حقيقة وعظمة الرسول محمد و الأسلام

الرسول محمد و الأسلام-حقيقة وعظمة الرسول محمد و الأسلام

 

غالبا ما يقول أعداء الإسلام أنّ سيدنا محمد (ص) استنسخ القرآن من نصوص الكتاب المقدّس للنصارى واليهود. هذا مستحيل!! لأنّ سيدنا محمد (ص) لم يكن يعرف سوى العربية، كما لم يطّلع على الكتاب المقدّس قط، وكانت الترجمة الرسمية الأُولى لكتاب العهد القديم والجديد إلى اللغة العربية قد وضعت بعد وفاة الرسول (ص) بقرون. (1) 

أمّا إذا كان البعض يعترض بأنّ نبي الله – في سنوات حياته المبكّرة قبل الإسلام- كان يسافر إلى بلاد الشام (سوريا)، وأنّه كان هناك، كما كان في الجزيرة العربية، يهودا ومسيحيين (مثل عبدالله بن سلام) المعروف بـ “ورقة بن نوفل”، وراهب نسطوري اسمه “بُحِيَره” – اللّذان تفهّما وعرفا حقيقة سيدنا محمد (ص) – بناء على ما هو مذكور في الكتاب المقدّس – وأنّهما قد استطاعا أن ينقلا إلى حضرته آنذاك معلومات، فإنّ هذا بالطبع اعتراض صحيح، لأنّ القرآن – بحد ذاته – يشير إلى مثل هذه المصادر، كما جاء في سورة يونس: ” فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ” (10/94). ولكن نحبّ أن نوضّح هنا أنّ معرفة تعاليم الكتب المقدّسة فقط لن تجعل من المرء “نبيّا”. 

المهم أن ندرك أنّ أي شخص يمكنه أن يقتبس بعضا من نصوص الكتب المقدّسة السابقة في كتبه. ولكن المظهر الإلهي هو فقط الذي يستطيع أن يأتي بدين جديد كله حيويّة يكتسح العالم بمن فيه، ويؤثّر في نفوس ملايين البشر لقرون من الزمان. 

وعلاوة على ذلك فإنّ العنصر التاريخي في القرآن الكريم هو وجه واحد فقط من أوجهه المتعدّدة، ولا يمكن أبدا لسيدنا محمد (ص) أن يقتبس من العهد القديم والجديد شرائع وتعاليم هو نفسه أول من جاء بها. كان هناك اقتباس مباشر واحد فقط من الكتاب المقدّس في القرآن كلّه جاء في سورة الأنبياء: ” وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ” (21/105) وهي تتطابق تماما مع ما جاء في مزامير داود: “الصِّدِّيُقونَ يَرِثُونَ الأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الأَبَدِ” (مزامير 37:29) 

إنّ المعجزة الكبرى في الإسلام هي أن يخرج من وسط العرب رجلا أُمِّيًّا يأتي إليهم بكتاب فريد هو القرآن المجيد. كان ذلك عندما قارب سيدنا محمد (ص) سن الأربعين، حيث اعتاد أن يذهب إلى كهف في جبل حراء، يخلو إلى نفسه، يتفكّر ويتأمّل. وفي نهاية الأمر أصبح يتغيّب عن بيته مدّة أطول فأطول. ولمّا كان يأخذ معه زوّادة (مؤنة طعام) قليلة جدّا، سبّب ذلك قلقا متزايدا لخديجة – زوجته، فأرسلت يوما عبدا إلى الجبل يتقصّى أحواله، ووقف عند مدخل الكهف ونادى، ولكنه لم يسمع سوى صدى صوته. يومها، عاد حضرته إلى البيت منهكا مضطربا. كان قد ظهر لحضرته في خلوته في ذلك اليوم مالم يتوقّعه، ظهر له “الملاك جبريل” يخاطبه: “اقرأ!” ويجيبه (ص): “ما أنا بقارئ” وعاد ذلك الحضور الملائكي وصاح: “اقرأ!” ويجيبه سيدنا محمد (ص) للمرة الثانية “ما أنا بقارئ” … ثمّ صاح الملاك للمرة الثالثة “اقرأ”، فأجابه سيدنا محمد (ص): “ماذا أقرأ!؟” وهنا قال له جبريل: ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكِ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَالَمْ يَعْلَمْ …” (96/1-5). وهكذا كانت هذه الآيات بمثابة الافتتاح لنزول أول سورة في القرآن حسب ترتيب رودويل. والقرآن يعني شيئا يقرأ، أو الكتاب الذي يجدر قراءته. وكلمة “سورة” تعني “فصل” من القرآن. وتستعمل الكلمة أيضا للتعبير عن صف من الحجارة في حائط أو رتبة جندي أو أشياء متتابعة في مسلسلات. 

بدا سيدنا محمد (ص) قلقا، مضطرب الفكر، متخوّفا من أن يكون قد تملّكه الجِنِّ، أو أصبح مدفوعا إلى الجنون. كان محبطا يائسا. يتمتم أحيانا بعبارات موزونة متناغمة، مقفّاة وكأنّها الشِّعر. ذهب يومها إلى خديجة في حالة يرثى لها، فأخذت تهدّئ من روعه وتقول له لماذا القلق والاضطراب “ألست الملقّب بالأمين؟ ما كان الله ليسمح بتضليلك وأنت الذي ما ضلّلت أحدا قط! ألست رجلا تقيا؟ لا تعاقر الخمر، ورجل بِرّ وإحسان، ورجل كريم مضياف؟ ألم تكن بارًّا بوالديك؟ وأطعمت الجوعان وكسوت العريان؟ وأعنت المسافر، وحميت الضعيف؟ من غير الممكن أن تكون – بعد هذا كله – دمية في أيدي الشياطين الكذبة والجنّ الماكرين الخبثاء”. تكلّمت خديجة في هذا الأمر مع عمها ورقة بن نوفل – وكان مسيحيا متضلّعا في نصوص الكتاب المقدّس – فغمرته البهجة، وصاح قائلا: مقدّس! مقدّس! إنّ هذا هو الناموس الأكبر حقّا، الذي ظهر لسيدنا موسى. هذا الرجل سيكون نبي الله في قومه، قولي له هذا ! أٌدعوه ليكون صلبا شديد الشكيمة، لا يهاب!. (2) كان حضرته لفترة من الوقت وَجِلاً يخاف على نفسه من أن يصبح فريسة للهلوسة. عاد إلى الجبل، ولكن هذه المرة لم يسمع أي صوت. كان محبطا تماما، وتمنّى الموت. ثمّ ظهر جبريل ثانية وجاء له هذه المرّة بعزاء عظيم … (3) ليلقي عليه سورة الضّحى: “وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الأُوْلَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ” (93/1-11). 

جبريل الملاك – هو “الرُّوحُ الأَمِين” (26/193)، الواسطة بين الله تعالى وسيدنا محمد (ص)، في المسيحيّة رُمِزَ لها بالحمامة، وفي الدورة البهائية بالحورية التي تمثّلت لحضرة بهاء الله. وكما بيّنه حضرة ولي الأمر شوقي أفندي في كتابه God Passes By (القرن البديع)، بأنّ الثالوث الأقدس عند المسيحيين بحسب تعاليمنا البهائية هو “الغيب المنيع” و “الإنسان الكامل” و “روح القدس”. 

لم ينزل القرآن على سيدنا محمد (ص) دفعة واحدة، بل جاءه على فترات متفاوتة خلال حوالي 23 سنة، من وقت أن كان حضرته في الأربعين وحتى صعود روحه الطاهرة في المدينة سنة 632 ميلادية. أحيانا كان صوت الوحي يصمت لفترة، بينما يتدفّق أحيانا بسرعة عظيمة إلى درجة أنّ وَرِيدًا في جبهة حضرته كان ينتفخ ثمّ يتصبب وجهه عرقا. نحن نقرأ: “كان حضرته مرة راكبا على ظهر جمله عندما داهمه الوحي بغزارة، فخرّ الجمل على ركبتيه مصعوقا من شدّة التنزيل”. هذه المؤثّرات الظاهرية للوحي الإلهي التي كانت تنتاب الرسول (ص) من حين إلى آخر نسبها أعداء الإسلام إلى ابتلاء حضرته بالصرع، إلّا أنّ المؤسسات التعليمية الحديثة يدحضون هذا الإدّعاء ويقولون: لا أحد – تحت تأثير مرض الضغط النفسي للصرع الجسدي الذي يدّعونه – يصمد كما صمد محمد (ص) أمام العداوة والاضطهاد طيلة ثلاثة عشر سنة أمضاها في مكة بالإضافة إلى حملات الهجران والخذلان الشاقّة وما تخللها من معارك وويلات تلتها فيما بعد … ثمّ نجده يقوم على أحسن وجه بواجبات الحكم المرهقة والمعقّدة كرئيس لدولة إسلامية حديثة الولادة. أضف إلى ذلك، فإنّ كلامه المؤثّر في النفوس الذي نطق به في السابق ويتكلّم به الآن، يسهل على أي عاقل أن يميّزه عن قول امرءٍ مختلّ العقل كما يدّعون — زد على ذلك، فإنّه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال لثرثرة وهذيان رجل مريض أن يأتي بقرآن شدّ البشرية وأثار انتباه أعظم العقول ألمعية لقرون من الزمان. يقول Dermengham: “إنّ قدرة حضرته الخلّاقة وعبقريّته الفذّة، وإحساسه بالواقع، وإرادته القويّة، ورجاحة عقله، وقدرته على ضبط النفس، بالإضافة إلى فعّاليّته العالية في حياته القصيرة نسبيا التي عاشها – جعلت من المستحيل أن تؤخذ هذه الانفعالات الخفية على أنّها أوهام أو من نسج خيال مريض”. (4) 

يتفضل حضرة بهاء الله عن القرآن الكريم: “… إنّ هذا القرآن حجّة لأهل المشرق والمغرب”. (5) كما يخبرنا حضرة ولي أمر الله في كتابه ظهور العدل الإلهي، بأنّ القرآن: “باستثناء الكتب المقدّسة في الظهورين البابي والبهائي، يشكّل القرآن المصدر الموثوق الوحيد على الاطلاق لكلمة الله”. ويدعوه حضرة بهاء الله في لوح ابن الذئب: “القرآن العظيم”. (6) ويستشهد به أيضا: ” … اسمع ما أنزله الرحمن في الفرقان. (6) كما يستدل بأحقّيته: ” … إذ أتى محمد رسول الله بكتاب حكيم بيّن الحق والباطل بعدل أضاء بنوره ظلمات الأرض، وانجذبت قلوب العارفين”. (6) يقولون بأنّ المرء يجب أن لا يتوجس خيفة من عدم تمكّنه من فهم القرآن، ولكن حضرة بهاء الله يعلّق على هذا القول: ” … وإن لم يكن في مقدور الناس إدراكه، كيف يكون حجّة للجميع؟”. (5) ويضيف حضرته قائلا: ” والحال أنّ الكلمات الإلهية وإدراك بيانات الحمامات المعنويّة، ليس له دخل بالعلم الظاهري، بل هو منوط بصفاء القلب وتزكية النفوس، وتجرّد الروح.” (5) وقال حضرة الباب مؤكّدا: “لو تشاء نملة الوصول في هذا اليوم إلى تأويل أعظم آيات القرآن، وكشف أدق معانيها، لتتحقق مشيئتها بغير شك، حيث إنّ سرّ الأبدية في هذا الزمان يتموّج في كل الممكنات” (7)

القرآن مقسّم إلى 114 سورة، وهي بدورها مقسّمة إلى “آيات” — ومفردها آية، وهي تعني كلام مُنَزَّلٌ من عند الله، كما تعني لغويّا بعلامة أو معجزة. وفي الحقيقة لم يكن للرسول (ص) يد في هذا التقسيم ولا بعناوين السور التي وضعت فيما بعد، والتي اقتبست من أول كلمة مهمّة أو من أي كلمة أُخرى ترد في السورة. وتتصدّر الآية “بسم الله الرحمن الرحيم” كل سورة من سور القرآن بإستثناء السورة التاسعة (سورة التوبة). وبسم الله الرحمن الرحيم هي الآية التي كان سيدنا محمد (ص) يردّدها باستمرار، كما كان حضرة بهاء الله يقول مرارا وتكررا بـأنّ كلمة الله في القرآن تعني بالدرجة الأُولى “الرحيم”. 

بعض سور القرآن تتقدّمها أحرف أبجدية مقطّعة. على سبيل المثال، السورة التي يقال إنّ سيدنا محمد سمّاها “قلب القرآن” والّتي تُقرأ في عزاء الميّت في البلدان الإسلامية تسمّى “سورة ياسين”، لأنّها تبدأ بهذين الحرفين “ي” و “س”. نحن نقرأ في كتاب القرن البديع أنّ حضرة بهاء الله عندما كان في بغداد أنزل شرحا لهذه الأحرف المقطّعة (لوح آية النور). (8) 

القرآن يعتبر من الوجهة الأدبية واللغوية في غاية البلاغة. ويشكّل مستوى قياسيا للغة العربية الفُصحى، وقد دُوِّنَ بلهجة قبيلة قريش التي ينتمي إليها سيدنا محمد (ص). كان الإمام “عليّ” أكبر مرجعية لنصوص القرآن. كان يقول: “لا يوجد في القرآن آية لا أعرف عن أمرها أو إلى أي حزب من الأحزاب تشير؟ بل وأعرف زمان ومكان نزولها، إذا ما كان ذلك في الليل أو النهار؟ أو أُنزلت في السهول أو في الجبال؟” نحن نقرأ في البيان الفارسي، أنّ عليّا كان يحتفظ بأجزاء من القرآن يكتبها على طيّات عباءته. عادة، كانت الآيات تُدَوَّن في لحظة نزولها أو بعدها بقليل على ورق النخيل أو الجلد أو الحجر أو على ألواح عظام أكتاف الأغنام، علاوة على ما كان يتمتّع به العرب من قوة حافظة مدهشةٍ، والعديد منهم كان يملكها بالفطرة. ما لدينا اليوم هو تجميع لجميع الآيات في كتاب واحد، وَبَقِيَ هكذا حتى يومنا هذا، وبالرغم من وجود طوائف مختلفة في الإسلام، إلّا أنّ هنالك قرآنا واحدا فقط، —- ويقول الدارسون: “ربّما، لا يوجد في العالم كتاب مساوٍ آخر بَقِيَ نصّه الأصلي اثني عشر قرنا من الزمان نقيًّا من أي شائبة كالقرآن الكريم”. أمّا النسخ القديمة الباقية حتى الآن – فهي ترجع على الأرجح إلى القرن الثالث الهجري، وقلة منها يرجع إلى القرن الثاني الهجري. يقول Muir: “من المؤكّد أنّه لا يوجد صديق للإسلام إلّا ويؤكّد لنا بشكل قاطع أنّ كل آية في القرآن أصليّة كما نزلت على سيدنا محمد نفسه، دون تغيير أو تبديل. وهكذا نخرج بخلاصة – أقرب ما تكون إلى ما خلص إليه Von Hammer: “نحن نأخذ القرآن على أنّه كلام محمد بالتأكيد، وأنّه – كما يعتقد أتباعه – هو كلام الله بالتمام والكمال.” (9) على أيّة حال، إذا كان هناك القليل من الاختلافات بين نسخ القرآن، فهي طفيفة ومعظمها ينحصر في طريقة نطق الكلمة (اللهجة) أو وضع الإشارات فوق الحروف أو تحتها للتقيّد بقواعد اللغة المتعارف عليها لدى القوم والّتي أُدخلت على القرآن في وقت لاحق. 

بعد صعود الرسول (ص) بوقت وجيز، قتل العديد من قُرَّاء القرآن وحفّاظة في معارك الردّة وغيرها، لذلك أصبح من الضروري تجميع القرآن كله في مصنّف واحد. وقد أُوكلت هذه المهمة آنذاك إلى كاتب وحي النبي – زيد بن ثابت، في جَوٍّ من الريبة والشكوك حول سلامة هذا العمل. قام زيد على الفور بتقصّي أخبار حفظة القرآن واقتفاء أثرهم في البلاد حتى جمعه كله وصنّفه … وببساطة، رتّب السور الطويلة لتكون أولا، بغض النظر عن تسلسل تواريخ نزولها. علما بأنّ السور القصيرة التي رتّبت في آخر المصحف الشريف، والّتي تحكي عن مجيء “يوم الله” نُزِّلَت على سيدنا محمد (ص) أولا. وفي ترجمته للقرآن الكريم إلى الإنجليزية حاول رودويل أن يعيد الترتيب الزمني الفعلي لنزول سُوَرِهِ. وهكذا استمر كتاب زيد هو المصحف المعتمد خلال خلافة عمر بن الخطّاب، ولكن وُجِدَ أنّ هناك تغيّرات قد انسلت إلى العديد من النسخ، كما كان لرجالات بلاد الشام والعراق قراءات مختلفة، لذا، أَمَرَ الخليفة عثمان بن عفّان بمقارنة كل الطبعات بطبعة زيد الأصليّة. وهنا عُيِّنَ زيد وثلاثة ضليعين معه للقيام بهذا العمل. وبعد إنجازه أرسلت هذه النسخة المنقّحة إلى جميع المدن، وأُحرقت جميع النسخ الأُخرى، والذي بين أيدينا اليوم هي هذه النسخة المنقّحة للخليفة الثالث عثمان بن عفّان. أمّا مجموعة النصوص الأصلية لزيد والّتي جمعت وصنّفت خلال السنتين أو الثلاث الأُولى بعد صعود الرسول (ص)، فلم يكن هناك أي شكوك حول صحّتها، خصوصا وأنّ الإمام “عليّ” كان وقتها موجودا، بالإضافة إلى العديد من الأتقياء الورعين من حُفَّاظه، إلى جانب أنّ أجزاء القرآن المفروزة كانت متداولة يوميا. ونقرأ أنّ معاهدة قرساي أوجبت على ألمانيا إعادة واحدة من نسخ قرآن عثمان تلك. (10) 

لا يتوفر – حسب معرفتي – ترجمة إنجليزية مرضية للقرآن الكريم – ربّما يوما ما – يقوم فريق من الدارسين البهائيين المتخصصين على وضع ترجمة تليق بهذا التنزيل العزيز. على أيّة حال، قام على ترجمة القرآن الكريم كُتَّابٌ مسيحيون قديرون، ولكن عداوتهم للإسلام كانت دوما تنسل إلى عملهم. أمّا المسلمون المترجمون القادرون فهم على قدم المساواة مع المسيحيين في هذا المضمار، فلم يتوفر لواحد منهم تلك المهارة الأدبية الضرورية لينقلوا إلينا نص هذا الكتاب الكريم إلى الإنجليزية، وهذا ينطبق أيضا على عمل المسيحيين الذين تحوّلوا إلى الإسلام. على أية حال، كان هناك مترجمون ضليعون أستشهد بهم هنا أمثال سيل (1734م) الذي كان عالما قديرا ومشهودا له بالدقّة، ورودويل (1861م) الذي كان عمله الأرفع أدبيا، وتسهل قراءته، وأيضا مولانا محمد عليّ الذي ضَمَّنَ ترجمته اللغتين الإنجليزية والعربية معا، وكان عالما متميّزا وله شروحات وتعليقات قيّمة، كما كان هناك عبدالله يوسف عليّ – وله مجلدان- ضمّنهما اللغتين الإنجليزيّة والعربيّة معا، وهو بارع وضليع وعمله مقروء في غاية الوضوح ومستساغ لدى الجميع. 

القرآن في إيران يستعمل بشكل دائم. غالبا ما يُرى في بيوت المسلمين مجللا بغلاف مصقول، وبصفحة افتتاح مزخرفة، وقد يُرى أيضا ملفوفا بعناية بمنديل محاك يدويّا. عندما كان الأهالي ينتقلون إلى سكن جديد، كان القرآن أول ما يأخذونه معهم، بقصد التبرّك بوجوده، وعندما يسافرون أو يذهبون في رحلة كان أحدهم يمسك بالقرآن عاليا فوق رؤوسهم ويعبرون تحته ذهابا وإيابا سائلين السلامة والأمان. عمّتي مثلا – كانت تقرأ القرآن كل يوم باخلاص وتوجّه كامل، كم تمنّت أن ترانا مسلمين بدلا من بهائيين. غالبا ما كانت تشعر أنّها مريضة جدّا، وأنّها تحتضر، وفي كل مرة تدعونا إلى فراش الموت. وفي واحدة من تلك الدعوات العديدة أمسكت بمصحفها الكبير وضربتني به على رأسي، وكأنّها تريد تطهيري من ذنوبي كما يتعمّد المسيحيّون. 

في إيران، عندما تسأل الهِداية في موضوع ما أو لغرض ما، ما عليك سوى أن تفتح القرآن وتقرأ ما تقع عينيك عليه (الاستخارة). يفعلون ذلك أيضا باستخدام قصائد حافظ – شاعر إيران ذائع الصيت. هناك صديق لنا تزوج، ولكن زواجه فشل بشكل مأسوي. كان مرة ذاهباً في رحلة، وقرّر أن يستخير ديوان شعر / حافظ فيما إذا صادف في سفره امرأة أعجبته يرى فيها زوجة مناسبة له. ففتح كتاب القصائد فوقعت عيناه على بيت شعر يقول: “لقد وجدت جوهرتك، لا تبحث مرة أُخرى.” فقنع بما هو فيه، وأحجم عن البحث مرة أُخرى. 

بالاضافة إلى القرآن – ذلك التنزيل العزيز لكلمات الله – هناك كمّ هائل من “الأحاديث المدوّنة” – وهي مجموعة أقوال نطق بها الرسول (ص) أو أفعال اعتاد الرسول (ص) أن يقوم بها في حياته. أمّا بالنسبة للمسلمين الشيعة – تلك الطائفة المسلمة التي ظهر حضرة الباب من وسطها- فإنّ لديهم أحاديث مدوّنة عن أئمّة أهل البيت الأطهار. وكلمة “حديث” تعني علاقة بشيء قد حَدَثَ، وهي مشتقّة من جذر الكلمة – حَدَثَ. هناك كلمة أُخرى بديلة لحديث – هي السُّنَّة – وتعني قول أو طريقة أو عادة للنبيّ. بعد صعود الرسول (ص)، كان الجيل الجديد متلهّفا ليتعلّم كل ما يمكن عن حضرته من صحابته من المهاجرين الأولين الذين رافقوه في هجرته من مكة، أو الأنصار من أهل المدينة الذين نصروه. نحن نسمع أقوالاً عن محادثة جرت في المسجد في الكوفة، يسأل أحدهم: “هل أنت حقيقة رأيت النبي ؟ هل أنت كنت – كرفيق له – تتجاذب معه الحديث ؟ وكيف كنت – عادة – تتصرّف نحو النبي؟ فيجيب الصحابي: “كنا نسعى دوما جاهدين لإسعاده.” فاشتعل السامع حماسا، وقال: “أقسم بالله العظيم ! لو كنت في حياته، لما سمحت أبدا لأن تطأ قدمي حضرته المباركتين الأرض، ولكنت أحمله على كتفي إلى أين يشاء.” (11) 

كل حديث شريف له إسناده — أي مرجعيّته التي تؤكّد صحّته، أو سلسلة من المرجعيات التي تكفل إسناده إلى مصدره الأصلي. (12) إنّ المصدر الأوروبي الأساسي الموثق لما كُتب من أحاديث نبوية شريفة هو لإيغناتس غولدزير – مستشرق هنغاري – ثمّ جاء صحيح البخاري بترجمتيه الإنجليزية والفرنسية الذي أصبح الآن في متناول الجميع. وفي سبيل ذلك قام رجال يُدْعَونَ “جامعون” أمضوا حياتهم كلها يجوبون البلدان، يسافرون من مدينة إلى أُخرى، يتعقّبون أي آثار باقية لذكريات عن النبي. وكان باكورة التجميع السنّي للأحاديث الشريفة هو المصنّفات الستّة في عهد الخليفة المأمون (813-833 م)، أمّا الأحاديث التي جمعها واعتمدها أهل الشيعة فقد جُمعت في أربع مصنّفات ظهرت فيما بعد. البخاري – صاحب صحيح البخاري – جمع خلال سنين ترحاله 600 ألف حديث، وخرج في النهاية بـ 4 آلاف حديث منها فقط يمكن اعتماده. يوجد هناك حاليّا 1465 تجميع للأحاديث. إنّ مصداقية الحديث، ومن ثمّ توثيقه، تقرّره أسس تتوقّف على شخصية الرجال الحفّاظ ومصداقيتهم في سلسلة متواترة من المرجعيات المعتمدة. وفي حقيقة الأمر نجد أنّ الشريعة الإسلامية في تطبيقاتها العملية تعتمد – إلى حَدٍّ بعيد – على الأحاديث النبوية الشريفة. على سبيل المثال، نحن نسمع أنّ رجلا تقيّا كان لا يأكل البطيخ — بالرغم أنّه يعلم أنّ أكله غير محرّم، إلّا أنّه لم يكتشف ماذا قال النبي (ص) بشأن بذوره، فحرّم على نفسه أكله. كان أصدقاء النبي (ص) ورفقاء دربه يُدْعَوْنَ “الصحابة” ومن يخلفهم “تابعون”. وإليك الآن ترجمة لأحاديث نبوية: 

• الدنيا غرورة، تبدو حلوة للنفس، وخضراء للعين… فانتبه إلى أفعالك، فلا تغرّنّك الدنيا وشهواتها. 
• كل شاب يكرّم كبيرا بسبب كبر سنّه، سيجعل الله له من يكرّمه في سنوات كهولته. 
• أكثر الرجال فضلا عند الله من يتصدّق على قدر استطاعته رغم إمكاناته المتواضعة التي جمعها بكده وجهده. 
• الأكمل بين المسلمين من يتصرّف مع الجميع كما يتصرّف مع أهله.
• من يسأل الله العون وتراوده نفسه لما يلقيه الشيطان على قلبه، سيعطيه الله ما سأل.
• إنّ مداد الكتابة لكل ذي علم أشرف بكثير من دم الشهيد. 
• اللطافة علامة الإيمان، والمحروم منها لا إيمان له. 
• إنّ الله لطيف، يحب اللطافة، ويُنعم على اللطيف بما لا ينعم به على غليظ القلب. 
• لا ترغب الدنيا – يحبّك الله، ولا ترغب ما في يد الآخرين – يحبّوك. 
• أعظم الجهاد، جهاد النفس. 
• الموت جسر يتوحّد به كل صديق بصديقه. 
• إعقل…. وتوكّل. 
• لم يتجرّع رجل قط كأسا أفضل من غضبه الذي يتجرّعه في سبيل ربّه. 
• الجنّة لك أقرب من رباط نعليك، وكذلك نار جهنّم. 
• دعاء النبي بعد أن طارده أهل الطائف رجما بالحجارة إلى خارجها: “ربّي ! أشكو إليك من ضعف قوّتي – وقلّة حيلتي، أنا لست شيئا في نظر الناس، وأنت أرحم الراحمين ! يا رَبَّ كل ضعيف ! إنّك أنت ربّي ! لا تتركني فريسة للغرباء ولأعدائي. إن لم آثم، فأنا في أمان. إنّي أطلب اللّجوء إلى أنوار وجهك التي تبدّد كل ظلام، وتجعل السلام يعم هذا العالم والعالم الآخر. ارفع عني البلايا بما ترضى. لا حول ولا قوة إلّا بك. (مرضية جيل)

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: