الوديان السبعة ورحلة الروح

 

 

 

الوديان السبعة – رحلة الروح فى عالم الوجود الى عالم القرب من المعبود

 

الحمد للّه الّذى اظهر الوجود من العدم و رقم علی لوح الانسان من اسرار القدم و علّمه من البيان ما لا يعلم و جعله کتابا مبيناً لمن آمن و استسلم و اشهد خلق کلّ شيىء فى هذا الزّمان المظلم الصّيلم و انطقه فى قطب البقاء علی اللّحن البديع فى الهيکل المکرّم ليشهد الکلّ فى نفسه بنفسه فى مقام تجلّى ربّه بانّه لا اله الّا هو و ليصل الکل بذلک الی ذروة الحقائق حتى لا يشاهد احد شيئاً الّا و قد يرى اللّه فيه و اصلىّ و اسلّم علی اوّل بحر تشعّب من بحر الهويّة و اوّل صبح لاح عن افق الاحديّة و اوّل شمس اشرقت فى سماء الازليّة و اوّل نار اوقدت من مصباح القدميّة فى مشکوة الواحديّة الّذى کان احمد فى ملکوت العالمين و محمّداً فى ملاء المقرّبين و محموداً فى جبروت المخلصين و ايّاً ما تدعو فله الاسماء الحسنى فى قلوب العارفين و علی آله و صحبه تسليماً کثيراً داَئماً ابداً و بعد قد سمعت ما غنّت ورقاً العرفان علی افنان سدرة فوادک و عرفت ما غرّدت حمامة الايقان علی اغصان شجرة قلبک کانّى وجدت روائح الطيّب من قميص حبّک و ادرکت تمام لقائک فى ملاحظة کتابک و لمّا بلغت اشاراتک فى فنائک فى اللّه و بقائک به و حبّک احباء اللّه و مظاهر اسمائه و مطالع صفاته لذا اذکر لک اشارات قدسيّة شعشعانيّة من مراتب الجّلال لتجذبک الی ساحته القدس و القرب و الجمال و توصلک الی مقام لا ترى فى الوجود الّا طلعة حضرة محبوبک و لن ترى الخلق الّا کيوم لم يکن احد مذکوراً و هى ما غنّ بلبل الاحديّة فى الرياض الغوثيه ” قوله و تظهر علی لوح قلبک رقوم لطائف اسرارُ ” اتّقوا اللّه يعلمکم اللّه ” و يتذکّر طائر روحک خطائر القدم و يطير فى فضاء ” فاسلکى سبل ربّک ” ذللاً بجناح الشّوق و تجتنى من اثمار الانس فى بساتين ” کلی من کلّ الثّمرات ” انتهى.

و عمرى يا حبيب لو تذوق هذه الثّمرات من خضر هذه السّنبلات التى نبتت فى اراضى المعرفه عند تجلّى انوار الذّات فى مرايا الاسماء و الصّفات لياخذ الشّوق زمام الصّبر و الاصطبارعن کفّک و يهتز روحک من بوارق الانوار و تجذبک من الوطن الترابى الی الوطن الاصلی الالهى فى قطب المعانى و تصعدک الی مقام تطير فى الهواء کما تمشى علی التّراب و ترکض علی الماء کما ترکض علی الارض فهنيئاً لی و لک و لمن سما الی سماء العرفان و صبا قلبه بما هبّ علی رياض سرّه صباء الايقان من سباء الرّحمن و السّلام علی من اتّبع الهدى.

وبعد – فان للسالكين إلى الوطن الالهي من المسكن الترابي مراتب سبعا معلومه يسميها البعض ” الوديان السبعة” ويدعوها آخرون المدن السبع ، وقيل إن السالك لن يرد بحر قرب الوصال، ولن يرشف من خمر لا مثال الا اذا هجر نفسه وهواها، وبلغ هذه الاسفار اقصاها ومداها.

 

الوادى الأول-وادي الطلب :

اما الوادي الأول فوادي الطلب، ومركب هذا الوادي الصبر، بحيث أن السالك عن سلوكه في هذا السفر لن يبلغ غايته اويصل إلى بغيته، او يشفى ابدا غلته، بل على الساعي فيه الا ييأس ولو سعى مائة الف عام دون أن يرى جمال محبوبه. ذلك بأن المجاهدين لبلوغ كعبة (فينا) يجزون ببشارة ( لنهدينهم سبلنا ) اذا قاموا على خدمة هذا المطلب فأحسنوا القيام. وعلى المسافرين أن يرحلوا في كل آن من مكان الغفلة إلى مكان الطلب لا يقعد بهم قيد ولا يثبتهم لوم وشرط هؤلاء العباد إن يطهروا قلوبهم وهي منابع الخزائن الإلهية من كل عرض وأن يعرضوا عما ورثوه عن آبائهم واجدادهم من كل تقليد ، وأن يغلقوا ابواب الود والبغضاء دون اهل الأرض اجمعين. يصل الطالب في هذا السفر إلى مقام يرى فيه كل الكائنات حيرى تبحث عن المحبوب. فكم من يعقوب اجهده البحث عن يوسف بل انه ليرى العالم حبيبا يجد في طلب محبوبه والكون عاشقا يشتد في اثر معشوقه في كل آن يشاهد امرا. وفي كل ساعه يكشف سرا.لانه خلص قلبه من شئون الدارين، وتوجه إلى كعبة الارواح تشمله عناية الغيب في كل خطوة وتتلظى نيران طلبه في كل لحظة فلربما بلغ به الطلب ما يبلغ الجنون بالعاشق. كالذي روت الناس انها رأت مجنونا ينخل التراب يوما وهو يذرف الدمع فسألوه ” ماذا تفعل ” قال ” ابحث عن ليلى” فقيل له ويحك يا مجنون، ليلى روح طاهر فكيف بك تطلبها في التراب قال :” فاني التمسها في كل مكان عساي إن اجدها”.

نعم إن البحث في التراب عن رب الارباب دليل على كمال الجد في الطلب، وان استهجنه العاقل. اذ إن ” من طلب شيئا وجّد وجده” وما للطالب الصادق من طلبه سوى وصال مطلوبه، وما للحبيب المخلص من مبتغى غير وصال محبوبه ولن يحصل هذا الطلب عند طالبه الا بالتضحية بكل ما لديه يعني كل ما سمع وما رأى وما فهم وينفى كل شئ بنفي ” لا ” حتى يبلغ مدينة الروح وهي مدينة ” الا ” ، فينبغي لنا إن نشحذ في طلب الهمة ، وان نجهد النفس حتى نرتشف من شهد وصاله، فانا لو ارتشفنا من هذه الكأس لننسى العالم جميعا”

والسالك في هذا السفر يفترش كل تراب ويسكن كل بلد ويتوسم جمال المحبوب في كل وجه ويطلب الصديق بكل دار، ويجالس إي جماعة في مجمع، ويرافق كل شخص عساه إن يلمح فيه سر محبوبه او يشاهد في وجه ما جمال معشوقه”.

 

2- وادي العشق ومركبه الالم:

فاذا لقى المسافر في سفره هذا بعون البارئ، علامة من محبوبه الذي لا علامة له ، واشتم من بشير الاحدية رائحة يوسف المفقود، استرقى بقدمه من فوره في وادي العشق فيحترق بنار العشق، في هذا الوادي يشتد جذب السماء وتشرق شمس الشوق وتتلظى بنار الاشتياق ، فاذا تأججت نار العشق احترق ركام العقل، في هذا الحين يذهل السالك عن نفسه وعن غيره ويختلط عليه العلم والجهل، و الشك واليقين ويعمى عن صبح الهداية وليل الضلالة ويفر من وجه الكفر والايمان ويرى في السم القاتل ترياقا كما يقول العطار:

للكافرين ما كفروا وللتقاه دينهم

ولكن قلب عطار يريد ذرة ألمك

ومركب هذا الوادي الألم ، فان لم يتألم السالك لم تنتهي سفرته وعلى العاشق في هذه الرتبة الا يفكر في غير معشوقه والا يلتمس ملجأ سوى محبوبه ، يتمنى في كل آن لو ينفق مائة روح في سبيل محبوبه ويشتهي في كل خطوة لو يضحي بمائة نفس في اثر معشوقه.

يا اخي انك لن تبلغ يوسف الجمال او تهبط مصر العشق ولن تتفتق بصيرتك الا اذا تخليت عن بصرك كما فعل يعقوب، وما لم تكتوي بنار العشق، لن تمتزج بشوق المحبوب ذلك إن العاشق لا يخشى شيئا ولن يصيبه أذى فتراه بارداً في النار ويابساً في الماء:

علامة العاشق أن تراه في جهنم بردا

وعلامة العارف أن تراه في الماء يابساً

لا يقبل العاشق الوجود ولا يطلب الحياة بل انه يرى الحياة في العدم وينشد العزة في الذلة، العاشق يلزمه الفطنة حتى يليق بجنون العشق وان يكون رؤؤس جديرة بأغلال المحبوب، طوبى لعنق صفدته أغلاله ، وسعدى لنفس تسقط على التراب في سبيل المحبوب، اذن فاعتزل عن نفسك تفز بالإله الواحد وانفض عنك التراب الفاني تظفر بمقامك في الوكر الالهي، لا بد من العدم كي تشعل نار الوجود لتكون لائقا لسبيل العشق:

لا يرضى العشق بالمتمسك بذرة الحياة

كما يترفع العقاب عن اصطياد الفأر الميت

يحرق العشق عالما في كل آن ويهلك كل ديار يرفع فيها علمه، فلا وجود للوجود في مملكته ولا مقر للعقلاء في سلطنته، ذلك بان وحش العشق يفترس عقل الاديب ويبطش بعلم اللبيب يشرب المحب سبعة أبحر فلا يروي غلته ويصيح هل من مزيد؟ ويصبح غريب عن نفسه ويبتعد عن كل ما في العالم.

انما الحب غريب عن العالمين

وفيه من الجنون اثنان وسبعون لونا

مائة ألف مظلوم تصفدوا في اغلاله و مائة ألف عارف كلوا بسهمه ، واعلم إن كل ما ترى في العالم من إحمرار فمن قهره وكل ما ترى في الوجنات من إصفرار فمن سمه فهو لا يهب دواء سوى الفناء ولن يضع قدمه الا في وادي العدم ، غير إن سمّه اشهى في مذاق العاشق من الشهد وفناءه أحب إلى الطالب من ألف بقاء، اذن وجب أن تحترق حجب النفس الشيطانية بنار العشق حتى تتطهر الروح وتتلطف لادراك مراتب سيد ( لولاك ).

اشعل نار العشق ثم احرق الحياة طرا

ثم اخط بقدمك داخل كعبة العشاق

 

3- وادي المعرفة :

فاذا مّر العاشق من منقار صقر العشق بتأييدات الخالق بسلام ، استرقى الى وادي المعرفة وجاوز الشك إلى اليقين ورجع من ظلمة ضلاله الهوى إلى نور هداية التقوى. وتفتقت بصيرته وانشغل بمناجاة حبيبه، وفتح باب الحقيقه والهدى وأغلق أبواب المجاز ، في هذه الرتبة يرضى السالك بالقضاء ويرى الحرب صلحا ويدرك في الفناء معاني البقاء ويرى بعين الظاهر والباطن في آفاق الوجود وأنفس العباد اسرار المعاد ويلحظ بالقلب الروحاني الحكمة الصمدانية في المظاهر الالهية اللامتناهية يرى في البحر قطرة ويلحظ في القطرة اسرار البحر.

إذا ما فلقت قلب ذرة

لرأيت في عمقها شمسا

وسالك هذا الوادي لا يرى – بعين الحق – اختلافا في الكون ولا تعارضا ، بل انه يقول في كل حين” ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت. فارجع البصر هل ترى من فطور؟”

يرى في الظلم عدلا وفي العدل فضلا وفي الجهل علوما مستورة وفي العلوم المستوره الف حكمة واضحة بينه يحطم قفص البدن والهوى ويأنس بنفس اهل البقاء و يرقى المعارج المعنوية ويهرع إلى سماء المعاني فيسكن إلى فلك ” سنريهم آياتنا في الأفاق وفي انفسهم” ويسير في بحر حتى يتبين لهم انه الحق ” فان قاسى ظلما صبر وان عانى قهرا استظهر عليه بالمحبة، يحكى إن عاشقا فجع نفسه على هجره محبوبه سنين وذابت مهجته في نار فراقه اعواما واصبح فؤاده فارغا من الصبر لغلبه العشق على جوانحه. وضاق جسمه بروحه ذرعا حتى عد حياته في فراقه نفاقا ووجد كل الافاق في التهاب واحتراق، فكم انفق من يوم في هجره مكدورا وكم سهد من ليله في المه مكمودا، وكم تأوه من ضعف بدنه، وكم ناح على بؤس فؤاده، وكم ود لو يهب الف روح لقاء رشفة واحدة من وصاله وما تيسر له، اخفق الاطباء في علاجه وعجز الجلاس عن ايناسه ، اجل ، ما للطبيب في مريض العشق من حيلة ما لم تأخذ بيده عناية حبيبه لم تثمر شجرة رجائه اخر الأمر الا يأسا فخبت نيران امله حتى كانت ليله لج فيها الضيق بنفسه فخرج إلى السوق وما هي الا إن تعقبه العسس يطلبونه فطفق يعدو بين ايديهم هاربا والعسس يجدون في تعقبه حتى اجتمعوا عليه و سدوا عليه الطريق من كل الاطراف وكان يتأوه من اعماق قلبه ويطرق سبيل الفرار من اطرافها وهو يقول في نفسه : ما هذا العسس الا عزرائيل يعجل في طلبي ا ما هو الا جبار البلاد يسعى في كيد العباد.

وطفق هذا المتعب بسهم العشق يعدو نائحا من اعماق قلبه حتى بلغ اسوار بستان فتسلقه بشق النفس ومحنة القلب، وكان السور شاهقا فأسلم أمره ورمى بنفسه من السور، فاذا هو بمعشوقه يسعى وبيده مصباح يلتمس خاتمه، فما إن رأى العاشق الولهان آسر لبه شهق ورفع يديه إلى السماء يدعو إن يارب ، امنح هذا العسس العزة والبقاء، فكان العسس جبريل هذا العليل او كان اسرافيل يهب الحياة لهذا الذليل وكان كل ما قاله صحيحا في الواقع، ذلك لأن كم من عدل كمن في ظلمه العسس المنكر ، وكم من رحمة استتر وراء الحجاب ، اذ دفع في مرة واحدة غضب القهر و أوصل ظمآن صحراء العشق إلى بحر معشوقه وبدد ظلمة الفراق بنور الوصال فوضع البعيد في بستان القرب واهتدى العليل بطبيب قلبه ولو كان العاشق يرى العاقبة لكان من البداية يرحم العسس ويدعو لهم بالخير ، ولرأى ذلك الظلم عدلا ، ولكنه لما كان محجوبا عن اخر الأمر طفق ينوح أول الأمر ويشكو ، ولكن المسافرين إلى حديقة العرفان لما كانوا يرون الآخر في الأول فانهم يرون في الحرب سلاما وفي الخصام صلحاً وهذه رتبة اهل ذلك الوادي.

اما اهل الوديان العليا فيرون الأول والاخر شيئا واحدا بل لعلهم لا يرون أولا ولا آخرا بل لعل اهل مدينة البقاء الساكنين في الروضة الخضراء لا يرون أولا ولا آخر يفرون من كل أول ويعادون كل آخر، ذلك بأنهم اجتازوا عوالم الاسماء ومرقوا كعارض البرق من عوالم الصفات، كما قيل كمال التوحيد نفي الصفات عنه وسكنوا إلى ظل الذات.

وفي هذا المقام تعرض السيد (خواجه ) عبدالله – قدس الله تعالى سره الفريد – لنقطة دقيقه وكلمة بليغه في معنى : اهدنا الصراط المستقيم فقال أي شرفنا بمحبة ذاتك حتى نتحرر إلى اسرك من الالتفات إلى انفسنا والى غيرك بحيث لا نعرف سواك ، ولا نرى سواك ، ولا ندرك سواك ، بل لعلهم يمضون إلى ابعد من هذا المقام كما قبل :

المحبة حجاب بين المحب والمحبوب

ولكن لا يتاح لي إن اقول أكثر مما قلت

حينئذ يتنفس صبح المعرفة وتخمد مصابيح السير.

إن موسى بانواره وجلاله

قد إحتجب عن ذلك فلا تطر بغير جناح

فان كنت من اهل النجوى والتقوى فطر بقوادم همة الاولياء لتصل إلى اسرار الحبيب وتمر إلى انوار المحبوب فانا لله وانا اليه راجعون.

 

4- وادي التوحيد:

فاذا قطع السالك وادي المعرفة وهو اخر مقام التحديد يدخل أول مراتب التوحيد ويشرب من كأس التجريدويسير في مظاهر التفريد ، فيخرق في هذا المقام حجاب الكثرة ويفر من عوالم الشهوة ويعرج في سماء الوحده و يسمع باذن الالهي ويرى بعين الرباني اسرار الصنع الصمداني ويخطو بقدمه إلى منزل الحبيب ، ويصبح محرم سرادق المحبوب ويخرج يد الحق من جيبه فيبدي اسرار القدرة وهو لا يرى لنفسه اسما ولا رسما ولا صفة ، بل صفته في صفة الحق، واسمه من اسم الحق وعلم إن كل الالحان من لدن السلطان ، فسمع منه الانغام جميعا ، ويجلس على كرسي “قل كل من عند الله” ويستريح على بساط ” لا حول و لا قوة الّا باللّه ” وينظر في الأشياء بعين التوحيد، ويرى اشراق الشمس الالهيه من مشرق الهوية وتجليها في كل الممكنات على السواء، ويشاهد انوار التوحيد تبدو على جميع الموجودات.

ومن المعلوم لجنابك ، إن جميع اختلافات عوالم الكون التي تبدو للسالك في مراتب سلوكه انما هي من أثر خياله نفسه ولنضرب لذلك مثلا : أرأيتم الشمس الظاهرة التي تشرق وتتجلى على كل الموجودات والممكنات سواء بسواء ، فهي تفيض النور بأمر سلطان الظهور على كل الأشياء ، ولكنها تظهر في كل مكان وتفيض عليه من نورها بما يقضي به استعداد هذا المكان، فهي في المرآة تتجلى بقرصها وهيئتها و ما ذلك الا لصفاء المرآة نفسها ، وهي في البلور تحدث النار على حين تظهر في سائر الأشياء اثر تجليها دون قرصها، وبهذا الاثر تنمى بأمر الله كل شئ حسب استعداده كما ترون، وكذلك الالوان فهي تبديها بما يقضي به المكان فترى انها تبدو صفراء في الزجاجة الصفراء وتتجلى بيضاء في البيضاء وحمراء في الحمراء . اذا فهذا الاختلاف انما هو من المكان لا من اشراق الضياء فاذا احتجب مكان بحجاب من جدار أو سقف ظل هذا المكان محروما من تجلي الشمس فلا تشرق فيه، مثله مثل نفوس ضعيفة حجبوا اراضي المعرفة بجدار النفس والهوى وحجاب الغفلة والعمى فهي محجوبة عن اشراق شمس المعاني واسرار المحبوب الازلي وابتعدوا عن جواهر حكمه دين سيد المرسلين المبين ، حرموا من قدس الجمال، وهجروا من كعبة الجلال تلك رتبة اهل الزمان.

فلو انتفض بلبل من تراب نفسه وسكن إلى ورد قلبه وصدح بالالحان العراقية ، وتغنى بالنغمات الحجازية اسرار الإلهية تحي حرف منها كل الاجداث والرمم وتنفخ روح القدس في عظام الكائنات وهي رميم – لرأيت نسور الحسد تتخطفه وصقور البغض تجد سعيا في هلاكه، اجل إن الجُعَل يضيق بالريح الطيب وما للطيب لدى المزكوم من ثمره وكذلك قيل في ارشاد العوام

ادفع عن رأسك الزكام وعن انفك

حتى تجد ريح الله في مشامك

 

وضح اختلاف المكان اذاً وبرهن عليه ، فالسالك اذا نظر في المكان المحدود – أي في الزجاجات – رأى الاصفر والاحمر والابيض ومن ثم كان الجدال بين العباد، وغمر العالم الغبار المظلمة من النفوس المحدودة، بعضا انصرفوا إلى اشراق الضوء ، و بعضا شربوا من خمر الوحده فهم لا يرون سوى الشمس شيئا.

ولما اختلف السير في هذه المقامات الثلاثة اختلف فهم السالكين وتباين بيانهم ، فبدت آثار الاختلاف في العالم لان بعضا رقى رتبة التوحيد وتكلم عنها وبعضا قام في عوالم التحديد وبعضا اخر لبث في مراتب النفس، والقليل احتجب بالمرة، لذاجهال العصور الذين لم يكن لهم نصيب من نور الجمال فقد تكلموا ببعض المقال وآذوا اهل لجة التوحيد في كل عصر وزمان بما كان اجدر وأولى بانفسهم ” ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابه ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى” يا اخي إن القلب اللطيف بمثابة المرآة فاصقله بصيقل الحب وطهره بالانقطاع عما سوى الله تتجلى فيه الشمس الحقه ، ويتنفس الصبح الازلي وتتبين معنى ” لا يسعنى ارضى و لا سمائى و لکن يسعنى قلب عبدى المؤمن ” واضحا جليا وخذ روحك بيديك وبألف حسرة قدمها للحبيب الجديد فداء فاذا استوت انوار سلطان الاحدية على عرش قلبك تجلى نوره في سائر الاعضاء والأركان وانكشف لك من حجاب الديجور سر الحديث المشهور” لازال العبد يتقرّب الّى بالنّوافل حتى احببته فاذا احببته کنتُ سمعه الذى يسمع به.. ” الخ لان صاحب البيت يتجلى في بيته فتستضئ اركان بيته جميعا بضيائه وما فعل النور وأثره الا من المنير حيث يتحرك به الجميع وبارادته يقومون، وهذا هو النبع الذي يشرب منه المقربون كما قال عينا يشرب بها المقربون وحاشى أن يكون في هذا البيان ريح الحلول اوتنزيل لعوالم الحق إلى مراتب الخلق، فلا يشتبه الأمر عليكم ، ذلك بان الحق مقدس بذاته عن الصعود و النزول والدخول والخروج، لم يزل عن صفات الخلق غنيا ولا يزال لم يدركه احد ولم تصل إلى كنهه نفس ، ضل العارفون في وادي معرفته وتحير الاولياء في ادراك ذاته تنزه عن ادراك كل مدرك وتعالى عن عرفان كل عارف ، السبيل مسدود والطلب مردود ، ” دليله آياته ووجوده اثباته ” قال العاشقون لجمال المحبوب: ” يا من دلّ علی ذاته بذاته و تنزّه عن مجانسه مخلوقاته” فأنى للعدم الصرف إن يجري الخيل في ميدان القدم ، وأنى للظل الفاني إن يبلغ شأو الشمس الباقية ؟ قال الحبيب “لولاک ما عرفناک” وقال المحبوب : “او ادنى ما بلغناک”.

أجل إن ما ذكر في مراتب العرفان انما كان لمعرفة انوار شمس الحقيقة : تلك التي تتجلى في المرايا وتجلى ذلك النور انما يكون في القلوب ولكنها محجوبة بالحجبات النفسانية والشئونات العرضية مثله مثل الشمع تحت الفانوس الحديدي فلا يظهر نور الشمع الا اذا نزعت عنه الفانوس وكذلك عندما تهتك الحجبات الافكية عن وجه القلب تنبعث أنوار الاحدية.

اضحى من المعلوم اذا انه لا يصدق خروج ولا دخول على التجليات فما بالك بجوهر الوجود والسر المقصود؟

يا اخي اعرج في هذه المراتب محققا لا مقلداً ولن تصد السالك عن سبيله همهمة الكلمات ولن يسد طريقه هيمنة الاشارات:

ما شأن الستار بين العاشق ومعشوقه

فسد الاسكندر لن يحول ولن يمنع دون معشوقه

الاسرار كثيرة ، والغرباء عنها عديدون، ولن يكفي القرطاس باسرار المحبوب ولا تكفيها هذه الألواح رغم انها ليست باكثر من كلمة واحدة. ومجرد رمز ، ذلك بان ” العلم نقطةٌ کثّرها الجاهلون” فانظر من مقامك هذا إلى اختلاف العوالم وان كانت عوالم الله لا نهاية لها الا إن البعض ذكر لها اربع مراتب:

عالم الزمن : وهو ماله أول وآخر

عالم الدهر : وهو ما له أول ولكن لم يبد بعد آخره

عالم السرمد : وهو ما لم يدرك اوله ولكن آخره معلوم

عالم الأزل : وهو ما لم يشهد له احد أول ولا آخر.

ورغم ما بين هذه المراتب من اختلاف كبير الا إن التفصيل في ذكره يبعث السأم والملل فمما قاله البعض إن ليس لعالم السرمد ابتداء ولا انتهاء وان عوالم الأزل من الغيب المنيع الذي لا يدرك ، وقال آخرون بعوالم اللاهوت والجبروت والملكوت والناسوت ، وعدوا مراحل سبيل العشق اربعا: من الخلق إلى الحق ومن الحق إلى الخلق ومن الخلق إلى الخلق ومن الحق إلى الحق. ولن نتعرض لهذه البيانات الكثيرة التي قال بها الحكماء السالفون ، وذهب اليها العارفون السابقون، وما ينبغي لنا أن نسرد ما قال به السلف فان سرد أقوال الاخرين دليل على العلم المكتسب لا على الموهبة الإلهية على إن ما ذكرناه لم يكن الا جريا على عادة الناس وتأسيا بالاصحاب ، فضلا عن إن تلك البيانات خارجة عن هذه الرسالة وما عزوفنا عن ذكر اقوالهم لا غرورا منا وانما هو لظهور الحكمة وتجلي الموهبة.

فان كان الخضر قد خرق السفينة في البحر

فكم من حكمه بدت من فعل خضر

وإلا ، فان هذا العبد يعد نفسه معدوما مفقودا في ساحة حبيب من أحباء الله فناهيك على بساط اوليائه ” فسبحان ربي الاعلى “.

وما مبتغانا مما سلف الا أن نبين مراتب سير السالكين لا اختلاف اقوال العارفين، ورغم اننا ضربنا مثلا مقتضبا لاول و آخر العالم النسبي و الاضافي ، ومجددا نضرب مثلا آخر كي يظهر كمال المعنى في قميص المثال. هل رأيت إلى نفسك فانت بالنسبة لولدك أول وبالنسبة لأبيك آخر وأنت في ظاهرك تحكي القدرة المتظاهرة على عوالم الله، وانت في باطنك تستلهم الاسرار الباطنية التي اودعها الله فيك، اذن فالأولية والآخرية والظاهرية والباطنية صادقة بالمعنى الذي أوردنا، فإن بهذه الرتب الأربع التي اسعفتها العناية عليك ، لعلك تدرك الرتب الإلهية الاربع فيتغنى بلبل قلبك على كل اشجار ورد الوجود في عالم الغيب والشهود بأنه ” هو الاوّل و الآخر و الظّاهر والباطن ، أن الذي ذكرناه على قدر أفئدة الناس ، اما اولئك الذين طووا عالم القيود والحدود بخطوة واحدة واستكانوا إلى بساط التجريد البديع وضربوا خيامهم في عوالم الأمر والاطلاق و أحرقوا كل هذه النسب بالنار ومحوا كل تلك الالفاظ بقطرة واحدة و سبحوا في يم الروح وصاروا في افق قدس النور، وأنّى للالفاظ أن تكون في هذه الرتبة فتكون لفظة الأول او الآخر أو غيرها من الكلمات حتى تذكر أن الأول في هذا المقام هو نفس الآخر والآخر هو عين الأول:

اشعل في العشق بروحك نارا

ثم احرق العبادة والفكر جميعا

يا صديقي تأمل في نفسك وألحظ انك لو لم تكن ابا ذا ولد لما وعيت هذه الكلمات فتناسى كل ذلك كي تتعلم عند أديب العشق من مصطبة التوحيد ، وترجع من ” انا ” إلى ” راجعون ” وتصل من الباطن المجازي إلى المقام الحقيقي وتستظل بدوحة العرفان.

ياأيها العزيز: افتقر بنفسك لتبلغ عرصة الغناء العالية وذل بدنك تشرب من شريعة العزة وتبلغ جميع معاني الاشعار التي سألت عنها، اذن فقد عرفت إن هذه المراتب رهينة بسير السالك يرى في كل مدينة عالما. ويرد في كل واد عينا ويسمع في كل صحراء نغما ولعندليب الآفاق المعنوية الحان روحانية بديعة في القلوب ، وللطائر العراقي اغاريد حجازية رائعة خفية كانت مستورة وما زالت.

لو قلتها لاختلت العقول

ولو رقمتها لتحطمت الاقلام

و السّلام علی من قطع هذا السّفر الاعلی و اتّبع الحقّ بانوار الهدى.

 

5– وادي الاستغناء :

فاذا بلغ السالك في معارج هذه السفرة العليا ورد مدينة الاستغناء، فاستشعر في هذا الوادي نسائم الاستغناء الإلهية التي تهب من ولائج الروح، وحرق حجب الفقر واستجلى ببصيرته وبصره في عالم الغيب والشهادة قوله : ” يوم يغني الله كلا من سعته” فينقلب ترحه سرورا وغمه حبورا ويتبدل ضيقه سعه وعسره يسرا.

ومع أن مسافري هذا الوادي يفترشون التراب في الظاهر الا انهم في الباطن يتكئون على رفرف المعاني ويرزقون من النعم الابدية المعنوية ويشربون من لطيف الرحيق الروحاني.

ما أعجز اللسان إن يفصل هذه الوديان الثلاثة معا أعني بيان القلم أن يلج هذا المقام فلا يثمر مداده الا سوادا، إن بلبل القلب في هذه المقامات لها أسرار ومقاصد أخرى بحيث تأخذ بمجامع القلب و تفتن الروح ولكن اسرار هذه المعاني يجب إن تقال من قلب إلى قلب و أ، تسلم من صدر لصدر.

يمكن شرح حال العارفين قلبا لقلب

فليس هذا منهج القاصد ولا هذا حد المكتوب

واسكت عجزا عن امور كثيرة

بنطقي لن تحصى ولوقلت قلّت

 

يا رفيقي : ما لم تصل إلى حديقة هذه المعاني لن تحتسي من الخمر الباقي لهذا الوادي ، فإذا احتسيت ستغمض الطرف عما سواه وتتجرع من خمر الاستغناء وتنقطع عن الكل وتتصل به، وتضحي بنفسك في سبيله ، رغم انه لا يوجد سواه كي تغض الطرف عنه ( كان الله ولم يكن معه من شيء) لأن السالك في هذا المقام يرى جمال المحبوب في كل شيء فيرى في النار وجه الخليل وفي المجاز رمز الحقيقة وفي الصفات يشاهد سر الهوية ذلك بأنه يشق الأستار بآهة واحده، ويهتك الحجب بلمحة بصر ، فيبصر الصنع الجديد بالبصر الحديد ، ويدرك الأثر الدقيق بالقلب الرقيق ، مصداقا لقوله ” وجعلنا اليوم بصرك حديدا”.

 

6- وادي الحيرة :

ثم إن السالك بعد سيره في مراتب الاستغناء البحت ، يرد وادي الحيرة ويخوض في بحار العظمة فتزداد حيرته في كل حين ، يرى هيكل الغناء عين الفقر حينا ، وجوهر الاستغناء محض العجز حينا آخر يخر صعقا لجمال ذي الجلال حينا ويضيق ذرعا بوجود نفسه حينا آخر ، فكم عصفت عواصف الحيرة بأشجار المعاني فاقتلعتها من جذورها ، وكم أزهقت من نفوس، ذلك بأن هذا الوادي يلقى بسالكه في اضطراب ايما اضطراب ، ومع ذلك فما أحب هذه الظواهر للواصل وارغبه فيها اذ انه يرى كل حين عالما بديعا وخلقا جديدا ويزداد في كل آن حيرة على حيرة ويذهل لصنيع سلطان الاحدية الجديد.

أجل يا اخي : اننا لو تفكرنا في أي خلق لشاهدنا مائة ألف حكمه بالغه ، ولتعلمنا مائة ألف علوما بديعة الم تر النوم من بين الخلائق ، كم من اسرار اودعت فيه وكم من حكمه خزنت وكم من عوالم مستورة فيه ، ألم تر وقد نمت في منزل أحكمت رتاج أبوابه ، فاذا بك تشاهد مدينة بعيدة تدخلها دون إن تسعى اليها بقدم أو يتجشم لها بدنك ،وترى دون أن تجلى بصرك وتسمع دون إن تجهد سمعك، وتتكلم دون إن تحرك بالكلام لسانك، ثم انك قد ترى عين ما رأيته الليله بعد عشرة اعوام بحسب الظاهر من عالم الزمان، والآن فكم من حكمه في هذا النوم لا يشهدها او يدركها على كمال التحقيق الا اهل هذا الوادي ، أولا فما هذا العالم الذي تسري فيه احكام الحواس بلا عين لا اذن ولا يد ولا لسان؟ ثم كيف يتسنى لك في عالم الشهادة أن تدرك ثانية اثر ما رأيت في النوم منذ عشرة سنوات؟

تفكر الآن في الفرق بين العالمين وفيما أودع في ذلك من اسرار حتى تفوز بالتأييدات الإلهية والمكاشفات الربانية ، وتخطو إلى عوالم القدس ، أودع الباري هذه الايات في خلقه حتى لا ينكر المحتجبون اسرار المعاد. ولا يستخفوا بما كانوا يوعدون ، مثلهم كمثل الذين يستمسكون بالعقل فلا يؤمنون بغير ما يدركه ، وما كانت العقول الضعيفة لتدرك قط هذه المراتب المذكورة اللهم إلا العقل الكلي الربانيز

أنّى للعقل الجزئي أن يفطن ويحيط بالقرآن ا؟

كما لا يتسنى للعنكبوت أن يصيد العنقاء

كل هذه العوالم تشاهد وتحدث في وادي الحيرة والسالك يطلب المزيد في كل آن بلا ملل كذلك كان سيد الاولين والآخرين يقول اظهارا للتأمل واستمتاعا بالحيرة ” رب زدني فيك تحيرا” ثم ألم تر إلى كمال خلق الانسان كيف انطوت فيه كل هذه العوالم واستترت هذه المراتب.

أتحسب انك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر؟

اذا لا بد من الجهد في افناء الرتبة الحيوانية حتى يتجلى فينا المعنى الانساني ،هذا وضرب لقمان- الذي ارتشف من عين الحكمة وانتهل من بحر الرحمة – لابنه ناتان- اذ يثبت له مقامات الموت والحشر – النوم مثالا واقام به دليلا، وهذا العبد الفاني يذكر في هذا المقام من أمر طالب التوحيد وشيخ التعليم والتجريد كي يبقى ذكرا باقيا ، اذ قال ” يا بني إن استطعت ألا تنام استطعت ألا تموت ، ولو قدرت على أن لا تصحو من نومك لقدرت على ألا تقوم للحشر بعد موتك”.

يا خليلي : لا تجعل من قلبك وهو موضع الاسرار الباقية – موضعا للافكار الفانية ولا تفرط في عمرك الغالي النفيس باشتغالك بالدنيا الفانية انت من عالم القدس فلا تعلق قلبك بالتراب وانت على بساط الانس فلا تستبدل به موطن التراب ، وبعد – فليس لذكر هذه المراتب من نهاية و هذا العبد قد عزف من صدمات اهل الزمان

يظل هذا القول ناقصا مضطربا

فليس لي قلب فأغفر لي عزوفي

يئن القلم ويبكي المداد ويهدر نهر القلب بالدماء ” لن يصيبنا الا ما کتب اللّه لنا ” و السّلام علی من اتبع الهدى. ”

 

7- وادي الفقر الحقيقي والفناء الاصلي:

ثم إن السالك بعد ارتقائه مراتب الحيرة العالية يرد وادي الفقر الحقيقي والفناء المطلق ،وهذه الرتبة هي مقام فنائه عن نفسه وبقائه بالله ، والافتقار عن النفس والغنى بالمقصود واما ذِكر الفقر في هذا المقام يعني الفقر عن كل ما في عالم الخلق والغنى بكل ما في عالم الحق. ذلك بأن العاشق الصادق الحبيب الموافق إذا بلغ لقاء محبوبه ومعشوقه أجج من جمال المحبوب ولهيب شوق العاشق نارا تحرق كل سرادق وكل حجاب وكل ما لديه ، حتى عقله وجلده يحترقان، فلا يبقى من شئ الا الحبيب:

فلما تجلى اوصاف القدم

أحرق الكليم الوصف الحادث

والواصل لهذا المقام، مقدس ومنزه عن كل ما يتعلق بالدنيا فلا من بأس على واردي بحر الوصال أن يفتقدوا الأشياء المحدودة المتعلقة بالعالم الفاني ، سواء أكانت اموالا ظاهرة أم أفكار نفسيه ،ذلك بأن ما عند الخلق محدود بحدودهم وما عند الحق مقدس عن ذلك. وعليك أن تطيل التفكر في هذا البيان حتى تتضح العاقبة : ” انّ الابرار يشربون من کاس کان مزاجها کافورا ” فلو علمت معنى الكافور لعلمت المقصد الحقيقي. هذاالمقام من الفقر الذي قيل فيه ” الفقر فخري ” وللفقر الباطني والظاهري مراتب ومعاني لا أرى من المناسب ذكرها في هذا المقام لذلك ابقيها في ذمة وقت يقضي فيه الله ما يريد. وهذا مقام تهلك فيه لدى السالك كثرة كل شيء ويتجلى فيه طلعة الوجه من مشرق البقاء، ويتجلى معنى قوله : ” كل شيء هالك الا وجهه”.

يا حبيبي : انصت إلى نغمات الروح بسمع القلب والروح واحفظها حفظك لبصرك. فان أيام المعارف الالهيه كغمام الربيع فهي لا تبقى دائما على قلوب البشر ومع ان فيض الفياض لا تعطيل وتعويق فيه ، الا أن لكل عصر وزمان منه رزقا معلوما ونعمة مقدرة فلا يفيض الا بقدر ومقدار ” و ان من شىء الّا عندنا خزآئنه و ما ننزّله الّا بقدر معلوم ” وما ينزل من سحاب الرحمة لا يهطل الا على رياض الروح وما يتسنى هذا الكرم إلا في الربيع، اما الفصول الاخرى ليس لها نصيب من هذا الفضل الأكبر، و الاراضي الجرذه ليس لها قسمة في هذا الكرم .

يا اخي : كل بحر لا يتحوي على اللؤلؤ، وكل غصن لا يثمر وردا، والبلبل لا يتغنى عليه، اذن قبل إن يعود بلبل البستان المعنوي إلى الحديقة الإلهية، و ترجع انوار صبح المعاني إلى شمس الحقيقه، اسعوا لربما تستشم في الدار الفانية شذى من الجنة الباقية وتحيا في كنف اهل المدينة الخالدة، فاذا بلغت هذه الرتبة العالية العليا، وفزت بهذه الدرجة العظمى رأيت المحبوب ونسيت دونه.

إن الحبيب من دون حجاب متجل من الباب والجدار

يا اولي الابصار

فدع قطرة الحياة إلى بحر واهب الحياة هذا هو المقصد الذي سألت ولتفوزن به ان شاءالله. في هذه المدينة تخرق حجبات النور وتزول ” لا لجماله حجابُ سوى النّور و لا لوجهه نقاب الّا الظّهور ” فوا عجبا للحبيب المتجلي كالشمس والناس في طلب الزخرف والمال أجل يظل من شده ظهوره مستورا ومن قوة بروزه مخفيا:

تجلي الحق كالشمس الساطعة عيانا

أسفا لقد تجلى على مدينة العميان

يطوي سالك هذا الوادي مراتب وحدة الوجود والشهود ويتجاوزها إلى وحدة تقدست عن هذين المقامين، ولن يدرك هذا المقال من يلج بالبيان والجدال، بل يحيط به من عانى الجذب والذهول ، ولن يفهم ما قيل الا كل من اصطفى في هذا المحفل مقاما، ووجد من هذه الرياض نسيما.

وعلى السالك في جميع هذه الاسفار الا يحيد قيد شعرة عن الشريعة التي هي في الحقيقة سر الطريقة وثمرة شجرة الحقيقة ، بل يجب أن يتشبث بذيل إطاعة الاوامر، ويعتصم بحبل الاعراض عن النواهي حتى يرزق من كأس الشريعة ويقف على اسرار الحقيقة.

واذا استبهم عليك شئ من بياناتي هذه واحدثت تزلزلا ، وجب عليك إن تعيد المسألة حتى تزول الشبهة ويتجلى المقصد كطلعة المحبوب في المقام المحمود.

ولعل السالك المنقطع ، إن اسعده عون الغيب وأسعفه مدد ولي الأمر في هذه الاسفار التي لا يبدو لها في عالم الزمان نهاية ،يطوي المراتب السبعة في سبع خطوات بل في سبعة انفاس، بل في نفس واحد اذا شاء الله وأراد ذلك من فضله على من يشاء.

أن طيور آفاق التوحيد ، وبالغي لجة التجريد يعدون هذا المقام وهو مقام البقاء بالله منتهى رتبة العارفين في هذه المدينة وغاية وطن العاشقين غير إن هذا الفاني في بحر المعاني يعد هذا المقام أول ابواب مدينة القلب أي أول ورود الانسان إلى مدينة القلب، وللقلب مراتب اربع مقررة نذكرها إن وجدنا لها اصحابا وأهلا :

عندما بلغ القلم وصف هذه الحال

تحطم القلم وتمزق القرطاس

والسلام .

يا حبيبي إن غزال صحراء الاحديه يتتبعه عدد من الكلاب ، وبلبل بستان الصمديه هذا ، يتعقبه عدة منقار ، وهذا الطائر في الهواء الالهي يجلس في كمينه الغراب الحقود، وصيد بر العشق هذا يلحقه الصياد الحسود، يا شيخ اجعل همتك زجاجا لربما يحفظ هذا السراج من الارياح المخالفة ، ولو إن الامل في هذا السراج إن يشتعل في الزجاج الالهي ويلتهب في المشكوة المعنوي ، لان العنق الذي يرتفع بالعشق الالهي بلا شك يقع تحت السيف ، والرأس الذي اشتعل بالحب ، مؤكد سيفنى ، والقلب المتعلق بذكر المحبوب يكون مخضّبا بالدم، فنعم ما قال :

وعش خاليا فالحب راحته عنا

فاوله سقم وآخره قتل

والسلام على من اتبع الهدى ، كل ما ذكر من بدائع الفكر في معنى الطير تحقق وصار معلوما، كأنهم اطلعوا على اسرار المعاني ، ولكن لكل حرف في كل عالم له مقصد معين حسب المقتضى ، نعم إن السالكين يدركون من كل اسم رمزا ، ومن كل حرف سراً ، وهذه الحروفات في مقام اشاره إلى التقديس ك اى کفّ نفسک عمّا يشتهيه هوئک ثمّ اقبل الی مولئک ن نزه نفسک عمّا سوئه لتفدى بروحک فى هوئه ج جانب جناب الحق ان بقى فيک من صفات الخلق ش اشکر ربّک فى ارضه ليشکرک فى سمائه و ان کانت السّماء فى عالم الاحديه نفس ارضه ک کفّر عنک الحُجبات المحدودة لتعرف ما لا عرفته من المقامات القدسية و انک لو تسمع نغمات هذه الطّير الفانية لتطلب من الکوءس الباقية الدّائمة و تترک الکوءب الفانية الزائلة و السّلام علی من اتّبع الهدى. (حضرة بهاءالله)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: