الكلمة فى الكتاب المقدس – التوراة والأنجيل والقرآن

الكلمة في التوراة والإنجيل والقران

 

جاء في انجيل يوحنا ص1 آية 1

” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله ”

الكلمة تعنى الخلق الإلهي وجاء في الحديث القدسي ” كنت كنزا مخفيا فأردت أن اعرف فخلقت الخلق لأعرف ”

فعندما شاء الله أن يتم هذا الأمر خلق كل شيء بكلمة منه فالكلمة هنا تعنى قدرة الله ومشيئته0 كما جاء في المزامير مزمور 33 فقرة 6

” بكلمة الله صنعت السماوات ”

وتؤكد آيات القران ما جاء بالتوراة من أن الله يخلق ما يشاء بكلمة كن فيكون فقال تعالى في سورة البقرة 117

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }

{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }النحل40

ولكن انجيل متى ص1 آية 14 أعطانا مفهوم آخر جديد لمعنى الكلمة فيقول

“والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا لما لوحيد من ألآب مملوءا نعمة وحقا يوحنا شهد له ونادى قائلا ” هذا هو الذي قلت عنه : أن الذي يأتي بعدى صار قدامى لأنه كان قبلي ”

” فان الرب قد خلق شيئا حديثا في الأرض أنثى تحيط برجل ” 0000 ” سيقولون بعد هذه الكلمة في ارض يهوذا وفى مدنها عندما أرد سبيهم ” وقد تمت ولادة المسيح بعد رجوع اليهود من سبى بابل0

والمقصود من هذه الآيات وفى غاية الوضوح أن الله كان يعنى بالكلمة حضرة المسيح علية السلام عندما ألقى الله إلى مريم روح القدس من لدنه التي تمثلت في ميلاد حضرة الروح كما أوضح انجيل متى ص1 آية 20

” إذ ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا ” يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ”

وتتطابق تلك الآيات مرة أخرى مع ما جاء في القران الكريم

{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً }مريم19

{قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }آل عمران47

وهنا نجد أن هذا المفهوم الذي جاء بالكتاب المقدس يتوحد مع ما جاء به القران الكريم من أن حضرة المسيح هو كلمة الله وروحا من لدنه ألقاها إلى مريم فتفضل قائلا

{إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ }آل عمران45

{ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ }النساء171

ولكن يجب أن تستوقفنا هنا هذه اللفظة الواحدة التي وردت في انجيل يوحنا وأيضا في سورتي آل عمران وسورة النساء السابقتين  عندما وصف الله عيسى بن مريم بأنه ( كلمة بشر بها  مريم ) وأيضا ( كلمته ألقاها إلى مريم ) أى أن الله سبحانه وتعالى يقرر في كتابين من كتبه المنزلة هما التوراة والقران أن حقيقة عيسى بن مريم وجوهر طبيعته الإلهية انه كان كلمة من كلمات الله 0

لقد وضح لنا  من الآيات السابقة أن احد مفاهيم الكلمة قد يعنى القدرة الإلهية  وأشار الله أيضا من انه قد يعنى بالكلمة حضرة المسيح 0

وعندما نقول أن المسيح كان كلمة الله فالمقصود من الكلمة ليس الكلمة بحروفها إنما هو أثرها لان الكلمة معنى من المعاني بخلاف حضرة المسيح فانه ذات من الذوات وانه أى حضرة المسيح ذات متصفة بالكلام والإخبار عن الله سبحانه وتعالى ومبعوثا إلهيا ومحدثا عن الذات الإلهية الاعظم 0

ولا يجب أن ننساق وراء ظنوننا وتأويلاتنا من أن الجسد صار كلمة أنها تعنى التجسد أو الحلول وإنما المعنى من أن المسيح كلمة الله كان المقصود منها انه حامل الكلمة الإلهية 00 الرسالة الإلهية التي كلف بها وحملها على أكنافة لتوصيلها إلى الإنسانية مهما كانت الصعاب والعقبات والنتائج 0وهذا القياس يمكن تعميمه على كل الرسل من أنهم كلمات إلهية وان هذه الكلمات لا نهاية لها كما جاء في سورة الكهف ولقمان فقال تعالى :

{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً }الكهف109

{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }لقمان27

وأوضح الله أن ذلك المعنى أى وصف وتشبيه الرسل بالكلمة إنما هو مجرد مجاز أو مثال ليقرب طبيعة الرسل ويقرب هذا المفهوم الإلهي للإنسان ويوضح إرادته ومشيئته من أن الكلمة تعنى الرسول والرسالة التي يبعث الرسل من اجلها فقال تعالى :  {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء }إبراهيم24

{وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ }إبراهيم26

وتلقى آيات الكتاب المقدس المزيد من الضوء الباهر على هذا المفهوم ففي نبوة ارميا من قول الرب ” قد جعلت كلامي في فمك ” باب 1 فقرة 9

وفى سفر حجى الإصحاح الأول عدد1 ” في السنة الثالثة لداريوس في الشهر السادس في أول يوم من أيام الشهر كانت كلمة الرب عن يد حجى النبي إلى زربابل 00 ”

وأيضا جاء في سفر صفيينا الإصحاح الأول عدد   1″ كلمة الرب التي صارت إلى صفينا بن كوشى وابن جدليا ”

( ملحوظة تشير هذه التواريخ إلى مدى الدقة في التوقيت والميعاد الإلهى – ولعلنا نسترشد هنا بالحديث القدسى حديث القلم – أهمية التاريخ والساعة التي سجلت لقاء الملا حسين مع حضرة الباب ) وارجوا من حضراتكم التأمل فى تلك الأحداث بأنفسكم حتى لا أطيل عليكم0

وفى القران يقول تعالى :

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }الشورى24

وفى انجيل لوقا إصحاح 4 عدد  14- 15 ” الزارع يزرع الكلمة وهؤلاء هم الذين على الطريق حيث تزرع الكلمة وحينما يسمعون يأتي الشيطان للوقت وينزع الكلمة المزروعة في قلوبهم 0

والكلمة لا تزرع في حياتنا البشرية لأنها معنى ومفهوم عقلاني وليس مادي لذلك فالزارع الذي يزرع الكلمة هو الله والكلمة هي الرسالة والرسول بلا أدنى شك أما الشيطان فهم العلماء المرتابين المعاندين الذين يحاولون أن يزيغوا ويضللوا  المؤمنين عن معرفة الطريق القويم إلى الله ويحاولون قتل المرسلين في كل زمان ومكان 0

ومرة أخرى يتطابق المفهم الإلهى في الكتاب المقدس والقران حيث يقول تعالى

{وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ }يونس82

{ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }الأعراف158

ويتفضل حضرة بهاء الله في الكلمات المكنونة الفارسية يقول :

يا جوهر الغفلة

وا أسفاه! مائة ألف لسان معنوي ينطق في لسان، ومائة ألف معنىً غيبيّ يظهر في لحن ولكن لا أذن فتسمع ولا قلب فيدرك.

يا ابن الهوى

أنصت حقّ الإنصات!  إنّ العين الفانية لا تدرك الجمال الباقي، والقلب الميّت لا يمتعه إلا الورد الذّابل (لأن كلّ قرين يلتمس قرينه ويأتلف مع جنسه).

 

فإذا قلنا أن الرسول هو كلمة الله فهو حق لأنه حامل تلك الكلمة الإلهية والرسالة الربانية في قلبه وضميره ووجدانه 0 وهو الوسيط بين الحق والخلق الذي بدونه لن تظهر أوامر الله وشرائعه بين الناس0

وأيضا قد ينصرف المعنى من الكلمة بأنها كلمات الله ورسالاته المنزلة على الرسل أيضا أى أن الكلمة الإلهية في كل الرسالات هي الذكر والذي تعهد الله حفظها0

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9

{ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ }آل عمران58

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }الأنبياء105

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ }الأنبياء48

ولكن بعد أن وضح هذا المفهوم من أن الكلمة الإلهية التي هي الذكر وأنها تعنى في المقام الأول الرسالة والرسول 00 فهل يمكن إن يعيننا ذلك الفهم في إيجاد حل منطقي للإشكالية العسيرة بين أتباع الدين المسيحي وأتباع الدين الإسلامي حول موضوع شديد الحساسية لكلا الجانبين ألا وهو مسألة صلب حضرة المسيح ؟ 0

 

 

 

 

 

أول العقبات السؤال المحير

لاشك ان محاولة النظر والتأمل وأجراء حوار مع كافة أتباع الأديان في مسألة صلب حضرة المسيح من عدمه هذا الموضوع الشائك المليء بالعقبات والاعتراضات والاتهامات هو أشبة ما يكون بالدخول وسط حقل من حقول الألغام المتفجرة التي تهدد بنسف كل جهد وإجهاض أى محاولة حتى من قبل أن تبدأ0

 وأول هذه العقبات هو السؤال المحير حقا : هل يمكن أن يقتل رسول أم هذا العمل البشع والنصيب المحزن كان دائما على مر التاريخ الديني الطويل من حظ الأنبياء فقط ؟

إخواننا المسلمين يؤكدون انه لا يمكن أن تقتل الرسل ! ولكن الأنبياء نعم يقتلون !

مستندين إلى كتاب الله فى قوله تعالى :

{ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }البقرة91

{ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ }النساء155

وأيضا { لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ }آل عمران181

ولكن آيات القران الكريم توضح أن ذلك المفهوم ليس صحيحا وان قتل الأنبياء والرسل سنه جائزة وأنهم أى الرسل خاضعين لنفس القانون الذي يسرى على الأنبياء تماما وأوضح سبحانه هذه السنة في العديد من الآيات القرآنية فقال تعالى :

{ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }البقرة87

وبين العلماء على الدوام أن الآيات القرآنية تتحدث على الدوام عن موضوع بذاته يرتبط أولها بآخرها 00 له دلاله واحدة 00 ومفهوم واحد0 والآن نتساءل لم تحدث الله سبحانه وتعالى في السورة السابقة – البقرة 87- في أولها عن عيسى بن مريم  وربط بينه وبين  القانون الإلهى في سنة تكذيب وقتل الرسل فى نفس الآية 0

{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ }غافر28

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ }آل عمران144

{سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الفتح23

وتشير تلك الآيات إلى أن سيدنا موسى ومحمد عليهما السلام كانا عرضة لمحاولات القتل ولم ينف الله استحالة وقوع ذلك بالنسبة لهما لذا فليس من المستعبد أن يقتل الرسل ولعلنا نعجب ممن ينكرون أن الرسل كبشر يمكن أن تقتل رغم ما جاء بآيات القران الكريم ويرفضون التصديق بالسنن الإلهية التي تسرى على كل الناس حتى الرسل والأنبياء وبأنه لا دوام  إلا الله الواحد الأحد0 وان الوفاة والموت هي الحقيقة الوحيدة في هذا العالم0

كما قال تعالى : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57

{أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ }النساء78

{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }الرحمن26-27

 

فالرسول في صورته البشرية إذا لم يقتل فانه سيموت لا محالة سواء طال اجله كسيدنا نوح أم قصر كحضرة عيسى عليهم جميعا الصلاة والسلام تعددت الأسباب والموت واحد , ولكن ما سيبقى هو كلمات الله ورسالاته التي لن يستطيع البشر قتلها أو تبديلها أو مقاومتها0

وقد كان المسيح واحدا من هؤلاء الرسل كما قال الله فى كتابه العزيز :

{ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }المائدة75

 

ثم تأتى أم العقبات وأخطرها في حوارنا في مسألة صلب حضرة المسيح وهى فى سورة النساء آية رقم 157 حيث قال تعالى :

{ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ إتباع الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157

وهنا يجب أن نتوقف أمام أكثر من كلمة في تلك الآية يجب الإلتفات إليها والتوقف قليلا أمام مفهومها والمراد منها0 وأول هذه الكلمات المحيرة عندما أعلن الله أن عملية الصلب كانت غير يقينية بل ( شبه ) لهم وهى كلمة يمكن أن تعنى خيل لهم أو تهيأ لهم وهى كلمة خطيرة ألقت بظلال الشك المحير على حدوث واقعة الصلب 0 وطبعا حضراتكم تعلمون تمام العلم ما فسره العلماء من معاني لتك الكلمة وأنها تعنى أن الله قد ألقى بشبه حضرة المسيح على زيد من الناس وتم صلب هذا الرجل بدلا عن حضرة المسيح0

ثم تتابعت الآيات لتؤكد مفهوم الشك والحيرة والتخبط عند الناس عندما نتأمل تلك الجملة القصيرة التي وردت بعد ذلك في الآية ( وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ) بل وأكد الله أن الذين اختلفوا فيه جميعا لا علم لهم بالحقيقة ولكنهم يرجمون بالظنون وعدم التأكد والوثوقية وانتفاء حق اليقين 0فمثل هذه الكلمات ألقت بالجميع كما أشار القران الكريم في فيافي الشك والحيرة التي أعمى سرابها عيون الاقدمين والمحدثين سواء بسواء وأحدثت شرخا عميقا بين أتباع الديانات0

والآن هل لنا بل ولابد لنا أن نتساءل من هم يا ترى هؤلاء الذين عناهم الله بأنهم اختلفوا ؟ وبديهي أن الاختلاف لا يكون من جانب واحد بل يتطلب طرفان ليتنازعا ويختلفا بين مؤيد ومعارض أو خصمان أحدهم مصدق والآخر مكذب0 ولنحاول أن نستقرأ التاريخ ونرى الأطراف المتنازعة على الساحة وقت نزول تلك الآيات وموقف كل منهم من هذه المسألة الشائكة وهم بالتحديد اليهود والمسيحيين والمسلمين0

فهل كان الخلاف على قتل المسيح بين اليهود والمسيحيين نقول لا على الفور لان اليهود اعترفوا أنهم قتلوا حضرة المسيح والمسيحيين اقروا بان رسولهم قد قتل إذن فليس هناك أى خلاف بين اليهود والمسيحيين 0

إذن هل كان الخلاف بين المسلمين والمسيحيين أقول جائز 00 لكن الخلاف الأكبر والأعظم كان في المقام الأول ما بين اليهود وبين المسلمين لان اليهود هم من تبجحوا بقتل حضرة الروح والمسلمين هم من نفوا إمكانية حدوث تلك الجريمة وقالوا بأنها لم تتم حسب ادعائهم بل شبه لهم حسب ما جاء بالقران الكريم 0

والآن نحاول أن منطقيين في تفكيرنا ونبحث الموضوع في هدوء ورصانة  ونتلمس المعنى الكامن وراء كلمة ( شبه لهم ) فلربما أضاءت لنا بعض الظلمة التي غلفت القلوب بما أراد الله أن يوضحه للبشر جميعا0

وعلى الرغم من أن حياة حضرة المسيح القصيرة وان دعوته قد نشأت أساسا في بلدة الناصرة بين جماعة من صيادي الأسماك ومن حولهم شعب اليهود الذين كذبوا دعوته وائتمروا على قتله فقد كتب ونسب إلى حضرته الكثير من أقواله ومواعظه وأفعاله التي تراوحت ما بين الحلم الجميل في إقامة عالم كله سلام ومحبة ويؤسس بفضله ملكوت الله على الأرض وبين التيه والشك والحيرة حول مصيره المؤلم الحزين 0

 

أولا : الحلم بمجيء مخلص العالم

فجاء في رسالة كورنثوس 1″ لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه ”

متى ص 21 عدد 10-11 ” ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة من هذا ؟ فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل 0″

متى ص 23 عدد9 ” لا تدعوا لكم أبا على الأرض لان أباكم واحد في السماء ولا تدعوا معلمين لان معلمكم واحد المسيح ”

وفى انجيل لوقا ص 7 يحكى عن معجزة السيد المسيح في إحياء الموتى يقول ” ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون فقال أيها الشاب لك أقول قم فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه فاخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه 0 وخرج هذا الخبر عنه فى كل اليهودية وفى جميع الكورة المحيطة ”

وفى انجيل يوحنا ص 1 عدد 51

” من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان ”

وأيضا في ص 5 عدد 24

” الحق الحق أقول لكم أن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ”

وأخيرا شهادة الناس بأنه نبي في انجيل يوحنا ص6 عدد 14 ” فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا أن هذا هو في الحقيقة النبي الاتى إلى العالم ”

كانت تلك هي حالة الحلم الذي راود الكثير من الناس البسطاء في فترة من فترات دعوة حضرة المسيح كما أوردتها الأناجيل 0 فامنوا بدعوته إيمانا لا يتبدل , ووثقوا أيضا في مظهريته ثقة كاملة لا تتزعزع0

ولكن على الجانب الآخر كان هناك الكثير من الشكوك والظنون

ففي انجيل يوحنا ص 7 عدد 40 ” فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النبي وآخرون قالوا هو المسيح ”

وعندما اقتربت الساعة الحاسمة قال حضرة المسيح ” هو ذا ياتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي وأنا لست وحدي لان الآب معي 000000 ولكن ثقوا أنا غلبت العالم ” يوحنا ص16 عدد 32

كان يسوع المسيح فى أمس الحاجة للمساعدة في تلك الأوقات وحيدا بلا نصير يتوقع النهاية فى كل لحظة ولا يملك لنفسه خلاصا من النهاية الآتية سريعا ومع ذلك يعلن انه قد غلب العالم0 فكيف سؤال محير لمن كان شاهدا تلك الأحداث ويلقى في عقولهم وقلوبهم  بظلال شك رهيبة قد لا تجد جوابا سوى المزيد من الشك والحيرة0

وعند محاكمة حضرته تراوح الشك العظيم بين الطبيعتين اللتين ميزتا حضرة المسيح بين شخصية ابن مريم الإنسان العادي والذي هو معروف ومعلوم لديهم تمام المعرفة لأنه كان من أسرة شهيرة معلومة النسب وبين مقامه المختلف تمام الاختلاف كنبي مرسل موعود في كتبهم يجب عليهم الإيمان به وتصديقه والخضوع لأوامره وأحكامه لذا كان السؤال الأوحد الذي يتردد في أروقة  وقاعات المحكمة هل أنت المسيح ؟ هل أنت ملك اليهود الذي سيجلس على عرش داوود ولم يسأل مرة واحدة عما إذا كان هو الإنسان العادي ابن يعقوب ومن صلب يهوذا0 كما  جاء في انجيل متى  ص 26 عدد 63

حتى أن رئيس الكهنة في مجمع من العلماء استحلفه باسم الله الحي سائلا إياه قائلا ” أأنت المسيح ؟ فأجاب أنت تقول – ولم يقل أنا هو ”

وفى انجيل يوحنا ص18 33- 36 يسأل بيلاطس حضرة المسيح قائلا : ” أأنت ملك اليهود فأجابه يسوع مملكتي ليست من هذا العالم ولو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكيلا اسلم إلى اليهود ولكن الآن ليست مملكتي من هنا ” حقا إجابات محيرة تثير ألف تساؤل دون إجابة تقنع عقول من حوله0

وفى انجيل لوقا إصحاح 22 فقرة 67 سالوا حضرته مرة أخرى ” إن كنت أنت المسيح فقل لنا 00 فقال : إن قلت لكم لا تصدقونني وان سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني ”

وفى إصحاح 14 عدد 27 يحسم حضرة المسيح هذه المسألة بل ويؤكد مسألة الشك الذي يعترى الجميع قائلا ” كلكم تشكون في هذه الليلة ”

والآن ننظر في ما يردده الناس حتى بين المسيحيين أنفسهم في بعض الأحيان فاذكر قول احد أعضاء الانسيتورى فرا نسى في باريس يقول ” في كتابة عقيدة المسلمين في بعض المسائل النصرانية ص 49 ” أن القران ينفى صلب المسيح وانه القي شبهه على غيره وهو ذاهب إلى محل صلبه وانه وربما ألقى هذا الشبه على سيمون السبرناى تماما ثم أخفى نفسه ليضحك على مضطهديه ”

وأيضا قيل أن هذا الشبه كان من نصيب احد الحواريين صلب بدلا من عيسى وجاء في انجيل برنابا أن الذي صلب هو يهوذا الاسخريوطى ”

ويقول مامن في الجزء الأول من كتابة تاريخ الديانة النصرانية ” أن تنفيذ حكم الصلب تم في وقت الغسق وانسدال ثوب الظلام مما يستنتج منه إمكانية اسبتدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين حكم الإعدام ”

بينما يقول الأستاذ باسيليوس الباسيلدى ” ومعلوم أن نصارى سوريا هم الذين وقعت هذه الحادثة بينهم فهم اقرب الناس إلى العلم بحقيقتها وكذلك من جاورهم من نصارى المصريين فشهادتهم اقرب إلى الحق من غيرهم ”

هذه الكلمات رغم تأكيد الأناجيل الأربعة أن السيد المسيح قد قتل على الصليب وأنهم استمعوا إلى كلماته الأخيرة والبشارة التي قالها من فوق الصليب إلى احد المحكوم عليهم بالموت فوق الصليب إلى جانبه وشاهدوه وعاينوا جثته أيضا بعد إنزالها من على الصليب0

 

تضارب ما بعده تضارب واختلاف لا أمل في رأب صدعه في العقيدة والمفهوم وكان حضرة المسيح كان ملهما حينما قال ” عميان يقودون عميان ”

وكما أوردنا سابقا عن مدى الشكوك بين العالم المسيحي في مسألة صلب حضرة المسيح جاءت فتوى فضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر السابق عن سؤال ” هل عيسى حي أو ميت في نظر القران الكريم وما حكم من لا يؤمن به إذا فرض وعاد إلى الدنيا  مرة أخرى ؟ “والتي نشرت بمجلة الرسالة – السنة العاشرة – في العدد 462 لتزيد من حرارة الشك والحيرة بين المسلمين أنفسهم0

فتفضل شيخ الأزهر الجليل قائلا قال الله تعالى في سورة المائدة

” {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }   المائدة 116- 117

هذه الآيات التي عرض القران فيها لنهاية عيسى مع قومه والآية الأخيرة تذكر لنا شانا أخرويا يتعلق بعبادة قومه له ولامه في الدنيا وقد سأله الله عنها وهى تقرر على لسنان عيسى عليه السلام انه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به ( اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) وانه كان شهيدا عليهم مدة أقامته بينهم وانه لا يعلم ما حدث منهم بعد أن توفاه الله0

وتفضل شيخ الأزهر الجليل يقول ” وكلمة توفى قد وردت في القران كثيرا بمعنى الموت حتى صار هذا المعنى هو الغالب {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ 0000 فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً }النساء97

{ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ }النساء15

ومن حق كلمة توفيتني في الآية أن تجمل هذا المعنى المتبادر وهو الإماتة العادية التي يعرفها الناس ويدركها من سياق اللفظ والسياق الناطقون بالضاد0 ولا سبيل إلى القول بان الوفاة هنا المراد بها وفاة عيسى بعد نزوله من السماء بماء على زعم من يرى بأنه حي في السماء وانه سينزل منها آخر الزمان لان الآية ظاهرة في تحديد علاقته بقومه هو لا بالقوم الذين يكونون آخر الزمان وهم قوم محمد لا قوم عيسى 0

وقالت الفتوى ” ومن الطريف أنهم يستدلون على أن معنى الرقع في الآية (بل رفعه الله إليه ) هو رفع عيسى بجسده إلى السماء ويستدلون على ذلك بحديث المعراج وان سيدنا محمد رأى عيسى عليه السلام هو وابن خالته يحيى في السماء الثانية ( ويكفى توهين هذا المستند ما قرره كثير من شراح الحديث في شأن المعراج وفى شأن اجتماع محمد صلعم بالأنبياء وانه كان اجتماعا روحانيا لا جسمانيا ” وانظر فتح الباري وزاد المعاد وغيرها ”

ولذلك تعجب شيخ الأزهر قائلا : أنهم يستدلون على معنى رفع عيسى في الآية (بل رفعه الله إليه ) أى بجسده بحديث المعراج بينما يرى فريق آخر يستدل على اجتماع محمد عليه السلام بعيسى كان اجتماعا جسديا بما جاء في الآية وهكذا يتخذون الحديث دليلا في شرح الآية ويتخذون الآية تفسيرا على ما يفهمونه من الحديث 0

ولكن الخبر المؤكد تماما أن هناك رجل قد صلب في تلك الليلة  وثارت كل تلك الشكوك حول هذه الشخصية وهامت الظنون حول حقيقة الرجل الذي صلب هل هو المسيح الموعود كلمة الله أم صلب جسد عيسى ابن مريم الإنسان البشر ام أن الذي صلب هو سيمون السبرناى ام هو يهوذا ام هو احد المجرمين 0

هنا تفرقت الظنون والأوهام وتاهت الحقيقة والعقول بين الشك واليقين 0

ولذلك جاءت الآية القرآنية الرائعة “{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ إتباع الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157

لتدلل وتبين حيرة الناس في هذا الحدث العظيم واللبس والاشتباه فيمن علق على الصليب والشك والريبة في كل ما فعل اليهود من محاولات يائسة للقضاء على الرسالة الإلهية0

وطالما ما تصور البشر أن الرسول هو اضعف حلقة في المنظومة الإلهية وهى ( الله – الرسول – الرسالة ) لان الناس لا ترى الله ولا تستطيع محاربته مثلا أما الرسالة- والتي كانت الهدف الاسمي لعنادهم ومقاومتهم – فلم يتمكنوا أبدا من وقف لهيب انتشارها وذيوع خبرها بين الناس لأنها كانت كلمة حفظت وأخفيت في صدور المؤمنين ولا سبيل للإطلاع عليها , ولم تفلح قرائحهم أو أفكارهم الشيطانية فى اختراع وسيلة ما لانتزاعها من صدور وقلوب المؤمنين سواء ما دام الرسول قائما وسطهم أو حتى بعد أن يغادر عالمنا الأرضي لذ كانت الوسيلة الوحيدة والعلاج الامثل المتاح بين أيديهم على الدوام هو كسر الحلقة الوسيطة بين الله والبشر بقتل الرسل والأنبياء لمنع كلمة الله والأمر الإلهي من الوصول إلى كافة الناس0

وأخيرا انفتحت أبواب العناية الإلهية لينفض الختم ويُكشف السرُّ الذي طال انتظاره الذي انزل بمجيء حضرة بهاء الله موعود كل الأمم كاشفا الغطاء عن حوريات المعاني المخبوءة في وضوح باهر وليحل كل الإشكاليات التي لم تستوضح معانيها في كل الكتب الإلهية السابقة

وذلك لان الله قد ختم – أي أخفى – المعنى الحقيقي للآيات إلى يوم القيامة كما جاء في سفر دانيال آية 4اصحاح 12

 

” أما أنت يا دانيال فاخف الكلام وإختم السفر إلى وقت النهاية “

 

وكذلك :  “اذهب يا دانيال لان الكلمات مخفية ومختومة إلى وقت النهاية “

 

” فأجابني الرب وقال اكتب الرؤيا وانقشها على الألواح لكي يركض قارئها بعد إلى الميعاد وفى النهاية تتكلم ولا تكذب 0 إن توانت فانتظرها لأنها ستأتي إتيانا ولا تتأخر” 

 

وفى القرآن يقول تعالى  : {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }السجدة25

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }البقرة113

{لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ }النحل39

فأوضح المفهوم البهائي أن حضرة المسيح كان له مظهران احدهما وهو الأهم هو الجانب الإلهى الروحاني كما تفضل حضرته بقوله :” المولود من الجسد فهو جسد والمولود من الروح فهو روح ”  فجاء ميلاده عجيبا حيث ولد من الروح القدس التي وهبها الله لمريم العذراء فهو فى الحقيقة روح0

” إذ ملاك الرب قد ظهر له فى حلم قائلا ” يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” متى ص1 آية 20

وفى القران قال تعالى مؤكدا تلك الحقيقة

{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً }مريم19

وهذا هو الجانب الاخفى للرسول أو المظهر الإلهى الحاكم على كل الموجودات المعبر عن إرادة ومشيئة الله سبحانه وتعالى أو القناة التي تستفيض منها الإرادة الإلهية على عالم الإنسانية وهو كلمة الله النافذة فلا يمكن لقوة على ظهر الأرض أن تصل إليها أو تظهر فوقها أو تكسف سنى سطوعها أو تقهر قوتها أو تتغلب عليها 0

فيتفضل حضرة بهاء الله يقول أن الله :

” قد اظهر بين الخلق جواهر قدس نورانية من عوالم الروح كي تحكى بتمامها عن شمس الوجود وجوهر المقصود فمثلا علمهم من علمه وقدرتهم من قدرته وجمالهم من جماله وظهورهم من ظهوره وهم مخازن العلوم الربانية ومواقع الحكمة الصمدانية ومظاهر الفيض اللامتناهى ” الإيقان ص 66

 

والجانب الآخر هو الجانب المادي أو الجسد البشرى التي جاءت على شاكلتها وهيئتها كل الرسل والأنبياء فهو ولد من السيدة العذراء مثله مثل أي طفل يولد في العالم وتلك كينونته البشرية التي يسرى عليها كل القوانين الأرضية من آلام ومتاعب ونمو وحياة وأيضا موت ووفاه وفى هذا الجانب يكون الرسل بين أيدي أعدائهم يذيقوهم مر العذاب بالاعتراض والتكذيب والاستهزاء بل والطرد من الديار حتى القتل إن أمكنهم ذلك0

{ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ }المائدة75

{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً }الفرقان7

{ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً }الفرقان20

تفضل حضرة بهاء الله في  أحد بياناته :

توجد في الوجود آية مذكورة في الألواح وعبرت عنها بالإكسير الأعظم وهذه الآية لو تكون موجودة في أي نفس ستصبح جميع أفعاله وحركاته نافذة ومؤثرة في العالم , لاحظ أن حضرة المسيح الذي أستشهد بيد اليهود وكان هذا الاستشهاد بالنسبة لهم غير ذات أهمية لدرجة أنهم لم يذكروا هذا الحدث في كتبهم ولكن بما أن تلك الآية كانت موجودة في السيد المسيح لم يبق مجهولا تحت التراب ولاحظوا كم أحدث انقلابا في العالم “0

فاليهود عندما صلبوا المسيح عليه السلام كان قصدهم قتل كلمة الله وإخماد رسالته بين العالمين التي هي ذكر من عند الله وان الله قد تعهد بالحفاظ علي هذا الذكر وتصورا أنهم منتصرون بلا أدنى شك في تلك المعركة لأنها السبيل الأوحد لتثبيت مقامهم والحفاظ على كبريائهم وتشبسهم الأعمى بسلطانهم واستمرار هيمنتهم على الناس0

ويوضح الأستاذ جورج تاوزند كتابه الرائع هذا ما وعد الرحمن ص 203 طبيعة تلك المعركة التى لا تخمد لها أوار ما بين الأيمان والضلال بين الظلمة والنور فيقول  ” فقد فنهض كل منهم في مقامه يجابه حضارة فاسدة وثنية قاسية ويتحداها وفى تلك المعركة الطاحنة التي تلت قيامهم على الأمر تلك المعركة التي لم يسأل فيها أحد الطرفين هدنة ولم يجنح إلى سلم لم يرفع أولياء الله يدا للدفاع عن النفس ولم يهربوا من المخاطر ! ولم يظهروا حقدا ولا كراهية0000

ونعود مرة أخرى إلى الآية الكريمة التي تقول : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ }آل عمران44

أى انه حتى الرسول سيدنا محمد عليه السلام كان من الممكن أن يسرى عليه نفس القانون وكان من الممكن أن يقتل عندما حاولت قبائل قريش ذلك ولكن الله أنجاه من مكائدهم ليتم رسالته ومع هذا أوضح الله انه لو حدث ذلك المصير للرسول لما استوجب على الناس أن ينقلبوا إلى الكفر بعد الإيمان 0

” فلو أراد حضرة المسيح الهرب لتوفر له الوقت من قبل ذلك بكثير وخصوصا وهو يتوقع المأساة القادمة كالعاصفة المدوية بلا أدنى شك 0

عندما ألقى بشبهه على إنسان آخر وأخذوه ليصلب بدلا عنه فهل أحدا منا يظن أن تلك هي أخلاق حضرة المسيح وهل يسمح نبل ضميره الحي بان يترك إنسانا آخر يحتمل عقوبة قصوى كالموت على الصليب جزاء جرم لم يرتكبه وهو من جاء ليرسى قواعد المحبة والسلام والعدل الإلهى على الأرض

ونتذكر بعض كلماته المحيية للنفوس والأرواح يقول  ” باركوا لاعنيكم 0000 سامحوا سبع سبعين مرة 000 أن كنتم تحبون من يحبونكم فما فضلكم 000

لقد كانت الشهادة في سبيل الله هي أروع المحطات التى طالما توقف أمام قسوة مشاهدها الدامية الحزينة كافة صنوف البشر فمنهم من يتهمهم بالغفلة لأنهم أهملوا حسابات القوة والغلبة ومنهم من سخر لأنهم اختاروا القتل المؤلم على مباهج الدنيا وملذاتها وهناك من أعجب أيما إعجاب ووقف مبهورا بتلك البطولات النادرة المثال 0 وأروع دليل قدمه صف طويل من الرسل والأنبياء والقديسين  تدليلا لصدق ايمانهم وفدوا بحياتهم عقائدهم التى يؤمنون بها وعلى سبيل المثال اذكر ” يوحنا المعمدان وذكريا الحصور وياسر وزوجته سمية وعلى بن أبى طالب والحسين سيد الشهداء ” فهل كان كل هؤلاء الرجال الذين قدموا حياتهم قربانا لمعتقداتهم أكثر شجاعة من حضرة المسيح الذي فضل الفرار من المعركة وترك غيرة يتحمل العقاب بدلا عنه وهل يقبل الله هذا  العمل المجحف لعدالة السماء0

ومع كل هذا يقول التاريخ الآن أن حضرة المسيح قد أصاب رغم موته حينما تصدى للعالم اجمع وهو يعلم تمام العلم بان موازين القوى المادية لم تكن في صالحه واخطأ اليهود رغم انتصارهم عليه وصلبه تماما كما تنبأ ” أنا غلبت العالم”

” وهنا غلطة الشهداء 00 بل قل صواب الشهداء 00 ومن هو الشهيد أن لم يكن هو الرجل الذي يصاب ويعلم انه يصاب لان الواقع يخذله ولا يجرى معه إلى مرماه ؟ فمنذ القدم , اخطأ الشهداء هذا الخطأ , ولو أصابوا فيه لما كانوا شهداء ولا شرفت الدنيا بفضيلة الشهادة ” 0 الحسين سيد الشهداء – عباس العقاد

 

نصر المؤمنين

 

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }البقرة214

{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }الأنعام34

{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ }يوسف110

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }الحج39

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }الروم47

{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }غافر51

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: