أسباب تعدد الأديان وتعاقبها وتتابعها على مر الأزمنة

أسباب تعدد الأديان

البشرية بحاجة الى من يداوي عللها ويبرئ أمراضها ويمنحها الصحة والعافية من أوبئتها الاجتماعية وآفاتها الفكرية والسياسية ليخرجها من قبور الأوهام والتخلف وينهضها من لحود السبات والغفلة. فالغاية هي الوصول الى علاج مفيد ودواء ناجع تتناوله مجتمعات البشر حسب إرشادات طبيب حاذق مهما كان مرّاً وقاسياً للحصول على نتيجة إيجابية تفي بالمطلوب للخروج من هذه الهاوية، وربما أدت الى الخروج بفكر جديد يقارب في تأثيره السليم ما فعله الدين الإسلامي الحنيف بعرب الجاهلية، لمواكبة ركب شعوب العالم المتقدم. وكل ما يرجى من القارئ اللبيب، نبذ التعصبات جانباً، فالتعصب بعينه هو جرثومة المرض دينياً كان أو مذهبياً أو فكرياً أو وطنياً، لتصويب بعض الأفكار والمعتقدات دون انحياز الى فئة دون أخرى.

تسود العالم اليوم موجة شديدة تدعو الى الابتعاد عن الدين والتقرب من المادية، ويتفاخر بذلك بعض أنصاف المثقفين وينسبون الى الديانات وأفكارها السبب الأساس في تخلف الشعوب واختلافهم وتجدد المنازعات والحروب التي حصلت وما زالت تحصل بين الأمم.
لكن هذا الرأي يحتاج الى وقفة تأمل، رغم امتلاكه شيء من الحقيقة، لأن كثير من أتباع الديانات الجاهلين بحقيقة سماحة دياناتهم، كانوا أنفسهم سبب المآسي والحروب بما حملوه من مفاهيم دينية خاطئة. فالديانات السماوية دعوة صادقة للمحبة والاتفاق والسلام وساهمت بشكل كبير ومباشر في نقل الشعوب نقلات حضارية كبيرة. ومن المؤكد ان سبب تعددها كان نتيجة ضرورية وحتمية لتطور المجتمعات ورقي الشعوب، فالبشرية في حالة تطور وتقدم مستمر ولابد من تغير وتجدد القوانين الشرعية لكل دين حسب مقتضيات الزمان والمكان والمجتمع، مثل أحكام الطلاق والمواريث والقصاص والتعبد والطقوس والصلاة وغير ذلك، أما جوهر وحقيقة الديانات فتبقى ثابتة على حالها دون تغيير، فكلها تدعو الى الخير والعمل الصالح والمحبة والصدق والصفاء والقناعة والشرف والاتحاد والسلام، ولو كان الغرض الحقيقي من تعاقب الديانات وتسلسلها هو عبادة الله فقط، لكان من الأفضل استمرار اعتناق البشرية بتمامها لدين سيدنا إبراهيم(ع) حتى هذا اليوم ولا ضرورة لتعدد الديانات ونزول الرسل والأنبياء. ولكن بما ان صفة التطور والتقدم والرقي والتفتح الفكري هي من الصفات الملازمة لطبيعة الإنسان لذلك كان التجديد والتغيير في الشرائع ضرورياً ومستمراً.

لنضرب مثلاً على سبب تعدد الأديان: لو كان لرجل، ولد راشد يسكن بعيداً عنه يقوم بعمل معين نيابة عن والده، وكتب الوالد رسالة لولده بخط يده وختمها ووقعها وأرسلها بيد صديق موثوق به عندهما. فمن المؤكد ان الابن سوف يلتزم بأوامر الرسالة ولن يجد بُداً من تنفيـذ ما جاء فيها، هذا إذا كان الابن محباً ومطيعاً لوالده. ولنفترض أن جاء الابن صديق آخر بعد فترة يحمل رسالة أخرى تحمل نفس توقيع الوالد وختمه وبخط يده، إلا انها تحمل بعض الأوامر الجديدة التي تختلف في الظاهر عن أوامر الرسالة السابقة! فما يتوقع ان يفعل الابن؟ هل يترك الرسالة الثانية لأنها تختلف في بعض أوامرها عن الأولى؟ أم يعمل بها ويوقف العمل بأوامر الرسالة الأولى؟ وهل يتردد في التنفيذ ويقول ان والدي متذبذب لا يستقر على رأي وانه حيرني فيما يريد وشتت أفكاري، أم يشرع في التنفيذ دون مناقشة أو تردد؟ من المؤكد إنْ كان الابن واثقاً من حكمة أبيه ورجاحة عقله وقدرته وحسن تصرفه، فإنه سيقول في نفسه ان والدي أعلم مني بمستجدات الأمور وهو أعرف بما يريد وبطريقة التصرف، وهو صاحب المال والعمل، وما أنا الا عامل لديه ومستخدم عنده ومن واجبي تنفيذ ما يريد، لأن الرسالة الأخيرة هي بخط يده وبتوقيعه وختمه ويحملها صديق عزيز ثقة لا يرقى إليه الشك.
ان الله العليم الخبير هو أقدر من البشر وأعلم من عبيده على فهم احتياجاتهم ومصلحتهم، كما انه أكثر رحمة بهم من أنفسهم، فعندما يبعث رسولاً الى قوم يختارهم، فما عليهم ان كانوا يؤمنون بعلم الله وحكمته، سوى الطاعة والتنفيذ، وإلا سيكونون مستحقين لعذابه وسخطه إذا قالوا ان الرسالة الجديدة تخالف الرسالة القديمة في بعض نصوصها وأحكامها ومفاهيمها وتقضي بأوامر لم نسمع بها من قبل، ونحن ننتظر شخصاً معينا بذاته ليجدد ديننا ولا ينسخه، أو ننتظر نفس رسولنا السابق ليأتي حاملا أوامر جديدة وليس هذا الرجل الغريب المجهول الذي لا نعرفه، أو ان هذا قاتل أو غير معروف الأب أو يتيم فقير.
لذا وجب عدم الاعتراض على تتابع وتوالي الشرائع السماوية مهما كانت متباينة في الظاهر ومهما اختلفت هيئات الرسل ومهما تباعدت مواطن ظهورها فـ (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(1)، لأن المرسل هو الله الحكيم الخالق الجبار وما البشر الا عباده المأمورين بالتنفيذ، دون التفوه بكلمة: لِـمَ أو بِـمَ، فهذا هو شأنهم ومقامهم الحقيقي، انه مقام العبودية لله الحق، بل ان التنفيذ والطاعة هو أساس وجودهم وحقيقته،

ألم يأخذ الله عهده منهم في قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)(2). فكيف يحق لأحد منهم اعتراض أو الصد والإنكار؟
ان البشر مثل طلاب مدرسة، فبالرغم من دراستهم جميعاً في مدرسـة واحدة وخضوعهم لنظام واحد ومدير واحد ومنهاج واحد، الا ان مناهج الدراسة وكتبها تختلف باختلاف مستوياتهم، فمنهج الصف الأول غير منهج الصف الثاني، والثالث غير الرابع وهكذا، فلا قدرة ولا قابلية للتلميذ وهو في مرحلة معينة على ترك مستواه الدراسي والانتقال الى مستوى آخر أعلى منه، وما عليه إلا الاجتهاد في دراسته وقراءة منهاجه والمواظبة على الدوام حتى يحقق نجاحه. فإن خالف جزءاً من النظام تعرض للمساءلة، واذا تمادى فمن المحتمل أن يفصل من المدرسة.

عندما يبعث الله الرسل بشرائع وكتب جديدة، فغاية ذلك هو تعليم البشر وتثقيفهم وتطويرهم بتعاليم تتناسب مع مراحل تغير الزمن واختلافه وتجدد متطلبات الحالة الاجتماعية، وليدركوا ان مرحلة رسولية ورسالية قد انتهت وحلّت محلها مرحلة جديدة ورسالة جديدة، وما عليهم سوى الاستبشار بهذا الخير، فهذا دليل النجاح في المرحلة السابقة وليس دليل الفشل والرسوب. ولو أدرك البشر كم هي العنايات الرحمانية والروحانية والعلمية التي تحل عليهم عند قبولهم ديانة جديدة، لما تأخروا لحظة واحدة في قبول رسالات الله. فالاختلاف الظاهري الذي يشاهد في بعض أحكام الديانات مثل الصوم والصلاة والزواج والطلاق والمواريث والعبادات والقبلة ومكان الحج والطقوس الدينية وطرق نشر الدين وتبليغه والتعامل بين أفراد المجتمع وحدود القصاص وغير ذلك، ما هو الا بسبب قصور عقول البشر عن ادراك ضرورة التغيير وحتمية تجدد القوانين الاجتماعية واختباراً لايمانهم وطاعتهم، فالإنسان مخلوق متطور ليس فقط خلال مراحل تاريخه الطويل بل حتى خلال سنين حياته الفردية، فما يوافق عليه اليوم يرفضه غداً، وما يعقله في صغره يستنكره في كبره. فالله واحد ورسله متفقة، كما قال سبحانه وتعالى (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)(3) ومنهجهم واحد لا تباين ولا اختلاف فيه، كما قال تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)(4) ولا سبيل أمام عباد الله سوى الطاعة والموافقة على الانتقال الى الفصل الجديد ودرس الدين الجديد.

أما ما يبدو من اختلافات وفروق بين أتباع الديانات والمذاهب، فذلك بسبب تعنتهم وجهلهم وتعصبهم لدينهم ورسولهم وليس مرده الى تباين حقائق الأديان أو أسسها.

أما من يعتقد ان انتشار الديانات وإيمان الصحابة وأوائل المؤمنين بها قد جاء عن طريق الإقناع والمنطق والمناقشة واستعمال العقل، فتاريخ الأديان وأحداثها الواقعية تخالف هذا المفهوم وتقول بغيره تماما، فالديانات جميعها لم تعتمد في فجر ظهورها على مبدأ العقل والإقناع فقط، فالاسرائيليون كانوا أمة عبيد وأقنان أسرى وأذلاء وعمال سخرة لدى فرعون وقومه، ولم يؤمن بدين سيدنا موسى(ع) إلا عدد قليل من السحرة، بينما اعترض عليه غالبيتهم. كذلك لم يكن أوائل المؤمنين بعيسى(ع) من علماء اليهود وأكابرهم حتى يمكن القول ان الدين المسيحي اعتمد في بداية انتشاره على مبدأ العقل والمعقول والمنطق والمحاججة، فقد كان من بين الحواريون من يمتهن النجارة والرعي وصيد السمك والزراعة، وهؤلاء كانوا من طبقات المجتمع الدنيا، فبطرس(ع) وهو من اعتمد عليه المسيح في نشر دعوته ومثـّله بصخرة دينه، كان صياد سمك لا يعرف حتى أسماء أيام الأسبوع، وعندما كان يخرج من بيته الى البحر لممارسة عمله، كان يأخذ معه سبعة أرغفة من الخبز، ليأكل كل يوم رغيف، وعندما يتبقى معه رغيفا واحدا، يعلم انه يوم سبت وعليه ترك العمل والعودة الى قريته. أما أكابر علماء اليهود وقضاتهم مثل حنان وقيافا فكانوا أول المعترضين على السيد المسيح(ع) ودعوته وهم الذين وافقوا على حكم قتله لاعتقادهم بأنه مدع كذاب. أما عن أوائل المؤمنين بالرسول المصطفى محمد(ص)، فكان غالبيتهم من العبيد الضعفاء ورعاة الإبل وكذلك من غير الأعراب من لا يجيدون اللغة العربية أو فهم فصاحة القرآن بشكل تام مثل بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وغيرهم، فأين موقع العقل والاقناع من هؤلاء الصحابة العظام. وفي المقابل كان أول المخالفين للدعوة الاسلامية أبا الحكم أكبر حكماء العرب آنذاك مما جعل سيدنا محمد(ص) يطلق عليه لقب أبو جهل لشدة اعتراضه وكفره
ان جميع أتباع وصحابة الرسل الأوائل على العموم كانوا من الأميين والجهلة والعبيد، وهذا ليس عيباً فيهم بل شرفاً لهم، لأن ايمانهم اعتمد في الأساس على طهارة قلوبهم وصفاء نواياهم، لذلك كان للكلمة الإلهية آثاراً خلاقة على أرواحهم الطاهرة وقلوبهم السليمة، كما قال تعالى (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(88،89 الشعراء)، وكذلك قوله الكريم (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ . إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(83،84 الصافات)، لذا فازوا أولئك الأخيار بخلعة الايمان قبل غيرهم من العلماء والحكماء وكانوا مصداقا للآية المباركة (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ)(5).

ان الكلمة الإلهية لها تأثيرات وقوى خاصة مؤثرة على الأرواح فتقلّب قلوب الرجال، قوة لا تمتلكها غيرها من الكلمات، هذا بالإضافة الى قوة الرسل الروحية المستمدة من الوحي الإلهي وروح القدس والنفحات الإلهية، وهذا ما يفسر قدرتهم على تغيير العقائد التي عجز عنها غيرهم من الدعاة المدعين. إضافة الى كل ذلك، ان لله طرقا خاصة في نشر أديانه، فهو لا يعتمد على كبار القوم وعلمائهم أو على الملوك والرؤساء، لأن هذه الطريقة تبطل الغاية الحقيقية من ظهور أي دين جديد، ألا وهي الفصل بين المؤمنين والكافرين، لأن ديدن الناس أن يكونوا على دين ملوكهم، وإلا لكان الله قادراً على تبديل أيمان قلوب الملوك والأباطرة والرؤساء، وبالتالي أيمان شعوبهم من بعدهم.
يمكن ببساطة تشبيه فجر الديانات الإلهية بيوم القيامة ويوم الحشر والطامة والساعة والحاقة، ففي يوم القيامة يفصل المؤمن عن الكافر ويجازى كل منهما حسب فعله، وكذلك في فجر ظهور الديانات يحصل نفس الهدف وذات الغاية فالذين يؤمنون بالرسول الجديد يذهبون الى الجنة ومن يكفر به يذهب الى النار.

عندما جاءت رسالة سيدنا موسى(ع)، كانت رسالة كاملة تامة ضمن زمانها لا نقص فيها آنذاك بشهادة القرآن الكريم (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ..)(6)، وكذلك (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)(7)، فالمنهج الإلهي لا يمكن ان يكون ناقصاً (حاشا لله) وما ظهور السيد المسيح(ع) بعد ذلك إلا إعلانا بانتهاء أمة اليهود من دراسة المنهج السابق (شريعة التوراة) وتحقق الهدف والغاية من الديانة اليهودية وازوف وقت الانتقال. ولكن باعتراضهم عليه وتكذيبه وإصرارهم على بقائهم في فصلهم ودينهم السابق، استحقوا عذاب الله وسخطه، فكان لهم ذلك الجزاء الذي شهد التاريخ على ما حل بهم على يد جيوش ملك بابل وقيصر الرومان وغيرهم من سبي وقتل وأسر وتشتيت وتدمير مدينتهم المقدسة أورشليم، وبهذا الاعتراض خسر اليهود مكانتهم الروحية وباءوا بفشل عظيم.

كذلك ما حصل للنصارى بعد ظهور سيدنا محمد(ص)، فهو تكرار لما حدث سابقا، إذ كان المسيحيون أحباب الله سبحانه وتعالى (أحباء الله) في تلك الدورة، حيث انتقلت اليهم الرحمة والبركة والعناية الإلهية واصبحوا هم المختارون وطلاب المرحلة الجديدة ومحط العناية والبركة الإلهية رغم كل ما عانوه من عذاب واضطهاد، حتى زمن بعثة الرسول محمد(ص)، وفي لحظة الظهور تلك، أي ظهور دعوة الإسلام، انتهى منهج الإنجيل السابق ولزم على أتباعه الانتقال الى المرحلة الجديدة والايمان بها وبرسولها، لكنهم عاندوا مثل سابقيهم في قبول رسالته (الا قلة منهم) وفشلوا في ادراك الحكمة الإلهية من التغيير والتجديد ورفضوا الانصياع الى أوامر خالقهم، فكانوا مصداق معنى الآية الكريمة (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(8) مما أدى الى اختيار الله قوما غيرهم وتفضيلهم عليهم، فوقع الاختيار على ملة العرب واصبحوا فيما بعد (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(9).

 

رأينا في الصفحات السابقة أَنَّ كل الشرائع والأديان تعبير عن إرادة كليّة واحدة أرادت تربية الإنسان وهدايته إلى سبل التقدم والرقيّ والعرفان. والنظر إلى الرسالات الدينية المتعاقبة على أنها حلقات متتابعة لدين واحد جوهره إسلام العبد إلى الله وإذعانه للكلمة الإلهية هو التوحيد الحقّ. والدين بهذا المعنى يسمو على الشكليات والفرعيات التي اختلفت من شريعة إلى أخرى تمشّياً مع اختلاف ظروف الحياة وضروراتها في الأزمنة التي بعثت فيها، فضلاً عن تفاوت الوعي الروحاني في كل من الأقوام التي بعثت إليها الأديان‭.

وبعبارة أخرى كانت الرسالات الدينية المتعاقبة بمثابة تجديد للرابطة الوثيقة بين الإنسان وبارئه، وغوث الرحمة الإلهية الدافع للإنسانية نحو آفاق التجديد والتقدم والرقيّ بنوعيهما الروحاني والمادي، وكلاهما في تطور متواصل لا يتوقف حتى أَنَّ الفهم القديم للدين على أنه مجموعة من الشعائر والأحكام لم تعد تتفق مع وجدان الإنسان في العصر الحديث. لقد اتسع مفهوم الدين ليشمل الاستقلال في التفكير الشخصي، والرقابة الذاتية على المشاعر والسلوك، والحكم على الأشياء وفقاً لمبادئ تتوخّى الموضوعية والإنصاف واحترام آراء وحقوق الغير‭.‬

فأيّ تصوّر أو زعم بأنّ أيّاً من هذه الرسالات الدينية المتسلسلة الحلقات أبديّة، أو القول بتوقّف هذه الرسالات وانتهائها بالنسبة للمستقبل هو فهم مرفوض، ولا يستند لا على الحقائق التاريخية ولا على نصوص الكتب السماوية، وإنّما هو قول يستغل غموض الكلام الوارد في الكتب المقدسة على سبيل المجاز ليفرض على العامّة فكراً يعوزه الدليل ويكذّبه الواقع. فدوام الدورات الدينية وتجددها ضرورة يتطلبها الواقع الإنساني، وكان لكل منها أجل معين قادت في أثنائه الأمم إلى حضارة مزدهرة بالمعارف والفضائل التي أفلت عندما حان أجلها، وقل نفوذها على وجدان الناس عندما عجزت عن تنظيم العلاقات البشرية المتغيرة، والحفاظ على متابعة الإبداع الفكري. وبذلك ضاقت آفاق الفكر، وتوقف الإنتاج العلمي، وانقلب التفكير من التطلّع إلى المستقبل والإعداد له إلى النظر إلى الماضي والتمسك به، والاكتفاء بالموروث عن السلف في العصور الغابرة‭.

وقد رأينا أيضاً أن مهام المرسلين في الماضي شملت التصديق بما سبق، والبشارة بما لحق والتحذير من التورط في أخطاء الأمم السابقة، فإلى أي مدى نفع نصحهم وها هي أممهم غارقة في هاوية الخلافات، والاقتتال، والتعصب، والتحزّب، وإنكار الرسالات الإلهية الجديدة؟

‬والمتأمّل الفطن الذي يرى التخلف يُحكم قبضته على ناصية أمتنا، ويشاهد الجمود الفكري ضارباً أطنابه في قلوبنا وعقولنا، ويدرك تشتت آمالنا، وانفراط نظمنا، وانحلال أخلاقنا، لن يفوته عرفان العلة الأولى لهذه العلل. ولا ريب أن الخيار الذي بقي أمامنا لا يخرج عن أمرين: إما أن نلحق بالأمم التي فنت وانعدم ذكرها، وإما أن نسرع إلى مسيرة التقدم الحضاري ونلحق بركب الإصلاح والتجديد. وما نقصده هو ذاك الإصلاح الذي تلده الرسالات السماوية، ويقتضيه الطور الجديد الذي تدخله البشرية، ذاك السراج الوهاج الكفيل بإخراج الأمم من الظلام الديجور إلى أنوار صبح الهدى‭.

الهوامش
1 – سورة الأنعام 124 .
2 – سورة الأعراف 172 .
3 – سورة البقرة 285 .
4 – سورة القمر 50 .
5 – سورة القصص 5 .
6 – سورة الأنعام 91 .
7 – سورة الأنعام 154 .
8 – سورة العنكبوت 2.
9 – سورة آل عمران 110 .

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: