الألوهية – لزوم المربى الالهى-حدود ادراكات العالم الأنسانى-اتباع تعاليم المظاهر الألهية – بقاء عالم الروح و خلودة

هو الله

الطّبيعة خاضعة لقانون عام

        الطّبيعة هي كيفيّة أو حقيقة ينسب إليها بحسب الظّاهر الحياة أو الموت أو بعبارة أخرى يرجع إليها تركيب جميع الأشياء وتحليلها، وهي خاضعة لنظم صحيحة وقوانين ثابتة وترتيبات كاملة وهندسة بالغة لا تتجاوزها أبداً إلى درجة أنّك لو تلاحظ بنظر دقيق وبصر حديد تجد أنّ الكائنات في عالم الوجود من الذّرّات غير المرئيّة إلى أعظم الكرات الجسيمة ككرة الشّمس وسائر النّجوم العظيمة والأجسام النّورانيّة في نهاية درجة من الانتظام سواء من حيث التّرتيب أو التّركيب أو من حيث الهيئة أو الحركة، وتراها جميعاً تحت قانون كلّيّ واحد لا تتجاوزه أبداً، وإذا نظرت إلى الطّبيعة ذاتها، تجدها بلا شعور ولا إرادة، فمثلاً النّار طبيعتها الإحراق وتحرق بلا إرادة ولا شعور، والماء طبيعته الجريان ويسيل بلا إرادة ولا شعور، والشّمس طبيعتها الضّياء وتضيء بلا إرادة ولا شعور، والبخار طبيعته الصّعود ويصعد بلا إرادة ولا شعور، ويتّضح من هذا أنّ الحركات الطّبيعيّة لجميع الكائنات جبريّة، ليست لكائن ما حركة إراديّة سوى الحيوان ولا سيّما الإنسان، فالإنسان يقدر على مخالفة الطّبيعة ومقاومتها، لأنّه كشف طبائع الأشياء، وبذلك يحكم على الطّبيعة وأنّ ما وصل إليه من الاختراعات والصّنائع كانت نتيجة كشفه النّقاب عن طبائع الأشياء

كاختراعه البرق (التّلغراف) الّذي اتّصل به الشّرق والغرب، ومن هذا نعلم أنّ للإنسان سلطاناً وحكماً على الطّبيعة.

        فهل يمكن أن يقال أنّ تلك النّظم والتّرتيبات والقوانين الّتي تشاهدها في الوجود هي من تأثيرات الطّبيعة، مع أنّها لا إدراك لها ولا شعور؟ إذاً فالطّبيعة ليس لها إدراك ولا شعور وهي في قبضة الحقّ القدير، المدبّر لعالم الطّبيعة ويظهر منها ما يشاء.

        يقولون إنّ من جملة الأمور الّتي تحدث في عالم الوجود من مقتضيات الطّبيعة هو وجود الإنسان، إن صحّ ذلك يكون الإنسان فرعاً والطّبيعة أصلاً، وهل من الممكن أن توجد إرادة وشعور وكمالات في الفرع ولا يوجد لها في الأصل؟ فتبيّن من هذا أنّ الطّبيعة من حيث ذاتها في قبضة الحقّ الحيّ القدير الّذي حكمها وأخضعها لقوانين ونظم ثابتة.

(2)

دلائل الألوهيّة وبراهينها

 

        ومن جملة دلائل الألوهيّة وبراهينها أنّ الإنسان لم يخلق نفسه بل الخالق والمصوّر له غيره، ومن اليقين الّذي لا مرية فيه أنّ خالق الإنسان ليس مثل الإنسان لأنّ الكائن الضّعيف ليس في مقدوره أن يخلق كائناً آخر مثله، والخالق الفاعل يجب أن يكون حائزاً لجميع الكمالات حتّى يمكنه أن يخلق ويصنع، فهل من الممكن أن يكون الصّنع في نهاية الكمال والصّانع ناقص؟ وهل يمكن أن يكون النّقش في نهاية الإتقان والنّقّاش غير ماهر في صنعه؟ مع أنّ النّقش من عمله وصنعه، والنّقش لن يكون

مثل صانعه وإلاّ لنقش نفسه. ومهما كان النّقش في نهاية الكمال فإنّه إذا قورن بالنّقّاش يبدو في نهاية النّقص، وعليه فالإمكان معدن النّقائص والله تبارك وتعالى مصدر الكمال، وإنّ وجود النّقائص في عالم الإمكان لدليل على كمالات الله، فمثلاً إذا نظرت إلى الإنسان ترى أنّه عاجز فعجز الخلق دليل على قدرة الحيّ القدير، فإن لم تكن القدرة لما أمكن تصوّر العجز، إذاً فعجز الخلق دليل على قدرة الحقّ ولو لم تكن القدرة لما تحقّق العجز ومن هذا العجز ندرك أنّ في العالم قدرة.

        مثلاً في عالم الإمكان فقر، فلا بدّ من وجود الغنى الّذي يتحقّق به الفقر، وفي العالم جهل فلا بدّ من وجود العلم الّذي يتحقّق به الجهل، لأنّه لو لم يكن العلم لما تحقّق الجهل، لأنّ الجهل عدم العلم، ولو لم يكن الوجود لما تحقّق العدم.

        ومن المسلّم به أنّ عالم الوجود خاضع لأحكام ونظم لا يتجاوزها أبداً، وحتّى الإنسان مجبر على الموت والنّوم وغيرهما، أي أنّه محكوم في بعض المراتب، ولا بدّ لهذا المحكوم من حاكم، وما دام الاحتياج صفة الممكنات ومن لوازمها الذّاتيّة، فلا بدّ من وجود غنيّ بذاته، مثلاً يعلم من وجود المريض أنّ هناك صحيحاً ولو لم يكن هناك الصّحيح لما ثبت وجود المريض، وعليه صار من المعلوم أنّه يوجد حيّ قدير حائز لجميع الكمالات لأنّه إن لم يكن متّصفاً بالكمالات بأسرها لكان كالخلق أيضاً، كما وأنّ أدنى صنعة من الصّنائع في عالم الوجود تدلّ على صانع لها، فهذا الخبز مثلاً يدلّ على أنّ له صانعاً، سبحان الله ألا يدلّ تغيير هيئة الكائنات الجزئيّة على صانع؟ وهذا الكون العظيم اللاّمتناهي أوجد من تلقاء نفسه وتحقّق من تفاعل المواد والعناصر! فما أوضح بطلان هذه

الفكرة! هذه أدلّة نظريّة للنّفوس الضّعيفة، ولو فتحت عين البصيرة لشاهدت مائة ألف دليل من الدّلائل الباهرة، مثال هذا لو كان للإنسان إحساس روحيّ لاستغنى عن دليل لإثبات وجود الرّوح، أمّا النّفوس المحرومة من الفيض الرّوحيّ فتحتاج لإقامة الدّلائل الخارجة عن عالم الرّوح.

(3)

إثبات لزوم المربّي

        لو نمعن النّظر في عالم الوجود نلاحظ أنّ عالم الجماد والنّبات والحيوان والإنسان كلاًّ وطرّاً في حاجة إلى مربٍّ، فإذا لم يكن للأرض مربٍّ يتعهّدها تصير غابة وتخرج نباتاً لا فائدة فيه، أمّا إذا وجد لها من يتعهّدها ويرعاها فإنّها تؤتي أكُلاً يقتات به ذوو الأرواح، إذاً صار من المعلوم أنّ الأرض تحتاج إلى عناية الزّارع ورعايته لها، انظروا إلى الأشجار إنّها لو تركت بدون مربٍّ فإنّها لا تأتي بثمر وتكون عديمة الفائدة، أمّا إذا تربّت وتعهّدت فذلك الشّجر غير المثمر يصبح مثمراً، وبالتّربية والتّلقيح والتّطعيم تعطي الأشجار ذات الأثمار المرّة فواكه شهيّة، وهذه أدلّة عقليّة وأهل العالم اليوم في حاجة إلى الدّلائل العقليّة.

        وكذلك انظر إلى الحيوان تجده بالتّربية يصبح أليفاً، وإذا ترك إنسان بلا تربية يصير حيواناً بل لو ترك والطّبيعة صار أحطّ من الحيوان أمّا إذا ربّيته ألفيته ملاكاً، لأنّ أكثر الحيوان لا يأكل أبناء نوعه، أمّا الإنسان في السّودان بأواسط أفريقيا فإنّه يفتك بأبناء نوعه ويأكلهم،

ومن هذا ترون أنّ التّربية هي الّتي تجمع الشّرق والغرب تحت راية حكم الإنسان، والتّربية هي الّتي تظهر كلّ هذه الصّنائع العجيبة، والتّربية هي الّتي تروّج هذه الفنون والعلوم العظيمة، والتّربية هي الّتي تظهر هذه المكتشفات، فولا المربّي لما تهيّأت بأيّ وجه من الوجوه أسباب الرّاحة والمدنيّة هذه كما ترى، ولو ترك إنسان في صحراء بحيث لا يرى أحداً من أبناء نوعه فلا مرية في أنّه يصبح حيواناً محضاً.

يعلم من هذا أنّه لا بدّ من المربّي، ولكنّ التّربية على ثلاثة أنواع تربية جسمانيّة، وتربية إنسانيّة، وتربية روحانيّة، فالتّربية الجسمانيّة هي لنشوء الجسم ونموّه وذلك يكون بتسهيل سبل المعيشة وتوفير أسباب الرّاحة والرّفاهية الّتي فيها يشترك الإنسان والحيوان، وأمّا التّربية الإنسانيّة فهي عبارة عن المدنيّة والتّرقّي والسّعادة، يعني السّياسة والنّظام والتّجارة والصّناعة والعلوم والفنون والاستكشافات العظيمة والاختراعات الجليلة الّتي بها يمتاز الإنسان عن الحيوان، وأمّا التّربية الإلهيّة فهي تربية ملكوتيّة، هي اكتساب كمالات إلهيّة، هي التّربية الحقيقيّة، إذ بها يكون الإنسان في هذا المقام مركز السّنوحات الرّحمانيّة ومظهر (لنعملنّ إنساناً على صورتنا ومثالنا)، وهذا هو المقصد الأسمى للعالم الإنساني.

        فنحن الآن نريد مربّياً يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً نافذ الحكم في جميع الشّؤون.

        ولو يقول أحد إنّني كامل العقل والإدراك وغير محتاج لذلك المربّي إنّه منكر للبديهيّات ومثله كمثل طفل يقول إنّني لست محتاجاً للتّربية وأعمل حسب ما يوحيه إليّ فكري وبنفسي يمكنني الحصول على

كمالات الوجود، أو كمثل أعمى يقول إنّني في غنى عن البصر لأنّ هناك عميان كثيرين وهم عائشون، إذاً صار من الواضح المشهود أنّ الإنسان محتاج إلى المربّي ولا شكّ أنّ هذا المربّي يجب أن يكون كاملاً في جميع المراتب وممتازاً عن جميع البشر في كلّ الشّؤون لأنّه لو كان كسائر البشر لا يكون مربّياً، خصوصاً وأنّه يجب أن يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً، أي ينظّم ويدبّر الأمور الجسمانيّة ويشكّل الهيئة الاجتماعيّة حتّى يحصل التّعاون والتّعاضد في المعيشة وتنظّم وترتّب الأمور المادّيّة في كلّ الأحوال.

        وكذلك يؤسّس التّربية الإنسانيّة، أي يجب أن يربّي العقول والأذهان بحيث تصبح قابلة للتّرقّيات الكلّيّة، فتتّسع دائرة العلوم والمعارف وتكشف حقائق الأشياء وأسرار الكائنات وخاصّيّات الموجودات، وتزداد يوماً بعد يوم التّعاليم والاكتشافات، ويستدلّ من المحسوسات على المعقولات، وكذلك يربّي تربية روحانيّة حتّى تهتدي العقول والمدارك لمعرفة ما وراء الطّبيعة وتستفيض من نفحات روح القدس وترتبط بالملأ الأعلى وتصبح الحقائق الإنسانيّة مظاهر السّنوحات الرّحمانيّة حتّى تتجلّى جميع الأسماء والصّفات الإلهيّة في مرآة حقيقة الإنسان وتتحقّق الآية المباركة (لنعملنّ إنساناً على صورتنا ومثالنا).

        ومن المعلوم أنّ القوى البشريّة لا تستطيع القيام بأمر عظيم كهذا، ولا يمكن أن تكفل النّتائج الفكريّة أمثال هذه المواهب، فكيف يمكن لشخص واحد بدون ناصر أو معين أن يؤسّس هذا البنيان الرّفيع، إذاً

لا بدّ له أن تؤيّده القوّة المعنويّة الرّبّانيّة ليتسنّى له القيام بهذا العمل الجليل.

        إنّ ذاتاً واحدة مقدّسة تحيي العالم الإنساني وتغيّر هيئة الكرة الأرضيّة وترقّي العقول وتحيي النّفوس وتؤسّس حياة جديدة وتضع أسساً بديعة وتنظّم العالم وتدخل الأمم والملل في ظلّ راية واحدة وتنجي الخلق من عالم النّقائص والرّذائل وتحثّهم وتشوّقهم إلى الكمالات الفطريّة والاكتسابيّة، فلا بدّ وأن تكون هذه القوّة قوّة إلهيّة ليتسنّى لها القيام بهذا العمل العظيم، ويجب أن ينظر بعين الإنصاف لأنّ هنا مقام الإنصاف، إنّ الأمر الذي لا يمكن لجميع دول العالم وملله إجراؤه وترويجه بكلّ القوى والجنود أجرته نفس مقدّسة بدون ناصر أو معين، فهل يمكن إجراء هذا بالقوّة البشريّة؟ لا والله، فحضرة المسيح مثلاً رفع علم الصّلح والصّلاح وهو وحيد فريد بينما جميع الدّول القاهرة تعجز عن هذا العمل مع جميع قواها.

        فانظر كم من الدّول والملل المختلفة مثل الرّوم وفرنسا وألمانيا والرّوس والإنكليز وغيرهم استظلّوا تحت خيمة واحدة، فظهور حضرة المسيح كان سبب الألفة بين تلك الأقوام المختلفة حتّى أنّ بعضهم من الّذين آمنوا بحضرته ائتلفوا لدرجة أن فدوا بأموالهم وأرواحهم بعضهم بعضاً واستمرّ ذلك إلى زمن قسطنطين الّذي كان سبب إعلاء أمر حضرة المسيح ثمّ دبّ الخلاف فيما بينهم لأغراض مختلفة، وخلاصة ما تقدّم أنّ حضرة المسيح جمع هذه الأمم ولكن بعد مدّة مديدة أصبحت الدّول سبب الاختلاف مرّة أخرى.

        والمقصود من هذا هو أنّ حضرة المسيح وفّق إلى أمور عجز عنها جميع ملوك الأرض لأنّه وحّد الملل المختلفة، وغيّر العادات القديمة.

        انظروا إلى الرّومان واليونان والسّريان والمصريّين والفينيقيّين والإسرائيليّين وسائر الملل الأوروبيّة، كم كان بينها من الاختلافات فقضى عليها وأزالها السّيّد المسيح وكان سبباً لإيجاد المحبّة بين جميع هذه القبائل، نعم ولو أنّ الدّول بعد مدّة غير قصيرة أخلّت بهذا الاتّحاد إلاّ أنّ المسيح كان قد قام بعمله.

        والخلاصة إنّ المربّي الكلّيّ يجب أن يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً مؤهّلاً بقوّة أخرى فوق عالم الطّبيعة حتّى يحوز مقام المعلّم الإلهي، فإن لم يظهر مثل تلك القوّة القدسيّة لا يقدر على التّربية لأنّه في ذاته ناقص فكيف يستطيع أن يربّي تربية كاملة، مثلاً إذا كان المربّي جاهلاً فكيف يستطيع أن يعلّم غيره، وإذا كان ظالماً فكيف يجعل غيره عادلاً، أو ناسوتيّاً فكيف يجعل غيره إلهيّاً، إذاً يجب علينا أن ننظر بعين الإنصاف، هل المظاهر الإلهيّة الّذين ظهروا كانوا حائزين لجميع هذه الصّفات أم لا؟ فإن لم يكونوا حائزين لهذه الصّفات وهذه الكمالات لما كانوا مربّين حقيقيّين، بناءً على ذلك يجب أن نثبت للمفكّرين بالدّلائل العقليّة نبوّة حضرة موسى ونبوّة حضرة المسيح وسائر المظاهر الإلهيّة، وهذه الدّلائل والبراهين الّتي نذكرها هي دلائل معقولة لا منقولة، وقد ثبت بالدّلائل العقليّة أنّ العالم في حاجة قصوى إلى المربّي وتلك التّربية يجب أن تحصل بالقوّة القدسيّة ولا شبهة في أنّ تلك القوّة القدسيّة هي الوحي وبهذه القوّة الّتي هي فوق البشر يلزم تربية الخلق.

درجة إدراكات العالم الإنسانيّ ومظاهر الظّهور

        السّؤال: ما درجة إدراكات العالم الإنسانيّ وما حدودها؟

        الجواب: اعلم أنّ الإدراكات متفاوتة، فأدنى رتبة في الإدراك هي الإحساس الحيوانيّ يعني الحسّيّات الطّبيعيّة الّتي تظهر بقوّة الحواسّ ويقال لها الحسّيّات، ويشترك الإنسان والحيوان في هذا الإدراك، بل إنّ بعض الحيوان أقوى من الإنسان فيها، وأمّا في العالم الإنسانيّ فبحسب اختلافات مراتبه تتنوّع الإدراكات وتتفاوت، وفي الرّتبة الأوّليّة في عالم الطّبيعة هي إدراكات النّفس النّاطقة، وجميع البشر مشترك في هذه القوّة غافلاً كان أم عاقلاً مؤمناً كان أم ضالاًّ، وهذه النّفس النّاطقة الإنسانيّة خلقها الله محيطة ممتازة على سائر الكائنات، ولمّا كانت أشرف الكائنات وممتازة فهي محيطة بالأشياء، وتستطيع قوّة النّفس النّاطقة أن تكشف حقائق الأشياء وتدرك خواصّ الكائنات وتهتدي إلى أسرار الموجودات، فهذه الفنون والمعارف والصّنائع والبدائع والتّأسيسات والاكتشافات والمشروعات كلّها من إدراكات النّفس النّاطقة، وقد كانت في زمن ما سرّاً مكنوناً ورمزاً مصوناً غير معلوم، ثمّ كشفتها النّفس النّاطقة بالتّدريج وأتت بها من حيّز الغيب والخفاء إلى حيّز الشّهود، وهذه أعظم قوّة إدراك في عالم الطّبيعة، وأسمى ما تصل إليه في نهاية جولانها وطيرانها هو إدراكها لحقائق الممكنات وخواصّها وآثارها.

أمّا العقل الكلّيّ الإلهيّ الذّي هو ما وراء الطّبيعة فهو فيض القوّة القديمة، وهذا العقل الكلّيّ الإلهيّ محيط بالحقائق الكونيّة ومقتبس من الأنوار الإلهيّة والأسرار الرّبانيّة، هو قوّة عالمة وليس قوّة متفحّصة متحسّسة، أمّا قوّة عالم الطّبيعة المعنويّة فهي قوّة متفحّصة وتهتدي بتفحّصها إلى حقائق الكائنات وخواصّ الموجودات.

        وأمّا القوّة العاقلة الملكوتيّة الّتي هي ما وراء الطّبيعة فهي محيطة بالأشياء وعالمة بها ومدركة لها، ومطّلعة على الأسرار والحقائق والمعاني الإلهيّة وكاشفة للحقائق الخفيّة الملكوتيّة، وهذه القوّة العقليّة الإلهيّة خاصة بالمظاهر المقدّسة ومطالع النّبوّة، وتسطع أشعّة من هذه الأنوار على مرايا قلوب الأبرار الّتي تأخذ قسطاً ونصيباً من هذه القوّة بوساطة المظاهر المقدّسة.

        وللمظاهر المقدّسة ثلاثة مقامات، مقام الجسد ومقام النّفس النّاطقة ومقام المظهريّة الكاملة الجلوة الرّبانية، أمّا الجسد فيدرك الأشياء بقدر استطاعة العالم الجسماني، لهذا أظهروا العجز في بعض المواقع، مثلاً يقول كنت نائماً غير واعٍ مرّت عليّ نسمة الله وأيقظتني وأمرتني بالنّداء، أو أنّ حضرة المسيح تعمّد في سنّ الثّلاثين وهبط عليه الرّوح القدس ولم تظهر هذه الرّوح قبل هذا في المسيح، فجميع هذه الأمور راجعة لمقامهم الجسديّ.

أمّا مقامهم الملكوتيّ فمحيط بجميع الأشياء، ومطّلع على جميع الأسرار وعالم بكلّ الآثار وحاكم على جميع الأشياء، سواء أكان قبل البعثة أو بعدها، ولذلك يقول أنا الألف والياء، الأوّل والآخر ما كان لي تغيير ولا تبديل ولن يكون.

(56)

حدود إدراك الإنسان ومعرفته للذّات الإلهيّة

        السّؤال: ما حدود إدراك الإنسان ومعرفته للحقيقة الإلهيّة؟

        الجواب: يلزم لبيان هذه المسألة متّسع من الزّمن وليس من السّهل أن نبيّنها على المائدة ولكنّنا سنتكلّم فيها باختصار.

        اعلم أنّ العرفان على قسمين: معرفة ذات الشّيء ومعرفة صفاته، ومعرفة الذّات تكون بمعرفة الصّفات ليس إلاّ حيث أنّ الذّات مجهولة غير معلومة، ولما كانت معرفة الأشياء بالصّفات لا بالذّات وهي مخلوقة محدودة، فكيف إذاً يمكن معرفة حقيقة الذّات الإلهيّة وهي غير محدودة، لأنّ كنه الذّات لأيّ شيء غير معروف وإنّما يعرف بصفاته، مثلاً إنّ كنه الشّمس مجهول ولكنّها تعرف بصفاتها الّتي هي الحرارة والضّوء، وكنه ذات الإنسان مجهول وغير معروف، ولكنّه يوصف ويعرف بصفاته، ولمّا كانت معرفة كلّ شيء بصفاته لا بذاته – حال كون العقل محيط بالكائنات والكائنات الخارجيّة محاطة على الرّغم من هذا فالكائنات من حيث الذّات مجهولة ومن حيث الصّفات معروفة – إذاً فكيف يمكن أن يعرف ذات الرّبّ القديم الأبديّ المقدّس عن الإدراك والأوهام، يعني لمّا كانت معرفة الشّيء ممكنة بالصّفات لا بالذّات فلا شكّ أنّ الحقيقة الإلهيّة من حيث الذّات مجهولة ومن حيث الصّفات معروفة، وفضلاً عن هذا كيف تحيط الحقيقة الحادثة بالحقيقة

القديمة، لأنّ الإدراك ناشئ عن الإحاطة، فتجب الإحاطة حتّى يمكن الإدراك، وذات الأحديّة محيطة لا محاطة، وكذلك تفاوت المراتب في عالم الخلق مانع عن العرفان، مثلاً هذا الجماد ما دام في رتبته الجماديّة فمهما ترقّى لا يمكنه إدراك القوّة النّامية، والنّباتات والأشجار مهما ترقّت فلا يمكنها أن تدرك قوّة البصر، وكذلك لا تدرك سائر القوى الحسّاسة، والحيوان لا يمكنه أن يتصوّر رتبة الإنسان يعني قواه المعنويّة، فتفاوت المراتب مانع من العرفان وكلّ مرتبة دانية لا تدرك المرتبة الّتي فوقها، إذاً فكيف تستطيع الحقيقة الحادثة إدراك الحقيقة القديمة؟

        لهذا فمعرفة الله عبارة عن إدراك الصّفات الإلهيّة وعرفانها لا إدراك الحقيقة الإلهيّة، ومعرفة الصّفات أيضاً ليست معرفة مطلقة، بل إنما تكون بقدر استطاعة الإنسان وقوّته، والحكمة عبارة عن إدراك حقائق الأشياء كما هي أي على ما هي عليه، وذلك بقدر استطاعة الإنسان وقوّته، لهذا فليس هناك سبيل للحقيقة الحادثة لإدراك كنه الذّات، بل إنّها فقط تدرك الصّفات القديمة بقدر الطّاقة البشرية، فغيب الذّات الإلهيّة مقدّس منزّه عن أن تدركه الموجودات، وكلّ ما يدخل تحت التّصوّر إنّما هو إدراكات إنسانيّة، فقوّة الإدراك الإنسانيّ لا تحيط بحقيقة الذّات الإلهيّة، بل الذّي يقدر الإنسان على إدراكه هو الصّفات الإلهيّة الظّاهرّة الباهرّة أنوارها وآثارها في الأفاق والأنفس، وإذا نظرنا في الآفاق والأنفس نرى من الكلمات الإلهيّة آيات باهرات واضحة مشهودة، لأنّ حقائق الأشياء تدلّ على الحقيقة الكلّيّة.

        ومثل الحقيقة الإلهيّة كمثل الشّمس المشرقة من علوّ تقديسها على جميع الآفاق، ومن ذلك الإشراق يأخذ كلّ من الآفاق والأنفس قسطاً

        ونصيباً، ولولا هذا الإشراق وتلك الأنوار لما كان للكائنات وجود ولكنّ جميع الكائنات تدلّ عليها وتستضيء بها وتأخذ منها قسطاً ونصيباً.

        أمّا تجلّي الكمالات والفيوضات والصّفات الإلهيّة فهي ساطعة لامعة من حقيقة الإنسان الكامل، يعني ذلك الفرد الفريد المظهر الكلّيّ الإلهيّ، لأنّ سائر الكائنات اقتبست منه شعاعاً، أمّا المظهر الكلّي فهو مرآة تلك الشّمس، تظهر فيها بجميع كمالاتها وصفاتها وآثارها وآياتها، فمعرفة الحقيقة الإلهيّة ممتنعة محال، وأمّا معرفة المظاهر الإلهيّة فهي معرفة الحق، لأنّ الفيوضات والتّجلّيّات والصّفات الإلهيّة ظاهرة فيها، إذاً لو اهتدى الإنسان لمعرفة المظاهر الإلهيّة فقد فاز بمعرفة الله، ولو غفل عن معرفة المظاهر المقدّسة حرم من معرفة الله، فثبت وتحقق أنّ المظاهر المقدّسة هم مركز الفيض والآثار والكمالات الإلهيّة، طوبى لنفوس اقتبست أنوار الفيوضات الرّحمانية من تلك المطالع النّورانيّة. ونأمل أن يستفيض أحبّاء الله كالقوّة الجاذبة تلك الفيوضات من مبدأ الفيض، ويبعثون بأنوار وآثار تجعلهم آيات باهرات لشمس الحقيقة.

(57)

خلود الرّوح

(الدّرس الأوّل)

        حيث أثبتنا وجود الرّوح الإنسانيّ فيجب الآن أن نثبت بقاءه، إنّ مسألة خلود الرّوح واردة في الكتب السّماويّة، وهذه المسألة هي أسّ أساس الأديان الإلهيّة، لأنّ المجازاة والمكافأة وردت على نوعين:

الأوّل ثواب وعقاب وجوديّ والثّاني مجازاة ومكافأة أخرويّة، أمّا النّعيم والجحيم الوجوديّ فهو في جميع العوالم الإلهيّة، سواء في هذا العالم أو في العوالم الرّوحانيّة الملكوتيّة، والحصول على هذه المكافأة يؤدّي إلى الحياة الأبدية، ولذلك يقول حضرة المسيح اعملوا كذا وافعلوا كذا حتّى تجدوا الحياة الأبديّة وتولدوا من الماء والرّوح حتّى تدخلوا في الملكوت، وهذه المكافأة الوجوديّة هي الفضائل والكمالات الّتي تزيّن الحقيقة الإنسانيّة، مثلاّ الإنسان كان ظلمانيّاً فصار نورانيّاً، وكان جاهلاً فصار عالماً، وكان غافلاً فصار عاقلاً، وكان نائماً فصار مستيقظاً، وكان ميتاً فصار حيّاً، وكان أعمى فصار بصيراً، وكان أصمّ فصار سميعاً، وكان أرضيّاً فصار سماويّاً، وكان ناسوتيّاً فصار ملكوتيّاً، ويهذه المكافأة يولد ولادة روحانيّة ويصبح خلقاً جديداً، ويكون مظهر آية الإنجيل الواردة في حقّ الحواريّين القائلة “الذّين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله”[i] يعني نجوا من الأخلاق والصّفات البهيميّة الّتي هي من مقتضيات الطّبيعة البشريّة، واتّصفوا بالصّفات الرّحمانيّة الّتي هي فيض إلهيّ، هذا هو معنى الولادة، وليس لهذه النّفوس عذاب أعظم من الاحتجاب عن الحقّ، ولا عقوبة أشدّ من الرّذائل النّفسانيّة، والصّفات الظّلمانيّة، ودناءة الفطرة، والانهماك في الشّهوات، وحينما يتخلّصون بنور الإيمان من ظلمات هذه الرّذائل، ويتنوّرون بإشراق شمس الحقيقة ويفوزون بشرف جميع الفضائل يعدّون ذلك أعظم مكافأة، ويعتبرونها الجنّة الحقيقيّة، وكذلك المجازاة المعنويّة يعني العذاب والعقاب الوجوديّ، الابتلاء بعالم الطّبيعة والاحتجاب عن الحقّ، والجهل وعدم المعرفة، والانهماك في الشّهوات النّفسانيّة والابتلاء بالرّذائل الحيوانيّة، والاتّصاف بالصّفات الظّلمانيّة، من قبيل الكذب والظّلم والجفاء والتّعلق بالشّؤون

الدّنيويّة، والاستغراق في الهواجس الشّيطانيّة، كلّ ذلك يعتبرونه أعظم عذاب وأشدّ عقاب.

        أمّا المكافأة الأخرويّة الّتي هي الحياة الأبدية المصرّح بها في جميع الكتب السّماويّة، هي تلك الكمالات الإلهيّة والمواهب الأبديّة والسّعادة السّرمديّة، فالمكافأة الأخرويّة هي الكمالات والنّعم الّتي تحصل في العوالم الرّوحانيّة بعد العروج من هذا العالم.

        أمّا المكافأة الوجوديّة فهي الكماٍلات الحقيقيّة النّورانيّة الّتي تتحقق في هذا العالم، وتكون سبب الحياة الأبديّة، لأنّ المكافأة الوجوديّة هي رقيّ نفس الوجود، مثالها الإنسان الذّي ينتقل من عالم النّطفة إلى مقام البلوغ فيصير مظهر “فتبارك الله أحسن الخالقين”. والمكافأة الأخرويّة هي نعم وألطاف روحانيّة مثل أنواع النّعم الرّوحانيّة في الملكوت الإلهيّ، والحصول على أمنيات القلب والرّوح ولقاء الرّحمن في العالم الأبديّ، وكذلك المجازاة الأخرويّة يعني العذاب الأخرويّ وهو الحرمان من العنايات الخاصّة الإلهيّة والمواهب الّتي لا ريب فيها، والسّقوط في أسفل الدّركات الوجوديّة، وكلّ نفس حرمت من هذه الالطاف الإلهيّة وإن تكن باقية بعد الموت ولكنّها عند أهل الحقيقة في عداد الأموات.

        وأمّا الدّليل العقلي على بقاء الرّوح هو أنّه ليس للشّيء المعدوم آثار يعني لا يمكن أن تظهر آثار من العدم الصّرف. لأنّ الآثار فرع الوجود والفرع مشروط وجوده بوجود الأصل، مثلاً لا تسطع من الشّمس المعدومة أشعّة، ولا يظهر من البحر المعدوم أمواج، ولا ينزل المطر من سحاب معدوم، ولا يأتي ثمر من شجر معدوم، ولا يكون

ظهور ولا أثر لشخص معدوم، إذاً ما دامت آثار الوجود ظاهرة فهي دليل على أنّ صاحب الأثر موجود.

        لاحظوا أنّ سلطنة المسيح موجودة إلى الآن فكيف إذاً تظهر من سلطان معدوم سلطنة بهذه العظمة، وكيف تعلو إلى الأوج أمواج كهذه من بحر معدوم، وكيف تنتشر نفحات قدسيّة كهذه من حديقة معدومة، ولاحظوا أيضاً أنّه لا يبقى أثر ولا حكم ولا تأثير لأيّ كائن بمجرّد تلاشي الأعضاء وتحليل التّركيب العنصريّ، سواء أكان من الجماد أو النّبات والحيوان إلاّ الحقيقة الإنسانيّة والرّوح البشريّ، فإنّه تبقى وتستديم آثاره ونفوذه وتصرّفه بعد تفريق الأعضاء وتشتّت الأجزاء وتحليل التّركيب ، فهذه المسألة دقيقة جدّاً فأنعموا فيها النّظر، هذا هو الدّليل العقليّ الذّي بيّنّاه حتّى يزنه العقلاء بميزان العقل والإنصاف، أمّا لو استبشر الرّوح الإنسانيّ وانجذب إلى الملكوت وانفتحت بصيرته وتقوّى سمعه الرّوحاني وتملّكه الإحساس الرّوحاني، فإنه يشاهد بقاء الرّوح كما يشاهد الشّمس، وتحيطه البشارات والإشارات الإلهيّة، وسنتكلّم غداً عن الدّلائل الأخرى.

(58)

خلود الرّوح

(الدّرس الثّاني)

        كنّا نبحث بالأمس في موضوع خلود الرّوح ، فاعلم أنّ تصرف الرّوح الإنسانيّ وإدراكه على نوعين، يعني له نوعان من الأفعال ونوعان من الإدراك، نوع يكون بواسطة الأعضاء فهو يرى بهذه العين،

ويسمع بهذه الأذن، ويتكلّم بهذا اللّسان، فهذه أعمال الرّوح وإدراكات الحقيقة الإنسانيّة ولكنّها بواسطة الأعضاء، يعني أنّ الرّائي هو الرّوح ولكنّ الرّؤية بواسطة العين، والسّامع هو الرّوح ولكن بواسطة الأذن والنّاطق هو الرّوح ولكن بواسطة اللّسان.

        والنّوع الآخر من تصرّفات الرّوح وأعمالها يكون بدون الأعضاء مثلاً وهو في حال النّوم يرى بدون عين، ويسمع بدون أذن، ويتكلّم بغير لسان، ويمشي بغير قدم، وبالجملة فهذه التّصرّفات بدون واسطة الأعضاء، وكثيراً ما يرى في منامه ما يتحقّق حدوثه بعد عام، وكذلك كثيراً ما يتعذّر عليه حلّ مسألة في عالم اليقظة، ثمّ تحلّ في عالم الرّؤيا، فالعين لا ترى إلاّ المسافة القصيرة في عالم اليقظة، ولكنّ الإنسان في عالم الرّؤيا يرى الغرب وهو في الشّرق، ويرى في عالم اليقظة الحال وفي عالم النّوم يرى المستقبل، ونهاية ما يطويه بالوسائط السّريعة في عالم اليقظة عشرين فرسخاً في السّاعة، ولكنّه في عالم النّوم يطوي الشّرق والغرب في طرفة عين، لأنّ سير الرّوح على نوعين، سير من غير واسطة وهو السّير الرّوحانيّ، وسير بالواسطة وهو السّير الجسمانيّ، كسير الطّيور الّتي تطير والطّيور المحمولة الّتي تتحرّك بواسطة حامل، وأمّا في وقت النّوم فالجسد يكون كالميّت لا يرى ولا يسمع ولا يحسّ ولا يشعر ولا يدرك، يعني تتعطّل القوى الإنسانيّة، ولكنّ الرّوح حيّ باقٍ، وهو في هذه الحال أكثر نفوذاً وطيراناً وإدراكاً، فمثل قولنا بفناء الرّوح بعد موت الجسد كمثل تصوّرنا بهلاك طير بسبب تكسّر قفصه مع أنّ الطّير لا يهمّه تكسير القفص، وهذا الجسد كالقفص والرّوح كالطّير.

        ونحن نلاحظ أنّ لهذا الطّير (أي طير الرّوح )، طيراناً في عالم النّوم

بدون هذا القفص، إذاً لو كسر القفص فالطّير باقٍ ومستقرّ، بل إنّ إحساس ذلك الطّير يزيد وادراكاته تتوسّع وابتهاجه يزداد، وفي الحقيقة إنّه ينتقل من الجحيم إلى جنّة النّعيم، لأنّه ليس للطّير الشّكور جنة أعظم من إطلاقه من القفص، وهذا هو سبب هرع الشّهداء بنهاية الطّرب والسّرور إلى ميدان الفداء، وكذلك فإنّ نهاية ما ترى عين الإنسان في عالم اليقظة مسافة سير ساعة واحدة، لأنّ هذا هو مقدار تصرّف الرّوح بواسطة الجسد، ولكنّها بعين البصيرة والعقل ترى أمريكا وتدرك أنحاءها، وتكتشف أحوالها وتدّبر أمورها، بينما لو كان الرّوح عين الجسد للزم أن تكون قوّة بصيرتها محدودة بذلك أيضاً.

        إذاً تبيّن أنّ الرّوح غير هذا الجسد، وأنّ الطّير غير القفص وأنّ نفوذ الرّوح وقوّته بدون واسطة الجسد أشدّ، من أجل هذا لو تعطّلت الآلة فصاحبها مستمرّ في العمل، مثلاً لو انكسر القلم وتعطّل فالكاتب حيّ حاضر، ولو انهدم البيت فصاحبه باقٍ مستقرّ، هذا من جملة البراهين العقليّة على بقاء الرّوح ، وهناك دليل آخر، هذا الجسد يضعف ويسمن ويمرض ويصحّ ويتعب ويستريح، بل أحياناً تقطع اليد والرّجل وتختلّ القوى الجسمانيّة، فالعين تعمى والأذن تصمّ واللّسان يبكم والأعضاء تبلى بمرض الفلج، وبالاختصار فقد ينتقص الجسد بالكلّيّة والرّوح باقٍ مستديم على حاله الأصليّة وادراكاته الرّوحانيّة لا يعتريها نقص ولا اختلال، ولكن حينما يبتلى الجسد كلّه بالأمراض والعاهات يحرم من فيض الرّوح ، كالمرآة عند تكسّرها أو عندما تتغبّر لا ينعكس شعاع الشّمس فيها، ولا يظهر فيضها.

        وقد سبق وأنْ بيّنّا أنّ الرّوح الإنسانيّ ليس بداخل الجسد، لأنّه مجرّد ومقدّس عن الدّخول والخروج اللّذين هما من شأن الأجسام،

بل تعلّق الرّوح بالجسد كتعلّق الشّمس بالمرآة، والخلاصة أنّ الرّوح الإنسانيّ بحال واحدة، لا تمرض بمرض الجسد، ولا تصحّ بصحّة الجسد، فلا تصير عليلة ولا ضعيفة، لا ذليلة ولا حقيرة، لا خفيفة ولا صغيرة، يعني لا يعتري الرّوح أيّ خلل ولا تتأثّر بسبب فتور الجسد ولو صار الجسد سقيماً ضعيفاً وقطعت الأيدي والأرجل والألسن واختلّت قوّة السّمع والبصر.

        إذاً اتّضح وتحقّق أنّ الرّوح غير الجسد، وبقاؤه ليس مشروطاً ببقاء الجسد، بل الرّوح في نهاية العظمة له سلطان في عالم الجسد، ويتجلّى نفوذه واقتداره كما يتجلّى ويظهر فيض الشّمس في المرآة. فإذا انكسرت المرآة أو تغبّرت حرمت من أشعّة الشّمس.


4-       إنجيل يوحنا الأصحاح الأوّل الآية 13.

وجوب اتّباع تعاليم المظاهر الإلهيّة

 

        السّؤال: هناك نفوس موفّقة للأعمال الحسنة والتماس الخير للعموم ومكارم الأخلاق والمحبّة والودّ لجميع الخلق والسّعي في الصّلح العموميّ وإغاثة الفقراء فما حاجتهم إلى التّعاليم الإلهيّة؟ وهم يرون أنفسهم في غنى عنها وما شأن هذه النّفوس؟

        الجواب: اعلم أنّ هذه الأعمال والأفعال والأقوال ممدوحة مقبولة وهي شرف العالم الإنسانيّ، ولكن مجرّد هذه الأعمال لا يكفي لأنّها كجسم في نهاية اللّطافة ولكنّه بلا روح، بل إنّ السّبب الأوّل في الحياة الأبديّة والعزة السّرمديّة والنّورانيّة الكلّيّة والفوز والفلاح الحقيقيّ هو عرفان الله، ومن المعلوم أنّ معرفة الحقّ مقدّمة على كلّ معرفة، وهي أعظم فضيلة للعالم الإنسانيّ، لأنّ معرفة حقائق الأشياء في عالم الوجود تؤدّي إلى الفوائد الجسمانيّة وترقّي المدنيّة الصّوريّة، أما عرفان الله فهو سبب التّرقّي والانجذاب الرّوحانيّ والبصيرة الحقيقيّة وعلوّ العالم الإنسانيّ والمدنيّة الرّبانيّة وتعديل الأخلاق ونورانيّة الوجدان. والثّاني محبّة الله التي يضيء نورها في زجاجة القلب بعرفان الحقّ، وتنير الآفاق بأشعّتها السّاطعة، وبها يحيا

الإنسان حياة ملكوتيّة، وفي الحقيقة إنّ ثمرة وجود الإنسان هي محبّة الله، ومحبّة الله هي روح الحياة وهي الفيض الأبديّ، فلو لم تكن محبّة الله لكان عالم الإمكان ظلمانيّاً، ولولا محبّة الله لكانت قلوب بني الإنسان ميّتة محرومة من الشّعور الوجدانيّ، ولولا محبّة الله لانمحت كمالات العالم الإنسانيّ وانعدمت، ولولا محبّة الله لمّا كان الارتباط الحقيقيّ في العالم الإنسانيّ، ولولا محبّة الله لفقد الاتّحاد الرّوحانيّ، ولولا محبّة الله لخمد نور وحدة العالم الإنسانيّ، ولولا محبّة الله لما تعانق الشّرق والغرب كما يتعانق الحبيبان، ولولا محبّة الله لما تبدّل الخلاف والشّقاق بالائتلاف، ولولا محبّة الله لما انتهى الافتراق إلى الاتّحاد، ولولا محبّة الله لما صار الأغيار أحباباً، وإنّ محبّة العالم الإنسانيّ إشراق من محبّة الله وجلوة من فيض موهبة الله.

        ومن الواضح أنّ حقائق النّوع الإنسانيّ مختلفة، والآراء متباينة والإحساسات متفاوتة، وهذا التّفاوت في الآراء والأفكار والإدراكات والإحساسات بين أفراد النّوع الإنسانيّ منبعث من اللّوازم الذّاتيّة، لأنّ التّفاوت في مراتب وجود الكائنات من لوازم الوجود الذي ينحلّ إلى صور غير متناهية، إذاً نحتاج إلى قوّة كلّيّة تكون غالبة على احساسات الجميع وآرائهم وأفكارهم، ولا يبقى لهذا الاختلاف حكم بفضل تلك القوّة التي تجمع الأفراد عامّة تحت نفوذ وحدة العالم الإنسانيّ، ومن الواضح المشهود أنّ أعظم قوّة في العالم الإنسانيّ هي محبّة الله وهي الّتي تدخل الملل المختلفة تحت ظلّ سرادق الوحدة، وتجعل الشّعوب والقبائل المتضادّة المتباغضة في نهاية المحبّة والائتلاف، فانظروا كم من الأمم والأجناس والقبائل والشّعوب المختلفة قد دخلوا

في ظلّ كلمة الله بعد حضرة المسيح بقوّة محبّة الله، وزالت وتلاشت الفوارق والاختلافات التي مضى على وجودها ألف سنة زوالاً كلّيّاً، وانعدمت الأوهام الجنسيّة والوطنيّة، ووجد الاتّحاد الرّوحيّ والوجدانيّ وصاروا جميعاً مسيحيّين حقيقيّين روحانيّين.

        وثالث مناقب العالم الإنسانيّ نيّة الخير وهي أساس الأعمال الخيريّة وقد رجّح بعض المحقّقين النّية على العمل، لأنّ النّية الخيريّة نور محض وهي منزّهة مقدّسة عن شوائب الغرض والمكر والخداع، فمن الممكن أن يعمل الإنسان عملاً مبروراً بحسب الظّاهر ولكنّه يكون مبنيّاً على مصالح شخصيّة مثلاً يعتني القصّاب بخروف ويحفظه ولكن عمل القصّاب المبرور هذا مبنيّ على غرض الانتفاع، ونتيجة هذه الحضانة ذبح الخروف المظلوم، فكم من أعمال كثيرة مبرورة باعثها الأغراض الذّاتيّة، أما نيّة الخير فمقدّسة عن هذه الشّوائب.

        وخلاصة القول أنّه بعد عرفان الله وظهور محبّة الله وحصول الانجذاب الوجدانيّ ونيّة الخير تكون الأعمال المبرورة تامّة كاملة، وإلاّ فالأعمال الخيريّة وإن كانت ممدوحة إلاّ أنّها تكون ناقصة إذا لم تستند بعرفان الله والمحبة الرّبانيّة والنّية الصّادقة، مثلاً يجب أن يكون الوجود الإنسانيّ جامعاً للكمالات حتّى يصير كاملاً، فالبصر محبوب جدّاً ومقبول ولكنّه يجب أن يؤيّد بالسّمع، والسّمع مقبول جدّاً ولكنّه يجب أن يكون مؤيّداً بالقوّة النّاطقة، والقوّة النّاطقة مقبولة جدّاً ولكن يجب أن تكون مؤيّدة بالقوّة العاقلة، وقس على ذلك سائر قوى الإنسان وأعضائه وأركانه، وحينما تجتمع هذه القوى والحواس والأعضاء والأجزاء يصير الإنسان كاملاً.

        والآن يوجد في العالم بعض من النّفوس يريدون في الحقيقة خير

العموم ويقومون بمعاونة المظلومين وإعانة الفقراء بقدر استطاعتهم مفتونين بحبّ الصّلح وراحة العموم، فهؤلاء وإن كانوا كاملين من هذه الجهة ولكنّهم ناقصون بحرمانهم من عرفان الله ومحبّته.

        فقد كتب جالينوس الحكيم في كتاب شرح الرّسالة الأفلاطونيّة في السّياسة المدنيّة “إنّ العقائد الدّينيّة لها مدخل عظيم في المدنيّة الصّحيحة والبرهان على ذلك أنّ جمهور النّاس لا يقدرون على إدراك سياق الأقوال البرهانيّة فهم من هذه الوجهة محتاجون إلى الكلمات الرّمزيّة من الإخبار بالثّواب والعقاب في الدّار الآخرة، والدّليل على ثبوت هذا المطلب ما نشاهده اليوم من القوم الذين يدعون بالنّصارى المعتقدين بالثّواب والعقاب حيث يصدر عن مؤمني هذه الطّائفة أفعال حسنة كأفعال الفلاسفة الحقيقيّين كما أنّنا جميعاً نرى عياناً أنّهم لا يخشون الموت ويعدّون من المتفلسفين الحقيقيّين لكثرة حرصهم واشتياقهم إلى العدل والإنصاف”.

فانظروا الآن كيف أنّ الصّدق وتضحية الرّوح والإحساس الرّوحانيّ والنّوايا الصّادقة والأعمال الخيريّة أوصلت المؤمنين بالمسيح إلى درجة أنّ الفيلسوف جالينوس الحكيم – مع أنّه لم يكن من ملّة المسيح – شهد بمكارم أخلاق هؤلاء المؤمنين وكمالاتهم حيث قال إنّ هذه النّفوس فلاسفة حقيقيّون، فهذه الفضائل والخصال لا تحصل بمجرّد الأعمال الخيريّة، ولو كان المقصود مجرّد حصول الخير وصدوره فهذا السّراج أيضاً مضيء الآن وينير هذا المكان ولا شكّ أنّ هذا الضّياء خير مع هذا إنّك لا تحمد هذا السّراج ولا هذه الشّمس التي تربّي جميع الكائنات الأرضيّة وبحرارتها تنشأ وتنمو، فأيّ خير أعظم من هذا، ولكن لمّا كان هذا الخير غير صادر عن نيّة الخير ومحبّة الله وعرفانه فلا ظهور ولا

بروز له أبداً، أمّا لو قدّم شخص من بني الإنسان لآخر قدحاً من الماء فإنّه يشكره ويثني عليه، غير أنّ الإنسان الّذي لا يفكر يقول إنّ هذه الشّمس التي تضيء العالم والتي ظهر منها هذا الفيض العظيم تستحقّ التّقديس والتّمجيد فلم لا نمدحها ولا نشكرها ثم نمجّد ونمدح الإنسان الذي قام بعمل خيريّ محدود؟ ولكنّنا إذا نظرنا بعين الحقيقة نجد أنّ صدور هذا العمل الخيريّ الجزئيّ من الإنسان منبعث عن الإحساس الوجدانيّ ولهذا استحقّ التّمجيد، ولكنّ نور الشّمس وحرارتها ليسا منبعثين عن إحساس ووجدان لهذا لا تستحقّ مدحاً وثناءً ولا شكراً وامتناناً وكذلك النّفوس الّتي تصدر عنها الأعمال الخيريّة وإن كانت ممدوحة غير أنّها ما لم تكن منبعثة عن عرفان الحقّ ومحبّته فإنّها لا شكّ ناقصة، وفضلاً عن هذا إذا نظرت بعين الإنصاف ترى أنّ هذه الأعمال الخيريّة التي تصدر من النّفوس عامّة منبعث أصلها أيضاً من التّعاليم الإلهيّة أي دلّ النّفوس على هذا أنبياء السّلف وبيّنوا لهم محسّناتها وشرحوا لهم تأثيراتها الحسنة فانتشرت هذه التّعاليم بين البشر ووصلت إلى هذه النّفوس بالتّسلسل والتّتابع ووجّهت القلوب إلى هذه الكمالات، ولمّا رأى النّاس أنّ هذه الأعمال مستحسنة وتسبّب السّعادة والهناء في العالم الإنسانيّ فمن أجل هذا اتّبعوها، إذاً فهي أيضاً من التّعاليم الإلهيّة ولكن يلزم لدركها قليل من الإنصاف لا المحاجّة والمجادلة.

        الحمد لله قد ذهبت إلى إيران ورأيت كيف أصبح الإيرانيّون محبّين للنّوع الإنسانيّ من نفحات قدس بهاء الله وكانوا يطعنون بأسنّة ألسنهم كلّ نفس يصادفونها من سائر الطّوائف وكانوا في نهاية العداوة والبغض والحقد حتّى كانوا يعتقدون بنجاستهم وكانوا يحرقون التّوراة والإنجيل ويغسلون أيديهم إذا لامست هذين الكتابين، أمّا الآن فإنّهم

يرتّلون في مجالسهم ومحافلهم بالمناسبة مضامين هذين الكتابين ويشرحون معاني رموزها ويفسّرونها ويحتضنون أعداءهم ويحنّون على الذّئاب الضّارية كأنّهم غزلان صحارى محبّة الله، وقد رأيت آداب هؤلاء وسلوكهم وسمعت بأخلاق سائر الإيرانيّين، فهل بغير محبّة الله تطوّرت هذه الأخلاق واعتدلت الأعمال والأقوال لا والله، فلو كنّا نريد ترويج هذه الأخلاق والأطوار بالمعارف والعلوم لمضت ألف سنة دون أن يحصل هذا التّطور بين العموم أو ينتشر ذلك بينهم، والحال أنّها حصلت بمحبّة الله في نهاية السّهولة فاعتبروا يا أولي الألباب.

إنّ النّاس قسمان قسم معترف بالألوهيّة وقسم منكر لها ولهذا نود على هذه السطور اثبات وجود الله بدليل من الأدلّة العقليّة.
لو نظرنا إلى جميع الكائنات الموجودة لرأينا أنّ كلّ كائن من الكائنات خلق نتيجة تركيب العناصر المنفردة فمثلاً تركّبت عناصر وأجزاء فرديّة فظهر منها الإنسان وتركّبت عناصر بسيطة وظهرت منها هذه الوردة، وكذلك هذا الحجر ظهر من تركيب الأجزاء الفرديّة.
وخلاصة القول إنّ وجود جميع الكائنات يعود إلى التّركيب وعندما يتحلّل هذا التّركيب، فَهُنا لكم الموت والانعدام. أمّا العناصر البسيطة فهي باقية دون تغيير في حين أنّ المركبات تتلاشى إذًا صار معلومًا ومسلّمًا أنّ تركيب العناصر البسيطة هو سبب الحياة وتحليلها هو الموت والانعدام ولكنّ العناصر البسيطة باقية دون تغيير ذلك لأنّها بسيطة. ولا ينعدم الشّيء البسيط أمّا التّركيب فإنّه ينحلّ انحلالاً وهذا يعني أنّ وجود الكائنات هو من التّركيب وانعدامها من التّحليل. وهذه مسألة علميّة لا عقائديّة وهناك فرق بين المسائل العقائديّة والمسائل العلميّة فالمسائل العقائديّة مسموعات تقليديّة أمّا المسائل العقليّة فإنّها مشفوعة بالبراهين القطعيّة إذ ثبت علميًّا أنّ وجود الكائنات عبارة عن التّركيب وفناءها عبارة عن التّحليل. ويقول المادّيّون إنّه ما دام وجود الكائنات نتيجة للتّركيب وانعدامها نتيجة للتّحليل فما هي الحاجة بعد هذا إلى الخالق الحي القدير لأنّ الكائنات غير المتناهية تتركّب في أشكال غير متناهية وبنتيجة كلّ تركيب يظهر للوجود كائن من الكائنات. أمّا الإلهيّون فيجيبونهم على قولهم بأنّ التّركيب على أقسام ثلاثة إمّا تركيب تصادفي وإمّا تركيب إلزامي وإمّا تركيب إراديّ ولا رابع لها لأنّ التّركيب ينحصر في هذه الأقسام الثّلاثة. فلو نقول إنّ تركيب الكائنات تركيب تصادفي فهذا القول واضح البطلان لأنّه لا يمكن حصول معلول بدون علّة ولا بدّ من وجود علّة فهذا التّركيب التّصادفيّ واضح البطلان وهذا أمر يدركه الجميع. أمّا التّركيب الثّاني وهو الإلزاميّ فيعني أنّ هذا التّركيب هو المقتضى الذّاتيّ لكل كائن وهو اللّزوم الذّاتيّ لهذه العناصر مثال ذلك فالنّار لزومها الذّاتيّ الحرارة والماء لزومه الذّاتيّ الرّطوبة فإن كان تركيب الكائنات هذا لزومًا ذاتيًّا فلن يعقبه انفكاك كما لا تنفكّ الحرارة عن النّار ولا الرّطوبة عن الماء وما دام هذا التّركيب لزومًا ذاتيًّا فليس من الممكن أن يكون له انفكاك. إذن فهذا باطل أيضًا لأنّ تركيب الكائنات لو كان لزومًا ذاتيًّا لما أعقبه تحليل ولهذا فتركيب الكائنات ليس إلزاميًّا. فما بقي؟ بقي التّركيب الإراديّ أي أنّ تركيب الكائنات ووجود الأشياء يكون بإرادة الحيّ القدير. هذا واحد من الأدلّة فيجب أن تمعنوا الفكر فيها.
 
الطبيعيين
 
إنَّ المقصود بالطّبيعيّين هم فئة من الطّبيعيّين ضيّقي النّظر عبدة المحسوسات المقيّدون بالحواس الخمس والّذين عندهم ميزان الإدراك هو ميزان الحسّ فقد اعتبروا المحسوس محتومًا وغير المحسوس معدومًا أو مشبوهًا حتّى إنّهم يعتبرون وجود الألوهيّة أمرًا مشكوكًا فيه بصورة كلّيّة وليس هذا رأي جميع الفلاسفة بصورة عامّة بل المقصود هم قصيرو النّظر من الطّبيعيّين أمّا الفلاسفة الإلهيّون أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو فإنّهم جديرون بالاحترام ويستحقّون أقصى الثّناء لأنّهم قدّموا خدمات فائقة إلى العالم الإنسانيّ وكذلك الفلاسفة الطّبيعيّون المعتدلون الجهابذة ونحن نعتبر العلم والحكمة أساس ترقّي العالم الإنسانيّ ونثني على الفلاسفة ذوي النّظر البعيد.
أمّا القوى العقليّة فهي من خصائص الرّوح كالشّعاع الّذي هو من خصائص الشّمس فأشعّة الشّمس هي في تجدّد مستمرّ ولكنّ نفس الشّمس باقية دون تغيير ، أنّ العقل الإنسانيّ في تزايد وتناقص ولربّما يزول العقل تمامًا ولكنّ الرّوح على حالة واحدة وأنّ ظهور العقل منوط بسلامة الجسم فالجسم السّليم فيه عقل سليم لكنّ الرّوح غير مشروطة بهذا الشّرط فالعقل يدرك ويتصوّر بقوّة الرّوح ولكنّ الرّوح قوّة طليقة والعقل يدرك المعقولات بواسطة المحسوسات لكنّ الرّوح لها انكشافات غير محدودة فالعقل محدود في دائرة والرّوح غير محدودة والعقل له إدراكات بواسطة قوى الحسّ مثل قوّة البصر وقوّة السّمع وقوّة الذّوق وقوّة الشّم وقوّة اللّمس لكنّ الرّوح حرّة طليقة، أنّها تسير في حالتي اليقظة والنّوم ولربّما حلّت في عالم الرّؤيا مسألة من المسائل الغامضة الّتي كانت عند اليقظة مسألة مجهولة ويتعطّل العقل عن الإدراك بتعطّل الحواس الخمس والعقل مفقود تمامًا في حالة الجنين وحالة الطّفولة ولكنّ الرّوح في نهاية القوّة.
والخلاصة إنّ هناك أدلّة كثيرة على بقاء قوّة الرّوح بفقدان العقل. ولكنّ الرّوح لها مراتب ومقامات فهناك روح جماديّة ومن المسلّم به أنّ الجماد له روح وله حياة ولكنّه في حدود عالم الجماد كما اتّضح هذا السّرّ المجهول للطّبيعيّين وهو أنّ جميع الكائنات لها حياة كما قال تعالى في القرآن الكريم “وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ” وكذلك في عالم النّبات هناك قوّة النّمو وقوّة النّمو هي الرّوح وفي عالم الحيوان هناك قوّة الحسّ ولكن عالم الإنسان فيه قوّة محيطة وفي جميع هذه المراتب المذكورة ترى العقل مفقودًا لكنّك ترى ظهور الرّوح وبروزها وأنّ قوى الحسّ لا تدرك الرّوح لكنّ القوّة العاقلة تستدلّ على وجودها وكذلك يستدلّ العقل على وجود حقيقة غير مرئيّة ومحيطة بالكائنات ولها ظهور وبروز في كلّ مرتبة من المراتب لكنّ حقيقتها فوق إدراك العقول. فرتبة الجماد لا تدرك حقيقة النّبات والكمال النّباتيّ وكذلك النّبات لا يستطيع إدراك حقيقة الحيوان. والحيوان لا يستطيع إدراك حقيقة الإنسان الكاشفة الّتي تحيط بسائر الأشياء. والحيوان أسير للطّبيعة ولا يتجاوز عن قوانين الطّبيعة ونواميسها لكن ثمّة قوّة كاشفة في الإنسان محيطة بالطّبيعة تحطّم قوانينها. فمثلاً إنّ جميع الجمادات والنّباتات والحيوانات أسيرة للطّبيعة، وهذه الشّمس على عظمتها أسيرة للطّبيعة إلى درجة لا إرادة لها مطلقًا ولا تستطيع أن تتجاوز عن قوانين الطّبيعة قيد شعرة. وكذلك سائر الكائنات من الجماد والنّبات والحيوان لا يستطيع أيّ واحد منها أن يتجاوز عن قوانين الطّبيعة بل إنّها جميعها أسيرة للطّبيعة ولكنّ الإنسان ولو أنّ جسمه أسير للطّبيعة ولكنّ روحه وعقله طليقان وحاكمان على الطّبيعة. نلاحظ الإنسان مخلوقًا ترابيًّا متحرّكًا ذا روح لكنّ روح الإنسان وعقله يكسران قانون الطّبيعة فيصبح طيرًا ويطير في الهواء أو يشقّ صفحات البحار بكمال السّرعة ويسير في أعماق البحار كالأسماك ويقوم باكتشافات بحرّيّة. وهذا كسر عظيم لقوانين الطّبيعة. وكذلك القوّة الكهربائيّة فهذه القوّة العاتية العاصية الّتي تشقّ الجبل شقًّا قد حبسها الإنسان داخل زجاجة وفي هذا خرق لقانون الطّبيعة. وكذلك أسرار الطّبيعة المكنونة الّتي ينبغي أن تبقى مخفيّة بحكم الطّبيعة قد كشفها الإنسان وجاء بها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود. وهذا كذلك خرق لقانون الطّبيعة وكذلك خواص الأشياء هي من أسرار الطّبيعة الّتي يكشفها الإنسان، وكذلك الحوادث الماضية الّتي فقدت من عالم الطّبيعة صار يكشفها الإنسان، وكذلك الحوادث المقبلة الّتي صار يكشفها الإنسان عن طريق الاستدلال في حين أنّها لا تزال مفقودة في عالم الطّبيعة، وأنّ المخابرة والمراسلة تنحصر بالمسافات القريبة وفقًا لقانون الطّبيعة ولكنّ الإنسان صار بتلك القوّة المعنويّة الكاشفة لحقائق الأشياء يتخابر من الشّرق إلى الغرب فهذا أيضًا خرق لقانون الطّبيعة، وكذلك الظّلّ شيء زائل وفقًا لقانون الطّبيعة ولكنّ الإنسان صار يثبت هذا الظّلّ في الزّجاج وهذا خرق لقانون الطّبيعة، فإذا أمعنا النّظر نجد أنّ جميع العلوم والفنون والصّناعات والاختراعات والاكتشافات كانت من أسرار الطّبيعة ويجب أن تبقى مستورة وفقًا لقانون الطّبيعة ولكنّ الإنسان بقوّته الكاشفة يخرق قانون الطّبيعة ويأتي بهذه الأسرار المكنونة من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وهذا خرق لقانون الطّبيعة، وعليه نجد إنّ تلك القوّة المعنويّة غير المرئيّة في الإنسان تأخذ السّيف من يد الطّبيعة وتضرب به هامة الطّبيعة، وإنّ سائر الكائنات على ما هي عليه من العظمة محرومة من هذه الكمالات، وللإنسان قوّة إرادة وشعور ولكنّ الطّبيعة محرومة من ذلك والطّبيعة مجبرة والإنسان مختار والطّبيعة تجهل الحوادث الماضيّة ولكنّ الإنسان عليم بها والطّبيعة تجهل الحوادث المستقبلة ولكنّ الإنسان بقوّته الكاشفة لعالم الطّبيعة يعلم بكلّ شيء. ولو يخطر على بال شخص سؤال بأنّ الإنسان جزء من عالم الطّبيعة وهو جامع لهذه الكمالات الّتي هي صور لعالم الطّبيعة. إذًا فالطّبيعة مالكة لهذه الكمالات لا فاقدة لها فنقول له في الجواب: “إنّ الجزء تابع للكلّ وليس من الممكن أن تكون في الجزء كمالات محروم منها الكلّ والطّبيعة هي عبارة عن الخواص والرّوابط الضّروريّة المنبعثة من حقائق الأشياء، وهذه الحقائق مهما كانت في نهاية الاختلاف ولكنّها على غاية الارتباط، وهذه الحقائق المختلفة تلزمها جهة جامعة لها تربطها جميعها ببعضها فمثلاً أركان الإنسان وأعضاؤه وأجزاؤه وعناصره في نهاية الاختلاف، ولكنّ الجهة الجامعة المعبّر عنها بالرّوح الإنسانيّ تربطها بعضها ببعض جميعًا ليتمّ التّعاون والتّعاضد بينها بصورة منتظمة وتتمّ جميع الأعضاء تحت قوانين منتظمة هي سبب بقاء الوجود لكنّ جسم الإنسان لا علم له بهذه الجهة الجامعة أبدًا في حين أنّه يقوم بإرادتها على إيفاء وظيفته.
أمّا الفلاسفة فهم قسمان، ومنهم سقراط الحكيم الّذي كان يؤمن بالوحدانيّة الإلهيّة وببقاء الرّوح بعد الموت. ولمّا كانت عقيدته تخالف آراء العوام ضيّقي النّظر لذا فقد أشربوه السّمّ. وعندما نَظَرَ جميع الفلاسفة الإلهيّين والعقلاء والعلماء إلى هذه الكائنات الّتي لا نهاية لها لاحظوا أنّ نهاية هذا الكون الأعظم تنتهي إلى عالم الجماد وتنتهي نهاية عالم الجماد إلى عالم النّبات وتنتهي نهاية عالم النّبات إلى عالم الحيوان وتنتهي نهاية عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، وأنّ هذا الكون الوسيع الّذي لا نهاية له تنتهي نهايته إلى الإنسان، وهذا الإنسان بعد أيّام المحن والآلام الّتي تتناهى في النّشأة الإنسانيّة يتلاشى ويزول دون أثر أو ثمر. وإذا كان الأمر كذلك فإنّ هذا الكون الّذي لا يتناهى مع جميع كمالاته ينتهي إلى اللّغو والهذيان دون أيّة نتيجة. إذن أيقنوا على أنّ الأمر ليس كذلك ولن ينتهي هذا المصنع على ما هو عليه من العظمة والشّوكة المحيّرة للعقول وعلى ما هو عليه من هذه الكمالات إلى الهذيان. ومن المؤكّد أنّ هناك نشاة أخرى، فكما أنّ عالم النّبات ليس له خبر عن نشاة عالم الإنسان فكذلك نحن لا خبر لنا عن تلك النّشأة الكبرى بعد النّشأة الإنسانيّة، ولكن عدم الاطّلاع ليس بدليل على عدم الوجود، وكما أنّ عالم الجماد لا خبر له تمامًا عن عالم الإنسان ويستحيل عليه إدراكه فإنّ عدم إدراكه ليس بدليل على عدم الوجود. وهناك دلائل قاطعة متعدّدة على أنّ هذا العالم غير المتناهي لا ينتهي إلى الحياة الإنسانيّة. أمّا حقيقة الألوهيّة فهي في الواقع حقيقة مجرّدة تجرّدًا حقيقيًّا فهذا يعني أنّ إدراكها مستحيل لأنّ كلّ ما يقع تحت التّصوّر إنّما هو حقيقة محدودة لا حقيقة غير متناهية ومحاط وليس بمحيط ويكون إدراك الإنسان فائقًا عليه ومحيطًا به. ومن المؤكّد كذلك أنّ التّصوّرات الإنسانيّة حادثة لا قديمة ولها وجود ذهنيّ لا وجود عينيّ وفضلاً عن هذا فإنّ تفاوت المراتب في حيّز الحدوث مانع للإدراك إذن فكيف يدرك الحادث الحقيقة القديمة؟ وكما قلنا إنّ تفاوت المراتب في حيّز الحدوث مانع للإدراك فالجماد والنّبات والحيوان لا خَبَرَ لها عن قوى الإنسان العقليّة الكاشفة لحقائق الأشياء ولكنّ الإنسان مطّلع على هذه المراتب جميعها فكلّ مرتبة عالية محيطة بالمرتبة الدّانية وكاشفة لحقيقتها ولكنّ المرتبة الدّانية لا خَبَرَ لها بالمرتبة العالية ومستحيل عليها الاطّلاع عليها.
لهذا فالإنسان لا يستطيع أن يتصوّر حقيقة الألوهيّة ولكنّه يعتقد بحقيقة حضرة الألوهيّة عن طريق القواعد العقليّة والنّظريّة والمنطقيّة والاستنتاجات الفكريّة والاكتشافات الوجدانيّة ويكشف الفيوضات الإلهيّة ويوقن بأنّ حقيقة الألوهيّة مهما كانت غير مرئيّة ومهما كان وجود الألوهيّة غير محسوس فإنّ هناك أدلّة قاطعة إلهيّة تحكم بوجود تلك الحقيقة غير المرئيّة. لكن تلك الحقيقة كما هي، مجهولة النّعت فمثلاً المادّة الأثيريّة موجودة ولكنّ حقيقتها مجهولة وهي محتومة بآثارها والحرارة والضوء والكهرباء هي تموّجاتها، ومن هذه التّموّجات يثبت وجود المادّة الأثيريّة. ونحن عندما ننظر إلى الفيوضات الإلهيّة نوقن بوجود الألوهيّة، فمثلاً نلاحظ أنّ وجود الكائنات عبارة عن تركيب العناصر الفرديّة وأنّ فناء الكائنات عبارة عن تحليل عناصرها لأنّ التّحليل سبب تفريق العناصر الفرديّة. إذن فنحن عندما ننظر إلى تركيب العناصر نشاهد أنّ كائنًا من الكائنات جاء للوجود من كلّ تركيب وأنّ الكائنات غير متناهية وأنّ المعلولات غير متناهية إذن فكيف تصبح العلّة فانية؟
إنّ التّركيب ينحصر في ثلاثة أقسام لا رابع لها: تركيب تصادفيّ وتركيب إلزاميّ وتركيب إراديّ. أمّا تركيب عناصر الكائنات فليس تركيبًا تصادفيًّا لأنّ المعلول لا يأتي للوجود بدون علّة، ثمّ إنّ تركيب عناصر الكائنات ليس تركيبًا إلزاميًّا لأنّ التّركيب الإلزاميّ هو ذاك التّركيب الّذي ينتج من اللّوازم الضّروريّة للأجزاء المركّبة واللّزوم الذّاتيّ لأيّ شيء لا ينفكّ عنه النّور الّذي يظهر الأشياء وكذلك الحرارة الّتي تمدّد العناصر وشعاع الشّمس هما من لوازم الشّمس الذّاتيّة. وعلى هذه الصّورة يكون تحليل كلّ تركيب مستحيلاً لأنّ اللّزوم الذّاتيّ لا ينفكّ عن كلّ كائن. والآن بقي النّوع الثّالث من التّركيب وهو التّركيب الإراديّ وهو أن تكون فيه قوّة غير مرئيّة يسمّونها القدرة القديمة هي السّبب في تركيب هذه العناصر ويحصل من كلّ تركيب كائن من الكائنات. وأمّا الإرادة والعلم والقدرة والصّفات القديمة الّتي نعتبرها من كمالات تلك الحقيقة اللاّهوتيّة هي من مقتضيات آثار وجوده في حيّز الشّهود وليست الكمالات الحقيقيّة للألوهيّة المطلقة الّتي لا يمكن إدراك كنهها. فمثلاً عندما نلاحظ في الكائنات كمالات غير متناهية وندرك أنّ الكائنات على شأن كبير من الانتظام والكمال نقول إنّ تلك القدرة القديمة الّتي نسب إليها وجود هذه الكائنات قوّة ليست جاهلة إذن فهي عالمة وهي لا شكّ غير عاجزة إذن فهي قديرة وهي لا شكّ غير فقيرة إذن فهي غنيّة وهي لا شكّ غير معدومة إذن فهي موجودة.
وخلاصة القول إنّ هذه النّعوت الّتي نحسبها لتلك الحقيقة الكلّيّة هي مجرد سلب النّقائص عنها لا ثبوت للكمالات الّتي يتصوّرها الإنسان في حيّز إدراكه ولهذا نقول إنّها مجهولة النّعت. والخلاصة أنّ تلك الحقيقة الكلّيّة مع جميع نعوتها وأوصافها الّتي نحصيها مقدّسة ومنزّهة عن العقول والإدراكات، ولكنّنا عندما ننظر في هذا الكون غير المتناهي نظرة شاملة دقيقة نلاحظ أنّ الحركة والمتحرّك أشياء مستحيلة بدون المحرّك وأنّ المعلول ممتنع ومحال بدون العلّة وأنّ كلّ كائن من الكائنات قد يكون تحت تأثير مؤثّرات عديدة متفاعلة بعضها مع بعض دائمًا، وتلك المؤثّرات حصلت كذلك بتأثير مؤثّرات أخرى فمثلاً النّبات حصل بفيض سحابة الرّبيع وتمّ إنباته ولكن السّحابة نفسها حصلت من تدابير مؤثّرات أخرى وتلك المؤثّرات كذلك من تأثير مؤثّرات أخرى فمثلاً النّباتات والحيوانات نشأت ونمت من عنصري النّار والماء اللّذين يسمّيهما فلاسفة هذه الأيّام باسمي الأوكسيجين والهيدروجين، أي أنّها وجدت من تربية وتأثير هذين المؤثّرين ونفس هذين العنصرين هما تحت تأثير مؤثّرات أخرى، وكذلك سائر الكائنات لها هذا التّسلسل من المؤثّرات والمتاثّرات. ومن الثّابت بالبراهين بطلان التّسلسل إذن فلا بدّ أن تنتهي هذه المؤثّرات والمتاثّرات إلى الحيّ القدير الّذي هو الغنيّ المطلق والمقدّس عن المؤثّرات. وتلك الحقيقة الكلّيّة غير محسوسة وغير مرئيّة ويجب أن تكون كذلك لأنّها محيطة لا محاطة. ومثل هذه الأوصاف صفات للمعلول لا للعلّة وعندما ندقّق النّظر نلاحظ أنّ الإنسان كالميكروب الصّغير الموجود في الفاكهة، فتلك الفاكهة وجدت من برعم والبرعم نبت من الشّجرة والشّجرة نشأت ونمت من مادّة سائلة وتلك المادّة السّائلة حصلت من التّراب والماء. ولكن كيف يستطيع هذا الجرثوم الصّغير أن يدرك حقائق ذلك البستان ويفهم البستانيّ ويدرك حقيقة ذلك البستانيّ ومن الواضح أنّ هذا مستحيل. ولكنّ ذلك الميكروب لو كان ذكيًّا لفهم أنّ هذا البستان وهذه الشّجرة وهذا البرعم وهذه الثّمرة لم تحصل بهذا الانتظام والكمال من نفسها لنفسها. وبمثل هذا يوقن الإنسان العاقل الذّكيّ أنّ هذا الكون الّذي لا نهاية له لم يحصل بهذه العظمة والانتظام من نفسه لنفسه، وكذلك وجدت القوى غير المرئيّة في حيّز الإمكان ومنها القوّة الأثيريّة وهي كما مرَّ ذكره غير محسوسة وغير مرئيّة ولكنّها ظاهرة ثابتة من آثارها أي من تموّجات ومن اهتزازات الضّوء والحرارة والكهرباء، وكذلك قوّة النّمو وقوّة الإحساس وقوّة العقل وقوّة التّفكير وقوّة الحفظ وقوّة التّخيّل وقوّة الكشف. فهذه القوى المعنويّة كلّها غير مرئيّة وغير محسوسة ولكنّها ظاهرة ثابتة بآثارها.
وأمّا القوّة غير المحدودة فإنّ نفس المحدود دليل على وجود غير المحدود لأنّ المحدود ولا شكّ يعرف بغير المحدود، كما أنّ نفس العجز دليل على وجود القدرة ونفس الجهل دليل على وجود العلم ونفس الفقر دليل على وجود الغنى فلو لم يكن الغنى لما كان الفقر أيضًا ولو لم يكن العلم لما كان الجهل ولو لم يكن النّور لما كانت الظّلمة فنفس الظّلمة دليل على النّور لأنّ الظّلمة هي عدم النّور. أمّا الطّبيعة فهي عبارة عن الخواص والرّوابط الضّروريّة المنبعثة من حقائق الأشياء وهذه الحقائق غير متناهيّة ومهما كانت في منتهى الاختلاف في ما بينها لكنّها في غاية الائتلاف وفي أقصى الارتباط من جهة أخرى. وعندما توسّع نظرتك وتلاحظ ملاحظة دقيقة توقن أنّ كلّ حقيقة هي من اللّوازم الضّروريّة لسائر الحقائق. إذًا فيستلزم هذا وجود جهة جامعة لارتباط هذه الحقائق المختلفة وائتلافها حتّى يوفي كلّ جزء من أجزاء الكائنات وظيفته بمنتهى الانتظام. فمثلاً لاحظوا الإنسان واستدلّوا من الجزء على الكلّ لاحظوا هذه الأعضاء والأجزاء المختلفة في الهيكل الإنسانيّ تروا ما أعظم ارتباطها وائتلافها بعضها ببعض وكلّ جزء هو من اللّوازم الضّروريّة لسائر الأجزاء وله وظيفة مستقلّة، ولكنّ الجهة الجامعة وهي العقل يربطها جميعًا ربطًا بدرجة تفي بوظائفها وفاءً منتظمًا ويحصل التّعاون والتّعاضد والتّفاعل بينها، وأنّ حركتها جميعًا تحت قوانين هي من اللّوازم الوجوديّة لها. فإذا حصل في تلك الجهة الجامعة الّتي هي مدبّرة لهذه الأجزاء خلل وفتور فلا شكّ أن تحرم الأعضاء والأجزاء من إيفاء وظائفها إيفاءً منتظمًا ومع أنّ تلك القوّة الجامعة في الهيكل الإنسانيّ غير محسوسة وغير منظورة وحقيقتها مجهولة ولكنّها من حيث الآثار ظاهرة باهرة بكلّ قوّة. إذن ثبت واتّضح أنّ هذه الكائنات غير المتناهية في العالم العظيم كلّ واحد منها يتوفّق في أداء وظيفته عندما يكون تحت إدارة حقيقيّة كلّيّة حتّى ينتظم هذا العالم. وخذ مثلاً التّفاعل والتّعاضد والتّعاون بين الأجزاء المكوّنة للوجود الإنسانيّ فإنّ هذا شيء مشهود لا يقبل النّكران لكنّ هذا التّفاعل والتّعاضد والتّعاون غير كافٍ بل يحتاج جهة جامعة تدير هذه الأجزاء وتدبّرها حتّى تقوم هذه الأجزاء المركّبة بإيفاء وظائفها اللاّزمة بالتّعاون والتّفاعل والتّعاضد إيفاءً منتظمًا. وأنتم ولله الحمد مطّلعون على أنّ بين جميع الكائنات تفاعلاً وتعاضدًا كلّيًّا وجزئيًّا ولكنّ التّفاعل بين الكائنات العظيمة واضح وضوح الشّمس ولو أنّ التّفاعل مجهول بين الكائنات الجزئيّة ولكنّ الجزء قياس للكلّ إذن فجميع هذه التّفاعلات مرتبطة بقوّة محيطة هي المحور والمركز والمحرّك لهذه التّفاعلات. وكما قلنا إنّ التّعاون والتّعاضد بين أجزاء الهيكل الإنسانيّ شيء ثابت وإنّ هذه الأعضاء والأجزاء تخدم جميع الأعضاء والأجزاء الأخرى فمثلاً اليد والقدم والعين والأذن والفكر والتّصوّر تساعد جميع الأعضاء والأجزاء لكنّ جميع هذه التّفاعلات ترتبط بقوّة واحدة غير مرئيّة محيطة بها تحصل هذه التّفاعلات بصورة منتظمة وتلك هي القوّة المعنويّة في الإنسان وهي عبارة عن الرّوح والعقل وهي غير مرئيّة. وكذلك لاحظوا المعامل والمصانع تروا تفاعل جميع الآلات والأدوات وارتباطها بعضها ببعض ولكنّ جميع هذه الرّوابط والتّفاعلات مرتبطة بقوّة عموميّة هي المحرّك والمحور والمصدر لهذه التّفاعلات وتلك القوّة هي قوّة البخار أو مهارة العامل. إذن اتضح وتحقّق أنّ التّفاعل والتّعاضد والارتباط بين الكائنات هو تحت إدارة وإرادة قويّة محرّكة واحدة هي المصدر والمحرّك والمحور للتّفاعل بين الكائنات وكذلك كلّ تركيب وترتيب لا نراه مرتّبًا ومنظّمًا نسمّيه تركيبًا تصادفيًّا ونسمي كلّ تركيب وترتيب منظّم ومرتّب وفي منتهى الكمال في الارتباط أي يقع كلّ جزء منه في موقع ضروريّ لسائر الأشياء نسمّيه تركيبًا تركّب وترتّب بإرادة وبشعور. ولا شكّ أنّ هذه الكائنات غير متناهية وأنّ تركيب هذه العناصر الفرديّة الّتي انحلّت في صور غير متناهية صدر عن حقيقة ليست فاقدة الشّعور ولا مسلوبة الإرادة. وهذا شيء ثابت وواضح لدى العقل وليس هناك مجال للإنكار ولكنّ مقصودنا هو أنّنا أدركنا تلك الحقيقة الكلّيّة عن طريق الصّفات ولكنّنا لم ندرك الحقيقة ذاتها ولا صفاتها الحقيقيّة ومع هذا نقول إنّ هذه الكائنات غير متناهية وهي روابط ضروريّة وإنّ هذا التّركيب التّام الكامل غير صادر عن مصدر فاقد للإرادة والشّعور وإنّ هذا التّركيب غير المتناهي الّذي انحلّ في صور غير متناهية مبنيّ على حكمة كلّيّة وهذه قضيّة غير قابلة للنّكران اللّهم إلا أنّ يقوم الإنسان على إنكار المعاني الواضحة الباهرة بالعناد واللّجاج ويكون مصداق الآية الكريمة “صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون”.
أمّا القول بأنّ القوى العقليّة والرّوح الإنسانيّ شيء واحد فإنّ القوى العقليّة من خصائص الرّوح مثل قوّة التّخيّل ومثل قوّة التّفكير ومثل القوّة المدركة فهي من خصائص الحقيقة الإنسانيّة كما أنّ شعاع الشّمس من خصائص الشّمس والهيكل الإنسانيّ بمثابة مرآة والرّوح بمثابة الشّمس والقوى العقليّة بمثابة الأشعّة الّتي هي فيض من فيوضات الشّمس ولربما تنقطع الأشعّة عن المرآة وتنفكّ عنها لكنّ أشعّة الشّمس لا تنفكّ عن الشّمس. والخلاصة هو أنّ العالم الإنسانيّ بالنّسبة لعالم النّبات كنسبة عالم ما وراء الطّبيعة إلى عالمنا وفي الحقيقة لا نسبة له بما وراء الطّبيعة ولكنّ حقيقة الإنسان وقوّة سمعه وبصره بالنّسبة للنّبات هي بمثابة ما وراء الطّبيعة ومن المستحيل على النّبات أن يدرك حقيقة الإنسان وماهيّة القوّة العاقلة وكذلك يستحيل على البشر إدراك حقيقة الألوهيّة وحقيقة نشأة الحياة بعد الموت. لكنّ فيوضات الحقيقة الرّحمانيّة تشمل جميع الكائنات ويجب على الإنسان أن يفكّر ويتأمّل في الفيوضات الإلهيّة الّتي منها الرّوح لا في حقيقة الألوهيّة فإنّ هذا منتهى إدراكات العالم الإنسانيّ وكما سبق أن ذكرنا أنّ هذه الأوصاف والكمالات الّتي نحصيها لحقيقة الألوهيّة إنّما نقتبسها من وجود الكائنات وشهودها لا أنَّنا أدركنا الحقيقة الإلهيّة. فإذا قلنا إنّ حقيقة الألوهيّة مدركة ومختارة فليس ذلك يعني أنّنا اكتشفنا إرادة الألوهيّة واختيارها بل اقتبسنا ذلك من فيوضات الألوهيّة الظّاهرة في حقائق الأشياء. أمّا مسائلنا الاجتماعيّة أي تعاليم حضرة بهاء الله الّتي انتشرت قبل 167 سنة فإنّها جامعة لجميع المبادئ ومن الواضح أنّ نجاح العالم الإنسانيّ وفلاحه مستحيل بدون هذه التّعاليم كلّ الاستحالة وكلّ فرقة من الفرق في العالم الإنسانيّ ترى نهاية آمالها موجودة في هذه التّعاليم السّماويّة وهذه التّعاليم بمثابة شجرة تحمل جميع الأثمار بصورة أكمل وأتمّ، فمثلاً يشاهد الفلاسفة المسائل الاجتماعيّة بصورة أكمل وأتمّ في هذه التّعاليم السّماويّة وكذلك يشاهدون فيها المسائل الفلسفيّة بصورة أسمى وأشرف وبصورة مطابقة للحقيقة، وكذلك يشاهد أهل الأديان حقيقة الدّين في هذه التّعاليم السّماويّة مشاهدة العيان وتثبت لهم بالأدلّة القاطعة والحجج الواضحة أنّها العلاج الحقيقيّ لعلل وأمراض الهيئة الاجتماعيّة في العالم الإنسانيّ وعند انتشار هذه التّعاليم العظيمة تنجو الهيئة الاجتماعيّة بأسرها من جميع الأخطار والعلل والأمراض المزمنة.
وكذلك مسألة الاقتصاد البهائيّ فهي منتهى آمال العمّال ومنتهى مقصود الأحزاب الاقتصاديّة والخلاصة أنّ جميع الأحزاب تنال نصيبها من تعاليم حضرة بهاء الله وعندما تعلن هذه التّعاليم في الكنائس والمساجد وسائر معابد الملل الأخرى حتّى البوذيّين والكونفوشيوسيّين ونوادي الأحزاب المختلفة حتّى المادّيّين ترى الكلّ يعترفون بأنّ هذه التّعاليم سبب الحياة الجديدة للعالم الإنسانيّ وهي العلاج الفوريّ لجميع أمراض الهيئة الاجتماعيّة ولا ينتقدها أيّ إنسان بل بمجرّد الاستماع إليها تطرب النّفوس وتذعن بأهميّة هذه التّعاليم وتقول: “هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلاّ الضّلال المبين”.
وفي ختام الكلام أكتب إليكم الكلمات التّالية وهي الحجّة والبرهان القاطع على الجميع فأمعنوا النّظر فيها: إنّ قوّة إرادة كلّ ملك مستقلّ تنفذ في أيّام حياته وكذلك قوّة إرادة كلّ فيلسوف تؤثّر في أيّام حياته في نفر قليل من تلامذته أمّا قوّة الرّوح القدس الظّاهرة الباهرة في حقائق الأنبياء وقوّة إرادة الأنبياء هي على شأن من النّفوذ بحيث تراها نافذة الآف السّنين في ملّة عظيمة وتراها تؤسّس خلقًا جديدًا وتنقل العالم الإنسانيّ من عالم قديم إلى عالم آخر جديد فلاحظوا أيّة قوّة هذه القوّة الخارقة للعادة فإنّه برهان وافٍ على حقيقة الأنبياء وحجّة بالغة على قوّة الوحي. (مقتبس من خطابات حضرة عبد البهاء فى أوروبا وأمريكا)

سأل الملحد المؤمن بالله :في أي سنة وُجد ربك؟ 
قال المؤمن : الله موجود قبل التاريخ والأزمنة فلا أول لوجوده
 
ثمّ سأل المؤمن: ماذا قبل الأربعة
 
قال الملحد: ثلاثة
 
فرد الممؤمن: وماذا قبل الثلاثة
 
فقال الملحد: اثنان
 
فسأل المؤمن: وماذا قبل الاثنان
 
فرد الملحد: واحد
 
فسأل المؤمن: وماذا قبل الواحد؟
 
فأجاب الملحد: لا شيء قبله
 
فقال المؤمن: إذا كان الواحد الحسابي لا شيء قبله فكيف بالواحد الحقيقي وإنه قديم منذ الأزل ولا أول لوجوده
 
فقال الملحد: في أي مكان يوجد ربك؟
 
قال المؤمن: لو أحضرت مصباحاً في مكان مظلم فإلى أي جهة يتجه النور؟؟؟
 
قال الملحد يتجه النور ويوجد في كل مكان
 
قال المؤمن: إذا كان هذا النور الصناعي!! فما بالك وكيف بنور ربّك ربّ السموات والأرض!!
 
قال الملحد: عرّفنا شيئاً عن ذات ربّك؟
 
فقال المؤمن: هل جلست بجوار مريض مشرف على الموت وفي النزع الأخير؟
 
قال: جلست
 
قال المؤمن: هل كلمك بعدما أسكته الموت؟
 
قال: لا
 
قال المؤمن: هل كان قبل الموت يتكلم ويتحرك؟
 
قال: نعم
 
قال المؤمن: وما الذي غيّره؟
 
قال: خروج روحه
 
قال المؤمن: أ خرجت روحه؟
 
قال: نعم
 
فقال له المؤمن: صف لي هذه الروح-هل هى صلبه أم سائلة كالماء أم غازية كالدخان والبخار؟
 
قال: لا أعرف شيء عنها
 
فقال له المؤمن: إذا كانت الروح المخلوقة لا يمكنك الوصول إلى كنهها فكيف تريد مني أن أصف لك الذات الإلهية!!!!!!!!!!!!!!!
 

وهذا يعني بأن الكون وجميع المخلوقات وما فيه من قوى قد خلقها خالق متعال وهو فوق قدرة الإنسان والطبيعة . هذا الموجود المقدس المنزه الذي نسميه الله سبحانه وتعالى له السلطة المطلقة على مخلوقاته وهو (القدير) بالإضافة إلى العلم والمعرفة الكاملة والشاملة وهو (العليم) . وقد يكون لدينا مفاهيم مختلفة عن الله وطبيعته وقد نصلّي له بلغات مختلفة وندعوه بأسماء متنوعة مثل الله ، يهوه ، الرب أو براهما ولكننا في جميع الأحوال نتحدث عن نفس الوجود المقدس المنيع . 
تعظيما وتجليلا لله سبحانه وتعالى يقول حضرة بهاء الله :
” سبحانك اللهم يا إلهي أنت الذي لم تزل كنت في علو القدرة والقوة والجلال ولا تزال تكون في سمو الرفعة والعظمة والإجلال كل العرفاء متحير في آثار صنعك وكل البلغاء عاجز من إدراك مظاهر قدرتك واقتدارك كل ذي عرفان اعترف بالعجز عن البلوغ إلى ذروة عرفانك وكل ذي علم أقر بالتقصير عن عرفان كنه ذاتك(1-من كتاب “حديقة عرفان ” ص53).
أشار حضرة بهاء الله بأن الله عز وجل أعظم وأجل من أن يدركه أحد أو يتصوره العقل البشري المحدود أو يحدد بأي شكل من الأشكال :
” شهد الله لنفسه بوحدانية نفسه ولذاته بفردانية ذاته ونطق بلسانه في عرش بقائه وعلو كبريائه بأنه لا إله إلا هو لم يزل كان موحد ذاته بذاته وواصف نفسه بنفسه ومنعت كينونته بكينونته وأنه هو المقتدر العزيز الجميل وهو القاهر فوق عباده والقائم على خلقه وبيده الأمر والخلق يحيى بآياته ويميت بقهره لا يسئل عما يفعل وإنه كان على كل شئ قدير وإنه لهو القاهر الغالب الذي في قبضته ملكوت كل شئ وفي يمينه جبروت الأمر وإنه كان على كل شئ محيط له النصر والانتصار وله القوة والاقتدار وله العزة والاجتبار وإنه هو العزيز المقتدر المختار”.
:” إن سبيل الكل إلى ذات القدم مسدود وطريق الجميع مقطوع . محض الفضل والعناية اظهر الله مـن بين الناس شموسا مشرقة من أفق الاحدية واعتبر عرفان هذه النفوس المقدسة هو عرفان ذاته”. (بهاءالله)
 
“سبحانك اللّهم يا إلهي كيف أذكرك بعد الذي أيقنت بأن ألسن العارفين كلّت عن ذكرك وثنائك ومنعت طيور أفئدة المشتاقين عن الصّعود إلى سماء عزّك وعرفانك، لو أقول يا إلهي بأنك أنت عارف أشاهد بأن مظاهر العرفان قد خلقت بأمرك ولو أقول بأنك أنت حكيم أشاهد بأن مطالع الحكمة قد ذُوّتَت بإرادتك وإن قلت بأنك أنت الفرد، ألاحظ بأن حقايق التفريد قد بعثت بإنشائك وإن قلت إنك أنت العليم أشاهد بأن جواهر العلم قد حُقّقت بمشيئتك وظهرت بإبداعك فسبحانك سبحانك من أن تشير بذكر أو توصف بثناء أو بإشارة لأن كل ذلك لم يكن إلا وصف خلقك ونعت أمرك واختراعك، وكلّما يذكرك الذاكرون أو يعرج إلى هواء عرفانك العارفون يرجعُنّ إلى النقطة التي خضعت لسلطانك وسجدت لجمالك وذُوّتَت بحركة من قِبَلك…”( بهاء الله، “منتخباتي، آثار حضرت بهاء الله”، لانكنهاين، ألمانيا، لجنة نشر آثار امري، ١٩٨٤، ص١٠-١١.)
أكد حضرة بهاء الله بأن الله عزّ وجلّ منزّه عن إدراك كل مدرك، يعجز العقل البشري كل العجز عن أي تصوّر واضح لذاته أو وصف تلك الذات أو معرفة حقيقتها، إذ لا يعرف ذاته وكنه حقيقته إلا هو، فإجمالاً لا يعرف الله إلا الله:
 
“فسبحانك سبحانك من أن تذكر بذكر وتوصف بوصف أو تثنى بثناء، وكل ما أمرت به عبادك من بدايع ذكرك وجواهر ثنائك هذا من فضلك عليهم ليصعدنّ بذلك إلى مقر الذي خُلِقَ في كينونتهم من عرفان أنفسهم، وأنك لم تزل كنت مقدساً عن وصف ما دونك وذكر ما سواك، وتكون بمثل ما كنت في أزل الآزال، لا إله إلا أنت المتعالي المقتدر المقدس العليم…”( “منتخباتي” ص ١١.)
فالمشار إليه بالأسماء الحسنى ليس ذات الحقّ، فمهما أطلقنا على الله من أسماء وصفات وقلنا إنه القوي القدير أو الودود الرحيم أو العادل الكريم، فإن هذه الألفاظ ما هي إلا مشتقات أملتها علينا التجربة الإنسانية المحدودة لمعاني القوة والرحمة والعدالة والمحبة. والحقيقة إن معرفتنا لأي أمر من الأمور إنما هي معرفة محدودة وتقتصر فقط على مفهومنا الشخصي لصفات ومزايا تصوّرها لنا خبرتنا الضيقة وعقلنا المحدود.
 
“اعلم أن العرفان على قسمين: معرفة ذات الشيء ومعرفة صفاته، ومعرفة الذات تكون بمعرفة الصفات ليس إلا حيث إن الذات مجهولة غير معلومة، ولما كانت معرفة الأشياء بالصفات لا بالذات وهي مخلوقة محدودة، فكيف إذاً يمكن معرفة حقيقة الذات الإلهية وهي غير محدودة…
 
لهذا فمعرفة الله عبارة عن إدراك الصفات الإلهية وعرفانها لا إدراك الحقيقة الإلهية، ومعرفة الصفات أيضا ليست معرفة مطلقة، بل إنما تكون بقدر استطاعة الإنسان وقوّته، والحكمة عبارة عن إدراك حقائق الأشياء كما هي، أي على ما هي عليه، وذلك بقدر استطاعة الإنسان وقوته، لهذا فليس هناك سبيل للحقيقة الحادثة لإدراك كنه الذات، بل إنها فقط تدرك الصفات القديمة بقدر الطاقة البشرية، فغيب الذات الإلهية مقدس منزّه عن أن تدركه الموجودات، وكل ما يدخل تحت التصوّر إنما هو إدراكات إنسانية، فقوّة الإدراك الإنساني لا تحيط بحقيقة الذات الإلهية…”( “من مفاوضات عبد البهاء: محادثات على المائدة” من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا، ١٩٨٠، ص ١٦١-١٦٢.)
من هذا يتّضح أن معرفة الإنسان بالله إنما تعني العلم بصفات الله وسجاياه وحَسب ولا تعني المعرفة المباشرة لحقيقة الخالق أو الذات الإلهيّة. وهذا بحد ذاته يطرح التساؤل: كيف نتوصل إلى معرفة الصفات الربّانية؟ لقد كتب حضرة بهاء الله ما معناه أن كل ما في هذا الوجود هو من صُنع الله، وكل شيء بالتالي ينمّ أو يكشف عن مزيّة من صفات خالقه. ومثال ذلك أننا نستطيع أن نستشف قدرة الله وعظم صنعه حتى ولو تأمّلنا في الحجر أو البلّور وكيفية تكوينهما يزداد إدراكنا لعظمة الله وتظهر قدرته وصفاته المهيمنة كلّما دقّقنا النظر فيما صفا من المعادن وما أُبدع خلقه وصناعته. ولمّا كان ابتعاث الله رسولاً أو مظهراً إلهيّاً هو أسمى وأرفع أشكال الخَلْق فجميع الكمالات والفيوضات والتّجليات لذات الحقّ ظاهرة في حقيقة المظاهر الإلهية، فالأسماء والصّفات والمحامد والنّعوت التي نصف بها الخالق العظيم كلها راجعة إلى هذه المظاهر المقدّسة:
 
“إن ما في السماوات وما في الأرض مهابط لظهور الله وصفاته… وينطبق هذا على الإنسان بصورة خاصة، فقد اختصّه الله دون غيره من الموجودات فشرّفه وميّزه… وتجلّت في الإنسان صفات الله وأسماؤه على نحو أشرف وأكمل من غيره… وأكمل الناس وأفضلهم وألطفهم هم مظاهر شمس الحقيقة، لا بل كل ما سواهم موجودون بإرادتهم، ويحيون ويتحركون بفيضهم…”( “منتخباتي”، ص ١١٧-١١٨) (مترجم عن الفارسية)
على الرغم مما يكشف عنه الحجر وما يظهره الشجر من إبداع الخالق ودقة صنعه، فإن الكائن الواعي، أي الإنسان، وحده قادر على تصوير الصفات الإلهية وقولبتها في حياته وتصرّفاته. وبما أن المظاهر الإلهية هي بالفعل في حالة الكمال، فإن أقرب فهم كامل للمعاني العميقة لصفات الله يتجلّى في حياة البشر. فالله لا يحدّه جسد ولا تحوطه مادة، ولذا فنحن غير قادرين على رؤيته جهاراً أو مشاهدة ذاته أو شخصه. ومن ثم فإن إدراكنا القاصر ومعرفتنا المحدودة للمظاهر الإلهية هما في الحقيقة أقصى ما نستطيع الوصول إليه في محاولاتنا لعرفان الله:
 
“قل إن الغيب لم يكن له من هيكل ليظهر به إنّه لم يزل كان مقدّسا عمّا يُذكر ويُبصر… إن الغيب يُعرف بنفس الظهور، والظهور بكينونته لبُرهان الأعظم.”( “منتخباتي”، ص ٣٩.)
وفي قول آخر مشابه:
“ولمّا أن كانت أبواب عرفان ذات الأزل مسدودةً على وجه الممكنات لهذا باقتضاء رحمته الواسعة في قوله سبقت رحمته كل شيء ووسعت رحمتي كل شيء، قد أظهر بين الخلق جواهر قدس نُورانيّة، من عوالم الروح الروحاني على هياكل العزّ الإنساني، كي تحكي عن ذات الأزلية وساذج القدمية…”( “كتاب الإيقان”، من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل، ١٩٩٧، ص ٨٢ مترجم عن الفارسية)

بحث في بعض دلائل إثبات وجود الله

 

ينتقد الملحدون الدليل القائل بأن كل موجود لابد له من صانع , ويردّون: إذاً من صنع الله عز وجل. لأنه يجب أن يكون هناك من أوجد الصانع نفسه.

لذا علينا أن لا نطرح مثل هذه الأدلة فلا نقول بأن كل موجود يجب أن يكون له صانع, حتى لا يردوا علينا بهذه العبارة أي: إذاً مادام الله موجوداً لذا فيجب أن يكون له صانعاً. بل يجب أن نقول لهم ونستدل بأن كل من هو ممكن الوجود يجب أن يكون له صانعاً.

“ممكن الوجود” يعني ذلك الشيء الذي يمكن أن يكون موجوداً أو غير موجود. أي وجوده وعدمه سواء. فهذا الشيء لابد له من صانع. لماذا له صانع؟ لأن وجوده وعدمه سواء ويجب أن يكون هناك سبباً يرجِّح وجوده وعدمه. مثلاً افترضوا أن وجود الماء هنا وعدمه سواء. فبإمكانه أن يكون موجوداً أو أن لا يكون. كما أنه لم يكن سابقاً والآن هو موجود. إذاً وجوده وعدمه سواء. وحينما يكون وجوده وعدمه سواء, فإذاً يجب أن يكون هناك سبب يرجِّح وجوده وعدمه, وذلك السبب هو , أنني مثلاً أحس في وقت ما بالعطش.

العالَم أيضاً هو ممكن الوجود. لماذا هو ممكن الوجود؟ لأن وجوده وعدمه سواء. لماذا وجوده وعدمه سواء؟ لأن كل شيء موجود الآن كان بإمكانه أن لا يكون. كما أنه في زمن ما لم يكن. فالماء لم يكن في العالم في زمنٍ ما. ولم يكن التراب في زمن آخر. ولم تكن الكرة الأرضية أيضاً. ولم تكن المنظومة الشمسية. فإذاً وجود وعدم كل هذه الأشياء سواء. ولذلك فإنه يجب أن يكون هناك سبب يقتضي وجود هذه الأشياء. فالسبب هو الذي يقرر لزومية وجود كل ذلك.

فحين يقولون لابد من وجود الصانع فإنهم يقصدون بأن الشيء الذي هو “ممكن الوجود” وبعبارة أخرى: أي وجوده وعدمه سواء. مادام موجوداً الآن فيجب أن يكون هناك سبب لوجوده ولا نقول ذلك لمن لا يكون وجوده وعدمه سواء. فمثلاً في حالة كل العالم من حيث المجموع لا نستطيع أن نقول بأن وجوده وعدمه في الزمن هو على السواء بل يجب أن يكون دائماً ولا يمكن أن لا يكون. لذا لا نقول بأن كان له صانع  في برهة من الزمان, بل كان موجوداً مع الصانع ولم يكن له (العالم) بداية من حيث الزمان.

وفي حالة الله بذاته المطلقة, لا نستطيع أن نقول بأن وجوده وعدم وجوده هما سواء. لأنه يجب أن يكون ولا يمكن أن لا يكون. وبذاته ليس له بداية. لذلك لا نستطيع أن نقول بأنه مادام كل شيء له صانع, إذاً يجب أن يكون لله صانع أيضاً. لأننا لا نقول بأن كل موجود له صانع بل نقول بأن كل “ممكن الوجود” أي كل من كان وجوده وعدمه سواء له صانع يقتضي وجود ذلك الشيء. و هذا لا ينطبق على الله. لأن الله بذاته وجوده وعدم وجوده ليس سواء. بل إن وجوده هو الأصل, حتى يكون السبب لوجود سائر الأشياء التي وجودها وعدمها سواء. وإذا قلنا بهذا فإن الشيء الذي وجوده وعدمه سواء, مادام الآن موجوداً إذاً لابد أن يكون هناك سبب يقرر وجوده. وهنا نرى بأنه لا يستدعي الذي يكون سبباً لوجود العالم يحتاج أن يكون لوجوده سبب أيضاً. وهكذا يزول التسلسل. (التسلسل هو القول بأن أي موجود لابد أن يكون هناك من أوجده, أي الصانع لابد أن يكون هناك ما صنعه,, وهكذا دون أن ينتهي التسلسل, فالتسلسل هنا يعتبر باطلاَ.)

لأننا إذا ادّعينا سبباً لوجود هذا السبب الأعظم (أي الله). فمن ثم لن يكون هناك سبب لوجود أي شي في العالم وكل شيء يكون موجوداً بدون سبب. ولذلك لا يقبل العقل هذا. لأن وجود العالم لو كان بدون سبب, فما هو العقل؟ واين الفكر؟ وعلى الإنسان لكي يجد سبباً لوجود الأشياء عليه أن يتحمل عبثاً معاناة كثيرة.

وهذا دليل في جواب من يقول ما هو السبب لوجود الله عز وجل. أي إنه يعتقد ويصدِّق بأن كل شيء يجب أن يكون له سبب لوجوده.  فحين يقول ما هو السبب لوجود الله يقبل بأن كل شيء يجب أن يكون له سبب لوجوده. فإذا قام هذا الشخص بأخذ الأمور إلى التسلسل ويقول ما هو سبب وجود الله ولا ينتهي هذا في مكان ما, (مثال البيضة والدجاجة, هذا المثال من المترجم وليس من الكاتب الأصلي للموضوع, فقط للتوضيح) يؤدي ذلك إلى أن لا يكون هناك سبب لوجود أي شيء. في حال أنه كان يعتقد بوجود سبب لكل شيء ولهذا كان يسأل ما هو سبب وجود الله.

                                           ص 38-41 من كتاب الألوهية والمظهرية

للعلامة الشهير الدكتور عليمراد داوودي

الموضوع الآخر عن دلائل اثبات الله من كتاب ملكوت الوجود للدكتور عليمراد داوودي (ص 68-69) وهو شرح للوح حضرة عبدالبهاء للدكتور اگوست فورل العالم السويسري.

وأما عن التسلسل ولماذا هو باطل. لأن عقلنا هو الذي يرفض التسلسل. العقل يقوم بالاستدلال ويبدأ الاستدلال من المقدمة ويصل إلى النتيجة. والنتيجة الحاصلة هي بذاتها تقع كمقدمه لنتيجة أخرى حتى تصل إلى مقدمة تُعتَبَر كأصل لأنه لو كان غير ذلك لن يكون هناك استدلال. فأنتم ترون نموذج كامل للإستدلال في الرياضيات : فنتيجة واحدة تأخذ نتيجتها من قضية أخرى. وهذه القضية تكون مقدمة ولكن تلك المقدمة هي نتيجة أُخِذَت من قضية أخرى. ومرة أخرى تكون القضية نتيجة قد أُخِذَت من قضية سابقة, حتى تصل إلى قضايا تُعتَبَر هي الأصل. وإذا لم نقبل تلك القضايا كأصل فمن البديهي أننا لن نتمكن من إقامة أي استدلال. ففي الواقع أن عقلنا حتماً يجب أن يبدأ من أصل وهذا الأصل عليه أن لا يحتاج إلى مقدمة أخرى.

حين تريدون دليلاً لإثبات وجود الله هذا يعني أنكم تقبلون التعقل والاستدلال, وشرط الاستدلال هو أن تقبل بأن تبدأ من نقطة تكون هي الأصل, لأنه لو أردت أن تثبت شيئاً ما فإنه لا يمكن إثبات أي شيء في أي زمن دون التوجه إلى هذا الأصل. ولهذا أنت دائماً تبدأ أي استدلال بأصل ما. وامتناع التسلسل هو بهذا المعنى. أي أن الاستدلال يستدعى ومن الضرورة البدء من أصل هو بذاته لا يُثبَت, بل يُقبَل كقضية بديهية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: