته من القلم الاعلى ولم يعتنِ بالتحذيرات الصريحة المتتابعه الصادره من فم مركز الميثاق، ولهذا فقد تزلزلت اركان العالم وارتعدت فرائصه واضطرب نظمه واشتعلت نيران الحرب العالميه واخذ الحرب والنزاع العالم بأسره. نزل البلاء المفاجيء الذي اشار اليه جمال القدم وازداد الهرج والمرج واحترقت المدن وفاحت نفحات العذاب من كل الاشطار ونزل العقاب العظيم وتحقق ما ذكر من انتقام كبير اكبر في أحسن القصص بكل صراحة قبل مائة عام من قبل مبشر أمر الرحمن.

الهياكل البغيضه والنفوس الشريرة من السلاطين والامراء والعلماء والفقهاء والوزراء والوكلاء والسفراء والمنتسبين لسدرة المنتهى الذين قام كل منهم وحسب قوته وقدرته وفي الازمنه المختلفه وبالوسائل المتنوعه في الشرق والغرب على ضرب جذور الشجرة الالهية والاعراض والاعتراض على دين الله فقد شملهم سياط القهروالعذاب الالهي ورجعوا الى مقرهم خائبين خاسرين. قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين.

ظالم ارض الشين، الخصم اللدود حسين، اول من حارب الله واسس اساس الظلم والذي اهان واحتقر الحبيب والمحبوب في السنة الاولى من ظهور النقطه الاولى وارتكب عملا شنيعا فقد تم عزله ونزع عنه لباس العزة. الوزير السيّء التدبير الذي نفى مظهر نفس الله الى جبال اذربيجان وطبقا لما جاء في الوعد الصريح للخطبة القهرية فقد ابتُلي خلال فترة وجيزه ونُفي الى العراق العربي واحترق بنار الهم والغم ورجع الى مقره في اسفل الجحيم. الصدر الاعظم ميرزا تقي السفاك الذي اصدر حكم اعدام سيد العالم وامر بقتل مجموعة من الاصحاب في مازندران ونيريز وزنجان وطهران، وبعد مرور سنتين من تلك الفاجعه ابتُلي الميرزا تقي بعذاب خصمه حاكم المدينة حيث رجع الى اسفل السافلين في حمام الفين. شقيقه الذي كان شريكا معه في هذا العمل الفظيع ذهب الى دار البوار في نفس تلك الايام. اما القائم مقامه الذي ارتكب المذبحه العظمى اثناء فتنة سنة حين(85)، فقد عزل عن منصبه في عاقبة الامر ونفي من دار الخلافة ورجع الى مقره مخذولا منكوبا. سعيد الشقي الذي كان سببا في فتنة مازندران واستشهاد جناب القدوس ابتلى بمرض عجيب حيث كان البرد الشديد يؤلمه لدرجة ان صراخه وعويله كان يرتفع الى عنان السماء وعلى هذه الحاله المخزيه وبكل حرمان وخذلان رجع الى مقره. محمود العنيد الذي القى القبض على الطاهره الزكيه في منزله وحبسها فيه ابتُلي بعد سنوات بغضب سلطاني وقُتِل أمام الملأ العام. شيخ الاسلام الخبيث الذي اقدم على ضرب حضرة الاعلى بيده في مدينة تبريز ابتُلي بمرض الفالج وقضى باقي ايام حياته بذلة كبرى.

الفوج الناصري الذي اطلق النار على الهيكل الأعز الاعلى، هلكت أول مجموعة منه في نفس سنة الاستشهاد نتيجة للزلزال بين اردبيل وتبريز. والمجموعتان الأخريتان، قتلتا بعد سنتين نتيجة للعصيان والطغيان وقتل رئيس الفوج الناصرى في حرب المحمرة ولحق بهم، كريم الزنيم الهائم في هيماء الجهل والعمى، انطوى بساطه وأُطفيء نوره وانتهت مساعيه في اخماد السراج الالهي واستقر في أسفل دركات الجحيم. ابتُلي الحاجب الغدار بقوم سفاك وعذب بشدة وببشاعة. سلطان ايران المخاطب يا ملك المسلمين في قيوم الاسماء والمأمور بتطهير الارض المقدسة ونصرة الامر الالهي والذي منع ورود النقطة الاولى لتلك الارض على الرغم من وجود تواقيع متتابعه من حضرة الباب واصدر حكم نفيه الى جبال اذربيجان وأوكل الامور الى يد وزيره المكار، هذا السلطان بعد مضي سنة ونصف تقريبا من صدور حكم النفي رجع الى المكان الذي قدّره له النقطه الاولى في قيوم الاسماء.

مركز الخلافة العظمى والجالس على اريكة الظلم والجفاء الذي نفى الجمال الابهى ثلاث مرات بدون سبب او علة ثم ارسله الى حصن عكا اخرب واقبح مدن العالم، بعد انقضاء سنين معدوده عزل ثم قتل وطوى بساط عزه. اما وزيراه اللانظير لهما عالي وفؤاد باشا أحاطهما في نفس تلك الايام ما اقترفت يداهما من اعمال قبيحة. انقلبت ارض السر طبقا لما قاله الجمال المبارك وزلزلت معها اركان الحكومة الجائره ووقع اضطراب عظيم وارتفع نداء الارامل والقبائل في المدينة الكبيره. ملك باريس الذي استكبر على الله ونبذ اللوح عن ورائه أشهر معدودة فبعد صدور التوقيع الثاني من القلم الاعلى والانذار الصريح والشديد هزم دفعة واحدة في حرب الالمان وقتلت قبائل افريقيا ولى عهده واستبدلت الملكيه بالجمهوريه وبشهادة القلم الاعلى احاطت الذلة ذلك الملك المغرور من جميع الجهات وابتُلي بخسران عظيم ورجع الى التراب في ديار الغربة. مهدي المكار الذي وصفه جمال المختار بان اعماله أدت الى ارتفاع انين روح القدس، ابتلته قبضة المقتدر القدير ورجع الى اسفل السّقر. الحبر الاعظم الذي خاطبه القلم الاعلى “يا رئيس القوم دع ما عندك من الزينة المزخرفه ثم انفقها في سبيل الله” بعد صدور هذا التوقيع المنيع، أسر وقهر ونكب ثم سجن وتم تقليص سلطانه وسقطت مدينة روما بيد عدوه اللدود وهي المدينة التي كانت لمدة الف سنه مقر سلطنته. كاذب ارض الطاء الذي اصدر فتوى بقتل جميع اتباع جمال الابهى اصيب ببلاء عقيم ورجع الى اسفل الجحيم. الشيخ عبد الحسين مردود الدارين ومبغوض الثقلين وطبقا لشهادة مركز الميثاق تم عزله واسقاطه واصبح متحسرا وحائرا. سفير العجم الذي قال عنه جمال القدم “كان ان يشرب الخمر ويرتكب الفحشاء وفسد في نفسه وأفسد العراق” اصبح مخذولا حيث انتهى أصله وسقط اساسه. الذئب الوحشي والجاهل المرتاب الذي شبهه القلم الاعلى “ببقية اثر الشمس على رؤس الجبال” خذل وسقط وطوى بساط رئاسته ومن شدة شعوره بالاهانه رحل الى العتبات المقدسة واحترق بنار الحسرة والقلق. الرقشاء الذي قال عنه جمال القدم بان انين الاشياء قد ارتفع من ظلمه وفرائص الاولياء ارتعدت منه، هذا الشخص، تجاوزت شقاوته ظالم ارض الطف وقد ابتُلي في اواخر حياته ببلاء ادهم لدرجة ان اهله قد اجتنبوه ورجع الى ادنى درك السجين في ذلة كبرى وقد خمد ناره كما اخبر الله في لوح البرهان كما أحاطت نفحات العذاب ذلك الطاغي الباغي واصبحت عاقبته عبرة للجميع وانتهت سطوته واقتداره وتبدلت شوكته وجلاله الى خسران ووبال.

مطلع الاعراض يحيى الذي لم يعرف الخجل والحياء والذي خاطبه القلم الاعلى “عَرّىَ روح الأمين رأسه عن فعلك وجلست حوريات الغرفات على الرماد من ظلمك” سقط من اعلى المقام الى اسفل الدركات وقضى اياما ذليلا حقيرا. اما وصيّة الاول فقد تاب ورجع، ووصيّة الثاني تبرأ امام الملأ العام من النقطة الاولى ومن انتسب اليه كما ندم اكثر اتباعه والتجؤوا الى باب محبوب الانام ورجع يحيى نفسه الى نار الحسبان في جزيرة الشيطان. سيد اصفهاني اللئيم الخبيث الذي أغوى ذلك المشرك بالله وقع واحترق بالنار التي اشعلها بيده في السجن الاعظم واستقر في قعر الجحيم. ظالم العجم، ناصر الجائر، الذي لقبه القلم الاعلى برئيس الظالمين وإنه “علّق هيكل الامر في الهواء وقتله بظلم بكت عليه كل الاشياء” وعندما كان يحتفل بمرور خمسين سنه على سلطنته وفي بقعة شاه عبد العظيم اصيب برصاصات قاتلة فجائيه وانتهت آماله ونال جزاء اعماله القبيحه والشنيعه. باشا الغدار الذي احضر جمال المختار في مدينة عكا الى دار الحكومه بكل جرأة وتطاول على الاسم الاعظم، هزم ثم عزل واصبح بائسا وذليلا مثل باقي الولاة الذين اعترضوا على جمال الابهى واولياء الله. عبد الحميد الخبيث الخصم اللدود للغصن الوحيد الفريد في اخر الامر خسر خسرانا مبينا ثم قهر وعزل وسجن ونفي في النهاية.

اعضاء هيئة التفتيش الخاسرة الذين وصفهم مركز الميثاق بانهم الشر المجسم والظلم المصوّر، قتل رئيسهم ونفي الباقي وأصبح اثنان منهم محتاجين ثم افلسا واصيبا بنكبة. جمال الظالم الذي وعد باعدام مركز الميثاق وهدم البقعه النوراء، هُزمَ في حربه مع الانجليز ثم فرّ هاربا واخيرا قتل بالرصاص. السيد الافغاني العدو اللدود والحقود اصيب بمرض السرطان وقطع لسانه ونتيجة لهذا الداء الوبيل هلك ورجع الى دار البوار. الضبع العجوز جمال الفاسق الذي انضم الى أهل الشرور وأيد الناقض الجحود وشجّعه وعزّزه ووعده بالنصر، نزل القهر والعذاب الالهي عليه واحاطته الذلة وبكل حسرة وتألم رجع الى مقره بأيدي خاوية. السيد الدهجى الذي قام بكل جد ووقاحة على هدم الميثاق الالهي، اصبح ذليلا وحقيرا وابتلى مع ابنائه بخسران مبين وعاش ايامه الاخيره بكل حقارة. ابراهيم الزنيم، اول من نقض عهد الله وميثاقه في الغرب واتحد مع الناقض الاكبر وابنه، ورفع علم الاختلاف في تلك الاشطار، سقط مرة واحدة من سرير العزة الى حضيض الذلة ورجع الى التراب في امريكا وحيدا فريدا خائبا خاسرا مغموما مهموما والتحق بالهالكين. بديع ذو الخصال السيئة الغاصب لمفتاح الضريح المطهر هزم وحرم وسقط خلال فترة قصيره ورجع هو واعوانه ومنسوبوه من اصحاب الفتور الى حفرة اليأس والقنوط. السيد المتمرد الذي افتى على مركز الميثاق واراد قتله اصبح ذليلا وحقيرا ووحيدا وفريدا ورجع في ارض الباء الى دار البوار وابتُلي ابنه الارشد بمرضه ولحق به. خمدت شعلة فائق الارمني من نفسها وانحلت جمعيته العلميه وانتهى فساده وضجيجه. الطير القبيح آواره السفيه اصبح مخذولا ومردودا من الطرفين وقرض جناحه وخمد نعاقه. النفس المهملة التي شككت في صحة الواح الوصايا المتينة لمركز الميثاق فضح أمرها امام الخاصة والعامة ومكثت في حفرة اليأس والحرمان.

سقطت الخلافة العظمى العدو الصائل لجمال الابهى وسقط معها تاج السلطان وسرير عرشه وثبت للجميع بطلان ادعاءاتهم. استبدلت الملكية بالجمهورية وانفصلت السياسة عن الدين تماما بشكل رسمي واعلن رؤساء الحكومة والشعب في مركز الخلافة بالمدينة الشهيره عن إلغاء الاحكام الشرعيه والشعائر الاسلاميه. انقرضت السلالة القاجارية وسقطت امبراطوريات الروس والالمان والنمسا وارتفع حنين برلين مطابقا لما نزل من القلم الاعلى في الكتاب الاقدس واستبدل عزها الشامخ بالذلة الكبرى. قلبت قبة الاسلام وازيلت الزينة الظاهره الواقعه في شاطيء البحرين.

مركز النقض وقطب الشقاق الذي كان خلال سنوات عديده يهاجم الامر الاعظم ويضع الدسائس المتنوعه بهدف مقاومة ومحاربة الميثاق الحيّ الذي لا يموت وبعد انتظار دام اربعين سنه يأس من كل الجهات. في السنوات الاخيرة طرد من القصر المنيع وانزوى في مكانه وسكت ثم ابتلى بمرض الفالج واصبح حائرا ومضطربا من صولة بأس وبطش جيش الميثاق العرمرم في ميادين الشرق والغرب ورجع الى اسفل دركات النار خائبا خاسرا. قد اخذته زبانية القهر من لدن مقتدر قهار وبقت قصته عبرة للناظرين وموعظة وذكرى للمتبصرين. فسخت أمة النكث كما وعدنا سيدنا ومولانا وفسخت عقدة النقض ونسخت كلمة النفي.

وفي هذه الايام التي تصادف اختتام القرن الاول للعصر البهائي نلاحظ ان اهل العالم في هذا الانقلاب الاعظم من ملوك ومملوك في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب قد ابتلوا ببلاء أدهم. لقد اخذ الجميع الهرج والمرج وتزلزلت اركان الهيئة الاجتماعية وبدأت ملامح اختلال واعتلال النظام العالمي يلوح في الافق. لقد عم الخراب والدمار اقاليم العالم وهبت ارياح النزاع والخلاف وانهدمت قصور السلاطين واحترقت المدن وسالت الدماء وارتفع صياح الاغنياء والاقوياء واستولى الفزع الاكبر على قلوب الحكام وتعذب ملوك الارض بأشد العذاب، فبعضهم أسروا في ممالكهم وبعضهم تشتتوا واضطربوا في بلاد الغربة والبعض الاخر تعرضوا لاخطار لا حد لها. ليتم ما اخبر به القلم الاعلى في ارض السر خطابا للملوك والسلاطين قوله عز بهائه وجل سلطانه وعظم كبريائه “وان لن تستنصحوا بما انصحناكم في هذا الكتاب بلسان بدع مبين ياخذكم العذاب من كل الجهات وياتيكم الله بعدله اذا لا تقدرون ان تقوموا معه وتكونن من العاجزين” كما نزل ايضا في نفس السورة المنيعة المباركه “ان يا ملوك المسيحيه… لِمَ ما تقربتم به لتفوزا بلقائه وتكونن من الفائزين… وما استقبلتم اليه وما حضرتم بين يديه لتسمعوا ايات الله من لسانه وتطلعوا بحكمة الله العزيز الحكيم… فكيف اذا سمعتم امرنا ما استفسرتم منا ليظهر لكم الحق عن الباطل وتطلعوا بما كنا عليه وتعرفوا بما ورد علينا من قوم سوء أخسرين” وجاء في الكتاب الاقدس “يا معشر الملوك انتم المماليك قد ظهر المالك بأحسن الطراز ويدعوكم الى نفسه المهيمن القيوم اياكم ان يمنعكم الغرور عن مشرق الظهور او تحجبكم الدنيا عن فاطر السماء… انا ما اردنا منكم شيئا انما ننصحكم لوجه الله ونصبر كما صبرنا بما ورد علينا منكم يا معشر السلاطين.”

تعالى تعالى اسمه المبارك المهيمن البهى الباهي الابهى. تعالى تعالى جماله الاطهر الاطهر الابدي الازلي المشعشع الاعز الاقدس الاسنى. تعالى تعالى امره القاهر المبرم الغالب المسَخّر الاوعر المتلاطم المتهيج الاسمى. تعالى تعالى عهده الارفع الاتم الاحكم الابدع الاوفي، له الغلبة والهيمنة والاستقلال. والعزة والاقتدار لأحبائه وأمناء امره والمستظلين في ظله والثابتين على عهده والمروجين لشريعته والناطقين بثنائه والمؤسسين لأركان نظمه البديع والرافعين للواء دينه المبين بين العالمين.

في ختام هذه الاوراق، فان كل ما يرجوه ويطلبه هذا العبد من احباء جمال القدم الممتحنون، ومن المؤمنين ابناء الوطن الواحد، ومن الزائرين للبيت المكرم، على الاخص امناء المحفل المركزي لذلك القطر المقدس، ان يذكروا هذا العبد المستجير في هذه الليلة المباركه المجتمع فيها ممثلو الجامعة البهائيه من الولايات المختلفه في مدينة شيراز الطيبه الفائزون بزيارة ذلك المقام المقدس والمستفيضون من تشعشعات انوار ذلك المقر الأعز الافخم. كما ارجو منهم ان يضعوا نيابة عني جبينهم على العتبة الساميه لتلك الغرفه الطاهره، ومن صميم القلب يطلبوا العون والحماية والتأييد والتوفيق من صاحب ذلك البيت. وايضا يلتمسوا من الله العلي القدير الامدادات الالهيه للمجاهدين في سبيل الله، القائمين في ميادين الشرق والغرب بتسخير مدائن القلوب حتى تمر المراحل الباقيه بقوة رب الجنود الواحده تلو الاخرى، ونصل بالامر العزيز الالهي الذي تشبك في سبيله الصدر المقدس وسفكت دماء ألوف من النفوس في سبيله الى الغاية المنشودة له ونهدي العالم الثمرات البهيه البديعه اللطيفه الطيبه القدسيه الجنيه للسدرة الالهيه.

يا ربنا الاعلى نسئلك بحق دمك المرشوش على التراب بأن تجب دعائنا وتحفظنا في صون حمايتك وكلائتك وتمطر علينا سحاب جودك واحسانك وتؤيدنا وتوفقنا على السلوك في سبيلك والتمسك بحبل ولائك واثبات حجتك وإنتشار آثارك ودفع شر أعدائك والتخلق باخلاقك وإعلان أمر محبوبك الابهى الذي فديت نفسك في سبيله وما تمنيت إلّا القتل في محبته اغثنا يا محبوبنا الاعلى واشدد ازورنا وثبّت اقدامنا واغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وأطلق ألسنتنا بمحامدك ونعوتك وكلل اعمالنا ومجهوداتنا باكليل قبولك ورضائك واجعل خاتمة حياتنا ما قدرته للمخلصين من بريتك وأجِرنا في جوار رحمتك وأدخِلنا في فضاء انوار قربك واحشرنا مع المقربين من احبتك وقدر لنا الوفود عليك ورنّحنا بصهباء لقائك وأخلدنا في حدائق قدسك وأرزقنا كل خير قدرته في ملكوتك يا مغيث العالمين.

عبد عتبته شوقي

نوروز 101 بديع

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: