الدين البهائى – التاريخ و المبادىء

الدين البهائي

بحث ودراسة

 

 

الطبعة الأولى

شهر العزة 159 بديع

أيلول 2002م

 

من منشورات دار النشر البهائيّة في البرازيل

 

الدِّين البهائِي

بَحثٌ وَدراسَة

 

تأليف : دوغلاس مَارتن

وليَام هَاتشَر

ترجَمة :عبَد الحسين فكري

 

صفحة خالية

 

إهداء

 

يهدي المؤلفان هذا الكتاب إلى الرجال والنساء البواسل الذين فدوا أنفسهم في سبيل الدين البهائي في إيران من عام 1844م حتى عام 1997م.

 

          قال حضرة بهاء الله :

“الحمد لله الذي بعث من كل قطرة من دماء أوليائه خَلقًا لا يُحصى عِدّتهم إلى نفسه وجعلهم مشارق حبّه ومطالع ودّه وهم أيادي الأمر بين الخلق وهم الذين نصروا الله في كل الاعصار وقاموا على ما أراد الله على شأن ما اضطربوا من الملوك وسطوتهم وما منعهم عن الحق صليل سيوفهم وصهيل خيولهم قد نطقوا بأعلى النداء بين الأرض والسماء ودعوا الكل إلى مولى الورى ومالك الآخرة والأولى ورب العرش والثرى…”.

(من كتاب نار ونور)

 

صفحة خالية

 

فهرس المحتويات

 

المحتويـــــات

الصفحة

1-

مقدمة الطبعة الإنجليزية الثانية

9

2-

مقدمة الطبعة الإنجليزية الأولى

11

3-

مقدمة المترجم

13

4-

الحواشي والتوضيحات

16

5-

المقدمة

19

6-

الفصل الأول – الخلفية التاريخية

25

7-

الفصل الثاني – البابيّة

32

8-

الفصل الثالث – حضرة بهاء الله

61

9-

الفصل الرابع – استمرارية التوجيه والهداية

90

10-

الفصل الخامس – التعاليم الرئيسية

123

11-

الفصل السادس – الله والرسل والجنس البشري

157

12-

الفصل السابع – النظام العالمي لحضرة بهاء الله

193

13-

الفصل الثامن – الإدارة والأحكام والقوانين

214

14-

الفصل التاسع – الجامعة البهائية

243

15-

الفصل العاشر – على أعتاب قرن جديد

270

16-

الخاتمة – تحديات النجاح

300

17-

ملحق – إدوارد كرانفيل براون

326

18-

مقتطفات من آثار حضرة بهاء الله العربية

333

       

 

 

صفحة خالية
مقدمة الطبعة الإنجليزية الثانية

 

        قد يكون الدين البهائي فريدًا من بين الأديان المعاصرة والحركات الاجتماعية فيما يتعلق بتفاؤله الشديد حول مستقبل الجنس البشري. لقد وضع هذا الدين ثقة بين أتباعه بأن القدرات الإيجابية الموروثة في الروح الإنساني قادرة على التغلب على جميع العقبات التي تعترض توحيد شعوب العالم في مجتمع تسوده العدالة والسلام. إنَّ الطبعة الأولى من هذا الكتـاب (الدين البهائي – بحث ودراسة) قدمت للقارئ تلك العناصر الرئيسية لهذه النظرة العالمية وأسبابها.

 

إنّ التطورات التي حدثت خلال الثلاث عشرة سنة بعد صدور هذا الكتاب لأول مرة عام 1984م أعطت وزنًا للتفاسير البهائية فيما يتعلق بأحداث التاريخ. إنّ التغييرات المتسارعة التي يشهدها المجتمع الإنساني التي تؤثر في مشاعر البشر ونحن نقترب من نهاية القرن العشرين هي في الواقع تغييرات غير مسبوقة ولا يمكن مقاومتها. فهذه الأحداث مثل الانهيار المفاجئ للنظام الشيوعي وما صاحبه من الحد من سباق التسلح النووي وتبني ودعم اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية وتوسعة السوق الأوربية المشتركة وبروز قدرة مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة للعمل ضد العدوان وبداية سلسلة جادة من عملية السلام في الشرق الأوسط، كلها تهدف إلى التأكيد على

 

الاعتقاد بأنه مهما يخبئ لنا المستقبـل، فإنَّ التعاون المشترك والاعتماد المتبادل لشعوب العالم وأممه أصبحت اليوم حقيقة ماثلة للعيان.

 

بالطبع إنه من الصعب جدًا فصل الأحداث الإيجابية عن تلك السلبية التي وقعت خلال العقود الأخيرة. فالقرن الحالي شهد مذابح جماعية للجنس البشري بشكل واسع لم يسبق له مثيل ودمارًا للبيئة يصعب حصره وترديًا في الحياة الروحية والأخلاقية إلى دركات ستقود إلى ظلمات لم يكن بمثلها من قبل. ومع كل ذلك فقد رافق هذه الأحداث المؤلمة تقدم كبير في العلم والمعرفة وتطور واسع في مصادر جديدة لتحقيق رفاهية الجنس البشري ورخاءه ونمو منظم للمؤسسات الديمقراطية في شتى أنحاء المعمورة. إنَّ هذا التقارب المتزايد بين تصوّر حضرة بهاء الله السماوية للمستقبل ومجريات الأمور في العالم قد دعانا إلى إعداد طبعة ثانية معدلة وحديثة ومزيدة توخيًا للفائدة.

 

إنَّ عملنا هذا قد منحنا فرصة تصحيح الأخطاء وما سقط سهوًا وما غفل عنا ذكره في الطبعة الأولى. كما نأمل بأن نكون قد وفقنا في المحافظة على التوازن بين الموضوعية والالتزام اللذين ميزا الطبعة الأولى وحازا على تقدير قرائنا الأعزاء.

 

ندين بشكر خاص للسيدة تيري كاسيدي ولزملائها العاملين في مؤسسة الطبع والنشر البهائية الأمريكية Bahá’í Publishing Trust لما قدموه من مساعدة مهنية قيّمة. كما نقدم خالص تقديرنا لزوجتينا جوديث وإليزابيث اللتين منحتانا الدعم المعنوي لهذا العمل وأعمال أخرى خلال سنوات عدة.

دوغلاس مارتن

وليام هاتشر

لاندك – سويسرا

الأول من شهر تموز (يوليو) عام 1997م.

 

مقدمة الطبعة الإنجليزية الأولى

 

بناء على تشجيع المحفل الروحاني المركزي في كندا قامت مجموعة من الطلبة والباحثين عام 1974 بتأسيس مؤسسـة لدعم دراسة منهجية ومنظمة للدين البهائي على المستوى الجامعي. فازدهرت المجموعة في أعمالها التي أعدت فيها محاضرات وسلسلة من النشرات إلى جانب تنظيم المؤتمرات. واليوم تعتز مؤسسة الدراسات البهائية ومقرها الرئيسي في أوتاوا بكندا بوجود عدَّة فروع منتسبة إليها في مختلف أقطار العالم.

 

ومع تنامي هذه المؤسسة فقد أدركنا أنَّ المراجع المتوفرة حاليًا ليست كافية لتلبية الحاجة إلى كتاب دراسي تستند إليه مواد الدراسة لطلاب المرحلة الجامعية الأولى. ولهذا كانت النتيجة صدور هذا الكتاب. وللمؤسسة منا كل الشكر والتقدير على طرحها هذه المبادرة التي تحولت إلى مشروع كهذا وعلى دعمها المتواصل لنا لإخراجه.

 

كما نود أنْ نقدم خالص شكرنا للسيد/ تود لوسن من معهد الدراسات الإسلامية في جامعة مك كيل McGill University الذي راجع الفصل الأول – الخلفية التاريخية- وأيضًا شكرنا للسيدة براونلي توماس التي ساهمت بخبرتها المهنية المتخصصة في مجال التحرير وما يتعلق به من أمور فنية وثمَّ تقديرنا للسيدة ماريون فنلي من

 

جامعة لافال التي تكرمت بترجمة المصطلحات الفارسية والعربية. كما نعرب عن شكرنا أيضًا للسيد/ لاري بكنل والسيدة بتي فشر من مؤسسة النشر والتوزيع البهائية في أمريكا للمساعدات الجمة والمتعددة التي منحانا إياها كما أننا مدينان للسيدة سوزان ليونز على الجهود التي بذلتها في مراجعة مخطوطة الكتاب خلال مراحل متعددة.

 

وأخيرًا نقدم خالص شكرنا للعديد من الأصدقاء البهائيين الذين شجعونا على الشروع بهذا العمل وعلى الأخص زوجتينا العزيزتين اللتين لولا تفهّمهما ودعمهمـا لنا لما أنجزنا هذا الكتاب.

دوغلاس مارتن

وليام هاتشر

تورنتو – كندا

8 تموز (يوليو) 1984م

 

مقدمة المترجم

 

صدر هذا الكتاب أصلاً باللغة الإنجليزية في عام 1984 ميلادي، تحت عنوان The Bahá’í Faith, The Emerging Global Religion ومن ثمَّ صدرت طبعة ثانية منقّحة له في عام 1997م وقد قمت بترجمة النسخة المنقّحة التي بين أيديكم بناء على توصية كريمة من دائرة الأبحاث التابعة لبيت العدل الأعظم حيث أشارت تلك الدائرة إلى أهمية هذا الكتاب. يلاحظ القارئ شمولية الكتاب مـن حيث تعريفه للدين البهائي من كافة جوانبه وأركانه. بداية يتحدث عن تاريخ ميسّر للطلائع المقدسة والرموز الرئيسية في الدين البهائي وهم حضرة الباب وبهاء الله وعبد البهاء وشوقي أفندي. ومن ثمَّ يتطرق الكتاب للحديث عن التعاليم الرئيسية للدين البهائي وطبيعتها وأهميتها ومفهومها. وفي الفصل السادس يدور الحديث عن الذات الإلهية وعلاقتها بالأنبياء والرسل والجنس البشري والمفهوم البهائي من غرض البشرية من الوجود وما مسئولية الإنسان تجاه خالقه وما هو الروح وما طبيعته ومفهومه. أمّا الفصلين السابع والثامن فيتعلقان بالنظام العالمي الذي أتى به حضـرة بهاء الله وما يحتويه من قوانين وأحكام ونظام إداري ومؤسسات تعتبر اليوم المرجع الرئيسي لكافة البهائيين في العالم.

 

        في الفصل التاسع من الكتاب ينصب الحديث عن الجامعة البهائية

 

وطبيعتها ومفهومها وميزاتها والدور الذي قامت به الجامعات البهائيّة في شتّى أنحاء العالم من أجل ترسيخ دعائم الأخوّة والمحبة والوحدة بين كافة أفراد الجنس. أمّا الفصل العاشر فيتحدث عن الأنشطة والإنجازات البهائيّة التي كان لها أثر ملموس ومسموع على كافة الأصعدة سواء كانت داخل الجامعة البهائيّة أو خارجها والتي وقعت خلال العشر سنوات الأخيرة من القرن العشرين. وأخيرًا ينهي المؤلفان كتابهما بالحديث عن التحديات التي تواجه الجامعة البهائيّة والبهائيين في العالم اليوم لكي يواجهوا المستقبل. ويتساءل المؤلفان هل تستطيع هذه الجامعة أن تحافظ على وحدتها وقوتها خلال السنوات القادمة مع دخول أفراد من مختلف الطبقات والأعراق والثقافات إليها؟ وهل البشرية مستعدة لتقبل نداء هذا الدين؟ وهل آن الأوان لقبول هذه الدعوة باعتبارها البديل النموذجي من بين كافة الأنظمة السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية السائدة اليوم والقادرة على سد احتياجات الجنس البشري؟ إن الإجابة ستكون عندك أيها القارئ.

 

        وما يسبغ على هذا الكتاب أهمية خاصة أنه كتب بأسلوب موضوعي وحيادي ومتّزن وأن جميع الوقائع والمفاهيم مدعومة بمستندات ونصوص جاءت من أقلام مؤسسي الدين البهائي ومن كتب ومراجع منشورة كما تم ذكر أسماء جميع هذه المراجع على هامش صفحات الكتاب.

 

        وفي الختام أشعر بأنه من الواجب علي أن أقدم الشكر الجزيل والتقدير لكل من ساهم في إعداد وطباعة ومراجعة الترجمة على عدة مراحل. وأود أن أخص بالشكر والتقدير والعرفان الأخوات الأعزاء: فرح آشنائي ومنى سيساني ونسرين جابري على الجهود التي بذلوها في

 

مراجعة الترجمة ومطابقتها مع الأصل الإنجليزي أما السيِّد مصطفى صبري فقد كان له دور كبير في المراجعة اللغوية والنحوية لكافة فصول الكتاب وإبداء ملاحظاته القيّمة التي أخذت بعين الاعتبار فَلَهُ كلُّ الشكر والعرفان.

 

أما شكري الخاص فهو مقدم للسيدة الفاضلة ندى سلمانبور لمساعدتي على فهم العديد من الجمل الإنجليزية المُعْضِلَة والمصطلحات الغربية. ولا يفوتني في الختام إلاّ أن أُثني وأُقدّر ما قامت به زوجتي العزيزة من دعم غير محدود ومساعدة مستمرة وهيأت لي الجو المناسب لأتمّم هذا العمل. فَلَها مني كل محبة وتقدير.

 

عبد الحسين فكري

شباط (فبراير) عام 2000

 

الحواشي والتوضيحات

ملاحظات المترجم :

1-   جميع الآثار التي نزلت من قلم حضرة الباب وحضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء كانت إمّا باللغة الفارسيّة أو العربيّة وقد تمت ترجمة بعض الآثار الفارسيّة لهم إلى اللغة العربيّة. ولكي يميّز القارئ الأصل العربي عن غيره فقد طبع النص العربي بالخط العريض.

2-   هناك بعض آثار لحضرة عبد البهاء لم استطع إيجاد الأصل العربي أو الفارسي لها ولهذا ترجمت من النص الإنجليزي مباشرة وقد أضيفت بعدها عبارة (مترجم عن الإنجليزيّة).

3-   جاءت آثار حضرة شوقي أفندي وليّ أمر الدين البهائي بالفارسيّة والعربيّة والإنجليزيّة وغالبيّة النصوص التي جاءت في الكتاب هي من أصول إنجليزيّة، وقد قمت بترجمتها إلى العربيّة مع ذكر اسم الأثر الإنجليزي في الهامش. علمًا بأنَّ غالبية آثار حضرة شوقي أفندي لم تترجم إلى اللغة العربيّة. إنَّ أثره الوحيد الذي ترجم إلى العربيّة وفي متناول اليد حتى الآن هو كتاب God Passes By الذي صدر بعنوان “كتاب القرن البديع” ترجمة الدكتور محمد العزاوي (من منشورات دار النشر البهائيّة في البرازيل– نيسان 1986) ويشار إلى هذا المصدر بالاسم العربي فقط.

 

4-   لقد تكررت الإشارة إلى كتاب “منتخباتي” والمقصود منه كتاب ” منتخباتي از آثار حضرت بهاء الله ” وهو عبارة عن مقتطفات من آثار حضرة بهاء الله الفارسيّة والعربيّة التي ترجمها حضرة شوقي أفندي إلى اللغة الإنجليزية وصدرت تحت عنوان Gleanings from the Writings of Bahá’u’lláh  واختصارًا للعنوان يشار إلى هذا المصدر بكلمة “منتخباتي”.

 

5-   تجدر الإشارة إلى أنَّ آثار حضرة شوقي أفندي التي كتبت أصلاً باللغة الإنجليزية والمذكورة في الكتاب هي كالآتي:

 

النظام العالمي لحضرة بهاء الله

The World Order of Bahá’u’lláh

الإدارة البهائية

Bahá’í Adminstration

قد أتى اليوم الموعود

The Promised Day Is Come

الدور البهائي

The Dispensation of Bahá’u’lláh

ظهور العدل الإﻟﻬﻲ

The Advent of Divine Justice

الكشف عن الحضارة العالمية

The Unfoldment of World Civilization

كتاب القرن البديع

God Passes By

 

وكما ذكر، فإنَّ الكتاب الأخير هو الوحيد الذي ترجم وصدر باللغة العربية حتى الآن.  ونظرًا لأن المراجع المذكورة أصلها بالإنجليزية فقد جاء اسم الكتاب بالإنجليزية في الحواشي والتوضيحات.

 

6-     هناك مراجع أجنبية كثيرة أشير إليها في الكتاب ولكنها غير مترجمة إلى اللغة العربية وقد ذكرت أسماء هذه المراجع باللغة الأجنبية مع ترجمة عنوان المرجع باللغة العربية أحيانا ووضعه بين قوسين.

 

المقدمة

 

يعتبر الدين البهائي أحدث الأديان المستقلة العالمية. فمنذ دعوته السرية في إيران خلال منتصف القرن التاسع عشر استطاع هذا الدين أنْ ينتشر فعليًا في جميع بقاع العالم وأنْ يؤسس مؤسساته الإدارية في أكثر من مائتي دولة وإقليم مستقل وقد احتضنه العديد من الناس من خلفيات ثقافية وجنسية واجتماعية ودينية مختلفة.

 

هذا الدين هو دين مميـز، وتعتمد تعاليمه أساسًا على تلك التي أتى بها حضرة بهاء الله. إنَّه ليس مذهبا أو حركة تجديدية أو فرقة منشعبة من دين آخر أو نظامًا فلسفيًا كما أنَّ الدين البهائي ليس محاولة لإيجاد دين جديد بواسطة التوفيق بين تعاليم وأحكام الديانات الأخرى.  يقول العالم أرنولد تويني:

 

“البهائية دين مستقل في مصاف الإسلام والمسيحية والديانات العالمية الأخرى المعترف بها.  كما إنها ليست فرقة منشعبة من دين آخر. إنها دين مستقل بحد ذاته وله وضع الأديان الأخرى المعترف بها” ([1]).

 

        يتناول هذا الكتاب دراسة مجموعة واسعة وكبيرة من التعاليم البهائية. في بداية الأمر يكون مفيدًا أن نتذكر بأن الهدف الرئيسي للدين البهائي هو وحدة الجنس البشر. وأنَّ الرسالة الأساسية التي أتى بها حضرة بهاء الله تقول بأن الوقت قد حان لتوحيد البشرية في عائلة عالمية واحدة وأكدَّ بأنَّ الله سبحانه وتعالى قد حرك قوى تاريخية تعمل على إيجاد وعي عالمي بأن قاطبة الجنس البشري هو في الواقع واحد ومتحد وأنَّه نوع مميز وشريف. يعتقد البهائيون بأن دينهم له دور هام ليلعبه في هذه العملية التاريخية التي سوف تؤدي إلى ظهور وبروز حضارة عالمية.

 

وبعيدًا عن هذه الرؤية المثيرة، فإنَّ الدين البهائي يحظى بأهمية خاصة لدى الطلبة الذين يدرسون تاريخ الأديان. والسبب في ذلك يرجع إلى أن جميع حوادثه ووقائعه متوفرة وثابتة ويمكن الحصول عليها. إنَّهُ من الصعب بل من المستحيل أن نعرف بالضبط القوى المحركة التي أدت إلى ظهور وولادة وتطور الأديان السماوية السابقة المعروفة. إنَّ شرح طبيعة تعاليم بوذا والحوادث التي صاحبت حياة السيد المسيح والعصر الذي عاش فيه زردشت وطبيعة نفوذه وحتى إثبات الوجود التاريخي “لكرشنا” جميعها تبدو مشاكل غير محلولة. أما حياة سيدنا محمد عليه السلام وشخصيته فتبدو أكثر يسرًا في الحصول عليها ومع ذلك هناك تضادات واختلافات كثيرة في العديد من الحوادث الهامة لحياته.

 

يعتبر إدوارد كرانفل براون أحد أوائل المؤرخين الغربيين الذين أبدوا اهتماما لدراسة التاريخ البهائي وهو مستشرق معروف من جامعة كمبردج. وكانت وجهة نظره في أنَّ هذا الدين المغمور آنذاك استطاع

 

أنْ يوفر فرصة فريدة لإجراء دراسة مستفيضة كيف أنَّ دينًا جديدًا مستقلاً يأتي إلى حيز الوجود حيث قال:

 

“هنا يمكن لطالب دراسة الأديان أن يفكر مليًا بأولئك الذين ارتقوا مع مرور الوقت إلى رتبة الأبطال بل إلى مرتبة أنصاف الآلهة ولم تفسدهم الأوهام والخرافات ويمكن للطالب أن يتحقق بواسطة شاهد مستقل حول ظاهرة الهيجان الغريب من الحماس والإيمان والتقوى والبسالة الفذَّة وحتى التعصب الديني حيث ارتبطت جميعها وتشابهت مع حوادث القرون الأولى من تاريخ الجنس البشري. كما أنَّ الطالب قادر على أنْ يشهد ميلاد دين يستطيع أنْ يشق طريقه بين الأديان الكبيرة في العالم وهو أمر ليس بالمحال”([2]).

 

وأشار إلى ذلك أيضًا أحد المراقبين المعاصرين من خارج الجامعة البهائية حيث قال:

 

“إنَّ الحركة البابية والبهائية تعطي مؤرخي الأديان مصادر قيمة لدراسة أصلها وتطورها بصورة لا توجد في أي دين آخر وهناك سببان لذلك، الأول: إن الدين البهائي هو أحدث الأديان لأن سائر الأديان الأخرى بدأت منذ مئات أو آلاف السنين. ومن بين ما يسمى بالأديان العالمية الرئيسية الحية الأحد عشر فإنَّ الدين الإسلامي الذي ظهر في القرن السابع الميلادي وديانة السيخ التي ظهرت في القرن السادس عشر الميلادي فقط يتجاوز عمرها بضع مئات من السنين وباقي الأديان مثل: الهندوسية والبوذية واليانية والطاوية والكونفوشسية والشنتو

 

والزردشتية واليهودية والمسيحية فيرجع تاريخ نشأتها إلى آلاف السنين. أما الدين البهائي فقد نشأ في منتصف القرن الماضي (عام 1844م) ووصل إلى آخر مرحلة من مراحل تطوره التكويني عام 1963م ويكون الوقت الحاضر مناسبًا لدراسة هذا التطور. ولهذا فإن الدين البهائي هـو دين العصر الحديث وبالطبع أكثر قابلية للدراسة والفهـم عن الأديان القديمة([3])”.

 

ومنذ زمن قريب كان اضطهاد البهائيين الإيرانيين في إيران بواسطة الحكومة الإسلامية سببًا في جذب انتباه الأوساط الدولية. ونظرًا لأنَّ هذا الاضطهاد كان لسبب ديني بحت فإنَّ الاهتمام انصب على الدين البهائي نفسه. وما تناقلته الأوساط الغربية ووسائل الإعلام كان يدور حول عقيدة الفرد البهائي واختلافه عن الإسلام والأحداث التاريخية السابقة التي أدت إلى نشوب الحوادث الأخيرة.

 

إنَّ الكتاب الذي بين أيديكم يغطي في محتواه على أربعة جوانب رئيسية للدراسة هي:

 

1-   تاريخ الديانتين البابية والبهائية.

2-   التعاليم البهائية الرئيسية.

3-   طبيعة المؤسسات البهائية.

4-   تطور الجامعة البهائية.

 

وتتطرق خاتمة الكتاب إلى بعض التحديات الجديدة التي تواجه

 

الدين الفتي نتيجة لما تمتع به من نجاح باهر خلال ما يربو على المائة والخمسين سنة من نموه وتطوره.

 

إنَّ دراسة أي دين يحتاج إلى تحديات خاصة. وخلافًا لغالبية الظواهر العلمية ودراساتها فإنَّ الدين يحاول درك وفهم الإنسان نفسه. ولا يحتاج الدين إلى انتباه فحسب بل إلى تكريس وتعهد. ولهذا السبب هناك الكثير من مفكري الأديان أصروا على أنَّ هناك تناقضًا كبيرًا بين الدين والعلم وأنَّ عالم الدين هو أبعـد وأعلى بكثير من عالم العلوم واكتشافاته.

 

وهنا يأتي الدين البهائي ليساعد الذين تعهدوا بدراسته. إنَّ أحد تعاليم حضرة بهاء الله يقضي بأنَّ العقل هو أعظم هبة إلهية للجنس البشري. ويسلِّم البهائيون بأنَّ العقل يجب أن يستخدم في جميع الظواهر الطبيعية بما فيه الظواهر الروحانية وأن الأداة المستخدمة لذلك هي النظريات العلمية. أكدَّ لنا حضرة عبد البهاء الابن الأرشد لحضرة بهاء الله والمفسر المعين لتعاليم وأحكام والده بأن:

 

“يجب أن يكون الدين مطابقًا للعلم والعقل وإن خالفهم فهو أوهام لأنَّ العلم حقيقة وإذا كان موضوع ديني مخالفـًا للعلم والعقل فهـو وهم. العلـم الحقيقي بمثابة نور وما خالفه ظلام([4])“.

 

ولهذا فإنَّ طالب الدراسات البهائية سيجد أمامه موضوعًا للبحث والاستقصاء مفتوحًا إلى أبعد الحدود. أما ما غمض منه فإنَّه يخضع

 

 لمحدودية إدراك الإنسان شأنه شأن ما غمض عليه في عالم الطبيعة. وبمعنى آخر، فإن تلك الغوامض لا تعني وجود تناقض بين العلم والعقل في عالم الطبيعة. إن وجود القليل الشعائر الدينية في الدين البهائي وغياب رجال الدين والكهنوت الذين يدعون العلم والمعرفة وذوي سلطات معينة جعلا من الوصول والحصول على الآثار المقدسة لرموز الدين البهائي سهلة وميسرة.

 

وبرغم ذلك فإن دراسة الدين لا تعتبر جزءًا من علم الأحاثة (البليونتولوجيا) إنه فحص واستقصاء في ظاهرة حية بحيث يجب فهمه جيدًا وإلى أبعد حدود ممكنة، وذلك ليس بواسطة العقل فحسب وإنما بواسطة القلب أيضًا إنْ أردنا الوصول إلى فهم وإدراك واضح.  إنَّ الدين البهائي أصبح اليوم يمثل عقيدة راسخة في قلوب عدة ملايين من البشر، عقيدة تمثل أهم عنصر في حياة الإنسان وبها آمن عدة ألوف من البشر ويتحملون اليوم صنوف الاضطهاد والموت في سبيله.

 

إنَّ مؤلفي هذا الكتاب حاولا إيجاد موازنة بين احتياجات العقل والقلب التي يواجهها عادة دارسو الأديان.

 

الفصل الأول

الخلفية التاريخية

 

إنَّ التأكيد على أنَّ هناك دينًا مستقلاً عن باقي الأديان لا يعني أنَّ هذا الدين قد بدأ من فراغ. فقد ظهرت البوذية من الهندوسية التقليدية وبعد أن عبرت البوذية جبال الهمالايا أخذت شكلها الكامل كدين مستقل وقُدِّرَ لها أن تكون قوة ثقافية رئيسية في الصين واليابان وأراضي جنوب شرق آسيا. وبالمثل فقد بدأ السيد المسيح وأتباعه دعوتهم في ظل الدعوة اليهودية، ولمدة قرنين اعتبرت الشعوب المجاورة لها إنَّها دعوة تجديدية متفرعة عن الديانة الأم. لم تعرف المسيحية ديانة مستقلة بكتابها المقدس وما لها من أحكام ومؤسسات وشعائر دينية إلا عندما بدأت في جذب أعداد كبيرة من الناس من العديد من أجناس وأعراق غير سامية في أطراف البحر الأبيض المتوسط.

 

نشأ الدين البهائي من الإسلام مثلما نشأت المسيحية من عقيدة اليهود حول ظهور المسيح. وعليه تكون البهائية قد حققت الاعتقاد الإسلامي بمجيء اليوم الآخر. وعلى هذا السياق فإنَّ الدين البهائي مستقل تمامًا عن دين نشأته. وهذا ما أكده أخيرًا واعترف به أحد كبار علماء الإسلام وهو العالم الجليل سيد محمد حسين طباطبائي حيث قال صراحة:

 

        “الفرقة البابيّة والبهائيّة… يجب على أن لا تعتبر بأي حال فرق منشعبة من الشيعة”. وأيضًا:

 

“حتى المسلمون السّنة أقروا بعدم وجود ارتباط بينهم وبين الدين البهائي([5])“. وفي عام 1925م أصدرت المحكمة الشرعية في ببا بمصر الحكم التالي: “إنَّ البهائية دين جديد قائم بذاته له عقائد وأصول وأحكام خاصة تغاير وتناقض عقائد وأصول وأحكام الدين الإسلامي تناقضًا تامًا، فلا يقال للبهائي مسلم ولا العكس كما لا يقال للبوذي أو البرهمي أو المسيحي مسلم ولا العكس([6])“.

 

ظهر هذا الدين الجديد أولاً في بلاد فارس ذات الغالبية الإسلامية ومن ثم انتشر بين المناطق الإسلامية المجاورة التابعة للإمبراطورية العثمانية والروسية ووصل إلى شمال الهند. وعلى الرغم من أنَّ بعض المؤمنين الأوائل كانوا من خلفيات يهودية ومسيحية وزردشتية ولكن غالبيتهم كانوا من المسلمين وكانت أفكارهم الدينية مستوحاة من القرآن. وقد اهتموا أصلاً في أفكار ومعتقدات الدين الجديد الخاصة بتحقيق النبوات والبشارات القرآنية وتفسير التعاليم الإسلامية. وقد أعتبر علماء الدين المسلمون أتباع هذه الدعوة الجديدة مرتدين ومارقين على الإسلام([7])

 

نظرًا للخلفية الإسلامية للدين البهائي فإنَّه من المهم أن نبدأ دراستنا بالأخذ بعين الاعتبار الأصل الإسلامي الذي نشأ منه الدين البهائي. هذا الأمر هام لسبب آخر وهو أن الإسلام يتطابق مع مفهوم التاريخ الديني والعلاقة بين الأديان واللتين تعتبران أساس التعاليم البهائية. وربما يكون الدين البهائي فريدًا في ذلك حيث أنَّه يقبل دون قيد أو شرط حقيقة وسماوية الأديان العظيمة الأخرى. يعتقد البهائيون بأنَّ سيدنا إبراهيم وموسى وزردشت وبوذا والمسيح ومحمدًا هم جميعًا رسل مبعوثون من جانب إله واحد. فتعاليم ومبادئ هؤلاء الأنبياء والمرسلين هي بمثابة الطريق للخلاص والنجاة التي تساهم في إصلاح وتعديل شئون لعالم لأنَّ الإنسان كما يقول حضرة بهاء الله “قد خلق من أجل إصلاح العالم” ولكن ما يعتقده البهائيون هو أنَّ الهداية الإلهية خلال فترات مختلفة من تاريخ الجنس البشري هي هداية متدرجة ومستمرة. إنَّ كل رسالة سماوية جاءت أكمل وأشمل عن سابقتها وكل واحدة تمهد الطريق للأخرى. ومن هذا المنظور يعتبر الإسلام وكآخر الأديان السابقة المرجع التاريخي الأقرب للبهائية. وليس بالعجب أن نلاحظ أنَّ الكتب والمؤلفات البهائية مليئة بالاصطلاحات والمفاهيم القرآنية.

 

إنَّ فهم بعض العقائد والأفكار الإسلامية لها أهميتها الخاصة نحو فهم واضح للدين البهائي. وكما يعتقد المسلمون فإنَّ البهائيين يؤمنون([8])

 

أيضًا بأنَّ هناك إلهًا واحدًا لا شريك له وهو عظيم في ذاته ومقدس عن الإدراك وقد أظهر مشيئته للبشرية من خلال إرساله للأنبياء والمرسلين الذين يسمّون عند البهائيين بمظاهر أمر الله. فهدف مظهر أمر الله هو توفير الهداية الكاملة ليس للنمو الروحي للفرد المؤمن فحسب بل لإعادة تشكيل المجتمع الإنساني أيضًا. هناك فرق واضح بين الإسلام والبهائية في هذا السياق. فبينما يقر الإسلام بشرعة اليهودية والمسيحية فقط من بين الأديان الموجودة اليوم، فإنَّ البهائية تقول بأنَّ جميع الأديان هي جزء لا يتجزأ من خطة إلهية واحدة ومحكمة. يقول حضرة بهاء الله في هذا الخصوص:

 

“لا شك بأنَّ جميع الأحزاب متوجهة إلى الأفق الأعلى وعاملون بأمر الحق ونظرًا لمقتضيات العصر اختلفت الأوامر والأحكام ولكن الكل نزل من عند الله (1)“.

 

وجانب آخر في الإسلام كان له تأثيره في نمو الدين الجديد واستوجب رد فعل من جموع المسلمين. فقد انقسم الإسلام إلى فرق ومذاهب مختلفة مثل سابقتها المسيحية. ومن أهمها مذهب الشيعة الذي يؤمن أصحابه بأنَّ رغبة الرسول محمد عليه السلام كانت بأن تورث الزعامة الروحية والدنيوية إلى المخلصين والمؤمنين من أتباعه. هؤلاء المختارون هـــم “الأئمة” أو “الزعماء” وإنهم معصومون عصمة تامة في قيامهم بالمسئوليات الملقاة على عاتقهم. إلا إنَّ غالبية المسلمين رفضوا هذا الأمر انطلاقًا من إيمانهم بأنَّ سنّة رسول الله (ص) فيها الهداية الكافية وعليه أطلق على الذين سلكوا هذا الطريق

 

“بالسنة”. وعلى الرغم من أنَّ المسلمين السنة يزيد عددهم عن الشيعة اليوم ويصفهم علماء الغرب بالأرثودكس لأنَّهم خرجوا عن إجماع الشيعة ولكن للشيعة تقاليدهم القديمة التي يراعونها وهو ما كان موضوع دراسة جادة ومستمرة من جانب العلماء غير المسلمين([9]).

 

        في عام 661 ميلادي أي بعد مرور تسع وعشرين سنة على وفاة الرسول محمد عليه السلام انتقلت الخلافة الإسلامية إلى خلافة وراثية لمجموعة من العائلات الحاكمة ولو إنَّها نظريًا كانت بالانتخاب ولكن في الواقع كانت تمثل سيطرة لمجموعة من العشائر القوية.  فكان أول سلالتين من السلالات السنية الحاكمة الأمويين والعباسيين الذين رأوا في “الإمام” تحديًا لشرعيتهم فكان أنْ قتل الأئمة الواحد تلو الآخر ابتداءً بالحسن والحسين عليهما السلام أحفاد الرسول محمد عليه السلام. هؤلاء الأئمة أو الذين هم من نسل الرسول الكريم اعتبرهم الشيعة في وقت ما شهداء وقديسين.

 

        وبالرغم من أنَّ الشيعة قد نشأت بين القبائل العربية، ولكن نفوذها الكبير كان في بلاد فارس. ومنذ البداية كان المؤمنون الجدد للإسلام من أهل الفرس تشدهم فكرة الأمامية كمرجع إلهي تم تعيينه. وعلى عكس ما كان العرب عليه، فقد كان للفرس حكومة وراثية يحكمها ملك اعتبروه معينًا من جانب الحق تبارك وتعالى وإنَّ الإخلاص والولاء الذي كان موجّهًا للحاكم آنذاك قد تحول بمرور الزمن إلى

 

أحفاد الرسول وخلفائه المعينين. وبعد عدة قرون من الضيق والشدة قاساها الشيعة على يد خلفاء السنة تمّكنت الإمامية أخيرًا من الانتصار في بلاد فارس ببروز من خلال حكم الصفوية القوى في القرن السادس عشر الميلادي(1).

 

        ومنذ ذلك الوقت انتهت سلالة الأئمة الأطهار. ومما يميز الشيعة الإيرانيين اعتقادهم بأنَّه في عام 873 ميلادي اختفى الإمام الثاني عشر، وهو ما زال طفلاً، في مخبأ هربًا من مصير أسلافه. ويسود الاعتقاد بأنَّه سيظهر في “آخر الزمان” ويبّشر الناس بظهور العدل في العالم. هذا الاعتقاد “باليوم الآخر” له مفهوم مشابه لدى المسيحيين فيما يتعلق برجوع المسيح وبعودة مايتريا بوذا “بوذا المصلح العالمي” الذي وعد بظهوره بوذا ماهايانا. ومن بين الألقاب الأخرى التي لقب بها المسلمون الموعود “الإمام الغائب” و”المهدي” وقائم آل محمد (أي الذي سيظهر من عترة النبي محمد عليه السلام).

 

بعد تسع وستين سنة من غيبة الإمام الغائب أو الإمام الثاني عشر قيل أنَّه اتصل بأتباعه بواسطة مجموعة من مندوبيه. هؤلاء الوسطاء أو المندوبون أخذوا لقب “الباب” لأنَّهم كانوا الطريق الوحيد للإمام الغائب. وحتى عام 941 ميلادية كان هناك أربعة منهم وعندما توفى الباب الأخير لم يعيَّن من سيخلفه.

 

إنَّ إحجام الإمام الغائب أو الباب الأخير عن تسمية خليفة له دفع بالشيعة إلى ترك الأمر بيد الله المقتدر القدير الذي سيبعث في الميقات

 

المحدد رسولاً أو رسلاً من جانبه وسيكون أحدهم هذا الإمام المهدي أو القائم الموعود الذي طال انتظاره والذي سيكون سبيل الهداية الإﻟﻬﻴﺔ المباشرة للعالم البشري. إنَّه اعتقاد توجهت به الأنظار إلى البابية والبهائية التي ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر.

 

الفصل الثاني

البابية

 

        شهدت السنوات الأولى من القرن التاسع عشر فترة ترقب فيها العالمان الإسلامي والمسيحي عودة المسيح المنتظر. ففي بلاد فارس ظهر عالمان دينيان مرموقان هما الشيخ أحمد الأحسائي وتلميذه وخليفته السيد كاظم الرشتي حيث قاما بنشر أفكار ومفاهيم ابتعدت بشكل كبير عن عقيدة الشيعة الإمامية التقليدية. وإلى جانب تفسيرهما القرآن الكريم بأسلوب مجازي أكثر منه لفظيًا فقد أعلنا أنَّ عودة الإمام المهدي المنتظر والمنصوص عليه أصبحت وشيكة الحدوث وعرف تلاميذهما “بالشيخيين”. اجتذبت أفكارهما جموعًا غفيرة من الناس وأشاعت جوًا من الترقب شبيه بمجموعة معاصرة من المسيحيين مثل أتباع ميلر في أوربا وأمريكا الذين كانوا في نفس الزمن بانتظار رجوع المسيح بكل شوق وشغف.

 

        قبل وفاة السيد كاظم الرشتي عام 1843م دعا تلاميذه ومريديه إلى الانتشار والبحث عن الموعود المنتظر الذي سيظهر قريبًا. وكان يشير في أحاديثه إلى أن سنة الظهور طبقًا للتقويم الإسلامي هي 1260 هجرية أي بالضبط بعد ألف سنة شمسية كاملة من اختفاء الإمام الغائب.

 

أما بالنسبة لأحد زعماء الشيخية وهو الملا حسين فإنَّ هذا البحث قد انتهى في مدينة شيراز في بلاد فارس يوم 23 من شهر مايو (أيار) عام 1844م عندما قابل شابًا يدعى سيد علي محمد (سيد لقب يطلق على من هم من نسل الرسول محمد عليه السلام) وهو الذي أعلن أنَّه الشخص الموعود الذي ينتظره الشيخيون. هذه الدعوة ذكرت في كتاب مطوَّل سمِّي “بقيوم الأسماء” والذي نزل من قلمه المبارك في تلك الليلة الميمونة واعتبر بعد ذلك من صلب العقيدة البابية. ففي كتاب قيوم الأسماء يُعَرِّف سيد علي محمد نفسه بالرسول السماوي وأنَّه في مصاف الأنبياء والرسل السابقين مثـل سيدنا المسيح ومحمد والذين سبقوهما. وفي آثاره الكتابية اللاحقة أشار إلى نفسه بالباب وهو لقب تعارف عليه المسلمون. ويبدو واضحًا من الكلمة أنَّه اختار لنفسه هذا اللقب من أجل هدف روحاني يختلف تمامًا عن المعني الذي ارتبط به في السابق(1).

 

        إنَّ جاذبية شخصية حضرة الباب والقوى المتدفقة منه وقدرته

 

الخارقة على تفسير أكثر آيات القرآن الكريم صعوبة جعلت الملا حسين يعلن إيمانه به وأصبـح بذلك أول المؤمنين بالدين البابي. وفي خلال عدة أسابيع آمن بحضرة الباب سبعة عشر شخصًا باحثًا عن الحقيقية باعتبار أنَّ حضرته هو الموعود المنتظر وقد سمِّي هؤلاء المؤمنون الأوائل الثمانية عشر بحروف الحي وقام بإرسالهم إلى مناطق إيران المختلفة لتبشير الناس بطلوع وظهور يوم الله المشار إليه في القرآن الكريم وفي الكتب المقدسة السماوية السابقة.

 

        أمَّا السيد علي محمد الذي عرف في التاريخ “بالباب” فقد ولد في مدينة شيراز في العشرين من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1819م من عائلة تمارس التجارة. أمَّا والداه فقد كانا من العترة النبوية الشريفة. توفي والده عندما كان حضرته طفلاً ومن ثمَّ ترعرع في بيت خاله الحاج ميرزا سيد علي الذي أصبح فيما بعد أحد أكثر أتباع حضرة الباب إيمانًا ورسوخًا ووفاءً واستشهد في سبيله وأعتبر من الشهداء الأوائل للدين الجديد. إنَّ جميع الشواهد دلت على أنَّ حضرة الباب في طفولته كان طفلاً غير عادي وعلى الرغم من أنَّه تلقى المبادئ الأساسية في القراءة والكتابة التي كانت مختصة بفئة معينة من الإيرانيين آنذاك ومحرومة منها غالبية الشعب، ولكنه كان حكيمًا بالفطرة وعليمًا مما آثار إعجاب مدرسيه وأصحابه. وبالإضافة إلى هذه الميزات والخصائص كان شخصًا روحانيًا عميقًا. ففي طفولته كان يقضى أوقاتًا طويلة في الدعاء والتأمل، ففي إحدى المناسبات اعترض عليه مدرسه قائلاً: إنَّه غير مطلوب من طفل مثلك أن يقضي كل هذا الوقت في الدعاء والتأمل، فرد عليه حضرة الباب بأنَّه كان في منزل “جده” العظيم الذي يسعى أن يحاكيه في عمله. وهذه إشارة إلى

 

الرسول محمد عليه السلام وهو أسلوب في القول يتبعه أولئك الذين ينتسبون إلى السلالة النبوية الشريفة(1).

 

ترك حضرة الباب المدرسة قبل أن يكمل الثلاثة عشر ربيعًا وفى سن الخامسة عشرة انضم إلى تجارة خاله في شيراز وبعد فترة قصيرة أرسل إلى بوشهر ليدير تجارة العائلة هناك. وبممارسته التجارة اكتسب صيتًا جيدًا في الأمانة والقدرة. وقد استمر في تأملاته وأدعيته وقام بكتابة بعضها. وفي ربيع عام 1841م غادر بوشهر لزيارة عدة مدن إسلامية ضمَّت أضرحة للأئمة الذين استشهدوا. ففي أثناء زيارته لمدينة كربلاء التقى حضرة الباب بالسيد كاظم الرشتي الذي رحب به بكل احترام وتقدير وقابله بكل شغف وحماس مما أثار إعجاب تلاميذه. مكث حضرة الباب مدة من الزمن مع تلاميذ السيد كاظم، ثمَّ رجع إلى إيران ليتزوج خديجه بكم بنت أحد تجار شيراز ومن أقربائه البعيدين. وبعد أقل من سنتين أعلن دعوته في شيراز للملا حسين بشروئي.

 

        كانت المرحلة القادمة مرحلة إعلان دعوة الدين الجديد بشكل علني. بدأت هذه المرحلة مع سفر وزيارة حضرة الباب لمركز الحج في العالم الإسلامي وهما مكة المكرمة والمدينة المنورة في شبه الجزيرة العربية. وفي يوم الجمعة الموافق للعشرين من ديسمبر (كانون الثاني) عام 1844م كان حضرة الباب واقفًا أمام البيت الحرام

 

وواضعًا يده على حلقة باب الكعبة الشريفة أشرف وأقدس مكان للمسلمين في العالم ومعلنًا بشكل علني:”إني أنا القائم الذي كنتم به تنتظرون”. كما كتب رسالة أو “توقيعًا” خاصًا إلى شريف مكة حامي الديار المقدسة يعلن فيها دعوته. في كلتا الحالتين لم تجد دعوة الباب أذنًا صاغية بين أهل السنة على الرغم من أنَّه كان يعامل بكل أدب واحترام. ودون أي عائق عاد حضرة الباب بحرًا إلى بلاد فارس وبدأ حروف الحي في نشر دعوته التي أثارت رجال الدين وعامة الناس.

 

        بالنسبة لرجال الدين الشيعة فإنَّ دعوة حضرة الباب لم تكن دعوة للخروج عن الدين فحسب بل كانت تهديدًا مباشرًا لأصول الإسلام. أما المسلمون السَّنة فإنَّ الرسول محمدًا عليه السلام هو “خاتم النبيين” وبالتالي فهو آخر المرسلين للجنس البشري حتى “يوم القيامة” وإنَّ الإسلام ظلَّ سليمًا ولم ينتقص أو يحرف منه شيء لأنَّ القرآن الكريم يمثل الوديعة القيمة التي جاء بها الرسول محمد عليه السلام. من هذا المنطلق أكد علماء المسلمين بأنَّ الإسلام يحتوي على كل ما يحتاجه العالم البشري حتى يوم الحساب ولا يمكن لأي ظهور سماوي جديد أن يأتي أو أن يكون ممكنًا مجيئه.

 

        ولهذا فإنَّ دعوة حضرة الباب كانت تحديًا لأساس النظام الديني في إيران. ذلك التحدي الذي أصاب صلب معتقد المذهب الشيعي الأوسع انتشارًا في بلاد فارس. ولقرون عدة سيطر المذهب الشيعي على جميع شئون الناس متمثلاً في شخص الإمام الغائب الذي يعتبر ظهوره علامة من علامات يوم القيامة. وفي الواقع كان هناك حديث متداول بأنَّ الملوك هم أمناء الإمام الغائب. ولهذا قام علماء الدين في شتى أنحاء بلاد فارس بالتصدي بكل عنف وقسوة لدعوة حضرة الباب

 

منذ بداية سماعهم لها واشتدت هذه المعارضة ضراوة عندما أشار حضرة الباب إلى الجهل والفساد المتفشي في أوساط رجال الدين الذين اعتبرهم الباب عائقًا رئيسيًا أمام تقدم وازدهار الشعب الفارسي.

 

إنَّ معارضة رجال الدين تعدت التنديد اللساني من فوق المنابر. ففي القرن التاسع عشر كان لرجال الدين الشيعة في إيران سلطة ونفوذ يعادل سلطة ونفوذ الشاه نفسه. فالكثير من مقتضيات الحياة اليومية تمَّ تنظيمها تبعًا للأحكام والتعاليم الإسلامية وتحت إشراف المجتهدين والروحانيين. ونظريًا كانت أحكام المحاكم الدينية تعتمد على دعم الحكومة المدنية من أجل تنفيذها ولكن في الواقع كان لرجال الدين الشيعة مصادر خاصة بهم تستخدم لتنفيذ أحكامهم. يقول أحد رجال الفكر المعاصر حول وضع بلاد فارس الذي كان سائدًا آنذاك عندما أعلن حضرة الباب دعوته:

 

“خلال حكم آل قاجار لاحظنا وجود مجتهدين وبالأخص في مدينتي إصفهان وتبريز محاطين بما يمكن أن نسميه رجال حماية خصوصيين. بداية كانت المجموعة تضم قطاع طرق ولصوصًا أكثر من رجال دين. كان هؤلاء القطاع واللصوص يمثلون في الأصل “الأخوة الشجعان” وهم أشبه بمجموعة “الفتوة” في الأناضول والمناطق العربية التي كانت تعمل على دعم القوى الدينية التي تتحدى الدولة وتقوم بتنفيذ الفتاوي، وفي المقابل سمح لهؤلاء الأشخاص بالنهب والسرقة والالتجاء إلى المساجد ومساكن رجال الدين عندما كانوا يطاردون ويهددون”(1).

 

عمل هؤلاء الرجال المسلحون الخصوصيون كرأس حربة لقوة تفوق مصدر القوة المتاحة لرجال الدين. وعندما يعلنون بأنَّ أعداءهم كفرة ومرتدون يقوم رجال الدين بتشكيل مجموعة أو عصابة مكونة من أفراد متعصبين دينيًا وجهله جاءوا من المدن والقرى فيقتحمون الشوارع للدفاع عما يسمونه بالدين الحق. وقد شعرت الدولة كرارًا ومرارًا بقدرة هذه المجموعات المسلحة وشعرت هذه المجموعات الهرطقية أيضًا بقوتها ونفوذها.

 

        وعلى الرغم من الأخطار المحدقة المتزايدة لهؤلاء المرتزقة، فقد شهدت الفترة من عام 1845 حتى 1847 تزايدًا كبيرًا في أعداد الذين سموا أنفسهم بالبابيين أو أتباع حضرة الباب. وفي الواقع كان عدد كبير من أتباع حضرة الباب من رجال الدين وكان أحدهم مؤمنًا جديدًا وشخصية بارزة وذا نفوذ شديد اسمه سيد يحيى دارابي الذي لقب فيما بعد “بالوحيد” وعندما ألقي القبض على حضرة الباب وحبس في منزله بأمر من حاكم شيراز وبتحريض من علماء المسلمين أرسل له جناب وحيد ليستجوب حضرته بالنيابة عن محمد شاه قاجار حاكم فارس آنذاك الذي وصل إلى سمعه أنباء عن الدعوة الجديدة وأراد أن يحصل على معلومات موثقة عنها. وليس غريبًا أن يؤمن جناب وحيد بأمر حضرة الباب ولهذا أمر الشاه بإرسال حضرته فورًا إلى العاصمة طهران وتحت الحراسة وأن يعامل كضيف شرف. وسبق لحضرة الباب أن أفصح عن رغبته في مقابلة الشاه لشرح دعوته له.

 

        ولم يتحقق له ذلك مع الأسف، ذلك لأنَّ محمد شاه قاجار كان شخصًا ضعيفًا ومتذبذبًا أخذت عوارض المرض الذي قضى عليه فيما بعد تظهر عليه. وفوق ذلك كان رئيس الوزراء (الصدر الأعظم) الحاج

 

ميرزا آقاسي مسيطرًا عليه تمامًا ويعتبر هذا الأخير أحد أغرب الشخصيات في التاريخ الإيراني(1). كان الحاج ميرزا آقاسي مدرس الشاه في طفولته ويثق به الشاه تمامًا. وخوفًا من أنَّ لقاء الشاه مع حضرة الباب قد يقلل من نفوذه وتأثيره أمر رئيس الوزراء بأن ينقل حضرة الباب تحت الحراسة المشددة إلى قلعة ماه كو التي تقع في منطقة أذربيجان الشمالية وعلى حدود روسيا. وقد علل ميرزا آقاسي عمله هذا للشاه بقوله بأنَّ قدوم حضرة الباب للعاصمة قد يؤدي إلى وقوع صدام بين أتباعه ورجال الدين المتعصبين وقد يتطور ذلك إلى هيجان عام وهو أمر عادي في ذلك الوقت(2).

 

        وعلى أي حال كان – الصدر الأعظم الذي جاء من منطقة أذربيجان أصلاً – متأكدًا بأنَّ سكان تلك المنطقة، وهم من الأكراد المتوحشين القاطنين في الجبال سوف لن يتجاوبوا أو يقبلوا أمر حضرة الباب. ولكن الحقيقة أثبتت العكس، فالدعوة البابية انتشرت في منطقة أذربيجان وقام مأمور قلعة ماه كو والمسئولون الآخرون بإلقاء سلاحهم نتيجة لحسن معاملة السجناء وإخلاصهم. وفي محاولة أخيرة للميرزا آقاسي لكي يحد من هذا الأمر الذي اعتبره تهديدًا متزايدًا له أرسل حضرة الباب إلى قلعة بعيدة أخرى تدعي “چهريق”. ولكن العملية تكررت وآمن بحضرة الباب مسئول القلعة وهو كردي اسمه يحيى خان وأصبح من عشاقه.

 

        أدرك الحاج ميرزا آقاسي أنَّ الأيام الأخيرة لشاه إيران باتت وشيكة وأخذ الخوف يحيط به من عداء المجموعات المؤثرة في بلاد فارس نتيجة لفساد حكمه وسوء تدبيره لشؤون البلاد ولهذا أخذ يداهن ويقترب من رجال الدين وذوي النفوذ الذين اعترضوا بشدة على الدعوة البابية وكانوا يطالبون بإدانة رسمية لهذه الحركة الجديدة. وبناء على طلب هذه الفئة الأخيرة قام رئيس الوزراء الحاج ميرزا آقاسي بإرسال حضرة الباب إلى مدينة تبريز لكي يحاكم أمام مجموعة من كبار رجال الدين.

 

        جرت هذه المحاكمة في صيف عام 1848م وثبت بكل المقاييس أنَّها محاكمة سخيفة وبلا معنى كان هدفها الوحيد واضحًا وهو إذلال وإهانة حضرة الباب(1) انتهت جلسة المحاكمة باتخاذ قرار بالعقوبة

 

الجسدية وأخيرًا تم ضرب حضرة الباب بالفلقة على قدميه. هذه العقوبة كان لها نتائج غير متوقعة، فقد استطاع حضرة الباب أن يتصل بالشخص الغربي الوحيد الذي ترك مذكرات حول لقائه بحضرته. ففي أثناء ضربه بالفلقة وجه أحد رجال الدين لكمة إلى وجه حضرة الباب وطلب من أحد الأطباء الإنجليز وهو الدكتور وليام كورمك أن يقوم بمعالجته وقد ذكر هذا الطبيب ما يلي في شرح لقائه مع حضرة الباب:

 

        “كان الباب شخصًا لطيفًا جدًا ورقيقًا في مظهره، أمَّا قصر قامته فلا تشوبه شائبة بالنسبة للإيرانيين وكان في صوته رنة ناعمة جذبتني إليه… في الحقيقة فإنَّ شكله وسلوكه يشدان الشخص إليه. بالنسبة لعقيدته لم اسمع شيئًا منه شخصيًا ولكن يقال بأنَّ ما ينادي به من فكر في ديانته يتقارب والمسيحية… وبالتأكيد ليس في ديانته تعصب كالذي يحمله المسلم والمسيحي ولا هناك تقييد لحرية المرأة كالذي نراه عند المسلمين…([10])“.

 

وعندما كان حضرة الباب طريح السجن عانى أتباعه شتى أنواع التعذيب والويلات من زمرة من المجرمين والغوغائيين يحركهم رجال الدين الشيعة. مما أدى بالبابيين إلى اللجوء إلى الدفاع عن النفس. ففي الإسلام وعلى عكس المسيحية -هناك سوء فهم كبير بالنسبة لمفهوم الجهاد الذي يسمح باستخدام القوة والسلاح لمعاقبة الكفرة والمشركين. إنَّ الجهاد يسمح للمسلمين أيضًا بالدفاع عن أنفسهم عندما يهاجمون ولكنه يمنع أي نوع من الحرب الهجومية ضد أهل الكتاب (أي اتباع دين سماوي آخر ويقصد بهم عادة اليهود

 

والنصارى). في هذا الجو الإسلامي رأى البابيون أنَّهم محقون بالدفاع عن أنفسهم وعن عائلاتهم من هجوم رجال الدين. وكان البعض يعتقد أنَّ الباب قد يقوم بشرح موضوع الجهاد ويبين أفكاره في هذا الخصوص.

 

        ولكنه لم يتم ذلك فقد شرح حضرة الباب في كتابه “قيوم الأسماء” المبادىء الأساسية للمفهوم القرآني للجهاد ودعا أتباعه إلى إتباع ما هو دارج في المجتمع حول هذا الأمر. وقد اشترط حضرة الباب بأن يكون الجهاد مشروطًا بموافقته ولكن هذه الموافقة لم تمنح رغم تزايد اضطهاد وتعذيب البابيين بواسطة رجال الدين الشيعة.

 

        هذه القيود أثبتت بأنَّها الخطوة الأولى نحو تغيير تدريجي لمفهوم الجهاد في الإسلام الذي يعتبر من المبادئ والأحكام الرئيسية في الدين الإسلامي. وعندما نزل البيان، وهو كتاب حضرة الباب المقدس الذي يحتوي على أحكامه وتعاليمه، لم يذكر فيه حكم الجهاد ولهذا ترك البابيون أحرارًا في الدفاع عن أنفسهم عندما كانوا يهاجمون، إلا إنَّهم منعوا عن تبليغ وإعلان دعوة الباب باستعمال السيف. قد سمح الرسول الكريم محمد عليه السلام أتباعه باستعمال السيف والجهاد نظرًا للأوضاع الهمجية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية آنذاك. قال حضرة الباب بأنَّ حماية وانتصار أمره سيكون بيد الله العلي القدير.

 

        وبينما كان حضرة الباب مسجونًا وقيد المحاكمة في شمال إيران استمر عدد أتباعه في الازدياد والنمو في المناطق الأخرى من إيران. وفي الوقت الذي أعلن فيه دعوته العلنية في تبريز اجتمع عدد كبير من قادة البابيين في قرية بدشت. ذلك الاجتماع الذي كان له الأثر الكبير

 

في تطور ونمو الدعوة البابية. وقد شاركت في هذا الاجتماع واحدة من أهم السيدات البابيات الشهيرات المعروفة بقرّة العين والملقبة في التاريخ البهائي بالطاهرة.

 

        ولدت قرّة العين (الطاهرة) من عائلة من العلماء ورجال الدين وعرفت فيما بعد على أنَّها واحدة من أشهر الشعراء الموهوبين في بلاد فارس. ولمعرفة أهمية هذا الحدث فإنَّه من الأهمية أن نعرف مدى عزلة نساء إيران آنذاك ومقدار الحظر الذي كان مفروضًا عليهن.  ومن خلال نفوذ عمها وابن عم لها، وكانا من أتباع الشيخ أحمد الأحسائي، استطاعت الطاهرة أن تتصل ببعض البابيين الأوائل. وعلى الرغم من إنَّها لم تلتق بحضرة الباب إلاَّ أنَّها راسلته وأعلنت عن إيمانها ثمَّ ضمها إلى حروف الحي.

 

        من الأسباب الرئيسية التي دعت إلى عقد اجتماع بدشت هو البحث في كيفية إنقاذ حضرة الباب من سجنه في قلعة چهريق. ومع هذا فإنَّ جو الاجتماع تغير إلى جو شاحن بشكل غير متوقع حيث فسرت حضرة الطاهرة بصورة جريئة بعض تعاليم حضرة الباب.  فالبعض من البابيين اعتبروا دعوة حضرة الباب دعوة تجديدية للدين والبعض الآخر التبس عليهم معنى ولفظ كلمة “الباب”. فقامت الطاهرة بشرح وتوضيح رسالة ومهمة الباب بصورة مسهبة طبقًا لما أعلنه الباب نفسه في ليلة إعلان دعوته للملا حسين. فقد أعلن أنَّه الإمام المهدي المنتظر وقائم آل محمد الموعود. وعلى هذا فإنَّه رسول سماوي ومؤسس لدورة دينية مستقلة جديدة. وكما حرر المسيحيون الأوائل أنفسهم من تعاليم وأحكام التوراة دعي البابيون إلى عدم التقييد بأحكام الشريعة الإسلامية لأنَّ هناك تعاليم اجتماعية جديدة أتى بها حضرة الباب وعلى البابيين أن

 

يتوجهوا إليها للهداية.

 

ومما جعل اجتماع بدشت أكثر إثارة ودهشة ظهور الطاهرة في إحدى الجلسات دون حجاب بعكس ما كان سائدًا في المجتمع الإسلامي آنذاك. إنَّ عملها هذا وأعمالاً أخرى شبيهة بها كان امتحانًا صعبًا للبابيين المتحفظين وأثارت حفيظة المسلمين المتعصبين. فقام رجال الدين بنشر إشاعات كاذبة حول البابيين منها أنَّهم كفرة وعندهم إباحية جنسية واشتراك في الملكية وكان هدف رجال الدين تشويه الحقيقة وتصوير الدعوة البابية على إنَّها حركة معادية للسلوك الحسن والنظام العام(1).

 

وفي شهر سبتمبر (أيلول) من عام 1848م توفي محمد شاه قاجار متأثرًا بأمراضه المتعددة مما أدى إلى زيادة في عدم الاستقرار فتدهورت الأوضاع السياسية وتم تعيين من سيخلفه(2). أما الحاج

 

ميرزا آغاسي فقد عزله أعداؤه السياسيون، واستغل رجال الدين هذه الفوضى والهرج فشددوا من خصومتهم للبابيين ونظموا حملات لضربهم أينما كانوا.

 

        وفي مقاطعة مازندران وجدت مجموعة من البابييين يقدر عددهم بثلاثمائة شخص ويقودهم الملا حسين وأحد أتباع حضرة الباب المشهورين المسمى بالقدوس (وهو الذي رافق الباب في حجه إلى مكة المكرمة) وجدت نفسها محاصرة في قلعة صغيرة قامت بترميمها على عجل وتقع بالقرب من قبر أحد مشاهير الإسلام يسمى بالشيخ طبرسي. قام هؤلاء البابيون بكل حماس وشغف بالانتشار في مازندران معلنين أنَّ القائم الموعود قد ظهر ودعوا جميع المؤمنين إلى النهوض والسير على نهجه، أما رجال الدين المحليون فقد نددوا بهذه الدعوة واعتبروا المؤمنين بها منشقين ومرتدين وقاموا بإثارة أهالي عدة قرى للهجوم على البابيين. وعندما احتمى البابيون بالسياج الذي أقاموه داخل قلعة الشيخ طبرسي اتهم رجال الدين البابيين بأنَّهم سبب الفوضى التي سادت بلاد فارس في ذلك الوقت مع أنَّ هذه الفوضى كان سببـها الأصلي رجال الدين لاتهامهم البابيين بالارتداد والكفر. وفي جو مشحون بالصراع حول السلطة بين ورثة محمد شاه قاجار كان هذا الاتهام بمثابة الشرارة التي أشعلت الوضع. خلف الحاج ميرزا آقاسي رجل قوي قاس ومريب وهو الميرزا تقي خان فأصبح الصدر الأعظم لإيران وقرر أن يقمع الحركة البابية ويقتلعها من جذورها فقام بإرسال قوة مسلحة لدعم وتعزيز مجهودات رجال الدين والموالين لهم.

 

         تحول حصار قلعة الشيخ طبرسي إلى خزي وعار لمعارضي حضرة

 

الباب. وخلال عام واحد تم إرسال آلاف من الجنود لقتال وقمع عدة مئات من البابيين الذين كانوا يدافعون عن القلعة إلاَّ أنَّهم جميعًا هزموا شر هزيمة. وأخيرًا وفي موقع عسكري صغير محاصر كان قد استشهد فيه عدد كبير من أفراده ومنهم الملا حسين وعد المهاجمون المجموعة بالإفراج عنهم إذا استسلموا وقد أقسموا على القرآن الكريم في ذلك. وما أن خرج البابيون من هذا الموقع حتى ألقي القبض عليهم حيث قتل العديد منهم وآخرون عذبوا حتى الموت ومن تبقى أُسِر وبيع كالرقيق. أما جناب القدوس فقد سلِّم ليد أحد رجال الدين الكبار في تلك المنطقة فقادوه في الشوارع والطرقات وشوّهوا جسمه ثمَّ قتلوه.

 

         وأحداث أخرى مشابهة وقعت في مدينتين أخريين هما نيريز وزنجان. ففي هاتين المدينتين جاءت قوات مسلحة تابعة لأمراء قاجار لدعم ومؤازرة الهمج الرعاع الذين حركهم واستفزهم رجال الدين الشيعة ضد البابييـن وقرروا استئصال وإبادة جميع أتباع الدين الجديد. وفي مدينة نيريز كان يتزعم البابيين شخصية بارزة هو جناب وحيد ومع مكانته الدينية لم يخفف ذلك من سخط السلطات المحلية ومن هجوم الناس الغوغائي. وفي مذبحة عقب الاستيلاء على قلعة كان البابيون قد التجأوا إليها وحوصروا فيها استشهد جناب وحيد. وفي مدينة زنجان كان الحال مثل قلعة الشيخ طبرسي فقد خدع المحاصرون البابيين ووعدوهم بالسلام والأخوة وكتبوا ذلك على نسخة من القرآن الكريم إلاَّ أنَّهم غدروا بهم وقتلوهم عن بكرة أبيهم بعد خروجهم من مواقعهم.

 

        وبالرغم من بعض المحاولات الواضحة التي قامت بها السلطات الدينية والسياسية للتستر على هذه الملاحم الثلاث مع البابيين وهي

 

معركة قلعة الشيخ طبرسي وحوادث نيريز ووقائع زنجان فقد كان هناك ناجون من كل معركة أو حادثة استطاعوا أن يشهدوا على كل ما حدث. فالنسخ المكتوبة لهذه الروايات تشكل المصدر الرئيسي للكتاب التاريخي الذي كتبه وأعده نبيل زرندي المعروف بالنبيل الأعظم بعد عدة سنوات(1).

 

        وبرزت في أنحاء مختلفة من إيران مشاهد عنف عديدة يغذيها تحريض رجال الدين على أنَّ البابيين مرتدون وساندهم كثير من السلطات المحلية في اعتداءاتهم. ولم يحمهم وضعهم الاجتماعي. وفي العاصمة طهران، وفي نفس الوقت الذي وقعت فيه حوادث زنجان تقريبًا صدر الحكم بإعدام سبعة من الشخصيات المرموقة من كبار التجار ومن الأوساط العلمية عندما رفضوا إنكار دينهم، فقتلوا بشكل بشع ومرعب. ومما يدل على وحشية الناس الذين قاموا بهذا العمل أنَّ من بين الشهداء شخص يدعى الميرزا قربان علي قد عرف بالزهد والتقوى الشديدين وعمل مرشدًا روحيًا خاصًا للعائلة المالكة ولأعضاء الحكومة(2).

 

        إنَّ معظم المسئولية في هذه الأعمال الوحشية لا تقع على عاتق رجال الدين وحدهم وإنَّما على رئيس الوزراء الجديد الميرزا تقي خان أيضًا. أمَّا الشاه الجديد ناصر الدين شاه فكان عمره لا يتجاوز السادسة عشرة، ولهذا كان زمام السلطة بيـد رئيس الوزراء أو الصدر الأعظم.

 

وكان هذا الأخير على رأس مجموعة قامت بنصب الشاه الجديد بعد منافسة حادة على السلطة بين شخصين من العائلة المالكة. وقد استنتج رئيس الوزراء الجديد بأنَّ ضمان استمراره في الحكم وثبات المنطقة واستقرارها يقتضي قمع الدعوة البابية ولهذا شارك في الأعمال الوحشية ضد البابيين في قلعة الشيخ طبرسي وفي نيريز وزنجان وفي قتل شهداء طهران السبعة الذين عرفوا بهذا الاسم. والآن يريد ضرب الدعوة في مهدها.

 

        وبينما كان الحصار قائمًا في زنجان أمر الميرزا تقي خان حاكم منطقة أذربيجان بأن ينقل حضرة الباب إلى مدينة تبريز وهناك يعدم أمام الملأ(1) لم يكن للميرزا تقي خان أية صلاحية لإصدار مثل هذا الأمر ولم يستشر باقي أعضاء الحكومة في هذا الخصوص ولهذا السبب لـم يستجب حاكم أذربيجان الذي كان يكن كل احترام وتقدير لحضرة الباب لهذا الأمر. وأخيرًا اضطر الميرزا تقي خان إلى إرسال أخيه الميرزا حسن خان لتنفيذ هذه المأمورية. فقد أخذ الباب بعجالة إلى تبريز وقرر كبار المجتهدين وعلماء الدين أن يتعاملوا مع الموضوع فيحكموا عليه من منظور ديني أكثر منه مدني. وكما توقع الميرزا تقي خان كان رجال الدين على أتم استعداد لإصدار فتوى بقتل حضرة الباب بتهمة الارتداد. وفي اليوم التاسع من شهر تموز (يوليو) من عام 1850م تمَّ الإعداد لتنفيذ هذا العمل الشنيع وسط حشد مزدحم من

 

آلاف الناس الذين تجمعوا فوق أسطح المنازل وعلى النوافذ في ساحة عامة وما وقع بعد ذلك كان حدثًا مذهلاً وغير عادي.

 

        قيد حضرة الباب بالحبل ومعه أحد أتباعه على جدار أحد الثكنات العسكرية وجاء فوج من الجنود الأرمن المسيحيين يصل عددهم إلى750 شخصًا واصطفوا ليشكلوا فرقة مكلفة بإطلاق النار على حضرة الباب. أما قائد الفوج ويقال له سام خان فقد كان مترددًا في تنفيذ هذا الحكم لأنَّه كان خائفًا من نزول السخط الإلهي عليه. حينئذ قال له حضرة الباب: “اعمل بما أُمرت به وإن كانت نيتك صادقة فإنَّ الله العلي القدير قادر على إزالة حيرتك وارتباكك”(1).

 

        رأى العديد من شهود العيان ما حدث بأم أعينهم(2) فقد اصطف الفوج وأطلق 750 رصاصة وتصاعد الدخان الكثيف الصادر من فوهة البنادق وتحوّلت الساحة إلى ظلام. وعندما انقشع الدخان شاهد الجمهور أمرًا غريبًا. فقد شاهدوا أنيس الباب واقفًا بجوار الحائط دون أذى أما حضرة الباب فكان غائبًا عن الأنظار. أما الحبال التي ربطا بها فقد كانت ممزقة تمامًا. وبدأ بحث محموم عن حضرة الباب فوجدوه سليمًا داخل الغرفة التي شغلها الليلة الماضية هادئًا ومنشغلاً في إنزال آخر كلماتـه وإعطاء توجيهاته إلى كاتب وحيه.

 

        هاج الجمهور من هذا المشهد وماج، أما قائد الفوج الأرمني فقد رفض الاستمرار في هذا العمل ووجد الميرزا حسن خان نفسه أمام احتمال أن ينقلب الناس الذين آمنوا بحضرة الباب في السابق ثمَّ

 

ارتدوا عنه فيؤمنوا به مرة أخرى، نظرًا لمعجزة الباب أثناء إطلاق النار عليه للمرة الأولى واعتبار ذلك معجزة سماوية. ومن ثمَّ اصطف فوج آخر مكون من جنود مسلمين وجيء بحضرة الباب ورفيقه مرةً أخرى وقُيِّدا على الحائط ثمَّ أطلق وابل من الرصاص عليهما.  وفي هذه المرة مزقت الطلقات جسدي السجينين. أما آخر كلمات حضرة الباب إلى الجمهور فكانت: “أيها الجيل الملتوي، لو آمنتم بي لاحتذى كل واحد منكم حذو هذا الشاب الذي هو أعظم منكم شأنًا لأقبل راضيًا مختارًا على التضحية بنفسه في سبيلي وسيأتي اليوم الذي فيه تؤمنون بي، وعند ذاك لن أكون معكم”([11]).

 

        إنَّ الظروف غير العادية التي أحاطت باستشهاد حضرة الباب أثارت موجة جديدة من الاهتمام الواسع في تعاليمه. فرواية استشهاده انتشرت كالنار في الهشيم ليس بين أهل إيران فحسب بل بين السياسيين والتجار والعسكريين والصحفيين الذين كانوا يشكلون جالية أوربية كبيرة في بلاد فارس آنذاك. إنَّ كلمات قنصل فرنسا الرسمي السيد نيكولاس تبيّن مدى تأثير هذه الفاجعة على جمهور الناس الغربيين المثقفين:

 

        “إنَّ ذلك المثل الرائع الذي قدمه الباب للإنسانية لتتأمله لهو من أعظم الأمثلة الرائعة على الشجاعة ودليل يثير الإعجاب على المحبة التي حملها بطلنا لمواطنيه. لقد ضحى بنفسه من أجل الإنسانية ووهب لها جسده وروحه، وفي سبيلها عانى الحرمان والهوان والسباب والعذاب والشهادة. وقد وقع بدمه ميثاق الإخاء العالمي ودفع حياته

 

كما فعل السيد المسيح من قبل، عربونًا لعهد الوفاق والعدل والمحبة القادم”(1).

 

        كان استشهاد الباب بالنسبة للجامعة البابية وما تبعه من إبادة لزعماء الدين ورموزه بما فيهم غالبية حروف الحي بمثابة ريح عاتية ومدمرة. حيث فقد البابيون القيادة اللازمة، قيادة لم تكن لتتحمل الاضطهاد الشديد فحسب بل وللحفاظ على سمو الأخلاق العالية التي نادى بها حضرة الباب.

 

        كان البابيون يؤكدون دومًا بأنَّ اهتمامهم الرئيسي هو الإعلان عن التعاليم الاجتماعية والروحانية الجديدة التي جاء بها الباب. وفي الوقت نفسه ونظرًا لأنَّ أفكارهم الدينية كانت من خلفية إسلامية فقد كانوا يعتقدون بأنَّ لهم حق الدفاع عن النفس وعن عائلاتهم شريطة أن لا يبادروا بالعدوان حفاظًا على قيمهم الدينية. وعندما تم القضاء على الرموز التي كانت تقود الجامعة البابية بهذه الأعمال الوحشية التي قام بها الميرزا تقي خان فقد كان متوقعًا أن العناصر المترددة بين البابيين قد تغدو عاجزة عن الحفاظ على الانضباط الأصيل.

 

        وهذا ما حصل بالفعل ففي يوم 15 آب (أغسطس) عام 1850 ميلادي قام شابان بابيان غلبت عليهما المعاناة التي شاهداها وأصيبا باليأس نتيجة موقف السلطات فقاما بإطلاق النار على الشاه فأصيب الشاه بجروح طفيفة ونجا من الحادثة لأنَّ البندقية التي استعملت كانت محشوة بالبارود الخاص بصيد الطيور. إلا أنَّ هذه الحادثة أثارت من حولها موجة من العنف أقوى وأشد من قبل، فبدأ عصر إرهاب جديد.

 

        ترك الكابتن ألفرد فون كوفر وهو ملحق عسكري نمساوي مذكرات حول هذه الفترة. كان مصدومًا ومتأثرًا بشدة من الأعمال الوحشية التي شاهدها بنفسه ولهذا قدم استقالته من منصبه وكتب بعد ذلك مقالاً نشر في جريدة “فينس” وفيما يلي نصه:

 

        “اتبعني يا صديقي وأنتم يا من تدّعون بأنكم تتحلون بالأخلاق الأوروبية الرفيعة.  تعالوا معي لتشاهدوا البؤساء الذين فقئت أعينهم ثمَّ أجبروا على أن يأكلوا آذانهم المبتورة في مشهد التعذيب ذاته دون ملح ولا توابل! والذين انتزع الجلادون أسنانهم وضروسهم بوحشية والذين لم ينلهـم شيء كبير من الأذى سوى أن حطمت المطارق جماجمهم العارية بكل بساطة. هلمّوا هلمّوا إلى حيث تضاء الأسواق بالضحايا البؤساء لأنَّ الناس شقوا ثقوبًا في صدور الضحايا وأكتافهم عن اليمين وعن الشمال ووضعوا في الجروح شموعًا مشتعلة. ولقد شاهدت بعضهم يسحبون في السوق مصفدين بالأغلال تتقدمهم إحدى الفرق العسكرية وكانت الشمـوع قد احترقت وتوغلت حتى أخذ شحم الجروح يدخن كالمصباح إذا انطفأ حديثًا.  وليس من النادر أن تتفتق عبقرية أهل الشرق عن ألوان جديدة من التعذيب. من ذلك مثلاً أنهم يسلخون قدمي البابي ويغمسون جروحه في الزيت المغلي ويدقون فيها حدوة حصان ويرغمونه على الجري فلا تصدر من الضحية آهة ولا زفرة. بل تتحمل حواسه المفقودة ذلك العذاب في صمت مظلـم والآن يجب عليه أن يجري ولا يستطيع الجسم أن يتحمل ما يتحمله الروح فيسقط. ألا فارحموه واضربوه الضربة القاضية وخلّصوه من آلامه! ولكن لا! الجلاد يهوي بالسوط وكان علي أن أشاهد ذلك وإذا بالضحية المتحملة مائة ضعف من العذاب تركض من جديد كل هذا

 

مجرد بداية للنهاية. أما النهاية نفسها فهي أن الجلادين يصلبون الأجساد المكوية الممزقة رأسًا على عقب على جذوع الأشجار عند ذلك تتاح الفرصة لأي إيراني يحب أن يجعل تلك الأجساد المعلقة النبيلة هدفًا لإظهار براعته في التصويب على قدر ما يحب ويشتهي وعلى مسافة معينة ليست بالقريبة جدًا ولقد رأيت أجسادًا مزقتها مائة وخمسون رصاصة تقريبًا”(1).

 

        من أشهر ضحايا الاضطهاد الجديد شاعرة تسمى “الطاهرة” والتي كانت مسجونة بالمنزل لمدة من الزمن. ومما قامت به هذه المرأة هو إزالة قيود المرأة التي كانت شديدة في ذلك الزمن على اعتبار أنَّ تحرير المرأة من تعاليم حضرة الباب ومن مزايا العصر الجديد.  وعلى الرغم من صدور حكم الموت عليها وعلمها بذلك قالت للسجان: “يمكنك قتلي في أي وقت تشاء ولكنك لا تستطيع وقف تحرير المرأة”.

 

        وبذلك انتهـى ما يسميه البهائيون “بالدورة البابية” وهي المرحلة الأولى من التاريخ البهائي. وفي ذلك الوقت كانت البلاد تعيش في فترة تكتسحها عواصف التغيير الاجتماعي الشامل. أما أعداء حضرة الباب فقد اتهموا حضرته بأنَّه يخطط لاكتساب قوة سياسية، والبعض

 

روج بأنَّه كان قادرًا على أن يكون زعيمًا للبلاد. إنَّ القدرات غير العادية لأتباعه الصناديد، وظهور تجاوب الناس لرسالة دينية جديدة والفساد والشقاق الحزبي الذي كان متفشيًا بين القيادات الدينية والمدنية، والفترة المؤقتة التي سادت فيها الفوضى المدنية أثناء مرض محمد شاه قاجار ومن ثمَّ موته. كل ذلك أدى إلى إيجاد وضع كان يمكن لحضرة الباب أن يستفيد منه عندما عرضت عليه المساعدة والتي كان في أمسّ الحاجة إليها.

 

         في أواخر عام 1846م عرض الحاكم العام لإصفهان منوجهر خان، والذي كان يعتبر واحدًا من أقوى الشخصيات في إيران، عرض على حضرة الباب وضع كامل قواته العسكرية وثروة ضخمة تحت إمرته لكي يقوم بالهجوم على مدينة طهران ويحارب رجال الدين والشاه، وهو عمل يمكن تبريره في نظر الشيعة. إنَّ المبدأ الرئيسي الذي يحكم الملكية في بلاد فارس هو أنَّ الشاه في الأصل نائب للأمام المهدي المنتظر، ولأنَّ الادعاء الأساسي لحضرة الباب بأنَّه هو تلك السلطة الروحية التي طال انتظارها، ونظرًا لأنَّ بعض العقول والنفوس المنيرة في بلاد فارس قبلت دعوته وآمنت به فكان من المفروض أمانة أن يقوم محمد شاه وناصر الدين شاه قاجار بدراسة تعاليم حضرة الباب والاستماع إلى دعوته بكل دقة واحترام. والسبب في تجاهلهم كل ذلك كان تدخل زعماء السياسة والدين انطلاقًا من خشيتهم بأنَّ حضرة الباب قد يهدد مكانتهم وسلطتهم ويعمل على تقويضها.

 

        وبرفض حضرة الباب استعمال القوة حيال تلك الأمور، حتى لو كلفه ذلك حياته، فقد قدم يقينًا مقنعًا على ميزة رسالته السلمية السمحة واتكاله الكامل على القوى الروحية التي أشار إليها منذ بداية دعوته

 

على أنَّها العون الوحيد له.

 

        ترى ما هي هذه التعاليم التي أثارت زوبعة من العنف والعدوان والتي تحمل من أجلها حضرة الباب والألوف من غيره شتى أنواع المحن والآلام وفدوا جميعًا أرواحهم في سبيله؟ إنَّ الإجابة على ذلك ليس بالأمر البسيط. ونظرًا لأن دعوة حضرة الباب كانت مرتبطة بصورة خاصة بمعتقدات الشيعة ومفاهيمهم الفقهية فإنَّ العقلية الغربية تجد صعوبة في فهم العديد من الأمور التي قام حضرة الباب بطرحها في كتاباته. وفي الواقع إنَّ من أهم الأسباب التي بها نجح حضرته في إبلاغ كلمته لبعض علماء الدين البارزين وإلى مجموعة من طلاب العلم والمعرفة هو إحاطته الكاملة لأعمق وأدق المواضيع الإسلامية الفقهية الخاصة بالنبوات والعقيدة المثيرة للجدل.

 

         لقد بدا لمستمعيه أمرًا غير عادي في أنَّ شابًا تلقى تعليمًا ابتدائيًا بسيطًا قياسًا بطبقة المفكرين في إيران أن يكون بكل بساطة قادرًا على الإجابة عن أسئلة العلماء الاجلاء الذين قضوا حياتهم في هذا المجال وأسسوا مكانتهم العامة منها. إن المذكرات التاريخية الأولية للبابيين تشير إلى تفاصيل هذه الوقائع وشرحها وتبين أثر ذلك على المستمعين. أما بالنسبة للقارئ من أوروبا أو أمريكا الشمالية فإنَّ هذه المواضيع تكون له مبهمة وغير واضحة.

 

        وعلى الرغم من براعة حضرة الباب وتفوقه فإنَّه لم يشجع أتباعه من العلماء ورجال الدين وطلاب المعرفة على كسب هذه العلوم. ويمكن تفهم سبب ذلك من دراسة للأبحاث التي قام بها المستشرق البريطاني إدوارد براون حول فقه الشيعة. لقد وصف إدوارد براون الأبحاث والتفاسير والمواضيع والملاحظات التي قام بها علماء الدين

 

من أجل النهضة الثقافية في القرن التاسع عشر في إيران بأنَّها “سخيفة” ولا قيمة لها. وأنَّ وضع العلماء الحاليين وضع “يرثى له”. كما شاركه وأيّده في الرأي أحد المفكرين المسلمين البارزين آنذاك وهو الشيخ محمد عبده حيث قال براون عنه:

 

        “الشيخ محمد عبده هو مفتي مصر الأعظم ورئيس جامعة الأزهر وربما أكثر المفكرين تنويرًا ومُحبًّا للغة العربية وآدابها، ولم يشهد العالم الإسلامي في العصر الحديث شخصا فذًّا مثله. هذا الشخص كان يقول بأنَّ جميع هذه المواد والمواضيع يجب أن تحرق لأنَّها فقط تشغل الأرفف وتحمل الحشرات وتمنع من نشر العلوم الصحيحة. هذه كانت وجهة نظر أحد كبار علماء الإسلام ولهذا يجب أن لا نتردد في قبول ذلك…”([12]).

 

عبّر حضرة الباب عن هذا الرأي مرارًا. وفي كتابه “البيان” تصور اليوم الذي فيه تتخلص بلاد فارس من تبديد الثروات وتظهر الطاقات الفكرية للشعب بعد خلاصهم من الخرافات. كما تحدّث عن العصر القادم الذي تظهر فيه مجالات جديدة من العلوم والمعارف والذي فيه تكون المعرفة حتـى عنـد الشبـاب متفوقة على العلوم التي كانت معاصرة في زمنه([13]).

 

        أمّا التعاليم الاجتماعية لحضرة الباب فكانت أكثر إثارة للاهتمام

 

من مواضيع الألوهية المركزة والتي هي من الاختلافات الهامة بين المسيحية والإسلام. إنَّ الإسلام يرّكز على أنَّ الدين هو وسيلة لتنظيم المجتمع. وقد تصور القرآن الكريم تأسيس مجتمع إسلامي كامل واتخذ الرسول محمد عليه السلام أول خطوة عندما قام بتأسيس أول دولة إسلامية في المدينة المنورة. ولهذا ليس عجيبًا أن يبدأ التقويم المسيحي مع ميلاد المسيح ويبدأ التقويم الإسلامي اعتبارًا من هجرة الرسول الأعظم وتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة. وبعيدًا عن مبدأ “ما لقيصر لقيصر وما لله لله” فإنَّ التعاليم الإسلامية تحتوي على مجموعة كبيرة من التوجيهات الأخلاقية الخاصة بطريقة إدارة الدولة للشئون الإنسانية.  والمسلمون الشيعة كانوا يتوقعون أنَّ الإمام المهدي عندما يظهر يقوم بفتح الطريق لنجاة البشر ويؤكد على مفهوم “دعوة الجنس البشري إلى الصلاح والتقوى”.

 

        من هذا المنطلق والمفهوم الإسلامي يجب فهم رسالة حضرة الباب. إنَّ عقول وقلوب الذين خاطبهم آنذاك كانت مغلقة، وفي عالم فكري محدود لا يختلف كثيرًا عن القرون الوسطى بل كانت في ظلام وعزلة ولكنها مؤمنة بالقضاء والقدر([14]). إن الأسلوب الذي اتخذه حضرة الباب للقضاء على هذه المشكلة هو إيجاد مفهوم المجتمع الجديد القادر على الاحتفاظ على عناصر كبيرة من الأصول الثقافية والدينية السائدة والمتعارف عليها لدى أتباع حضرة الباب، والتي أثبتت الأحداث أنَّها قادرة على إبراز حركة جديدة وقوية. دعا حضرة الباب

 

شاه إيران والشعب الإيراني إلى أتباعه في تأسيس هذا المجتمع الجديد. ففي خلال فترة دعوته القصيرة جاء بسلسلة من الأحكام الخاصة بالسلوك العام وأيضًا لحفظ السلام والنظام العام ولتوجيه الأنشطة الاقتصادية ووضع نظامًا لمؤسسات اجتماعية مثل الزواج والطلاق والميراث، ووضّح العلاقة بين الجامعة البابية والأمم الأخرى. وأيضًا جاء بالدعاء والمناجاة والمبادئ الأخلاقية والتوجيه المعنوي لأفراده المؤمنين. هذه المبادئ والأحكام وصفها أحد المؤرخين البهائيين بأنَّها كانت عمدًا صارمة ومعقدة وشديدة هدفها إحداث صدع في المعتقدات الإسلامية للمؤمنين من أجل إعدادهم ليلعبوا دورًا هامًا في تاريخ الجنس البشري.

 

        هذا الأمر كان الموضوع الذي ذكر في كل فصل من كتاب البيان وكان يهدف إلى إيجاد التغيير الروحاني والاجتماعي لبلاد فارس. أعلن حضرة الباب أنَّ الهدف الأساسي لدعوته هو الإعداد لظهور مبعوث سماوي عالمي وأشار إلى هذا الموعود بأنه “من يظهره الله”. يعتبر حضرة الباب رسولاً سماويًا مستقلاً في حد ذاته وعلى مصاف الأنبياء والمرسلين العظام مثل موسى وعيسى ومحمد ومبشرًا بالذي ينتظره جميع أديان العالم. إنَّ كلمة “باب” لها مفهوم أعظم فـي الظهور الجديـد من مفهومهـا في الإسلام. إنَّ حضرة الباب كان “البوابة” أو “الباب” لظهور مظهر إلهي تنتشر دعوته في شتى بقاع الأرض.

 

        هناك فقرات متعددة من كتاب البيان وكتابات أخرى لحضرة الباب تتحدث بإسهاب عن هذا الموضوع الرئيسي. هذه الفقرات تبيّن بوضوح بأنَّ حضرة الباب رأى في دورة دعوته أنَّها فترة انتقالية بحتة. وعندما يظهر الشخص الموعود فإنَّه سوف يأتي بالتعاليم الخاصة

 

بالعصر القادم وهو الذي سيقرر الأمور التي يجب أن تنسخ من الدورة البابية:

 

“إنَّ ألف آية من آيات البيان لا تعادل آية واحدة نازلة من “من يظهره الله”… اليوم البيان في مرحلة البذرة وفي بداية ظهور”من يظهره الله” وإنَّ تجلّيه الكامل سيصبح واضحًا… وإنَّ البيان يأخذ جلاله من “من يظهر الله”([15]).

 

        لم يشر حضرة الباب في أحاديثه إلى ميقات ظهور الموعود المنتظر ولكنه أشار بأنَّ ذلك قريب الوقوع وقد بشَّرَ كثير من أتباعه أنَّهم سوف يشاهدون من يظهره الله بأمّ أعينهم وأنَّهم سيفتخرون بخدمته. أشار كتاب البيان وبعض الكتابات الأخرى إلى اصطلاح مرموز وهو “سنة التسع” و” سنة التاسع عشر”، وفوق ذلك أعلن حضرة الباب بأنَّه لا يمكن لأي شخص أن يدعي زورًا بأنَّه “من يظهر الله” وينجح في دعوته. كما أمر أتباعه بعدم اعتراض أي شخص يدعي هذا المقام بل أن يجنحوا إلى السلم حتى يتم الله إرادته. فمثلاً كتب حضرته إلى جناب “وحيد” الصحابي الجليل والمخلص ما يلي:

 

        “فو الذي فلق الحبة و برا النسمة لو أيقنت بأنَّك يوم ظهوره لا تؤمن به لأرفعت عنك حكم الإيمان… ولو علمت أن أحد من النصارى يؤمن به لجعلته قرة عيناي وحكمت عليه في ذلك الظهور بالإيمان من دون أن أشهد عليه من شيء”([16]).

 

        وعلى ذلك إذا كان مقدرًا للحكومة البابية أن تبرز إلى حيز الوجود فعليها أن تكون في المقام الأول مروِّجة وموالية لرسالة من يظهره الله وعاملة على تسريع انتشار دعوته في شتى بقاع العالم. إنَّ استشهاد حضرة الباب وغالبية أتباعه المقربين مع قتل الألوف من مريديه أجهضت هذه الرؤية قبل ولادتها. وفي الواقع في عام 1852م أضحت دعوة الباب وكأنَّها منيت بانتكاسة واقتربت عقيدته من حافة السقوط([17]).

 

الفصل الثالث

حضرة بهاء الله

 

        إنَّه أبرز شخصية نبيلة مرموقة في قيادة البابيين حفظتها يد القدرة الإلهية من سيل المذابح التي ارتكبت خلال الأعوام 1848 – 1853م وهو الميرزا حسين علي(1). عائلته من طبقة الأعيان من العائلات الفارسية القديمة والعريقة المالكة لأراض واسعة وعقارات متعددة في منطقة نور من إقليم مازندران(2). يعتبر الميرزا حسين علي أحد أوائل المؤمنين بدعوة الباب بعدما تسلَّم عام 1844م وفي منزل عائلته في طهران، رسالة من حضرته حملها له الملا حسين. ومما رواه الملا حسين أصبح واضحًا بأنَّ إبلاغ الأمر للميرزا حسين علي جاء بناءً على

 

تعليمات خاصة من حضرة الباب. وفي واقع الأمر فإنَّ الباب كان قد أجَّل رحلته إلى مكة المكرمة، والتي أعلن هناك دعوته للمرة الأولى، إلى حين استلامه رسالة الملا حسين يخبره فيها عن نتيجة لقائه مع الميرزا حسين علي. آمن بالدين الجديد أربعة أخوة للميرزا حسين علي بما فيهم أخ غير شقيق أصغر سنًّا يدعى الميرزا يحيى. ونظرًا لأنَّ غالبية أتباع حضرة الباب جاءوا من طبقات رجال الدين والتجار والقرويين فإنَّ إيمان بعض أفراد عائلة مؤثرة من طبقة الحكام يعتبر تطورًا هامًا له مغزاه.

 

        خلال الثلاث إلى الأربع سنوات الأولى من إيمان الميرزا حسين علي الذي أصبح فيها مبلغًا نشطًا للدين الجديد عملت مكانته الاجتماعية على حمايته ضد الهجوم عليه إلى حد ما. كما أنَّ سمعته الطيبة وشخصيته المحترمة ونزاهته في الأوساط الحكومية، التي كانت الرشوة منتشرة فيها وأصبحت عرفًا، كانت السبب في حفظه وحمايته.

 

        شغل أفراد أسرته مناصب سياسية هامة في الدولة لعدة أجيال. فقد كان والده الميرزا عباس وزير دولة لشئون منطقة مازندران. ولد الميرزا حسين علي في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1817م ولم يتجاوز عمره الثانية والعشرين عندما توفى والده عام 1839م وقد عرضت عليه وظيفة والده في الحكومة ولكنه رفضها رغم أنَّها كانت مغرية ماليًا مما أثار دهشة وتعجب عائلته والمنتسبين له. ولكن بدلاً من ذلك قضى السنين التالية في إدارة أملاك العائلة وتدريب وتربية شبابها والمشاركة بشكل واسع في الأعمال الخيرية مما حدا بأهالي المنطقة أن يدعوه “أبو الفقراء”.

 

        ومنذ أن أصبح الميرزا حسين علي أحد أتباع حضرة الباب، وعمره

 

سبع وعشرون سنة نذر جلّ طاقته لخدمة هذا الأمر المبارك اليافع الذي بدأ يواجه أولى حملات الاضطهاد والمعاناة. وعليه، قام الميرزا حسين علي بأسفاره الواسعة ونجح في إيمان العديد من النفوس المقتدرة والنافذة بما فيهم عدد من أقربائه وعائلته، كما مد يد العون المالي إلى العديد من الأنشطة التبليغية للبابيين في مناطق متفرقة من البلاد.

 

        ومنذ بداية إيمان الميرزا حسين علي شرع بمراسلة حضرة الباب وقد استمرت هذه المراسلة حتى استشهاد الباب في عام 1850م. وبهذه المراسلة ومن علاقته الحميمة مع رواد الدعوة البابية أمثال وحيد والقدوس والملا حسين والطاهرة أخذت النظرة إليه تتزايد بين الأتباع على أنَّه المرشد والموجِّه لهم في فهمهم لتعاليم الديانة البابية. إنَّ تأثير الميرزا حسين علي كزعيم بابي بلغ ذروته في مؤتمر بدشت عام 1848م عندما قام بالإعداد له شخصيًا وتوجيهه بصورة غير مباشرة. وقد أظهر المؤتمر بصورة مثيرة طبيعة تعاليم حضرة الباب التي تدعو إلى التغيير الكامل(1).

 

        فإلى جانب الإقرار باليوم الإلهي الجديد الذي بزغ نور فجره، هناك أمر هام أخذ نصيبه من مؤتمر بدشت وكانت له أهميته ومغزاه بإقدام الميرزا حسين علي على منح كل من حضر المؤتمر من الواحد والثمانين شخصًا لقبًا جديدًا يتعلق بالصفات الروحانية التي كان يتحلى بها صاحبه. وفي نفس المكان، أي بدشت، منحت قرة العين الشاعرة العظمية من منطقة قزوين لقب الطاهرة، وهذا اللقب أسكت الذين

 

اعترضوا على ظهورها في ذلك المؤتمر دون حجاب أو نقاب. أما الميرزا حسين علي فقد اختار لنفسه لقب البهاء. بعد انتهاء المؤتمر بفترة وجيزة صادق ووافق حضرة الباب على جميع الألقاب التي أعطيت للمشاركين في ذلك المؤتمر التاريخي حيث جاءت هذه الموافقة في رسائل بعث بها حضرته إلى المشاركين والتي فيها دعاهم بالألقاب التي منحت لهم من قبل الميرزا حسين علي في المؤتمر. وإلى الميرزا حسين علي أرسل الباب توقيعًا فريدًا من نوعه كتبه على شكل نجمة تحتوى على أكثر من ثلاثمائة آية مختصرة من مشتقات كلمة “بهاء” بما فيها كلمة “بهاء الله”.

 

        يعتبر فن الخط من المهارات الثقافية العالية عند أهل الثقافة والعلم في بلاد فارس كما أنَّ تلك المخطوطة اعتبرت تحفة فنية رائعة ولا يمكن لأي خطاط محترف أن يكتب في مثل ذلك “الجمال والتعقيد”. كما قال أحد الكتاب “إنَّها تبدو من على بعد وكأنَّها حبـر منتشر على ورق”. ومنذ ذلك الوقت عرف الميرزا حسين علي بين البابيين وفي التاريخ باسم بهاء الله.

 

        ارتفعت موجة جديدة من العنف نتيجة لمؤتمر بدشت كما أنَّ آثار هذا المؤتمر خلقت وضعًا كانت نتيجته هو الاعتداء على كل مؤمن بهذا الدين الجديد. وعندما تدخّل حضرة بهاء الله لحماية الطاهرة وبعض اتباعها الذين ألقي القبض عليهم بعد المؤتمر تمَّ القبض على حضرته وزجّ به في السجن ثمَّ ضرب بالفلقة. وبعد فترة من الزمن عانى حضرته نفس الظلم والأذى عندما أُلقي القبض عليه أثناء طريقه للقاء جناب القدوس والملا حسين في قلعة الشيخ طبرسي. ولكن عندما كان حرًّا بذل جهدًا كبيرًا في إقناع الأصدقاء والأقارب الذين هم في

 

السلطة (الذين اعترضوا على أنشطته) بأنَّ البابيين هم أناس مسالمون ومطيعون للقوانين.  حذر حضرة بهاء الله رجال السلطة بأنَّهم إن لم يبادروا في تحمل مسئولياتهم في وقف الأذى والاضطهاد الذي يمارسه رجال الدين ضد البابيين فإنَّ الدولة ستدخل في دوامة العنف والفوضى وسيختل النظام العام.

 

        وبعد محاولة اغتيال الشاه التي قام بها شابان بابيان في صيف عام 1852م ثبت أنَّ هذا التحذير كان صحيحًا وفي محلِّه. فقد ألقي القبض على حضرة بهاء الله وعلى بعض رواد البابية وأُخذوا إلى طهران ووضعوا فـي سجن مظلم شنيع يعرف “بسياه چال” أي النفق الأسود. وقد وصف بأنَّه “الزنزانة المظلمة والحفرة الكريهة التي كانت يومًا ما مخزنًا لمياه حمام عام بطهران” (1).

 

        قضى حضرة بهاء الله أربعة أشهر في سجن سياه چال ثارت خلالها موجة شديدة من العنف والاضطهاد ضد البابيين في شتى بقاع بلاد فارس. أما السجناء في سياه چال فكان يهددهم الموت الحتمي. ففي كل يوم كان يأتي الجلادون وينزلون إلى داخل السجن ويختارون أحد الأفراد لإعدامه. وفي بعض الحالات يقومون بوضع قطعة من الخشب داخل فم الضحية وبواسطة المطرقة يتم إدخالها حتى حنجرته، وقد يُلقى بجسد الميت داخل السجن لعدة ساعات بل لعدة أيام بعد أن يربطوه بأولئك الذين مازالوا أحياء داخل السجن.

 

         من بين ضحايا سجن سياه چال الذين خلد التاريخ البهائي اسمهم شاب اسمه سليمان خان، وهو أحد فرسان الحرس الملكي سابقًا.

 

 

حيث قام سابقًا بإنقاذ رفات حضرة الباب بعد إعدامه ووضعه على حافة خندق في مدينة تبريز مخاطرًا في ذلك بحياته. وعندما حان دور إعدامه حفر الجلادون في جسمه بالسكاكين الحادة عدة حفر ووضعوا في كل حفرة شمعة مضيئة. وبهذا الشكل سحب في الشوارع متوجهًا نحو مصيره المحتوم. إنَّ عرض هذا الأسلوب في التعذيب والقتل يعتبر جزءًا من عادات الفرس الذين يهتمون بشكل ومظاهر الأمور، وإنَّها لشهادة على امتزاج المشاعر الروحانية بالاحساسات الرقيقة الإنسانية بأن جعل سليمان خان يسير في شوارع طهران وهو على هذه الحالة مبتسمًا للناس ويقرأ أبياتًا من الشعر لشعراء فرس عظام. وعندما سئل لماذا لا ترقص إن كنت سعيدًا لهذه الدرجة؟ قام سليمان خان بالاستدارة حول نفسه وهو يرقص بكل عظمة وجلال كما يفعل أهل الصوفية على الطريقة المولوية.

 

        هذه المشاهد الدرامية المهّيجة حول الموت شدّت إليها حفيظة خيال العلماء والفنانين في الغرب وعلى اختلافهم أمثال: كونت دو غوبينو، سارا برنارد، لوي تولستوي، وأرنست رنان فأسَرَ مشاعرهم ذلك التاريخ المفجع الدامي لحضرة الباب وأصحابه الأبطال. تعرف إدوارد براون على هذه الروايات والأمر البابي لأول مرة من خلال مؤلفات كونت دو غوبينو ومن ثمَّ كرَّس جزءًا كبيرًا من حياته لدراسة الدين البابي والبهائي. وصف براون هؤلاء الشهداء الشباب بما يلي:

 

        “إنَّ حياة هؤلاء النفوس ومماتهم يعني بأنَّ آمالهم لا تحبط وعشقهم لا يفتر وثبوتهم لن يتزعزع وهي سمات لهذه الدعوة الرائعة التي لها ميزاتها الخاصة. وبغض النظر عما يمكن أن تحمله هذه العقيدة التي ضحى من أجلها المئات من الناس فإنَّهم وجدوا شيئًا جعلهم مستعدين
لترك جميع ما في السموات والأرض وأن يسيروا تحت أشعة الشمس والمطر حفاة عراة بأمر جلاديهم ثمَّ ينظروا ويشاهدوا ما أتت به سنوات عمرهم. إنَّه ليس أمرًا هينًا أن يطيق الإنسان ما تحملته تلك النفوس وبالتأكيد فإنَّ ما تنفق الروح لأجله جدير بالفهم والدراسة. سوف لن أتحدث عن النفوذ العظيم الذي سيتمتع به الدين البابي مستقبلاً على ما أعتقد، أو إلى الحياة الجديدة التي سيبعثها الدين في الشعوب الميتة، لأنَّه سواء نجحت هذه الدعوة أم لم تنجح فأنَّ البسالة الفذة للشهداء البابيين أمر أبدي ولا يمكن محوه… ولكن ما لم استطع نقله لكم هو شغف ووله هذه النفوس ونفوذهم الذي لا يوصف وصفاتهم الأخرى المؤثرة على أي شخص يقابلهم فعلاً. وعليكم أن تأخذوا بكلمتي…”([18]).

 

        نجا حضرة بهاء الله بأعجوبة من سلسلة الاضطهادات الشديدة التي تعرض لها البابيون، ولم ترغب السلطات الحكومية في أن تفرج عنه لأنَّها كانت على علم بالدور الهام والمؤثر الذي يؤديه في الجامعة البابية. ونظرًا للوضع الاجتماعي لعائلة حضرة بهاء الله والتدخل الشخصي للسفير الروسـي الأمير دولكروكوف يصبح من غير الحكمة إعدامه دون محاكمة. ولكن المحاكمة كانت مستحيلة حيث اعترف الذين حاولوا اغتيال الشاه أثناء محاكمتهم، وبحضور مندوب عن الحكومة الروسية، بأنَّ رموز الحركة البابية بما فيهم حضرة بهاء الله بريئون من الاشتراك في هذه المحاولة([19]).

 

          استطاع أخيرًا رئيس الوزراء الجديد، الذي كان من أقرباء حضرة بهاء الله، أن يقنع أعضاء العائلة الحاكمة بعدم التعرض لحضرته رغم أنَّهم كانوا يرغبون في إعدامه وأنَّه من الأفضل نفيه من بلاد فارس([20]) ولكن قبل أن يعلن ذلك صادر الشاه أملاك حضرة بهاء الله ونهب منزله في طهران وسوِّيت قريته بالأرض كما أن أعماله الفنية والخطية وقعت في أيدي رجال الدولة (بما فيهم رئيس الوزراء نفسه).

 

        وهو على حال كهذه، ومجرد من ممتلكاته تمامًا وواهن الجسم من قسوة السجن والأذى في سجن سياه چال، نفي حضرته من وطنه دون محاكمة أو مساعدة. والذين قابلوه تملكتهم الدهشة من ثقته العالية وقدرته رغم كل ما عاناه من آلام ومصائب. وفي الواقع ففي سجن سياه چال المظلم هذا وقع أهم حدث في تاريخ البابية والبهائية. فقد نزل الوحي الإلهي على حضرة بهاء الله وعرَّفه بأنه “من يظهره الله”. وصف حضرته نزول هذا الوحي في ذلك السجن في أحد الألواح بما يلي:

 

        “وفي ذات ليلة أصغيت إلى هذه الكلمة العليا في عالم الرؤيا من جميع الجهات، إننا ننصرك بك وبقلمك لا تحزن عما ورد عليك ولا تخف إنَّك من الآمنين سوف يبعث الله كنوز الأرض وهم رجال

 

ينصرونك بك وباسمك الذي به أحيى الله أفئدة العارفين…” وبالرغم من أنَّ النوم كان عزيز المنال من وطأة السلاسل والروائح المنتنة حين كنت رهين سجن أرض الطاء (طهران) ألا إنني كنت في هجعاتي اليسيرة أحس كأنَّ شيئا ما يتدفق من أعلى رأسي وينحدر على صدري كأنَّه النهر العظيم ينحدر من قلة جبل باذخ رفيع إلى الأرض فتلتهب جميع الأعضاء لذلك.  في ذلك الحين كان اللسان يرّتل ما لا يقوى على الإصغاء إليه أحد”(1).

 

        وعليه فإنَّ ظهور حضرة بهاء الله هو الهدف من الدور البابي والحقيقة الساطعة للذين آمنوا بحضرة الباب. هناك شواهد عدَّة بأنَّ حضرة الباب منذ البداية اعتبر ظهوره بأنَّه الطريق إلى ظهور حضرة بهاء الله. وقد أشار إلى ذلك إلى بعـض أصحابه وذكر في فقرة من كتابـه “البيان”:

 

        “طوبى لمن ينظر إلى نظم بهاء الله ويشكر ربه فإنَّه يظهـر ولا مرّد له من عند الله في البيان”(2).

 

        بعدما قضى حضرة بهاء الله أربعة أشهر في سجن سياه چال أفرج عنه بنفس الطريقة العشوائية التي زج به في السجن. وقد تمَّ إبلاغ حضرته بأنَّه طبقًا لأمر الشاه الرسمي يجب أبعاده مع عائلته مع من يرغب في الانضمام إليهم. ومن الأهمية بمكان أن نعلم أنَّه لم يختر تلك المناسبة للإعلان عن رسالته لأصحابه. كما عرض عليه اللجوء إلى روسيا ولكنه اختار مدينة بغداد التي تقع اليوم في العراق، وكانت آنذاك في إقليم تابع للحكومة العثمانية.  وبالتدريج وخلال ثلاث

 

سنوات التفت حوله مجموعة من البابيين بالإضافة إلى أعضاء من عائلته الذين رافقوه إلى المنفى. من ضمن أعضاء عائلته الذين جاءوا إلى العراق بعد فترة قصيرة من وصول حضرته أخوه غير الشقيق ميرزا يحيى حيث وصل إلى العراق متنكرًا لينضم إلى العائلة في عام 1853م. وكان هذا الشقيـق فيما بعد مصدر مصاعب ومعارضة جديدة برزت أمام حضرة بهاء الله بشكل غير متوقع.

 

        إنَّ قصة الميرزا يحيى نرى فيها صنوف النفاق والخداع وتثير مشاعر الحزن والشفقة في آن واحد. فقد كانت أعماله تهديدًا مؤلمًا لرسالة بهاء الله واستمر تأثيرها يشعل نار الهجوم على الجامعة البهائية حتى يومنا هذا.

 

        كان الميرزا يحيى يصغر حضرة بهاء الله بثلاث عشرة سنة، فاعتنى حضرته بتربيته. ونظرًا لبراعته في الخط فقد عمل كسكرتير شخصي لحضرة بهاء الله. وقد وصفه من عرفه من الناس بأنَّه إنسان جبان وسريع التأثر ويميل بسهولة للشخصيات القوية. انضم الميرزا يحيى إلى شقيقه بكل شغف في الإيمان بالدين البابي كما صاحب حضرة بهاء الله في بعض رحلاته الأوليّة.

 

        كان الميرزا يحيى لطيف المعشر في طبيعته سهل الحديث ونظرًا لقرابته لحضرة بهاء الله ولموقع عائلته الاجتماعية فقد كان محل احترام البابيين. وفي نفس الوقت الذي انعقد فيه مؤتمر بدشت كتب حضرة الباب رسالة بالتشاور مع حضرة بهاء الله وأحد رواد الحركة البابية يرشح فيها الميرزا يحيى رئيسًا شكليًا للبابيين بعد وفاة حضرته. وإذا تأملنا الأحداث الماضية يبدو واضحًا بأنَّ هدف هذا الترشيح هو توفير قناة يستطيع حضرة بهاء الله بواسطتها أن يستمر في إدارة شئون

 

الدين الجديد متجّنبًا كل خطر يحوم حول ذلك التعيين الجديد وموفرًا له الحماية لمقامه العظيم الذي أحرزه([21]). وما أن عين الميرزا يحيى لهذا المنصب الشكلي حتى تعرض لأخطار شخصية بسيطـة فكان أن انعزل في أغلب الأوقات مقيمًا في أملاك العائلـة في الشمال، إلاّ أنَّه غادرها هاربًا عندما وصلت المشاكل والأحداث إلى تلك المنطقة(2).

 

        وما كادت المجموعة المبعدة في العراق أن تستقر بعد حتى انجرف الميرزا يحيى بأفكار طالب علوم دينية يدعى سيد محمد. هذا الأخير الذي يبدو أنَّه أراد أن يكون مرجعًا دينيًا للبابيين، عمل على تحريض الميرزا يحيى على أن يخرج على وصاية أخيه الأكبر ويأخذ زعامة الدين البابي لنفسه(3). تردد الميرزا يحيى في قبول هذا الأمر لفترة من الزمن ولكنَّه أخيرًا انصاع واستطاع أن يفصل نفسه عن حضرة بهاء الله مدَّعيًا لنفسه حق خلافة حضرة الباب الشهيد.

 

        إنَّ رد فعل حضرة بهاء الله لما قام به أخوه يعكـس لنا نفاذ بصيـرته المتأصلة في شخصيته. فبدلاً من أن يخوض خلافًا مع أخيه حول هذا الموضوع، والذي قد يؤثر سلبًا على وحدة الجامعة البابية وكيانها والتي كانت ضعيفة آنذاك، فقد اختار حضرة بهاء الله لنفسه أن يترك كل ذلك وأن يغادر إلى جبال السليمانية قرب منطقة كردستان دون سابق إنذار. ولمدة سنتين انعزل لنفسه في هذه الجبال ولم يتصل بالبابيين. فهذا النفي الذي فرضه على نفسه إلى فيافي كردستان يذكرنا

 

بما حدث لحياة مؤسسي الأديان العظيمة. وكما بدا واضحًا بعد ذلك فإنَّ هذه الفترة كانت له فترة إبداع وعطاء. فقد أخذت دعوته تأخذ شكلاً محددًا وواضحًا في بصيرته وقد تجلى ذلك في الأدعية والمناجاة والأشعار التي نزلت من يراعه خلال أشهر البعد ومازالت بعض هذه الآثار المباركة موجودة بلغتها الأصلية الفارسية، وفيها بعض التلميحات حول رسالته للعالم.

 

        عندما كان حضرة بهاء الله في جبال السليمانية تركت أمور البابيين في يد الميرزا يحيى الذي كان يساعده معلمه الناصح سيد محمد، مما نتج عن ذلك فوضى واضطراب في الجامعة البابية المنفية. وخلال أقل من أربعة وعشرين شهرًا ادَّعت بعض النفوس الضعيفة اليائسة مقامات ومناصب متعددة وحاولت جاهدة اغتصاب رئاسة البابيين. أمَّا الميرزا يحيى فقد انعزل بعيدًا تاركًا سيد محمد ليجيب عن الأسئلة الدينية التي كانت تثار قدر استطاعته. إنَّ ذلك اللهاث وراء القيادة قد أظهر عدم كفاءته لمنصب تاق له بشدة، وهو درس وعاه أغلب الاتباع البابيين.

 

        ومع تدهور الأوضاع بسرعة سعى بعض المنفيين جاهدين إلى معرفة مكان حضرة بهاء الله حتى يرجونه في الرجوع. وأخيرًا استطاع أحد الأحباء المخلصين أن يعرف مكان حضرته وذلك نتيجة الإشاعات التي سمعها حول وجود شخص جليل مقدس يعيش في الجبال.  وحتى الميرزا يحيى انضم إلى باقي أفراد العائلة وباقي البابيين في الطلب من حضرة بهاء الله بالعودة لتولي زمام هداية وتوجيه الجامعة. وفي التاسع عشر من شهر مارس (آذار) من عام 1856م رجـع حضرته إلى بغداد.

 

        شهدت السنوات السبع التالية تغييرًا كبيرًا في مقدرات الجامعة

 

البابية حيث استطاع حضرة بهاء الله من خلال القدوة الحسنة والتشجيع والانضباط الشديدين، من حمل البابيين على التمسك بالمبادئ الأخلاقية والروحانية التي كانت سائدة في زمن حضرة الباب. أمَّا الميرزا يحيى فقد استمر في انزوائه، وذاع صيت حضرة بهاء الله في بغداد والمناطق المحيطة بها باعتباره معلمًا روحيًا، فزاره الأمراء والعلماء ورجال الدين والمسئولون في الحكومة وأيضًا وعدد كبير من رجال مشهورين في بلاد فارس.

 

        وفي بغداد كتب حضرة بهاء الله “كتاب الإيقان” الذي استعرض فيه الخطة الشاملة الإلهية لخلاص البشرية. يحتوي هذا الكتاب على تعاليم حضرته الخاصة بطبيعة الألوهية ووظيفة مظاهر الظهـور ومطالع الوحي والتكامل الروحي للجنس البشـري وينتهي بإثبات أحقية دعوته. واعتبر كتاب الإيقان فيما بعد أحد الآثار الهامة والمؤثرة لحضرة بهاء الله وقاعدة للأعمال الهادفة إلى نشر العديد من المبادئ والمفاهيم البهائية.

 

        ومع تعاظم نفوذ حضرة بهاء الله تزايد الخوف والشك في مخيلة شاه إيران وحكومته والذي انتقل هذا الخوف بدوره إلى الحكومة العثمانية. ثمَّ فجأة ودون سابق إنذار، وفي شهر أبريل (نيسان) من عام 1863م، تمَّ إبلاغ حضرة بهاء الله بأنَّه طبقًا لطلب من الحكومة الإيرانية يجب إبعاد المنفيين عن حدود موطنهم الأصلي، ولهذا عليهم أن يغادروا إلى مدينة القسطنطينية (إستنبول حاليًا) للإقامة فيها.

 

        وبينما كان حضرة بهاء الله يعد نفسه للرحيل انتقل بصورة مؤقتة للسكن في حديقة تقع في جزيرة على ضفة نهر دجلة والتي سماها “بحديقة الرضوان”. وفيها أعلن إلى بعض اتباعه القلائل بأنَّه “من

 

يظهره الله” وأنَّه المبعوث السماوي العالمي الذي وعد بظهوره حضرة الباب وأشير إليه في متون الكتب المقدسة السالفة. أشار التاريخ البهائي إلى حوادث سجن سياه چال في طهران بأنَّها بداية لبزوغ شمس دعوته. وفي حديقة الرضوان أعلنت دعوته بكل وضوح للآخرين وبذلك تغير التاريخ البابي إلى الأبد. هذا الحدث يحتفل به البهائيون في شتى بقاع العالم اليوم باعتباره “سلطان الأعياد” أمَّا آثار ونفوذ هذا الإعلان فيمكن الإحساس به بعد الإعلان العلني لدعوته بأربع سنوات(1).

 

        وصل موكب حضرة بهاء الله إلى عاصمة الدولة العثمانية يوم 16 أغسطس (آب) من عام 1863م بعد رحلة استغرقت ثلاثة أشهر حيث أقام فيها مدة قصيرة من الزمن. أما العلاقات بين الخليفة العثماني وشاه إيران فقد توترت نتيجة للحروب القصيرة والخدع المستمرة والتجاوزات الحدودية الدائمة. وقد خاف شاه إيران من أن يكون البابيون المنفيون أداة في يد السياسة التركية نتيجة لوجود اتصالات لهم في إيران، ولهذا تحفظت الحكومة الإيرانية من إمكانية استقرار هؤلاء المنفيين في عاصمة الخلافة العثمانية. وعليه بدأ السفير الإيراني ميرزا حسين خان بممارسة الضغوط على السلطات التركية لإبعاد البابيين إلى منطقة أبعد من أراضي الإمبراطورية(2). كما ضاعف

 

ضغوطه مع التحذير بأنَّ البابيين هم أعداء للأنظمة القائمة وخطر يهدد مجتمعًا مختلطًا وغير مستقر مثل الإمبراطورية العثمانية. وقد نجح في مسعاه حيث قامت الحكومة العثمانية في أوائل شهر ديسمبر عام 1863م بنفي حضرة بهاء الله وعائلته ومرافقيه بصورة مفاجئة ودون سابق إنذار إلى مدينة أدرنة التي تقع في الجزء الأوربي من تركيا.

 

        وفي أدرنة بدأت مرحلة جديدة من التاريخ البهائي. فالشخصية المؤثرة لبهاء الله التي جذبت العديد من زائريه والتغيير الكبير الذي أوجده بين أتباعه في بغداد والمراسلات الواسعة والنفوذ الكبير الذي كان لحضرته مع الجالية البابية المضطهدة في بلاد فارس، أدى إلى أنْ يكون حضرته محورًا رئيسيًا للدين البابي. كما أنَّ إعلان دعوته في حديقة الرضوان كان يناقش بشكل علني بين البابيين. وما أن شعر حضرة بهاء الله بأنَّ الجامعة البابية قد وصلت إلى درجة عالية من التقبل حتى قرر بأنَّ الوقت قد حان لإعلان أمره بشكل عام.

 

        الخطوة الأولى في هذا الإعلان هو أن يتعرف الميرزا يحيى الوصي الشكلي للدعوة البابية على طبيعة دعوة حضرة بهاء الله. ولهذا أنزل حضرته “سورة الأمر”([22]) وفيها أعلن دعوته بأنَّه “من يظهره الله” وفيها دعا الميرزا يحيى أن يؤمن به ويؤيده تنفيذًا لما أمره به حضرة الباب بكل صراحة، إلاَّ أنَّ هذه الدعوة لم تستجب بأي حال. وبعد فترة قصيرة من وصول المنفيين إلى أدرنة بدأ الميرزا يحيى بمساعده وتشجيع سيد محمد يحيك المؤامرات والدسائس للاستيلاء على

 

المنصب الذي كان يدَّعي زورًا أنَّه فقده. وعندما فشل في ذلك حاول اغتيال شقيقه بهاء الله مرتين، وبعد فترة قصيرة من المحاولة الثانية للاغتيال تُلي على مسامعه إعلان حضرة بهاء الله.

 

        تردد الميرزا يحيى بعض الشيء ولكنه بعد ذلك فاجأ البابيين ادعائه بأنَّه مظهر الأمر السماوي الذي وعد حضرة الباب بظهوره. إنَّ رد الفعل هذا يوضح لنا بأنَّ جميع سلوكياته وتصرفاته السابقة كانت مصدرًا للاضطرابات والأزمات. أما البابيون في أدرنة فقد هجروا الميرزا يحيى وتركوه بين عشية وضحاها وحذت حذوهم غالبية البابيين في بلاد فارس والعراق بما فيهم بعض أعضاء عائلة حضرة الباب المؤمنين الذين ما زالوا أحياء فقد تركوا جميعًا الميرزا يحيى. يقدر المستشرق إدوارد براون عدد البابيين الذين تمسكوا بميرزا يحيى بين ثلاثة إلى أربعة بالمائة فقط أما الباقون فقد آمنوا بحضرة بهاء الله. ومنذ ذلك الحين أخذ البابيون يسمون أنفسهم “بالبهائيين” وظهر الدين البهائي دينًا بارزًا(1).

 

        بعد أن مكَّن حضرة بهاء الله أمره بين البابيين صب اهتمامه على نشر وترويج دينه.  ومنذ بداية شهر سبتمبر من عام 1867م بدأ بتحرير وتنزيل ألواح متعددة اعتبرت من الآثار الهامة والمميزة في تاريخ الأديان. بعضها كانت موجهة إلى جميع “ملوك وسلاطين الأرض” والبعض الآخر إلى ملوك وسلاطين معينين. في هذه الألواح والرسائل أعلن عن نفسه على أنَّه موعود التوراة، والإنجيل والقرآن ودعا الملوك إلى النهوض لنصرة دينه. احتوت هذه الرسائل على إنذارات مثيرة بأنَّ

 

العالم سيشهد في القرن التاسع عشر انقسامات ونزاعات كبيرة وهي بداية لميلاد حضارة عالمية، إنَّ الفكرة الأساسية للعصر الجديد هي وحدة جميع الجنس البشري.

 

        دعا حضرة بهاء الله بصورة خاصة قادة أوربا إلى تسخير جميع الإمكانيات لتحقيق الوحدة العالمية حيث قال:

 

        “لا بد من انعقاد مجمع كبير على بسيط الغبراء ويبحث الملوك والسلاطين فيه عن الصلح الأكبر وهو أن تتشبث الدول العظيمة بالسلام المتين من أجل رفاهية أهل العالم… ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم. في الحقيقة العالم وطن واحد وأهله سكان الأرض”(1).

 

        أكد حضرة بهاء الله في رسائله هذه بأنَّ الله سبحانه وتعالى حرَّك قوى تاريخية لا تستطيع أن تقف أمامها أية قوة بشرية. كما أخبر حكام العالم بأنَّ القدرة والسلطة التي منحها الله جل وعلا لهم هي من أجل تلبية احتياجات الجنس البشري وتأسيس السلام العالمي والعدل الاجتماعي والوحدة العالمية. أما الدول التي تحاول أن تستخدم قواها ضد عملية توحيد العالم الإنساني فإنَّها في الواقع تجلب الدمار والخراب لنفسها ولباقي الأمم والشعوب.

 

        بدأ الإعلان العام لدعوة حضرة بهاء الله بسلسلة من العواصف التي هبت عليه والتي مازال أثرها باقية حتى اليوم. فقد جاءت كرة

 

أخرى من الميرزا يحيى الذي برفضه دعوة أخيه يكون قد أنهى نفوذه بين أتباع حضرة الباب. قال الميرزا يحيى للبروفيسور إدوارد براون في وقت لاحق أنَّ المنفيين الآخرين قد هجروه أيضًا لدرجة أنَّه اضطر في إحدى المرات أن يذهب إلى السوق بنفسه لشراء طعام له. ومع ذلك مازال يحتفظ بدعم سيد محمد وشخصين منفيين آخرين في أدرنة. حاولت هذه المجموعة الصغيرة أن تحد من إقبال البابيين على أمر حضرة بهاء لله في مناطق عديدة من بلاد فارس والأراضي العثمانية، وقد أشارت ألواح حضرة بهاء لله الموجهة إلى الملوك والسلاطين إلى مواضيـع أساء هؤلاء الاستفادة منها.

 

        في تلك المرحلة من التاريخ كانت الدولة العثمانية تعاني من التفكك وعلى شفا الانهيار. فقد كانت هناك ضغوط شديدة بالانفصال من أقليات عديدة منتشرة في شتى أنحاء الإمبراطورية وبالأخص في المناطق الأوربية كما بدأت دول تستقل حديثًا مثل: اليونان، بلغاريا، صربيا ومونتيغرو. بذل الميرزا حسين خان السفير الإيراني في استنبول جهدًا كبيرًا في إقناع السلطات التركية بأنَّ البهائيين في المنفى يشكلون خطرًا سياسيًا ودينيًا عليهم. كما حاول الميرزا يحيى وسيد محمد بأن يصوروا بأنَّ ألواح ورسائل حضرة بهاء الله إلى الملوك والسلاطين لها جانب سياسي. كما أرسلت رسائل مجهولة إلى استنبول تحذر من مؤامرة سياسية. هذه الروايات كانت لها مصداقية لأنَّ الناس أخذت تتدفق من شتى أنحاء الإمبراطورية للقاء حضرة بهاء الله وحتى السلطات يبدو أنَّها قد تأثرت وخضعت لنفوذه وسلطانه(1).

 

وكان اضطهاد البابيين في مراحله الأولى عندما عرضت الحكومة البريطانية والروسية حماية حضرة بهاء لله مما أدى إلى تخوف الحكومة العثمانية من أنَّ ادعاءات الميرزا يحيى قد يكون لها بعض الوزن. ولهذا تقرر أن تحل مشكلة المبعدين نهائيًا وبصفة دائمة، فاصدر السلطان عبد العزيز فرمانًا سلطانيًا بنفي حضرة بهاء الله وأتباعه إلى مدينة عكاء في فلسطين ليكون سجنًا أبديًا له ومكانًا لمعاقبته. وفي صبيحة يوم 21 أغسطس (آب) من عام 1868م أبحر حضرة بهاء الله وحوالي سبعين إلى ثمانين شخصًا من عائلته وصحابته المخلصين من ميناء جاليبولي في سفينة بخارية. وبعد رحلة شاقة مدتها عشرة أيام بالبحر وتحت حراسة مشددة وصل إلى شاطئ مدينة عكاء ودخل قلعتها المهجورة من بابها البحري.

 

        ومن سخريات القدر أن يقع الميرزا يحيى وسيد محمد في الفخ الذي نصباه بأنفسهما.  فالحكومة العثمانية أخذتها الشكوك في الميرزا يحيى بأنَّه قد يكون ضليعًا في المؤامرة ولهذا تم نفيه ومعـه ثلاثة بهائيين إلى جزيرة قبرص على أمل أن يقوم هؤلاء الثلاثة بالحد من نشاطه([23]). أما سيد محمد وأحد أصحابه فقد نفيا مع المبعدين البهائيين

 

إلى مدينة عكاء للسبب نفسه.

 

        اختيرت مدينة عكاء على أمل أن لا يستطيع حضرة بهاء الله الاستمرار في العيش فيها.  وخلال الستينات من عام 1860م كان سجن المدينة مكانًا خرابًا ومحلاً لإيواء المجرمين من شتى أنحاء الإمبراطورية العثمانية وشوارعها مليئة بالمتاهات والأزقة ومكانًا كئيبًا ذا منازل مهجورة ومنهارة. كما تهب عليها الرياح وتضرب شاطئها أمواج البحر قاذفة بفضلات البحر الأبيض المتوسط إلى شواطئها مؤدية إلى خلق جوًا غير صحي، وقد قيل بأنَّ الطير الذي يحلق فوق عكاء فإنَّه سيقع ميتًا من عفونة الجو.

 

        تعتبر السنتان الأوليتان من سجن البهائيين في قلعة عكاء سنتين مليئتين بالصعـاب والحرمان. فمن إستنبول أصدر السفير الإيراني هناك عدة أوامر عيَّن بموجبها أحد مندوبي حكومته ليقيم في عكاء حتى يتأكد من أنَّ السلطات العثمانية تمارس الشدة اللازمة على المسجونين البهائيين. ونتيجة لهذه المعاملة القاسية توفي عدد من المسجونين ومنهم الميرزا مهدي وهو الولد الثاني لحضرة بهاء الله حيث لقي حتفه في حادث مأساوي نتيجة لظروف السجن الصعبة. وفي عام 1870م ظهرت بوادر انفراج عندما استدعت الحاجة إلى إخلاء قلعة عكاء نتيجة لتأزم الأوضاع بين الحكومة التركية والروسية، فنقل المسجونون إلى منازل مستأجرة والى بيوت أخرى في المنطقة.

 

        تدريجيًا وعلى الرغم من وجود تعصب لدى العامة أخذ نفوذ دعوة

 

 

 

 

          = بعض كتابات والده الأصلية إلى المستشرق إدوارد براون ولكن براون رفض الشراء نظرًا “للسعر المرتفع الذي طلبه…” من كتاب Materials لإدوارد براون ص 314 – 315

 

حضرة بهاء الله ينتشر كما انتشر سابقًا في بغداد وأدرنة. أما رجال الحكومة المتعاطفون مع حضرته فقد قللوا عدد الحراس عليه وبرزت أصوات نافذة تعبر عن إعجابها واهتمامها بالدعوة الجديدة. ألا أنَّ عاصفة جديدة هبّت، فقد قام سيد محمد ومعه اثنان من أتباعه بإشعال نار الفتنة بين عامة الناس نتيجة لعدم ارتياحهم من تحسن أوضاع المسجونين. فقد أثاروا الناس للهجوم على منزل حضرة بهاء الله على أمل القضاء عليه.

 

        كان التهديد الجديد بمثابة استفزاز كبير لبعض المنفيين الذين لم يستطيعوا أن يطيقوه.  فقد قرر سبعة منهم أن يعالجوا الموضوع بأنفسهم دون الانتباه إلى مبدأ عدم العنف والانقياد للإرادة الإلهية المشار إليها في الآثار المباركة. فبعد افتعال نزاع متعمد استطاع هؤلاء السبعة قتل سيد محمد واثنين من أتباعه.

 

        وحادثة كهذه كانت لها آثارها السلبية وبمثابة لطمة للدين الجديد أكثر مما فعله سيد محمد نفسه. فقد أضافت وقودًا لنار التهم التي كان المعرضون من علماء الدين الإسلامي يلصقونها بالبهائيين. وبالنسبة لحضرة بهاء الله كانت صدمة كبيرة فاقت كثيرًا ما عاناه حضرته في السجن لأنَّها أثرت على سمو وجلال تعاليمه وأحكامه. وجاء في لوح كتبه حضرته آنذاك ما يلي: “ليس ذلتي سجني لعمري إنَّه عزٌّ لي بل الذلة عمل أحبائي الذين ينسبون أنفسهم إلينا ويتبعون الشيطان في أعمالهم ألا إنَّهم من الخاسرين”(1).

 

        قامت محكمة مدنية بالتحقيق في هذا الأمر واستنتجت بأنَّ حضرة

 

بهاء الله وغالبية البهائيين في عكاء لم يكن لهم يد في انفجار هذا العنف، وتمت معاقبة المتهمين وحدهم ومن ثمَّ هدأت الأوضاع تدريجيًا. وفي نفس الوقت أنزل حضرة بهاء الله مجموعة من الألواح خاطب فيها ملوك وسلاطين الأرض آنذاك سبق أن نزل جزءًا منها في أدرنة. كما جاء في رسائل خاصة خاطب فيها ملوكًا وسلاطين معينين مثل: لويس نابليون، الملكة فكتوريا، قيصر روسيا ويلهلم الأول، ألكسندر الثاني، ناصر الدين شاه سلطان إيران، وكذلك إمبراطور النمسا فرانسوا جوزف والسلطان عبد العزيز الخليفة العثماني.

 

        في هذه الرسائل دعا حضرته الملوك والسلاطين إلى التعاون والتعاضد من أجل تأسيس منبر دولي يملك القدرة والصلاحية لحل النزاعات بين الأمم والشعوب. إنَّ هذه الحكومة العالمية الحديثة النشأة يجب أن تدعم بقوة دولية تشكلها الدول الأعضاء وتستخدمها في فرض حلول سلمية لجميع النزاعات والصراعات العالمية.

 

        كما احتوت تلك الرسائل أيضًا على شرح في كيفية إيجاد روح الوحدة والمحبة بين شعوب العالم. فمثلاً دعا حضرة بهاء الله إلى إيجاد لغة عالمية مساعدة فيقوم كل مجتمع بالحفاظ على هوية تراثه وثقافته الخاصة ولديه الإمكانية في الاتصال بباقي الأجناس والشعوب. كما أنَّ إيجاد نظام تعليمي إجباري يؤدي إلى الحد من الأميّة ونظام عالمي للمقاييس والأوزان يوفر مقياسًا عامًا لنظام اقتصادي دولي. ودعا أيضًا إلى تخفيض المصاريف العسكرية والاستفادة من الضرائب للرفاهية الاجتماعية. كما دعا حضرته الملوك إلى قبول مبادئ ديمقراطية معينة من أجل إدارة جيدة وسليمة لشئون بلادهم الداخلية.

 

        نظرًا لحبس المبعدين وعدم استطاعتهم الحركة كانت هذه الرسائل تُهرّب خارج السجن داخل ملابس الزوار. والقنصل الفرنسي قام شخصيًا بتسليم أول رسالة من حضرة بهاء الله إلى الإمبراطور لويس نابليون. هناك رسائل أو (ألواح) فيها العظمة والهيمنة نزلت إلى قادة الأديان في العالم بما فيهم البابا بيوس التاسع. وما تناولته هذه الألواح بشكل أساسي دعوة قادة الدين ورجاله إلى ترك أفكارهم ورغبتهم في المناصب الدنيوية والبحث والتحري بشكل جاد حول الدعوة التي جاء بها حضرة بهاء الله. كما أشارت الألواح إلى أنَّ رجال الدين كانوا أول من أنكروا واعترضوا ثمَّ اضطهدوا مؤسسي جميع الأديان في العالم.

 

        قد يكون لوح حضرة بهاء الله إلى البابا بيوس التاسع على الأخص محل اهتمام طلبة التاريخ في المدارس والمعاهد لأنَّها توضِّح ما يجب على البابا وخلفائه عمله وما ثبت بعد ذلك استحالة تجنبه. دعا حضرة بهاء الله البابا إلى التنازل عن أملاكه في الدولة البابوية إلى الحكومة العلمانية وأن يخرج من قصوره في الفاتيكان ليلتقي بقادة الأديان والمذاهب الأخرى وأن يلتقي أيضًا بالزعماء غير الكاثوليكيين في العالم ويدعوهم إلى السلام والعدل. وأن يبتعد عن المراسيم والشكليات الزائدة وأن يكون “كما كان مولاه”. وبالمثل دعا رجال الدين الكاثوليك إلى أن: “لا تعتكفوا في الكنائس والمعابد اخرجوا بإذني ثمَّ اشتغلوا بما تنتفع به أنفسكم وأنفس العباد كذلك يأمركم مالك يوم الدين. أن اعتكفوا في حصن حبي هذا حق الاعتكاف لو أنتم من العارفين… تزوجوا ليقوم بعدكم أحد مقامكم إنَّا منعناكم عن الخيانة لا عما تظهر به الأمانة أأخذتم أصول أنفسكم ونبذتم أصول الله وراءكم… إنَّ الذي ما تزوج إنَّه ما وجد مقرًّا ليسكن فيه أو يضع رأسه عليه بما

 

اكتسبت أيدي الخائنين ليس تقديس نفسه بما عرفتم وعندكم من الأوهام بل بما عندنا اسئلوا لتعرفوا مقامه الذي كان مقدسـًا عن ظنون من على الأرض كلها طوبى للعارفين”(1).

 

        لم يستجب ملوك العالم وقادته لألواح حضرة بهاء الله، ولكن ملكة بريطانيا الملكة فكتوريا كان لها رد فعل إذ قالت: “إذا كانت هذه الدعوة من لدى الحق تبارك وتعالى فإنَّها ستبقى من تلقاء نفسها. وإنْ لم تكن فإنَّها لا تؤذي”(2). (مترجم عن الإنجليزية)

 

        جذبت هذه الألواح مع مرور الزمن اهتمام الناس لأنَّها أشارت إلى التحقق الرائع لكل نبوءة وحدث تنبأ بوقوعه حضرة بهاء الله(3). فمثلاً أنذر الإمبراطور لويس نابليون الذي كان من أعظم قادة العالم قدرة ونفوذًا آنذاك بأنَّه سيسقط نتيجة لعدم خلوصه وسوء استخدامه لسلطته:

 

        “بما فعلت تختلف الأمور في مملكتك وتخرج الملك من كفك جزاء عملك… وتأخذ الزلازل كل القبائل هناك إلاَّ بأن تقوم على نصرة هذا الأمر وتتبع الروح في هذا السبيل المستقيم”(4).

 

        ولم تمضِ سنتان على نزول هذا اللوح حتى سقط الإمبراطور عن عرشه وفقد تاجه حيث هزم هزيمة نكراء غير متوقعة في سيدان ونفي

 

هو شخصيًا من وطنه([24]). ثمَّ أرسل حضرة بهاء الله رسالة إنذار إلى ويلهلم الأول، قيصر ألمانيا الموحدة، الذي انتصر على نابليون وفيها يحذره من الغرور وحبه للسلطة ويخبره عن “سيوف الجزاء” حيث قال تبارك ذكره:

 

        “يا شواطئ نهر الرين قد رأيناك مغطاة بالدماء بما سُلّ عليك سيوف الجزاء”. أرسل حضرة بهاء الله رسائل تحذيرية مشابهة إلى قيصر روسيا وإلى الإمبراطور فرانسوا جوزف إمبراطور النمسا وإلى شاه إيران.

 

        أما الرسائل التي أرسلها إلى الخليفة العثمانـي السلطان عبد العزيز ورئيس وزرائه عالي باشا، اللذين كان بيدهما حياة المسجونين في سجن عكاء، فقد اتصفتا بالإنذار الواضح والصريح. فقد تنبأت هذه الرسائل بموت عالي باشا وزميله فؤاد باشا وزير الخارجية وأيضًا تنبأت بفقد الحكومة العثمانية لجزء كبير من أراضيها في أوربا وأخيرًا سقوط السلطان عبد العزيز نفسه. ولاشك أن تحقق هذه النبوات والبشارات قد عزّز بشكل كبير موقف ومقام حضرة بهاء الله ورفع من شأنه ومنزلته([25]).

 

        إنَّ السنوات العشر التي تلت عام 1863م، وهي سنة إعلان دعوة حضرة بهاء الله، قد توجّت بإكمال نزول وإكمال كتاب هام يعتبره البهائيون اليوم أساس وجوهر رسالة حضرته، هذا الكتاب هو “الكتاب الأقدس”. يشير هذا الكتاب إلى تأسيس واستمرار السلطة التي دعا حضرة بهاء الله الجنس البشري لقبولها. يبدأ بتأكيد دعوته بأنَّه “ملك الملوك” وأنَّ رسالته جاءت لتأسيس ملكوت الله على بسيط الغبراء ومن ثمَّ يشير إلى موضوعين رئيسيين هما إعلان الأحكام والقوانين التي تهدف إلى تغيير النفس البشرية وهداية المجتمع الإنساني برمته وإلى تأسيس المؤسسات لإدارة شئون الجامعة التي تؤمن به. هناك بحث ومناقشة أكثر إسهابًا حول هذين الموضوعين يمكن الرجوع إليها في الفصلين السابع والثامن. يكفي الإشارة هنا بأنَّ أحكام الكتاب الأقدس جاءت لتحل محل الأحكام والقوانين الإسلامية التي لم ينسخها حضرة الباب، كما أنَّها نسخت بعض الأحكام الشديدة التي شرعها حضرة الباب. فقد أسقط حكم الجهاد ومنع حمل السلاح واستعماله أو أي نوع من النزاع والخصومة الدينية(1). أعلن الانفصال التام عن الإسلام وألغى ما جاء به حضرة الباب حول ترك البحوث الدينية ودعا البهائيين وشجعهم على الانفتاح على الحقيقة أينما كانت:

 

        “ألقى على عباد الله بطريقة لا يعترضوا على كلمات أحد وإنما عليهم أن يواجهوا هذه الكلمات والكتابات برجاحة عقل وشفقة فيها

 

الود والمحبة”([26]).

 

        ومع إتمام نزول الكتاب الأقدس بدأت المرحلة الأخيرة لدورة حضرة بهاء الله. أما الأمر السلطاني القاضي بإبعاد حضرته فقد انتهى ولم ينفذ. وبعد ذلك ولمدة عشرين سنة أنزل حضرة بهاء الله ألواحًا عديدة شرح فيها تعاليمه ومبادئه ونظرته لمستقبل الجنس البشري. لقد أعجبت بحضرته في البداية شخصيات مرموقة في فلسطين ثمَّ اصبحوا من أتباعه المخلصين.  فآمن به مفتي مدينة عكاء وهو من رجال الدين الإسلامي المميزين. أما حاكم عكاء فكان يخلع حذاءه قبل أن يدخل في محضر حضرة بهاء الله تعبيرًا عن احترامه لشخصيته. وهكذا فتحت أبواب السجن، أما سيل الزائرين الذين جاءوا من كل حدب وصوب وتدفقوا كالموج وفي رجوعهم كانوا يحملون ألواحًا ورسائل عديدة منه إلى البهائيين في إيران والعراق. وأمر حضرة بهاء الله أتباعه أن يعيدوا تشييد قناة قديمة للمياه في المدينة من أجل تزويد عكـاء بالمياه العذبة الصالحة للشرب، هذا العمل أدى إلى تخفيف عداء أهل المدينة له وهو العداء الذي بدأ منذ ورود حضرة بهاء الله قلعة عكاء عام 1868م.

 

        في عام 1877م وافق حضرته على الانتقال إلى منطقة قريبة من عكاء اسمها المزرعة وقد أعدها أصدقاؤه للسكن فيها. وبعد سنتين استطاع أتباعه أن يستأجروا قصرًا جميلاً له يقع في ضواحي المدينة وبأجر بسيط للسكن فيه نظرًا لأنَّ صاحبه ترك المنطقة هربًا من انتشار الوباء فيها.

 

        وفي مسكنه هذا الذي سمي “البهجة” استقبل حضرة بهاء الله المستشرق البريطاني إدوارد براون وهو أحد الغربيين القلائل الذين زاروا حضرته وكتبوا عنه. لقد قرر براون أن يكتب عن التاريخ البابي والبهائي نتيجة انجذابه وتأثره من استشهاد البابيين في إيران.  ووصف لقاءه في قصر البهجة مع مؤسس الدين البهائي بما يلي:

 

        “وجدت نفسي في حجرة كبيرة ويبدو في نهايتها أريكة (دوشك) منخفضة وفي مقابل الباب يشاهد كرسيان أو ثلاثة. لم أكن أعلم تمامًا بمن سألتقي أو بمن سأواجه (لأنَّه لم تعط لي معلومات كافية في هذا الخصوص) وقبل أن تنقضي لحظتان أو ثلاثة وفي جو من الحيرة والرهبة أدركت بأنني لست وحيدًا في الغرفة. ففي زاوية الحجرة وعلى الأريكة رأيت رجلاً وقورًا وجليلاً وعلى رأسه تاج مثل تاج الدراويش (ولكن ذو طول وصنع غير عادي) وتلتف عمامة صغيرة بيضاء حول أسفل التاج. أما الوجه الذي وقعت عليه عيناي فلا يمكنني أن أنساه ولا يمكنني أن أصفه، إنَّ بصره الثاقب يمكن له أن يكشف أسرار القلوب وآثار القوة والقدرة ظاهره على جبينه الوضاح المبارك… لا تسلني في محضر من كنت واقفًا! بل وقفت وانحنيت أمام منبع التقديس والمحبة الذي يحسده الملوك ويتلهف إليه الأباطرة. بصوت لطيف دافئ أمرني بالجلوس ومن ثمَّ أضاف: “احمد ربك بأنَّك حضرت وكنت من الفائزين… جئت لزيارة هذا المسجون المنفي… لم نهدف شيئًا سوى إصلاح العالم وخير الأمم ومع ذلك اتهمونا بإشعال نار الفتنة والتحريض وأمروا بظلمنا ونفينا… يجب أن تنتهي هذه النزاعات وسفك الدماء والمشاحنات ويصبح الناس إخوانًا وأسرة واحدة… ليس الفخر لمن يحب الوطن

 

بل لمن يحب العالم…”.

 

        وفي وقت لاحق من السنة نفسها نصب حضرة بهاء الله خيمته على سفح جبل الكرمل الذي يقع على الجانب الآخر من خليج عكاء. وعلى سفح هذا الجبل عين حضرته المكان الذي يجب أن يدفن فيه رفات حضرة الباب. وأصبح هذا المكان محورًا للعديد من المقامات والأمكنة المتبركة والأبنية الإدارية والحدائق التي تمثل المركز العالمي للدين البهائي.

 

        ومع اقتراب السنوات الأخيرة من حياته ابتعد حضرة بهاء الله عن الاتصال بالمجتمع الخارجي وأخذ يقضي وقته في كتابة الألواح والرسائل ولقاء الزائرين. أمَّا شئون الجالية فقد تركها إلى أكبر أبنائه عباس الذي أسماه عبد البهاء. وفي أواخر عام 1891م ذكر حضرة بهاء الله لأتباعه بأنَّه قد أنجز عمله وأنَّه يرغب في ترك هذا العالم حيث قال:

 

        “يا سلطان الأرض والسماء إلامَ أودعت نفسك بين هؤلاء في مدينة عكا اقصد ممالك الأخرى المقامات التي ما وقعت عليها عيون أهل الأسماء”.

 

        بعد ذلك بفترة وجيزة أصيب بالحمى التي عانى منها فترة قصيرة وصعدت روحه الطاهرة المقدسة إلى رحاب الملكوت في فجر اليوم التاسع والعشرين من شهر مايو (أيار) من عام 1892م وقد بلغ من العمر خمسة وسبعين عامًا.

 

الفصل الرابع

استمرارية التوجيه والهداية

 

 

        مع وفاة حضرة بهاء الله دخل الدين البهائي مرحلة من تطوره يمكن اعتبارها مرحلة ظهور الخصائص المميزة لهذا الدين. وتمثل ذلك في نقل السلطة والصلاحية بكل صراحة ووضوح من أجل تأسيس نظام تحكمه مؤسسات تعمل على توجيه وحماية وتوسيع نطاق الجامعة البهائية الصاعدة. وبناء على هذا النظام الجوهري استطاع الدين البهائي– وحده من بين كافة الأديان المستقلة – أن يحتفظ بوحدته وأصالته ولم يصبه التفرق والتشعب.

 

        هذا النظام قائم أساسًا على مجموعة من الوثائق المترابطة التي وضعها حضرة بهاء الله وبموجبها أبرم مع أتباعه “ميثاقًا” أو عهدًا محكمًا متينًا. إنَّ محور هذا العهد هو حضرة عبد البهاء حيث أنَّه الشخص الوحيد الذي له صلاحية تفسير وتبيين تعاليم حضرة بهاء الله ومصدر السلطة في إدارة شئون الدين. ومن بين الألقاب التي أعطيـت له لقب الغصن الأعظم.  ووثيقة الميثاق هذه أشارت إلى أنَّ حضرة عبد البهاء ليس نبيًّا أو رسولاً ولكنه المثل الأعلى لتعاليم والده. إنَّ نقل هذه السلطة كان واضحًا وبشكل لا يقبل التأويل حيث قال حضرة بهاء الله عن ابنه حضرة عبد البهاء:

 

 

        “من توجه إليه فقد توجه إلى الله ومن أعرض عنه فقد أعرض عن جمالي وكفر ببرهاني وكان من المسرفين. إنَّه لوديعة الله بينكم وأمانته فيكم وظهوره عليكم وطلوعه بين عباده المقربين كذلك أمرت أن أبلغكم رسالة الله بارئكم وبلغتكم بما أمرت به إذًا يشهد الله على ذلك ثمَّ ملائكته ورسله ثمَّ عباده المقدسين”(1).

 

        اهتم حضرة بهاء الله في أيام حياته بأن يلفت نظر الأحباء إلى المقام والمنزلة الخاصة لحضرة عبد البهاء والدور الهام الذي سيضطلع به بعد وفاته. كانت الأمور الخاصة بالجامعة البهائية وعلاقتها بالسلطات المدنيـة وبعامة الناس في فلسطين موكـولة جميعهـا بحضرة عبد البهاء. كما كان يلتقي (سركار آقا) أو السيد، وهـو أحد ألقابه الممنوحة له من قبل والده، بالزائرين من بلاد فارس ومن ثمَّ يعمل على ترتيب لقائهم بوالده. إنَّ طبيعة السلطة والصلاحية الممنوحة لحضرة عبد البهاء ومتطلبات الجامعة البهائية المتطورة أتاحت له فرصة ممارسة قدراته الشخصية الرائعة. كتب المستشرق إدوارد براون الذي التقى به عام 1890م وعرفه جيدًا فيما بعد ما يلي:

 

        “نادرًا ما التقيت بشخص تأثرت به لهذه الدرجة. كان رجلاً طويلاً قوي البنية يقف كالسهم. يلبس ثوبًا أبيضًا وعلى رأسه عمامة بيضاء يتدلى منها شعره الأسود ليصل إلى منكبيه، أما جبينه العريض الوضاح فيدل على فطانته الممزوجة بالإرادة الثابتة، أما عيناه فكانتا حادتين مثل عيون الصقر ولكنها تدل بشدة على الرضا والطمأنينة. هذا هو انطباعي الأول من لقائي بعباس أفندي أو السيد (آقا) كما اعتاد على

 

تسميته البابيون. أما محادثاتي معه في وقت لاحق فقد أدت إلى مضاعفة احترامي له. حيث كان في كل جلسة يدلي بكلام أكثر فصاحة وأكثر استعدادًا للنقاش وأكثر قدرة على البيان والتوضيح كما كان متبحرًا في الكتب المقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين، وهذه صفات نادرًا ما توجد بين الأفراد من بني وطنه من حيث القدرة على البلاغة والاستعداد والدقة في الأمور. هذه الأوصاف التي كانت ممزوجة بالهيبة واللطافة جعلتني أفكر بأنَّ نفوذه واحترامه يمتد إلى خارج دائرة أتباع والده الجليل. أما من حيث عظمة هذا الرجل وتأثيره فلا يمكن لأي شخص يلتقي به أن يشك أو يتردد في ذلك”.

 

        وبالرجوع إلى ما سبق ذكره يبدو واضحًا بأنَّ حضرة عبد البهاء قد وجد بأنَّ تأسيس أركان الدين البهائي على بقاع واسعة في شتى أنحاء القارة الأوربية وأمريكا الشمالية يمثل واحدًا من أهم التحديات أمامه(1). فالفرص المتاحة شَجعته على إحراز مرتبة عالية للأمر الإﻟﻬﻲ بفضل الأحداث التي وقعت خلال الدورة البابية التي لفتت إليها أنظار الأوساط الفكرية والفنية وعلى الأخص في أوروبا الغربية. وأول إشارة إلى الدين البهائي في أمريكا الشمالية كانت في اجتماع “مجلس الأديان” الذي انعقد متزامنًا مع “معرض شيكاغو الدولي” في عام 1893م عندما أنهى متحدث مسيحي خطابه بالكلمات التي قالها حضرة بهاء الله للمستشرق إدوارد براون قبل ثلاث سنوات.

 

        وفي نفس الوقت تقريبًا هاجر تاجر سوري آمن بالأمر المبارك في القاهرة بمصر واسمه إبراهيم خير الله إلى الولايات المتحدة وأخذ يعقد صفوف الدراسة للمستفسرين عن البهائية. ويعتبر السيد ثورنتون شيز  Thornton Chase أول مؤمن أمريكي، وكان يعمل في مجال التأمين. وما أن حلَّ عام 1897م حتى أبلغ إبراهيم خير الله بأنَّ هناك مئات من الذين أعلنوا إيمانهم في منطقتي شيكاغو وكينوشا في ولاية وسكنسن. كما لفت نظرهم إلى ضرورة الكتابة مباشرة إلى حضرة عبد البهاء في أرض الأقدس معربين عن إيمانهم بتعاليم حضرة بهاء الله وطالبين منه العناية والألطاف. وكان لهذا الأمر أهميته البالغة في التطور الذي حظي به الأمر المبارك لاحقًا.

 

        إنَّ جهود وفعاليات إبراهيم خير الله تعتبر هامة ليس لأنَّها جذبت أعدادًا كبيرة من الأفراد فحسب بل لأنَّ بعض هؤلاء الأفراد أصبحوا فيما بعد من رموز الأمر المعروفة في الغرب. أحد هؤلاء المؤمنين الأوائل في الغرب كانت امرأة موهوبة ونشطة تدعي لويزا جتسنغر Louisa Getsinger حيث بدأت السفر في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وأخذت في إلقاء المحاضرات للمهتمين من الناس في محاولة منها لتوسيع نطاق النهضة الجديدة لتتعدى حدود منطقة شيكاغو وكينوشا.

 

        وخلال رحلاتها التقت السيدة جتسنغر بسيدة ثرية ومحبة للخير وكانت السبب في إقبالها للأمر المبارك تدعى فيبي هرست Phoebe Hearst. وفي عام 1898م أظهرت السيدة هرست رغبتها في لقاء حضرة عبد البهاء والذي وافق على طلبها. وبناء عليه نظمت السيدة هرست رحلة جماعية تضم خمسة عشر شخصًا وهم يمثلون أول

 

مجموعة وصلت إلى مدينة عكاء في العاشر من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1898م، ومن بينها السيدة جتسنغر وزوجها الدكتور إدوارد جتسنغر وإبراهيم خير الله. وتم اللقاء مع حضرة عبد البهاء في اجتماع اكتنفت عقده خطورة على شخصه المبارك نظرًا لاستمرار التوتر السياسي في الشرق الأدنى. وفي ظل هذه الظروف المتوترة فإنَّ وصول هذه المجموعة من الغربيين بصورة غير متوقعة أثار قدرًا كبيرًا من الشكوك والتساؤلات.

 

        وبصرف النظر عن المعوقات، أثبتت هذه الزيارة القصيرة أنَّها هامة وحساسة لنمو الدين البهائي في الغرب. وكان لشخصية حضرة عبد البهاء المحبوبة وفكره المتقد تأثير فوري وحاسم على أول مجموعة من الأحباء الزائرين الغربيين، حيث قالوا إنَّهم وجدوا في شخصيته وكأنَّ روح السيد المسيح تجول مرة أخرى بين البشرية. بالطبع فإنَّه نظرًا لشغفهم وحبهم الشديد لحضرة عبد البهاء رأوا أن يعطوه مقامًا خارج حدود ما أسبغه حضرة بهاء الله على ابنه البار. وبعض هؤلاء الزوار مثل السيدة هرست اعتقدت بأنَّ حضرة عبد البهاء هو عودة المسيح بعينه(1). ومن المناسب هنا أن نذكر ما قاله حضرة عبد البهاء بنفسه:

 

        “… المقصود من النبوات والبشارات الخاصة برب الجنود والمسيح الموعود هو جمال القدم (بهاء الله) وحضرة الأعلى (الباب). إن اسمي هو عبد البهاء وصفتي عبد البهاء وحقيقتي عبد البهاء ونعتي عبد البهاء أمَّا إكليلي الجليل وتاجي الوهاج هو عبودية حضرة بهاء الله وديني القديم هو خدمة بني الإنسان … لا أريد اسـمًا أو لقبًا أو ذكرًا

 

أو نعتًا غير عبد البهاء هذا كل ما أتمناه. وهذا أعظم أملي وهذا حياتي الأبدية وهذا عزي السرمدي”([27]).

 

        ولقد ذكرت أهمية علاقة حضرة عبد البهاء بأتباع والده الماجد في الغرب في ملخص لتاريخ أول قرن من الظهور البابي والبهائي المنشور عام 1944م وقد جاء ما يلي:

 

        “جدد الزائرون خواطر الأيام الأولى للدعوة عندما كان الإنسان يستطيع أن يرى الرسول السماوي بعينيه ويسمعه بأذنيه ويكون العالم بالنسبة لهم مليئًا بالفرح والبهجة مثل النور الذهبي الساطع من الأفق… جميع فعاليات الدين البهائي في أمريكا بدأت من عدد قليل من النفوس النفيسة الذين كانت غايتهم في الحياة هي زيارة مدينتي عكاء وحيفا والتي تمت بين الأعوام من 1894م حتى 1911م”.

 

        كانت زيارة السيدة هرست هي البداية لتدفق سيل مجموعات الزائرين البهائيين من أوربا وأمريكا الشمالية ولمدة ثلاثٍ وعشرين سنة تقريبًا واستمر ذلك حتى وفاة حضرة عبد البهاء عام 1921م تخللتها فترة توقف بسبب الحرب العالمية الأولى.

 

        وقد تمَّ تأسيس الجاليات البهائية في شتى أنحاء الولايات المتحدة وكندا. فنظمت الاجتماعات العامة وحلقات الدراسة غير الرسمية، وبدأ نشر وطباعة نشرات وكتيبات بسيطة عن الأمر المبارك. وقد احتوت هذه المطبوعات على مقتطفات من ألواح حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء بالإضافة إلى ما رواه الأحباء من أمريكا الشمالية لدى رجوعهم من زيارتهم لمدينة عكاء. كما قامت مجموعات منظمة

 

غير رسمية بطباعة ونشر مقتطفات من أدعية ومناجاة لحضرة بهاء الله ورسائل لحضرة عبد البهاء لبعض أفراد البهائيين، حيث طبعت على الآلة الكاتبة باستعمال الكربون.

 

        وما أن ابتدأت هذه المرحلة من مراحل تطور الدين حتى تعرضت لهزة شديدة وتراجع شبيه لما أحدثه الميرزا يحيى للتاريخ البابي حيث بدأ الميرزا محمد علي الأخ غير الشقيق لحضرة عبد البهاء والأصغر سنًّا منه بالتمرد والعصيان على المرجع الجديد للدين.  ونظرًا لعدم مقدرة الميرزا محمد علي على تحدي ميثاق والده، بدأ أولاً ببذل جهده في الحد من صلاحيات حضرة عبد البهاء في إدارته لشئون الجامعة البهائية. وعندما فشل في ذلك حاول استمالة بعض من الأتباع داخل الجامعة البهائية. ظهرت آثار هذا النقض لعهد وميثاق حضرة بهاء الله قبل وصول المجموعة الأولى من الزائرين الغربيين بفترة قليلة وقد جذبت انتباه الدكتور إبراهيم خير الله.

 

        أما الدكتور خير الله فقد اعتبر نفسه أكثر المبلغين نفوذًا وتأثيرًا في أمريكا الشمالية ورائدًا في شرح وتفسير التعاليم الأساسية للدين البهائي. وقد نشر المستشرق إدوارد براون بعد ذلك بعض فقرات من خطب إبراهيم خير الله التي كانت تعبر عن وجهة نظره الشخصية الغريبة حول التعاليم المباركة(1). إن المفاهيم البهائية الوحيدة التي انتقلت من إيران إلى أمريكا الشمالية هي تلك الخاصة بمقام حضرة بهاء الله وفكرة وحدة الجنس البشري. هذان المفهومان عرضهما الدكتور خير الله وخلطهما بالفكر الباطني الذي لا صلة له بتعاليم الدين البهائي.

 

        وخلال زيارته لمدينة عكاء عام 1898م طلب إبراهيم خير الله من حضرة عبد البهاء تأييد عرضه للتعاليم البهائية. فصحح حضرة عبد البهاء بعض المفاهيم الخاطئة لخير الله وطلب منه أن يتعمق في دراسة الآثار المباركة. ولكنه رفض ومضى في غيه وبدأ تدريجيًا ينحرف عن روح تعاليم حضرة بهاء الله. أما الميرزا محمد علي فأخذ يبحث عنه. وبعد رجوع خير الله إلى أمريكا في السنة التالية ذهل الأحباء والطلبة من رفضه لحضرة عبد البهاء وإصراره على دوره كمسئول عن مصير الأمر المبارك في الغرب. وعلى أية حال فإنَّ هذه الأعمال التي كانت تهدف الاستيلاء على قيادة الأمر الإﻟﻬﻲ فشلت ورجع إبراهيم خير الله أخيرًا إلى سوريا مخيب الآمال. ومع مغادرة خير الله لأمريكا تلاشى خطر التفرقة والتشييع بين الأحباء هناك ولم يستطع الميرزا محمد علي كسب أنصار له سوى فئة قليلة ومعدودة من الأقرباء والتابعين.

 

        هذه الأزمة وما نتج عنها تعتبر هامة وحساسة في التاريخ البهائي. ففي هذه المرحلة الهامة اتخذ الدين الجديد مسارًا أدى إلى معرفة دعوته ورسالته بحيث تمثل ولادة دين عالمي مستقل. ولو استطاع الميرزا محمد علي وإبراهيم خير الله، فرضًا، بسط السيطرة على الدعوة الجديدة وإمساك زمام السلطة بأيديهما، لسقطت الدعوة وتضاءلت بسرعة وتحولت إلى فرقة مذهبية صغيرة.

 

        ولكن بدلاً من ذلك فإنَّ الجامعة البهائية الأمريكية، وبالرغم من قلة عددها وما عانته من الضربات والضربات المعاكسة، فقد قامت بالتوجه والانقياد لحضرة عبد البهاء وطلب الهداية منه باعتباره الشخص الوحيد المخول بشرح وتفسير تعاليم والده العظيم. وتجاوبًا لذلك قام حضرة عبد البهاء بكل عظمة وجلال وبكل شغف ورغبة بشرح وتبيين

 

الخصائص والميزات الرئيسية لظهور حضرة بهاء الله. وحدد لنفسه مهمة شرح التعاليم الاجتماعية البهائية ناصحًا بعدم اللجوء إلى بحث أمور تختص بما وراء الطبيعة. وفي رسائل عديدة وخطب متنوعة للزائرين وألواح أخرى خاصة بالتفسير والتبيين، أكَّد حضرته على أنَّه ليس على قلوب الأفراد أن تتغير فحسب بل والنظام الاجتماعي برمّته أيضًا. كما أكَّد على أهمية وقيمة جميع الأديان في العالم وضرورة الحد من التفرقة العنصرية وتطبيق مبدأ تساوي حقوق الرجال والنساء والتعليم الإجباري والعام والعدالة في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، كما أكَّد أيضًا على أهمية مبادئ أخرى مثيلة. وفي هذه الرسائل والألواح ربط حضرته التعاليم الاجتماعية البهائية باحتياجات المجتمع المعاصر المتمثلة في علاج الأزمات الحالية التي تطوق العالم(1).

 

        في عام 1908م أفرجت جمعية تركيا الفتاة عن جميع السجناء السياسيين وحتى الدينيين في الإمبراطورية العثمانية. ونتيجة لذلك أصبح حضرة عبد البهاء فجأة حرًّا طليقًا ويمكنه السفر خارج فلسطين لكي يساهم في تأسيس وتوسيع رقعة دين والده المجيد في الغرب ولكنه قبل ذلك استطاع أن يحقق إحدى أعظم أمانيه في الحياة بل إحدى أكبر المسئوليات الملقاة على عاتقه بواسطة حضرة بهاء الله. ففي العشرين من شهر مارس (آذار) من عام 1909م وبحضور

 

مجموعة من المؤمنين من الشرق والغرب وضع حضرته بيديه المباركتين الصندوق الخشبي الصغير الذي يضم رفات حضرة الباب الخالد في تابوت مرمري فخم مقدم من أحباء بورما.  وتم دفن رفات الباب في مقام حجري شيد على سفح جبل الكرمل وفي مكان اختاره حضرة بهاء الله بنفسه في وقت سابق وأراد لهذا المكان أن يكون المركز الرئيسي لمجموعة من المؤسسات الإدارية تمثل المركز العالمي للدين البهائي. تعتبر الجامعة البهائية دماء الشهداء البابيين “البذرة” للمؤسسات الإدارية التي دعا حضرة بهاء الله لتأسيسها وشرع فيها الأحباء بتوجيه وهداية حضرة عبد البهاء. واليوم في قلب العالم البهائي نرى تضحية وفداء حضرة الباب مرتبطًا بصورة جوهرية بالمؤسسات المركزية لهذا النظام الديني وهو دليل رمزي على وجود اتحاد تاريخي أساسي بين البابية والبهائية.

 

        في عام 1910م رأى حضرة عبد البهاء أنَّ الظروف في فلسطين قد أصبحت مواتية له لمغادرتها وهو ما كان يرنو إليه بشوق منذ أمد بعيد. أما معاناة حضرته في السجن فقد أثرت على صحته ولهذا فإنَّ المرحلة الأولى من رحلته كانت إلى مصر للراحة والنقاهة.  ومن ثمَّ وفي الحادي عشر من شهر أغسطس (آب) من عام 1911م أبحر حضرته برفقة مجموعة صغيرة من الأحباء على متن سفينة بخارية تدعى اس. اس كورسيكا إلى مارسيلا لتبدأ رحلة طولها ثمانية وعشرون شهرًا إلى العالم الغربي. هذه الرحلة شملت زيارتين لمدينة لندن وباريس وشتوتغارت ورحلات قصيرة أخرى إلى بعض المدن الأوروبية بالإضافة إلى رحلة واسعة في مختلف أنحاء أمريكا الشمالية.

 

        في الحادي عشر من شهر أبريل (نيسان) من عام 1912م وصل
حضرة عبد البهاء إلى مدينة نيويورك. وخلال رحلته هذه لأمريكا الشمالية زار حوالي أربعين مدينة وقرية في شتى بقاع الولايات المتحدة ومن أقصاها إلى أدناها. من بين المدن التي زارها مدينة شيكاغو حيث وضع فيها حجر الأساس لمبنى مشرق الأذكار الذي عرف فيما بعد “بأم معابد الغرب”. كما زار مدينة اليوت ELIOT في ولاية مين MAINE التي فيها آمنت السيدة ساره فارمر وأسست مدرسة جرين إيكرGREEN ACRE التي أصبحت فيما بعد مركزًا لتعليم الكبار ومكانًا للتبليغ وعرض المبادئ والتعاليم البهائية(1). وفي كندا زار حضرة مولى الورى (عبد البهاء) مدينة مونتريال وفيها نزل ضيفًا على مهندس معماري كندي اسمه وليم ساذرلاند مكسويل وزوجته مي بولز مكسويل. السيدة مي مكسويل آمنت بالأمر المبارك عندما كانت شابة وكانت ضمن مجموعة السيدة هرست التي زارت عكاء عام 1898م.

 

        كانت زيارة حضرة عبد البهاء لمدينة مونتريال واستقباله فيها شبيهة من جوانب متعددة بالحفاوة التي لقيها في المدن الكبيرة في شتى أنحاء الدول الغربية التي زارها(2). حيث زار كنيسة نوتردام ودعي للخطابة في كنيسة المسيح وكنيسة سانت جيمس كما تحدث مع جمع غفير من

 

أعضاء النقابات العمالية في صالتهم في شارع سانت لورنس، كما ألقى العديد من الخطب سواء في غرفته في فندق وندسور أو في منزل السيد ماكسول في شارع پاين PINE حيث أقام في هذا المنزل ضيفًا على عائلة ماكسول في الجزء الأول من رحلته.

 

        غطت الصحف الرئيسية في أمريكا الشمالية وأوروبا وقائع رحلته وتراوحت المواضيع بين مقالات فكرية وأراء حصيفة إلى مجموعة من التقارير حول المقابلات التي أجريت معه والخطب التي ألقاها. وضمن المجموعة الأخيرة كانت صحافة مونتريال هي الأكثر إثارة حيث أجرى حضرة عبد البهاء مقابلة مع جريدة Montreal Star (مونتريال ستار) وفيها أشار إلى قرب تحقق نبوءتين هامتين. النبوءة الأولى هي نشوب الحرب العالمية الأولى في القريب العاجل (قال عنها حضرته بأنَّه لا توجد تنبؤات أو إنذارات عنها في الكتب المقدسة ولكن سببها هو حيثيات الوضع الراهن). أما النبوءة الثانية فهي أنَّ السلام العالمي سيتأسس قبل نهاية هذا القرن. (سيكـون السـلام عالميًّا في القرن العشرين وستضطر جميع الشعوب إلى اللجوء إليه)([28]).

 

        كانت لهذه الرحلة آثار بعيدة وعميقة، حيث تشرف الأحباء الغربيون بلقاء قائدهم الروحي وجهًا لوجه والتعرف على مركز العهد والمبين للآثار الإﻟﻬﻴﺔ. وقد تجمع الأحباء أينما كانوا حول حضرة عبد البهاء طالبين التوجيه والهداية واستطاعوا بذلك استيضاح مسائل عديدة منه، كما عمّقوا مفاهيمهم أيضًا في التعاليم والمبادئ البهائية الخاصة بالمواضيع اللاهوتية والاجتماعية والأخلاقية. فاكتسب بذلك

 

عامة الشعب في الغرب نظرة إيجابية جيدة حول الدين الجديد أثبتت فيما بعد أنَّها ذات أهمية كبيرة للأحباء من أجل نمو الدين وتطوره. وخلال رحلته تحدث حضرة مولى الورى (عبد البهاء) في الكنائس وأندية السلام والنقابات العمالية والكليات والجامعات والنوادي وجمعيات مختلفة للتجديد الاجتماعي. ومع ختام رحلته يكون بذلك قد تمَّ الإعلان عن رسالة حضرة بهاء الله الاجتماعية إعلانًا عامًا، وآمن بالدين جيل جديد من مختلف طبقات المجتمع الغربي.

 

        قضى حضرة عبد البهاء أيام الحرب العالمية الأولى في عزلة نسبية في منزله بحيفا في فلسطين، وأثارت علاقاته بالغرب وتمرد أخيه غير الشقيق الميرزا محمد علي حفيظة وشكوك السلطات العثمانية. وعليه فقد هدد بالاغتيال مرة أخرى وأنَّ الجالية البهائية الصغيرة في الأراضي المقدسة سيتم نفيها وأبعادها. إلا أنَّه في عام 1918م تلاشى هذا الخطر عندما انتهت الحرب بهزيمة دول المحور وأعقبها فقدان الدولة العثمانية لجميع ممتلكاتها في المنطقة العربية من الشرق الأوسط.

 

        بعد الإفراج عن حضرة عبد البهاء من سجن عكاء في عام 1908م بدأ التحرك بجدية وباشر أعمالاً هامة جدًا من أجل تأسيس جامعة عالمية تعكس تعاليم حضرة بهاء الله. وقد كانت الصبغة الرئيسية لأعماله رعاية وتنشئة المؤسسات البهائية الإدارية. فقد شجع حضرته تأسيس المحافل الروحانية في أمريكا الشماليـة وإيران كجزء لا يتجزأ مـن ميثاق حضرة بهاء الله حيث منحت لهذه الهيئات المنتخبة سلطة الإشراف على المطبوعات والبرامج التبليغية والروحية على المستويين المحلي والمركزي، وهـي مقدمة ونموذج لما أشار إليه حضرة بهاء الله ببيوت العدل.

 

        وفي عام 1908 كتب حضرة عبد البهاء وصيته المعروفة باسم “ألواح الوصايا” والتي شرح فيها بإسهاب طبيعة ووظيفة المؤسسات التي أشار إليها حضرة بهاء الله لإدارة شئون الدين. المؤسستان الرئيسيتان اللتان أشار إليهما حضرة عبد البهاء هما مؤسسة “ولاية الأمر” و”بيت العدل الأعظم”. وأعطيت صلاحية تفسير وتبيين التعاليم البهائية إلى مؤسسة “ولاية الأمر” وأصبح حضرة شوقي أفندي رباني وليًّا للدين البهائي وهـو أكبر أحفاد حضرة عبد البهاء. ومثلما عين حضرة بهاء الله ابنه عبد البهاء ليكون مركزًا للعهد والميثاق ومفسّرًا ومبيّنًا لتعاليمه وأحكامه، أصبحت لولي أمر الله نفس الصلاحية وبات شوقي أفندي المرجع الأعلى للبهائيين للرجوع إليه في الأمور التي تخص عقيدتهم. إنَّ المؤسسة الرئيسية الأخرى التي ذكرت في “ألواح الوصايا” هي بيت العدل الأعظم التي أعطيت لها الصلاحيات التشريعية والإدارية للجامعة البهائية. كما أشارت إلى أنَّ ولي أمر الله يمكن له أن يستعين بأفراد مؤهلين لمساعدته في إدارة شئون الجامعة ويلقبهم بأيادي أمر الله. أما بيت العدل الأعظم فيشرف على النظام الإداري العالمي للجامعة البهائية وينتخب أعضاؤه من بين جميع البهائيين الذكور البالغين في العالم في مؤتمر عالمي يعقد لأعضاء كافـة المحافل الروحانية المركزية مرة واحدة كل خمس سنوات.

 

        يعتبر كتاب عهدي وألواح الوصايا لحضرة عبد البهاء الوسيلتين العمليتين للتعبير عن ميثاق حضرة بهاء الله والأداتين اللتين استطاعت بهما الجامعة البهائية أن تنمو وتتطور بشكل ثابت بعد وفاة حضرة عبد البهاء(1).

 

وقد كتب حضرة عبد البهاء خلال الحرب العالمية الأولى عدة رسائل وألواح إلى أحباء أمريكا الشمالية. ضمت هذه الألواح أربعة عشر لوحًا منها أربعة موجهة إلى البهائيين في الولايات المتحدة وكندا. وثمانية كتبت لتوجيه وهداية الأحباء القاطنين في المناطق المختلفة من الولايات المتحدة وهناك لوحان كتبا إلى أحباء كندا. جميع هذه الألواح الأربعة عشر سمّاها بألواح “الخطة الإﻟﻬﻴﺔ” والتي تهدف إلى الإعلان العالمي لرسالة حضرة بهاء الله حيث دعا الأحباء في أمريكا وكندا إلى أخذ زمام المبادرة في تأسيس الأمر الأعظم في جميع بقاع العالم، وطمأنهم بالتأييدات الإﻟﻬﻴﺔ التي ستشملهم وتشمل الأجيال القادمة منهم باعتبارهم “الرواد الروحانيون” من بين الجامعات البهائية في العالم. أنَّ طرح الخطط التبليغية المتنوعة التي ترعرعت على أثرها الجاليات وانتشرت رسالة وتعاليم حضرة بهاء الله في جميع بقاع العالم تمثل استجابة أحباء أمريكا الشمالية للدعوة التي تضمنتها هذه الألواح(1).

 

        توفي حضرة عبد البهاء فجر يوم 28 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1921م بعد مرض بسيط وعن عمر يناهز الثامنة والسبعين عامًا. إنَّ الظروف والشواهد التي أحاطت بتشييع جنازة حضرته دلت على تغييرات كبيرة أخذت دورها في الدين البهائي في الأراضي المقدسة خلال سنوات معدودة. فقبل ثلاث عشرة سنـة واجه حضرة عبد البهاء،

 

وهو المنفي الضعيف، احتمالاً كبيرًا بإمكانية إعدامه علنًا. ولكن عندما حان وقت رحيله عن هذا العالم كانت له سمعة طيبة وعرف عنه أنَّه رجل حكيم ومحسن كبير وله قدسيته واحترامه بين كافة الطوائف الدينية في فلسطين. إنَّ فك القيود التي فرضت عليه بواسطة السلطات العثمانية سمحت لمكانته الرفيعة أن تبرز للملأ. كما حظي باحترام وتكريم كافة طبقات المجتمع، كما أنَّ الحكومة البريطانية منحته لقب “فارس” و”السير” تقديرًا لما قدّمه من مساعدات إنسانية في فلسطين خلال فترة المجاعة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.

 

        بدأت مراسم تشييع الجنازة، التي لم يشهد لها تاريخ فلسطين مثيلاً، يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) حيث توافد جم غفير من الناس قارب العشرة آلاف شخص لتشييع جنازته ضم بينه شخصيات بارزة من خلفيات إسلامية ومسيحية ويهودية ودرزية بالإضافة إلى المندوب السامي البريطاني وعمدتي مدينتي القدس وفينيقيا. وأصبح واضحًا بأنَّه على الرغم من معاناة الدين الجديد من آلام ومحن متنوعة في مناطق مختلفة من العالم استطاع حضرة عبد البهاء، خلال فترة ولايته، أن يؤسس مركزًا عالميًا متينًا للدين مبنيًا على اعتراف حكومي واحترام عامة الناس(1).

 

        في هذه المرحلة من تاريخ الدين البهائي ضمت الجامعة البهائية

 

حوالي مائة ألف مؤمن يعيش بعضهم في ظروف صعبة وقاسية في إيران، بالإضافة إلى مجموعات صغيرة في بعض دول العالم. وبعيدًا عن إيران فإنَّنا نرى جالية كبيرة في منطقتين رئيسيتين هما الهند وأمريكا الشمالية. أما المطبوعات والهيئات الأخرى فكانت ضئيلة، كما أنَّ الموارد المالية كانت محدودة. واستطاع حضرة عبد البهاء وبعض أتباعه المقربين أن ينشروا الأمر المبارك في بعض المناطق من العالم إلاّ أنَّ هذه الجهود لم تؤدِّ إلى زيادة حجم الجامعة البهائية بصورة كبيرة. ومع أنَّ سيادة هذا قد نال إقرارًا له قيمته في الأوساط المدنية، إلا أنَّ ذلك لم يصل إلى مستوى الاعتراف الرسمي بالدين البهائي كنظام ديني ثابت ومستقل.

 

        واليوم وبعد أكثر من نصف قرن تغيرت الأوضاع بصورة كبيرة حيث اعترف بالدين البهائي بشكل واسع وأقر بأنَّه أحد أكثر أديان العالم نموًّا وانتشارًا، ويؤمن به العديد من الأفراد من خلفيات عرقية واجتماعية وثقافية ووطنية مختلفة، ولدى أتباعه العديد من الأنشطة المتنوعة في أكثر من مائتي دولة مستقلة ومنطقة رئيسية. كما تمَّ إنشاء وتطوير نظام إداري متكامل على المستوى المحلي والمركزي والعالمي. وفي أغلب الحالات استطاع الدين البهائي أن يحصل على اعتراف رسمي من قبل السلطات المدنية.

 

        إنَّ الآثار والكتب والألواح البهائية الصادرة من يراعة حضرة بهاء الله وحضرة الباب وحضرة عبد البهاء وهي الشخصيات الرئيسية الثلاث للدين البهائي تمت ترجمتها إلى أكثر من ثمانمائة لغة. كما تمَّ تشييد معابد (مشارق أذكار) ومدارس بهائية ومراكز إدارية وحظائر قدس في شتى بقاع المعمورة، وتمت حيازة أملاك وعقارات بغرض

 

طرح برامج تطويرية أكثر طموحًا في المستقبل. وفي الأمم المتحدة تمَّ قبول الجامعة البهائية العالمية كمنظمة عالمية غير حكومية وبصفة استشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي. إنَّها إنجازات تعد عظيمة ورائعة بكل المقاييس. إنَّ روح الهداية في هذا الاتساع الخارق كان حضرة شوقي أفندي رباني حفيد حضرة عبد البهاء الذي عينه كولي لأمر الدين البهائي.

 

        أوجد حضرة بهاء الله مؤسسة ولاية الأمر ولكن وظائفها المختصة وسلطاتها المعينة تمَّ توصيفها وشرحها في “ألواح الوصايا” لحضرة عبد البهاء. هناك وظيفتان رئيسيتان هامتان لولاية الأمر هما تفسير وتبيين الآثار البهائية وتوجيه وهداية الجامعة البهائية. وأمام محاولات الميرزا محمد علي السيطرة على قيادة الجامعة البهائية استخدم حضرة عبد البهاء لغة شديدة للتأكيد على أنَّ حضرة شوقي أفندي له كامل السلطة والصلاحية في إدارة شئون الدين البهائي، وأنَّ أي اعتراض عليه هو اعتراض على مؤسس الشريعة الإﻟﻬﻴﺔ، وقد جاء في “ألواح الوصايا”:

 

        “يا أحباء عبد البهاء الأوفياء يجب أن تحافظوا كل المحافظة على فرع الشجرتين المباركتين وثمرة السدرتين الرحمانيتين – شوقي أفندي(1)– حتى لا يغبر خاطره النوراني بغبار الكدر والحزن ويزداد فرحه وسروره وروحانيته يومًا فيومًا وحتى يصبح شجرة ذات ثمر إذ إنَّه هو ولي أمر الله بعد عبد البهاء وتجب على الأفنان والأيادي وأحباء الله إطاعته والتوجه إليه. من عصى أمره فقد عصى الله ومن أعرض عنه

 

فقد أعرض عن الله ومن أنكره فقد أنكر الحق. حذار أن يؤول أحد هذه الكلمات ليتذرع به كل ناقض ناكث في علم المخالفة أو يستبد برأيه ويفتح باب الاجتهاد كما حصل بعد الوفاة. فليس لنفسٍ حق في رأي واعتقاد خاص على الكل أن يقتبس من مركز الأمر وبيت العدل…”

 

        منذ بداية عهد ولاية الأمر أوضح حضرة شوقي أفندي بأنَّ الدين البهائي دخل مرحلة جديدة من مراحل تطوره، وأنَّ الصلاحيات المخولة له طبقًا لما ذكر أعلاه تختلف عما كان لحضرة عبد البهاء حيث أشار حضرة ولي أمر الله إلى إنقضـاء “العصر الرسولي” وبداية “عصر التكوين”(1).

 

        في هذا العهد الجديد، أوضح حضرة شوقي أفندي، بأنَّ على مؤسسة ولاية الأمر تأمين المحبة والولاء بين الأحباء والإشراف عليهم وأنَّ شخص ولي الأمر المعين ما هو إلاّ عبدٌ خاضع مطيع. ولهذا منع الأحباء من الاحتفال بأي مناسبة تخص حياة ولي أمر الله أو نشر صوره أو عرضها. كما كان حضرته ينتدب أفرادًا لينوبوا عنه في حضور الجلسات العامة. أمَّا هو فقد أخذ على عاتقه المسئوليات الإدارية الشاقة، بالإضافة إلى تبيين وتفسير التعاليم والمبادئ البهائية وتحرير العديد من الرسائل ولم يتبقَّ لديه المزيد من الوقت ليقوم برحلات تبليغية كالتي قام بها حضرة عبد البهاء خلال ولايته.

 

        وباستثناء ذلك كان حضرة ولي أمر الله يستغل وقت فراغه –إن وجد– في لقاء الأفواج المتدفقة من الزائرين للأماكن المقدسة البهائية في المركز العالمي من شرق العالم وغربه. وحتى هذه اللقاءات كانت محدودة وتتم أثناء تناول الطعام في “بيت الزائرين” في مدينة حيفا.

 

        ويمكن اعتبار الفترة بين عام 1921م وعام 1963م من التاريخ البهائي من أسهل الفترات التي يمكن تناولها بالدراسة نظرًا للمشاريع الكبيرة التي أقامها حضرة شوقي أفندي وعمل على إنجازها كوليّ للدين البهائي. فقد اتخذت مشاريعه ونشاطاته أربعة مسارات هي: تطوير المركز البهائي العالمي وترجمة وتفسير وتبيين التعاليم البهائية وتوسيع النظام الإداري ثمَّ تنفيذ الخطة الإﻟﻬﻴﺔ لحضرة عبد البهاء.

 

        منذ أن حمل حضرة شوقي أفندي المسئولية على عاتقه والتي استمرت طيلة أيام حياته صرف معظم وقته في تطوير المركز العالمي للدين والذي يحيط بخليج حيفا. خلال دورة حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء قام المنفيون البهائيون بشراء بعض قطع من الأراضي بصورة تدريجية ومن بين هذه الأراضي قطعتان لهما أهمية عظمى. الأولى ذلك المكان الذي دفن فيه حضرة بهاء الله (بالقرب من قصر البهجة خارج مدينة عكا) والثانية تقع على سفح جبل الكرمل خارج مدينة حيفا وفيها دفنت رفات حضرة الباب في صرح يطلق عليه “المقام الأعلى”. وبفضل سخاء البهائيين وكرمهم وما كانوا يوصون به وتلبية لنداءات حضرة ولي أمر الله اتسعت وكبرت الممتلكات المملوكة للأمر المبارك خلال فترة ولايته، ثمَّ أنشئت الحدائق الغناء، وشُيِّد أول عدد من مجموعة الأبنية ووضعت خطة رئيسية من أجل تطوير المركز الروحي والإداري لمواجهة احتياجات الجالية العالمية سريعة التزايد.

 

ويعتبر المركز البهائي العالمي في حيفا من أجمل المناطق في العالم. وعلى ذلك أصبح لهذا الدين المنتشر بشكل واسع مركز واحد يتوجهون إليه في زيارة الأماكن المقدسة ويتزودون منه بالتوجيه والهداية مما ساهم كثيرًا في خلق هوية عامة مشتركة بين أتباعه.

 

        ويعلو قائمة الأولويات في أي نظام ديني في العالم إعداد وتدوين كتبه وآثاره المقدسة ثمَّ تطبيق التعاليم والأحكام في حياة الأفراد والجامعة. وطبقًا للصلاحية التي منحها حضرة عبد البهاء في وصيته لحضرة شوقي أفندي في التفسير والتبيين، قام بدوره في تحليل الأحداث العالمية على ضوء الآثار البهائية وشارك البهائيين في العالم بنتيجة تحليلاته ودراساته في شكل رسائل مطوله كان يبعثها إليهم(1).

 

        وفي الوقت نفسه كانت الجامعات البهائية الحديثة في شتى أنحاء العالم تبعث برسائل غزيرة وتسأل حضرة ولي أمر الله أسئلة متعددة

 

حول مواضيع مختلفة ومتنوعة، وتعتبر أجوبة حضرته عليها جزءًا هامًا وكبيرًا من تفسيره وشرحه لتعاليم وأحكام الدين البهائي. ومع بداية عام 1940 بدأ حضرة شوقي أفندي بعمل دراسة تحليلية لحوادث التاريخ البهائي، وفي عام 1944م في الذكرى المئوية لإعلان دعوة حضرة الباب، أصدر كتابًا مفصلاً يحتوي على حوادث القرن الأول البهائي من يوم إعلان حضرة الباب لدعوته للملا حسين حتى إتمام أول خطة وهي مشروع السنوات السبع.

 

        ونظرًا لأنَّ حضرة شوقي أفندي هو المترجم الرئيسي للآثار المباركة من اللغتين الفارسية والعربية إلى اللغة الإنجليزية فإنَّ ذلك قد أعانه كثيرًا في تفسير وتبيين هذه الآثار(1).  درس حضرته اللغة الإنجليزية منذ نعومة أظفاره، وعند البلوغ درس بالجامعة الأمريكية في بيروت ومن ثمَّ سافر إلى بريطانيا للدراسة في جامعة أكسفورد وظل هناك حتى وفاة حضرة عبد البهاء في عام 1921م. ونظرًا لأنَّ المؤسسات الإدارية الرئيسية للدين البهائي خلال العقد الأول من ولاية حضرة شوقي أفندي قد وجدت في دول ناطقة باللغة الإنجليزية، فإنَّ قدرة حضرته على شرح وتفسير المفاهيم البهائية باللغة الإنجليزية أصبحت مصدرًا هامًا وثمينًا لتوجيه وهداية أتباع الدين الجديد في

 

العالم الغربي.

 

        إنَّ دور حضرة ولي أمر الله كمبّين ومفسّر كان له أهميته الكبرى على المدى البعيد في سبيل تطوير الجامعة البهائية، إذ ضمن لها وحدة الهدف والمبدأ خلال السنوات الأولى من التوسع العالمي للدين، وصانه من شرور التفرقة والتشيع إلى حد بعيد.

 

        ومع جهوده المبذولة في الترجمة وتطوير المركز العالمي سار حضرة شوقي أفندي بجهود جبارة موازية نحو إيجاد نظـام للمؤسسـات الإدارية بالصورة التي وضعها حضرة بهاء الله وأسس قواعدها حضرة عبد البهاء. يبدأ هذا النظام عمله من المنطقة المحلية حيث يمكن لكل منطقة تضم تسعة بهائيين بالغين أو أكثر انتخاب محفل روحاني محلي من أجل إدارة شئون الجالية البهائية في تلك المنطقة. وعندما يصل عدد المحافل الروحانية المحلية في أية دولة لعدد معين يمثل قاعدة قوية، شجع حضرة ولي أمر الله على انتخاب المحفل الروحاني المركزي الذي له صلاحية الإشراف على شئون الدين في تلك الدولة.

 

        إنَّ سيل المراسلات المنهمر من حيفا قد أمد هذه المؤسسات الناشئة بالهداية والتوجيه بخصوص كيفية تطبيق التعاليم المباركة في إدارة حياة الجامعة. كما أرسل حضرته العديد من الرسائل العامة التي تحث الأحباء على دعم وإطاعة المؤسسات التي انتخبوها، وعرّف مبادئ المشورة البهائية وشجع المحافل الروحانية على التدرب باستمرار في كيفية اتخاذ القرارات الجماعية.

 

        وخلال الأعوام من 1951م حتى 1957م، وطبقًا لنصوص وصية حضرة عبد البهاء المعروفة باسم “ألواح الوصايا”، عين حضرة ولي أمر

 

الله عددًا من الأحباء المتميزين كأيادي لأمر الله ومنحهم وظائف خاصة تتعلق بتبليغ وحفظ وحماية الدين البهائي. أمّا تاج هذا النظام الإداري العالمي فهو مؤسسـة بيت العدل الأعظم الذي أشار إليه وأوجده حضرة بهاء الله. كما أشار حضرة شوقي أفندي بأنَّه عندما تتسع الجامعة البهائية سيتم انتخاب بيت العدل الأعظم بواسطة الجامعة البهائية العالمية عن طريق أعضاء المحافل الروحانية المركزية في العالم.

 

        وهنا تجدر بنا الإشارة إلى الدور الذي لعبه أعضاء الجامعة البهائية في أمريكا الشمالية وعلى الأخص أحباء الولايات المتحدة في عملية البناء هذه. فقد أطرى حضرة عبد البهاء ومجّد الطاقات الروحانية لتلك الجامعة والخدمات التي قدمتها، كما أثنى حضرته على شعب الولايات المتحدة الأمريكية لما يتحلى به من صفات وقيم عالية. والأهم من ذلك أشار حضرته بأنَّ أمريكا ستكون مهد نشأة النظام الإداري الذي أوجده حضرة بهاء الله بنفسه.  ونظرًا لأهمية نقطة التّحول هذه في التاريخ البشري فقد قال حضرة بهاء لله:

 

        “إنَّه أشرق من جهة الشرق وظهر في المغرب آثاره”.

 

        طبقًا لذلك وعندما بدأ حضرة شوقي أفندي تشييد صرح النظام الإداري ركز انتباهه على أحباء أمريكا وسماهم بالمعاضدين الرئيسيين له. كان البعض منهم منشغلاً في المشاريع التبليغية البهائية خارج حدود منطقته وقد وفقت واحدة منهم وهي السيدة مارثا روت المنتسبة إلى عائلة أمريكية جليلة في إيمان الملكة ماري ملكة رومانيا(1).

 

ويعتبر البهائيون الأمريكان المنفذين الرئيسيين لوصية حضرة عبد البهاء. ومن خلال المراسلات التي تمت مع المحفل الروحاني المركزي للبهائيين في الولايات المتحدة وكندا(1) قام حضرة ولي أمر الله تدريجيًا بتوجيه وهداية المؤسسات المحلية والمركزية لكي تعمل طبقًا للمبادئ والتعاليم الأمرية. كما حث جاليات أخرى في دول مختلفة بالاقتداء بذلك. ونظرًا لأنَّ النظام الإداري يجب أن يكون موحّدًا في أموره الأساسية فالحاجة أصبحت ماسة لنموذج معين للعمل بموجبه على الرغم من اختلاف الثقافات التي تعتبر أمرًا ثانويًا.

 

        ويمكن القول بأنَّ الجامعة البهائية الأمريكية كانت مثالاً لهذا النموذج إلا أنَّ حضرة شوقي أفندي حذرهم بأنَّ طريقة عملهم يجب أن لا ترتبط بأي شكل من الأشكال بالنظام السياسي المتبع هناك. وعلى النقيض من ذلك لم يكن ظهور حضرة بهاء الله في بلاد فارس بسبب الأفضلية الثقافية لدى ذلك الشعب وإنما بسبب الانحطاط الخلقي الذي كان يعاني منه.  وبالمثل كان على النظام الإداري أن يتأسس في بيئة اجتماعية محاطة بالمادية والفوضى والفساد السياسي. وهناك وكما حدث في إيران أثبتت دعوة حضرة بهاء الله أنَّ القوَّة الإﻟﻬﻴﺔ هي القوة الوحيدة القادرة على تحريك وإشعال الناس والمجتمع(2).

 

        أصبح واضحًا فيما بعد السبب الذي جعل حضرة شوقي أفندي

 

يبذل جهدا كبيرًا في سبيل تطوير النظام الإداري البهائي خلال السنوات الأولى من دورة ولايته. لقد استطاعت المؤسسات الإدارية البهائية أن تكون أداة رئيسية من أجل إجراء وتنفيذ “الخطة الإﻟﻬﻴﺔ” لحضرة عبد البهاء بهدف نشر رسالة بهاء الله في شتى بقاع المعمورة.  وقبل أن يمكن لجامعة واسعة مترامية الأطراف أن تأخذ على عاتقها هذا المشروع العظيم كان من الضرورة تأسيس مؤسسات إدارية قادرة على اتخاذ قرارات تستطيع بموجبها حشد وتعبئة القوى العاملة الضرورية والمصادر اللازمة لذلك. فضلاً عن ذلك كان من الضروري إتاحة المزيد من الوقت لهذه المؤسسات حتى تعي مبادئ الإدارة البهائية وأصول المشورة.

 

        وطبقًا لذلك، وبعد ستة عشر عامًا من وفاة حضرة عبد البهاء وبالتحديد في عام 1937م بدأ حضرة شوقي أفندي يعمل بأسلوب منهجي منظّم من أجل تحقيق أهداف الرسائل والألواح التي بعث بها حضرة عبد البهاء إلى البهائيين في أمريكا الشمالية. ففي نيسان (إبريل) من عام 1937 تمَّ طرح أوَّل خطة مدتها سبع سنوات تحمل أهدافًا رئيسية ثلاثة، الهدف الأول: تأسيس محفل روحاني محلي واحد على الأقل في كل ولاية من الولايات المتحدة وفي كل إقليم بكندا. الهدف الثاني: ضمان وجود مبلّغ واحد على الأقل في كل دولة من دول أمريكا اللاتينية. الهدف الثالث: إتمام التصميم الخارجي لأول معبد بهائي في أمريكا الشمالية وهو المعبد (مشرق الأذكار) الذي وضع حجر الأساس فيه حضرة عبد البهاء بنفسه أثناء زيارته للولايات المتحدة عام 1912م، والذي يرمز إلى الجامعة البهائية العالمية نفسها من عدة وجوه. وعلى الرغم من المعوّقات التي وجدت أثناء الحرب

 

العالمية الثانية فقد تمَّ إنجاز هذا البناء بنجاح في الذكرى المئوية لإعلان دعوة حضرة الباب في شهر أيار (مايو) من عام 1944م.

 

        وبعد فترة فاصلة مدتها سنتان طرحت خطة السنوات السبع الثانية وذلك في عام 1946م. وكان التركيز في هذه المرة على قارة أوروبا التي كانت تضم محفلين مركزيين أحدهما في بريطانيا والآخر في ألمانيا. احتوت الخطة أيضًا على تأسيس محافل روحانية محلية في أمريكا اللاتينية وزيادة كبيرة في أعداد المحافل الروحانية في أمريكا الشمالية. وقد تصادف الختام الناجح لهذه الخطة مع مرور مائة سنة على بداية دعوة حضرة بهاء الله في سجن سياه چاﻝ. وكان أحد الأهداف الرئيسية لهذه الخطة تأسيس محفل روحاني مركزي مستقل في كندا وقد تحقق ذلك عام 1948م. وفي عام 1949 صدر مرسوم من البرلمان الكندي يقضي بالموافقة على تسجيل المحفل الروحاني المركزي رسميًا. وقد عبّر حضـرة ولي أمر الله عن هذا الإنجاز بقوله: “إنجاز رائع في سجل تاريخ الأمر المبارك سواء في الشرق أم في الغرب”.

 

        وهناك إنجازان كبيران لهذه الخطـة الثانية لهما علاقة بالجامعة البهائية في أمريكا الشمالية. ففي شهر نيسان (إبريل) من عام 1953 تم الافتتاح الرسمي لمشرق الأذكار في ويلمت – إيلينوي بالولايات المتحدة وهو أول معبد بهائي من مجموعة معابد يفترض بناؤها في كل قارة من قارات العالم الخمس. صمّم هذا المعبد مهندس معماري فرنسي– كندي يدعي جان لُوِي بُرجوا. وقد وصف هذا التصميم الرائع مهندس معماري إيطالي اسمه لو تيجي كواكلينو بقوله: “إنَّه إبداع جديد سيولد ثورة في عالم الهندسة المعمارية في العالم”.
وأضاف قائلاً: “بدون شك سيظل مذكورًا في صفحات التاريخ”. ومن الانتصارات الرئيسية الأخرى لهذه السنوات ذلك البناء الرائع الذي بدأه حضرة عبد البهاء بتشييد مقام حضرة الباب (المقام الأعلى). أمّا مهندس هذا المقام فهو شخص كندي آخر يدعي وليم ساذرلاند مكسويل الذي أقام حضرة عبد البهاء في منزله أثناء زيارته لمونتريال. هذا التصميم البارع الذي تزينه قبة ذهبية ورواق من الرخام الأبيض وأعمدة من الجرانيت الوردي يعتبر بالنسبة للمركز البهائي العالمي على سفح جبل الكرمل من أجمل المناظر المطلة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.

 

        وفي عام 1953م، ودون توقف، طرح حضرة ولي أمر الله للجامعة البهائية مشروعًا يعتبر أكثر المشاريع طموحًا في تاريخ الأمر المبارك، وهو خطَّة عالمية مدتها عشر سنوات سّماها “الجهاد الروحاني الكبير الأكبر”. تنتهي هذه الخطة في عام 1963 أي في الذكرى المئوية الأولى لإعلان دعوة حضرة بهاء الله في حديقة الرضوان. كان من ضمن أهداف الخطة فتح 132 دولة ومنطقة جديدة للأمر الإﻟﻬﻲ وتوسيع رقعة الجالية البهائية في 120 دولة ومنطقة في العالم. وأيضًا تأسيس محافل روحانية مركزية في غالبية دول أوروبا وأمريكا الجنوبية وزيادة كبيرة في أعداد المحافل المحلية والأفراد والأملاك والأوقاف الأمرية. تحققت أهداف الخطَّة حسب البرنامج الذي كان معّدًا لها تمامًا مثل ما سبقها من خطط (بل تعدتها بكثير) ولكن في ظروف اختلفت كثيرا عن توقعات الجامعة البهائية.

 

        ففي بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1957م، عندما كان حضرة شوقي أفندي في زيارة لبريطانيا لشراء الأثاث وما يحتاجه مبنى

 

دار الآثار العالمية الواقع على سفح جبل الكرمل، أصيب حضرته بأنفلونزا آسيوية وعلى إثرها توفي بسكتة قلبية يوم الرابع من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) تاركًا البهائيين في العالم مذهولين ومنصعقين موقتًا حيث كانت خطة السنوات العشر ما تزال بعد في منتصف مدتها.

 

        نظريًا يمكن اعتبار مؤسسة ولاية الأمر مؤسسة مستمرة حيث أشارت “ألواح الوصايا” لحضرة عبد البهاء إلى صلاحية ولي أمر الدين البهائي في تعيين خليفة له من بين أحفاد حضرة بهاء الله المباشرين (الأغصان) ولكنها أشارت إلى صفات معينة يجب أن تتوافر في الشخص المعين. ولكن حضرة شوقي أفندي توفى دون أن يترك أية ذرية أو وصية ويبدو واضحًا بأنَّ الصفات الروحانية المطلوبة لم تتوافر في أي من أعضاء العائلة طبقًا لما أشير إليه في “كتاب عهدي” و”ألواح الوصايا”. ولهذا لا يمكن أن يوجد ولي أمر ثان للدين البهائي وأنَّ المؤسسة الأخرى التي لها صلاحية قيادة وإدارة الجامعة البهائية هي مؤسسة بيت العدل الأعظم التي يجب أن تؤسس بالانتخاب(1).

 

        إنَّه مأزق واجه الجامعة البهائية في العالم، إلاّ أنَّ هناك حقائق ثلاث يمكنها الإجابة عن التساؤلات التي قد تثار:

 

        أولاً: من البيانات التي صرح بها حضرة شوقي أفندي كان واضحًا بأنَّ الظروف ستكون مهيأة لانتخاب بيت العدل الأعظم عندما تنتهي خطة العشر سنوات بنجاح.

 

        ثانيًا: وحتى ذلك الوقت ستتلقى الجامعة البهائية الهداية اللازمة والمطلوب لها من الخطَّة المفصلة التي طرحها حضرة شوقي أفندي.

 

        ثالثًا: في إحدى رسائله الأخيرة للعالم البهائي وصف حضرات أيادي أمر الله بأنَّهم “الحراس الكبار” لدين حضرة بهاء الله ودعاهم إلى التعاون وأنْ يكونوا قريبين من المحافل الروحانية المركزية لضمان تنفيذ أهداف مشروع السنوات العشر وحفظ وحدة الدين وأتباعه(1).

 

        قام حضرات أيادي أمر الله متأثرين بهذه الرسالة الأخيرة لحضرة ولي أمر الله بعقد سلسلة من اجتماعات سنوية خاصة نتج عنها مجموعة من الإعلانات والرسائل المهمة بما فيه الإعلان الرسمي بأنَّ حضرة شوقي أفندي لم يترك أية وصية أو ذرية لتحل محله في ولاية الأمر (في اجتماعهم عام 1957)، وإنَّ بيت العدل الأعظم يجب أن ينتخب بواسطة المحافل الروحانية المركزية في العالم في عام 1963 (في اجتماعهم عام 1959).

 

        وفي نيسان (إبريل) من عام 1961 تمَّ تأسيس واحد وعشرين محفلاً روحانيًا مركزيًا جديدًا في أمريكا اللاتينية وفي العام التالي تأسس أحد عشر محفلاً روحانيًا مركزيًا جديدًا في أوروبا. أمّا باقي أهداف خطَّة العشر سنوات فقد تحققت بل وفاقت الأهداف المرجوة. وهكذا بعد مضي مائة عام على إعلان حضرة بهاء الله دعوته لمجموعة قليلة من أتباعه في حديقة الرضوان ببغداد، وبالأحرى في ربيع من عام 1963 قام أعضاء ستة وخمسين محفلاً روحانيًا مركزيًا في العالم

 

بانتخاب بيت العدل الأعظم لأول مرة. وفي بادرة جليلة تدل على نكران الذات والتواضع، طلب حضرات أيادي أمر الله عدم انتخابهم لعضوية بيت العدل الأعظم وهي المؤسسة الإدارية العليا للجامعة البهائية.

 

        يعتبر انتخاب بيت العدل الأعظم بالنسبة للبهائيين حدثًا ذا أهمية فائقة. فبعد مضي أكثر من قرن واحد على الكفاح والاضطهاد والنزاعات الداخلية والخارجية، ومن خلال عملية الانتخابات الحرة استطاعت الجامعة البهائية أن توجد مؤسسة دائمة لها تعمل على هداية وتوجيه شئونها وشئون دينها. علاوة على ذلك فإنَّ حضرة بهاء الله بنفسه أشار إلى تأسيس هذه المؤسسة وجاء في آثاره وآثار حضرة عبد البهاء المبادئ والأسس العامة التي تحكم عمل بيت العدل.

 

        إنَّ عالمية وتنوع تكوين عضوية أول بيت عدل تتناسب مع طبيعة ووظيفة هذه المؤسسة، حيث ضّمت العضوية تسعة أفراد من أربع قارات، ومن خلفية لثلاثة أديان كبرى وهي اليهودية والمسيحية والإسلام بالإضافة إلى عدة أصول عرقية أخرى(1).

 

        وعلاوة على أهمية هذه المؤسسة فإنَّ تأسيس بيت العدل الأعظم هو دلالة على بروز وتجسيد ما يسميه البهائيون أصل وجوهر الدين وهو الوحدة والاتحاد. كما أنَّ ظهور هذه المؤسسة الإﻟﻬﻴﺔ والتي لها صلاحيات وسلطات غير قابلة للتحدي في جميع شئون الجامعة، يعني بأنَّ الدين البهائي ظلَّ متحدًا وموحّدًا خلال أصعب وأدق مرحلة في

 

تاريخ أي دين، وهو القرن الأول من بزوغه والذي عادة ما تنخر فيه التفرقة والشقاق.

 

        وكما تبّين لنا من أفعال الميرزا يحيى والميرزا محمد علي وإبراهيم خير الله هناك جهود ومحاولات أخرى بذلت من أجل إيجاد انقسام وتشعب في الجامعة البهائية خلال هذه المرحلة الحساسة والحرجة. والدليل على فشل جميع هذه المحاولات هو القيادة الناجحة والفذة لحضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء وحضرة وليّ أمر الله وهي شهادة حّية وصادقة للتاريخ([29]). ومع تأسيس هيئة دائمة لها سلطات وصلاحيات يتوجه إليها كافة المؤمنين والمؤسسات الإدارية على المستويين المحلي والمركزي، فإنَّ وحدة الجامعة تبلورت في شكل مؤسسات تضم كافة الأحباء([30]).

 

        إنَّ انتخاب بيت العدل الأعظم مهد الطريق لإنجاز مهمتين رئيسيتين أخذهما حضرة شوقي أفندي على عاتقه وهما:

 

        1 – إيجاد مؤسسات جديدة وهيئات إدارية طبقًا لحاجة الدين سريع التوسع.

 

        2–  وضع خطـط تبليغيـة عالمية جديدة للعمل المستمر لتحقيق رؤية حضرة عبد البهاء بهدف “الفتح الروحاني للكرة الأرضية”.

 

        في عام 1964م أي بعد عام على أول انتخاب له، طرح بيت العدل الأعظم خطّة مدتها تسع سنوات انتهت بنجاح في عام 1973 وصادفت الذكرى المئوية الأولى لنزول الكتاب الأقدس. وبعد ذلك طرحت أربعة مشاريع عالمية أنجزت أهدافها بكل نجاح بفضل توجيهات بيت العدل الأعظم. وما خطّة السنوات الأربع التي ابتدأت عام 1996 إلاَّ مشروعًا سينتهي مع نهاية القرن الحالي.

 

الفصل الخامس

التعاليم الرئيسية

 

        ثلاثة مبادئ أساسية :

 

        في بحثنا ومناقشتنا لتعاليم الدين البهائي سوف نتناول أولاً ثلاثة مبادئ أساسية وهي (1) وحدة الألوهية (2) وحدة الجنس البشري (3) وحدة أصل الأديان.

 

             (1) وحدة الألوهية :

 

        البهائية تؤمن بإﻟﻪ واحد، وهذا يعني بأنَّ الكون وجميع المخلوقات وما فيه من قوى قد خلقها خالق متعال وهو فوق قدرة الإنسان والطبيعة. هذا الموجود المقدس المنزه الذي نسميه الله سبحانه وتعالى له السلطة المطلقة على مخلوقاته وهو (القدير) بالإضافة إلى العلم والمعرفة الكاملة والشاملة وهو (العليم). وقد يكون لدينا مفاهيم مختلفة عن الله وطبيعته وقد نصلّي له بلغات مختلفة وندعوه بأسماء متنوعة مثل الله، يهوه، الرب أو براهما ولكننا في جميع الأحوال نتحدث عن نفس الوجود المقدس المنيع.

 

        تعظيمًا وتجليلاً لله سبحانه وتعالى يقول حضرة بهاء الله:

 

        “سبحانك اللهم يا إلهي أنت الذي لم تزل كنت في علو القدرة والقوة والجلال ولا تزال تكون في سمو الرفعة والعظمة والإجلال كل

 

العرفاء متحير في آثار صنعك وكل البلغاء عاجز من إدراك مظاهر قدرتك واقتدارك كل ذي عرفان اعترف بالعجز عن البلوغ إلى ذروة عرفانك وكل ذي علم أقر بالتقصير عن عرفان كنه ذاتك(1)“.

 

        أشار حضرة بهاء الله بأنَّ الله عزَّ وجل أعظم وأجل من أنْ يدركه أحد أو يتصوره العقل البشري المحدود أو يحدد بأي شكل من الأشكال:

 

        “شهد الله لنفسه بوحدانية نفسه ولذاته بفردانية ذاته ونطق بلسانه في عرش بقائه وعلو كبريائه بأنَّه لا إله إلا هو لم يزل كان موحد ذاته بذاته وواصف نفسه بنفسه ومنعت كينونته بكينونته وأنَّه هو المقتدر العزيز الجميل وهو القاهر فوق عباده والقائم على خلقه وبيده الأمر والخلق يحيي بآياته ويميت بقهره لا يسئل عما يفعل وإنَّه كان على كل شيء قدير وإنَّه لهو القاهر الغالب الذي في قبضته ملكوت كل شيء وفي يمينه جبروت الأمر وإنَّه كان على كل شيء محيط له النصر والانتصار وله القوة والاقتدار وله العزة والاجتبار وإنَّه هو العزيز المقتدر المختار(2)“.

 

             (2) وحدة الجنس البشري:

 

يعتبر وحدة الجنس البشري المبدأ البهائي الرئيسي الثاني، وهذا يعني بأنَّ كافة الجنس البشري يعتبرون من أصل مميز واحد ومن وحدة عضوية متكاملة. هذا الجنس البشري الواحد هو “أشرف المخلوقات” وأرقى شكل من أشكال الحياة وأسمى شعور خلقه الله سبحانه وتعالى لأنَّ بني الإنسان هذا هو الوحيد من بين المخلوقات الذي يستطيع أن

 

يدرك وجود الخالق تبارك وتعالى ويتصل به روحيًا وحول هذا الموضوع يقول حضرة بهاء الله :

 

        “يا أبناء الإنسان هل عرفتم لم خلقناكم من تراب واحد لئلا يفتخر أحد على أحد وتفكروا في كل حين في خلق أنفسكم إذا ينبغي كما خلقناكم من شيء واحد أن تكونوا كنفس واحدة بحيث تمشون على رجل واحدة وتأكلون من فم واحد وتسكنون في أرض واحدة حتى تظهر من كينوناتكم وأعمالكم وأفعالكم آيات التوحيد وجواهر التجريد هذا نصحي عليكم يا ملأ الأنوار فانتصحوا منه لتجدوا ثمرات القدس من شجر عز منيع([31])“.

 

        إنَّ وحدة الجنس البشري تعني أيضًا بأنَّ لجميع البشر مواهب وقدرات إﻟﻬﻴﺔ معطاة.  إنَّ الاختلافات الجسمانية مثل لون الإنسان أو تركيبة شعره هي أمور ثانوية وليس لها أية علاقة بامتياز أو أفضلية أية مجموعة عرقية على الأخرى. التعاليم البهائية ترفض جميع النظريات التي تقول بوجود أفضلية عرقية لأنَّه ثبت أنَّها نتيجة تصور خاطئ وجاهل(2).

 

        يؤمن البهائيون بأنَّ الجنس البشري مكوّن أساسًا من أصل واحد ولكن التعصب والجهل وحب السلطة والغرور كان السبب في منع الكثير من الناس من معرفة وقبول وحدانية هذا الأصل. إنَّ المهمة

 

الرئيسية التي أتى بها حضرة بهاء الله هي تغيير هذا الوضع وإيجاد وعي وإحساس عالمي بمبدأ وحدة الجنس البشري. وكما يعتقد البهائيون بأنَّ الوحدة العضوية التي هي الإنسان قد مرّت من خلال عمليات نمو وتكامل مشتركة تحت العناية الإﻟﻬﻴﺔ. وكما أنَّ عضوًا ما يتدرج في مراحل مختلفة ويتطور تدريجيًا للوصول إلى البلوغ، وكذلك الجنس البشري فإنَّه يتدرج في الوصول إلى مرحلة بلوغه.

 

        إنَّ المظهر الرئيسي للتعبير عن التطور الاجتماعي للإنسان هو قدرته على تنظيم مجتمعه والارتقاء بعناصره من الأفراد إلى مستويات عليا من الاتحاد مع مزيد من الاختصاص لأفراده وبالتالي زيادة الاعتماد المتبادل فيما بينها والحاجة إلى التعاون بين تلك العناصر المتخصصة. إنَّ تشكيل العائلة والقبيلة والمدينة والشعب يمثل مراحل مؤشرة على التطور الاجتماعي. أمَّا المرحلة التالية من عملية النمو الجماعي وهو وحدة العالم، أي تنظيم المجتمع في حضارة عالمية فإنَّه يمثل الوصول إلى قمة التطور الإنساني.

 

        تحدث حضرة شوقي أفندي عن هذا المبدأ البهائي فتفضل قائلاً:

 

        “إنَّ مبدأ وحدة الجنس البشري وهو المحور الذي تدور حوله جميع تعاليم حضرة بهاء الله ليس مجرد إحساس متدفق أو تعبير مبهم أو أمل زائف… إنَّه مبدأ لا يطبق على الأفراد فحسب بل يتعلق أساسًا بطبيعة العلاقات الرئيسية التي يجب أن تربط بين الدول والأمم باعتبارهم أعضاء في عائلة إنسانية واحدة… وإنَّه يتطلب تغييرًا عضويًا في هيكل المجتمع الحاضر على نحو لم يشهد العالم مثله من قبل… إنَّه يدعو إلى إعادة بناء العالم المتحضر برمته ونزع سلاحه… إنَّه يمثل قمة التطور الإنساني الذي بدأ بداياته الأولى بحياة العائلة ثمَّ تطور
حينما حقق اتحاد القبيلة الذي أدى إلى تأسيس الحكومة المدنية ثم توسع ليؤسس حكومات وطنية مستقلة ذات سيادة. إنَّ مبدأ وحدة الجنس البشري كما أعلنه حضرة بهاء الله يقوم على تأكيد شديد بأنَّ الوصول لهذه المرحلة النهائية من هذا التطور العظيم ليس ضروريًا فحسب بل حتمي الوقوع وأنَّ ميقات تحقيقه أخذ يقتـرب بسـرعة ولا يمكن تحققه بغير قوة إﻟﻬﻴﺔ المصدر(1).

 

        وعلى ذلك فإنَّ مبدأ وحدة الجنس البشري يقتضي ليس فقط وعيًا لدى الأفراد بهذا الأمر بل تأسيس وحدة الشعوب ثمَّ الحكومة العالمية وأخيرًا الحضارة العالمية. ونتيجة لذلك ليس كافيًا بأنْ يعترف العالم الإنساني بوحدته ثمَّ يستمر في حياته في عالم مفكك غاص بالخلاف والانحياز والتعصب والكراهية. علينا أنْ نعرب عن الاتحاد بواسطة بناء نظام اجتماعي عالمي متحّد مبني على المبادئ الروحانية. إنَّ تحقيق مثل هذا النظام يمثل الهدف الإﻟﻬﻲ المقدر لرقي الحياة الاجتماعية البشرية وتطورها:

 

        “… إنَّ هدف الحياة للفرد البهائي هو ترويج مبدأ وحدة الجنس البشري. وإنَّ جميع بواعث حياتنا مرتبطة بحياة جميع الكائنات البشرية. فما ندعو إليه ليس خلاصًا فرديًا بل خلاص العالم بأكمله… وما نصبو إليه إنما هو حضارة عالمية تعتمد على سلوكيات ورد فعل الأفراد. من جهـة هو عكس المسيحيـة الذي بدأ بالأفراد ومن خلاله وصل إلى حياة المجتمع الإنساني(2)“.

 

        وعلى ذلك فمن وجهة النظر البهائية فإنَّ الهدف الروحاني الرئيسي للمجتمع هو خلق بيئة مساعدة وصحية ومتطورة لجميع أعضائه. لقد وضع حضرة بهاء الله نظامًا مسهبًا ومفصلاً لتأسيس وحدة عالمية سنأتي على شرحه في الفصول القادمة. بصورة عامة ما اقترحه حضرته هو إعادة تشكيل البنية الاجتماعية على أساس من المشاركة والمشورة. هذه البنية الجديدة ستخدم الهدف الرئيسي وهو وضع حد للصراع والنزاع، مما يؤدي إلى تخفيف الفرقة والانقسام في المجتمع بين جميع فئاته. إنَّه هيكل تنظيمي جديد يحتضن عددًا من منظمات دولية فعالة في الحكومة العالمية مثل: مجلس تشريعي عالمي يضم ممثلين مخلصين ذوي صلاحيات واسعة وأيضًا محكمة دولية لها سلطات نهائية في حل قضايا الخلاف والنزاع بين الشعوب وكذلك إيجاد قوة شرطة دولية.

 

        أشار حضرة بهاء الله بأنَّ إيجاد هذه البنية الاجتماعية الجديدة يجب أن يصاحبها وعي فردي وجماعي بأهمية مبدأ وحدة الجنس البشري:

 

        “يا أهل العالم إنكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد اسلكوا مع بعضكم بكل محبة واتحاد ومودة واتفاق. قسمًا بشمس الحقيقة إنَّ نور الاتفاق يضيء وينور الآفاق([32])“.

 

        وفي فقرة أخرى قال حضرته أيضًا:

 

        “ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم… في الحقيقة إنَّ العالم يعتبر وطنًا واحدًا ومن على الأرض أهله(3)”.

 

        الوحدة والاتحاد في المفهوم البهائي يعني “الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد” وهو مفهوم يختلف عن التطابق والتماثل. إنَّ الوصول إلى الوحدة لا يأتي عن طريق إزالة الفروقات وإنمَّا عن طريق الإدراك المتزايد والاحترام للقيمة الجوهرية للحضارات ولثقافة كل فرد. إنَّ التنوع والاختلاف نفسه ليس سببًا في النزاع والصراع وإنما نظرتنا غير الناضجة نحوه وعدم تسامحنا وحميتنا هي التي تسبب الصراع دائمًا. شرح لنا حضرة عبد البهاء هذه النظرة في الفقرة التالية:

 

        “لاحظوا أزهار الحدائق على الرغم من اختلاف أنواعها وتفاوت ألوانها واختلاف صورها وأشكالها ولكن لأنَّها تسقى من منبع واحد وتنتعش من هبوب ريح واحد وتترعرع من حرارة وضياء شمس واحدة فإنَّ هذا التنوع والاختلاف سبب لازدياد جلال وجمال أزهار الحدائق… أمّا إذا كانت أزهار ورياحين الحديقة وأثمارها وأوراقها وأغصانها من نوع ولون واحد ومن تركيب وترتيب واحد فلا معنى ولا حلاوة له، أمّا إذا اختلفت لونًا وورقًا وزهرًا وثمرًا، فإنَّ في ذلك زينة وروعة للحديقة وتكون في غاية اللطافة والجمال والأناقة. وكذلك الأمر بالنسبة لتفاوت وتنوع أفكار وأشكال وآراء وطبائع وأخلاق العالم الإنساني فإنْ جاءت في ظل قوة واحدة ونفوذ واحد فإنَّها ستبدو في غاية العظمة والجمال والسمو والكمال. واليوم لا يستطيع أي شيء في الوجود أن يجمع عقول وأفكار وقلوب وأرواح العالم الإنساني تحت ظل شجرة واحـدة سوى القوة الكلية لكلمة الله المحيطة بحقائق الأشياء(1)“.

 

         إنَّ تأسيس الوحدة العالمية والحضارة الإنسانية يمثلان ذروة وقمة التطور الإنساني على هذا الكوكب. ولذا فإنَّ ذلك العصر يعتبر “العصر الموعود” للبشرية وهو عصر بلوغ الجنس البشري. وقد شرح لنا حضرة شوقي أفندي هذه الفكرة بالبيانات التالية:

 

        “إنَّ الغاية القصوى من ظهور بهاء الله ورسالته السامية هي الوصول إلى هذا الاتحاد الروحاني والعضوي لجميع الشعوب. فإذا كنا مخلصين في تطبيق مضامينه، فلا بد لهذا الاتحاد أن يؤدي إلى بروز ذلك العصر الموعود لكافة أركان الجنس البشري. يجب أنْ ننظر إلى ذلك العصر… على أنَّه دلالة على آخر وأعلى مرحلة من مراحل تكامل حياة الإنسان المشتركة على وجه الغبراء. إنَّ ظهور المجتمع العالمي وبروز الإحساس بالمواطنة العالمية وتأسيس الحضارة والثقافة العالمية… يجب أن تعتبر طبقًا لطبيعة الحياة الأرضية، بأنَّها أقصى ما يمكن أن يصل إليه تنظيم المجتمع البشري. ومع ذلك، فإنَّ الإنسان كفرد سيستمر، لا بل يجب عليه أن يستمر في النمو والتطور نتيجة لهذه المنزلة الكمالية التي وصل إليها البشر(1)“.

 

        إنَّ المراحل المختلفة من تطور الجنس البشري شبيهه تمامًا بمراحل حياة الفرد.  فالمرحلة الحالية يمكن وصفها بمرحلة المراهقة وهي التي تسبق مرحلة البلوغ فيقول حضرة شوقي أفندي:

 

        “إنَّ فترة الطفولة والصبا الطويلة التي مر بها الجنس البشري قد قاربت على النهاية، تمر البشرية الآن بفترة مليئة بالهرج والمرج دون استثناء وهي مرتبطة بأكثر المراحل انفعالية من مراحل تكامله وهي

 

مرحلة المراهقة عندما تندفع قوى الشباب بكل حماس وتصل إلى الذروة. ومن ثمَّ يجب أنْ يتحول هذا الاندفاع والحماس إلى هدوء وطمأنينة وحكمة وبلوغ وهي صفات تميَّز مرحلة الرجولة، عندئذ تصل البشرية إلى ذلك المستوى من النضوج الذي تسمح فيه لنفسها بامتلاك كل القوى والقدرات التي ستعتمد عليها في تطورها النهائي([33])“.

 

        أمّا بالنسبة لوصول البشرية إلى مرحلة البلوغ الكامل فقد قال حضرة شوقي أفندي:

 

        “هناك تغييرات عظيمة وسريعة ولا يمكن وصفها ستصاحب مرحلة البلوغ الذاتي ولا مناص عنها في حياة كل فرد… يجب… أن يظهر ما يشابهها في عملية تكامل منظومة المجتمع الإنساني. هناك مرحلة مشابهة ستصل إليها حياة البشرية جمعاء عاجلاً أم آجلاً وسيكون من ملامحها ظهور نظريات مدهشة في العلاقات الدولية وستمنح البشرية قوى العافية والرفاهية وهي المقومات الرئيسية التي ستوفر خلال عصور متتالية الدافع المطلوب لتحقيق ذلك المصير السامي([34])“.

 

        لاشك أنَّ كل ما نستطيع ملاحظته من تاريخ البشرية هو تاريخ طفولة الإنسانية ثمَّ مرحلة الصبا ومن ثمَّ المراهقة. ولهذا أكَّد حضرة بهاء الله بأنَّنا أحيانًا قد نستهين بالقدرات الحقيقية الكامنة بالجنس البشري. ولكن هذه القدرات الدفينة بالإنسان ستبرز وتتجلى عندما تصل البشرية إلى مرحلة النضج والبلوغ. يقول حضرة بهاء الله:

 

        “قد انتهت الظهورات إلى هذا الظهور الأعظم كذلك ينصحكم ربكم العليم الحكيم والحمد لله رب العالمين. إنَّ مقام ورتبة وشأن كل إنسان يجب أن يظهر في هذا اليوم الموعود(1)“.

 

        وباختصار فإنَّ المبدأ البهائي حول وحدة الجنس البشري يعني أنَّ الإنسان يمثل وحدة عضوية أساسية وقد طورت حياته الاجتماعية بالتدريج إلى مستويات أعلى من الوحدة مثل العائلة ثم القبيلة ثم المدينة ثمَّ الأمة. إنَّ المهمة الخاصة لحضرة بهاء الله هي إيجاد زخم ودفع للمرحلة التالية من هذا التكامل الاجتماعي، وبالأحرى تنظيم المجتمع الإنساني باعتباره حضارة تخص كوكب الأرض. يمكن الوصول لهذا الأمر من خلال تطوير بنية اجتماعية جديدة تعمل على التخفيض والحد من صراع المصالح وخلق مستوى جديد من الضمير الإنساني يؤمن إيمانًا قويًا بوحدة الجنس البشري. وفوق ذلك كله فإنَّ وحدة البشرية تعني وصول الإنسانية إلى مرحلة البلوغ أو النضوج خلال مراحل حياتها المشتركة.

 

        يمكن النظر إلى الجامعة البهائية بمثابة الجنين والنموذج المستقبلي للحضارة العالمية.  إنَّها تمنـح الفرد الفرصة السانحة لتطبيق مبدأ الوحدة والاتحاد ثم تطوير هذا الشعور الجديد. سنتعرض إلى هذا الموضوع بشكل مسهب في الفصل القادم.

 

             (3) وحدة الأديان :

 

المبدأ البهائي الرئيسي الثالث هو وحدة الدين. إنَّ هذا المبدأ له علاقة وثيقة بمبدأ وحدة الجنس البشري. جاء في بحثنا حول مفهوم

 

الوحدة العضوية للجنس البشري بأنَّ البشرية تدور في عملية نمو جماعية شبيهة بعملية النمو لدى الأفراد. ومثلما يبدأ الفرد حياته من المهد ويصل إلى سن البلوغ خلال مراحل متعاقبة يكون الشيء نفسه بالنسبة للجنس البشري حيث يبدأ حياته الاجتماعية الجماعية في مرحلة ابتدائية ومن ثمَّ وبالتدريج يصل إلى البلوغ. ففي حالة الفرد يبدو واضحًا بأنَّ التطور يكون نتيجة التعليم المستمد من الوالدين ومن المعلمين ومن المجتمع بصورة عامة. ولكن ما هي القوة الدافعة لمسيرة الجنس البشري في تطوره وتقدمه؟

 

        الجواب الذي يمكن أنْ يقدمه الدين البهائي هو “الدين السماوي”. في أحد الكتب الرئيسية التي جاء بها حضرة بهاء الله والمسمى بكتاب الإيقان شرَّع حضرته بأنَّ الله الخالق سبحانه وتعالى تدخل ويستمر في التدخل في تاريخ البشرية وذلك عن طريق إرسال الرسل أو المتحدثين باسمه. هؤلاء المرسلون الذين سماهم حضرة بهاء لله “مظاهر أمر الله” هم المؤسسون الرئيسيون للأديان الكبرى في العالم مثل سيدنا إبراهيم وموسى وبوذا والمسيح والرسول محمد r وغيرهم. إنَّ الروح التي أطلقها هؤلاء الأنبياء والمرسلون وأيضًا ونفوذ كلمتهم وتعاليمهم والنظام الاجتماعي الذي تأسس بواسطة أحكامهم وقوانينهم ونصائحهم هي التي أدت بالجنس البشري إلى الرقي والتقدم في مسيرة تطوره الجماعي. وبكل بساطة فإنَّ مظاهر أمر الله هم المعلّمون الكبار للبشرية.

 

        وبالنسبة للأنظمة الدينية المختلفة التي ظهرت في تاريخ الإنسانية يقول حضرة بهاء الله:

 

        “هذه الأصول والقوانين وتلك الأنظمة المحكمة المتينة قد ظهرت

 

من مطلع واحد وأشرقت عن مشرق واحد، أمّا اختلافها فراجع إلى اقتضاء الوقت والزمان والقرون والأعصار(1)“.

 

        وعلى ذلك، فإنَّ مبدأ وحدة الدين يعني بأنَّ مؤسسي الأديان وهم الأنبياء والمرسلون العظام جاءوا من جانب إﻟﻪ واحد وأنَّ الأنظمة الدينية التي أقاموها ما هي إلا جزء من خطّة سماوية تديرها القوة الإﻟﻬﻴﺔ.

 

        وفي الواقع هناك دين واحد، وهو دين الله، وهو ينمو ويتطور باستمرار وكل نظام ديني يعتبر مرحلة من مراحل ذلك التطور الكامل. والدين البهائي يمثل المرحلة المعاصرة من مراحل تطور دين الله.

 

        وللدلالة على أنَّ تعاليم الرسل وأفعالهم موجهة من قبل الله العلي القدير ولا تنبع من قدرات بشرية عادية، فقد استعمل حضرة بهاء الله كلمة “وحي” لوصف الظواهر والحوادث التي تحدث عند مجيء رسول سماوي جديد في كل مرة، خاصة وأنَّ كتابات الرسول الإﻟﻬﻲ تمثل كلمات الحق المعصومة، وبما أنَّها تبقى مدة طويلة بعد وفاة الرسول فإنَّها تعتبر جزءًا هامًا من مظاهر “الوحي”. وقد لوحظ بأنَّ كلمة “وحي” تستخدم في بعض الأحيان للإشارة فقط إلى كتابات مظهر أمر الله وكلماته.

 

        وينظر إلى التاريخ الديني على أنَّه عملية من تتابع الديانات السماوية من عند الله وأنَّ اصطلاح “تعاقب الظهورات” يستخدم للتعبير عن هذه العملية. وعلى ذلك يعتقد البهائيون بأنَّ تتابع الأديان وتعاقبها هو القوّة الدافعة والمحركة لتقدم البشرية وأنَّ حضرة بهاء الله هو

 

 المظهر الإﻟﻬﻲ الأحدث في سلسلة تعاقب ظهور الأنبياء والمرسلين(1).

 

        وللتركيز على المفهوم البهائي عن الدين بشكل أوضح، دعونا نقارنه بالمفاهيم الأخرى المطروحة لمضمون الدين. فمن جانب، هناك من يرى بأنَّ الأنظمة الدينية المختلفة ما هي إلاّ نتاج كفاح البشرية بحثًا عن الحقيقة. وفي ظل هذا المفهوم، لا يعتبر مؤسسو الأديان حاملين لرسالة سماوية للبشرية وإنَّما هم أشخاص من كبار الفلاسفة والمفكرين الذين توسعوا وتطوروا في بحثهم عن الحقيقة وتوصلوا إلى هذه المرتبة. هذه النزعة تستبعد فكرة وحدة أساس الدين، لأنَّ الأنظمة الدينية المختلفة تعّبر عن وجهات نظر متفاوتة واعتقادات مختلفة جاءت أصلاً من الإنسان وهو المعرض للخطأ، وهي تختلف عن الوحي الإﻟﻬﻲ الذي يمثّل الحقيقة والعصمة وهو نابع من مصدر واحد فقط.

 

        ومن جانب آخر، هناك الكثير من المتشددين من أتباع أديان مختلفة يقولون بأنَّ رسولهم أو مؤسس دينهم يمّثل دين الحق فقط وأنَّ الأنبياء والمؤسسين الآخرين ليسوا سوى أنبياء كذبة وعلى غير حق أو على الأقل هم دون نبيهم أو رسولهم مرتبة. مثال على ذلك، هناك الكثير من اليهود يعتقدون بأنَّ سيدنا موسى عليه السلام كان حقًا رسول الله ولكن سيدنا المسيح لم يكن كذلك. ونفس الشيء يعتقده الكثير

 

من المسيحيين بسيدنا المسيح عليه السلام ولكن لا يؤمنون بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأنَّ المسيح يحتل مقامًا أعلى من مقام موسى عليه السلام.

 

        إنَّ مبدأ وحدة الأديان من منظور الدين البهائي يختلف بشكل أساسي عن المفاهيم التقليدية المذكورة سابقًا. فقد ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ الاختلافات الموجودة في بعض تعاليم الأديان العظيمة يرجع سببها إلى اختلاف حاجات ومتطلبات الزمن الذي ظهر فيه الدين الجديد وليس إلى وجود نقص في مؤسس ذلك الدين. بالإضافة إلى ذلك أشار حضرته إلى أنَّ كثيرًا من الناس يدخلون للدين كثيرًا من البدع ويتلاعبون بالألفاظ وينسبون إليه كثيرًا من الأفكار الدخيلة، وفوق ذلك كله يؤمن البهائيون بأنَّ جميع الأنبياء والمرسلين هم في مصاف واحد وفي مرتبة واحدة. وقد لخص حضرة شوقي أفندي هذه النظرة في الكلمات التالية:

 

        “إنّ المبدأ الهام والأساسي الذي شرحه لنا حضرة بهاء الله ويؤمن به أتباعه بشكل جازم هو أنَّ الحقيقة الدينية ليست مطلقة وإنمّا نسبية وأنَّ الرسالة السماوية هي عملية مستمرة وفي تقدم وأنَّ جميع الأديان العظيمة في العالم سماوية في الأصل وأنَّ مبادئها الأساسية متماثلة ومتطابقة تمامًا وأنَّ أهدافها ومقاصدها متشابهة كما أنَّ تعاليمها تعكس لنا حقيقة واحدة وأنَّ وظائف هذه الأديان مكملة لبعضها البعض وأنَّ اختلافها الوحيد يكمن في الأحكام والحدود الفرعيِّة وأنَّ مهامهم هي التكامل الروحي للمجتمع الإنساني خلال مراحل متعاقبة ومستمرة([35])“.

 

        الظهور البهائي وآثاره الكتابية المقدسة:

 

        إنَّ آثار حضرة بهاء الله المقدسة إذا ما جمعت في مجلدات سنجدها تفوق المائة مجلد. كتب أغلبها في ظروف صعبة في السجن كما ذكر سابقًا. هذا الكم الهائل من الكتابات يمثل في مجموعه النصوص البهائية المقدسة. أمَّا ألواح حضرة عبد البهاء وتفاسيره وكذلك رسائل حضرة شوقي أفندي وتفسيراته فهي تمثل شرحًا وتوضيحًا للتعاليم والمبادئ البهائية ولها نفس الاعتبار والسلطة ما لآثار حضرة بهاء الله.

 

        ويمكن تقسيم آثار حضرة بهاء الله طبقًا لمواضيعها كالتالي:

 

        1- النوع الأول يحتوي على مفاهيم عرفانية أساسية مذكورة في كتاب الإيقان مع شرح لنظرية تعاقب الظهورات الإﻟﻬﻴﺔ واستمرارها.

 

        2- هناك نوع آخر من الألواح يتحدث عن مبادئ حياة الإنسان وسلوكه وهي مذكورة في نصح ووصايا حضرته حيث يتحدث إلى الناس باعتباره مظهر أمر الله على الأرض. في هذه الألواح شرح طبيعة الحياة والغاية منها ووصف مراحلها ودعا الناس إلى العمل طبقًا للإرادة الإﻟﻬﻴﺔ ومشيئته وبشرهم بالثواب وحذرهم من العقاب المحتوم المترتب على سلوكهم غير السوي.

 

        3- النوع الثالث يتضمن الأحكام والقوانين وهي أشبه ما تكون بالنصح والإرشاد ولكنها واجبة التنفيذ بالنسبة للبهائيين.

 

        4- وإلى جانب كل ذلك هناك المؤسسات الاجتماعية والإدارية التي وضع أسسها حضرة بهاء الله وحدّد سلطاتها ووظائفها واختصاصاتها بكل دقة وعناية.

 

 

        فالنوعان الأخيران وهما الأحكام والمؤسسات، يشكلان معًّا نظامًا يسمى “النظام الإداري” لحضرة بهاء الله. إنَّ هدف هذا النظام هو الحفاظ على وحدة الجالية البهائية وأيضًا تعتبر وسيلة لتأسيس الوحدة العالمية. الفصول القادمة من هذا الكتاب تتحدث عن النظام الإداري بعمق أكبر.

 

        الأنواع الأخرى من آثار حضرة بهاء الله التي يمكن تمييزها هي الأدعية والمناجاة والمواضيع العرفانية والفلسفية والتحليلات التاريخية. وما اختلاف المواضيع على شمولها إلاّ إشارة إلى اهتمام حضرة بهاء الله بحاجات الفرد ومتطلبات المجتمع.

 

        إنَّ أغلب المبادئ الأساسية المذكورة في هذه الآثار يمكن اعتبارها مبادئ مساعدة من أجل تحقيق الهدف البهائي الرئيسي وهو الوصول إلى نظام عالمي متحد، وسيؤدي تطبيقها إلى الحد من الصراع بين المجموعات وبين الأفراد وبالتالي إيجاد بيئة اجتماعية مناسبة لنمو تلك الوحدة وتطورها. وقد لخص حضرة شوقي أفندي أهم المبادئ البهائية بالبيان التالي وسنناقش ذلك بالتفصيل لاحقًا:

 

        “يؤمن الدين البهائي بوحدة الألوهية ووحدة الأنبياء والمرسلين ويدعو إلى البحث عن الحقيقة وينبذ جميع أنواع التعصب والخرافات وينبهنا إلى أنَّ الهدف الرئيسي للدين هو ترويج الوئام والتآلف ويجب أن يكون الدين مطابقًا للعلم ويكون أساسًا لمجتمع سلمي ومتطور ومنظم. إنَّه يدعو إلى تكافؤ الفرص والحقوق والمزايا لكلا الجنسين ويؤيد التعليم الإلزامي ويضع حدًا للفقر المدقع والغنى الفاحش ويعتبر العمل المنجز بروح الخدمة نوعًا من أنواع العبادة ويقترح تبني لغة عالمية مساعدة وإيجاد المنظمات الضرورية لتأسيس وحماية سلام
عالمي دائم”.

 

   على ضوء هذه الفقرة سنقوم بشرح بعض هذه المبادئ بشكل أكثر تفصيلاً:

 

        استقلالية البحث عن الحقيقة:

 

        إنَّ أحد مصادر الصراع الرئيسية في العالم اليوم هو أنَّ الكثير من الناس ينقادون نحو مختلف التقاليد والحركات والأفكار انقيادًا أعمى دون بحث وتمحيص. فالله جلَّ وعلا وهب كل إنسان العقل السليم والقدرة المناسبة للتمييز بين الحق والباطل. فإذا فشل الإنسان في استعمال قدراته العقلية واختار لنفسه قبول بعض الأفكار والآراء دون تفحصها ليس عن قناعة بها أو خوفًا من معتنقيها، يكون عندئذ قد أهمل دوره الخلقي الرئيسي كإنسان يعيش على هذا الكوكب.

 

        علاوة على ذلك، عندما يتصرف الإنسان بهذا الشكل يصبح عادة متشددًا ومتطرفًا في أفكاره وتقاليده ويكون غير متسامح مع من يخالفه في الفكر والرأي. وموقف كهذا يمكنه أن يجر صاحبه إلى الصراع. وقد شهد لنا التاريخ صراعات عديدة بل سفك دماء حول اختلاف رأي في الأمور الدينية البسيطة أو حتى في تغيير جزئي لتفسير بعض المسائل العقائدية.

 

        إنَّ البحث الشخصي عن الحقيقة يؤدي إلى أنَّ الفرد يعرف السبب في تمّسكه بفكرة أو عقيدة معينة. يعتقد البهائيون بأنَّه طالما أنَّ هناك حقيقة واحدة فإنَّ جميع الناس ستكتشف بالتدريج جوانبها والأوجه المختلفة لها، وفي نهاية المطاف سيصلون إلى فهم مشترك واحد شريطة أنْ يكونوا فعلاً باحثين عن الحقيقة بكل صدق وإخلاص. وفي

 

هذا الصدد يقول حضرة عبد البهاء :

 

        “الحقيقة واحدة ولا تتعدد. وما الاختلافات الظاهرة بين الشعوب والقبائل إلاَّ بسبب جنوحهم نحو التعصب فإذا ما بحث الناس عن الحقيقة بتجرد فسيجدون أنفسهم في اتحاد تام(1)“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        ويقول أيضًا:

        “إنَّ الحقيقة التي تجعلنا نتخيل أنفسنا على حق والآخرين على باطل ما هي إلاَّ أعظم العقبات في طريق الوحدة، والوحدة ضرورية إنْ أردنا الوصول إلى الحقيقة ذلك لأنَّ الحقيقة واحدة(2)“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        ترك التعصب والأوهام:

 

        أعطى حضرة بهاء الله اهتمامًا خاصًّا بمشكلة التعصب. فالتعصب يعني تمسك عاطفي قوي بفكرة أو رأي معين بغض النظر عن مطابقته للعقل والمنطق. إنَّ التعصب بشكله المعروف يبرز للوجود عندما ينتمي فرد إلى جماعة يعتقد بأنَّها مميزة عن غيرها. فيأخذ هذا الفرد بالتالي موقفًا سلبيًّا تجاه الذين يخالفونه في الرأي دون الاعتبار لما هم عليه من قدرات فردية. فالتعصبات قد تكون عرقية واقتصادية واجتماعية ولغوية أو ما إلى ذلك. فجميعها يؤدي إلى الصراع والنزاع لأنَّه يولد الفرقة بين مجموعات الناس. أمَّا الكراهية التي نشأت نتيجة ذلك، فغالبًا ما أدت إلى اضطراب اجتماعي وحرب بل إلى عمليات إبادة جماعية. لقد أمر حضرة بهاء الله أتباعه ببذل أقصى الجهد للتخلص من جميع أنواع التعصبات والخرافات الراجعة إلى الطبيعة

 

البشرية التي تؤدي إلى الحقد والكراهية.

 

        وضمن آثاره الكتابية التي تتعلق بالأخلاق، أنزل حضرة بهاء الله في: “الكلمات المكنونة” ما يدعونا إلى التأمل في رشح منها:

 

        “يا أبناء الإنسان هل عرفتم لم خلقناكم من تراب واحد لئلا يفتخر أحدٌ على أحد وتفكروا في كل حين في خلق أنفسكم إذا ينبغي كما خلقناكم من شيء واحد أن تكونوا كنفس واحدة بحيث تمشون على رجل واحدة وتأكلون من فمٍ واحد وتسكنون في أرضٍ واحدة وحتى تظهر من كينوناتكم وأعمالكم وأقوالكم آيات التوحيد وجواهر التجريد هذا نصحي عليكم يا ملأ الأنوار فانتصحوا منه لتجدوا ثمرات القدس من شجر عزٍّ منيع”.

 

        اتفاق الدين والعلم:

 

        من أحد الأسباب الرئيسية للنزاع والصراع في العالم اليوم هو الفكرة العامة بأنَّ هناك تعارضًا أساسيًّا بين العلم والدين، وأنَّ الحقيقة العلمية تناقض الدين في بعض جوانبه، وأنَّ على الإنسان أن يختار بين تمّسكه بالدين وإيمانه بالله أو أنَّ عالمًا خاضعًا للعقل والمنطق.

 

        فالتعاليم البهائية تؤكد على الاتحاد الجوهري بين العلم والدين. وقد أشار حضرة   عبد البهاء إلى هذا الموضوع ضمنيًّا في بيانه السابق بأنَّ الحقيقة واحدة وغير قابلة للتجزؤ، فلا يمكن لأمر ما أن يكون خطأ من الناحية العلمية وصحيحًا من الناحية الدينية. كما شرح حضرته هذا الموضوع بشكل مسهب في الفقرة التالية:

 

        “إذا كانت الآراء والمعتقدات الدينية مغايرة للمفاهيم والمقاييس العلمية فإنَّ ذلك يعتبر ضربًا من الأوهام والخيال، ذلك لأنَّ عكس

 

المعرفة هو الجهل ومولود الجهل خرافات وأوهام ولابد من وجود التوافق والاتفاق التام بين الحقيقة الدينية والعلم. ومن المستحيل الإيمان بمسألة تخالف العقل والمنطق لأنَّ فيها يكون التأرجح والتردد(1)“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        أكدَّ حضرة بهاء الله بأنَّ الطاقات الفكرية والعقليـة للإنسان هي مواهب من الله العلي القدير، والعلم هو نتاج الاستخدام المنظم للقوى العقلية. وعليه فإنَّ الحقائق العلمية هي حقائق مكتشفة بينما الحقائق الدينية هي حقائق منزلة وهي التي أرانا الله إياها دون أنْ نكتشفها بأنفسنا. ويؤمن البهائيون بأنَّ الله الواحد الأحد هو الذي أنزل الحقائق الدينية وهو الذي أوجد الفكر والعقل من أجل الاكتشافات العلمية. وعليه لا تناقض بينها لأنَّ موجدها جميعها واحد.

 

        أمَّا التناقض الظاهري بين العلم والمعتقدات الدينية التقليدية فهو من صنع الإنسان المعرض للخطأ والغطرسة. وعلى مر القرون تخلل مختلف الأنظمة الدينية تحريف وتغيير بالتدريج مما عكر صفاء تلك التعاليم والمبادئ الأساسية التي أتى بها مؤسسو الأديان. ومع مرور الزمن أصبح من الصعب التمييز بين ما هو محرّف وما هو أصيل، وعلى نفس المنوال نرى أنَّ النتائج المستقاة من بعض مدارس العلم والمعرفة غير الرصينة أصبحت أكثر جاذبية وشعبية من النتائج الحاصلة من الأبحاث العلمية الدقيقة والمعتبرة مما أدى ذلك إلى تشويش الحقيقة. وقد أكد حضرة عبد البهاء بأنَّ الدين والعلم في الواقع مكمّلان لبعضهما البعض. وفي سياق هذا الموضوع قال حضرته:

 

        “الدين والعلم جناحان يطير بهما الإنسان إلى العلي وبهما تترقى الروح الإنساني. فمن المستحيل الطيران بجناح واحد، فإذا ما طار الإنسان بجناح الدين وحده فسرعان ما يقع في مستنقع الوهم والخرافة، وإذا ما طار بجناح العلم وحده فسيقع في وهدة المادية التي تحول دون تقدمه. إنَّ جميع الأديان في وقتنا الحاضر قد وقعت ضحية التقاليد والأوهام بعيدًا عن حقيقة التعاليم التي جاءت بها وعن ثمار الاكتشافات العلمية لهذا العصر([36])“.(مترجم عن الإنجليزية)

 

        وفي فقرة أخرى من خطب حضرة عبد البهاء في أوربا وأمريكا أكد حضرته بأنَّ نتيجة توافق العلم والدين هي تقوية وتعزيز الدين وليس ضعفه مثلما يتخوفه المدافعون عن الدين:

 

        “لهذا يجب على الدين والعلم أن يتطابقا. إنَّ جميع هذه التقاليد التي لدى الأمم نظرًا لكونها مغايرة للعلم والعقل فإنَّها سبب للخلاف والوهم لهذا يجب أنْ نتحرى حقيقة كل موضوع وإن تحقق ذلك فإنَّ جميع الأديان تصبح دينًا واحدًا لأنَّ أساسها حقيقة واحدة، والحقيقة الواحدة لا تتجزأ(2)“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        تساوي حقوق الرجال والنساء:

 

        بينما تذهب العديد من التقاليد والأعراف الدينية والفلسفية إلى الاعتقاد بأنَّ المرأة يجب أنْ تكون خاضعة للرجل في نواح معينة من

 

الحياة الاجتماعية وحتى أنَّ المرأة في درجة أدنى من الرجل، فإنَّ الدين البهائي يدعو إلى تساوي حقوق المرأة بالرجل. فقد أكدَّ حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء بأنَّ المرأة لديها القدرات العقلية المساوية للرجل وفي المستقبل تستطيع المرأة إظهار طاقاتها لكي تحقق انتصارات في المجالات الذهنية والعلمية في جميع أوجه الشئون الإنسانية. إنَّ السبب الوحيد الذي عرقل المرأة من أجل الوصول إلى هذا الهدف هو حرمانها من الفرص التعليمية والاجتماعية اللازمة. بالإضافة إلى ذلك فإنَّ الرجال نظرًا لقوتهم الجسمية فقد سيطروا على المرأة خلال عقود من الزمن وبذلك منعوا المرأة من تطوير قواها الحقيقية. وفي هذا الصدد يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “كان العالم في العهود السالفة أسير سطوة الرجال تحكمه قسوتهم وتسلّطهم على النساء بصلابة أجسامهم وقوة عقولهم وسيطرة شدتهم. أمَّا اليوم فقد اضطربت تلك الموازين وتغيرت واتجه العنف جهة الاضمحلال، لأنَّ الذكاء والمهارة الفطرية والصفات الروحانية من المحبة والخدمة التي تتجلى في النساء تجليًا عظيمًا صارت تزداد سموا يومًا فيومًا. ولهذا في هذا القرن البديع جعل شئون الرجال تمتزج امتزاجًا كاملاً بفضائل النساء وكمالاتهن. وإذا أردنا التعبير تعبيرًا صحيحًا قلنا أنَّ هذا القرن سيكون قرنًا يتعادل فيه هذان العنصران: الرجل والمرأة تعادلاً أكثر، ويحصل بينهما توافق أشد([37])“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        ووجه هام من وجوه الوحدة العالمية سيكون الحصول على مزيد

 

من التوازن بين الرجل والمرأة في تأثيرهما على المجتمع. وفي الواقع، فأنَّ زيادة تأثير المرأة في المجتمع سيؤدي إلى الحد من الحروب وإقامة السلام الدائم. يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “مرَّت البشرية في العصور السالفة بمراحل من النقص والفتور لأنَّها لم تكن كاملة.  فالحروب وآثارها قد أصابت العالم بآفاتها. إنَّ تعليم المرأة سوف يكون خطوة جيدة نحو إنهاء الحروب والقضاء عليها ذلك لأنَّ المرأة ستستخدم كامل تأثيرها ضد الحرب… وفي الحقيقة فإنَّ المرأة ستكون عنصرًا رئيسيًا في تأسيس السلام العالمي والمحكمة الدولية. وبالتأكيد ستعمل المرأة على إنهاء الحروب بين الجنس البشري(1)“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        التعليم العمومي:

 

        أوجد حضرة بهاء الله خطوات عملية لتحقيق دعوته في مساواة حقوق المرأة بالرجل ودعا الناس إلى ضرورة تعليم الأطفال وتربيتهم. وإذا كانت المشاكل العائلية أو المالية تعيق ذلك، إنْ لم تستطع الجالية تلبية هذه الحاجة فإنَّ أولوية التعليم يجب أنْ تعطى للإناث دون تردد. هذا العمل يؤدي إلى تحقيق هدفين:

 

        الأول: في مساعدة النساء على التغلب على نقصهن من عدم المساواة في الماضي.

 

        الثاني: طالما أنَّ الأمهات هن المربيات الأوائل في المجتمع، فإنَّ الجيل القادم سيحصل على أكبر فائدة ممكنة من التعليم المقدم له من الأسرة أو من الجالية.

 

        العدالة الاقتصادية – الحد من الغنى الفاحش والفقر المدقع:

 

        إنَّ مبدأ وحدة الجنس البشري الذي تصوره حضرة بهاء الله هو مبدأ قائم على العدالة.  ومن الأمثلة الملفتة للنظر لحالة اللاعدالة في العالم اليوم هو عدم التوازن في الشئون الاقتصادية وفي الأمور المادية. هناك نسبة قليلة من الناس يملكون ثروات طائلة وهذه الأقلية تتحكم في الوسائل الرئيسية للإنتاج والتوزيع بينما نلاحظ إنَّ غالبية سكان العالم يعيشون في فقر مدقع وبؤس شديد. حالة اللاتوازن هذه موجودة بين الناس وبين الشعوب حيث إنَّ هناك بعض الشعوب الصناعية تملك ثروات طائلة بينما بعض الشعوب الأخرى مازالت فقيـرة وغير متقدمة. وفوق ذلك فإنَّ الهوة بين الغني والفقير آخذة في الاتساع في كل سنة مما يدل على أنَّ الأنظمة الاقتصادية الحالية غير قادرة على إيجاد عدالة متزنة. لقد أكد حضرة بهاء الله على أنَّ اللاعدالة الاقتصادية مرض أخلاقي وغير مقبول لدى الله عز وجل. ومما ذكره حضرة عبد البهاء:

 

        “عندما نرى بأنَّ الفقر قد تحّول إلى حالة من الحرمان فأنَّ ذلك دلالة على أنَّ هناك نوع من الاستبداد والطغيان(1)“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        كما قال حضرة بهاء الله في الكلمات المكنونة: “يا ابن الإنسان أنفق مالي على فقرائي لتنفق في السماء من كنوز عز لا تفنى وخزائن مجد لا تبلى ولكن وعمري إنفاق الروح أجمل لو تشاهد بعيني”.

 

        وفي سورة البيان قال حضرته أيضًا:

 

        “لا تحرموا الفقراء عما أتاكم الله من فضله وإنَّه يجزي المنفقين ضعف ما أنفقوا إنَّه ما من إله إلا هو له الخلق والأمر يعطي من يشاء ويمنع عمن يشاء وإنَّه لهو المعطي الباذل العزيز الكريم”.

 

        من الأسباب الرئيسية المؤدية إلى فقدان العدالة الاقتصادية لاشك إنَّها المنافسة الشديدة وغير الشريفة. وبالرغم من أنَّ المنافسة المحدودة كانت دون شك وسيلة تشجيعية لدفع الإنتاج خلال فترة من التاريخ عندما كانت وسائل وطرق الإنتاج أقل تطورًا ونموًا، ولكن اليوم يجب أنْ يحل محلها التعاون والتآزر. إنَّ الموارد البشرية والمادية المتوفرة لدينا يجب أن توظف لمصلحة الجميع وعلى المدى البعيد وليس لمصلحة طبقة محدودة من الناس ولفترة قصيرة.  ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون التعاون البناء بدل من المنافسة والمضاربة واعتباره أساسًا للنشاط الاقتصادي المنظم.

 

        يجب أنْ يسود التعاون بين جميع طبقات الجامعة. وقد شرح حضرة عبد البهاء بأنَّه حتى المشاريع الفردية يجب أن تعكس تلك المشاركة بين العامل وصاحب العمل بأن يأخذ العامل بالإضافة إلى راتبه، نسبة معينة من الأرباح. وبهذه الطريقة نلاحظ أنَّ العمال وأصحاب العمل يعملون معًا في مشروع تعاوني مشترك، ولا تضارب في مصالحهم المشتركة. إنَّ النظام الحالي الذي يستحوذ فيه صاحب العمل على جميع الأرباح يؤدي إلى حدوث نزاع وصدام بينه وبين العمال مسببًا اختلالاً اقتصاديًا وظلمًا واستغلالاً في أغلب الأحيان. وبالنسبة للمنافسة، وسعيًا وراء السلطة والقوة يقول حضرة بهاء الله:

 

        “عندما يبحث الناس عن التعالي والامتياز يخرب العالم بل يقفر… ومما لاشك فيه فإنَّ الإنسان مخلوق نبيل وفيه نشاهد آية الحق. أمَّا إذا رأى نفسه أعلم وأرجح وأفضل وأتقى وأرفع من الآخرين فهذا هو الخطأ الكبير(1)“.

 

        ويبّين لنا حضرة عبد البهاء بأنَّ التعاون يمنح المجتمع حياة مثلما يعيش الكائن الحي بتعاون أجزاء جسمه المختلفة المكونة له. حيث تفضل حضرته:

 

        “في عالم الوجود جميع الكائنات لها علاقة مع بعضها البعض ومن هذه العلاقة يحصل التعاون والتعاضد، وهذا التعاون والتعاضد هو سبب البقاء والحياة، وأن استبعد التعاون والتعاضد ولو لدقيقة واحدة مـن حقائق الأشيـاء تنحـل جميع الكائنات وتصبح هباء منثورًا(2)“.

 

وفي إطار نظام اقتصادي قائم على التعاون فإنَّ التعاليم البهائية تقبل الملكية الفردية والحاجة إلى مبادرة اقتصادية فردية. أضف إلى ذلك فإنَّ المبادئ البهائية حول الاقتصاد لا تشير إلى ضرورة أنْ يكون لجميع الأفراد دخل متساوٍ. فهناك تباين في طبيعة الاحتياجات ثمَّ القدرات بين إنسان وآخر، وهناك بعض أنواع من الخدمة للمجتمع مثل التعليم يحصل أفراده على مكافأة وتعويض أكبر من الخدمات الأخرى.

 

         وعلى أي حال يجب تنظيم جميع تلك المستويات في الدخل ضمن حدود محددة. فمن جانب يجب أنْ يكون هناك حد أدنى للدخل يفي بمتطلبات الإنسان ورفاهيته. وإنْ لم يستطع دخل الفرد تلبية احتياجاته

 

الضرورية لأي سبب كان (مثل العجز أو غيره) فيجب على هذا الفرد أنْ يحصل على تعويض من المال العام. ومن جانب آخر يجب أنْ يكون هناك حد أقصى للدخل أيضًا. فمن خلال إيجاد نظام ضرائبي متطور ووسائل أخرى يمكن الحد من تراكم ثروة ضخمة للفرد خارج حدود معينة. وطبقًا لبيان صريح من قبل حضرة عبد البهاء لا مكان “لمليونير” في مجتمع قائم على المبادئ البهائية لأنَّه يصبح من المستحيل جمع ثروة طائلة لا ضرورة لها.

 

        أمَّا بخصوص التباين في الرواتب فسوف يستمر ليمّكن المجتمع من دعم جهود فئات مثل الأطباء والمزارعين وتشجيعهم على أداء وظائفهم الهامة لمجتمعهم. إلا أنَّ هذه الفروقات يجب أنْ يكون لها حدود وضوابط معينة للتأكد من عدم حرمان طبقة معينة من الحد الأدنى للراتب وأيضًا عدم السماح لبعض الفئات امتلاك ثروات ضخمة. وعلى ذلك فإنَّ المبادئ البهائية الخاصة بالاقتصاد تحتوي على عناصر مشابهة للأنظمة الحالية ولكنها تتضمن رؤية نحو إيجاد نظام اقتصادي جديد وفريد من نوعه قائم على توزيع عادل للسلع والخدمات، ولا نظير له في رؤيته العالمية(1).

 

        الأساس الروحي للمجتمع :

 

        في بحثنا للقضية الاقتصادية والاجتماعية تجدر الإشارة بأنَّ حضرة

 

بهاء الله وحضـرة عبد البهاء قد أكّـدا بأنَّ إعادة تنظيم الأنشطة الاقتصادية من أجل الحد من تضارب المصالح ما هو إلاَّ جزء من حل المشكلة. إنَّ أصل مشكلة اللاعدالة الاقتصادية هو الأطماع البشرية. وعليه، يتحتم علينا أساسًا تغيير المفاهيم والمواقف. فإذا ما بقى الإنسان على أطماعه وأنانيته وغير ناضج غارقًا في الماديات مفتقرًا إلى الروحانيات فإنَّ أفضل الأنظمة الاقتصادية وأكملها سوف لا يعمل بكفاءة. إنَّ الحل الأمثل والمرضي للأزمة الاقتصادية العالمية الحالية يكمن في إيجاد تغيير جذري في عقول الناس وقلوبهم، وهو لا يأتي إلاّ عن طريق الدين وفي هذا الصدد يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “إنَّ الأسس التي تقوم عليها الأحوال الاقتصادية برّمتها إﻟﻬﻴﺔ في طبيعتها، ولها ارتباط بعوالم القلب والروح([38])“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        هذا المبدأ يبدو أنَّه جيد وصالح ليس للاقتصاد فحسب بل لجميع الأنشطة والمشاكل الإنسانية. فالتعاليم البهائية تؤكد على أنَّ طبيعة الإنسان روحية في جوهرها، ولا يمكن إيجاد حل دائم وشامل للمشاكل الإنسانية دون أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار. وكل شيء بالأساس مرتبط بالهدف الروحي لوجود الإنسان، وهو معرفة الخالق عز وجل ومحبته ثمَّ تطوير القيم والفضائل الروحية لديه.

 

        ولهذا السبب جاءت آثار حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء لتشمل بهدايتها جزءًا كبيرًا من الأنشطة الإنسانية. ولا يمكن وضع حد فاصل بين الجوانب الدنيوية والدينية للحياة.  وإنْ أردنا لحياتنا أنْ تنجح فعلينا أنْ ننظر إلى جميع جوانبها من منظور روحاني. ونظرًا لأنَّ الدين عبارة

 

عن استمرارية للهداية الإﻟﻬﻴﺔ للعالم البشري، ويعتبر ذا بعد روحاني خاص وأهمية خاصة للإنسان، فإنَّ الدين السماوي يمكن أن يكون قاعدة للمجتمع وإنَّ المساعي الإنسانية لحل مشاكل العالم دون الرجوع إلى الدين وإلى المشيئة الإﻟﻬﻴﺔ ستؤول بالفشل. بالنسبة لهذا الموضوع يقول حضرة شوقي أفندي:

 

        “لقد ذهبت الإنسانية ويا للأسف بعيدًا في ضلالها وأصابها انحطاط هائل إلى درجة يصعب معها إنقاذها، إذ لا جدوى من جهود لا تأييد لها والتي يبذلها أشهر القادة ورجال الدولة البارزين مهما كانت نواياهم خالصة، ومهما بلغت أعمالهم من الإعداد والتخطيط… فلا جدوى من أي خطط تأتي نتيجة حسابات أكثر زعماء السياسة أهمية ولا فائدة من العقائد التي يسعى أصحاب النظريات الاقتصادية تقديمها ولا جدوى من أي مبادئ يحاول دعاة الإصلاح والأخلاق من خيرة القوم غرسها في النفوس ما لم توفر في نهاية الأمر القاعدة الصحيحة التي يمكن أن يبنى عليها صرح المستقبل لعالم مشتت الأفكار والحواس([39])“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        لغة عالمية إضافية:

 

        إنَّ تعدد اللغات وهو ما يتصف به عالمنا المتحضر اليوم يعتبر عقبة رئيسية أمام وحدة العالم. فعلى مستوى الاتصالات الفعلية فإنَّ وجود لغات متعددة يجعل من الصعب تدفق المعلومات بشكل يسير ويجعل من الصعب على الفرد المتحدث بلغة واحدة أن يحصل على منظور

 

عالمي لأحداث العالم. هناك توجه من قبل بعض الفئات أو الشعوب نحو التمسك بلغتها وثقافتها وبالتالي اعتبارها أفضل وأحسن من غيرها. هذه النظرة الفوقية أو الغلو في الوطنية عادة ما تؤدي إلى الصراع.

 

        ولهذا فليس من العجب أنْ نرى أنَّ الحل الذي طرحه حضرة بهاء الله لوحدة الجنس البشري يتضمن تبنّي لغة عالمية إضافية. حيث دعا حضرته إلى تعلم لغة أخرى واحدة في جميع المدارس التعليمية في العالم. وبذلك وخلال جيل واحد يستطيع الكل أنْ يتعلم بالإضافة إلى لغته الأصلية لغة عالمية أخرى مشتركة. هذه اللغة العالمية يمكن أنْ تكون لغة مخترعة مثل لغة الاسبرانتو أو من إحدى اللغات المتداولة. ومن محاسن اختيار إحدى اللغات الموجودة، هو وجود نسبة من شعوب العالم يتحدثون بها ويتعلمونها بينما من محاسن اختراع لغة جديدة هو حيادية هذه اللغة وأيضًا إعطاء الفرصة لإيجاد قواعد لغوية بسيطة وسهلة(1).

 

        يؤمن البهائيون بأهمية اختيار لغة عالمية إضافية إلى جانب اللغة

 

الوطنية، ولكنهم لا يرجّحون لغة معينة على لغات أخرى سواء كانت هذه اللغة موجودة أم مخترعة. إنَّ اختيار هذه اللغة سيتم بواسطة لجنة دولية من الخبراء ويتم إقرارها من قبل شعوب العالم. كما أكدَّ حضرة بهاء الله بأنَّ اللغة العالمية ستكون لغة إضافية ومساعدة بمعنى إنَّها سوف لن تحل محل اللغات الموجودة. إنَّ مبدأ “الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد” يجب أن يطبق في مجال اللغات المختلفة كما هو مطبق في الشئون الأخرى. ونظرًا لأنَّ هناك ضغوطًا مختلفة على الأقليات اللغوية تهدد بذوبانها بين اللغات السائدة والمسيطرة في المجتمع فإنَّ وجود لغة عالمية إضافية سيساعد تلك اللغات الأقلية في حفظ وجودها وبالتالي حفظ ثقافة الاقليات([40]).

 

        وجها الظهور الإلهي:

 

         من أجل الفهم الجيد للتعاليم البهائية من الضروري بمكان أن نستوعب ونفهم الدور الذي يلعبه أي ظهور سماوي في تاريخ البشرية. في توضيحهما لمفهوم استمرار الهداية الإﻟﻬﻴﺔ أوضح وشرح حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء بأنَّ كل دعوة سماوية لها هدفان رئيسيان. الهدف الأول: هو العمل على زيادة معرفتنا بالله سبحانه وتعالى والإيمان بإرادته المطلقة ومشيئته النافذة للبشرية ثمَّ زيادة معرفتنا بالآخرين وبأنفسنا. ولكن كل ظهور سماوي يأتي في مكان وزمن معين

 

        وفي مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي عندما تكون البشرية في مواجهة مشاكل معينة ولها احتياجات خاصة. وعلى ذلك فإنَّ الهدف الثاني لأي دعوة سماوية هو هداية الجنس البشري للطرق العلمية ومنحه العلم اللازم والضروري لمواجهة التحديات المعاصرة.

 

        إنَّ الفرق الوحيد بين الهدفين هو أنَّ الأول هو هدف عام بينما الثاني هدف خاص.  في الحالة الأولى يوجه المبعوث السماوي رسالته إلى العالم البشري حول مواضيع عالمية وجوانب مختلفة للحياة مثل معاناة الإنسان وولادته ومماته وظواهر مثل الخوف والحب.  فالخبرات التي يكتسبها الإنسان من هذه الجوانب المختلفة للحياة تعتبر من مقومات حياته بغض النظر عن مكانه أو زمانه. أما في الحالة الثانية، فالرسول الإﻟﻬﻲ يخاطب الجنس البشري بأبعاد معينة يختص بالمكان والزمان، وعلى ذلك فإنَّ الحدود والأحكام الإﻟﻬﻴﺔ التي نزلت من أجل تلبية متطلبات كل عصر لها جانبان. الجانب الأول هو عام أو أبدي والجانب الآخر هو اجتماعي أو مؤقت. وقد شرح لنا حضرة عبد البهاء هذين الجانبين للدين بما يلي:

 

        “كل دين من الأديان الإﻟﻬﻴﺔ المقدسة التي نزلت حتى اليوم منقسم إلى قسمين: أحدهما الروحانيات وهي معرفة الله وموهبة الله وفضائل العالم الإنساني والكمالات السماوية، وهذا القسم يتعلق بعالم الأخلاق وهو الحقيقة والأصل. وجميع أنبياء الله دعوا الناس إلى الحقيقة، فالحقيقة هي محبة الله ومعرفة الله وهي الولادة الثانية، والحقيقة هي الاستفاضة من الروح القدس وهي وحدة العالم الإنساني، وهي الألفة بين البشر وهي المحبة والصداقة وهي العدل وهي المساواة بين البشر. وقد روّجها وأسسها أنبياء الله جميعًا. ومن

 

ثمَّ فالأديان الإﻟﻬﻴﺔ واحدة. والقسم الثاني من الدين متعلق بالجسمانيات وهو فرعي وليس أساسيًا ويحدث فيه التغيير والتبديل بحسب مقتضيات الزمان. فالطلاق مثلاً جائز في شريعة التوراة وليس جائزًا في شريعة السيد المسيح. وفي شريعة موسى كان السبت وفي شريعة المسيح نسخ ذلك الأمر. فجميع هذه الأمور تتعلق بالجسمانيات ولا أهمية لها وهي تتغير وتتبدل حسب مقتضيات الزمان… وخلاصة القول إنَّ هذا القسم الذي يتعلق بالعالم الجسماني يحدث فيه التغيير والتبديل تبعا لمقتضيات الزمان(1)“.

 

        من أسباب الصراع الرئيسية بين الأنظمة الدينية المختلفة هو فشل أتباع هذه الديانات في التمييز بين القسمين. ونظرًا لأنَّ الأحكام الاجتماعية قابلة للتغيير تبعًا لتطور البشرية ونموها فإنَّ أتباع الديانات يصابـون بخيبة أمل إذا أصروا على اعتبار أنَّ هذه الأحكام والقوانين غير قابلة للتغيير والتجديد. فمثلاً قام السيد المسيح عليه السلام بتغيير عدة أحكام وقوانين اجتماعية خاصة باليهود لدرجة أنَّ ذلك أثار حفيظة وسخط المتعصبين اليهود.

 

        إنَّ بعض المبادئ البهائية التي تمَّ بحثها في الصفحات السابقة من هذا الفصل تقع ضمن هذه الفئة من التعاليم الاجتماعية. وطبقًا للاعتقاد البهائي فإنَّ أهم مشكلة اجتماعية في عصرنا الحاضر هي الفرقة والشقاق. فمبادئ مثل إيجاد لغة عالمية أخرى لهي وسائل عملية وضعت للمساعدة في تأسيس الوحدة العالمية.

 

ومع كل ذلك فإنَّ الوحدة تعبير عن المحبة والألفة. أما الخلاف والنزاع فهو نوع من أنواع الحقد والكراهية. وقد أشار حضرة عبد البهاء بأنَّ المحبة هي جوهر وأساس التعاليم التي أتى بها الحق تبارك وتعالى للبشرية وهي مبدأ عالمي جاء في الأديان كلها. وعلى ذلك فإنَّ غالبية المشاكل الاجتماعية والمنبثقة أصلاً من عدم الوحدة يكون سببها الضعف في الروحانيات.  ومن ثم يربط البهائيون الكثير من المبادئ التي جاء بها حضرة بهاء الله (مثل تساوي حقوق الرجل والمرأة) إلى أنَّها تعبير عن حقيقة روحانية عالمية وعامل رئيسي في حل المشاكل الاجتماعية المعاصرة.

الفصل السادس

الله والرسل والجنس البشري

 

        بناء على البحث الذي جرى في الفصل السابق حول التعاليم البهائية يتطرق هذا الفصل بشكل أعمق حول ما جاء به حضرة بهاء الله وفيما تهتم به كافة الأديان بشكل كبير. ما هي وجهة نظر الدين البهائي من هدف الوجود الإنساني؟ وما هي حقيقة طبيعة الجنس البشري؟ ما دور الدين في تطورنا الروحي؟ وأيضًا ما هو “الخير” وما هو “الشر”؟ وما هي مسئوليتنا تجاه الخالق سبحانه وتعالى، وما هو المعنى الروحي للحياة؟ وأخيرًا ما هو المعنى الحقيقي لاصطلاح “المظهر الإﻟﻬﻲ”؟ وكيف يرتبط هذا المفهوم البهائي بالأفكار المتعلقة بالظهور السماوي والتي قد نجدها مذكورة في تعاليم الأديان الرئيسية الأخرى.

 

        المفهوم البهائي للطبيعة الإنسانية:

 

        يعيش العديد من الناس حياتهم دون التفكر بالحياة نفسها أو بماذا تعني بالنسبة إليهم.  وقد تكون حياتهم مليئة بالأنشطة والفعاليات. قد يتزوجون وينجبون أولادًا ويزاولون أعمالاً تجارية أو يصبحون علماء أو موسيقيين وكل ذلك دون الوصول إلى درجة من الإدراك لماذا هم يقومون بذلك. فحياتهم ليست لها أهداف عامة، وهم بذلك عاجزون عن تفسير وقائع وأحداث في حياتهم، وقد لا يحملون فكرة واضحة

 

 عن طبيعتهم الخاصة أو هويتهم الإنسانية، ومن يكونون حقًّا.

 

        أشار حضرة بهاء الله بأنَّ الديـن السماوي الحق هو وحده الذي يمكن أن يعطي الهدف من الوجود الإنساني. وإنْ لم يكن هناك خالق لهذا الكون وإذا كانت الحياة الإنسانية هي ناتجًا لنظام “القوة المحركة الحرارية”Thermodynamic system  كما يؤكده العديد من الناس اليوم، فلن يكون للحياة هدف. إنَّ كل فرد يمثل وجودًا ماديًا مؤقتًا وهو بمثابة حيوان واع يحاول أنْ يمضي حياته بأقصى ما يتوفر له من الملذات وبأقل قدر من الآلام والمعاناة التي يمكن تفاديها. إنَّها فقط علاقة الإنسان بخالقه والهدف الذي حدّده الله لمخلوقاته هو ما يجعل للحياة معناها الحقيقي. وقد شرح لنا بهاء الله هدف الله سبحانه وتعالى من خلق العباد بالعبارات التالية:

 

        “إنَّ هدف الله من خلق الإنسان هو معرفته ولقاؤه. وقد ذكر هذا الأمر بكل وضوح في جميع الكتب الإﻟﻬﻴﺔ والصحف المتقنة الربانية من غير حجاب(1)“.

 

        علينا أنْ ننظر إلى الحياة على أنَّها عملية من كشف للسعادة الروحية والنمو. ففي المراحل الأولى من حياته يمر الإنسان بمرحلة من التعليم والتدريب، فإذا ما نجح فيها تحققت له الوسائل الروحية والذهنية الأساسية الضرورية لاستمراره ونموه. وعندما يصل الإنسان إلى سن البلوغ يصبح مسئولاً عن نموه اللاحق الذي يعتمد كليًا على جهوده التي يبذلها بنفسه.  وفي معترك الحياة اليومية نستطيع أن نعمق مفهومنا تدريجيًا بالمبادئ الروحانية التي تقوم عليها الحقيقة، وهذا المفهوم

 

يجعلنا نرتبط بأنفسنا وبالآخرين وبالله سبحانه وتعالى بشكل أكثر تأثيرًا وفاعلية. وبعد موت الإنسان تستمر الروح الإنسانية في النمو والتطور في العوالم الغيبية الإﻟﻬﻴﺔ وهي عوالم روحانية أعظم شأنًا من عالمنا الحاضر مثلما عالمنا الحاضر أعظم من عالم الجنين في رحم الأم.

 

        الجملة الأخيرة هذه مبنية على المفهوم البهائي حول الروح والحياة بعد الموت. طبقًا للتعاليم البهائية فإنَّ حقيقة طبيعة الإنسان هي روحانية حيث أنَّ هناك روحًا إنسانية مرتبطة مع الإنسان وخالقها هو الله سبحانه وتعالى. هذا الروح هو وجود غير ملموس ولكنه مرتبط أو متعلق بجسم الإنسان ويعمل هذا الأخير كأداة له في العالم المادي. تتكون أو تبعث الروح الإنسانية مع تكوين النطفة في رحم الأم وتستمر في الوجود حتى بعد وفاة الإنسان. إنَّ الروح هي مرآة تعكس شخصية الإنسان وحياته ومشاعره.

 

        وما الغرض الرئيسي من وجود الإنسان إلا تطور ورقي الروح وبروز قدراته. هذا التطور يؤدي إلى التقرب إلى الله عز وجل، وأما القوة المحركة له فهي العلم والعرفان الإﻟﻬﻲ ومحبة الخالق. وكلما عرفنا الله وآمنا به تزداد محبتنا وعشقنا له وبالتالي نستطيع أنْ نكون علـى اتصال قريب مع الخالق جل وعلا. وكذلك الأمر كلما اقتربنا أكثر وأكثر منه تصبح شخصيتنا أكثر صفاء ونقاء وبالتالي فإنَّ أعمالنا وأفعالنا تعكس السمات والصفات الإﻟﻬﻴﺔ بصورة أكبر.

 

        وقد ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ مقدرة الروح على كسب النعوت والصفات الإﻟﻬﻴﺔ هو الأصل الحقيقي للروح وهو ما يعني بأنَّ البشرية قد خلقت “على مثال الله”. إنَّ السجايا الإﻟﻬﻴﺔ ليست خارجة عن نطاق روح الإنسان بل كامنة ومستترة فيها مثل البذرة التي تكمن فيها لون
ورائحة وعبير الزهر ومع النمو تبرز وتتحلى هذه الصفات.

 

        يقول حضرة بهاء الله:

 

        “إنَّ كينونة وحقيقة كل شيء قد تجلتا باسم من الأسماء وأشرقتا بصفة من الصفات وأما الإنسان فهو مظهر كل الأسماء والصفات ومرآة لكينونته وقد اختصه الله بهذا الفضل العظيم والرحمة القديمة(1)“.

 

        تشير الآثار البهائية إلى الرقي والتطور التدريجي للروح وتسميه “بالتقدم الروحي”. وهو ما يعني اكتساب القدرات للعمل بموجب مشيئة الله والتعبير عن الصفات والكمالات الإﻟﻬﻴﺔ في تعاملنا سواء مع أنفسنا أو مع الآخرين. يعلمنا حضرة بهاء الله بأنَّ السعادة الحقيقية والدائمة هي تلك السعادة التي تتعلق بالسعي الحثيث نحو التطور والرقي الروحي.

 

        فالإنسان الذي يتعرف على طبيعته الروحية ويسعى جاهدًا لتطوير وتنمية روحه أطلق عليه حضرة بهاء الله لقب “مجاهد” أو “سالك سبيل الحق”. وقد أتى حضرة بهاء الله على وصف بعض ميزات المجاهد الحقيقي بما يلي:

 

        “على الشخص المجاهد… في جميع الأحوال أن يتوكل على الحق وأنْ يبتعد عن الخلق وينقطع عن عالم التراب ويلحق برب الأرباب ولا يرجح نفسه على الآخرين ويمحو الافتخار والاستكبار من قلبه ويتمسك بالصبر والاصطبار ويجعل الصمت شعاره ويحترز عن

 

الحديث غير المجدي لأنَّ اللسان عبارة عن نار غير مشتعلة والكلام الكثير سم هالك. النار الظاهرية تحرق الأجساد أما نار اللسان فتهتك الأرواح والأفئدة. أثر النار الأولى تبقى لفترة قصيرة أمّا الثانية فتبقى لمدة قرنًا كاملاً. على المجاهد في سبيل الله أنْ يعتبر الغيبة ضلالة كبيرة ولا يقترب منها مطلقًا لأن الغيبة تطفئ سراج القلب المنير وتقتل حياة الروح. كما عليه أنْ يقتنع بالقليل ويبتعد عن الكثير ويعتبر لقاء المنقطعين غنيمة والبعد عن الباذخين والمتكبرين نعمة. عليه أن يذكر الله في الأسحار ويسعى بكل همة واقتدار في سبيل محبوبه.. وما لا يرضاه لنفسه عليه أنْ لا يرضاه لغيره ولا يقل ما لا يفعل.. عليه أنْ يتسامح مع الخاطئ والعاصي ولا يحتقر نفسه لأنَّ حسن الخاتمة مجهول. وقد يفوز العاصي حين الموت بجوهر الإيمان ويشرب من خمر البقاء ويعرج للملأ الأعلى. وقد ينقلب المطيع والمؤمن عند صعود روحه ويقع في أسفل دركات النيران.

 

        “إنَّ المقصود من جميع هذه البيانات المتقنة والإشارات المحكمة أنْ يرى السالك والطالب كل شيء فانيًا عدا الله وغير المعبود معدومًا، لأنَّ ذلك من صفات العظام ومن سجية الروحانيين التي ذكرت في شرح صفات المجاهدين والذين يسلكون في مناهج علم اليقين. وعندما يحقق السالك المخلص والطالب الصادق هذه المقامات يمكن أنْ نطلق عليه لفظ المجاهد الحقيقي(1)“.

 

        وضَّح لنا حضرة بهاء الله بأنَّ الدور الرئيسي والروحي للدين هو الوصول إلى فهم حقيقي لطبيعتنا البشرية وإلى معرفة إرادة الله وهدفه

 

من خلقه. إنَّ المبادئ الروحانية المرسلة إلينا من جانب الحق تبارك وتعالى بواسطة الأنبياء والمرسلين تعمل على هدايتنا نحو فهم أشمل وأعمق للجوانب الروحانية المختلفة للحياة. هذه المبادئ تساعدنا على فهم قوانين الحياة والوجود. وفوق ذلك يجب علينا أنْ نبذل كل الجهد لنحقق وننفذ تعاليم هؤلاء الأنبياء والمرسلين بما يطور قدراتنا وطاقاتنا الروحانية. مثال على ذلك عندما يريد شخص أن يتخلص من التعصب والخرافات نتيجة أيمانه بتعاليم حضرة بهاء الله تكون النتيجة زيادة المعرفة ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان وبالتالي يؤدي هذا إلى مساعدة الفرد على الحياة بشكل أكثر تأثيرًا ونفوذًا.

 

        ويؤكد لنا حضرة بهاء الله بأنَّه لا يمكن أنْ ننمو ونتطور روحيًا دون مجيء الرسل ومعهم الأحكام والقوانين الإﻟﻬﻴﺔ لخير البشرية. وبدونهم يبقى المعنى الروحي للحياة مستورًا حتى لو بذلنا جهدًا كبيرًا في كشفه. ولهذا السبب يرى البهائيون بأنَّ الأديان السماوية هي بمثابة المفتاح الضروري للنجاح والفلاح الروحي في الحياة.

 

        وحول تأثير الأنبياء ومظاهر أمر الله على تطوير ورقي الروح البشرية يقول حضرة بهاء الله:

 

        “لقد علم وثبت من هذه الكلمات والإشارات بأنَّه لابد أنْ يظهر في عالم الملك والملكوت كينونة وحقيقة ويكون واسطة للفيض الكلي لمظهر اسم الألوهية والربوبية حتى يربي جميع الناس في ظل تربية هذه الشمس الحقيقية ويتشرفوا ويفوزوا بهذا المقام والرتبة المودعة في حقائق الأشياء. ولهذا ظهر الأنبياء والأولياء بين الناس في جميع العهود والأزمنة بكل قوة ربانية وقدرة صمدانية(1)“.

 

        طالما يوجد للدين أبعاد اجتماعية فإنَّ أهل البهاء يعتقدون بأنَّ التقشف والابتعاد عن الناس وعن الاتصال بالمجتمع ومعاشرة الإنسان يعد أمرًا غير ضروري ولا يساعد على النمو الروحي (على الرغم من أنَّ الانزواء بين الحين والآخر قد يكون أمرًا منطقيًا وصحيًّا). ونظرًا لأننا مخلوقات اجتماعية فإنَّ رقينا وتطورنا يعتمد على ارتباطنا بالآخرين. وفي الحقيقة فإنَّ ارتباطنا الوثيق ومعاشرتنا الحميمة مع الآخرين وبصورة علاقة ملؤها المحبة والخدمة والتعاون هو أمر ضروري لعملية النمو الروحي. وقد ربط حضرة بهاء الله بين هدف الله للبشرية وبين جانبّي الدين الروحاني والاجتماعي حيث قال:

 

        “إنَّ هدف الله سبحانه وتعالى من إرساله للمرسلين هو أمران. الأمر الأول هو تحرير الناس من ظلمة الجهل وهدايتهم إلى نور العلم والمعرفة، والأمر الثاني إيجاد السلام وتحقيق الرفاهية للجنس البشري ووضع الطرق والأساليب للوصول إلى ذلك(1)“.

 

        وبعبارة أخرى فإذا ما سار التطور الاجتماعي في خطاه السليمة فإنَّه بالتأكيد تعبير جماعي عن تطورنا الروحي. يقول حضرة بهاء الله:

 

        “خلق الجميع لإصلاح العالم، لعمر الله إنَّ شئون حيوانات الأرض لا تليق بالإنسان، إنَّ شأن الإنسان هو الرحمة والمحبة والشفقة والصبر مع جميع أهل العالم(2)“.

 

        أمَّا بالنسبة لروح الإنسان وعلاقته بالجسد فيقول حضرة بهاء الله:

 

“معلوم لديك أيها الجناب بأنَّ الروح في رتبته قائم ومستقر، وإنْ

 

شاهدنا ضعفًا في المريض فهو لأسباب مانعة وإلاّ فإنَّ الروح لا تضعف.. ولكن بعد خروج الروح من الجسم يظهر بقدرة وقوة وغلبة لا شبيه لها.. لاحظوا الشمس خلف السحاب فهي مضيئة ومشرقة ولكن وجود السحاب يجعل نورها ضعيفًا. يجب تشبيه روح الإنسان بهذه الشمس حيث جميع أشياء الأرض مثل جسمه تقوم بالاستفاضة والإشراق من ذلك النور ويستمر هذا ما لم توجد أسباب مانعة وحائلة تحجب نور الشمس وبعد الحجاب يلاحظ نور الشمس ضعيفًا.. إنَّ روح الإنسان بمثابة الشمس التي تنور الجسم ومنه يستمد الجسم قوته وعافيته(1)“.

 

        إنَّ الروح الإنساني يستمر في الحياة بعد موت الإنسان جسديًا، وهو في الحقيقة أبدي وخالد. يقول حضرة بهاء الله:

 

        “فاعلم أنَّه يصعد حين ارتقائه إلى أن يحضر بين يدي الله في هيكل لا تغيّره القرون والأعصار ولا حوادث العالم وما يظهر فيه ويكون باقيًا بدوام ملكوت الله وسلطانه وجبروته واقتداره(2)“.

 

        وحول موضوع بقاء وخلود الروح شرح لنا حضرة عبد البهاء بأنَّ جميع الموجودات المحتوية على عناصر مختلفة هي عرضة للانحلال والتفكك حيث قال حضرته:

 

        “ليس للروح مجموعة عناصر أو ذرات، إنَّما هو جوهر قائم بذاته لا يتجزأ، ولذلك فإنَّه أبدي ولا يخضع للقانون المادي في الوجود(3)“.

 (مترجم عن الإنجليزية)

 

        أشار حضرة بهاء الله بأنَّ الإنسان لم يكن له وجود قبل بدء حياتنا على هذه المعمورة. ولا يحل روح الإنسان في نفوس متعددة بل إنَّ روح الإنسان دائم الترقي في الملكوت الإﻟﻬﻲ بعيدًا عن العالم المادي. يقضي الجنين تسعة أشهر في رحم الأم ويعد نفسه لدخول هذا العالم. ويكون الجنين خلال تلك الفترة قد اكتسب أجزاءه العضوية مثل العيون والأطراف الأخرى اللازمة له للعيش في هذا العالم. وبالمثل تعتبر حياتنا المادية هذه مثل الرحم للدخول في العالم الروحاني. وعلى ذلك تعتبر حياتنا مرحلة إعداد من خلالها نحصل على القدرات والطاقات الروحية والفكرية اللازمة للعيش في العالم الآخر.

 

        الفرق في الحالتين أنَّ نمو الجنين في رحم الأم هو أمر ليس اختياريًا ولكن النمو الفكري والروحي للإنسان في هذا العالم يعتمد بشكل أساسي على جهود وفعاليات الفرد. يقول حضرة بهاء الله:

 

        “إنَّ الخالق الواحد الأحد قد خلق البشر جميعًا متساوين ومّيز الإنسان على جميع الكائنات. وعلى هذا فإنَّ النجاح والفشل والكسب والخسارة يعتمد على جهود الإنسان وكلّما زاد كفاحه ازداد تطوره(1)“.

 

        غالبًا ما تتحدث الآثار البهائية عن الألطاف والعنايات الإﻟﻬﻴﺔ لبني البشر وتبيّن بأنَّ التجاوب اللائق للإنسان حيالها هو أمر ضروري دائمًا لجذب هذه الألطاف والبركات لأرواحنا وإحداث أي تغيير جـذري داخل نفوسنا. قال حضرة شوقي أفندي بأنَّه “على الرغم من عظمة

 

وشموخ البركات الإﻟﻬﻴﺔ ولكنها يجب أن تدعم بجهود فردية ومستمرة وإلاّ لا يمكن لها أنْ تكون مؤثرة أو ذات ميزة حقيقة”. وعليه، فإنَّه طبقًا للمفهوم البهائي لا يعتبر مفهوم النجاة والخلاص عطية إﻟﻬﻴﺔ لنا وإنَّما هو عبارة عن حوار متبادل استهلّه الحق تبارك وتعالى ولكنه بحاجة إلى مشاركة إنسانية نشطة وفطنة.

 

        ونظرًا لأنَّ الطبيعة الإنسانية هي روحية في جوهرها فإنَّ أساس قدراتنا ينبع من الطاقات الكامنة في أرواحنا. بعبارة أخرى فإنَّ شخصية الإنسان وقدراته الفكرية والروحية تكمن في الروح حتى لو تم التعبير عنها بواسطة الحواس الخمس خلال فترة حياته القصيرة على الأرض. من القرائح التي أشار إليها بهاء الله أولاً: العقل الذي يمثل القدرة على التفكير السديد والبحث والتحري. ثانيًا: الإرادة وهي تمثل القدرة على العمل بإرادة شخصية.

 

        ثالثًا: العاطفة أو القدرة على الحس والإدراك والتروي المدروس والميل نحو التضحية الذاتية (وتسمى أحيانًا الإيثار).

 

        فهذه القوى والمواهب تعتبر ميزة فريدة في الجنس البشري أما الحيوانات وصور الحياة الأخرى فلا توجد لديها القوة الناطقة كتلك التي يمتلكها الإنسان. ومع أنَّ حياة الحيوان هي شكل من أشكال الذكاء والعاطفة، ألا إنَّها لا ترقى إلى الوعي والشعور الإنساني وتتصرف الحيوانات طبقًا لغرائزها التي تتحكم بجانب من بنيتها الجسدية ولكنها لا تملك قوة الفكر الواعي والبحث والتحري العقلاني أو الإرادة التي تميّز الوجود الإنساني. حتى أنَّ الحيوان لا يدرك سبب وجوده.

 

        يبيّن لنا الدين البهائي بصورة واضحة بأنَّ الوجود الجسدي للإنسان قد تطور وارتقى تدريجيًا من مراحل دانية إلى مراحل أعلى حتى وصل

 

إلى ما هو عليه في وقتنا الحاضر من زينة وكمال، فالكرة الأرضية مكان نشأة الإنسان وتطوره مثلما رحم الأم هو منشأ الجنين. وفي هذا الخصوص يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “ولا شك أنَّ النطفة البشرية ما أخذت هذه الصورة دفعة واحدة وما كانت مظهر قوله تعالى (فتبارك الله أحسن الخالقين) لهذا أخذت حالات متنوعة بالتدريج وظهرت في هيئات مختلفة حتى تجلت وهذا الجمال والكمال والحسن واللطافة، إذًا صار من الواضح المبرهن أنَّ نشوء الإنسان ونموّه على الكرة الأرضية حتى بلوغه هذا الكمال كان مطابقًا لنشوء الإنسان ونموه في رحم الأم بالتدريج وانتقاله من حال إلى حال ومن هيئة وصورة إلى هيئة وصورة أخرى(1)“.

 

        ومع ذلك أكدَّ حضرة عبد البهاء بأنَّ الجنس البشري خلال مراحل تطوره وتكامله الطويلة كان ومازال مميّزًا عن الحيوان حيث قال حضرته:

 

        “تمر نطفة الإنسان مجالات مختلفة ودرجات متعددة حتى ينطبق عليها قوله تعالى (فتبارك الله أحسن الخالقين) وتظهر فيها آثار الرشد والبلوغ. وعلى هذا المنوال كان وجود الإنسان على هذه الكرة الأرضية من البدء حتى وصل إلى هذه الحال من الهيئة وجمال الأخلاق بعد أن مضت عليه مدة طويلة واجتاز درجات مختلفة، ولكنه من بدء وجوده كان نوعًا ممتازًا. كذلك نطفة الإنسان في رحم الأم كانت في

 

أوَّل أمرها بهيئة عجيبة فانتقل هذا الهيكل من تركيب إلى تركيب ومن هيئة إلى هيئة ومن صورة إلى صورة حتى تجلت النطفة في نهاية الجمال والكمال، ولكنها عندما كانت في رحم الأم وفي تلك الهيئة العجيبة – التي تغاير تمامًا ما هي عليه الآن من الشكل والشمائل- كانت نطفة نوع ممتاز لا نطفة حيوان وما تغيرت نوعيتها وماهيتها أبدا(1)”.

 

        وعلى هذا فإنَّ العنصر الإنساني ومنذ مراحله الأولية على الرغم من تشابهه لبعض الحيوانات بشكل سطحي وبسيط فإنّه يعتبر مميّزًا وأعلى مرتبة من غيره من الكائنات، كما يعتبر وجود الروح للإنسان أو النفس الناطقة ميزة خاصة به كما شُرح سابقًا.

 

        وعلى أي حال، فإنَّ جسم الإنسان مكون من عناصر مختلفة وتؤدي وظائف متعددة مثلما الحال في الحيوانات، ويتعرض هذا الإنسان خلال حياته إلى معاناة وبحاجة إلى رغبات جسمية مثل الحيوانات منها: الجوع، الرغبة الجنسية، الخوف، الألم، الغضب، المرض العضوي والفكري.. إلخ. هذا الوضع يؤدي إلى خلق توتر وجهد داخل أنفسنا حيث إنَّ احتياجاتنا الجسمية ورغباتنا تدفعنا إلى التصرف مثل الحيوانات، بينما تدفعنا طبيعتنا الروحية نحو أهداف ومرام أخرى. شرح حضرة بهاء الله بأنَّ العمل والمثابرة لكبح جماح رغباتنا الجسمية وتوجيهها للاتجاه الصحيح هو أمر ضروري لعملية نمونا وتطورنا. ومن أجل الوصول إلى درجة الكمال والاعتدال في الحياة يجب التوفيق والتلاؤم بين احتياجاتنا الجسمية والروحية.

 

        يجب علينا أن نجهد في أن تسيطر طبيعتنا الروحانية على الرغبات الجسمانية، وإلا ستسيطر رغباتنا الجسمية على حياتنا، ونصبح بالتالي كالعبيد لهذه الرغبات ونفقد الكثير من قدراتنا وطاقاتنا الروحية. فالشخص المدمن على المخدرات والمشروبات الكحولية على سبيل المثال لا يستطيع أن يطّور قدراته الروحية إلا إذا تحرر من تلك الآفة. وأيضًا إذا انصّب اهتمامنا على الأمور المادية وركزنا كل فكرنا في ذلك فإنَّ هذا سيسلب الكثير من وقتنا وطاقاتنا اللازم لتنمية وتطوير طبيعتنا الروحية.

 

        وعلى عكس ما تذهب إليه بعض المذاهب الدينية والفلسفية، فإنَّ الدين البهائي لا يقر بأنَّ الرغبات الجسمانية للإنسان شريرة أو سيئة، ذلك لأنَّ مخلوقات الله سبحانه وتعالى خير محض في جوهرها. وفي الواقع إنَّ الهدف الرئيسي لجسم الإنسان وقدراته هو أن يكون أداة جيدة لتطوير وتنمية روحه. ومع استمرار تحكم الروح بطاقات وقوى جسم الإنسان يصبح الجسم وسيلة للتعبير عن الإمكانات الروحية له. وما الأهواء النفسية والشهوات الإنسانية إلا العائق الوحيد لرقي الروح وتقدمها.

 

        فمثلاً تعتبر الرغبة الجنسية عطية إﻟﻬﻴﺔ للإنسان، وإنَّ المكان الصحيح والوحيد للتعبير عنها ينحصر في الزواج الشرعي الصحيح وهو تعبير قوي عن السجية الروحية للمحبة. ومع ذلك فإنَّ نفس هذه الرغبة الجنسية لو أسيء استخدامها يمكن أن تؤدي إلى الانحراف والفساد وحتى إلى أفعال مدمرة وهدامة.

 

        ونظرًا لأنَّ الجسم هو المكان لتجلّي الروح الإنساني فمن الأهمية الاهتمام والعناية به. فحضرة بهاء الله لا يشجع على الزهد والتقشف

 

 

 

وإنَّما ركز على المحافظة على صحة الجسم، ولهذا نلاحظ بأنَّ الآثار البهائية احتوت على عدد من الأحكام العملية الخاصة بالعناية بالجسم مثل: التغذية السليمة، الاستحمام المنتظم.. إلخ. هذه الأحكام وغيرها من أحكام وتعاليم ومبادئ الدين البهائي يأخذ مبدأ الاعتدال فيها حيّزًا كبيرًا من حيث الأهمية، لأنَّ الأمور تكون ذات فائدة ومنفعة عندما نعتدل في إجرائها ومضرة عندما نتطرف في تنفيذها.

 

        تقر الآثار المباركة على نحو بيّن بأنَّ هناك بعض العناصر العضوية الخارجة عن تحكم الإنسان مثل النقص الوراثي أو نقص التغذية أثناء الطفولة، وتؤثر بشكل كبير على نمو الفرد خلال حياته. ولكن هذه المؤثرات المادية ليست دائمة ولا تستطيع إيذاء الروح، وفي أسوأ الحالات يمكن لها أن تعوّق مؤقتًا عملية النمو الروحي وحتى هذا التأثير يمكن له أن يتوازن نتيجة أية تطورات سريعة. في الواقع تشرح الآثار المباركة البهائية بأنَّه غالبًا ما تكون عزيمة الإنسان وشجاعته وكفاحه ضد نقائصه النفسية والجسمية والذهنية هي التي تنمي طاقاته الروحية وتنعشها وهذه النقائص تعد نعمة في ثوب نقمة وتساعد الإنسان على نموه الروحي. وبناء عليه فإنَّ الاعتقاد بإنَّ الحالة الجسمية للإنسان يمكن أن تؤثر على عملية النمو الروحي له ولو بصورة مؤقتة إلاَّ إنَّها شديدة يغاير الاعتقاد بإنَّ الإنسان عبارة عن مزيج من الجينات وعناصر بيئية طبيعية طبقًا لاعتقاد العديد من الفلاسفة الماديين. يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “كل موجود لابد له من أن يكون إمّا في حالة ارتقاء أو في حالة تدني، فليس هناك في الكائنات توقف، ذلك لأنَّ جميع الكائنات لها حركة جوهرية.. وكذلك الحال في عالم الأرواح فإذا لم يتحقق للروح

 

الرقي فهو توقف، ولكن التوقف ممتنع لأنَّ الحركة من لوازم الوجود الذاتية التي لا انفكاك لها.. من الواضح أنَّ الروح لا توقف لها ولا تدنٍّ، ولما لم يكن للروح تدني فلا بد لها من الترقي، وبالرغم من أنَّ المراتب محدودة إلا إنَّ الفيوضات الربانية غير محدودة والكمالات الإﻟﻬﻴﺔ غير متناهية، ولهذا فالروح في رقي دائم لأنَّ اكتسابها للفيض مستمر(1)“.

 

        إنَّ موضوع تطور الإنسان من خلال الكفـاح والمعاناة قد ورد في الكثير من الآثار البهائية. ومع أنَّ العديد من حالات المعاناة ناتجة عن إهمالنا ويمكن تجنبها، ألا أنَّ هناك مقدارًا معينًا من المعاناة ضروري لأية عملية للنمو. في الواقع نفهم وندرك بأنَّ المعاناة والتضحية هما عنصران رئيسيان للوصول إلى النجاح المادي والفكري. وبناء عليه يجب أن لا نستغرب لـو قلنا بأنَّ كفاحنا نحو الوصول إلى النمو الروحي يتطلب توفر هذه العناصر نفسها. يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “كل ما هو هام في هذا العالم يتطلب اعتناء شديدًا من طالبه. وعلى كل مكافح أن يتحمل الصعاب والمشقات إلى أن يصل إلى مقصده ويحقق النجاح الكبير. هذا هو حال كل من يتعلق بهذا العالم. أما ما يتعلق العالم الآخر فهو أعلى مرتبة وشأنا(1)“. (مترجم عن الإنجليزية)

 

        وهذا يجعلنا نتطرق للحديث عن المفهوم البهائي للعلاقة بين الخير والشر في الإنسان ويصفها لنا حضرة عبد البهاء بقوله:

 

        “… ليس في الفطرة شر بل كلها خير حتى الصفات والأخلاق المذمومة الملازمة لذاتية البعض من النوع الإنساني فإنَّها في الحقيقة ليست مذمومة. مثلاً يلاحظ في بداية حياة الطفل الذي يرضع من الثدي إنَّ آثار الحرص بادية منه كما يشاهد منه أيضًا آثار الغضب والقهر، وإذا يقال إنَّ الحسن والقبح كلاهما فطري في الحقيقة الإنسانية وهذا مناف للخير المطلق الذي هو في الخلقة والفطرة. فالجواب إنَّ الحرص الذي هو طلب الزيادة صفة ممدوحة لو استعملت في موضعها، فمثلاً لو يحرص الإنسان على تحصيل العلوم والمعارف وعلى أن يكون رحيمًا ذا مروءة وعدالة فإنَّ ذلك ممدوح جدًا. ولكن هذه الصفات لو استعملت في غير موضعها لكانت مذمومة، إذًا صار من المعلوم أنَّه لا يوجد في الفطرة شر أبدًا([41])“.

 

        ولهذا لا يقبل الدين البهائي مفهوم “الخطيئة الأصلية” أو أية عقيدة أخرى تعتبر الناس في الأصل مذنبين أو فيهم الشر أو أنَّ عنصر الشر ضمن عناصر الإنسان الطبيعية. فجميع القوى والملكات الكامنة فينا هي مواهب وبركات إﻟﻬﻴﺔ وذات نفع بشكل عام لنمّونا وتطوّرنا الروحي. وبالمثل فإنَّ التعاليم البهائية ترفض وجود ما يسمّى بالشيطان أو الإبليس أو أية قوى شيطانية. ولكن يمكن تفسير الشر على أنَّه غياب الخير وأنَّ الظلام هو حجب النور وأنَّ البرودة تعنى غياب الحرارة(2).

 

ومثلما الشمس مصدر الحياة في النظام الشمسي فإنَّ هناك قوة عظمى وقدرة في الكون واحدة، هي تلك التي ننعتها “بالله” جلَّ وعلا.

 

        وعلى أي حال إذا بعدنا عن الله سبحانه وتعالى بمحض إرادتنا أو لم نبذل الجهد الكافي لتطوير قدراتنا الروحية تكون النتيجة النقص والبعد عن الكمال. قد تكون أحيانًا في حياتنا أو في حياة المجتمع نقائص يمكن أن نطلق عليها “نقاطًا سوداء”. هذه النقاط هي النقائص والبعد عن الكمال. وقد وضح حضرة عبد البهاء بأنَّ “الشر هو النقص”.

 

        إذا قام النمر بقتل والتهام حيوان آخر لا يسمّى هذا عملاً شريرًا لأنَّ ذلك تعبير عن غريزة النمر من أجل بقائه. أما إذا قام إنسان بقتل وأكل لحم أخيه الإنسان فإنَّ هذا العمل يعتبر شريرًا وإجراميًا وهو عمل لا يعبر عن طبيعتنا الحقيقية لأنَّنا نستطيع عمل خلاف ذلك.

 

        وبما أنَّنا مخلوقات لم نصل لدرجة الكمال بعد فإنَّ أمامنا احتياجات جوهرية علينا تلبيتها. هذه الاحتياجات جزء منها مادي وملموس وجزء آخر روحي وغير ملموس. إنَّها إرادة الحق التي جعلتنا هكذا ووضعتنا في هذه الرتبة. ولأنَّ محبة الله لخلقه عظيمة وواسعة فإنَّه سخر لنا كل شيء لتلبية احتياجاتنا. أما إذا قمنا بتلبية بعض احتياجاتنا بطرق غير مشروعة أو غير صحيحة متعمدين أو عن جهالة، نكون عندها قد تصرفنا بخلاف طبيعتنا الحقيقية وأوجدنا داخل أنفسنا شهوات جديدة تتعارض واحتياجاتنا الحقيقية. وفي هذا الخصوص يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “.. الاستعداد على قسمين: استعداد فطري واستعداد اكتسابي،

 

فالاستعداد الفطري الذي خلقه الله كله خير محض إذ ليس من شرّ في الفطرة أما الاستعداد الاكتسابي فهو سبب حصول الشر، مثلاً خلق الله جميع البشر ووهبهم قابلية واستعدادًا ليستفيدوا من الشهد والسكر ويتضرروا ويهلكوا من السم، فهذه القابلية والاستعداد كلاهما فطري أعطاهما الله لجميع النوع الإنساني على حد سواء ولكن الإنسان يشرع في استعمال السم قليلاً قليلاً ويتناول منه كل يوم مقدارًا ويزيد عليه شيئًا فشيئًا حتى يصل الأمر إلى أنَّه لو لم يتناول كل يوم درهمًا من الأفيون لهلك وانقلب استعداده الفطري انقلابًا كليًا فانظروا كيف يتغير الاستعداد والقابلية الفطرية تغيرًا جذريًا حتى يتحول إلى العكس بسبب تفاوت العادة والتربية فليس الاعتراض على الأشقياء من جهة الاستعداد والقابلية الفطرية بل من جهة الاستعداد والقابلية الاكتسابية(1)“.

 

        بيّن لنا حضرة بهاء الله بأنَّ الكبر والغرور والأنانية هي من عظائم المعّوقات للنمو الروحي للإنسان. الكبر يعني المبالغة في رفع شأن وأهمية الإنسان لنفسه وهذا يؤدي إلى الإحساس بتفوق الإنسان على الآخرين. إنَّ الشخص المتكبر والمغرور يشعر بأنَّه يسيطر تمامًا على حياته وعلى الظروف المحيطة به كما أنَّه يتطلع إلى القوة والسيطرة على الآخرين لأنَّ هذه القوة والسيطرة تحفظ له الإحساس بالتفوق والتعالي الموهوم الذي يشعر به. وعلى ذلك يعتبر الكبر والغرور عائقًا أمام النمو الروحي لأنَّه يدفع بالإنسان المغرور إلى تصور طموحات عديدة ويحاول تحقيقها ولكنها مبنية على أوهام وخيالات باطلة في ذهنه.

 

        بعبارة أخرى، إنَّ المفتاح لدراسة وفهم الأخلاقيات والسلوكيات البهائية يبدأ بدراسة الفكر البهائي لحقيقة التطور الروحي. فما يفضي إلى الرقي الروحي هو الخير، وما يؤدي إلى إعاقته هو الشر بذاته. وبناء عليه، فمن وجهة النظر البهائية فإنَّ معرفة الخير من الشر أو الصواب من الخطأ يعني الوصول إلى مرحلة معينة من العلم والمعرفة الذاتية التي تتيح لنا درك ومعرفة الشيء المساعد لتطورنا الروحي والشيء المعيق له(1). ولا يمكن الحصول على هذا النوع من العلم والمعرفة إلاَّ من خلال تعاليم الأنبياء والمرسلين.

 

        أكدَّ حضرة بهاء الله كرارًا ومرارًا بأنَّ الدين السماوي هو وحده القادر على إنقاذنا من وهدة الخطيئة والنقيصة. والسبب في ذلك أنَّ الله جلت قدرته أرسل الأنبياء والمرسلين ومظاهر أمره ليضيئوا لنا الطريق للرقي الروحي وأن ينعشوا قلوبنا بمحبة الله لكي ندرك طاقاتنا الحقيقية ونبذل الجهد حتى نبقي على وصال مع الله. هذا هو طوق النجاة الذي يأتي به الدين. إلا أنَّ كل ذلك لا يجنّبنا الوقوع بشيء من “الخطيئة الأصلية” ولا يحمينا من بعض القوى الشيطانية وإنَّما يحررنا من طبيعتنا الدانية ويفك قيودنا التي تجلب لنا اليأس لنا وتهدد حياتنا الاجتماعية بالدمار وتنّور طريقنا نحو سعادة حقيقية ومرضية.

 

        حقًا إنَّ السبب الحقيقي وراء كل ما يعانيه العالم من محن وأزمات وتعاسة تعصف به على مدى واسع هو أنَّ البشرية ابتعدت عن الدين الحقيقي والمبادئ الروحانية. إنَّ العلاج الوحيد وطريق النجاة في أي

 

عصر كما يعتقد البهائيون هو الرجوع إلى الله مرة أخرى والإيمان برسوله لذلك العصر وأتباع تعاليمه وأحكامه. أشار حضرة بهاء الله بأنَّه لو نظرنا إلى أحوالنا في وضعنا الحالي سندرك في نهاية الأمر ونقر بأنَّنا لا نملك لأنفسنا شيئًا. فكل ما نحن عليه أو نملكه من جسم مادي وروح ما هو إلاّ من خالقنا عز وجل. ولأنَّ الله قد وهبنا كل هذه العطايا، فإنَّنا في المقابل نشعر بالالتزام تجاه سبحانه وتعالى. قال حضرة بهاء الله بأنَّ للعباد وظيفتين تجاه الخالق عز وجل:

 

        “إنَّ أول ما كتب الله على العباد عرفان مشرق وحيه ومطلع أمره الذي كان مقام نفسه في عالم الأمر والخلق… إذا فزتم بهذا المقام الأسنى والأفق الأعلى ينبغي لكل نفس أن يتّبع ما أمر به من لدى المقصود لأنَّهما معًا لا يقبل أحدهما دون الآخر(1)“.

 

        وفي مقام آخر ذكّر حضرة بهاء الله أتباعه بأنَّ تلك الوظيفة التي منحنا الله إياها ما هي إلاَّ لمنفعتنا ومصلحتنا. إنَّ الله ليس بحاجة إلى أدعيتنا وطاعتنا لأنَّه غني عن العالمين. وعلى ذلك يجب أنْ نكون مطمئنين بأنَّ كل ما يفعله الحق تبارك وتعالى هو لخير البشر ونابع من محبته اللامتناهية لمخلوقاته ولا مصلحة له في ذلك. يقول حضرة بهاء الله:

 

        “وكلّما أمرتَ به عبادك من بدايع ذكرك وجواهر ثنائك هذا من فضلك عليهم ليصعدن بذلك إلى مقر الذي خلق في كينوناتهم من عرفان أنفسهم وإنَّك لم تزل كنت مقدسًا عن وصف ما دونك وذكر ما سواك(2)“.

 

        باختصار إنَّ السبب الروحي لحياتنا على هذه الأرض هو الإعداد نفسيًا وروحيًا لأنَّ حياتنا هي مرحلة تطور يجب من خلالها أنْ نركز على تطوير وتنمية حياتنا الروحية الفطرية وقدراتنا الفكرية والذهنية. ونظرًا لأنَّ هذه القوى والقدرات هي الاستعداد الفطري لروحنا الخالد، لذا فإنَّها أبديَّة وعلينا أنْ نجاهد في تطويرها. وطالما أنَّ الروح هو الجانب الوحيد الذي يبقى لنا إلى الأبد، فإنَّه يستحق منّا مثل تلك المجهودات. فكل شيء يدعم تطورنا الروحي هو خير محض وما يعيقه هو شر مقيت.

 

        أرسل الله تعالى الأنبياء والمرسلين ليوضحوا لنا المبادئ الحقيقية التي تحكم طبيعتنا الروحية. من أجل أنْ نتنعم بحياة ناجحة سعيدة يجب أنْ نتوجه إلى الرسالة السماوية ونقبل بتعاليم الأنبياء والمرسلين ومظاهر أمر الله. وبعملية النمو هذه يستطيع الفرد أن يعكس بصورة أكمل تلك الصفات الإﻟﻬﻴﺔ ويتقرب إليها. وفي نفس الوقت إنَّ المبادئ الاجتماعية التي أتى بها الأنبياء والمرسلون إنْ تمَّ تطبيقها بشكل جيد وصحيح فإنَّها تساعد على خلق جو اجتماعي مناسب لعملية النمو الروحي. إنَّ خلق جو اجتماعي كهذا يعتبر من وجهة النظر الروحية ذلك الهدف الأساسي للمجتمع الإنساني.

 

        وضع لنا حضرة بهاء الله معيارًا أخلاقيًا عاليًا ودعانا إلى المجاهدة والمكافحة بكل قدراتنا للوصول إليه. وبما أنَّ الله جل وعلا قد وهب لنا الإرادة الحرة فإنَّنا في نهاية الأمر مسئولون أمامه عن تصرفاتنا وأعمالنا. إنَّ الله عادل ولا يحمِّل علينا ما لا طاقة لنا به وفي نفس الوقت إنَّه عطوف ورحيم ويغفر الذنوب ويسامح من يتوب إليه توبة صادقة. في تعبير رائع وجميل يصف حضرة بهاء الله السجايا الأخلاقية

 

والصفات الروحانية للأفراد ويدعو أتباعه إلى السير على هذه النهج بقوله المبارك:

 

        “كن في النعمة منفقًا وفي فقدها شاكرًا وفي الحقوق أمينًا وفي الوجه طلقًا وللفقراء كنزًا وللأغنياء ناصحًا وللمنادي مجيبًا وفي الوعد وفيًّا وفي الأمور منصفًا وفي الجمع صامتًا وفي القضاء عادلاً وللإنسان خاضعًا وفي الظلمة سراجًا وللهموم فرجًا وللظمآن بحرًا وللمكروب ملجًأ وللمظلوم ناصرًا وعضدًا وظهرًا وفي الأعمال متقيًا وللغريب وطنًا وللمريض شفاءً وللمستجير حصنًا وللضرير بصرًا ولمن ضل صراطًا ولوجه الصدق جمالاً ولهيكل الأمانة طرازًا ولبيت الأخلاق عرشًا ولجسد العالم روحًا ولجنود العدل راية ولأفق الخير نورًا وللأرض الطيبة رذاذًا ولبحر العلم فلكًا ولسماء الكرم نجمًا ولرأس الحكمة إكليلاً ولجبين الدهر بياضًا ولشجر الخشوع ثمرًا(1)“.

 

        المظاهر الإﻟﻬﻴﺔ:

 

        كما بيّنا سابقًا، فإنَّ التعاليم البهائية تشير إلى أنَّ القوة المحرّكة لجميع أشكال التطور الإنساني منبعها الفيض الإﻟﻬﻲ الذي يأتي به الرسل ومظاهر أمر الله. قد لا يتفق البعض على أنَّ التاريخ الإنساني قد تأثر بشدة بما جاء به مؤسسو أديان العالم العظام. إنَّ الآثار العظيمة التي أوجدتها الحضارة المسيحية وحضارة بوذا وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلّم لا نراها في تعدد الثقافات والأنظمة المختلفة فحسب، بل في المُثُل التي خلّفتها حياة هؤلاء المرسلين للجنس البشري أيضًا. وحتى أولئك الذين لم يؤمنوا بهم أو يتبعوهم فقد اقروا بعظمة ونفوذ

 

وتأثير تلك الرموز على حياة الأفراد والعامة.

 

        إنَّ إدراك الأثر العظيم الذي تركه مؤسسو الأديان الرئيسية العظيمة على التاريخ البشري يقودنا بالطبع إلى التساؤل الفلسفي حول ماهية طبيعتهم. إنَّه موضوع يعد أحد أكثر المواضيع إثارة للجدل في فلسفة الدين وقد وضعت له عدة إجابات. فمن جانب ينظر البعض إلى مؤسسي الأديان على أنَّهم فلاسفة أو مفكرون عظام ولكنهم تقدموا في علومهم وتبحّروا أكثر من غيرهم من فلاسفة عصرهم. ومن جانب آخر أعلنوا بأنَّهم مبعوثون من جانب الحق تبارك وتعالى وأنَّ روح الحق قد حلّت بهم وهناك نظريات عديدة أخرى تقع بين هاتين النظريتين(1).

 

        وعلى ذلك ليس مستغربًا أن تعالج الآثار البهائية هذا الموضوع بشكل مركّز وهو موضوع يخص أصل الدين بالتحديد. طرح حضرة بهاء الله المفهوم البهائي لطبيعة مظاهر أمر الله بشكل مسهب في أحد كتبه الرئيسية المعروفة بكتاب الإيقان.

 

        ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ جميع الأنبياء والمرسلين والمبعوثين من

 

لدى الله لديهم نفس حالة العلم بالغيب والعلم بما وراء الطبيعة ويحملون نفس المقام الروحاني. كما أنَّه لا فرق بينهم مطلقًا ولا يعلو أي منهم على الآخر. وحول مظاهر أمر الله ومهابط الوحــي يقول حضرة بهاء الله:

 

        “هؤلاء الهياكل القدسية هم المرايا الأولية الأزلية الذين يتحدثون عن ذلك الغيب المنيع وعن كل أسمائه وصفاته وإنَّ العلم والقدرة والسلطنة والعظمة والرحمة والحكمة والعزة والجود والكرم وجميع هذه الصفات ظاهرة من هؤلاء الجواهر الأحدية. لم تكن هذه الصفات خاصة للبعض دون الآخر وإنَّما اتصف جميع الأنبياء المقربين والأصفياء المقدسين بهذه الصفات وبهذه الأسماء.. قد تظهر بعض هذه الصفات في تلك الهياكل النورية بالشكل الظاهر وقد لا تظهر ولهذا إن لم تظهر صفة حسب الظاهر في تلك الأرواح المجردة فإنَّ ذلك لا ينفي وجود تلك الصفة الإﻟﻬﻴﺔ والاسم الرباني فيهم(1)“.

 

        كما وضحنا أثناء مناقشتنا لمبدأ وحدة الأديان في الفصل الخامس من هذا الكتاب شرح حضرة بهاء الله بأنَّ التباين الظاهر بين تعاليم الأنبياء والرسل ليس مردّه اختلافًا في المقام والأهمية وإنَّما بسبب الاحتياجات المتعددة ولوازم العصر الذي ظهروا فيه. وعليه تفضل حضرة بهاء الله قائلاً:

 

        “هذه الأصول والقوانين والأنظمة المحكمة المتينة ظهرت من مطلع واحد وأشرقت من مشرق واحد أمَّا التباينات بينها فهي لصالح

 

الوقت والزمان والقرون والأعصار([42])”.

 

        وفي أشد تحذيراته خاطب حضرة بهاء الله أولئك الذين يتخذون من اختلاف تعاليم الرسل وشخصياتهم طريقًا إلى تباين مقاماتهم حيث قال تبارك قوله:

 

        “إيَّاكم يا ملأ التوحيد لا تفرقوا في مظاهر أمر الله ولا فيما نزل عليهم من الآيات وهذا حق التوحيد إن أنتم لمن الموقنين وكذلك في أفعالهم وأعمالهم وكلما ظهر من عندهم ويظهر من لدنهم كل من عند الله وكل بأمره عاملين ومن فرّق بينهم وبين كلماتهم وما نزل عليهم أو في أحـوالهم وأفعالهم في أقل مما يحصى لقد أشرك بالله وآياته وبرسله وكان من المشركين(2)“.

 

        وعلى أي حال إنَّ المبدأ البهائي الخاص بوحدة الأنبياء والمرسلين لا يعني بأنَّ نفس روح هؤلاء المرسلين قد ظهر مرة أخرى في هياكل عنصرية مختلفة. فسيدنا موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام وكذلك حضرة بهاء الله كانوا شخصيات مختلفة وحقائق ذاتية مستقلة. إنَّ وحدتهم تعني أنَّ كل واحد منهم يعكس الصفات والفضائل الإﻟﻬﻴﺔ بنفس المستوى وأنَّ الروح الإﻟﻬﻴﺔ التي تجلّت بأحدهم مماثلة لتلك التي تجلت على الآخرين.

 

        حول هذا البحث شبه حضرة بهاء الله الذات الإﻟﻬﻴﺔ بالشمس المشرقة لأنَّه المصدر الوحيد لحياة الكون مثلما الشمس المادية التي هي مصدر الحياة لجميع الكائنات على سطح الكرة الأرضية. إنَّ أشعة

 

الشمس الساطعة بمثابة نفثات روح القدس وإنَّ هؤلاء الأنبياء والمرسلين عبارة عن مرآة صافية تعكس تلك الحقيقة الغيبية. وعندما نوّجه عدة مرايا صافية باتجاه نفس الشمس فإنَّ الشمس تعكس نفسها على جميع هذه المرايا. ورغم ذلك كل مرآة تعتبر مختلفة عن الأخرى ولها خواصها الذاتية المميزة. وبالطريقة نفسها فإنَّ كل مبعوث سماوي يعتبر شخصية مميزة وفريدة إلاّ أنَّ الروح والصفات والكمالات الإﻟﻬﻴﺔ التي تجلت في كل واحد منهم هي متساوية وعلى نفـس الدرجـة من التجلي(1).

 

        إنَّ الأنبياء والمرسلين والمظاهر الإﻟﻬﻴﺔ لهم عالم خاص بهم يقع بين عالم الحق (الله) وعالم الخلق (الجنس البشري). فالإنسان متفوق على الحيوان لأنَّه يملك مميزات وقدرات لا يملكها الحيوان مثل تجلي الروح البشرية غير المادية فيه. والرسل أيضًا، ففيهم قوى وقدرات

 

معينة لا توجد في الإنسان العادي. هذا التفاوت ليس في المرتبة أو الدرجة وإنَّما في النوع والطبيعة الخاصة التي تميز المظاهر المقدسة الإﻟﻬﻴﺔ عن غيرهم من البشر. إنَّهم ليسوا مفكرين عظامًا أو فلاسفة ذوي فهم وعلم عظيمين بل أعلى شأنًا ومنزلة عن الذين لا يملكون طاقات وخواص معينة كامنة فيهم. وهذه الطاقات والقدرات ذات طبيعة معينة.

 

        لوحظ أنَّ للإنسان طبيعتين: إحداهما جسمية وتحتوي على عناصر تعمل على نفس منوال الجسم الحيواني والأخرى روحية وتضم روح الإنسان الأبدية وغير المادية. وقد أشار حضرة بهاء الله إلى أنَّ جميع المرسلين ومظاهر أمر الله لهم هاتان الخاصتان ولكن بالإضافة إلى ذلك لهم طبيعة وخاصية ثالثة تليق بمكانتهم وهي تلقيهم للوحي والرسالة الإﻟﻬﻴﺔ من جانب الغيب المنيع ونقل هذه الرسالة المعصومة عن الخطأ إلى العالم البشري. وحول هذا الموضوع يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “اعلم أنَّ المظاهر المقدسة وإن كانت مقامات كمالاتهم لا تتناهى إلا أنَّ لهم ثلاث مراتب. فالمرتبة الأولى هي الجسمانية والثانية الإنسانية التي هي النفس الناطقة والثالثة هي الظهور الإﻟﻬﻲ والجلوة الربانية. أمَّا المقام الجسماني فمحدث لأنَّه مركب من العناصر ولا بد لكل تركيب من تحليل ولا يمكن ألاَّ يتحلل التركيب والمقام الثاني مقام النفس الناطقة التي هي حقيقة الإنسانية وهي محدثة أيضًا والمظاهر المقدسة مشتركة مع جميع النوع الإنساني في ذلك.. للروح الإنساني بداية ولكن ليست له نهاية وهي باقية إلى الأبد.. والمقام الثالث هو الظهور الإﻟﻬﻲ والجلوة الربانية وكلمة الله والفيض الأبدي

 

والروح القدس وهو لا أوَّل ولا آخر له لأنَّ الأوليَّة والآخريَّة إنَّما هما من خصائص عالم الإمكان وليس بالنسبة إلى عالم الحق.. أمَّا حقيقة النبوة التي هي كلمة الله والمظهرية الكاملة فليسـت لـها بداية ولن تكون لها نهاية ولكن إشراقها متفاوت كإشراق الشمس(1)“.

 

        كما يضيف ويشرح حضرة عبد البهاء بأنَّه حتى الروح الإنسانية للأنبياء والمرسلين تختلف عن مثيلتها في الأفراد العاديين:

 

        “أمَّا الحقيقة الشاخصة للمظاهر الرحمانية فهي حقيقة مقدسة لأنَّها من حيث الذات والصفات ممتازة عن جميع الأشياء مثلاً إنَّ الشمس من حيث الاستعداد تقتضي الإنوار ولا تقاس بالأقمار.. وعلى هذا فسائر الحقائق الإنسانية هي نفوس كالقمر الذي يقتبس الأنوار من الشمس أمّا تلك الحقيقة المقدسة فهي مضيئة بنفسها(2)“.

 

        وعلى ذلك لا نستطيع أن نعتبر المبعوث السماوي مجرد شخص عادي اختاره الله ليكون مبعوثًا ورسولاً له. بل إنَّه وجود خاص له علاقته الخاصة مع الله الذي أرسله من عالم الروح ليكون وسيلة لإيصال الرسالة الإﻟﻬﻴﺔ للبشرية. وعلى الرغم من أنَّ الروح الإنسانية للمرسلين له بداية معينة ولكن أرواح هذه النفوس المقدسة وجدت في عالم الروح قبل ولادته المادية في هذا العالم. إنَّ الأرواح الخالدة للأفراد العاديين من جانب آخر لا تكون في عالم الروح قبل ولادة الإنسان وإنَّما تتكون الروح الإنسانية منذ تكوين النطفة في رحم الأم. وحول الوجود السابق للروح الإنسانية للأنبياء والرسل ومظاهر الظهور

 

يقول حضرة شوقي أفندي:

 

        “إنَّ الأنبياء- بعكس حالنا نحن– لهم وجود سابق. إنَّ روح السيد المسيح وجد في عالم الروح قبل ولادته في هذا العالم. ولا يمكننا تصور كيفية ذلك العالم، ولهذا فإنَّ الكلمات عاجزة عن وصف حالة وجوده وروحه المقدسة(1)“.

 

        إنَّ الأنبياء والرسل منذ طفولتهم على علم بحقيقتهم وشخصيتهم على الرغم من أنَّ إعلانهم للدعوة يأتي في وقت لاحق من حياتهم. وحيث أنَّهم هم المتلقون للفيض الإﻟﻬﻲ مباشرة، فإنَّهم على علم تام بحقائق الحياة. فهذه الفطرة، بعلمهم اللّدني وحده، يجعلهم قادرين على سن الأحكام والقوانين التي تستجيب لاحتياجات الجنس البشري في وقت معين من التاريخ. يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “ولمّا كانت حقائق المظاهر الكلية الإﻟﻬﻴﺔ المقدسة محيطة بالكائنات من حيث الذات والصفات ومتفوقة عليها وملمّة بالحقائق الموجودة ومطّلعة على جميع الأشياء فلهذا كان علمهم علما إﻟﻬﻴﺎً لا اكتسابيًا أي فيض قدسي وانكشاف رحماني.. بالاختصار فالمظاهر الكلية الإﻟﻬﻴﺔ مطّلعون على حقائق أسرار الكائنات لهذا يؤسسون الشرائع التي تناسب وتتفق مع حال العالم الإنساني لأنَّ الشريعة هي الروابط الضرورية المنبعثة من حقائق الكائنات.. وحيث إنَّ المظاهر الكلية الإﻟﻬﻴﺔ مطلعون على أسرار الكائنات فهم عارفون بتلك الروابط الضرورية التي يقررون على وفقها شريعة الله(2)“.

 

        ليس بمقدور أي فرد أن يصبح نبيًا أو رسولاً أو حاملاً لرسالة إﻟﻬﻴﺔ. إنَّ الروح الإنسانية قادرة على أن تنتعش بالنفحات القدسية الإﻟﻬﻴﺔ وبالتالي تنمـو وتتطور روحانيًا كما شرحنا سابقًا. ولكن يبقى الرسل ومظاهر الظهور في مقامهم الخاص العالي ذلك المقام الذي لا يستطيع الفرد مهما كان مثاليًّا الوصول إليه.

 

        قياسًا على نظرية المرآة، يمكن تشبيه أرواح الناس العاديين بالمرآة. ولكن خلافًا للرسل فإنَّ انعكاس أرواح الناس في المرآة غير كامل. بعبارة أخرى، إنَّ كل إنسان يمكن له أن يتصف ببعض الصفات الإﻟﻬﻴﺔ ولكن صفته هذه تكون غير كاملة أو تامة وفي حدود ضيقة. إنَّ الرقي الروحي بالنسبة للفرد العادي يعني الكمال وحسن الأخلاق ونقاء الروح وصقل مرآة الروح حتى تعكس الصفات الإﻟﻬﻴﺔ بشكل أوضح. وفي عدة مواقع استخدم حضرة بهاء الله مثال “تنظيف المرآة” للتعبير عن الرقي والنمو الروحي. إنَّه تشبيه يؤكد لنا بأنَّنا بشر لنا نقائصنا إلاَّ أنَّ فينا قدرات غير محدودة تقودنا نحو الكمال بينما رسل الله هم الكاملون.

 

        ذكر حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء في آثارهما المتعددة بأنَّ هناك ثلاثة عوالم فقط وهي عالم الخلق وهو خاص بالبشر، وعالم الأمر وهو خاص بمظاهر الظهور والرسل، وعالم الحق وهو خاص بذات الغيب المنيع. ليس هناك وجود ملموس للشياطين أو الملائكة. وإن كانت لهذه المصطلحات أية معاني فيمكن لها أن ترمز إلى المراحل والحالات والمختلفة التي يمر بها الإنسان. إنَّ حالة النقص

 

 

 

 

 

 

            =بلجيكا – 1980).

 

يمكن التعبير عنه بسيطرة القوى الشيطانية وأمَّا الحالة الروحانية فتعني سيطرة الملائكة. يمكن القول بأنَّ الأنبياء والرسل هم على مستوى الكمال والعصمة بينما الإنسان العادي لديه القدرة للتدرج في مراتب الكمال لأنَّ روحه يكتنز القدرة على أن يعكس فضائـل خالقه. إنَّ أعلى وأرفع مرتبـة لكمال البشر كما يشـرح حضرة عبد البهاء هي العبودية المحضة لله سبحانه وتعالى:

 

        “اعلم أنَّ مراتب الوجود محدودة وهي مرتبة العبودية ومرتبة النبوة ومرتبة الربوبية ولكن الكمالات الإﻟﻬﻴﺔ والإمكانية غير متناهية.. ولما كان الفيض الإﻟﻬﻲ غير متناهٍ فالكمالات الإنسانية غير متناهية ولو كان للكمال نهاية لوصلت حقيقة من حقائق الأشياء إلى درجة تستغني فيها عن الحق ولأصبح الممكن واجبًا ولكن لكل كائن من الكائنات رتبة لا يمكنه أن يتجاوزها يعني إنَّ الذي في رتبة العبودية مهما ترقى في تحصيل الكمالات التي لا تتناهى فإنَّه لن يصل إلى رتبة الربوبية.. فمثلاً إنَّ بطرس لا يمكنه أن يصل إلى رتبة المسيح وأقصى ما يمكن أن يصل إليه هو أن يحصل على كمالات لا تتناهى في مراتب العبودية(1)“.

 

        ومهما يكن من أمر، وحيث إنّنا قادرون على مشاركة الحق فيضه الإﻟﻬﻲ، فبإمكاننا أن نشعر بالروح الإﻟﻬﻲ. وعليه، يمكن أن نكون محطّ الإلهامات الربانية. والآثار البهائية تميّز بين الإلهام والإيحاء، فالوحي الإﻟﻬﻲ هو ذلك الفيض المعصوم للكلمات الإﻟﻬﻴﺔ الخلاقة التي تنزل مباشرة على الرسل فقط دون غيرهم من البشر وينقلونها

 

بالتالي إلى الجنس البشري. أمّا الإلهام فهو نفاذ البصيرة النسبية غير المباشرة للحقيقة الروحية ويمكن لأي إنسان الوصول إليه. إنَّه شعور يأتي من نهج الحياة الروحانية المتأثرة بما يأتي به الرسل ومظاهر أمر الله. ويمكن لأي فرد أن يلهم من روح الله ولكن الإلهام يصلنا نتيجة الروح المعنوية المنبثقة من مطالع ومظاهر أمر الله. باختصار يمكن القول بأنَّ الإلهام يأتي من الوحي الإﻟﻬﻲ.

 

        شرح حضرة بهاء الله بأنَّ الإرادة المطلقة الإﻟﻬﻴﺔ تختار أحيانًا أناسًا عاديين ليكونوا أنبياء ويلهمهم الله ليلعبوا دورًا معينًا في الشئون الإنسانية. مثال على ذلك أنبياء بني إسرائيل مثل إرميا وإشعيا. هناك نفوس ملهمة أخرى مثل الأولياء والأصفياء ولكنهم جميعًا حتى الذين عرفوا بالأنبياء فقط لا يمكن لهم أن يصلوا لمرتبة الرسل ومظاهر أمر الله المعروفين بأولي العزم وأصحاب الشريعة والكتاب والعصمة. وقد أشارت الآثار البهائية إلى “أنبياء غير مستقلين” ورسل “مستقلين” حيث تفضل حضرة عبد البهاء قائلاً:

 

        إنَّ الأنبياء على قسمين: الأول الأنبياء المستقلون المتبوعون والثاني الأنبياء التابعون غير مستقلين فالأنبياء المستقلون هم أصحاب الشريعة ومؤسسو الأدوار الجديدة الذين بظهورهم يلبس العالم خلعة جديدة ويؤسس دين جديد وينزل كتاب جديد وهم يقتبسون الفيوضات من الحقيقة الإﻟﻬﻴﺔ بدون واسطة، نورانيتهم نورانية ذاتية كالشمس تضيء بذاتها لذاتها والضياء من لوازمها الذاتية.. والقسم الثاني من الأنبياء هم التابعون والمروجون لأنَّهم فروع غير مستقلين يقتبسون الفيض من الأنبياء المستقلين ويستفيدون نور الهداية من النبوة الكلية كالقمر الذي لا ضياء ولا سطوع له من ذاته لذاته بل يقتبس الأنوار من

 

الشمس(1)“.

 

        نتيجة لذلك يعتبر البهائيون الفلاسفة والمجددين والقديسين والصوفيين ومؤسسي الحركات الإنسانية أفرادًا عاديين وقد يلهم هؤلاء النفوس بإلهامات إﻟﻬية بين الحين والآخر ولكن الوحي الإﻟﻬﻲ يختص بمظاهر شمس الحقيقة والمرسلين وحدهم وهم القوة العظمى المحركة للبشرية في جميع مراحل تقدمها.

 

        المفهوم البهائي للذات الإلهية :

 

        من هو الله الذي تحدث عنه جميع الرسل عبر التاريخ؟ فكما جاء في التعاليم البهائية فإنَّ الله العلي القدير هو فوق إدراك المخلوقات كافة وإنَّه منذ الأزل لم يستطع الإنسان أن يرسم له في ذهنه صورة واضحة، سبحانه عما يصفه الناس سوى الإقرار بعظمته وجلاله. وحينما نقول بأنَّ الله قوي وقدير وإنَّه عزيز وعادل فإنَّ هذه الكلمات راجعة إلى تصور الناس المحدود للقوة والقدرة والعزة والعدالة. في الواقع إنَّ علم الإنسان عن أي شيء محدود بالصفة والكيفية الظاهرة منه. يقول حضرة عبد البهاء بهذا الخصوص:

 

        “اعلم إنَّ العرفان على قسمين: معرفة ذات الشيء ومعرفة صفاته ومعرفة الذات تكون بمعرفة الصفات ليس إلاَّ حيث إنَّ الذات مجهولة غير معلومة ولما كانت معرفة الأشياء بالصفات لا بالذات وهي مخلوقة محدودة فكيف إذا يمكن معرفة حقيقة الذات الإﻟﻬﻴﺔ وهي غير محدودة…. لهذا فمعرفة الله عبارة عن إدراك الصفات الإﻟﻬﻴﺔ

 

وعرفانها لا إدراك الحقيقة الإﻟﻬﻴﺔ ومعرفة الصفات أيضًا ليست معرفة مطلقة بل إنَّما تكون بقدر استطاعة الإنسان وقوته(1)“.

 

        وعلى ذلك فإنَّ معرفة الله بالنسبة للإنسان تعني معرفة الصفات والكمالات الإﻟﻬﻴﺔ وليس معرفة ذاته وكينونته. ولكن كيف نستطيع معرفة صفات الله وكمالاته؟ ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ جميع ذرات الكائنات هي من صنع الله تبارك وتعالى وتعكس بعضًا من صفاته. مثلاً يمكن مشاهدة النظام البديع للخالق حتى في تكوين الصخرة أو البلورة. فكلما كان الصنع صافيًا ونقيًا كلما أصبح أكثر قدرة على عكس الصفات الإﻟﻬﻴﺔ. ونظرًا لأنَّ مظاهر أمر الله والرسل يعتبرون أكمل المخلوقات وأعلاهم رتبة ومقامًا فإنَّهم يستطيعون إعطاءنا العرفان الإﻟﻬﻲ الكامل والصحيح. يقول حضرة بهاء الله:

 

        “كل ما هو موجود في السموات والأرض هو محل لبروز الصفات والأسماء الإﻟﻬﻴﺔ حيث إنَّ في كل ذرة نشاهد آثار تجلي تلك شمس الحقيقة… ونشاهدها في أعلى تجليها في حقيقة الإنسان… وفيه كنزت جميع الصفات والأسماء الإﻟﻬﻴﺔ وبها تميّز عن باقي المخلوقات. أما أكمل البشر وأفضلهم وألطفهم فهم مظاهر شمس الحقيقة حيث إنَّ الكل موجودون بإرادتهم ويتحركون بفيض عناياتهم وألطافهم(2)“.

 

        بالرغم من أنَّ الصخرة أو الشجرة تحكي عن الخالق جل وعلا ولكن الإنسان، وهو الوجود الوحيد المدرك، قادر على أن يعكس

 

الصفات الإﻟﻬﻴﺔ في حياته وفي وأفعاله. وحيث أنَّ الأنبياء والرسل هم في مرتبة الكمال، فإنَّ من حياتهم نستطيع أن ندرك معنى أعمق للصفات الإﻟﻬﻴﺔ المتجلية فيهم. فالله سبحانه وتعالى لا يوصف ولا يحدد ولا يجسد بهيكل جسماني ولهذا لا يمكن رؤيته أو تشخيصه. إنَّ الطريق لمعرفة الله والتقرب إليه هو عن طريق معرفتنا للمظاهر الإﻟﻬﻴﺔ والرسل ومطالع الحقيقة. يقول حضرة بهاء الله حول هذا الموضوع: “قل إنَّ الغيب لم يكن له من هيكل ليظهر به إنَّه لم يزل كان مقدسًا عما يذكر ويبصر.. إنَّ الغيب يعرف بنفس الظهور والظهور بكينونته لبرهان الأعظم بين الأمم(1)“.

 

        في فقرة أخرى مشابهة قال حضرته: “إنَّ سبيل الكل إلى ذات القدم مسدود وطريق الجميع مقطوع. محض الفضل والعناية أظهر الله مـن بين الناس شموسًا مشرقة من أفق الأحدية واعتبر عرفان هذه النفوس المقدسة هو عرفان ذاته(2)“.

 

        ومن الطبيعي أنَّ الذين رافقوا الرسول في حياته كانت لهم فرصة لقائه مباشرة. ولذلك وضَّح لنا حضرة بهاء الله بأنَّ الارتباط الرئيسي بين الإنسان وخالقه يكون من خلال الآثار والكلمات النازلة من الأنبياء والمرسلين والمظاهر الإﻟﻬﻴﺔ. يعتبر البهائيون الكلمات المنزلة من هذه النفوس المقدسة هي كلمات الله وعليه يجب أن نتوجه إلى هذه الكلمات يوميًا من أجل التقرب إلى الله العلي القدير والحصول على معرفة عميقة عنه سبحانه وتعالى. إنَّ الكلمات المنزلة الإﻟﻬﻴﺔ هي الوسيلة لخلق الإحساس بتواجد الحق تبارك وتعالى في حياتنا يوميًا.

 

        يقول حضرة بهاء الله:

 

        “قل إنَّ دليله نفسه ثمَّ ظهوره ومن يعجز عن عرفانهما جعل الدليل له آياته وهذا من فضله على العالمين وأودع في كل نفس ما يعرف به آثار الله ومن دون ذلك لم يتم حجته على عباده إن أنتم في أمره من المتفكرين([43])”.

 

        ولهذا السبب فإنَّ حكم تلاوة آيات الله يوميًا والصلاة والتفكر ودراسة الآثار المقدسة يعتبر جزءًا هامًا من حياة البهائيين الروحية. فهم يشعرون بأنَّه من أهم الطرق نحو التقرب إلى خالقهم.

 

        دعونا نجمل القول بأنَّ وجهة النظر البهائية حول الله بأنَّه ذلك الغيـب المنيع الذي لا يدرك. أمَّا صفاته وكمالاته فقد تجلّت كاملة في رسله ومطالع شمسه(2). ونظرًا لأنًّ معرفتنا بأي شيء محصورة بمعرفتنا بصفاته فإنَّ علم مشارق الوحي والمرسلين يعتبر (للبشر العاديين) معادلاً للعلم الإﻟﻬﻲ(3). بتعبير عملي آخر، فإنَّ هذه المعرفة تحصل بالدراسة والدعاء والصلاة والتأمل وتطبيق المبادئ والأحكام التي جاءت في الكلمة الإﻟﻬﻴﺔ أي الآثار الصادرة عن الأنبياء والرسل ومشارق الوحي.

 

 

الفصل السابع

النظام العالمي لحضرة بهاء الله

 

        هناك العديد من البشر يشكّون في وجود الله لأنَّهم لم يستطيعوا أن يكتشفوا أي شيء يثبت وجوده. إنَّ معرفة الله وإثبات وجوده هو بالتأكيد إحدى القضايا الدينية والفلسفية الكبيرة المطروحة. تمَّت مناقشة المفهوم البهائي لهذا الموضوع بشيء من العمق في الفصل السادس من الكتاب. وقد وضح لنا الدين البهائي بأنَّ الله سبحانه وتعالى أثبتت لنا وجوده بدلائل واضحة، وأنَّ محبته اللامتناهية لنا تكمن في إرساله للأنبياء والمرسلين بين الحين والآخر حتى يعرّف الخلق بمشيئته وإرادته.

 

        أشار حضرة بهاء الله بأنَّ الله تعالى قد وعد البشرية بإرسال رسل ومظاهر إﻟﻬﻴﺔ بشكل متعاقب من أجل هداية وتوجيه العالم الإنساني. وقد سمّي هذا الوعد في الآثار البهائية “بالميثاق العام” أو “العهد العام”. إنَّ تعاقب ظهور الأنبياء والرسل أو مظاهر الظهور واستمرارية ظهورهم كان أمرًا قديمًا منذ الأزل، حيث ظهر موسى عليه السلام بعد إبراهيم أبي الأنبياء وظهر السيد المسيح عليه السلام بعد موسى ومن ثمَّ ظهر سيدنا محمد عليه السلام بعد المسيح. وفي هذا العصر ظهر موعود كل العصور والمبشّر بظهوره، وهو حضرة بهاء الله. إن جميع

 

الأنبياء والمرسلين سواء الذين ثبت بأنَّ لديهم تاريخًا مسجلاً أو الذين لم يدوّن لهم سجل كان لهم دور هام في حوادث الخطة الإﻟﻬﻴﺔ (1).

 

        العهد والميثاق هو اتفاق أو عقد يلتزم بإجرائه طرفا العقد. فالطرف الإﻟﻬﻲ فـي “العهد العام” هو وعده بتتابع إرسال مظاهر الظهور والرسل. واستجابة لهذا الوعد السماوي يقول حضرة بهاء الله بأنَّ للعباد وظيفتين تجاه الله سبحانه و تعالى الأولى: معرفة و قبول المبعوث السماوي عندما يظهر والثانية: إطاعته والعمل على تنفيذ تعاليمه وأحكامه. يقول حضرة بهاء الله في هذا الخصوص: “لأنهما معًا لا يقبل أحدهما دون الآخر(2)“. ولهذا السبب لا يمكن اعتبار
البهائيين من الخلفيات اليهودية والمسيحية أو أي دين آخر قد تركوا دينهم السابق عندما يصبحون بهائيين. إنَّهم يعتقدون بأنَّهم قد استجابوا لنفس النداء السماوي الصادر من المصدر نفسه. إنَّهم كما يقال حافظوا على العهد والميثاق في إقرارهم ومعرفتهم بمظهر الأمر الإﻟﻬﻲ الجديد ولم يكتفوا بالإيمان برسول واحد فقط أو اعتبار تعاليمه أفضل التعاليم كما كان ذلك ضمن الواجب الروحاني المورث لهم من عقيدة آبائهم وأجدادهم.

 

        هناك نقطة أخرى حول مفهوم العهد العام يجب التركيز عليها. فنظرًا لعدم وجود بداية ونهاية لظهور الأنبياء والمرسلين، فإنَّ العقيدة البهائية لا تدعي بأنَّها الدعوة الإﻟﻬﻴﺔ الأخيرة من أجل الرقي الروحاني للجنس البشري، فقد تفضل حضرة بهاء الله قائلا: “لقد أرسل الله تعالى رسله بعد موسى وعيسى عليهما السلام وسيستمر في ذلك حتى النهاية التي لا نهاية لها…([44])“. وقد أكدت الآثار المقدسة البهائية بأنَّه بعد “انقضاء مدة لا تقل عن ألف سنة كاملة” سيظهر رسول أو مظهر أمر سماوي جديد ليحمل على عاتقه عملية التطور المستمرة والأبدية.

 

        في ظل هذا العهد الشامل هناك روابط أخرى بين الله والبشرية تتعلق بمراحل معينة من مراحل تطور وتكامل الجنس البشري وبروز الحضارة واللذين مرّا بمراحل عديدة. يعتقد البهائيون بأنَّ كل دين سماوي جاء ليحقق هدفًا معينًا من عملية التطور هذه. ومثلما ينمو الطفل بالتدريج ويتعلم مهارات مختلفة مثل الأكل والمشي والقراءة والعمل مع الآخرين وغيرها فإنَّ الجنس البشري ينمو ويترقى ببطء نحو

 

البلوغ الروحاني وذلك بواسطة تطوير الطاقات الروحية الكامنة في الإنسان.

 

        فمثلاً بظهور سيدنا إبراهيم عليه السلام عرف العبرانيون وحدانية الله واستطاعوا إظهار تلك الطاقات الإنسانية الكامنة في التطور بفضل تلك الحقيقة السامية. ومع مرور الوقت أصبح لهذا المفهوم تأثير كبير في الحضارة الغربية والإسلامية. وبالمثل جاء سيدنا موسـى “بالأحكام الإﻟﻬﻴﺔ” للعالم البشري كما بيّن بوذا الطريق نحو الانقطاع عن شئونات النفس والهوى وعلّم السيد المسيح الحب الإﻟﻬﻲ ومحبة الآخرين. أمَّا حضرة بهاء الله فقد شرح بأنَّ هذا النمو التدريجي للوعي الروحي الإنساني هو أمر طبيعي وضروري. مثلما على الطفل أن يتعلم المشي قبل الركض والقفز.

 

        وللقيام بعمل ما، على الإنسان أن يتعلم الوسائل المناسبة لإنجاز ذلك. وطبقًا للعقيدة البهائية فإنَّ كل رسول سماوي قد وفّر لأتباعه الذين عرفوا مقامه تلك الوسائل الضرورية وذلك بإبرام عهد وميثاق بينه وبين أتباعه. وقد عرف هذا العهد في الآثار البهائية بالعهد الخاص. وقام كل رسول بتأسيس هذا العهد تمشيًا مع الاحتياجات المتغيرة لعملية تطور ونمو الجنس البشري. وقد سمي “بالعهد الخاص” ليس لأنَّه أقل أهمية وإنمَّا لأنَّ وظيفته تقع في ظل أهداف ومقاصد العهد العام. كما يمكن تسمية العهد الخاص “بالعهد المساعد” أو “العهد المتفرع” لأنَّه يخدم مساعدًا للهدف الإﻟﻬﻲ الأبدي الأكبر(1).

 

        وكما ذكر، يعتبر البهائيون بأنَّ الهدف الأسمى لظهور حضرة بهاء الله هو تأسيس الوحدة العالمية. وعليه فإنَّ عهد وميثاق بهاء الله يقود إلى هذا الهدف، وعلى ذلك فإنَّ الوحدة العالمية لا تتطلب إحساسًا شديدًا بالأخوة والمحبة فحسب بل ويجب أن تحتوي على المؤسسات العالمية اللازمة لإيجاد الحياة الاجتماعية المتحدة المفعمة بالمحبة لأهل العالم، كما يجب وضع حد للحروب وتأسيس سلام عالمي رصين ومتين بين كافة الأمم والشعوب.

 

        ذكر هذا التصور لمستقبل البشرية في الآثار البهائية وسمّي بالنظام البديع العالمي وهو نظام رائع في سعته وعظيم في عالميته. وعلى الرغم من أنَّ السواد الأعظم من الناس قد يوافقون الرأي على أنَّه هدف قيّم وهام، إلاَّ أنَّ البعض قد يعتبره هدفًا خياليًا وأنَّ مجتمعًا مثاليًا كهذا لا يمكن له أن يرى النور أو يتحقق. علاوة على ذلك يشعر الكثيرون بأنَّ الدين يجب أن يهتم أساسًا بالتطور الداخلي للإنسان، وقد يتعجبون عندما يرون بأنَّ الدين البهائي يركز تركيزًا كبيرًا على حياة البشرية المشتركة وعلى أشكال الأنظمة الاجتماعية ثمَّ تحقيق الأهداف الاجتماعية.

 

        أمَّا السبب وراء ثقة البهائيين بإنَّ الوقت قد حان لاتحاد البشرية يعود إلى اعتقادهم بإنَّ وحدة العالم هي أصلاً إرادة الله جل وعلا وأنَّه

 

 

 

 

 

       =متينًا مع أتباعه وهم بنو إسرائيل بأن الله سيحميهم ويدافع عنهم إذا أطاعوه وانقادوا لأوامره. هناك صيغة            مشابهـة لذلك ذكرت في الإنجيل عندما وعد المسيح عليه السلام أصحابه بأنهم إن أطاعوا تعاليمه فسيحصلون على بركات وقدرات معينة. هناك تعليمات للمسيحيين مثل “اذهبوا إلى الأمام وبشروا جميع الشعوب”. و”تذكروا كل ما قلته لكم”. وفي المقابل إنهم موعودون كما جاء في إنجيل متى: “اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم”. (متى – أصحاح 7 آية 7).

 

خلقنا ووهب لنا القدرة والطاقة والوسيلة لكي نحقق ذلك. ويمكن اعتبار ميثاق بهاء الله في الأصل تلك الأداة الإﻟﻬﻴﺔ لإطلاق هذه القوى الروحانية وبالتالي تحقيق وحدة العالم الإنساني.  هذا العهد والميثاق يمنحنا القوة الروحية لخلق الأمل وتقليب الأرواح وإزالة التعصبات ويعطينا نظامًا للأحكام والقوانين الاجتماعية والمؤسسات التي تعمل على أساس المبادئ الروحانية وتقوم بربطها بالاحتياجات العملية للإنسان. ومن خلال هذا النظام يشعر البهائيون بأنَّ الإنسان قادر على خلق مجتمع عالمي مبني على العدالة، وفي هذا الخصوص يقول حضرة بهاء الله: “قد اضطرب النظم من هذا النظم الأعظم واختلف الترتيب بهذا البديع الذي ما شهدت عين الإبداع شبهه(1)“.

 

        أدَّى حضرة عبد البهاء دورًا رئيسيًا بارزًا في إرساء قواعد النظام الذي جاء به حضرة بهاء الله. أمَّا دوره في التاريخ البهائي فقد تحدثنا عنه سابقًا وتتضح لنا أهمية دوره في رسالة بهاء الله بتعيينه مركزًا لعهده وميثاقه من بعده. كما أعطيت له صلاحية تفسير وتبيّين الآيات الإﻟﻬﻴﺔ وتمَّ التأكيد بأنَّ تفسيره سيكون معصومًا عن الخطأ وموجّهًا بواسطة الغيب المنيع(2). كما أجاز حضرة بهاء الله لابنه تطبيق تعاليمه وأحكامه طبقًا لما يراه مناسبا وحملّه مسئولية اتخاذ القرارات اللازمة لتأسيس مؤسسات النظام العالمي. وطبقًا لتلك الصلاحيات المخّولة لحضرة عبد البهاء، فقد جادت قريحته بالعديد من الرسائل والمقالات

 

والكتب التي زخرت بها المكتبة البهائية وأضيفت إلى أساسيات الأدب في الدين البهائي. عين حضرة عبد البهاء بدوره حضرة شوقي أفندي رباني ليكون ولّيًا لأمر الجالية البهائية وأيضًا مفسرًا ومبينًا للآثار الكتابية المقدسة. وقد أشـرف حضرة عبد البهاء بنفسه على تأسيس أول محفل روحاني محلي، وتعتبر مؤسسة المحفل الروحاني مؤسسة رئيسية في النظام العالمي.  أمَّا الآثار الكتابية التي صدرت من يراعة حضرة شوقي أفندي وأعماله ومجهوداته فقد مهّدت الطريق لتأسيس بيت العدل الأعظم.

 

        إنَّ نموذج حياة حضرة عبد البهاء يبّين أهمية ومدى إمكانية تطبيق تعاليم حضرة  بهاء الله في الحياة الروحية للأفراد وتطورها. وعلى أي حال لا يعتبر حضرة عبد البهاء رسولاً آخر أو مبعوثًا سماويًا مثل حضرة الباب وحضرة بهاء الله. فسلطة الرسول مستمدة مباشرة من الله العلي القدير وتكون جزءًا من قدراته الروحية، ولكن السلطة والصلاحية التي أعطيت لحضرة عبد البهاء جاءت من حضرة بهاء الله مباشرة. ومع ذلك يعتبر البهائيون حضرة عبد البهاء نموذجًا فريدًا ورائدًا ومثلاً أعلى لتطبيق التعاليم والمبادئ البهائية، وقد وصفه حضرة شوقي أفندي بالعبارات التالية:

 

        “إنَّه يمثل دومًا في المقام الأول والرئيسي محور ومركز عهد حضرة بهاء الله الفذ والذي لا نظير له، كما أنَّه أسمى ما صنعته يد عنايته، والمرآة الصافية التي يتجلى فيها نوره، والمثل الكامل لتعاليمه، والمفسر المصون عن الخطأ لكلماته وآياته، والجامع لجميع الصفات والأخلاق البهائية. وقد امتزجت في شخصيته، الصفات البشرية المختلفة مع الفضائل والكمالات الإﻟﻬﻴﺔ بشكل متلائم

 

تمامًا([45])“.

 

        إنَّ الإيمان الراسخ بإمكانيّة تحقيق الوحدة العالميّة مدعومًا بالإرادة والعزيمة للعمل تجاه هذا الهدف يمكن اعتباره من أكثر صفات الجامعة البهائيّة تميّزًا، ويعد من الفروق الواضحة بين هذا الدين والأديان السابقة. وطبقًا للتعاليم الروحية والمبادئ الأساسية للدين البهائي فإنَّ هناك أوجه تقارب مع الأديان المعروفة وبالذات الأديان الساميّة مثل اليهودية والمسيحية والإسلام. إنَّ قناعة البهائية في الوصول إلى الوحدة العالمية ووحدة الحضارة نابع من الإيمان بميثاق حضرة بهاء الله وهو أمر فريد وحديث. وبالنسبة إلى إمكانية تحقيق الوحدة والحضارة العالمية يقول الدكتور وارن واغر وهو أستاذ امريكي في علم الاجتماع ما يلي:

 

        “… من بين جميع الأديان المعاصرة التي تدعي أنَّها سماوية فإنَّ الدين البهائي هو الدين الوحيد الذي انفرد بالحديث عن وحدة الجنس البشري بكل وضوح وتركيز”.

 

        أمَّا الميثاق الخاص الذي أبرمه حضرة بهاء الله مع البشرية فإنّه يعمل من خلال نظام يطلق عليه النظام الإداري. وقد سبق أن لاحظنا أنَّ تعاليم وآثار حضرة بهاء الله تضم مختلف المواضيع، ومن ضمنها المفاهيم الرئيسية للإيمان والعرفان والمبادئ والنصائح التي وجهها للبشرية والأحكام والقوانين التي اعتبرها أمرًا ضروريًا للتطور الشخصي وللمنظمات الاجتماعية، كما أشار أيضًا إلى مؤسسات معينة واعتبرها جزءًا لا يتجزأ من الظهور البهائي ولا يمكن استبعادها عن التعاليم الروحانية.

 

        وعلى ذلك فإنَّ النظام الإداري البهائي يتكون من أحكام وتعاليم من جهة، ومؤسسات تقع ضمن الجامعة البهائية من جهة أخرى، وهذا النظام الإداري يعتبر في الواقع تعبيرًا أساسيًا للعهد الخاص الذي جاء به حضرة بهاء الله للجنس البشري. ومن الخصائص المميزة للعهد الخاص في الحقيقة هو أنَّ حضرة بهاء الله حدد الأحكام والمؤسسات التي يجب أن تحكم شئون الجامعة وأعضائها عبر التاريخ. علاوة على ذلك شرح حضرته في آثاره المقدسة المذيّلة بختمه وتوقيعه طبيعة كل مؤسسة من هذه المؤسسات بما فيه حدود اختصاصاتها وامتيازاتها ووظائفها ودورها. أمَّا قاعدة هذا النظام فقد وضعها حضرة عبد البهاء وحضرة ولي أمر الله حيث أعطيت لهما مطلق الصلاحية من قبل حضرة بهاء الله.

 

        إنَّ المؤسّستين الرئيسيتين للنظام الإداري اللتين وصفهما حضرة شوقي أفندي أنهما أعمدة هذا النظام هما مؤسسة ولاية الأمر وبيت العدل الأعظم. أمَّا وظيفة ولي الأمر وطبيعة السلطة المخوّلة له فقد تمَّ بحثها في فصل سابق. وبالرغم من أنَّ حضرة ولي أمر الله ليس على قيد الحياة حاليًا فإنَّ تفسيره وتبيينه للتعاليم البهائية له نفس الرتبة والمنزلة للجامعة البهائية كتلك التي كانت أثناء حياته. أوجد حضرة بهاء الله بنفسه مؤسسة بيت العدل الأعظم واعتبرها أعلى هيئة تشريعية في النظام الإداري البهائي. وبالنسبة للعلاقة بين مؤسسة ولاية الأمر وبيت العدل الأعظم فقد جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم ما يلي:

 

        “يجب أن يكون مفهومًا… بأنَّ أي تشريع حول أي موضوع يحظى بدراسة دقيقة ومكثفة وشاملة من قبل بيت العدل الأعظم للنصوص

 

المقدَّسة وآثار حضرة شوقي أفندي حول ذلك الموضوع. فالتفاسير والتوضيحات التي جاءت في كتابات حضرة ولي أمر الله تغطي مدى واسعًا من المواضيع وهي ملزمة بنفس درجة النصوص المقدسة([46])“.

 

        أطلق حضرة بهاء الله لقب “بيوت العدل” على المؤسسات التشريعية الرئيسية لدينه. يتكون بيت العدل من تسعة أفراد بالغين ينتخبون بصفة دورية بواسطة جميع الأفراد البالغين في الجامعة البهائية. وتتأسس بيوت العدل على ثلاثة مستويات: المستوى الأول: محلي ونطاق إدارته طبقًا لتنظيمات البلديات أو المحافظات. والمستوى الثاني وعادة ما يكون على مستوى مركزي. والمستوى الثالث عالمي. واليوم ظهرت مؤسسة بيت العدل الأعظم على المستوى العالمي فقط وذلك عن طريق انتخاب بيت العدل الأعظم وقد أجريت أول انتخابات له في مؤتمر عالمي عقد في عام 1963م. إنّها مؤسسة تدير شئون الجامعة البهائية في شتى أنحاء العالم، وهي الهيئة التشريعية الوحيدة للدين البهائي. وطبقًا للنصوص الواضحة والصريحة الصادرة من حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء فإنَّ القوانين التي يسّنها ويصدرها بيت العدل الأعظم لها نفس سلطة وصلاحية النصوص المباركة. والفرق الوحيد هو أنَّ بيت العدل الأعظم له الحق في إلغاء ونسخ وتعديل القوانين التي يصدرها نظرًا لتطور ونمو الجامعة البهائية ومستجدات الحياة، أما الحدود والأحكام المذكورة صراحة في الآثار المباركة فليس لبيت العدل الأعظم صلاحية تعديلها أو تغييرها.

 

إنَّ إدارة شئون الجامعة البهائية على المستوى المحلي والمركزي

 

تقوم بها محافل روحانية محلية ومركزية. أما انتخاب وعمل هذه المؤسسات فهو شبيه ببيت العدل الأعظم وسيطلق عليها في المستقبل اسم بيوت العدل المحلية والخصوصية.

 

        يؤمن البهائيون بأنَّ بيوت العدل المحلية والخصوصية هي تحت الهداية الإﻟﻬﻴﺔ أما قرارات بيت العدل الأعظم فهي ملهمة ومعصومة عن الخطأ وواجبة التنفيذ وأنَّ هذه المؤسسة بالنسبة لهم تمثل ذروة مجهود الجنس البشري في التقرب إلى الله بروح من الوحدة والأخوة. وقد أخبرنا حضرة بهاء الله بأنَّ الخالق عز وجل قد جعل هذا الأمر ممكنًا، وسيجعل قرارات بيت العدل الأعظم معصومة من الخطأ(1).

 

        هناك أيضًا مؤسسات بهائية على المستويات القارية والمركزية والإقليمية والمحلية، بعضها ينتخب انتخابًا وتعمل من خلال المشورة الجماعية واتخاذ القرار الجماعي والبعض الآخر وجد بالتعيين ويعمل أساسًا من خلال الخدمات التي يؤديها أعضاء هذه المؤسسات. وسنتحدث عن هذا النظام بإسهاب في الفصل التالي.

 

        إنَّ نظام المؤسسات في الدين البهائي يمثل جزءًا لا يتجزأ منه ولا يمكن فصله عن المبادئ والتعاليم الروحانية النقية. ويؤمن البهائيون بأنَّ نظامهم الإداري بمثابة الجنين ونظام اجتماعي جديد مقدّر له أن يحقق وحدة الجنس البشري. وحول هذا النظام يقول حضرة شوقي أفندي:

 

        “… هذا النظام الإداري يختلف أساسًا عما جاء به الأنبياء السلف

 

لأنَّ حضرة بهاء الله بنفسه وضع مبادئه وأسّس مؤسساته وعيّن الشخص المخّول بتفسير وتبيّين كلماته ومنح السلطات الضرورية لهيئة (بيت العدل الأعظم) المقدّر له أنْ يكملّ ويطبق أحكامه التشريعية(1)“.

 

        إنَّه من الأهمية بمكان أن نميّز بكل وضوح الفرق بين النظام الإداري البهائي وبين النظام العالمي المستقبلي الذي تصّوره حضرة بهاء الله. بالنسبة للنظام العالمي، يؤمن البهائيون بأنَّ تعاليم مؤسسي دينهم لها تأثيرها التام على تأسيس حكومة عالمية وعلى السلام الدائم وإيجاد الحضارة العالمية الموحّدة. فهذا النظام العالمي بالطبع لم يتأسس بعد وإنَّما هو الهدف الذي تسعى إليه الجامعة البهائية. إلاَّ أنَّ المؤسسات الرئيسية للنظام الإداري قد تأسست بالفعل وتعمل جزءًا مكملاً للجامعة البهائية العالمية.

 

        أوجز لنا حضرة شوقي أفندي نظرة حضرة بهاء الله في النظام العالمي للمستقبل في البيانات التالية:

 

        “إنَّ وحدة البشر كما رسمها بهاء الله تعني تأسيس حكومة عالمية تتّحد فيها اتحادًا ثابتًا وثيقًا كافة الأمم والمذاهب والأجناس والطبقات فيها، وتكون الحقوق الذاتية للحكومات المكونة لأعضائها مكفولة تمامًا، والحرية الشخصية لممثلي هذه الحكومة العالمية وتوقيعاتهم تكون محترمة نافذة. هذه الحكومة العالمية بقدر ما نستطيع تصويرها

 

 يجب أن تشتمل على هيئة تشريعية عالمية يكون أعضاؤها وكلاء عن جميع الجنس البشري وأن يكون لها الإشراف التام على موارد كافة الأمم التي تتكون منها، وأن تشّرع من القوانين ما تتطلبه نواحي الإصلاح وسد مطالب الأجناس والشعوب وتصحيح العلاقات فيما بينها، وعلى هيئة تنفيذية مؤيدة بقوة عالمية وظيفتها تنفيذ القرارات وتطبيق القوانين التي تضعها الهيئة التشريعية والمحافظة على هيكل وحدة الحكومة العالمية، وعلى محكمة عالمية تتولى الفصل والحكم النافذ البات في كل نزاع ينشأ بين العناصر المختلفة المكونة لهذا النظام العام.  وبجانب هذا يجب تنظيم مركز مواصلات عالمي وتخصيص جهاز للتخاطب مع كل جزء من أجزاء الأرض ويكون بعيدًا عن كل تأثير وقيد قومي ويعمل بسرعة وكفاية تامة، وإعداد مقر عام يكون المركز النابض لمدنية عالمية تتركز حوله كل عناصر التوحيد في الحياة ومنه تنبعث أنوار آثاره المنشطة، والاتفاق على لغة عامة تبتكر أو تختار من بين اللغات الحالية تدرس في جميع مدارس الأمم المتحدة وتكون بمثابة لغة مساعدة بجانب اللغات القومية، وتنوع عالمي من حروف الطباعة والأدبيات، وشكل ونظام عالمي للعملة والموازين والمكاييل والمقاييس، كل ذلك من شأنه أن يسهل أسباب التعامل والتفاهم بين شعوب العالم وأجناسه… أما الثورات القومية والعداوات والفتن فإنها تتوقف، ويتبدل العداء العنصري والتعصب بالوفاق والتفاهم والتعاون، وتنعدم نهائيًا أسباب المشاحنات الدينية وترتفع الحواجز والقيود الاقتصادية، ويختفي التمييّز بين الطبقات…(1)“.

 

        يؤمن البهائيون بأنَّ النظام العالمي لا يمكن تحقيقه بفضل جهودهم الفردية أو لأنَّ دينهم ينص على ذلك، بل بأنَّ الإرادة الإﻟﻬﻴﺔ تعمل بطرق عدّة وعلى مستويات مختلفة وفي شتى بقاع العالم ومن خلال جميع فئات البشر لتحقيق هذا الهدف العظيم المنشود. ويرون في تأسيس عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة خطوات هامة وعملية نحو اتحاد الأمم. ولذلك نرى الكثير من البهائيين شركاء نشطين في فعاليات هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة كما الأمر في العديد من المنظمات العالمية غير السياسية. رائدهم في ذلك بأنَّ دينهم ونظامه الإداري لهما الدور الأساسي والحيوي في عملية خلق عالم موَّحد.

 

        ولمساعدتنا في تفهّم كيف ينظر البهائيون إلى العلاقة بين دينهم ونظامه الإداري من جهة وهدف تحقيق السلام العالمي وتأسيس النظام العالمي من جهة أخرى يجدر بنا أن نعيد إلى الأذهان بأنَّهم يربطون الحضارة العالمية المستقبلية بالعصر الألفي السعيد أو تأسيس “ملكوت الله” المذكور في الكتب المقدسة للأديان الأخرى. فالبهائيون يعتقدون بأنَّ تأسيس السلام والاتحاد العالمي يعني تأسيس ملكوت الله على الأرض وهو ما يرمز إلى النصر النهائي للخير على الشر كما تنبأت به جميع الأديان السابقة وأشارت إليه بشكل رمزي.  ويعتقدون أيضًا أنَّ تأسيس هذا النظام العالمي إنَّما هو تجسيد لإرادة الله وعنايته عبر تاريخ الجنس البشري.

 

        جاء في بعض التقاليد والأعراف الدينية بأنَّ تأسيس ملكوت الله يرتبط فقط بالإرادة الإلهية وأنَّ دور الإنسان في هذه العملية سلبي في الأصل، وأنَّ ظهور الملكوت وتأسيسه سيكون بصورة مفاجئة وبشكل سحري وغير طبيعي(1).

 

        إنَّ البهائيين يؤمنون بأنَّ الله قوي وقدير وهو بالتأكيد يستطيع تحقيق ملكوته على بسيط الغبراء فورًا إن شاءت إرادته، إلاّ أنَّ حضرة بهاء الله شرح لنا بأنَّ الله يريد أن يعلّمنا دروسًا محددة كيف يمكن تأسيس ملكوته. ويعتبر البهائيون المجتمعات في عالمنا المعاصر غير قادرة على تلبية احتياجاتنا الفعلية لأنَّ هذه المجتمعات تعمل وتطبق شرائع مغايرة لشرع الله. وفي الوقت الذي يؤسس فيه الله ملكوته على الأرض فإنَّه يعطي لنا مجال التعلم من خلال الخبرة والممارسة، وهذه الخبرة تأتي من واقع حياتنـا وما تتمخض عنه نتائج أعمالنا وتجاربنا. كما أشار حضرة بهاء الله بأنَّه فقط من خلال تفكيرنا العميق وإدراكنا لأخطائنا الماضية وقبولنا بها فإننا نحمي أنفسنا من تكرارها المأساوي الذي جرّ العالم إلى ما هو عليه من أخطار الحروب المستمرة وما تحمله لنا من معاناة واستغلال ويأس([47]).

 

        وضع حضرة بهاء الله تصورًّا لتأسيس النظام العالمي على ثلاث مراحل متعاقبة.  المرحلة الأولى هي مرحلة الانحلال الاجتماعي واتساع مدى المعاناة التي ستفوق مثيلاتها في السابق اتساعًا وشمولية. ويعتقد البهائيون بأنَّ هذه المرحلة قد بدأت وتفاقمت وأنَّ الأزمات التي تحيط بالعالم ستصيب حياة كل إنسان وكل مؤسسة اجتماعية. وقد ذكر حضرة شوقي أفندي في توقيعه “قد أتى اليوم الموعود”The Promised Day Is Come بأنَّ معاناة البشرية هذه تعتبر “محنة جزائية” و” قصاصًا إلهيًّا عادلاً من جانب الحق تبارك وتعالى في آن واحد حيث قال حضرته:

 

        “من جهة، فإنَّ هذه المحن والمآسي عقاب إﻟﻬﻲ وعملية تطهير لعموم الجنس البشري، فنارها تعاقب العالم على عناده وفساده وضلاله وتعمل على تلاحم أعضائه في جامعة عالمية واحدة غير مجزأة. فالإنسانية، في هذه السنين من مصيرها الحاسم… مدعوة في الوقت نفسه أن تستعرض ما ارتكبته في الماضي وأن تطّهر نفسها وتستعد لمهمّتها المستقبلية. فلا يجوز لها أنْ تتهرب من مسئولياتها الماضية أو أن تتجاهل وظائفها المستقبلية(1)“.

 

        وطبقًا للعقيدة البهائية فإنَّ الفترة الحالية من المعاناة والصعاب ستبلغ ذروتها في شكل اضطرابات روحية وجسدية واجتماعية وعلى مستوى العالم. هذه الأزمات تشير إلى نهاية المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الإﻟﻬﻴﺔ. أشار حضرة بهاء الله إلى تلك الأزمات بما يلي:

 

        “إنَّا قد جعلنا ميقاتًا لكم فإذا تمَّت الميقات وما أقبلتم إلى الله ليأخذنكم عن كل الجهات ويرسل عليكم نفحات العذاب عن كل الأشطار وكان عذاب ربك لشديد([48])“.

 

        المرحلة الثانية من تقدم البشرية نحو النظام العالمي يمكن ملاحظتها من خلال تحقق “السلام الأصغر” أو “الصلح الأصغر”. وعلى ضوء البيانات الواردة في الكتابات البهائية يمكن القول بأنَّ المرحلة الثانية هذه يمكن اعتبارها توقفًا مستمرًا للحروب أكثر منه من سلام دائم شامل وعالمي. فالسلام الأصغر هو اصطلاح لوصف السلام أو التقارب السياسي الذي ستصل إليه شعوب العالم من خلال الاتفاقيات الدولية. أمَّا المظهر الرئيسي للسلام الأصغر هو وضع إجراءات دولية للأمن الوقائي لوضع حد للحروب بين الدول والشعوب. وسنتطرق إلى تفاصيل هذه الإجراءات اتفاقية رسمية تدعمها كافة شعوب الأرض مبنية على مبدأ “الأمن الجماعي” والتي تنص على أن تهب كافة الأمم جماعيًا لردع أي معتدي. وفي هذا السياق يقول حضرة بهاء الله: “إن قام أحدٌ منكم على الآخر قوموا عليه إن هذا إلاَّ عدل مبين(2)“.

 

        كما شرح حضرة عبد البهاء هذا الموضوع في البيان التالي:

 

        “عليهم – قادة العالم- توقيع معاهدة ملزمة للجميع ووضع ميثاق بنوده محددة، سليمة، وحصينة. وعليهم أن يعلنوا ذلك على العالم أجمع وأن يحرزوا موافقة الجنس البشري بأسره عليه… كما ينبغي

 

تسخير كل قوى البشرية لضمان هذا الميثاق الأعظم ولاستقراره ودوامه. ويعّين هذا الاتفاق الشامل بتمام الوضوح حدود كل دولة من الدول وتخومها، وينص نهائيًا على المبادئ التي تقوم عليها علاقات الحكومات بعضها ببعض ويوثق أيضًا المعاهدات والواجبات الدولية كلها… والمبدأ الأساسي لهذا الاتفاق الرصين يجب أن يكون محددًا بحيث إذا أقدمت أي حكومة فيما بعد على انتهاك أي بند من بنوده هبت في وجهها كل حكومات الأرض وفرضت عليها الخضوع التام، لا بل إنَّ الجنس البشري كله يجب أن يعقد العزم بكل ما أوتي من قوة على دحر تلك الحكومة. فإذا ما اعتمد هذا الدواء الأعظم لعلاج جسم العالم المريض، فلا بد أن يبرأ من أسقامه ويبقى إلى الأبد سليمًا، مطمئنًا، معافىً(1)“.

 

        يؤمن البهائيون بأنَّ السلام الأصغر سيتحقق قريبًا بعد نهاية الفترة الحالية من الأزمات والمصاعب والتغييرات الاجتماعية، وإنَّه لاشك في أنَّ هذه المآسي ستكون ذلك المؤثر الرئيسي في الضغط على الأمم والشعوب لوضع حد للحروب مهما كلف الثمن. وقد تنبأ حضرة عبد البهاء بأنَّ السلام الأصغر سيبدأ في الظهور في هذا القرن(2).

 

        وما السلام أو الصلح الأصغر ألاَّ مقدمة ضرورية للمرحلة الثالثة من ظهور النظام العالمي وهي مرحلة ستتحقق بالتدريج ودعاها بهاء الله بمرحلة “السلام الأعظم”. إنَّ بزوغ هذه المرحلة كما قال حضرته سيتزامن مع ظهور النظام العالمي. أمَّا وصف حضرة شوقي أفندي لهذا النظام المستقبلي فقد ذكر سابقًا في هذا الفصل. وفي موضع آخر

 

تحدث حضرة ولي أمر الله عن هذا النظام بأنَّه “الاندمـاج النهائي لجميع الأجناس والعقائد والطبقات والشعوب”. ولكن السلام الأصغر سيتحقق بواسطة “شعوب الأرض الغافلة عن ظهور حضرة بهاء الله والتي تنفـذ مبادئه بصورة لا إرادية”. أمَّا السـلام الأعظم فسيتحقـق بعد “الاعتراف بمميزات وأحقية دعوة بهاء الله([49])“. وكما يعتقد البهائيون فإنَّه خلال تطور البشرية من مرحلة السلام الأصغر إلى مرحلة السلام الأعظم ستقر الشعوب تمامًا بدعوة حضرة بهاء الله وستقبل بمبادئه وتطبقها غالبية أفراد الجنس البشري.

 

        يمكن اعتبار النظام الإداري البهائي نظام جنيني للنظام العالمي المستقبلي. وطبقًا لما ذكره حضرة شوقي أفندي فإنَّ مؤسسات وقوانين النظام الإداري البهائي مقدّر لها أن تصبح “نموذج للمجتمع المستقبلي، وهذا النموذج يعتبر أداة جيدة لتأسيس السلام الأعظم ووسيلة لوحدة العالم وإعلان العدل والمساواة والخير والرفاهية لعموم البشر(2)“.

 

        إنَّ رؤية السلام الأعظم يتوافـق مع رؤيا حبقوق فـي التوراة والتي تشير إلى الزمن الذي “سيعّم الأرض العلم الإﻟﻬﻲ وعظمته مثلما يملأ الماء البحر “(سفر حبقوق – أصحاح 2 –  آية 14) إنَّه دلالة على “شفاء الشعوب” الموعود في رؤيا يوحنا اللاهوتي بالإنجيل (سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي – أصحاح 22 – آية 2). هذا السلام لن يأتي بحضارة عالمية فحسب بل بروحانية تشمل الشعوب والقبائل جمعاء. إنَّه يمثل “قدوم العصر الموعود لكافة أركان الجنس البشري(3)“.

 

        كما تحدث حضرة شوقي أفندي عن السلام الأعظم بقوله الكريم:

 

          “عندها ستولد الحضارة العالمية وتزدهر وتخلد نفسها، وستكون حافلة وخصبة بالحياة بحيث لم ير العالم شبهها ولم يتخيلها أحدٌ من قبل. عندئذ سيتحقق العهد الأبدي بشكل كامل وتتحقق الوعود المذكورة في جميع الكتب المقدسة السماوية وتتحقق جميع النبوءات التي وردت على لسان النبيين والمرسلين ويتجلى ما تغنى به ذوو البصيرة والشعراء في رؤاهم.  وعندها ستنعم الأرض بدين عالمي بإﻟﻪ واحد أحد، ويكون ولاؤهم وإخلاصهم لدين واحد.  وعندها ستعكس الأرض، على الرغم من بعض العثرات، ذلك الجلال والعظمة المتلألئة من سلطنة حضرة بهاء الله الملكوتية… وتصبح الأرض جنة من الملكوت الأبهى وقادرة على تحقيق ذلك المصير العظيم الذي قدّره الخالق لها منذ الأزل بفضل محبّته وحكمته([50])“.

 

        يعتقد البهائيون بأنَّ الإرادة الإﻟﻬﻴﺔ تعمل في اتجاهين أو على مستويين. فمن جهة هناك الإرادة الإﻟﻬﻴﺔ المطلقة الموجودة في كل مكان والتي تدخل في قلب كل حدث في تاريخ البشرية وتبدو في الظاهر غير ذي بال. إلا أنَّ كل شيء على المدى البعيد يخدم الهدف الإﻟﻬﻲ في توحيد الجنس البشري. ولهذا السبب يدعم البهائيون الكثير من القضايا العالمية والإنسانية ويحاولون أن يستثمروا الجوانب الإيجابية من القضايا الأخرى حتى لو لم يوافقوا على بعض جوانبها.

 

        ومن جهة أخرى، يؤمن البهائيون بأنَّ دينهم و نظامه الإداري يمثلان حلقة وصل بين المشيئة الإﻟﻬﻴﺔ والعالم الإنساني في هذا

 

العصر، وبه تسري روح الوحدة ونهجها وتتغلغل في شئون البشر. ولهذا يرى البهائيون بأنَّ وظيفتهم الرئيسية هي أن يكونوا بمستوى كمال تلك الأداة الممنوحة من الحق تبارك وتعالى للبشرية. وعندما يبدأ نفوذ هذا الظهور الجديد في التغلغل في جسم البشرية ككل سيأخذ السلام الأصغر بالتحول تدريجيًا إلى السلام الأعظم وسيدرك الناس إرادة الله سبحانه وتعالى للجنس البشري ويشهدون تأسيس ملكوت الله على الأرض.

 

 

الفصل الثامن

الإدارة والأحكام والقوانين

 

        يعتبر البهائيون العهد الخاص لحضرة بهاء الله أحد خصائص دينهم المميزة والذي من خلاله سيتأسس النظام العالمي المستقبلي والحضارة العالمية. إنَّهم يؤمنون بأنَّ نواة ونموذج هذا النظام العالمي المستقبلي موجود في الأحكام والقوانين والنظام الإداري الذي جاء به مشرّع هذا الظهور وقام بتطبيقه وتطويره حضرة عبد البهاء وحضرة شوقي أفندي. ولهذا السبب يكرّس البهائيون الكثير من وقتهم وجهدهم في سبيل تطوير مؤسسات جامعتهم. هذه المؤسسات المتفرعة من النظام الإداري البهائي تعمل، ليس فقط لحل المشاكل واتخاذ القرار الجماعي فحسب بل تأخذ في الاتساع والنمو والتطور حتى تظهر منها الطاقة الإﻟٰﻬﻴﺔ الكامنة بالتدريج مثلما تظهر من الإنسان طاقاته البشرية الكامنة من خلال بذل الجهد والمثابرة المستمرة.

 

         ما ذكر كان محط أنظار المراقبين للجامعة البهائية الذين يرون بأنَّ البهائيين يبدون اهتمامًا بالأمور الإدارية وإجراءاتها. ويعتقد البهائيون بأنَّ الله سبحانه وتعالى قد استعمل الأنظمة الإدارية الفاسدة والتعسفية الحالية في عالمنا المتحضر اليوم من أجل تحقيق أهدافه السماوية. كما يرون بأنَّ المشيئة الإﻟﻬﻴﺔ ترى في الخدمات الإدارية نوعًا من

 

الجهود الروحية التي ستشمل بركاتها ليس فقط المشاركين فيها فحسب وإنمَّا كافة أركان المجتمع(1).

 

        مؤسسات الدين البهائي:

 

        بتوجيهات من رسائل حضرة ولي أمر الله وبفضل هداية السلطة التشريعية والتنفيذية العليا في الدين البهائي أي بيت العدل الأعظم فإنَّ تنظيم الجامعة البهائية يدور حول نوعين أساسيين من المؤسسات. النوع الأول: تلك المؤسسات التي صممت لاتخاذ القرار فيما يتعلق بحياة وأهداف الجامعة. أمَّا النوع الثاني: فهو المؤسسات التي لديها وظيفة حفظ وحماية الجامعة والمساهمة بشكل خاص في تبليغ وترويج الأمر المبارك. فالمؤسسات التي بيدها اتخاذ القرار هي بيت العدل الأعظم وهي مؤسسة تعمل على مستوى عالمي ثمَّ أنَّ هناك المحافل الروحانية التي تعمل على المستويين المركزي والمحلي. أمَّا المؤسسات التي تعمل على حماية وترويج الأمر فقد وجدت بفضل القوى الخّلاقة لعهد وميثاق حضرة بهاء الله والممثلة بمؤسسة أيادي أمر الله والتي اتسعت حجمًا ونطاقًا طبقًا للسلطات التي منحت لحضرة شوقي أفندي ومن ثمَّ لبيت العدل الأعظم لتشمل هيئات المستشارين وهيئات المعاونين. يقوم أعضاء هذه الهيئات بتشجيع وحث المحافل الروحانية وأفراد الجامعة على الخدمة ثمَّ إسداء النصح لهم والمشورة معهم. وسنقوم بشرح هذين الجناحين للنظام الإداري البهائي.

 

        بيت العدل الأعظم و المحافل الروحانية:

 

        تمهيدًا لتأسيس بيت عدل في كل مدينة كما ذكر في آثار حضرة بهاء الله فقد ذكر حضرة عبد البهاء بأنَّه إذا بلغ عدد البهائيين البالغين في أي منطقة تسعة أفراد أو أكثر يجب إجراء انتخابات من أجل تأسيس محفل روحاني محلي ليعمل كهيئة مسئولة عن إدارة شئون الدين في تلك المنطقة. يتكون كل محفل روحاني من تسعة أفراد ينتخبون بواسطة الأفراد البالغين في الجامعة المحلية. ومن ضمن وظائف المحافل الروحانية الإشراف على جميع الفعاليات البهائية المحلية مثل التبليغ وإعداد البرامج التعليمية وإدارة شئون النشر والتوزيع المحلي وعقد جلسات المناسبات الدينية والإشراف على صندوق التبرعات وتذكير الأحباء ببعض الأحكام والتعاليم وأيضًا إنجاز مجموعة كبيرة أخرى من الوظائف المتعددة(1).

 

         لقد أشرف حضرة عبد البهاء بنفسه على تأسيس أول محفل روحاني في إيران وأول محفل روحاني في الغرب، وأسدى لهما توجيهاته الضرورية أثناء فعالياتهما الأولية. كما صرف حضرة شوقي أفندي الكثير من وقته لأداء نفس المهمة. وقد طبعت مجموعة من الكتب احتوت على العديد من الإرشادات والتوجيهـات والمراسلات الصادرة من يراعة حضـرة عبد البهاء وحضرة ولي أمر الله حول مبادئ الإدارة البهائية ووزعت في شتى أنحاء العالم البهائي. هذه الإرشادات تغطي مجموعة كبيرة من المواضيع وتؤكد بأنَّ تطور الجامعة البهائية خلال القرون القادمة ستكون نتيجتها، كما صوّرها تمامًا حضرة بهاء الله

 

ومركز عهده حضرة عبد البهاء ومن بعده ولي أمره شوقي أفندي(1).

 

        تأسست المحافل الروحانية على المستوى المركزي أيضًا (أو على المستوى الإقليمي أحيانًا). إنَّ مسئولياتهم ووظائفهم شبيهة بتلك التي تتولاها المحافل الروحانية المحلية ولكنها أوسع نطاقًا وأكثر تعقيدًا. علاوة على ذلك، فإنَّهم مسئولون عن الإشراف على فعاليات المحافل الروحانية المحلية وتحديد الأعمال التي يجب تنفيذها على المستوى المحلي أو غيرها من الأعمال الواجب تنفيذها على المستوى المركزي أو الإقليمي.

 

        فبينما يتم اختيار أعضاء المحفل الروحاني المحلي بالانتخاب المباشر من قبل أفراد الجامعة المحلية، يتم انتخاب أعضاء المحفل الروحاني المركـزي على مرحلتين طبقًا لنظام الانتخابات. إذ يقوم أولاً جميع الأفراد البالغين في الجامعة البهائية في منطقة معينة بانتخاب عدد محدد من الوكلاء أو المندوبين. ويعتمد عدد هؤلاء الوكلاء على حجم الجامعة البهائية ومداها في تلك المنطقة من البلاد. ومن ثمَّ يجتمع جميع الوكلاء في البلاد في مؤتمر سنوي مركزي وينتخبون تسعة أفراد من بين كافة أعضاء الجامعة البالغين، سواء كانوا أعضاء في المؤتمر السنوي أم لم يكونوا، وهؤلاء التسعة المنتخبون يصبحون أعضاء المحفل الروحاني المركزي.

 

        إنَّ عملية الانتخابات هذه التي تتأسس على أثرها المحافل الروحانية تحتوي على عدة خصائص بارزة ومميزة. أولها أنَّ عملية

 

التصويت تتم من خلال الاقتراع السري وثانيها أنَّ التعاليم البهائية تمنع أي نوع من الدعاية الانتخابية والإعلان بما فيه الترشيح للإنتخابات. يقوم كل مقترع بكتابة أسماء تسعة أفراد مختلفين وبعد فرز الأصوات يكون الأفراد التسعة الذين حازوا على أكثرية الأصوات قد انتخبوا لعضوية المحفل الروحاني. وإذا تساوت الأصوات لتاسع عضو تتم الانتخابات مجددًا بين أولئك الذين تساوت أصواتهم. ونظرًا لعدم وجود مرشحين في الانتخابات فإنَّ هناك أقصى حرية للناخب في الاختيار، ولا مكان لأولئك الذين يسعون للقوة والسلطة في الظهور مثلما هي حال المنظمات الأخرى. ومن المفترض أن يكون أعضاء المحافل الروحانية المحلية والمركزية على أتم استعداد لأداء وظائفهم المخولة لهم.

 

        تجري عملية الانتخاب في كل عام في أواخر شهر إبريل (نيسان) وتصادف الاحتفال بعيد الرضوان ويقوم المحفل الروحاني المنتخب بواجبه لمدة سنة كاملة تبدأ بعد إعلان نتيجة الانتخابات أو في أقرب فرصة ممكنة.

 

        إنَّ روح هذه العملية وشكلها شرحه لنا حضرة شوقي أفندي بالعبارات التالية:

 

        “إذا نظرنا إلى المؤهلات السامية التي يجب أن تتوفر في أعضاء المحافل البهائية كما ذكرت في ألواح حضرة عبد البهاء، تغمرنا مشاعر الخيبة وعدم الاستحقاق ونشعر حقًا باليأس لولا ذلك الخاطر المطمئن وهو إذا ما نهضنا لنقوم بدورنا بكل نبل فإنَّ كل نقص في حياتنا سيعوّض تعويضًا عظيمًا عن طريق تلك الروح القاهرة الشاملة لفضله و قوته. بناء عليه يجب على الوكلاء المنتخبين أن يأخذوا بعين الاعتبار

 

وبدون أدنى شائبة من شوائب التعصب أو العاطفية وبغض النظر عن أي اعتبار مادي أسماء أولئك الذين تندمج فيهم على أتم وجه الصفات الضرورية الآتية: ولاء لا شك فيه، إخلاص يتصف بالتفاني، عقل راجح، مقدرة معترف بها وخبرة ناضجة(1)“.

 

        كما يجب أن نذكر هنا إحدى الخصائص الهامة للانتخابات البهائية. لقد أعطى حضرة بهاء الله مفاهيم عملية للقيم الروحية، مثال ما ورد في الفصل الخامس حول تساوي حقوق المرأة مع الرجل حيث أشار حضرته بأنَّ الأقليات الجنسية والمجموعات العرقية عانت كثيرًا من التفرقة العنصرية في مناطق مختلفة من العالم، ولم تعط الفرصة لأعضاء هذه الأقليات في تطوير عقليتها وتفكيرها مثلما حال الشعوب الأكثر حظًا. على الجامعة البهائية أن تدير شئـون هذه الأقليات بشكل مدروس ولأقصى حد ممكن حتى يتم وضع حد للظلم وسلب الحقوق. وعليه، فإنَّه أثناء الانتخابات إذا ما تساوت المؤهلات بين شخص يمثل الأقلية وآخر عادي، فإنَّ ضمير الناخب مدعو أن يصوت لصالح ممثل الأقلية.

 

        ونفس هذا المبدأ الانتخابي الرئيسي يسري على انتخاب بيت العدل الأعظم. وفي هذه الحالة فإنَّ الناخبين هم أعضاء المحافل الروحانية المركزية في العالم البهائي، وعلى العكس من المحافل الروحانية المحلية والمركزية، فإنَّ بيت العدل الأعظم ينتخب مرة واحدة كل خمس سنوات في مؤتمر عالمي يعقد في المركز البهائي العالمي في حيفا بفلسطين(2).

 

        أيادي أمر الله وهيئات المستشارين ومعاونوهم:

 

        لقد اكتمل نظام اتخاذ القرار الجماعي بوجود عدة هيئات استشارية. وكان حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء قد عيّنا أثناء حياتهما أفرادًا مميزين من الأحباء ليخدموا كأيادي لأمر الله في مجال ترويج وحماية الدين البهائي. وجاء في ألواح الوصايا لحضرة عبد البهاء بأنَّ هذه الوظائف يجب أن تستمر خلال الدور البهائي، ولهذا عين حضرة شوقي أفندي عددًا من الأحباء ليكونوا أياديًا لأمر الله كان عددهم عند وفاته في نوفمبر سنة 1957 سبعة وعشرين شخصًا، وقد جاء في ألواح الوصايا ما يلي:

 

        “أيها الأحباء، على ولي أمر الله أن يسمّي أيادي أمر الله ويعيّنهم ويجب على الكل أن يكون في ظله وتحت حكمه… ووظيفة أيادي أمر الله هي نشر نفحات الله وتربية النفوس بتعليم العلوم وتحسين أخلاق العموم والتقديس والتنزيه في جميع الشئون. ويجب أن تتجلى واضحة تقوى الله من أطوارهم وأحوالهم وأعمالهم وأقوالهم(1)“.

 

        وبعد وفاة حضرة ولي أمر الله لم يكن باستطاعة حضرات أيادي أمر الله أن يعيّنوا من يخلف حضرة شوقي أفندي. وعلى أي حال، وطبقًا للمفاهيم الواضحة لميثاق بهاء الله فإنَّ لبيت العدل الأعظم كامل الصلاحية والسلطة في إيجاد أية مؤسسة مناسبة من أجل تطوير وتكامل الجامعة البهائية. ونظرًا لأنَّ ألواح الوصايا لحضرة عبد البهاء قد أشارت إلى أنَّ الوظائف المخولة لحضرات أيادي أمر الله يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من النظام الإداري فقد أوجد بيت العدل الأعظم

 

مؤسسة خاصة لهذا الغرض وهي منفصلة تمامًا عن النظام الانتخابي للمحافل الروحانية.  تعرف هذه المؤسسة “بهيئات المستشارين(1)” ويخدم أعضاؤها على المستوى القاري.  فالمستشارون لهم ميزتهم ويعينون من قبل بيت العدل الأعظم لفترة خمس سنوات، ويتراوح أعدادهم في كل قارة من سبعة إلى تسعة عشر فردًا.

 

        وبتشجيع من حضرة شوقي أفندي عيّن أيادي أمر الله مجموعة من الأفراد كممثلين لهم في كل قارة وسمّاهم بهيئات المعاونين. هذه الهيئات المتفرعة تعمل مع هيئات المستشارين وتحت هداية بيت العدل الأعظم. ويعمل المعاونون اليوم مع المستشارين مثلما كانوا يعملون سابقًا مع حضرات أيادي أمر الله، ونظرًا لاتساع ونمو حجم الجامعة البهائية خلال السنوات الأخيرة فقد أجاز بيت العدل الأعظم حضرات المعاونين بتعيين مساعدين لهم من أجل مساعدتهم في أعمالهم على المستوى المحلي. وعلى هذا فقد تمَّ إيجاد جناح معادل للمحافل الروحانية المحلية والمركزية وهو جناح له وظيفة خاصة على المستوى القاري والإقليمي والمحلي.

 

        علاقة المستشارين بالمحافل الروحانية:

 

        هناك وجهان رئيسيان من الاختلاف بين المؤسسات التي تشكل عمودي النظام الإداري البهائي، ويرجعان إلى طريقة العمل وإلى السلطات الممنوحة لها. فالمحافل الروحانية هي هيئات جماعية وتوجد بواسطة انتخاب الجامعة البهائية لها، وتعمل من خلال اتخاذ

 

القرار الجماعي. أمَّا المستشارون فيعيّنهم بيت العدل الأعظم بصورة أفراد، أما المعاونون فيتم انتخابهم من قبل هيئات المستشارين القارية وبشكل أفراد أيضًا وهم يخدمون الأمر المبارك أساسًا في صورة خدام مخلصين لأمر حضرة بهاء الله. وعلى الرغم من أنَّ أعضاء المحافل قد يؤدون مهمات فردية أحيانًا مثل أعضاء في الهيئة التنفيذية للمحفل وقد تكون هناك مشورة بين المستشارين وهيئات المعاونين ولكن تظل المحافل الروحانية مؤسسات جماعية في الأصل ويظل الجناح الآخر يمثل فريقًا من الأفراد العاملين.

 

        والفرق الآخر هو طبيعة السلطات الممنوحة لكل جناح من جناحي الإدارة البهائي.  إنَّ السلطة في اتخاذ القرارات فيما يتعلق بحياة الجامعة تظل بيد المحافل الروحانية وحدها وفي النهاية بيد بيت العدل الأعظم. أما المستشارون والمعاونون فلهم دورهم في إسداء النصح للمحافل الروحانية وإبداء الملاحظات على الخطط وعمل كل ما يلزم لتشجيعهم وحثّهم على الخدمة ويبقى دورهم ضمن هذه الحدود فقط. إنَّ المسئولية النهائية في اتخاذ القرار تظل بيد المحافل الروحانية نظرًا لأنَّهم منتخبون من قبل الجامعة البهائية. هناك أمر آخر أكثر من غيره يميز الفرق بين دور أيادي أمر الله والمستشارين والمعاونين وبين دور رجال الدين (كما يسمّونهم في الأديان الأخرى). فأيادي أمر الله والمستشارون والمعاونون لا يملكون صلاحية إصدار القرارات أو أداء الأعمال الكهنوتية أو حتى تفسير وتبيين الآثار المقدسة(1). بالإضافة إلى ذلك فإنَّ مدة خدمة المستشارين محددة ولا

 

تمتد مدى حياتهم.

 

        ومع كل ذلك، فإنَّ دور المستشارين له ميزته الخاصة، إذ يتم انتخابهم كأفراد نظرًا لتمتعهم بالبلوغ الروحاني بدرجة عالية وقدرتهم على المساهمة في جعل الجامعة تنبض بالحياة. وقد منحتهم الآثار الكتابية البهائية مقامًا رفيعًا في الجامعة ويفترض على المحافل الروحانية والأفراد الاستفادة من المساعدة التي يمكن لخبرتهم أن تقدمها.

 

        دار التبليغ العالمية:

 

        في عام 1973م وضع المستشارون تحت إشراف وتوجيه مؤسسة عالمية تعمل في المركز البهائي العالمي في حيفا. هذه المؤسسة هي دار التبليغ العالمية وتضم في عضويتها أيادي أمر الله الذين هم على قيد الحياة وعددًا من المستشارين يتم تعيينهم من قبل بيت العدل الأعظم. وفي حالة وفاة جميع أيادي أمر الله فإنَّ كافة أعضاء هذه المؤسسة يعيينهم بيت العدل الأعظم وستستمر مؤسسة دار التبليغ العالمية في أداء واجباتها تحت إشراف بيت العدل الأعظم.

 

        من الوظائف الرئيسية الموكولة لدار التبليغ العالمية تنسيق فعاليات هيئات المستشارين المختلفة ومساعدة بيت العدل الأعظم في تطوير الخطط العالمية التي من خلالها ينمو ويتسع الأمر المبارك وتجدر الملاحظة بأنَّه ذُكر في الآثار البهائية بأنَّ هناك فرقًا وتمييّزًا بين المقام الروحاني للأفراد وبين الرتبة التي يحملونها أو الوظيفة التي يؤدونها

 

 

= لتحقيق المهام والوظائف. من المهام الرئيسية لهيئات المعوانين المساعدة على تحريك وإطلاق هذه القوة”. من كتابMessages from the Universal House of Justice- ص 150.

 

في الجامعة البهائية. جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم ما يلي:

 

        “إنَّ اللطافة والتبجيل والنبالة والاحترام لمقامات الآخرين وإنجازاتهم تعتبر من الفضائل الإنسانية التي تساهم في إيجاد الخير والرفاهية لكل جامعة، ولكن الكبر والغرور يعتبران من الخطايا المهلكة… إنَّ الهدف النهائي في الحياة لكل نفس يجب أن يكون الوصول إلى الكمال الروحي وكسب مرضاة الله سبحانه وتعالى وإنَّ المقام الروحاني الحقيقي لكل شخص معروف لدى الحق تبارك وتعالى وحده. هذا الأمر يختلف تمامًا عن الرتب التي يحتلها أو تمنح للأفراد في مجالات متنوعة من المجتمع([51])“.

 

        حياة الجامعة والضيافة التسع عشرية:

 

         تتركز فعاليات الجامعة البهائية في المستوى المحلي على جلسات تعقد لكل أفراد الجامعة بشكل دوري وتسمى “الضيافة”. تأتي تواريخ انعقاد هذه الجلسات متفقة في شتى بقاع العالم البهائي، وتحدد طبقًا للتقويم البهائي الشمسي الذي أوجده حضرة الباب. يحتوي هذا التقويم على تسعة عشر شهرًا وكل شهر يضم تسعة عشر يومًا وبذلك يكـون مجموع الأيام 361 يومًا(2). والأيام الإضافية الأربع الأخرى (أو خمسة أيام بالنسبة للسنة الكبيسة) سميت بأيام الهاء وهذه الأيام هي أيام خصّصت للعطاء والضيافة والفرح والروحانية(3). وتعقد الضيافة
التسع عشرية في اليوم الأول من كل شهر بهائي وبذلك يكون المجموع تسع عشرة ضيافة في السنة.

 

        للضيافة التسع عشرية ثلاثة أقسام رئيسية: الأول هو قسم روحاني خاص بتلاوة الأدعية والمناجاة ويمكن تلاوة الآثار المقدسة من جميع الأديان السماوية. القسم الثاني وهو إداري وتتم فيه المشورة حول أوضاع الجالية بما فيها مواضيع الشباب والأطفال. كما يقوم المحفل الروحاني المحلي بإطلاع الجالية بالقرارات التي اتخذها والتي لها علاقة بالحياة العامة للجامعة كما يقدم أمين الصندوق تقريره ويشارك أعضاء الجامعة في تقديم اقتراحاتهم وطرح الأسئلة ومشاكلهم في حضور ممثلي المحفل الروحاني المحلي. أما المحفل الروحاني فهو غير ملزم بقبول الاقتراحات التي طرحت في الضيافة ولكن يجب أخذها بعين الاعتبار ثمَّ دراستها والرد عليها وإبلاغ ذلك للجالية. أمَّا القسم الثالث والأخير من الضيافة فهو اجتماعي ويتمثل في تقديم الطعام في جو من الأخوة والمحبة وقد يشتمل على برامج موسيقية وتمثيلية وألعاب وبرامج ترفيهية. هذه الأقسام الثلاثة جميعها ضرورية للضيافة، وعلى الأحباء تنمية قواهم الروحانية ليس فقط في القسم الروحاني فحسب بل أيضًا في القسمين الإداري والاجتماعي.

 

        تعقد الضيافات التسع عشرية في أغلب الجامعات البهائية في منازل الأحباء أو أحيانًا في المراكز البهائية الصغيرة وذلك راجع إلى أن الجاليات اليوم ليست كبيرة للدرجة التي تستطيع أن تستثمر في أماكن أكبر اتساعًا. إنَّ نموذج الجامعة البهائية المتطورة الذي صوره لنا

 

 

           = خلال السنة يمنع فيها العمل وهذه الأيام لها علاقة بحوادث التاريخ البهائي مثل ميلاد حضرة الباب وحضرة بهاء الله.

 

حضرة بهاء الله قادر على استيعاب جاليات أكبر حجمًا. أما الهدف المرجو فهو أن يكون في كل قرية أو منطقة مشرق أذكار للعبادة وتلاوة الآيات. هذا المعبد سيكون مركزًا لحياة الجامعة البهائية ومن حوله ستبنى مؤسسات للخدمات الإنسانية المختلفة([52]).

 

        الأحكام والحدود البهائية:

 

        الحرية الروحية من خلال الانضباط

 

        إنَّ جميع المؤسسات البهائية التـي تحدثنا عنها حتى الآن تعمل في ظل أحكام وحدود منزّلة. وقد بيّن لنا حضرة بهاء الله بأنَّ الأحكام والقوانين هي الأساس الذي يبنى عليه المجتمع الإنساني بأكمله وبدونها يستحيل قيام النظام، وإذا انعدم النظام لا يمكن إيجاد إطار يجمع بداخله النشاطات الروحانية والثقافية والعلمية والفكرية التي يعتمد عليها تطور الشئون الإنسانية المتداخلة. وحتى الحرية الشخصية يجب أن تنظمها أحكام وقوانين. وإذا ما ضحينا بشيء من حريتنا الشخصية من أجل تنفيذ قوانين معينة في المجتمع فإنَّ الأفراد بذلك يساعدون في خلق بيئة تعود بنفع أكبر على المجتمع قياسًا بما تنازلنا عنه شخصيًا.

 

        إنَّ الأحكام والحدود والقوانين تعمل في المقام الأول على ضبط الجوانب الحيوانية في الطبيعة البشرية. وقد تمَّ بحث هذا الموضوع بعمق أكبر في فصول سابقة. من الضروري هنا أن نذكر بأنَّه طبقًا للعقيدة البهائية فإنَّ طاقاتنا الروحانية والفكرية والأخلاقية الحقيقية لا يمكن لها أن تنطلق إلا عندما يتم ضبط وتنظيم طبيعتنا البشرية وتنقيتها

 

باعتبارها أداة يمكن الاعتماد عليها. وعندما تبدأ المتطلبات الجسمانية في التحكم فإنَّ طبيعتنا الإنسانية الحقة تبقى مقيدة وسجينة شهواتنا الجسمانية، وهي الطبيعة الحيوانية.

 

        إنَّ مصدر جميع الأحكام التي تؤدي إلى التطور الروحي هو تعاقب ظهـور الأنبياء والمرسلين. فالأحكام والقوانين التي أتى بها سيدنا موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام يمكن اعتبارها أنظمة ومبادئ ووصايا أخلاقية لأنَّ محبة وعشق مظاهر الظهور للجنس البشري يصل إلى أعماق قلوبنا، وأنَّ الأحكام هذه قادرة على تغيير وتقليب الضمير الإنساني. إنَّ معيار الصواب والخطأ يتغير طبقًا لما يأتي به كل مظهر أمر سماوي وبناء على هذه القاعدة يقـوم المجتمـع بوضع قوانين وأحكام وحـدود جديدة. في هذا الخصوص يقول حضرة بهاء الله: “لا تحسبن إنَّا نزلنا لكم الأحكام بل فتحنا ختم الرحيق المختوم بأصابع القدرة والاقتدار يشهد بذلك ما نزل من قلم الوحي تفكروا يا أولي الأفكار(1)“.

 

        الكتاب الأقدس – كتاب الأحكام والحدود والقوانين

 

        على ضوء أهمية الأحكام المنزلة من سماء المشية الإﻟﻬﻴﺔ ليس عجبًا أن نرى حضرة ولي أمر الله يشير إلى الكتاب الأقدس أم الكتب في الظهور البهائي بأنَّه “أعظم عمل قام به حضرة بهاء الله” و”ألمع إنتاج انبثق من فكره” و”دستور نظامه العالمي(2)“. يضع الكتاب الأقدس لنا الأحكام الأساسية للحياة الروحانية وعضوية الجامعة

 

البهائية، وبكل المقاييس يعتبر هذا الكتاب فذًّا ولا نظير له. ولا مجال هنا لبحث مواضيع الكتاب الأقدس بتوسع وعمق ألا أنَّ هناك ثلاث ميزات له وهي: شموليته واستمرار تطبيق تعاليمه وأسلوب نشره.

 

        إنَّ الأحكام والقوانين التي أتى بها حضرة بهاء الله تتعلق بشئون مجموعة كبيرة من الأفراد والجامعة. من ضمن هذه الأحكام الصلاة والصوم والزواج والطلاق والميراث والتعليم ودفن الميت وكتابة الوصية وصيد الحيوانات والعلاقات الجنسية والاهتمام بالجسم وكل ما يتعلق بالعمل ثمَّ العادات الخاصة بتناول الطعام.

 

        كما أكّد لنا حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء بأنَّ أحكام الكتاب الأقدس يجب أن تطبق بشكل تدريجي مع نمو قدرات الناس في الاستجابة لها. إنَّ تدريب الأحباء على إجراء بعض الأحكام يسّرع عملية البلوغ الروحاني ويؤدي إلى إمكانية تطبيق بعض الأحكام الأخرى. وقد شرح حضرة بهاء الله هذا المبدأ بما يلي:

 

        “وإنَّك أيقن بأنَّ ربك في كل ظهور يتجلى على العباد على مقدارهم مثلاً فانظر إلى الشمس فإنها حين طلوعها عن أفقها تكون حرارتها وأثرها قليلة وتزداد درجة بعد درجة ليستأنس بها الأشياء قليلاً قليلاً إلى أن يبلغ إلى قطب الزوال ثمَّ تنزل بدرائج مقدرة إلى أن يغرب في مغربها… وإنَّها لو تطلع بغتة في وسط السماء يضر حراراتها الأشياء كذلك فانظر في شمس المعاني لتكون من المطلعين فإنَّها لو تستشرق في أول فجر الظهور بأنوار التي قدر الله بها ليحترق أرض العرفان من قلوب العباد لأنَّهم لن يقدرن أن يحملنها أو يستعكسن منها بل يضطربن

 

منها ويكونن من المعدومين(1)“.

 

        طبقًا لهذا التوجه قام حضرة ولي أمر الله وبيت العدل الأعظم تدريجيًا بتعريف وتطبيق حدود وأحكام الكتاب الأقدس وذلك طبقًا لنمو وبلوغ الجامعة البهائية. بالطبع تأخذ هذه العملية وقتـًا من الزمن. وقد أشار حضرة شوقي أفنـدي بأنَّ هناك بعض القوانين والأحكام “وضعت من أجل الحكومة المستقبلية ومن المقدّر لها أن ترى النور من بين الأحداث والاضطرابات التي يمر بها عالمنا المعاصر”.

 

        إنَّ الكتاب الأقدس ولو أنَّه بالاسم “كتاب” إلاّ أنَّه جوهر ولب الآثار البهائية التي كنزت فيها أحكام وحدود وقوانين الدين البهائي. أمَّا نص الكتاب الأصلي فقد نزل باللغة العربية ويشكل جزءًا صغيرًا من كل المجموعة. أكمل حضرة بهاء الله الكتاب الأقدس بمجموعة كبيرة من الألواح والكتابات التي شرحت محتواه بتفصيل حيث قام بكتابة تفاسير وأجوبة ردًا على أسئلة طرحها بعـض البهائيين الإيرانيين الذين قرأوا الكتاب الأقدس في القرن التاسع عشر. وقد أضاف حضرة عبد البهاء بعض التفاسير والملاحظات على نصوص الكتاب الأقدس طبقًا لإشارة حضرة بهاء الله إلى ضرورة ذلك. ثمَّ اكتملت هذه المجموعة بما أضافة إليها حضرة شوقي أفندي من تفسير وتبيين بصفته وليًا لأمر الجامعة البهائية.

 

        وبناء عليه لا يمكن الوقوف على تفاصيل مضمون الكتاب الأقدس إلاّ بتتبع تطور كل مضمون فيه من خلال عملية التبويب بأكملها. وقد أشار حضرة شوقي أفندي بأنَّه سيتم في نهاية الأمر إنجاز تبويب

 

وتصنيف حدود وأحكام الكتاب الأقدس وثمَّ نشرها. قام حضرته شخصيًا بإنجاز جزء من هذا العمل حيث ترجم فقرات من الكتاب الأقدس إلى الإنجليزية ووضع الخطوط العريضة “لتلخيص وتدوين حدود وأحكام الكتاب الأقدس” ومعه بعض الملاحظات المكمّلة له. في عام 1973 وفي الذكرى المئوية لصدور الكتاب الأقدس قام بيت العدل الأعظم بطبع ونشر هذه المجموعة مثلما ترجمها حضرة شوقي أفندي مضيفًا إليها تلك التي لم يترجمها لتحتوي المجموعة على جميع مواضيع الكتاب الأقدس. وقد تمَّ تسمية هذا الكتيب “بتلخيص وتدوين حدود وأحكام الكتاب الأقدس”. وفي عام 1992م قام بيت العدل الأعظم بطبع ونشر الترجمة الإنجليزية لكامل الكتاب الأقدس ومعه الملاحق والحواشي المتعلقة به بالإضافة إلى توضيحات وملاحظات متعددة كما أعيد طبع “تلخيص وتدوين حدود وأحكام الكتاب الأقدس” مع الكتاب الأقدس(1).

 

        بعض أحكام وحدود الكتاب الأقدس:

 

        بإلقاء نظرة عامة على بعض الشئون الإنسانية التي أشارت إليها

 

نصوص الكتاب الأقدس، والتي يقوم بتطبيقها أعضاء الجامعة البهائية تتضح لنا الخطوط العريضة لتعليمات حضرة بهاء الله وتتبين لنا الخصائص الثلاث التي أشرنا إليها توًا.

 

        الدعاء والمناجاة:

 

        من أهم الأحكام التي أتى بها حضرة بهاء الله ووضعت للانضباط الفردي هو الدعاء والمناجاة اليومية. فهناك مجموعات أعدت من أدعية لحضرته ولحضرة عبد البهاء تم نشرها بعدة لغات مختلفة، وهناك أدعية ومناجاة لحضرة بهاء الله نشرت باللغة الإنجليزية في ثلاثمائة صفحة. وتعتبر هذه الكتب بحق ينبوع الحياة الروحية للبهائيين.

 

        وإلى جانب الدعاء والمناجاة هناك الصلاة اليومية التي يجب أن تتلى عند إتمام الفرد سن البلوغ الشرعي(1). هناك ثلاثة أنواع للصلاة اليومية، وللفرد كامل الحرية في اختيار أي منها. مثلاً هناك الصلاة الصغرى التي يمكن تلاوتها في أي وقت من الظهيرة حتى الغروب في كل يوم ونصها الآتي:

 

        “أشهد يا إلهي بأنَّك خلقتني لعرفانك وعبادتك، أشهد في هذا الحين بعجزي وقوتك وضعفي واقتدارك وفقري وغنائك لا إله إلا أنت المهيمن القيوم(2)“.

 

        تحريم الكحول وتعاطي المخدرات:

 

        ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ تعاطي المشروبات الروحية والمخدرات أو أدوية الهلوسة يؤدي بشدة إلى إيذاء الجسم وتضعيف القدرات العقلية للإنسان ويعيق نموه الروحاني. وعليه فقد حرم على البهائيين تعاطي هذه المواد بأشكالها وهناك استثناء واحد فقط وهو حق الطبيب المعالج أن يستخدم هذه المواد في العلاج إن لم تكن هناك بدائل أخرى. ليس هناك تحريم على أي نوع آخر من الطعام أو الشراب في التعاليم البهائية. كما أنَّ التدخين غير ممنوع ولكنه مكروه لأنَّه مضر بالصحة وغير مستحب اجتماعيًا(1).

 

        الصيام:

 

        وكما هو الحال في الديانات السماوية، فإنَّ الدين البهائي يرى في الصيام فائدة عظمى في انضباط الروح وصقلها. وقد حدد حضرة بهاء الله تسعة عشر يومًا في كل سنة للصيام لكل فرد بالغ وذلك من شروق الشمس حتى غروبها. ويقع الصيام في شهر العلاء حسب التقويم البهائي وهو في الفترة من 2 آذار (مارس) حتى 20 منه حيث يعقبها مباشرة عيد النوروز أو بداية السنة الجديدة في 21 آذار (مارس) ويقع في الاعتدال الربيعي، وعلى ذلك فإنَّ فترة الصيام يمكن اعتبارها فترة إعداد روحي وتجديد الهمة نحو القيام بأعمال جديدة.  وطبقًا لنصوص الكتاب الأقدس فإنَّ المعفيين من الصوم هم: المرأة الحامل أو المرضع والمسن والمريض والمسافر والذين يعملون في الأعمال

 

الشاقة بالإضافة إلى الأطفال تحت سن الخامسة عشرة(1).

 

        تحريم الغيبة:

 

        وبالإضافة إلى الأحكام والحدود الفردية وضع حضرة بهاء الله عددًا من الأحكام والمبادئ الاجتماعية. فمثلاً حرم استغابة الآخرين وانتقادهم واعتبره أمرًا مضرًا بالصحة الروحية إلى أبعد الحدود. يقول حضرة بهاء الله: “قد حرم عليكم القتل والزنا ثمَّ الغيبة والافتراء اجتنبوا عما نهيتم عنه في الصحائف والألواح(2)“. فالغيبة تعني ذكر عيوب الناس أمام الآخرين عن قصد أو غير قصد. وعلى أعضاء الجامعة البهائية توصيل وجهات نظرهم حول ما يرتكبه الآخرون إلى المحفل الروحاني المحلي ووضع الأمور بيده لاتخاذ القرار المناسب وعدم بحث الموضوع بعد ذلك. كما قال حضرته أيضًا في الكلمات المكنونة: “يا ابن الإنسان لا تنفّس بخطأ أحد ما دمت خاطئًا وإنْ تفعل بغير ذلك ملعون أنت وأنا شاهد بذلك”.

 

        الزواج:

 

يعتبر الزواج في الديانة البهائية مؤسسة روحية واجتماعية. فأثره لا يمتد للزوجين فحسب، بل يصل إلى الوالدين وإلى الأجداد والأحفاد والأقرباء والمنتسبين. وفي واقع الأمر فإنَّ الزواج يصـل تأثيره إلى باقي فئات المجتمع المحيطة به ومنها الجيدة على وجه الخصوص. ونتيجة لذلك ركز حضرة بهاء الله بشدة على تعليم

 

الزوجين وضرورة معرفتهما لطاقات وحدود كل منهما، وبذلك منحهما قدرًا وفيرًا من الحماية ضد الوقوع في حبائل الأخطاء الطائشة من جانب أي منهما. وللفرد البهائي الذي يرغب بالزواج أن يحصل على موافقة والديه وأيضًا موافقة والدي الطرف الآخر سواء الزوج أو الزوجة وسواء كانوا بهائيين أم لم يكونوا. وبعكس عادات وتقاليد الشعوب الشرقية السائدة لا يحق للوالدين فرض زوج أو زوجة على ابنتهم أو ابنهم. كما أنَّه على عكس ما هو سائد في الغرب فإنَّ الزوجين ليسا أحرارًا باتخاذ قرار يتعـلق بزواجهم دون الأخذ بعين الاعتبار وجهة نـظر والـديهم (الذين لهم دور مباشر في إتمام الزواج)(1).

 

        تدعو التعاليم البهائية إلى العفة والطهارة قبل الزواج وذلك لأنَّ الرغبة الجنسية هي غريزة متعلقة بإنجاب الأطفال ووسيلة لتعزيز أواصر الزواج. ولهذا السبب فإنَّ الإخلاص والوفاء في العلاقة الزوجية هو أمر هام آخر أشارت إليه الآثار البهائية. وعلى الرغم من أنَّ الزواج ليس أمرًا إجباريًا على البهائيين بأي وجه من الوجوه ألا أنَّه مستحب جدًا باعتباره “حصنا للسعادة” وفضيلة خاصة. كما يعتبر عـدم الزواج أو العـزوبية أمرًا غير مشجع وغير محبّذ(2).

 

        وليست هناك طقوس معينة في مراسم الزواج وقد يكون بسيطًا للغاية وكل ما هو مطلوب قراءة الآيتين “إنا كلٌّ لله راضون” للعريس و”إنا كلٌّ لله راضيات” للعروس بالإضافة إلى موافقة والدي الطرفين ودفع المهر. وبالنسبة لمراسم الزواج فيجب أن يوافق عليها المحفل الروحاني ويتأكد من موافقة الوالدين ويحّدد الشهود وعادة ما تتضمن مراسم العقد تلاوة أدعية ومناجاة وأيضًا لا بأس بإجراء برامج موسيقية.

 

        الطلاق وشروطه:

 

الطلاق جائز في الدين البهائي ولكنه أمر مكروه ولا يشجع عليه إطلاقًا. إنَّ الصعوبات العادية التي تواجه الحياة الزوجية مقدّر لها أن تصقل الشخصية وتنّقيها لكلا الزوجين وتقوى روابط اتحادهما الذي يعتبر حجر الأساس في بناء المجتمع. ورغم ذلك تشير الآثار المباركة بأنَّ مشاكل الزوجين قد تتطور إلى نقطة اللاعودة أو من الصعب وجود حل لها أو عندما لا يتناسب الزوجان تمامًا لبعضهما البعض، عندئذ وحين بروز الكراهية وتصميم الطرفين على الطلاق يمكن لهما ذلك شريطة الانتظار لمدة سنة واحدة وهذه الفترة تطلق عليها “سنة الاصطبار” حيث يجب على الطرفين العيش منفصلين عن بعضهما لمدة سنة. وخلال هذه السنة تكون الفرصة متاحة أمامهما للمشورة وبذل الجهد للتغلب على المشاكل التي أدت إلى انهيار الزواج. ويمكن لأي طرف أن يبحث مشاكله مع المحفل الروحاني المحلي الذي بدوره يقابل كل طرف ويحدد مدى إمكانية عودة المياه لمجاريها، وعندما يستحيل ذلك يحدد المحفل الروحاني بداية “سنة الاصطبار” وهو تاريخ انفصالهما بسكناهما.
خلال سنة الاصطبار يحاول المحفل الروحاني جاهدًا وبالتعاون مع المختصين في التغلب على مشاكل الزوجين وإن لم يفلحا في ذلك، وبعد انقضاء سنة ميلادية كاملة يتم الطلاق. بمعنى آخر يمكن اعتبار تلك السنة فترة للزوجين يقضيانها في “مستشفى الزواج” حيث تعالج فيه العلاقات الزوجية وتزول أسباب الضغوطات النفسية وتبدأ عملية الشفاء إلى أن تعمل قوى الاتحاد الإيجابية على البروز وإحلالها محل الخلافات.

 

        منع المشاركة في الشئون السياسية والحزبية:

 

من المبادئ الهامة الأخرى التي رّكز عليها حضرة بهاء الله بشّدة هو منع أتباعه من التدخل في الشئون السياسية والحزبية بأي شكل من الأشكال. وقد يتوقع المرء، من اللحظة الأولى، أن يشارك أفراد الجامعة البهائية في الفعاليات السياسية الواسعة في العـالم تعزيزًا للأفكار العالمية التي ينادي بها البهائيون. وفي الواقع فإنَّ العكس هو الصحيح حيث يجوز للبهائيين بأن يصوتوا للمرشحين وينتخبوا ما يمليه عليهم ضميرهم أولئك الذين يمكن لهم أن يساهموا بشكل جاد وثمين للمجتمع الذي يعيشون فيه. كما يمكن للبهائيين أن يقبلوا الوظائف الحكومية غير السياسية شريطة ألا ينضموا إلى حزب سياسي أو يقوموا بالترويج لحركة أو حزب معين(1).

 

والسبب في ذلك راجع إلى العقيدة الأساسية للبهائيين وهو أنَّ التحدي الرئيسي الذي يواجه جميع الشعوب والأوطان هو الوصول إلى

 

وحدة الجنس البشري. أشار حضرة بهاء الله في كتاباته بأنَّ التقدم الاجتماعي الحقيقي يعتمد على مدى وصول الحضارة الإنسانية لهذا المستوى الجديد من التطور. وفي هذا السياق قال حضرته: “لا يمكن الوصول إلى رفاهية الجنس البشري وأمنه وسلامته دون الوصول إلى وحدته”. كما أشار بأنَّ السياسة والتي من خصائصها مناصرة جهة ومعاداة جهة أخرى لا يمكن لها أن توجد حلولاً للمشاكل ذات الصفة العالمية في أساسها. كما ذكر بأنَّ جميع الوسائل والقنوات السياسية هي خاصة ومحددة سواء أكانت مركزية أم عنصرية أم ثقافية أم أيديولوجية.

 

        إنَّ المبدأ البهائي بعدم تعاطي السياسة لا يمنع البهائيين من المشاركة في الاجتماعات العامة وبالأخص تلك التي تبحث قضايا اجتماعية وأخلاقية بحتة والتي لا تتطرق إلى الشئون السياسية. وفي الواقع فإن البهائيين منذ عدة سنوات كانوا في طليعة القوى التي عملت في مجال القضايا الاجتماعية من قبيل عدم التفرقة العنصرية والمساواة بين الجنسين.

 

إنَّ مبدأ عدم المشاركة في السياسة له علاقة قريبة من الناحية العملية ومن الناحية العقائدية بالمبدأ البهائي بإطاعة الحكومة والولاء لها. حيث دعا بهاء الله أتباعه إلى إطاعة السلطات الحكومية وعدم السعي إلى الحط من شأنها أو تقويض أركانها. وإذا تغيرت الحكومة على الجامعة البهائية أن تنقاد للإدارة الجديدة وتكون مطيعة لها بنفس الروح من الإخلاص والوفاء مع الأخذ بعين الاعتبار عدم التدخل في الشئون السياسية(1).

 

        المشورة – مطلب أساسي لحياة الجامعة البهائية:

 

من ضمن حدود وأحكام الدين البهائي وعوامل بناء الجامعة هو اتخاذ القرار الجماعي في عملية يطلق عليها “المشورة”. فالمشورة البهائية في الأساس تتطلب تبادل الرأي الصحيح بكل محبة وأخوة بين أفراد المجموعة بهدف الوصول إلى الحقيقة في بعض المسائل وتكوين رأي جماعي. ولا نبالغ إذا قلنا بأنَّ كل فرد في الجامعة البهائية يعتبر عمليًا تلميذًا في عملية المشورة. يقول حضرة ولي أمر الله حول هذا الموضوع:

 

        “إنَّ مبدأ المشورة والذي يمثل أحد الأحكام الرئيسة للإدارة يجب أن يـطبق على جميع الأنشطة البهائية التي تؤثر على مصالح الأمر المبارك لأنَّ من خلال المشورة ومن خلال الـتعاون والتبادل المستمر للأفكار ووجهات النظر نستطيع حماية الأمر بصورة أحسن والإشراف على مـصالحه. إنَّ المبادرة الفردية والقدرة الشخصية والتدبير السليم هي أمور هامة ولا مفر منها، ولكنها يجب أن تدعم بالخبرات الجماعية والحكمة وإلاَّ فإنَّها لن تستطيع أن تحرز أو تؤدي المهام العظيمة الموكولة لها(1)”.

 

         تمَّ التركيز على المشورة أيضًا في مجال حياة العائلة البهائية وبالأخص فيما يتعلق بالعلاقات بين الزوج والزوجة. وحتى في الأمور الشخصية يشجع البهائيون المشورة مع الآخرين عندما تسمح لهم

 

الظروف. ورغم ذلك يحذرنا بيت العدل الأعظم في الفقرة التالية:

 

        “يجب أن لا يغيب عن بالنا بأنَّ جميع أنواع المشورة تهدف إلى الوصول إلى حل للمشكلة وهو أمر يختلف تمامًا عن المشاجرات اللفظية الجماعية الدارجة في بعض الدوائر في هذه الأيام التي تمثل نوعًا من الإقرار بالمعاصي الممنوع عنها في الأمر المبارك… إنَّه ممنوع علينا أن نعترف بخطايانا وعيوبنا أمام أي شخص أو عند عامة الناس كما تفعل بعض المذاهب الدينية. وعلى أي حال إذا رغبنا في أن نقر بخطئنا في أمر ما بمبادرة ذاتية أو أن نقر ببعض النواقص في شخصيتنا وسلوكنا ونطلب عفو الآخرين لنا فلنا الحرية في فعل ذلك(1)“.

 

والفقرة التالية من بيان لحضرة عبد البهاء يوضح لنا النموذج المثالي البهائي للمشورة البهائية، ويمكن اعتبارها ورقة عمل للمحافل الروحانية المركزية والمحلية للعمل بموجبها:

 

“إنَّ أول شرط لأعضاء ذلك الاجتماع هو وجود المحبة والألفة المطلقة بينهم واجتناب البعد والنفور وإظهار الوحدة الإﻟﻬﻴﺔ، وآية ذلك أن يكونوا أمواج بحر واحد وقطرات نهر واحد ونجوم أفق واحد وأشعة شمس واحدة وأشجار بستان واحد وأزهار حديقة واحدة، وإذا لم تكتمل لهم الوحدة المطلقة يتشتت ذلك الجمع ويمسي ذلك المحفل معدومًا. أمَّا الشرط الثاني فهو أنَّه يجب عليهم أن يتوجهوا إلى الملكوت الإﻟﻬﻲ حين حضورهم إلى مكان الاجتماع ويسألوا العون من الأفق الأبهى وأن يباشروا آمالهم بمنتهى الإخلاص والأدب والوقار

 

والطمأنينة ويخاطبوا المحفل معبرين عن آرائهم بمحض الأدب والهدوء، وعليهم أن يتحروا الحقيقة في كل مسألة دون أن يتشبثوا بآرائهم، ذلك لأنَّ التشبث بالرأي يؤدي إلى النزاع والخصام فتبقى الحقيقة مستورة، على الأعضاء أن يعبّروا عن آرائهم بتمام الحرية ولا يجوز أبدًا أن يحقر أحد رأي الآخر، بل ينبغي له أن يوضح حقيقة رأيه بمنتهى اللطف وفي حالة وجود أي خلاف في الرأي يكون الأمر للأغلبية حيث يجب على الجميع إطاعة أغلبية الآراء والانقياد لقراراتها، ولا يجوز لأحد أن يعترض أبدًا أو ينتقد قرار الأغلبية سواء كان ذلك خارج المحفل أو في داخله حتى ولو كان ذلك القرار غير صائب. فإنَّ مثل هذا الانتقاد سيكون سببًا لعدم تنفيذ أي قرار، ومجمل القول إنَّ كل عمل يتم بالألفة والمحبة وصفاء النية نتيجته النور، أمَّا إذا حدث أدنى اغبرار فستكون نتيجته ظلامًا ليس دونه ظلام. إنَّ اصطدام الآراء وتعارضها في مجلس الشورى هما السببان لبزوغ الحقيقة، فلا ينبغي لأي فرد من الأعضاء أن يتكدر من معارضة أي عضو آخر في آرائه بل يجب أن يصغي إلى رأي زميله بمنتهى الأدب والإخلاص ولو كان ذلك معارضًا لوجهة نظره، وأن يفعل ذلك دون أن يستاء أو يتكدّر. وهكذا يكون ذلك المحفل إلهيًّا وما عدا ذلك فإنَّه سبب للبرودة والنفور المنبعثين من العالم الشيطاني(1).

 

 وميزة أخرى للمشورة التي تقوم بها المحافل الروحانية تتمثل في السعي للوصول إلى وحدة الرؤية. ولهذا فإنَّ اتخاذ القرار بالأكثرية هو الحد الأدنى المطلوب في الإدارة البهائية.  وقد جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم ما يلي:

 

        “إنَّ هدف المشورة البهائية المثالية هو الوصول إلى قرار بإجماع الآراء. وعندما يتعذر ذلك يجب التصويت… وعندما يتم التوصل إلى قرار فإنَّه يعتبر قرارًا للمحفل الروحاني و ليس قرار أولئك الذين وافقوا عليه فقط(1)”.

 

        الخلاصة:

 

إنَّ ما ناقشناه من أحكام رئيسية وغيرها والإجراءات الواجب اتِّباعها في الدين البهائي تمثل ذلك الخيط المحكم المتين الذي يتخلل كامل نسيج الدين الجديد. وقد يلاحظ المرء في الظاهر غموضا وإبهامًا وافتقارًا إلى الواقع بين أتباع هذا الدين الذي يركِّز على هدف وحدة الجنس البشري وخلق مجتمع عالمي جديد قائم على العدالة. لا شك بأنَّ رسالة بهاء الله لها نظرتها بعيدة المدى، ومن المؤكد فإنَّ أفراد الجامعة البهائية قد ملكت عليهم تلك الرؤية. ومن جانب آخر فإنَّهم لا يعتقدون أنَّ من الممكن تحقيق هذا الهدف دون تضحية كبيرة وجهود مضنية من قبل الأفراد والمجتمع بأكمله.

 

إنَّهم يعتقدون بأنَّ الوصول إلى النظام العالمي الجديد وإلى الحضارة العالمية يتطلب نهجًا جديدًا للحياة يكبح جماح الطبيعة البشرية لضمان تحقيق ما خلقنا له من أهداف إﻟﻬﻴﺔ نبيلة. إنَّ انضباطًا كهذا يجب أن يسـود جميع الظروف المعيشية بالإضافة إلى شئون المجتمع الأخرى. فموضوع الزواج يجب أن يعتبر ذلك الأساس المتين الذي ستبنى عليه الحضارة.  وحياة الفرد يجب أن تستنير بالروحانية بتلاوة الأدعية والمناجاة وخدمة الآخرين. أما العادات

 

الاجتماعية السيئة مثل الغيبة التي تضرب بعمق جذور المجتمع البشري يجب الحد منها وإنهاؤها. على الشعوب أن تتخلى عن لهائها وراء أمور عقيمة مثل الأحزاب والشئون السياسية وتتوجه نحو التعاون والتآزر وتتعلم فن المشورة الصحيحة. كما يجب تشكيل بنية اجتماعية جديدة نرى فيها مشاركة الأفراد بدرجة أكبر. إنَّ الإخفاق في وقتنا الحاضر في الإقرار بضرورة تلك الأنظمة والأحكام، وحتمية التوجه نحو تلك البنى الاجتماعية الجديدة، يعد بنظر البهائيين استسلامًا لما يتراءى لنا على أنَّه الحقيقة. يبدو أنَّنا في حاجة إلى حلول سحرية لمشاكل العالم المعقّدة. وفي هذا الصدد يقول حضرة بهاء الله:

 

        “إنَّ الذين أوتوا بصائر من الله يرون حدود الله السبب الأعظم لنظم العالم وحفظ الأمم والذي غفل إنَّه من همج رعاع. إنَّا أمرناكم بكسر حدودات النفس والهوى لا ما رقم من القلم الأعلى إنَّه لروح الحيوان لمن في الإمكان… يا ملأ الأرض اعلموا أنَّ أوامري سرج عنايتي بين عبادي ومفاتيح رحمتي لبريتي كذلك نزّل الأمر من سماء مشيّة ربكم مالك الأديان. لو يجد أحد حلاوة البيان الذي ظهر من فم مشيّة الرحمن لينفق ما عنده ولو يكن خزائن الأرض كلها ليثبت أمرًا من أوامره المشرقة من أفق العناية والألطاف(1)“.

 

 

الفصل التاسع

الجامعة البهائية

 

        منذ القدم والمعتقدات الدينية تلعب دورها الرئيسي في تأسيس الجامعات أو الجاليات(1). إنَّ تجاوب الناس المبدئي لتعاليم بوذا والمسيح ومحمد عليهم السلام هو أمثلة خاصة تلفت النظر إلى كيفية انضمام الألوف من البشر في مجموعات تجمعهم عقيدة واحدة، وكل جالية منها تنظم حياتها طبقًا لقواعد ومبادئ ترتكز أساسًا على ما جاء به مؤسس الدين.  ومع نمو هذه الجاليات وقدرتها على تلبية احتياجات أفرادها بدأ الملايين من الناس في اعتناقها وبرزت في النهاية ثقافة وعنصر جديد في المجتمع.

 

        كان هذا هو دور الدين حتى في أقل المراحل بدائية للحضارة الإنسانية. قال الفيلسوف الاجتماعي لويس ممفورد في كتابه البحثي “المدينة عبر التاريخ” The City In History  حول كيفية تأسيس المستوطنات البشرية في المراحل الأولى من الحضارة الإنسانية:

 

        “يجب أن ترتبط هذه التجمعات بأشياء مقدسة وليس فقط بما يضمن لها الحياة. وعليه، فقد ارتبطت بنوع من الحياة أكثر قيمة

 

وأسمى معنى، مثل مشاعر تتعلق بالماضي والمستقبل وإدراك للمغزى الروحي للولادة الجسمانية ومن ثمَّ سر الموت والحياة بعد الموت. وبينما تأخذ المدينة شكلها سيضاف إليها الكثير، إلاَّ أنَّ تلك هي المقومات الرئيسية لوجود المدنية وهي متلازمة للوضع الاقتصادي الذي يساعد على وجودها. ففي التجمعات الأولية التي كانت تعقد حول مقبرة أو رمز معين أو حول صخرة كبيرة أو مكان مقدس، كانت هذه التجمعات بداية لظهور سلسلة متعاقبة من المؤسسات المدنية التي كانت تتراوح بين المعبد والمراصد الفلكية وبين المسرح والجامعة([53])“.

 

إنَّ عملية بناء الجامعة قد أخذت شكلاً متطورًا جدًا في الدين البهائي. فخلال القرن الأول من نشأتها كانت الجالية أو الجامعة البهائية Bahá’í Community متمركزة بشكل رئيسي في بلاد فارس وكانت تمثل أقلية مضطهدة ومحرومة ولديها فرص قليلة لممارسـة شعائرها الدينية. وعندما طرحت الخطط التبليغية تحت توجيه وهداية حضرة شوقي أفندي، وعندما أصبحت هذه الخطط عالمية النطاق، فإنَّ الحياة المشتركة للمؤمنين بدأت تعكس بعض الطاقات الكامنة لبناء و”تشييد المجتمع”. فهل سيكون الدين البهائي في نهاية الأمر تلك القوة الموجهة والملهمة للحضارة العالمية الجديدة مثلما كان حال الأديان السماوية الأخرى؟ إنَّه أمر سيبرهنه الزمن وحده. إنَّ الحقيقة الهامة التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار هو أنَّ هناك جالية أو جامعة بهائية عالمية موجودة اليوم ظهرت نتيجة فعاليات وأنشطة أتباع هذا الدين منذ أنْ تأسس عام 1844م وتزداد نموًا واتساعًا. إنَّ فهمنا للدين

 

البهائي يقودنا إلى وقفة تقدير لذلك التطور الهام.

 

         وكما لاحظنا سابقًا، فإنَّ الميـراث الروحي لأعضاء الجامعة البهائية هو شيء رائع ومؤثر. فتاريخ هذه الجامعة منذ عام 1844 مع كل تضحياتها وشهدائها وإنجازاتها وأوضاعها يمكننا القول إنَّها حقًا جالية شجاعة وبطله. إنَّ الدعوة البهائية فيها القوة والمنعة ذلك لأنَّ تعاليم حضرة بهاء الله ومبادئه تتعلق بمجموعة كبيرة من الشئون الإنسانية وتناقش قضايا عصرية وفكرية متعددة. ولا يستطيع أحد أن ينكر بأنَّ النظام الإداري البهائي هو إنجاز رائع سواء بالطريقة التي فيها طرحت المبادئ البهائية لترتبط بأهداف الدين أو بالنجاح الذي حققته المؤسسات البهائية طبقًا لما وضعه مؤسس هذا الدين بشكل محدد. إنَّ ما يزخر به هذا الدين الجديد من ميزات عظيمة يكمن في التاريخ والتعاليم والإدارة البهائية وهي ميراث حضرة بهاء الله لأتباعه.

 

        فماذا فعل يا ترى وراّث حضرة بهاء الله بهذا الميراث العظيم؟

 

وما نوع الجالية أو الجامعة التي استطاعوا إيجادها أو آملين في إيجادها نتيجة لجهودهم المبذولة التي تضاهي أبطال وصناديد دينهم. وما هي الجهود التي بذلت لفهم مقاصد مؤسس الدين ورسالته؟ أو لتنظيم حياتهم بما يتطابق مع النموذج الإداري الذي أتى به حضرته وخلفاؤه المعينون؟

 

قد يكون مفيدًا أن نبدأ باختبار حجم الجالية ونوعية التوسع الذي حدث لها منذ نشأتها. وبينما لا تتوفر لدينا حاليًا إحصائية دقيقة لعدد البهائيين في العالم ولكن يبدو أنَّه يوجد أكثر من خمسة ملايين وينتشرون في شتى بقاع العالم يقطن نصفهم تقريبًا في قارة آسيا. إنَّ

العدد الإجمالي ليس كبيرًا مقارنة بحجم الحركات الدينية الأخرى التي تعاصر مع الدين البهائي(1).

 

        إنَّ مغزى ذلك التطور يبدو جليًا عندما ندرس طبيعة التوسع الذي حدث. فالتوسع كان شاملاً وعالمي النطاق. وهناك اليوم أكثر من 17335 محفلاً روحانيًا محليًا (إحصاء 1996) ‏منتخبًا يعملون بشكل جيد في أكثر من مائتي دولة مستقلة وإقليم رئيسي وهناك أكثر من 116859 مركزًا (إحصاء 1996) يقيم فيه بهائيون أو مجموعة بهائية. وقد قدّرت الجامعة البهائية العالمية بأنَّ أفرادها يمثلون أكثر من ألفي أقلية عرقية وقبلية يعيش الكثير منهم في مناطق نائية مثل جزر المحيط الهادي ومناطق القطب الشمالي وفي الغابات وفي الجبال. ومن أجل تنظيم وتربية الجاليات المتنوعة الموجودة في منطقة معينة تمَّ تأسيس 179 محفلاً روحانيًا مركزيًا أو إقليميًا (إحصاء 1998) أخذت على عاتقها ترجمة وطباعة الأدعية والآثار البهائية لأكثر من ثمانمائة لغة في العالم.

 

إنَّ جالية دينية صغيرة نسبيًا، واسعة في مدى انتشارها وتضم العناصر البشرية من أنحاء المعمورة وتنعم بتنظيم رفيع المستوى في مرحلة مبكرة من تاريخها لهو إنجاز يعد عظيمًا وغير عادي. ويمكن التحدث عن نفس هذا النجاح في حصول الجالية على هويتها وشخصيتها أمام السلطات المدنية. وبعيدًا عن الاعتراض الذي تبديه بعض الدول ومؤسساتها تجاه هذه الجامعة، فقد وطدّت الجامعة البهائية علاقتها بالسلطات المدنية كجانب مكمل لعملية تطورها.

 

وبفضل جهود مبذولة في سلسلة من الخطط العالمية استطاعت المحافل الروحانية على المستوى المحلي والمركزي من الحصول على تسجيل قانوني رسمي في العديد من الدول التي نشأ فيها الأمر الإﻟﻬﻲ. وتمَّ الاعتراف بعقد الزواج البهائي من قبل السلطات المدنية وفي بعض بقاع العالم بدأت الأيام البهائية المقدسة تأخذ وضعًا مماثلاً للأيام المقدسة في الديانات الرئيسية الأخرى في الأوساط التجارية والمدارس والمؤسسات الحكومية.

 

        وفي الأمم المتحدة استطاعت الجامعة البهائية العالمية أن تتوسع بشكل مستمر ومطرّد فيما يختص بالعضوية التي منحت لها في المجلس الاقتصادي والاجتماعي. فقام مندوبو الجامعة البهائية العالمية بالمشاركة في سلسلة واسعة من المؤتمرات الدولية التي عقدت تحت إشراف الوكالات والمنظمات المتعددة التابعة لهيئة الأمم المتحدة وتكون بذلك قد مهدت الطريق لإيجاد قاعدة لتفاهم دولي وفرصة للجامعة البهائية لكي تطرح أفكارها ومبادئها علـى المستوى الدولي(1).

 

تمَّ التركيز على إنَّ عامة الشعب في جميع أنحاء المعمورة -وكلما تسمح الظروف– يكونون على إطلاع وعلم بوجود الدين البهائي وطبيعة تعاليمه وأحكامه. وتقوم دور الطبع والنشر في دول متعددة بطبع وتوزيع مجموعة كبيرة من الآثار البهائية تتراوح بين مجموعات موثّقة من آثار حضرة بهاء الله إلى مقالات الباحثين والمحققين والكتب المبسطة ونشرات الأخبار والمجلات. كما استخدمت وسائل

 

إعلام أخرى بشكل مكثف مثل الأفلام والبرامج التلفزيونية والإعلانات والبرامج الإذاعية والصحف والجرائد والكتيبات والنشرات ومواد دراسية بالمراسلة والمعارض والمحاضرات والمدارس الصيفية والشتوية. في ربيع من عام 1996م ومع تفتح عالم جديد من التقنية الإلكترونية الحديثة الخاصة بنقل المعلومات والأفكار أوجدت الجامعة البهائية العالمية موقعًا لها في الإنترنت باسم “العالم البهائي([54])” The Bahá’í World. إنَّ الهدف من جميع هذه الفعاليات والأنشطة هـو السعي لإبلاغ رسالة حضرة بهاء الله إلى كل فرد في العالم.

 

وضمـن برنامج التربية الروحية العامة لعب مشرق الأذكار (معبد بهائي) دورًا خاصًا وهامًا. وفي كل قارة في العالم يرتفع اليوم مبنى لمشرق الأذكار، وهناك مواقع أخرى تمَّ استملاكها في أنحاء متفرقة من العالم لبناء مشارق الأذكار في المستقبل، ومن المقدّر لها أن تلعب دورًا هامًا في حياة الجامعة البهائية. وفي ذلك الحين سوف تحيط به مؤسسات فرعية من قبيل المدارس أو المعاهد وفنادق ومنازل للمسنين ومراكز إدارية. وفي الوقت الحاضر لا تستخدم مشارق الأذكار بصورة رئيسية لأنشطة الجالية البهائية فقط، بل تفتح أبوابها لكافة فئات الأديان المختلفة (أو حتى تلك التي لا تعتقد بأي دين) لكي تلتقي معًا من أجل عبادة الله الواحد الأحد. أمَّا البرامج التي تجري فهي لا ترتبط بفرقة أو طائفة دينية معينة وإنمَّا تحتوي على تلاوة أدعية ومناجاة من الكتب المقدسة للأديان المختلفة في العالم وقراءات متنوعة كما لا تلقي نصح أو مواعظ أو أيَّة محاولة لإيجاد تفسير بهائي لتعاليم

 

الأديان. وغالبًا ما ترتل الآيات بمصاحبة الموسيقى من قبل جوقة مدربة. والشيء الوحيد الذي يميّز مبنى مشرق الأذكار احتواءه على تسعة جوانب تعلوها قبة وهو رمز لقبول الدين البهائي لكافة المعتقدات الدينية ويمثل حقيقة أنَّه بالرغم من إنَّ المشاركين يدخلون المعبد من أبواب مختلفة ألاَّ إنَّهم يجتمعون معًا من أجل عبادة إﻟﻪ واحد لا شريك له.

 

         ومن جوانب متعددة يعبّر مشرق الأذكار عن تلك العلاقة القائمة بين الدين البهائي ومختلف عناصر المجتمع. فالمعابد البهائية هي أبنية مفتوحة تضيئها الأنوار من الداخل، وقد صممت لكي تعبّر عن الالتزام البهائي نحو الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد وللتعبير عن إمكانية التطبيق العملي للتعاليم والمبادئ المباركة. وبالنسبة “لأم معابد الغرب” الواقع في مدينة ويلمت Wilmette في ولاية إيلينويIllinois  بالولايات المتحدة الأمريكية قام المهندس المعماري لهذا البناء بدمج عدة رسوم معمارية تقليدية ونسجها في تصميمه لتعبر عن رموز عدة أديان سماوية رئيسية حيث ذكر المهندس:

 

          “عندما يتم استئصال الأفكار والمعتقدات التي دخلت على الأديان بواسطة البشر نلاحظ عندئذ إنَّ ما تبقى هو الوئام والائتلاف. وعلى أي حال فإنَّ الأديان ترزح اليوم تحت وطأة الخرافات والنظريات البشريـة التي يجب أن تأخذ شكلاً جديدًا تكون فيه طاهرة نقية مرة أخرى. ونفس الشيء بالنسبة للهندسة المعمارية… والآن وطبقًا للمفهوم الجديد للمعبد نلاحظ إنَّ المبدأ البهائي العظيم عن الوحدة والاتحاد ووحدة جميع الأديان ووحدة الجنس البشري تمَّ نسجه بشكل رمزي جميل. حيث نجد امتزاج الخطوط الهندسية التي تمثل ما يوجد

 

بالكون وتداخلها في حلقات وتداخل هذه الحلقات مع بعضها البعض وهو وصف لاندماج كافة الأديان في دين واحد”.

 

        كما يمكن ملاحظة التفاؤل الذي ملك على الجامعة البهائية في الهندسة المعمارية لمشارق الأذكار. ويعتقد البهائيون بكل ثقة وأمل بأنَّ غالبية أفراد المجتمع الإنساني سيؤمنون يومًا بتعاليم ومبادئ حضرة بهاء الله. إنَّهم يعتقدون بأنَّ مع استفحال مصائب ومشاكل هذا العصر ستضطر البشرية رجالاً ونساءً إلى البحث عن الحقيقة بشكل أكثر جدية. وإن عرضت رسالة حضرة بهاء الله بالشكل الملائم فإنَّ الباحث سيستجيب لما فيها من مبادئ وتعاليم أخلاقية يطبقها عدد متزايد من الأتباع. إنَّه في التصميم الهندسي المكشوف وتداخل مختلف أنواع الهندسة المعمارية فيها وفي تحررها من أية طقوس وشعائر دينية فإنَّ المعابد البهائية تعبر بصورة قوية عن روح التفاؤل والاستبشار.

 

يبدو أنَّ الجامعة البهائية محقّة في تفاؤلها هذا حيث إنَّ الدين البهائي اليوم يعتبر أكثر أديان العالم سرعة في الانتشار. ففي شهر إبريل (نيسان) من عام 1979م أعلن بيت العدل الأعظم بأنَّ مشروع خطة السنوات الخمس والذي طرح عام 1974م الذي أطلق سلسلة من الخطط التبليغية العالمية قد أنجز وحقق أهدافه على أحسن وجه. بل إنَّ النجاح فاق أهداف الخطة وخاصة فيما يتعلق بتأسيس المحافل الروحانية المحلية والمراكز المقرر فتحها. وقدرّت نسبة الزيادة في عدد المؤمنين الجدد خلال تلك الفترة بأربعين بالمائة.

 

        أمَّا مشروع السنوات التسع الذي سبقه فقد شهد تناميًا سريعًا خاصة في قارة أفريقيا وأمريكا اللاتينية، ونراه اليوم بارزًا في قارة آسيا وجزر المحيط الهادي. ونتيجة للإنجازات التي أحرزت طرح بيت العدل

 

الأعظم مشروعًا جديدًا سمّي بمشروع السنوات السبع ينتهي ربيع عام 1986م(1). وخلال هذه الخطة وبالتحديد في عام 1983م أجتمع أعضاء المحافل الروحانية المركزية في العالم في حيفا للمشاركة في المؤتمر العالمي لانتخاب أعضاء بيت العدل الأعظم الإﻟﻬﻲ. وقد فاق مشروع خطة السبع سنوات الأهداف التي حددت له.

 

        إنَّ اتساع نطاق الجامعة البهائية العالمية وطبيعة هذا الاتساع الذي ميّزته تمَّ بحثه ومناقشته بصورة مختصرة. ولكن الأصعب من ذلك هو دراسة الحياة الداخلية للجامعة، أمَّا الطريق المباشر لذلك فهو الاستفادة من خبرات أفراد الجالية أنفسهم. كيف يمكن للشخص أن يصبح بهائيًا؟ وما الصفات الخاصة التي يجب أن تتوافر في الشخص حتى يعتنق الدين البهائي في هذه المرحلة من تاريخه؟

 

        بالطبع ستختلف الإجابة من شخص لآخر، وستكون هناك أيضًا اختلافات حول بعض الأولويات والضروريات من منطقة لأخرى في العالم تؤدي إلى اختلاف نسبي في الخبرة المكتسبة لأفراد الجامعة. وبالرغم من ذلك فإنَّ تاريخ الدين البهائي وتعاليمه ونظامه الإداري المزدهر يمثل بمجموعه أساسًا سيكون بالضرورة موحدًا في أقطار العالم. وهذا لا شك يستدعي ضرورة الإقرار بأصول ثابتة موحّدة ممن يود اعتناق البهائية بغض النظر عن أصوله العرقية.

 

        أمَّا مؤهلات من يرغب في الانضمام لعضوية الجامعة البهائية فقد

 

وضحها لنا بيت العدل الأعظم في الرسالة التالية:

 

        “إنَّ الدافع الرئيسي يجب أنْ يكون دومًا استجابة الإنسان لرسالة الحق تبارك وتعالى ومن ثمَّ معرفة رسوله والإيمان به. أولئك الذين أعلنوا عن إيمانهم بأمر حضرة بهاء الله يجب أن ينبهروا بجمال تعاليمه وتخفق قلوبهم بمحبة حضرته. إنَّ المؤمن الجديد ليس بحاجة إلى معرفة جميع الدلائل والبراهين على أحقية الرسالة ثمَّ التاريخ والأحكام ومبادئ الدين ولكن أثناء إيمانهم بالأمر المبارك فبالإضافة إلى اشتعال قلوبهم بنار محبة الله يجب أن يتعرفوا على شخصيات الدين الرئيسيين وكذلك الأحكام والقوانين التي يجب إطاعتها والإدارة التي يجب اتباعها(1)“.

 

         أمَّا أولئك الذين ولدوا وترعرعوا في ظل عائلة بهائية فإنَّ إجراءات تسجيلهم رسميًا تتم بيسر وبشكل مباشر. وبينما لا تقر التعاليم البهائية فرض وجهة نظر معينة على الطفل خلال تنشئته، فإنَّ الأطفال البهائيين ينشأون أعضاء في الجامعة. فهم يشاركون في أغلب المناسبات البهائية ويدرسون التاريخ البهائي وينهلون من تعاليم ومبادئ حضرة بهاء الله بالإضافة إلى مبادئ الأديان العظيمة الأخرى ويشجعون على المضي قدمًا بالتمسك بالمعيار البهائي في الحياة بما يطابق مستوى سنَّهم(2).  إنَّ ما ترّكز عليه التعاليم البهائية فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية المعاصرة لا شك أنَّه يساهم في تشجيع الشباب البهائي على الاستمرار في بحثهم الروحي والفكري في ما يكتنزه الدين البهائي. ومع ذلك

 

فهم أحرار في رفض أو قبول عضوية الجامعة البهائية، وعندما يصل الشاب أو الشابة سن البلوغ الشرعي وهو الخامسة عشرة حسب الشريعة البهائية، يصبح الشاب مطالبًا بتحمل مسئولياته الفردية في تأمين تطوره الروحي.

 

        وفي حالة دخول البالغين الأمر المبارك فإنَّ قرار انضمامهم للجامعة غالبًا ما يستند إلى ارتباطهم ومعرفتهم غير الرسمية بالبهائيين. فنشاطات الجامعة الواسعة الخاصة بالإعلان عن الدين البهائي تجذب الألوف من الراغبين في معرفة المزيد عنه. ومن خلال حلقات دراسية صغيرة أو برامج شبه رسمية يمكن عرض التعاليم والأهداف والمبادئ البهائية إلى الراغبين فيها. وفي مراحل معينة قد يسألون عن طرق الانضمام للجامعة أو قد يدعون بواسطة البهائيين للانضمام. وفي حالة رغبتهم للانضمام يقدم الطلب للمحفل الروحاني المحلي في المنطقة والذي يدرسه بعناية ويقوم بإفهام الراغب تلك النتائج المترتبة على عضويته في الجامعة البهائية ومدى استعداده لتحمّل المسئولية والانقياد لتعاليم ومبادئ حضرة بهاء الله، وفي حالة قبوله لكل ذلك يتم تسجيله. إنَّ الدخول في الجامعة البهائية لا يستلزم إجراء طقوس أو شعائر دينية معينة أو أي تعهد أو التزام محدّد وإنَّما قد يحتفل بهذه المناسبة بشكل غير رسمي.

 

        وبعد التسجيل يمر المؤمن الجديد في عمليتين متزامنتين الأولى: النمو الروحي الشخصي والأخرى: كفاح كل جالية يافعة من أجل فهم المثل التي زخرت بها تعاليم مشرِّع هذا الدين. ومن الأمور الرئيسية التي يجب أن يلتزم بها الفرد البهائي في حياته، الدعاء والمناجاة، والتأمل والتفكر، الصلاة والصوم في فترته المحددة، تحريم شرب

 

 

الكحول أو استعمال المواد المخدرة والمجاهدة من أجل الابتعاد عن الغيبة والنميمة. وكذلك قيام الجالية البهائية بإعداد برنامج طويل الأمد من أجل النمو والتوسع والذي يتطلب جهودًا مكثفة واهتمامًا بتحقيق الأولويات والأهداف. إنَّ إيمان الفرد البهائي ثمَّ أفعاله يفرضان التأكيد على وجود علاقة متبادلة بين الفرد المؤمن والجامعة البهائية.

 

        إنَّهما تحدِّيان يلتقيان معًا نظرًا لأهمية الخدمة التي يؤكد عليها الدين البهائي. وقد أخبرنا حضرة بهاء الله بأنَّ أسمى تعبير عن الطبيعة الإنسانية هو الخدمة. فالنمو الروحي عندما يصل إلى تحقيق الذات فإنَّه يظهر في خدمات الفرد في سبيل تحقيق وحدة الجنس البشري. إنَّ الهدف من كل أشكال الانضباط الروحي للفرد هو تحرير الروح من سجن النفس، وزيادة وعي الإنسان باندماجه وارتباطه بالمجتمع الإنساني بأسره، وحصر طاقته في اكتشاف وسائل من شأنها خدمة ما يتطلبه الآخرون. إنَّ فعاليات وأنشطة الجامعة البهائية تمنح الأفراد مجالاً أوسع لمثل هذه الخدمة. وفي غياب رجال الدين فإنَّ شئون الجامعة يتم تنظيمها بحيث يضمن مشاركة أكبر عدد ممكن من أفراد الجامعة في الفعاليات والأنشطة.

 

        إن المشاركة هو أمر يشجع عليه وبالأخص فيما يتعلق بدعم المساعي لاتساع نطاق الدين وانتشاره. فقد ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ أعظم خدمة يمكن أن تقدم في هذا اليوم هو تبليغ أمره. فكل فرد بهائي مدعو إلى المشاركة في عمل من شأنه نقل رسالة حضرة بهاء الله إلى جموع غفيرة من الناس تكون مستعدة لسماعها، وقد حذرنا حضرة عبد البهاء بأنَّ الوقت ضيِّق. إنَّ الأزمات والمشاكل التي تعصف بعالمنا اليوم ستزداد لتجلب معها المزيد من المعاناة بصورة تدريجية ثمَّ انهيار

 

المؤسسات القائمة في نهاية المطاف. يجب تطوير نمط بديل للحياة داخل الجامعات البهائية، ولا يمكن تحقيق ذلك دون زيادة كبيرة في أعداد المؤمنين في شتى أنحاء العالم الذين سيلتزمون بتطبيق تلك التعاليم الإﻟﻬﻴﺔ.

 

وليس مستغربًا أن نلاحظ بأنَّ المؤمنين الجدد هم أكثر البهائيين شوقًا وشغفًا للتجاوب مع هذا النداء. لأنَّ هؤلاء النفوس وجدوا شيئًا ثمينًا أعطاهم عظيم الثقة وحدد أهدافهم وهم بذلك توّاقون لمشاركة كافة الناس به. وفي التبليغ يتم التركيز على التعاليم والمبادئ الروحانية ولا إكراه في الدين. ولهذا يواجه البهائيون تحّد في إيجاد سبل لمشاركة أفكارهم مع الآخرين بحيث لا يتداخل ذلك مع خصوصيات الآخرين أو مخالفة لعاداتهم وتقاليدهم. وكانت النتيجة من كل ذلك هو وجود مجموعة كبيرة من الخبرات الواسعة والمتنوعة التي انتقلت من مكان إلى آخر ومن شخص لآخر في العالم.

 

        ليس من السهل تعميم أسلوب خاص بفعاليات التبليغ. ففي غالبية الدول الغربية يقوم الأفراد أو العائلات بالتبليغ خلال اتصالهم اليومي العادي بعامة الناس، فيتحدثون إلى الجيران والأصدقاء ومع الزملاء في العمل أو التعرف على البعض من خلال مشاريع الخدمات العامة والحلقات الدراسية والأنشطة المشتركة أو البرامج البهائية المفتوحة بابها للجميع. وفي مناطق أخرى من العالم يكون الدين محور حديث الكثيرين ومحط اهتماماتهم، وقد يشارك فيه جميع أفراد المجتمع في مناقشة التعاليم الروحانية الجديدة. إنَّ تسجيل أعداد كبيرة من المؤمنين بالدين نراه اليوم في مناطق مثل أفريقيا الوسطى وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا وذلك بفضل زيارة مجموعات من البهائيين

 

لتلك المناطق وطرح التعاليم والمبادئ الروحانية من خلال عروض موسيقية وإلقاء خطب وإعداد دورات دراسية عن الأمر المبارك.

 

        في بعض الجلسـات الاجتماعية قد تأتي المبادرة في الحديث عن الدين من بعض الحاضرين. وقد سبق أن دعي أحباء أمريكا الشمالية للحديث عن الدين في اجتماع خاص في كنائس السود في الولايات الجنوبية أو “لمشاركة رسالة بهاء الله” في احتفالات أقيمت للهنود الحمر في السهول الكندية. كما استطاع البهائيون الأكاديميون في أمريكا الشمالية والهند وفي الشعوب الناشئة في المحيط الهندي أو في البحر الكاريبي من إلقاء العديد من المحاضرات والخطب في المعاهد والجامعات حول تعاليم ومبادئ الأمر المبارك.

 

        إنَّ النموذج الأكثر شيوعًا في تبليغ رسالة حضرة بهاء الله هو عقد جلسة التبليغ Fireside. حيث برز هذا الاصطلاح بين البهائيين الأوائل في مونتريال بكندا مع أنَّ مثل ذلك النشاط كان مستمرًا آنذاك في عدة مراكز(1). فجلسة التبليغ أو (الفاير سايد) يعني اجتماع مجموعة دراسية صغيرة من الناس في منزل خاص بصورة دورية ومستمرة ويدعى لها الأصدقاء والراغبون في البحث والتحري. هذا النوع من النشاط غير الرسمي يعتبر مرتعًا خصبًا للباحثين عن الحقيقة، حيث يمكنهّم من إدراك المفاهيم البهائية والأحكام والتعاليم حسب قدراتهم الخاصة بعيدًا عن القلق الذي ينتابهم في الاجتماعات العامة نتيجة

 

الكشف عن بحثهم الروحاني الخاص. كما أنَّ هذه الجلسات تعزّز من الروابط بين المؤمنين الجدد الذين انضموا إلى الجامعة وبين زملائهم، وتسمح للمبلغ البهائي بأن يساعد المؤمن الجديد على الاندماج في الجامعة.

 

        هناك نوع خاص من التبليغ يسميه البهائيون “الهجرة”. وكما ذكرنا لا يوجد رجال دين أو كهنوت في الدين البهائي وليس هناك دعاة متخصصون لحمل رسالة حضرة بهاء الله إلى المناطق الجديدة وإنَّما يتوسع الدين البهائي نتيجة إقدام الألوف من أتباعه سواء بصورة أفراد أو عائلات على ترك أوطانهم والاستقرار في مناطق جديدة. ومن المفترض أن يقوم المهاجرون بإعانة أنفسهم من خلال التجارة أو المهنة ومن ثمَّ أداء خدماتهم للدين في أوقات فراغهم. وعليه، فإنَّ كثيرًا من المهن قد استبدلت، والبيوت بيعت واشتريت أخرى، وتعلم المهاجرون لغة ثانية، واعتادوا على نمط جديد من الحياة وكل ذلك في سبيل نشر الدين البهائي في مدن ومناطق وأقاليم جديدة.

 

        والهجرة أيضًا قد تستدعي الانتقال إلى قطر مختلف كليًّا حيث لم تتأسس فيه أركان الدين بشكل قوي. وفي كل خطة عالمية للتبليغ يضع بيت العدل الأعظم قائمة بالدول التي تحتاج إلى مساعدة أفراد من جاليات أخرى مع تحديد لعددهم. وفي عدة خطط وضعت أهداف معينة لمختلف الجامعات البهائية المركزية وقد يطلب أحيانًا من ثلاث أو أربع دول مختلفة إرسال مهاجرين إلى منطقة أو دولة واحدة. ونتيجة لذلك قد يكون هناك هدف محدد في فنلندا أو هايتي قد تستقبل مهاجرين من إيران وفرنسا والولايات المتحدة، وعلاوة عما يجلبه هؤلاء المهاجرون الجدد من خبرات فإنَّهم يطبقون بذلك المبدأ البهائي

 

الخاص “بالوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد” (ودون شك هذا ما اتَّسم به أولئك المهاجرون الذين أتوا من الخارج).

 

        ولذلك، فإنَّ الجامعة البهائية، بعملها هذا وكما هو الحال في جميع نشاطاتها، تعتمد مباشرة على المبادرة الفردية والمسئولية التي يتحملها كل فرد مؤمن. ولا يمكن لأي جهة أو مؤسسة أن تراقب مدى ما يقوم به أي فرد تجاه تبليغ أمر الله. بينما قد يتدخل المحفل الروحاني إن رأى بأنَّ الفعاليات التبليغية لشخص معين غير مناسبة بشكل ما. إنَّ استجابة الفرد لنداء التبليغ هو أمر يقرره ضميره ووجدانه. والأمر نفسه يندرج على الهجرة وهي خدمة ذات ميزات عظيمة. ففي كل شهر ومن خلال الضيافة التسع عشرية يتم إطلاع كل عضو في الجامعة البهائية المحلية على احتياجات الهجرة والتبليغ ويعلن ذلك في المؤتمرات وفي المنشورات المتنوعة للجالية. أمَّا المبادرة والاستجابة فيجب أن تنبع من قلب المؤمن أولاً وبالمشورة مع عائلته البهائية. ويمكن للمهاجر أو العائلة المهاجرة بعد ذلك أن تتصل بالمؤسسات الإدارية وتتشاور معها حول أهداف ومشاريع معينة.

 

        إنَّ المشاركة التطوعية تعتبر أيضًا المفتاح لتعزيز البرامج المطروحة. وفي بداية كل سنة بهائية يقوم كل محفل روحاني محلي أو مركزي بإعداد ميزانية تقديرية له تغطي مختلف المشاريع بصفة عامة سواء فيما يتعلق بالأهداف التبليغية أو شراء أملاك أو مشاريع تنموية أو مصاريف إدارية أو خدمات للجامعة. ويتم الإعلان عن هذه الاحتياجات للجامعة أو الجالية البهائية مثلما الحال بالنسبة للتبليغ والهجرة. إنَّ جمع الأموال بواسطة منظمات أو هيئات دينية

 

وخيرية لا وجود له في الجامعة البهائية، وإنَّما يكتفى بإعلان عام وشرح للاحتياجات ولكن يمكن للأفراد أن يطرحوا استفساراتهم. إنَّ كافة التبرعات في الدين البهائي تأتي فردية وطوعية، ويحذر حضرة شوقي أفندي من أية ضغوط نفسية حول هذا الموضوع. كما أنَّ التبرعات تعتبر سرية وتبقى محصورة بين الفرد المتبرع أو العائلة وبين أمين صندوق المؤسسة التي تمَّ التبرع لها.

 

        يعتبر البهائيون فرصة التبرع للصناديق البهائية ميزة روحانية اختصت بالذين آمنوا بحضرة بهاء الله. وبالتالي لا يقبل أي تبرع للصناديق الأمرية من الذين لم يسجلوا كبهائيين. وقد يحدث أحيانًا أن يتبرع بعض غير البهائيين للمحافل الروحانية نتيجة لإعجابهم ببعض برامج الجامعة البهائية، ففي هذه الحالة ينصح المتبرع بتقديم تبرعه للخيرية العامة في بلده. أمَّا إذا لم يعرف مصدر التبرعات فتقدمها المؤسسة البهائية للخيرية العامة في الدولة. أمَّا المشاريع التي تخدم الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية للمجتمع، فيمكن للمؤسسات البهائية على وجه العموم أن تقبل وتستفيد من مصادر مالية غير بهائية ذلك لأنَّ هذا الإجراء يزيد من إحساس الفرد بهويته ومسئوليته الشخصية تجاه الأعمال التي تعهدت الجالية بتنفيذها(1).

 

        إنَّ إدارة شئون الجامعة البهائية من شأنها أيضًا أن تمنح الأفراد

 

فرصًا عديدة للاستجابة لدعوة الخدمة. إنَّ أوَّل ما يجذب المؤمن الجديد هو أنَّ الدين البهائي هو دين متفتح وعام ولا يختص بطبقة أو فئة معينة وإنَّه قد أنضم إلى جامعة وليس إلى اجتماع ديني خاص، وما يؤديه أعضاء الجامعة ليس مجرد الخدمة المتواضعة فقط وإنَّما هم أيضًا مسئولون مسئولية كاملة في عملية اتخاذ القرار والتخطيط والخدمة بصفتهم ممثلين رسميين عن الجامعة.

 

        إنَّ الأعضاء الجدد في الجامعة يدركون بسرعة بأنَّ دينهم الذي اعتنقوه هو في مرحلة التكوين. كما أنَّ هناك مجالاً واسعًا لاكتساب الخبرة والتجربة وتطوير الجامعة طبقًا للآثار والنصوص البهائية وفي ظل هداية بيت العدل الأعظم المستمرة، وهناك أيضًا حاجة ماسة لهذه الخبرة والتجربة للتأكيد على أنَّ الجامعة التي تتطور بسرعة قادرة على تحقيق أهدافها الطموحة. وإذا كانت للمؤمن الجديد مواهب وقدرات معينة فيمكن الاستفادة منها. وقد يطلب منه أو منها تعليم الأطفال أو إعداد مقال للنشر أو تمثيل الجالية في مجلس البلدية أو المدينة أو في لجنة حكومية أو عقد ضيافة تسع عشرية أو المساعدة في إعداد مؤتمر إقليمي أو المشاركة في برنامج موسيقي أو مسرحي أو إدارة مشروع أو عرض معين أو طباعة مراسلات أو المساعدة على مسك الدفاتر وإعداد مكتبة صغيرة أو أي نشاط آخر من أنشطة الجامعة. وقد يتساءل البعض: لماذا نحن لا نعمل هذا أو ذاك؟ فغالبًا ما يكون الجواب هو عدم توفر من لديه الوقت والقدرة على إنجاز ذلك.

 

        من الخصائص المميزة للجامعة البهائية وجود حياة اجتماعية نشطة بها. ففي الفصل الثامن من الكتاب أشير إلى الضيافة التسع عشرية

 

باعتبارها القاعدة لحياة الجامعة البهائية الاجتماعية على المستوى المحلي، والأهمية التي تكنّها الآثار البهائية لهذا الاجتماع من جميع الجوانب. كما أنَّ المؤتمر السنوي المركزي والإقليمي يعتبران من الفرص المناسبة للمشورة والبحث حول شئون وشجون الجالية ويكون المجال مفتوحا بشكل كبير لتعارف الأحباء وتقاربهم في المنطقة أو البلد.

 

        بالإضافة إلى ذلك يمكن للجامعة أن ترتب عقد مؤتمرات متنوعة. فكل خطة تبليغية عالمية تتطلب عقد عدة مؤتمرات عالمية في مراكز رئيسية، وتكون غاصة بحضور البهائيين الذين يأتون من أماكن متعددة من العالم لقضاء ثلاثة إلى خمسة أيام للاحتفال بآخر الانتصارات التبليغية ودراسة آخر المستجدات والاحتياجات والحصول على أحدث المطبوعات والوسائل السمعية والبصرية وما يساعد على تطوير الجامعة. ويكون حضرات أيادي أمر الله المتحدثين الرئيسيين (راجع الفصل الثامن) في هذه المؤتمرات إلى جانب الباحثين البهائيين في مجالات مختلفة. كما أنَّ هذه المؤتمرات تعطي البهائيين فرصة لعرض تلك الثقافات المتنوعة الممثلة في العالم البهائي وذلك بتقديم الفنون التمثيلية والموسيقية وعروض أخرى فنية(1).

 

        مثل هذا الأسلوب يجرى تطبيقه حيثما تسمح الإمكانات مركزيًا وإقليميًا. ويستفيد البهائيون من مثل هذه الفرص العابرة -نتيجة لذلك- في التعرف على بعضهم البعض.  وأحداث متنقلة كهذه تفضي إلى مزيد من تعرّف الأحباء على عادات وأنماط اجتماعية سائدة في

 

مجتمعات أخرى. ودون شك فإنَّها ستمنح الكثير منهم فرصة للتبليغ غير الرسمي للأمر المبارك وإمكانية جعل مشروع معين للهجرة أكثر جاذبية وأقل تخوّفًا للفرد والعائلة التي يمكن أن تفكر به.

 

        ليست هناك من مؤسسة بهائية يمكن لها أن تساهم في إثراء القيم الروحانية والاجتماعية للأحباء أكثر من زيارة العتبات المقدسة. تشجع التعاليم البهائية كل فرد مؤمن بأن يحاول ولو مرة واحدة في حياته بزيارة المركز العالمي البهائي في حيفا لمدة تسعة أيام. ومع ازدياد عدد الراغبين في الزيارة تزداد فترة الانتظار بشكل كبير.

 

        تعتبر زيارة العتبات المقدسة نقطة بارزة وهامة في حياة أي شخص بهائي. حيث يصل الفرد مدينة حيفا ضمن مجموعة تضم حوالي ثمانين شخصًا من مختلف أنحاء العالم.  وتقضي المجموعة تسعة أيام في زيارة الأماكن المقدسة داخل حيفا وعكاء وحولهما، وفي مقام حضرة بهاء الله وحضرة الباب وحضرة عبد البهاء يقوم الأحباء بالتضرع والابتهال سواء بشكل فردي أو جماعي. كما يمكن لهم زيارة المنازل التي أقام فيها مؤسس دينهم خلال رحلة نفيه وسجنه في الأراضي المقدسة وأيضًا يصرف جزء من يومهم لزيارة المبنى الرائع لدار الآثار العالمية الذي يحتوي على الكتابات البهائية الأصلية، كما يمكن مشاهدة آثارًا عينية مباركة للشخصيات الرئيسية للدين وبعض ما يرمز إلى ذكرى الأبطال والشهداء الأوائل للظهور البهائي والبابي. كما يمكن مشاهدة الصور المباركة لحضرة الباب وجمال القدم  (بهاء الله) الموضوعة في مكان خاص وهي غير منتشرة ومتداولة بين الناس(1).

 

إنَّ العلاقات الحميمة غير الرسمية التي تقوي أواصر الوحدة داخل الجامعة البهائية في هذه المرحلة الأولى من مراحل نموها يتم تعزيزها ودعمها بواسطة استقبال بيت العدل الأعظم لكل مجموعة من الزائرين كما تتاح الفرصة لأفراد المؤمنين التعرف عن قرب وبشكل غير رسمي بأعضاء هذه الهيئة العليا للدين البهائي.

 

        وبالنسبة للزائرين فإنَّ زيارتهم للمركز العالمي تعتبر تجربة فريدة من نوعها وعظيمة. كما يعتقد البهائيون بأنَّ هذه الزيارة تعتبر من جوانب متعددة وسيلة للتقرب للعوالم الإﻟﻬﻴﺔ. وعلى حد قول أحد الكتاب البهائيين الكبار جورج تاونزند، وهو رئيس سابق لأساقفة الكنيسة الإنجليزيـة بأنَّ ظهور ومرور رب العالميـن قد تجلَّى فـي ظهور حضرة الباب وحضرة بهاء الله. وفي مدينتي حيفا وعكاء يتشرف الأحباء بزيارة المراقد الشريفة لهذه النفوس المقدسة وتكون هذه التجربة وسيلة لتركيز فكر وفؤاد الفرد على الحقائق الجوهرية للظهور البهائي.

 

        إنَّ زيارة المقامات المقدسة لهي فرصة مناسبة للزائرين لإثراء إدراكهم من الناحية الاجتماعية بتلك الجامعة العالمية التي ينتمون إليها. إنَّ قضاء تسعة أيام في اتصال قريب مع أفراد من مختلف الثقافات والحضارات هي فرصة لا تتكرر إلاَّ مع عدد قليل من الناس في مجتمعنا المعاصر. إنَّ هذا التقارب بين أعضاء الجامعة يؤدي إلى تبادل الذكريات فيما بينهم فيما يتعلق بالتاريخ المليء بالمآسي والمصائب والزاخر بالتضحيات والانتصارات التي تجسد مفهوم

 

 

 

 

 

 

            = البهائي العالمي.

 

“الأسرة العالمية” التي أتى بها حضرة بهاء الله. كما أنَّ زيارة المركز البهائي العالمي تعتبر فرصة للبهائيين بأن يأخذوا على عاتقهم القيام برحلة تبليغية في منطقة أخرى من العالم ولزيارة الأحباء المهاجرين في مناطق مختلفة وبحث إمكانية طرح مثل هذه المشاريع بأنفسهم.

 

        أعطى حضرة بهاء الله أهمية كبيرة على تعليم العلوم والفنون كجزء من التنمية الروحية والأخلاقية للإنسان. ولا يكتفي البهائيون بإيجاد أحسن تعليم ممكـن لأولادهم فحسب، بل إلى الاستفادة من الفرص التعليمية الممكنة في المجتمع من أجل التنمية والتطوير المستمر لهم. وفي هذا الخصوص يقول حضرة بهاء الله:

 

        “العلم بمثابة جناح للوجود ومرقاة لصعود الإنسان يلزم على الجميع تحصيله، ولكن العلوم التي ينتفع بها أهل الأرض وليست العلوم التي تبدأ بالكلام وتنتهي بالكلام. فأصحاب العلوم والصنايع لهم حق عظيم على شعوب العالم(1)“.

 

        أخذت الجامعة البهائية في إيران منذ ولادتها هذا الأمر على محمل الجد. ونتيجة لذلك وبعد مضي ثلاثة أو أربعة أجيال وصلت الجامعة إلى مستوى تعتبر نسبة المتعلمين فيها نسبة عالمية قياسًا بالطبقة المثقفة في إيران في الوقت الحاضر، علمًا بأن عدد البهائيين في إيران حوالي ثلاثمائة ألف شخص(2). ففي بلد يقدر عدد المتعلمين فيه أقل من

 

40% تتمتع الجامعة البهائية بمعدل تعليم يفوق عن 90% من إجمالي أعضائها.

 

        اتبع البهائيون في العالم النموذج الإيراني في المدى الذي تذهب إليه إمكانية كل جامعة محلية. ومن المهام المتعددة التي عينتها خطط التبليغ العالمية وأوكلتها للمحافل الروحانية المحلية والمركزية هو مساعدة الشباب البهائي في تخطيط تعليمهم حتى يكونوا في المستقبل وسيلة لخدمة دينهم والجنس البشري([55]). وتعكف العديد من المدارس الصيفية والشتوية البهائية على إعداد برامج على هذا النسق، حيث تتم دعوة متحدثين أجلاء ومقتدرين لإدارة دورات خاصة بالعلوم الحديثة وعلاقتها بالتعاليم والمبادئ البهائية. فالنجاح الذي وصل إليه بعض العلماء في اتفاق العلم والدين في حياتهم الفكرية سيشجع دون شك الشباب البهائي في أن يحذوا حذوهم(2).

 

        وفي المناطق التي تفتقر إلى المدارس العامة فإنَّ الجاليات البهائية المحلية تبدأ بطرح برامج تعليمية خاصة بها وبالذات على المستوى الابتدائي. ففي الهند قام المحفل الروحاني المركزي بإدارة عدة

 

مدارس بهائية بدوام كامل حيث تطرح هذه المدارس برامج على المستوى الابتدائي والثانوي والتدريب الفني. ومن الأنشطة الرئيسية للعديد من الجامعات البهائية المركزية طرح برامج بالمراسلة للأطفال والشباب والكبار. وخلال الخطة العالمية الأخيرة (الثلاث سنوات) قام سبعة وثلاثون محفلاً روحانيًا مركزيًا بطرح برامج مشابهة.

 

        ومن مجالات الثقافة التي أشير إليها باهتمام منذ الأيام الأولى للتاريخ البهائي هي الفنون الجميلة. وقد أشار حضرة بهاء الله إلى الفن باعتباره نوعًا من العبادة. أمَّا الجمال الظاهري للمقامات والمعابد والحدائق البهائية فهو الانطباع الذي يجذب نظر الزائر للعتبات والمقامات المتبركة. أكد حضرة شوقي أفندي بأنَّ ظهور ما يمكن أن نسميّه “الفن البهائي” قد يستغرق عدة قرون وذلك عندما يكون الأمر الإﻟﻬﻲ قد تفتح على شكل حضارة جديدة تظهر لنا فنًا جديدًا قد تبرز خصائصها الممّيزة. وفي نفس الوقت ودون أي شك، فإنَّ الأعمال الفنية التي قام بها الفنانون البهائيون المعاصرون يمكن اعتبارها قد تأثرت بدعوة حضرة بهاء الله للوحدة والاتحاد والأخوة والانفتاح والتفاؤل. قال الفنان البهائي مارك توبي:Mark Tobey  وهو أحد الرسامين المشهورين في القرن العشرين، حول تأثير ذلك على أعماله:

 

        “إنَّ دين بهاء الله العالمي، والذي فيه سيحمل الإنسان أشهى ثمرة لتطوره، يتحّداه ويدعوه إلى رؤية نور هذا اليوم على أنَّه وحدة الحياة بأكملها، ويطهّره من كثير مما ورثه تلقائيًا من بيئته، ويتغلغل داخل النفس البشريـة ليكّون لديها تلك الرؤيـة الضرورية للحياة.  فتعاليم بهاء الله هي النور الذي يضيء لنا طريق النمو والتكامل(1)“.

 

        أمَّا بالنسبة إلى العلاقة بين الفن والحضارة العالمية في المستقبل فقد أضاف توبي قائلاً: “بالطبع نتحدث اليوم عن أنماط قومية، إلاَّ إنني أعتقد أنَّنا سنتحدث لاحقًا عن أنماط عالمية… إنَّ مستقبل العالم يجب أن يكون قائمًا على إدراكه لمبدأ وحدته الذي هو مبدأ رئيسي كما أفهمه في الدين البهائي ومن تلك الوحدة ستنبعث روح جديدة في الفن لأنَّه لا سبيل سوى ذلك. إنَّها روح وليست مجرد كلمات أو أفكار جديدة.

 

وبالمثل تأثر الموسيقيون البهائيون من ذلك. وحقيقة الأمر، فإنَّ حضرة عبد البهاء قد أعار اهتمامًا كبيرًا إلى تشجيع الجاليات البهائية للإفادة من الأفراد الذين يتمتعون بمواهب موسيقية، يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “إن الموسيقى فن سماوي ومؤثر، إنَّها غذاء للنفس، ومن خلال قوة وجمال الموسيقى ينتعش روح الإنسان. كما أنَّ له تأثير ونفوذ رائع على قلوب الأطفال لأنَّ قلوبهم صافية ورقيقة. إنَّ المواهب الكامنة في نفـوس هؤلاء الأطفال يمكن لها أن تبرز بفضل الموسيقى.  ولهذا عليكم أن تبذلوا الجهد لكي يصبحوا ماهرين. علّموهم أن يغّنوا بكل إتقان وإحساس، ويجب على كل طفل أن يعرف شيئًا عن الموسيقى”.

 

ما ذكر حتى الآن كان بعض خصائص ومميزات حياة الجامعة البهائية التي ورثت هذا الميراث العظيم من التاريخ والمؤسسات الإدارية التي أفاض علينا بها حضرة بهاء الله.  لقد تأسس كل ذلك

 

 

 

 

           = في كتاب The Bahá’í World الجزء 16 ص683. كما أن مارك توبي كان السبب في جذب فنان عالمي آخر إلى البهائية وهو برنارد ليش.

 

عمليًا في كل دولة وإقليم على بسيط الغبراء، ويمثل أفرادًا من شتى أنواع الجنس البشري وهم مخلصون للمهمة التي أنيطت بحضرة عبد البهاء باعتباره “الفاتح الروحي للكرة الأرضية”.  إنَّ عملية التوسع لهذه الجامعة تستدعي من أعضائها المشاركة المتنوعة والتفاعل الاجتماعي والتطور الفردي. إنَّ هذا التفاعل وما ينتج عنه من نمو روحي يخلق وعيًا “بالأسرة العالمية”، ويعطي الجامعة هوية تميّزها عن التقاليد الدينية الأخرى.

 

يرى البهائيون أنَّ جامعتهم ليست مجرد تجمّع يضم أفرادًا وإنَّما جامعة متطورة ومتنامية. يلاحظ بأنَّ الكلمات التي استخدمها حضرة عبد البهاء وحضرة شوقي أفندي في شرحهم وتفسيرهم للآثار المباركة هي كلمات تستخدم في علم الأحياء مثل: “تفتح” و”تكامل” و”جرثومة” و”نمو عضوي” و”نواة” و”قوة محركة” و”امتصاص” و”استيعاب”. ولهذا يمكن تشجيع البهائيين بأن يروا أنفسهم كأجزاء من كائن حيوي نام تتكون أجهزته الحياتية من الأحكام والتعالم والمؤسسات التي أتى بها حضرة بهاء الله. وقد أكد بيت العدل الأعظم بأنَّ تطوير قدرات الأفراد والتعّرف بصورة أشمل على التعاليم البهائية يعتمد على مدى استطاعة الإنسان على المشاركة بشكل كامل في حياة الجامعة. جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم ما يلي:

 

“إنَّ كل خلية وكل عضو وكل عصب في جسم الإنسان له الدور الذي يؤديه. وعندما تعمل جميع هذه المكونات يتمتع الجسم بالصحة والنشاط والإشراق ويغدو متجاوبًا مع أي مطلب. ولا يمكن لأي خلية مهما كانت بسيطة أن تعيش بعيدًا عن الجسم مؤدية أو متلقية لخدماته. ويصدق هذا الأمر على الجنس البشري برّمته الذي ’وهب الله كل

 

مخلوق فيه مهما كان صغيرًا قدرة وموهبة‘ ويصدق أيضًا على جسم الجامعة البهائية العالمية التي تعتبر منظمة متحدة في طموحاتها وأنظمتها، وتنشد العون والتأييد من منبع واحد ومؤمنة بالإحساس اليقين بوحدتها… إنَّ الجامعة البهائية العالمية تنمو مثل الجسم الصحي الجديد حيث تنمو فيها خلايا جديدة وأعضاء جدد وتبرز وظائف وقوى جديدة مع وصولها لمرحلة البلوغ، وعندما يجعل المرء محور حياته دين الله فإنَّه سيفيض عليه بالصحة والتأييد وعنايات حضرة بهاء الله الدافقة التي ملأت الآفاق من خلال نظامه الإﻟﻬﻲ المقدّر(1)“.

 

 

الفصل العاشر

على أعتاب قرن جديد

 

        في يوم 29 مايو (أيار) من عام 1992م وفي الذكرى المئوية لوفاة حضرة بهاء الله عقد مجلس النواب البرازيلي جلسة خاصة مدتها ساعتان من أجل الإطراء والثناء على حياة حضرة بهاء الله المجيدة وأعماله الخالدة. قرأ رئيس المجلس رسالة لبيت العدل الأعظم وتحدث العديد من الأفراد من الأحزاب السياسية المختلفة الممثلين في المجلس عن حضرة بهاء الله وأثنوا عليه. أمَّا بالنسبة للبهائيين في شتى أنحاء العالم فكان هذا الحدث دليلاً مشجعًا آخر لهم للمستوى الذي وصل إليه دينهم من اعتراف به كدين مستقل له مكانته الرفيعة في العصر الحديث. ولكن ما ثبت أنَّه أكثر أهمية هي الحقيقة بأنَّ هذا الدين أخذ يبرز من حيّز المجهولية بكل ثبات واستقرار بعدما كان مطموسًا خلال القرن الأول من ظهوره.

 

        كانت حالة المجهولية تلك هي السائدة حتى الآن بينما كان أفراد المؤمنين يسعون في تعريف وتقديم دينهم للأصدقاء وطالبي الحقيقة. فمنذ تأسيس هذا الدين الجديد كان محور الفعاليات التبليغية الشخصية هو تعريف حضرة بهاء الله بأنَّه رسول سماوي. كما أشارت الآثار البهائية أيضًا وعرّفت حضرة الباب وحضرة بهاء الله بأنَّهما صاحبا رسالتين

 

سماويتين متعاقبتين سبق أن مُهّد الطريق لظهورهما.

 

        هناك جهود موازية بذلت بواسطة جامعات بهائية منظمة، وعلى الأخص في  الغرب، من أجل تزويد عامة الشعب بمعلومات أكثر وأوسع. وبينما انهمكت المؤسسات البهائية في شتى بقاع العالم في تطوير نفسها خلال النصف الثاني من القرن العشرين فقد ركّزت محاضرات الجامعات بشكل متزايد على بيان قابلية التعاليم البهائية لمعالجة المشاكل التي تواجه الجنس البشري من قبيل: النزاعات العرقية، التباينات السحيقة الظاهرة في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، معوقات تطور المرأة في المجتمع وأخيرًا إفرازات التعصبات الدينية والثقافية.

 

        في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1985م ظهر أفضل وصف متطور لهذا الوضع الاجتماعي عندما أصدر بيت العدل الأعظم، ولأول مرة في تاريخه، رسالة موجهة إلى شعوب العالم بعنوان “السلام العالمي وعد حق(1)“. ومع الأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية لهذه المرحلة من التاريخ فإنَّ مواضيع هذه الرسالة كانت متفائلة بشكل جيد وعلى ضوء الأحداث العالمية التي أعقبت ذلك فقد أثبتت الرسالة أنَّها كانت فعلاً ذات بصيرة نافذة. فقد أعلنت الرسالة بأنَّ تأسيس السلام العالمي هو أمر “ليس ممكنًا فحسب بل حتمي الوقوع” وفي الواقع أنَّه “المرحلة التالية من عملية تطور هذا الكوكب الأرضي”. جاء في الرسالة بأنَّ التحدي الذي يواجه قادة البشرية هو أن يتخلصوا من النظرة الضيقة القائلة بأنَّ “الصراع والعدوان أصبح من خصائص

 

أنظمتنا الاجتماعية والاقتصادية والدينية وبلغ حدًّا قاد العديد من الناس إلى الاستسلام للرأي القائل بأنَّ الإنسان فطر بطبيعته على سلوك طريق الشر وبالتالي فلا سبيل إلى إزالة ما فطر عليه. إنَّ الابتعاد عن هذه النظرة البعيدة تمامًا عن الطبيعة البشرية واختيار طريق السلام لا يعني تجاهلاً لماضي الإنسان بل تفهمًا له([56])“. كما أشارت الرسالة بأنَّ:

 

        “الإقرار صراحة بأنَّ التعصب والحرب والاستغلال لا تمثل سوى مراحل انعدام النضج في المجرى الواسع لإحداث التاريخ وبأنَّ الجنس البشري يمّر اليوم باضطرابات حتمية تسجل بلوغ الإنسانية سن الرشد الجماعي. إنَّ مثل هذا الإقرار يجب ألاَّ يكون سببًا لليأس بل حافزًا لكي نأخذ على عواتقنا المهمة الهائلة، مهمة بناء عالم يعيش في سلام. والموضوع الذي نحثّكم على درسه وتقصّيه هو أنَّ هذه المهمة ممكنة التحقيق وأنَّ القوى البناءة اللازمة متوفرة وأنَّ البنية الاجتماعية المّوحدة يمكن تشييدها(2)“.

 

تمَّ توزيع هذه الرسالة بلغات متعددة لمئات الألوف من المسئولين الحكوميين وقادة الفكر والعاملين في شتى مجالات الجهود الإنسانية، ونتيجة لذلك أصبح هناك إعلان عالمي مثير للدين البهائي. وخلال العقد الذي تلا ذلك كانت المفاهيم التي طرحتها هذه الرسالة هي المحور الرئيسي للمناقشات والأبحاث البهائية وأنشطة المعلومات العامة. وعلى الرغم من أنَّ الرسالة عرّفت حضرة بهاء الله بوضوح بأنَّه واضع لمبادئ ومفاهيم متطورة وأنَّه أيضًا “مؤسس الدين البهائي(3)“،

 

ولكنها لم تحاول مناقشة طبيعة مهمته أو الرسالة السماوية التي أتى بها.

 

        منذ أن قام مجلس النواب البرازيلي بالإطراء على هذا الظهور الجديد أخذت الجلسات البهائية العامة تركز الضوء بصورة أكثر على شخصية حضرة بهاء الله ليس بصفته مؤسس دين فحسب بل بصفته موجد مجموعة من الأفكار العظيمة التي تدور حول طبيعة الجنس البشري وتنظيم المجتمع الإنساني. إنَّه دون شك دلالة على تنامي الثقة بالجامعة البهائية من قبل كل من قرأ عن البهائية أو سمع عنها، وإنَّ النقاش العام حول القضايا العالمية والمجهودات التبليغية لأفراد هذه الجامعة أخذت تؤتي أكلها. ففي الذكرى المئوية لوفاة حضرة بهاء الله أصدرت الجامعة البهائية العالمية كتيّبًا مختصرًا عن حياته وأعماله تم نشره بشكل واسع، وجاء في افتتاحية هذا الكتيب ما يلي: “يجد الجنس البشري نفسه وهو على أعتاب حقبة تاريخية جديدة تسجل نهاية ألف عام وبداية ألف عام أخرى في أمسّ الحاجة إلى العثور على رؤية تقوده إلى جوهر الوحدة إنسانًا ومجتمعًا… فإنَّه دون أن يملأ النفوس إيمان مشترك برؤيا موحّدة تصور لنا التاريخ في مجرى أحداثه ونهاية أهدافه يصبح من غير المعقول وضع أسس مجتمع عالمي موحّد تقرر جماهير البشر الالتزام به”.

 

        “تنبسط مثل هذه الرؤيا الواضحة المعالم في آثار بهاء الله الذي ظهر في القرن التاسع عشر الميلادي كصاحب رسالة تمثل في نشأتها ونفوذها المتعاظم أروع تطور في التاريخ الديني المعاصر… وليس

 

 

 

 

          =1996م) – ص9.

 

لهذه الظاهرة ما يفسرها في عالمنا المعاصر ولكنها بالأحرى مرتبطة بتحولات خطيرة في مسار الجنس البشري عبر ماضيه المشترك. لقد أعلن بهاء الله أنَّه ليس إلاَّ رسول من عند الله بعث ليلّبي احتياجات عصر بلغت فيه الإنسانية مرحلة النضج…([57])“.

 

        استخدم حضرة شوقي أفندي اصطلاح “السنة المقدسة” في عام 1952م وأطلق على تلك السنة سنة مقدسة (من أكتوبر 1952 حتى أكتوبر 1953م) تخليدًا لذكرى مرور قرن واحد على إعلان دعوة حضرة بهاء الله في سجن سياه چال المظلم. والآن اقتداء بهذا النموذج أعلن بيت العدل الأعظم بأنَّ الفترة من إبريل 1992 حتى إبريل 1993 تعتبر “سنة مقدسة” أيضًا وهي تصادف الذكرى المئوية الأولى لوفاة حضرة بهاء الله يوم 29 مايو (أيار) من عام 1892م وتأسيس ميثاقه في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس السنة. وبهذه المناسبة وفد إلى المركز البهائي العالمي عدة ألوف من المؤمنين من خلفيات عرقية وجنسية مختلفة ممثلين للجامعة البهائية من أجل تجليل وتكريم مؤسس دينهم في أول احتفالين للذكرى.

 

        وبعد مضي ستة أشهر عقد في مركز جاﭬيتز Javit’s Centre  في مدينة نيويورك -مدينة الميثاق([58])– مؤتمر عالمي وهو الأكبر والأكثر تنوعًا من أي اجتماع للبهائيين على الإطلاق. استغرق المؤتمر أربعة أيام شهد خلاله الاتساع العالمي والقوة الخلاقة الموحّدة التي أوجدها ميثاق بهاء الله والتي أصبحت حقيقة واقعة ماثلة للعيان. كما تم الاتصال من المؤتمر بواسطة ثماني شبكات اتصالات واسعة

 

بمؤتمرات فرعية عقدت في نفس الوقت في كل من بيونس آيرس – سيدني – نيودلهي – نيروبي – مدينة بنما – بوخارست – موسكو – سنغافورة – وساموا الغربية.

 

        وكانت لحظات مهيّجة عندما اتصل مؤتمر موسكو من الجانب الآخر للكرة الأرضية (والذين كانوا يشاركون لأول مرة في حدث بهائي عالمي) بمؤتمر نيويورك. وفي اليوم الأخير كان باستطاعة أعضاء بيت العدل الأعظم من مقرهم الدائم على سفح جبل كرمل أن يتحدثوا من خلال الأقمار الصناعية للمشتركين في المؤتمر. قال أحد التنفيذيين في هيئة الإذاعة الكندية الذي شارك في وضع البرنامج: “إنَّ المؤتمر فتح المجال لعالم جديد من الإمكانيات لدين هدفه الأساسي الوحدة والاتحاد”.

 

* * *

        وفي نفس السنة كانت هناك أنشطة مماثلة أخرى استهدفت التأكيد والتركيز على رسالة حضرة بهاء الله باعتباره مصدرًا للنصوص والمراجع والسلطات وذلك بخلاف الأنشطة الخاصة بتعريف الأمر المبارك، كما تمت الإشارة إلى صدور كتاب “تدوين حدود وأحكام كتاب الأقدس” في عام 1973م وهو الكتيب الذي بدأ بإعداده حضرة شوقي أفندي بصورة أولية في أيامه، وخلال السنوات التي تلت ذلك أخذت الأعمال تتطور بشكل بطيء في ما يتعلق بالاحتياجات من ترجمات وتدوين وكتابة حواش للمواد والألواح التي ستنشر فيما بعد. إنَّ نهاية المشروع الذي طالما انتظرته جموع البهائيين في العالم صادفت أنشطة وفعاليات السنة المقدسة.

 

        سبق وأنَّ قام حضرة ولي أمر الله (شوقي أفندي) بترجمة ثلثي

 

الكتاب الأقدس تقريبًا إلى اللغة الإنجليزية وطبعت خلال حياته، أمَّا الجزء الباقي فقد ترجم بواسطة لجنة تحت إشراف بيت العدل الأعظم. وما كان مطلوبًا بشكل أكبر هو ترجمة مجموعة أخرى من النصوص المباركة لحضرة بهاء الله وتوضيحات وإجابات حضرته عما تلقاه من استفسارات. وقد أشار حضرة ولي أمر الله بأنَّ هذا العمل برُمّتِه يجب أن يكون بعد ذلك “مشروحًا بشكل وافر” ومُذيّلاً بالتوضيحات والتفاسير اللازمة المستخرجة من بيانات حضرة عبد البهاء وحضرة شوقي أفندي بصفتهم المخوّلين لشرح وتبيين النصوص المباركة.  وكانت النتيجة أنَّ النسخة الإنجليزية للكتاب برّمته بما فيه الحواشي والتعليقات وصل عدد صفحاتها إلى 251 صفحة وهو يضم الكتاب الأقدس الذي تبلغ صفحاته 69 صفحة.

 

        ولا داعي للتأكيد على أهمية هذا الكتاب في الدين البهائي الذي أطلق عليه حضرة شوقي أفندي “أعظم عمل” انبثق عن رسالة حضرة بهاء الله ودستور نظامه العالمي(1)“.  وبينما يؤكد الكتاب الأقدس على حقيقة الأديان العظيمة السابقة، فإنَّه يعتبر بالنسبة للبهائيين الأساس الروحي والأخلاقي لعصر وصلت فيه البشرية إلى مرحلة النضج المشترك. وفيه طرح حضرة بهاء الله مجموعة من الأحكام والحدود والقوانين وأيضًا ذكر نصائح أخلاقية، وأشار إلى تأسيس مؤسسات ستعمل على إيجاد نظام عالمي مبني على مبادئ روحانية وأخلاقية.

 

        وفي هذا الكتاب الرئيسي أكدَّ حضرة بهاء الله على الهيمنة الإﻟﻬﻴﺔ باعتبار أنَّ الحق تبارك وتعالى هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

 

وإنَّه جلّت قدرته وخلال دهور وعصور مضت أرسل الأنبياء والرسل الذين جاءوا بالأحكام والقوانين والمبادئ التي كانت السبب في صنع الحضارة الإنسانية.

 

        ولهذا فإنَّ استقلالية الفرد وحريته ليست محدودة بما هو موجود في الطبيعة وبما يرثه عن الآخرين فحسب بل بما يعلو ويسمو على ذلك وهو الوجود الروحي. واليوم تشهد البشرية ظهور عصر العدالة الذي وعدت به في جميع الأديان والأدوار السالفة. ومن خلال الشقاء والمعاناة تأخذ شعوب العالم بالانتباه إلى مبدأ وحدة الجنس البشري وأهميته، وبذلك يستعدون لقبول هذا المبدأ والاعتماد والانقياد لعدالة ومحبة الله العلي القدير.

 

        إنَّ الكتاب الأقدس هو تعبير عن هذه العدالة الإﻟﻬﻴﺔ حيث تفضل حضرة بهاء الله بقوله المنيع: “والمقصود منها (أي العدالة) ظهور الاتحاد بين العباد(1)“. أمَّا المحبة والرأفة والتسامح فهي الصفات التي يجب أن تميز العنصر الإنساني في علاقاته مع الآخرين. ولكي تنمو وتزدهر هذه الصفات باعتبارها من سمات الحضارة يجب على كل فرد في المجتمع وعلى كل مجموعة أن تثق بالمعيار والمقياس المطبق على الجميع بالتساوي. فالأحكام والمفاهيم والمبادئ المذكورة في الكتاب الأقدس تهدف إلى إيجاد القاعدة الروحية لهذه الثقة من أجل إيجاد حياة مشتركة للجنس البشري.

 

        في مقدمة هذا الكتاب المنشور شرح بيت العدل الأعظم ما يلي:

 

        “وسيتبّين المتأمل في أحكام الكتاب ذاتها أنَّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: فمنها ما يحكم علاقة الأفراد بالله، ومنها ما ينتفع به الأفراد أنفسهم، ومنها ما يحكم الروابط بين الأفراد، وبينهم وبين المجتمع. ويمكن ترتيب هذه الأحكام في أربعة أبواب: باب العبادات، وباب الأحوال الشخصّية، وباب الوصايا والأوامر والنواهي، وباب النواسخ لأحكام سابقة”.

 

        أمَّا بالنسبة للغة التي نزل بها الكتاب الأقدس فقد جاء بالمقدمة أيضًا:

 

        “لقد أنزل الكتاب الأقدس كاملاً باللغة العربية، ولا يفوت القارئ ما ينطوي عليه اختيار حضرة بهاء الله اللسان العربي ليكـون لغة الصلاة التي أمر بها، ولغة تنزيل أمّ الكتاب لشريعته، ولغة أصول أحكامه التي ترسي قواعد نظم الحضارة العالمية المقبلة مع أنَّ العربية لم تكن لغة قومه. ورغم أنّ حضرته لم يتعلّمها على يد أحد، تشهد آثاره المباركة -وفي مقدمتها الكتاب الأقدس ذاته- على مدى تمكنّه منها، وهيمنته عليها، وضلاعته فيها. ولم يكتف حضرته بتملّك زمامها فحسب، بل جاء أسلوبه فيها متمّيزًا عن الجاري والمألوف بروحانية طابعه، ولفظه السلس، وبلاغته الممتنعة، دون أن يخلو من الإبداع والتجديد، وقد فضّل حضرته استعمال اللغة العربية في الكثرة الغالبة من آثاره، واستحسنها بوجه خاص في الألواح التي يقتضي عرض مطالبها الأساسية عمق المعنى ودقة التعبير، كما حبّذ اختيارها كلغة عالمية يتحدث بها البشر جميعًا”.

 

        إنَّ بحث هذا الموضوع يقع خارج إطار هذا التقرير الموجز. ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أنَّه تمَّ تطبيق جزء قليل نسبيًا من الأحكام

 

الأخلاقية والروحية حتى الآن على حياة الجامعة البهائية المعاصرة. كما تمّت الإشارة إلى أنَّ حضرة بهاء الله أكّد على مبدأ تتابع الظهورات الذي كان سائدًا عبر التاريخ حيث تم تطبيقه وبنفس الفكرة على مراحل تطبيق حدود وأحكام الشريعة بشكل تدريجي مثل مراحل ظهور فصل الربيع. أمَّا بالنسبة للذين يؤمنون بالرسول السماوي الجديد ويطبقون أحكامه وتعاليمه فإنَّهم يحاولون إيجاد فهم أوسع وأشمل لأهداف الظهور وأبعاد الإرادة الإﻟﻬﻴﺔ. وفي الدين البهائي فإنَّ بيت العدل الأعظم قد أكَّد في وثيقة “تلخيص وتدوين حدود وأحكام الكتاب الأقدس” بأنَّ هناك العديد من أحكام الكتاب الأقدس جاءت من أجل مجتمع سيظهر مستقبلاً نتيجة سلسلة من الأزمات والمعاناة التي تعصف بالجنس البشري في الوقت الحالي.

 

        بالنسبة للبهائيين فإنَّ ترجمة وطبع ونشر “الكتاب الأقدس” الذي طال انتظاره يمثل مرحلة جديدة من مراحل تكامل دعوة حضرة بهاء الله، وهي مرحلة تتزايد فيها أهمية الأحكام والحدود والتعاليم التي أتى بها مظهر الظهور الإﻟﻬﻲ. وأثناء الاحتفال بالذكرى المئوية لوفاة مشرِّع هذا الدين وتأسيس ميثاقه فإنَّ صدور الكتاب الأقدس أعطى زخمًا جديدًا لجذب الاهتمام إلى الشخصيـة التي تعتبر مصدرًا للعقيدة البهائية ومنبعًا للثقة بالمستقبل لأولئك الذين يؤمنون به.

* * *

        ومع حلول السنة المئوية اضطلع البهائيون في شتى بقاع العالم ببعد روحاني آخر أشير إليه في الأمر المبارك ويعتبر من الفرائض الروحانية وهو حكم حقوق الله(1) وقد تمَّ تعميمه ليشمل كافة الجامعات البهائية

 

في العالم وهو نوع من الالتزام المالي للسلطة الرئيسية للدين ووسيلة جيدة لتحقيق الأهداف البهائية على المستوى العالمي. وكما ذكر سابقًا فإنَّ تمويل أعمال الجامعات البهائية يتم بواسطة التبرعات الطوعية. حيث يقوم كل فرد بهائي وطبقًا لما يمليه عليه ضميره بتقديم التبرعات إلى الصناديق البهائية المختلفة. إنَّ جباية الأموال وهي من الأمور السائدة في العديد من الأوساط الدينية منعت في الدين البهائي. كما لا يجوز طلب التبرعات من الأفراد أو الضغط عليهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ولا تقبل التبرعات من الأفراد غير المسجلين ضمن الجامعة البهائية.

 

        وبالرغم من تلك القيود المفروضة، فإنَّ التقيد بها أثبت نجاحه في تلبية احتياجات الجامعات البهائية على المستويين المركزي والمحلي. وبالمثل يتبرع البهائيون في شتى أنحاء العالم إلى الصناديق العالمية البهائية. وفي هذا العصر الذي يحيط فيه الظلم والتفرقة كافة أركان الجنس البشري، أشار حضرة بهاء الله إلى أنَّ السلطة العالمية لدينه ستكون لديها كافة الوسائل المادية اللازمة لتحقيق أهدافها ومقاصدها متحررة من الاعتماد على المصادر المركزية والمحلية. ولهذا السبب وجهت جميع الأنظار إلى فريضة حقوق الله لتلبية الحاجة.

 

        يتم تحقيق هذا بتقوية أواصر الروابط الروحانية للأفراد بالسلطة المركزية للدين بواسطة أمور مادية ظاهرية. وبالنسبة إلى التشابه الذي أشار إليه حضرة بهاء الله بين “جسم البشرية” و”جسم الإنسان” يشرحه لنا حضرة عبد البهاء بالبيان التالي:

 

        “وفي قوس الصعود لمراتب الوجود كلما نظرت إلى مرتبة أعلى تشاهد أنَّ شئون حقيقة التعاون والتعاضد وآثارها في المرتبة العليا

 

أعظم من مرتبة ما دونها… وكلما توطّدت هذه الروابط وازدادت تقدمت الجامعة البشرية أكثر في طريق الترقي والسعادة بل إنَّ بدون هذه الشئون العظيمة يستحيل الفلاح والنجاح للجامعة الإنسانية. والآن لاحظوا فطالما هذا الأمر خطير وبهذه الدرجة من الأهمية بين الذين هم مظاهر الحقائق الكونية فكيف يجب أن يظهر التعاون والتعاضد بين جواهر الوجود المستظلة في ظل السدرة الربانية… لا شك أنَّه يجب التضحية ولو بالروح في سبيل بعضهم البعض وهذا هو أساس حقوق الله فهو يصرف في سبيل هذه الشئون وإلاَّ فالحق كان ولم يزل غنّيًا عما دونه(1)“.

 

        واليوم يعتبر ريع حقوق الله أحد مصادر الدخل الرئيسية لبيت العدل الأعظم والمركز البهائي العالمي. حيث يصرف جانب منه لترويج وتبليغ أمر حضرة بهاء الله وتطوير مؤسسات الدين العالمية، ومن جهة أخرى يصرف لتمويل برامج التنمية الدائمة الاتساع في شتى بقاع العالم.

 

        من مفهوم كلمة “حقوق الله” يصبح واضحًا بأنَّه ليس تبرعًا أو هبة وإنَّما يعتبره البهائيون حقًا من حقوق الله على كل فرد مؤمن أن يؤديه، ويُصرف من أجل منافع الجنس البشري. كما أنَّ أي دخل إضافي جديد للفرد يجب أداء حقوق الله له بعد خصم المصاريف.  إنَّ الصرف من صندوق حقوق الله يؤدي إلى تحقيق التوازن والعدالة فيما يتعلق بالأنشطة البهائية في الدول الفقيرة قياسًا بالدول الغنية. في الأصل يعتبر حقوق الله دعوة لكل مؤمن بأن يرد إلى الله العلي القدير ما

 

يعادل تسعة عشر بالمائة من صافي دخله بعد سداد مصاريفه المعيشية وديونه. أمَّا منزل السكن والأثاث والممتلكات الشخصية والعائلية فلا يطالها نصاب حقوق الله، وفيما يتعلق بتحديد مقدار المبلغ بالضبط وزمن دفعه وأية تفاصيل أخرى فقد تركت إلى ضمير ووجدان الأفراد لكي يقرروا بشأنه.

 

        وعلى الرغم من أنَّ حقوق الله تعتبر فرضًا وواجبًا روحيًا على الأفراد ولكن حضرة بهاء الله منع مطالبة الأفراد له أو لأي تبرع آخر، ولا يحق لأي فرد معرفة ما دفعه الآخرين للصناديق الأمرية (البهائية). إنَّ تطبيق هذا الحكم المبرم الإﻟﻬﻲ هو دليل على بلوغ الإنسان لسن الرشد الروحي. وحول هذا الموضوع يقول حضرة بهاء الله: “أداء الحقوق الإﻟﻬﻴﺔ فرض على الكل وأُنزل حكمه وثبت من القلم الأعلى في الكتاب ولكن لا يجوز الإظهار بها ولا الإصرار عليها أبدًا، كل من وُفّق على أدائها وسلمها بروح وريحان فهي مقبولة وإلاَّ فلا”.  وأضاف حضرته قائلاً: “أداء الحقوق الإﻟﻬﻴﺔ منوط بالاستطاعة وإذا لم يكن أحد قادرًا على أدائها إنَّه يعفو عنه وهو الغفار الكريم”. وبالانضمام إلى تلك المؤسسة الفريدة تطّهر أموال أفراد المؤمنين كما قال حضرة بهاء الله، وستوجه إيرادات حقوق الله مباشرة إلى المشاريع التي وضعها حضرته كأهداف لدينه، وهو التغيير الروحاني والمادي لحياة سكان الأرض.

 

        في هذه المرحلة الأولية من مراحل إجراء هذا الفرض الإﻟﻬﻲ والذي أصبح عنصرًا مألوفًا من عناصر الحياة الشخصية لمعظم الأفراد البهائيين فإنَّ تطبيقه يعني تعبيرًا عن الالتزام الروحي للإنسان مقابل طغيان الحياة المادية. أمَّا الآثار البعيدة لهذا الفرض الوجداني فهي باهرة ورائعة. تصور حضرة شوقي أفندي اليوم الذي فيه تقوم

 

المؤسسات البهائية تحت توجيه وهداية بيت العدل الأعظم، بإدارة مجموعة من المنظمات التنموية واستثمار الأموال من أجل تطبيق عملي لمبدأ العدالة الذي يعتبر جوهر دعوة حضرة بهاء الله. إنَّ المشاركة المباشرة من قبل كل فرد بهائي في أداء هذا الحكم المبرم الإﻟﻬﻲ هي عملية فوق تقديم التبرعات العادية وتعلو على بعض العائدات والتقاليد الموروثة وهي عملية جديدة تمثل نموذجًا جديدًا لتلبية الاحتياجات التنموية العالمية.

 

* * *

        وما جرى خلال السنة المقدسة من بث مباشر من خلال الأقمار الصناعية لوقائع المؤتمر العالمي في نيويورك ووصله بمؤتمرين متزامنين له في بوخارست وموسكو، يؤكد لنا أهمية حدوث تطور آخر خلال العقد الأخير من هذا القرن وهو تطور لم يكن يتصور وقوعه العديد من البهائيين خلال حياتهم، مما عمل بشكل مؤثر على إعادة إحياء الجامعات البهائية في مناطق روسيا وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقية التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وقبل الحرب العالمية الثانية تمَّ تأسيس جامعات بهائية صغيرة في غالبية دول أوروبا الشرقية من خلال الجهود التبليغية المكثفة للبهائيين الغربيين. وقد ظل بعضهم على قيد الحياة خلال فترة الاحتلال النازي والسيطرة السوفيتية. وفي الواقع خلال السنين التي سبقت الحرب تعتبر الملكة ماري ملكة رومانيا من النفوس المميزة التي روّجت رسالة حضرة بهاء الله على الصعيد العالمي. ففي عام 1920 آمنت الملكة ماري بالدين البهائي بواسطة المجاهدة الأمريكية المتجولة ومبلغة أمر الله ميس مارثا روت التي لقبها حضرة شوقي أفندي بفخر المبلغين والمبلغات.
قامت مارثا روت باتخاذ خطوات غير عادية في سبيل إثبات دعوة حضرة بهاء الله ونشر ذلك في العديد من الجرائد في العالم. جاء في أحد أقوال الملكة ماري في عام 1926 ما يلي:

 

        “إنَّها رسالة رائعة تلك التي جاء بها بهاء الله وابنه عبد البهاء… إنَّها تجديد لرسالة السيد المسيح وبنفس الكلمات تقريبًا كما أنَّها ملائمة للتغيرات التي حصلت خلال ألف سنة بل وأكثر حتى يومنا هذا… إنَّني أوصيكم بها وإن سمعتم اسم بهاء الله أو عبد البهاء فخذوا كل ما جاءوا به(1)“.

 

        لا توجد دولة في العالم -غير بلاد فارس- لها ارتباط وثيق بمطلع تاريخ الدين البهائي وبالأحرى في شخص مؤسسه مثل روسيا. فمن بين الدبلوماسيين الممثلين لعدة حكومات غربية الذين اعترضوا في عام 1850م على السلطان ناصر الدين شاه نتيجة للأعمال الوحشية التي جرت ضد البابيين الأبرياء هو سفير الحكومة الروسية الأمير دمتري دولكروكوف. أثنى حضرة بهاء الله على دولكروكوفDolgorukou  وأطرى عليه لأنَّه تدخل بشكل مباشر لإنقاذ حياته عندما واجه الموت في سجن سياه چال. وبعد عشرات السنين عندما كتب حضرة بهاء الله إلى قيصر روسيا ألكسندر الثاني أشار حضرته إلى هذه المبادرة الإنسانية وطمأن القيصر بأنَّ هذا الأمر سيكون بمثابة الكنز الروحاني لشعبه وأمته.

 

        وكما سبق الملاحظة بأنَّ علماء الروس يعتبرون من أوائل الذين أبدوا اهتمامهم بدراسة الدين البابي والبهائي وقد أشارت أعمالهم

 

المنشورة وجذبت الانتباه إلى الحوادث التي وقعت في بلاد فارس. ونظرًا لقرب روسيا من مهد الدين البهائي في بلاد فارس فإنَّ ذلك ساعد على تأسيس جامعات بهائية محلية في جنوب روسيا. في عام 1902 افتتح أول مشرق أذكار بهائي في العالم في مدينة عشق آباد بإقليم تركمنستان بحضور حاكم المنطقة وبتشجيع من الحكومة الروسية آنذاك. مما أعطى البهائيين الروس الفخر والمباهاة وفي الواقع تعتبر دولتهم من أوائل الدول التي تدخلت بشكل مباشر من أجل حماية الحقوق المدنية لأتباع دين أقاموا في ظل سلطتهم. وعندما قام المسلمون المتطرفون بقتل أحد البهائيين المشهورين في مدينة عشق آباد تدخلت السلطة الروسية ووضعت حدًا لهذا الاعتداء، وحكمت المحكمة المدنية بإعدام القتلة، ولكن طلبت الجالية البهائية المحلية هناك بتخفيف الحكم مما أدى إلى استبداله بالسجن.

 

        ومع انهيار الاتحاد السوفيتي الذي قمعت بعهده جميع الأنشطة البهائية بدأت المحافل الروحانية المحلية بالتأسيس والتكاثر في شتى أنحاء روسيا والجمهوريات المجاورة، ومع تعزيز واستحكام هذه الجامعات انتهى الأمر إلى تأسيس حوالي عشرين محفلاً روحانيًا مركزيًا جديدًا في هذه المنطقة من العالم. ويعتبر أيادي أمر الله السيد علي أكبر فروتن، وهو أحد ثلاث أيادي أمر الله مازالوا على قيد الحياة (أكتوبر 1999)، من الذين ولدوا وترعرعوا في روسيا، وقد قام وهو في سن السادسة والثمانين بزيارة موسكو بمناسبة انتخاب أول محفل روحاني مركزي لروسيا في إبريل (نيسان) من عام 1991م. واليوم تتوفر الآثار البهائية بأغلب لغات تلك المنطقة وتواصل المؤسسات البهائية جهودها الحثيثة من أجل الحصول على الاعتراف
المدني لها مثلما وفقت بكل نجاح في باقي مناطق العالم.

 

* * *

        يبدو أنَّه في العقد الأخير من هذا القرن أخذت الإنسانية تقترب بشكل أسرع إلى العلاج الذي وضعه حضرة بهاء الله لأمراض الجنس البشري. ففي سلسلة المؤتمرات العالمية التي عقدت تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة وفي بعضها التي سمّيت “بالقمة” لأنَّها عقدت بحضور رؤساء الدول والحكومات، في هذه المؤتمرات طرحت قضايا هامة عديدة تواجه المجتمع الإنساني مثل: احتياجات أطفال العالم والمشاكل البيئية وحقوق الإنسان والتكاثر السكاني وتطوير المساعدات وتقدم المرأة ومشاكل الإسكان. اهتمت وسائل الإعلام بهذه الأنشطة وشاركت عدة ألوف من المنظمات غير الحكومية بهذه الأحداث. كما شاركت الجامعة البهائية العالميةBahá’í  International Community بصورة مكثفة في غالبية هذه الوقائع.

 

        إنَّ رغبة زعماء العالم في الاهتمام بالقضايا التي وردت في صُلب رسالة حضرة  بهاء الله أعطت هذه المؤتمرات أهمية خاصة لدى البهائيين بغض النظر عن نتائجها الآنية. في واقع الأمر، على الرغم من ضعف الإرادة الدولية في التغيير وضعف بعض القرارات وعدم فعاليتها، فقد برهن نظام هيئة الأمم المتحدة وبعد مضي قرن واحد على وفاة حضرة بهاء الله على أنَّ المبادئ والتعاليم التي جاءت في رسالة حضرته تمثل أهمية عظمى للجنس البشري.  إنَّ العديد من هذه المبادئ والأفكار قد ذكرت في رسائله المرسلة في القرن التاسع عشر إلى الملوك والزعماء آنذاك مثل الملكة فكتوريا وويلهم الأول ملك بروسيا وقيصر روسيا والتي بدت حينها بعيدة المنال وصعبة التـحقيق.

 

        ومع انتهاء سلسلة اللقاءات في عام 1996م بات واضحًا بأنَّ الدين البهائي أصبح مدعوًا للكشف بصورة منتظمة أكثر عن مضامين تعاليم حضرة بهاء الله الخاصة بقضايا التغيير الاجتماعي بالإضافة إلى ترجمة هذه المضامين إلى لغة عالمية ومفهوم عصري. ونتيجة لذلك، ومع انتهاء عام 1996م، وافق بيت العدل الأعظم على اقتراح بإنشاء وكالة جديدة للجامعة البهائية العالمية أطلق عليها اسم “معهد دراسة الازدهار العالمي”. وقد صمم هذا المعهد لإيجاد قاعدة تفاهم مشترك بين العلماء والمتخصصين البهائيين من جهة ومع أقرانهم في العديد من المنظمات غير الحكومية والهيئات العلمية من جهة أخرى. وقد استند المعهد الجديد في أساس عمله على بيان “ازدهار الجنس البشري ورخاؤه” وهي الوثيقة التي أعدتها الجامعة البهائية العالمية عام 1995م لمجموعة مؤتمرات نظمت من قبل هيئة الأمم المتحدة.  تظهر هذه الوثيقة بكل وضوح وجهة نظر الدين البهائي حول الجهود الدولية المبذولة من أجل حل الصراعات والنزاعات التي تواجه البشرية مع نهاية القرن العشرين لذا فإنَّ محتوياتها تستحق كل الاهتمام والدراسة.

 

        جاء في افتتاحية الوثيقة أو الرسالة بأنَّه مع بروز الاتحاد العضوي لهذا الكوكب في القرن الحالي فإنَّ “تاريخ البشرية كشعب واحد قد بدأ”. هذه الحقيقة تدعو إلى “إعادة النظر للمفاهيم السائدة حول قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية”. هذا الموضوع يدعو إلى ضرورة تخلي البشرية عن أمرين غير صحيحين كانا السبب في تعطيل جميع الجهود المبذولة في سبيل إيجاد استراتيجية تنموية حقيقية مهما كانت النوايا صادقة ومهما صرف عليها من أموال. الأمر الأول هو التخلي عن النظرية المادية الدوغماتية التي أشارت إليها الوثيقة باعتبارها
السبب الرئيسي في تقويض إرادة غالبية شعوب الأرض. أمَّا الأمر الثاني فهو أنَّ غالبية أفراد البشر لا تستطيع أن تتحمل مسئولية اتخاذ قرار فيما يخص مستقبلها المشترك وإنَّما تعتقد أنَّ ذلك من شأن فئة قليلة من الناس، وهي التي جرفت البشرية إلى حافة الهاوية والدمار. تبحث الوثيقة هذين الأمرين بشكل جاد، وحول شيوع النظرية المادية تقول الرسالة:

 

        “قامت دعائم التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي عرفناها حتى الآن على اعتبارات مادية للحياة الإنسانية. أمَّا وقد قارب القرن العشرون على الإنتهاء فإنَّه يستحيل علينا اليوم أن نسترسل في اعتقادنا بأنَّ هذه التنمية قادرة على تلبية حاجات الإنسان فها قد تلاشت تلك التكهنات الملأى بالتفاؤل نحو التغيير وغارت في أعماق هوة فاغرة تتسع دوما لتفصل أقلية من بني البشر يتمتع أفرادها برغد العيش ويتناقصون نسبيًا عن أغلبية ساحقة من شعوب الأرض تطحنهم أضراس الجوع والفقر”.

 

        بالإشارة إلى الافتراض غير المعلن بأنَّ غالبية أفراد البشر يجب أن ينظر إليهم ليسوا مجرد متلقين للمساعدات من جهات خارجية فحسب وإنَّما يجب أن يساهموا ويكافحوا من أجل التنمية الدولية ويكونوا في المقدمة فإنَّ الوثيقة تشير إلى ما يلي:

 

        “مثل هذا الموقف يتجاهل ما يمكن أن يعد أهم ظاهرة عرفها وقتنا الحاضر. فإذا كان صحيحًا أنَّ حكومات العالم جادة في سعيها لتشييد نظام عالمي جديد عبر جهاز الأمم المتحدة. فيصدق القول أيضًا أنَّ هذه الرؤية قد حركت مشاعر الشعوب والأمم، وتجسد تجاوبهم هذا في انبعاث مفاجئ لعدد لا يحصى من حركات ومنظمات تدعو إلى

 

التغيير الاجتماعي وتنشط على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية… ولم يكن تجاوب شعوب العالم هذا إلا تلبية لحاجات العصر الملحة وصدى لما نادى به حضرة بهاء الله قبل ما يربو على قرن من الزمن حين أعلن قائلاً: “ركّزوا اهتماماتكم بمتطلبات العصر الذي تعيشونه واحصروا أفكاركم في مقتضياته”. ومن وجهة نظر التاريخ الحضاري للإنسان فقد طرأ تحول مفاجئ ومثير في الكيفية التي ينظر بها عدد غفير من البشـر عامة في التخطيط لمستقبل كوكبنا الذي نعيش عليه.

 

        إنَّ وثيقة “ازدهار الجنس البشري ورخاؤه” لا شك تعتبر مقدمة لسلسلة دراسات تحاول من خلالها الجامعة البهائية جاهدة تطبيق الحلول العلاجية التي وضعها حضرة بهاء الله للقضايا التي تواجه المجتمع الإنساني. كما تدعو الرسالة إلى أنَّ القدرات الذهنية للإنسان من الممكن بل يجب أن تصل إلى مستويات بعيدة عما وصلته حتى الآن. كما تلفت الوثيقة الانتباه إلى دور العلم، وأنَّ استراتيجية التنمية تعتبر هدفًا رئيسيًا لجموع البشر من كافة الثقافات والطبقات بهدف “الوصول إلى قاعدة متساوية لعمليتي العلم والتكنولوجيا واللتين هما من الحقوق المكتسبة للبشرية”. ونظرًا لأنَّ الحقيقة الروحية باختلاف أنواعها يتم إغفالها وإهمالها أثناء إعداد استراتيجية التنمية فقد تساءلت الوثيقة عن “الوزن الذي سيعطي لخبير ضليع مخلص في ظل مبدأ عالمي في المشاركة ينكر على المشاركين حقهم في التعبير عن خبراتهم و تجاربهم الحديثة”.

 

        أمَّا بالنسبة للقضايا الاقتصادية فإنَّ الوثيقة ترى بأنَّ هناك علاقة سببية بين تحرير المرأة و الحلول المطروحة للمشاكل الاقتصادية

 

العميقة. كما تدعو الوثيقة إلى تساوي فرص الجنسين في الحصول على الوظيفة المناسبة وحق الملكية والتعليم وإلى “إعادة التفكير جذريًا في الأمور الاقتصادية” والتي تتطلب الانتباه إلى فهم أعمق للعلاقات الإنسانية أثناء طرح القضايا الاقتصادية. إنَّ مثل هذا التغيير الجذري في التفكير -تقول الوثيقة- “الذي يرتكز على العموميات قبل الخصوصيات يجب أن يدخل بقوة في صميم الوعي الروحي والفكري والعلمي للجنس البشري قاطبة وفي ما منحتنا إياه ملايين السنين من خبرات أعدت النساء ليشاركن في المجهودات العامة مشاركة فعالة مثمرة”.

 

* * *

        طوال حقب التاريخ لعب كبار المعماريين دورًا رئيسيًا في حشد الموارد البشرية والالتزامات اللازمة لتنفيذ الأهداف الطموحة لعامة الشعب. ومنذ عهد الحضارة القديمة شعر المجتمع الإنساني بأهمية إقامة أبنية عظيمة وصروح مهيبة لتعبر عن أفكارهم ومشاعرهم الجياشة ولتكون أيضًا مقرًّا للسلطة التي أوجدوها. وقد تحقق هذا الأمر بالنسبة للحكومات المدنية وعلمًا بأنَّ هذه الظاهرة لم تكن محددة بالتعبير عن الشئون السياسية فقط. ومن هذا المنظور يمكن إدراك الأهمية التي أولاها مؤسسو الدين البهائي منذ قدومهم للأراضي المقدسة لتطوير مركز الدين العالمي. تحدث حضرة بهاء الله عن جبل الكرمل بعبارات عالية وتصور المؤسسات التي ستشّيد على سفح هذا الجبل المقدس والتي ستلعب دورًا هامًا في مسار وحدة بني الإنسان. فقد لقب حضرته هذا الجبل “بجبل الرب” وخاطبه بكلمات هي الآن مألوفة لدى البهائيين في العالم:

 

        “يا كرمل احمدي ربك قد كنت محترقة بنار الفراق إذا ماج بحر الوصال أمام وجهك بذلك قرَّت عينك وعين الوجود وابتسم ثغر الغيب والشهود طوبى لك بما جعلك الله في هذا اليوم مقر عرشه ومطلع آياته ومشرق بيِّناته… هذا يوم فيه بشر البحر والبر وأخبر بما يظهر من بعد من عنايات الله المكنونة المستورة عن العقول والأبصار سوف تجري سفينة الله عليك ويظهر أهل البهاء الذين ذكرهم في كتاب الأسماء…(1)“.

 

        يمتاز الدين البهائي بشيء هام عن بقية أديان العالم المستقلة وهو أنَّ مركزيه الروحي والإداري يقعان في مكان واحد على أراض واسعة تقع حول خليج حيفا في أرض الميعاد وتطل عليها مرتفعات جبل الكرمل من جهة البحر الجنوبية. أمَّا محور هذا كله فهو مقام حضرة بهاء الله في البهجة خارج مدينة عكاء القديمة في البقعة المباركة التي سجي فيها جثمان حضرة بهاء الله في عام 1892م. كما أنَّ هناك أماكن مقدسة أخرى لها علاقة بحياة الرموز المقدسة تمت حيازتها بهمة أعضاء الجامعة البهائية خلال سنين طويلة، وكما تم تجديد وترميم الأماكن التاريخية المتعددة مما زاد من متعة الألوف من الزائرين البهائيين الذين يأتون كل عام إلى أرض الأقدس لزيارة المركز العالمي لدينهم.

 

        وفي الجانب الآخر من الخليج وحول منحدرات جبل الكرمل يمكن مشاهدة مجموعة من أبنية تاريخية عظيمة ومثيرة وأيضًا شرفات واسعة ومياه متدفقة ونوافير وحدائق جميلة كلها تجذب سنويًا مئات الألوف من الزوار من شتى بقاع العالم. هذه الأبنية هي ذات تصميم معماري إغريقي كلاسيكي(2) ويغطيها رخام لامع وتزينها أعمدة

 

كورنثية الطراز شاهقة الارتفاع وتضم في مجموعها مقر بيت العدل الأعظم وأبنية أخرى هي مراكز إدارية للجامعة البهائية العالمية.

 

        وتطل على هذه المجموعة من جهة أخرى القبة الذهبية لمرقد حضرة الباب المبشر الأعظم بحضرة بهاء الله محاطًا بالحدائق الجميلة ومواجهًا لمدينة عكاء عبر الخليج.  وبالإشارة إلى قول مأثور جاء ذكره في الآثار المباركة بأنَّ دماء الشهداء هي التي تروي شجرة الأمر الإﻟﻬﻲ، كتب حضرة شوقي أفندي بأنَّ دماء الشهداء البابيين اليوم هي بذرة إيمان الأفراد وأساس مؤسسات النظام الاجتماعي الجديد، ولهذا ليس مستغربًا بأن يكون مقر المؤسسات العالمية لنظام حضرة بهاء الله يتألق حول المرقد المطهر للشخص الذي يعتبره البهائيون الشهيد الأعظم لدينهم. أمَّا رفات حضرة الباب فقد احتفظ به أتباعه بعد استشهاده وأوتي به من بلاد فارس إلى الأراضي المقدسة مع كل المخاطر والصعوبات التي صاحبته. في إحدى الزيارات التي قام بها حضرة بهاء الله إلى جبل الكرمل خلال العامين الاخيرين من حياته اختار بنفسه المكان الذي يجب أن يدفن فيه سلفه الجليل. وقام حضرة عبد البهاء بعد سنين معدودة ببناء مقر حجري بسيط ليكون مقرًا ومركزًا لمقام حضرة الباب. ونظرًا لأنَّ حضرة ولي أمر الله أكد على مبدأ أنَّ المشاريع الإنشائية البهائية يجب أن تبدأ عندما تتوفر الأموال اللازمة لها فإنَّ مشروع تشييد مقام حضرة الباب والمشاريع الأخرى الخاصة بمقر المؤسسات الإدارية أنجزت ببطء خلال عدة عقود من الزمن. فقد شيّد مبنى دار الآثار العالمية خلال حياة حضرة شوقي أفندي وانتهى في عام 1957م أمَّا مقر بيت العدل الأعظم الإﻟﻬﻲ فقد أنجز في عام

 

 

            =تاريخية في بحر الأبيض المتوسط ولأنه أيضا ، كما قال حضرته يبقى ثابتا وقويا عبر الزمن.

 

1983م. وفي عام 1987م أشار بيت العدل الأعظم بأنَّ الطريق الآن أصبح مفتوحًا لبناء الصروح الباقية لمجموعة الأبنية الإدارية. وفي الوقت ذاته وافق بيت العدل الأعظم على مشروع لبناء المدرجات الصخرية والرخامية التي رسمها حضرة شوقي أفندي في ذهنه، وهي عبارة عن تسع طبقات أو شرفات -كما تسمى أحيانًا- من الحدائق من أسفل الجبل حتى فناء المقام الأعلى وثمَّ هناك تسع طبقات أو مدرجات أخرى فوق المقام وحتى قمة جبل الكرمل.  وتقرر أن يكون الموعد المحدد للانتهاء من هذه الأعمال الضخمة مع نهاية هذا القرن.

 

        تزامنًا مع هذه المشاريع الإنشائية على جبل الكرمل قامت الجامعة البهائية بدفع فعالياتها التبليغية الطموحة إلى الأمام، وكما طرحت برامج في التنمية الاجتماعية والاقتصادية على المستوى العالمي. هذه المشاريع والبرامج دعت قاطبة البهائيين إلى التضحية بالمال سواء من الضعيف أو القوي ومن الفقير أو الغني. وما أظهره الأحباء من بذل للمال يدل على وعي عامة المؤمنين في كل مكان على أهمية ومغزى هذه المشاريع. وبالنسبة للمراقب المعاصر والمطلع على الخلفيات التاريخية فإنَّ مشاريع أبنية جبل الكرمل تضاهي الجهود العظيمة التي بذلت لبناء الكنائس والمساجد والمعابد عبر التاريخ.

 

        تصور حضرة عبد البهاء بكل ثقة ملامح ذلك اليوم الذي سيعم فيه التغيير والتجديد كافة أرجاء المنطقة. فقد قال حضرته بأنَّ مدينتي حيفا وعكاء اللتين تقعان على جانبي الخليج ستكونان في المستقبل مدينة واحدة وستكون هذه المدينة مقرًا لتأسيس مؤسسات عالمية هدفها تحسين أوضاع ورفع شأن الجنس البشري. وحول عظمة وجلال شرفات المقام الأعلى التي هي الآن في طور التشييد والبناء تحدث

 

حضرة شوقي أفندي برؤية ثاقبة عن التأثير الأخلاقي والسلوكي التدريجي للمركز البهائي العالمي على شئون العالم المختلفة. حيث قال حضرته في رسالته الموجهة إلى البهائيين في الدول الشرقية والمؤرخة نوروز 108 بديع (1951م) بما يلي:

 

        “فهذا الطريق الجليل الجميل الذي يمتد من المقام الأعلى إلى مدينة حيفا ويوازي أهم شارع من شوارع تلك المدينة المكرمة، والذي تزينه الأشجار والرياحين المختلفة وتنيره السرج المضيئة اللامعة، أصبح محط أنظار هذه الديار كما أنَّه سوف يكون موضع ابتهاج ولاة الأمور في هذه الأرض وافتخارهم، وسيصبح فيما بعد -بمقتضى إشارة مركز عهد الله- الطريق الملكي لملوك الأرض وسلاطينها يرقاه ذوو التيجان العظام والمحرمون لكعبة الرحمن، فبعد أن يصلوا إلى ساحل أرض المقصود ويتشرفوا بزيارة قبلة أهل البهاء ومطاف الملأ الأعلى ويطوفوا حولها في مرج عكاء يتوجهون إلى هذه المدينة المكرمة المشرفة ويصعدون جبل الكرمل وبكل شوق ووله وانجذاب يسرعون نحو هذا المقام المحمود ويقتربون عن طريق هذه الشرفات خاضعين خاشعين متذللين منكسرين من هذا المرقد المطهر المنور ثمَّ يلقون بتيجانهم على التراب لدى باب حرم الكبرياء ويقبّلون ترابه المسكي ساجدين قائلين لبيك لبيك يا علي الأعلى طائفين في رواق المقام يرتلون آيات لوح الكرمل الباهرات بغاية الانكسار والابتهال”.

 

        واليوم تعتبر مدينتا عكاء وحيفا -كما تصور حضرة عبد البهاء- بمثابة كتلة حضارية واحدة وتشاهد بالليل من ناحية البحر الأبيض المتوسط كأنَّها صفحة من نور تحيط بالخليج.  كما بادرت مجموعات

 

صغيرة تضم رؤساء حكومات وشخصيات بارزة ومؤثرة في الشئون الإنسانية بزيارة مدينة حيفا بهدف المشورة مع الهيئة العليا والسلطة الحاكمة لجامعة دينية أثبتت أنَّها تمثل وبكل قناعة القوى المكنونة والموحدة للرسالة التي أتى بها حضرة بهاء الله. وبغض النظر عما يحمله لنا المستقبل القريب من أحداث ووقائع فإنَّ كل ما قاله وجاء به مؤسسو هذا الدين لا يستبعد وقوعه بل تحقق بعضها بالفعل. وما كان لأي مراقب للأحداث التاريخية أن يتصور هذا التطور الكبير والواسع والعالمي لدين حضرة بهاء الله الذي نفته الحكومة العثمانية إلى مدينة عكاء النائية قبل أكثر من مائة وثلاثين سنة، هذا التطور الذي بني على الكلمات والبيانات الملهمة التي أتى بها حضرته وهو سجين مـنفي لم يكن باستطاعته آنذاك أن يغيث جوع و ظمأ حتى عائلته. ولا يمكن لأي مراقب منصف أن ينكر أو يستبعد بأنَّ هذه المشاريع التي بدأت يمكن لها أن تحقق باقي الأهداف والمرامي السامية التي جاء بها مؤسس هذا الدين.

 

* * *

        إنَّ السقوط والانحلال العالمي في شتى الميادين اللذين أشار إليهما حضرة بهاء الله يقابله من الجانب الآخر التقدم في المشاريع التي هي تحت التنفيذ. وعلى ضوء الأحداث التي تعصف بالعالم اليوم يبدو أنَّه من غير الإنصاف أن نقلل من شأن التحذيرات والإنذارات التي أشار إليها حضرته بالنسبة لما سيحدث خلال الأعوام المقبلة، فقد قال حضرة بهاء الله في هذا الصدد بأنَّ المعاناة والأزمات الاجتماعية المقبلة، والتي قد لا تتصورها البشرية اليوم ستؤدي في النهاية بشعوب العالم إلى ترك ونبذ جميع أنواع التعصبات والعداوات الموروثة من
أجل صالح الجميع ومن أجل حياة كريمة. وبالنسبة لتعزيز “السلام الأصغر” فقد رسم حضرة بهاء الله صورة عن اليوم الذي فيه تقوم جميع الحكومات في العالم مرغمة، وكنتيجة لعوامل خارجة عن إرادتها، بالتنازل عن مقدار كبير من سيادتها القومية من أجل الوصول إلى الأمن المشترك. ومن ثمَّ إن أرادت أي دولة أن تعتدي على دولة أخرى فسيكون من حق ومهمة المجتمع الدولي وقف المعتدي عند حده ونزع سلاحه وإقصاء مـن كان مسئولاً عن ذلك. يقول حضرة عبد البهاء:

 

        “عليهم (رؤساء الحكومات) أن يطرحوا أمر السلام على بساط المشورة العامة، وأن يسعوا بكل وسيلة متاحة لهم إلى تأسيس اتحاد يجمع دول العالم، وعليهم توقيع معاهدة ملزمة للجميع ووضع ميثاق بنوده محددة، سليمة، وحصينة وعليهم أن يعلنوا ذلك على العالم أجمع وأن يحرزوا موافقة الجنس البشري بأسره عليه… والمبدأ الأساسي لهذا الاتفاق الرصين يجب أن يكون محددًا بحيث إذا أقدمت أي حكومة فيما بعد على انتهاك أي بند من بنوده هبت في وجهها كل حكومات الأرض وفرضت عليها الخضوع التام لا بل إنَّ الجنس البشري كله يجب أن يعقد العزم بكل ما أوتي من قوة على دحر تلك الحكومة(1)“.

 

        أشار حضرة عبد البهاء بأنَّ السلام الأصغر سينبثق في نهاية هذا القرن (العشرين) نتيجة للجهود البشرية المشتركة. وإن تحقق هذا الأمر فإنَّ المؤرخين في المستقبل سيتتبعون عملية تأسيس هيئة الأمم المتحدة باعتبارها النواة لتحقيق الصلح الأصغر. إنَّ الأمم المتحدة قد

 

أعطت لمجلس الأمن سلطة المحافظة على الأمن والسلم الدوليين وهو الضعف الذي كانت تعاني منه عصبة الأمم. ومع مرور الوقت تم اختبار هذه السلطات والصلاحيات في مناطق الصراع المختلفة في العالم وتم التعبير عنه في صورة تدخل عسكري ضد أي شكل من أشكال العدوان الصارخ. وعلى الرغم من بعض القرارات غير المرضية، وعلى الرغم من نقص بعض أعمال الأمم المتحدة، فإنَّ هناك تحّولاً تاريخيًا ورئيسيًا أصبح قائمًا في علاقات الدول بعضها ببعض([59]).

 

        ومع أنَّ ذلك التحّول لا يزال بعيدًا عن الاتفاقية الدولية غير المشروطة التي أشار إليها حضرة بهاء الله والتي قال عنها: “بأنَّ التغيير الجوهري في مشاعر وضمير البشرية” هو الضامن الوحيد لإمكانية تحقيق ذلك. أمَّا المطّلعون على الأحداث التاريخية التي أعقبت الرسائل والإنذارات التي بعثها حضرة بهاء الله لملوك وسلاطين العالم في القرن التاسع عشر فإنَّه يلاحظ تحقق ما وصفه حضرته لأوضاع العالم والتي ستجر البشرية خلال السنوات الأولى من القرن القادم إلى مرحلة جديدة من مراحل تكامله. يقول حضرة بهاء الله: “تالله قد أتى اليوم الموعود يوم يغشيهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم وتقول ذوقوا ما كنتم تعملون(2)“. كما قال أيضًا:

 

        “إنَّ التمّدن الذي يذكره علماء عصر الصنايع والفضل لو يتجاوز حد الاعتدال لتراه نقمة على الناس كذلك يخبركم الخبير إنَّه يصير مبدأ الفساد في تجاوزه كما كان مبدأ الإصلاح في اعتداله تفكروا يا قوم ولا تكونوا من الهائمين، سوف تحترق المدن من ناره وينطق لسان العظمة الملك لله العزيز الحميد([60])”.

 

        وما هو لافت للنظر ما أكده حضرة بهاء الله بأنَّ البشرية ستجتاز هذه المرحلة من الاختبار الصعب لحياتها وتخرج منها نظيفة وطاهرة من المفارقات التاريخية للسلوك والعادات بل ستلتحم وتصبح شعبًا وأمـة واحدة وملتزمة بالمهمة العسيرة في إيجاد مجتمع عالمي مترابط. يقول حضرة بهاء الله: “إنَّ ربكم الرحمن يحب أن يرى من في الأكوان كنفس واحدة وهيكل واحد أن اغتنموا فضل الله ورحمته في تلك الأيام التي ما رأت عين الإبداع شبهها طوبى لمن نبذ ما عنده ابتغاء لما عند الله نشهد أنَّه من الفائزين(2)“. كمـا قال أيضًا: “اليوم هو يوم الفضل الأعظم والفيض الأكبر، وعلى الجميع أن يجدوا الراحة والاطمئنان بتمام الاتحاد والاتفاق في ظل سدرة العناية الإﻟﻬﻴﺔ… فلسوف يرفع بساط هذا العالم ليحلّ محلّه بساط آخر(3)“.

 

        وأخيرًا يجب أن يقال بأنَّ الدعوة التي أتى بها حضرة بهاء الله تخاطب عقل وفؤاد الأفراد مثلما الحال في جميع الرسالات السماوية التي ظهرت عبر التاريخ. قال حضرة بهاء الله في الكتاب الأقدس: “هذا دين الله من قبل ومن بعد”. إنَّها تدعو الأفراد إلى إيجاد علاقات

 

أوثق وأعمق مع الخالق سبحانه وتعالى، علاقات تتناسب مع الجنس البشري الذي دخل مرحلة النضج. إنَّ جميع القضايا الروحية التي تكافح من أجلها الإنسانية مثل هدف الحياة والبحث عن الذات وتنمية قدرات الأفراد قد ذكرت في هذه الفقرة التي جاءت على لسان حضرة بهاء الله:

 

        “ولكن يا أخي إنَّ الشخص المجاهد الذي أراد أن يخطو بقدم الطلب والسلوك في سبيل معرفة سلطان القدم يجب عليه في بداية الأمر أن يجعل القلب الذي هو محل ظهور تجلي الأسرار الغيبية الإﻟﻬﻴﺔ، مطهرًا ومنزهًا عن كل غبرة مظلمة من غبار العلوم الإكتسابية وإشارات المظاهر الشيطانية ويجعل الصدر الذي هو سرير ورود وجلوس محبة المحبوب الأزلي لطيفًا ونظيفًا وكذلك يقدس القلب عن كل ما يتعلق بالماء والطين يعني أن يجعله مقدسًا عن جميع النقوش الشبحية والصور الظلية… وإذا ما أوقد في القلب سراج الطلب والمجاهدة والذوق والشوق والعشق والوله والجذب والحب وهبّ نسيم المحبة من شطر الأحدية تزول ظلمة ظلال الشك والريب وتحيط أنوار العلم واليقين بكل أركان الوجود. ففي ذلك الحين يطلع البشير المعنوي كالصبح الصادق من المدينة الإﻟﻬﻴﺔ بالبشارة الروحانية ويستيقظ القلب والنفس والروح من نوم الغفلة… وأما تلك المدينة فهي الكتب الإﻟﻬﻴﺔ في كل عهد(1)“.

 

 

الخاتمة

تحديات النجاح

 

        في مقدمة الكتاب ذكرنا وجهة نظر المستشرق البريطاني البروفيسور إدوارد براون الذي يعتبر من أوائل المستشرقين الغربيين الذين أخذوا على عواتقهم دراسة الدين البهائي في بلاد فارس في القرن التاسع عشر، أعرب براون عن إيقانه الشخصي بأنَّ هذا الدين الرضيع ربما يكون بداية دين عالمي جديد. وقد بدا له بأنَّ ذلك قد يعتبر فرصة ثمينة للعلماء والباحثين لدراسة كيفية تأسيس وتكوين دين جديد. وكنتيجة لأبحاثه الابتدائية كرّس إدوارد براون الكثير من وقته خلال الثلاثة عقود التالية لدراسة تاريخ وتأسيس الدين البهائي، كما كتب بعض المقالات الانتقادية ونشـر بعض الآثار البابية والبهائية المترجمة إلى اللغة الإنجليزية.

 

        هذه الجهود لم تقدّرها عالميًا تلك النفوس التي عاصرت براون آنذاك. وعلى الرغم من أنَّ أعماله جذبت انتباه بعض زملائه، إلاَّ أنَّ الآخرين قالوا عنه أنَّ اهتمامه كان أكثر مما يستحقه الأمر الذي رأوا أنَّه لم يكن سوى حركة إصلاح داخل الدين الإسلامي. ندد أحد الكتاب بالدراسات البهائية التي قام بها إدوارد براون وذكر ذلك في إحدى الجرائد العلمية المعروفة باسم The Oxford Magazine  (مجلة

 

أكسفورد) ووصفها بأنَّها “انتهاك صارخ للمنظور التاريخي(1)“.

 

        إنَّ تاريخ فترة المائة عام التي أعقبت دراسات إدوارد براون حول الدين البهائي أثبتت صحة حكمه الأوّلي. فقد بدأ نظام ديني مستقل يأخذ له شكلاً محددًا ويتواجد في كل بقعة من بقاع العالم بخطى ثابتة ولو أنَّها بطيئـة. إنَّه نظام مميز نشأ في بيئة إسلامية المنظومة مميزة. وليس غريبًا أن نجد المفكرين المعاصرين المهتمين بمقارنة الأديان مثل المؤرخ أرنولد توينبي Arnold Toynbe يعتبر الدين البهائي أحد أديان العالم المستقلة مثل المسيحية والإسلام. كما عبّر عنه بنفس الاتجاه، ولكن بأسلوب آخر، مسئولون في الدول الإسلامية. في بداية عام 1925م أصدرت المحكمة الشرعية السنية في ببا بمصر الحكم التالي: “إنَّ البهائية دين جديد قائم بذاته… فلا يقال للبهائي مسلم ولا العكس كما لا يقال للبوذي أو البرهمي أو المسيحي مسلم ولا العكس(2)“.

 

        يؤمن البهائيون بأنَّ دينهم الجديد المستقل هذا له القدرة والقابلية على أن يوحّد شعوب وقبائل العالم وسيعمل في المستقبل البعيد على إيجاد حضارة عالمية. إنَّهم واثقون من ذلك وعلى الأخص عندما يتجاوب أعضاء الجامعة للامتحانات والاختبارات الناتجة عن نجاحهم وتوفيقهم. أمَّا الامتحان في المفهوم البهائي فهو بحاجة إلى اهتمام خاص.

 

         قال حضرة بهاء الله بأنَّ الامتحانات هي ضرورية لنمو الإنسان.

 

وإن لم نتعرض للامتحان والاختبار كما يقول حضرة عبد البهاء فإنَّ القوى والطاقات الكامنة فينا والتي هي من المواهب الطبيعية المتأصلة في الجنس البشري لن تنمو أو تتطور. قال حضرته: “لولا الامتحان لما امتاز الذهب الإبريز من المغشوش ولولا الامتحان لما تميز الشجاع من الجبان ولولا الامتحان لما امتاز أهل الوفاء من أهل الجفاء([61])”.

 

        هذا المفهوم يطبق أيضًا على تطوير الجامعة البهائية ذاتها حيث قال حضرة شوقي أفندي: “والواقع أنَّ تاريخ السنوات المائة الأولى يتحلل إلى سلسلة من الأزمات الداخلية والخارجية التي تختلف في شدتها ومدتها وتتفق في آثارها المدمرة المباشرة إلاَّ أنَّ كل أزمة منها كانت تطلق بصورة غيبية مقدارًا ملائمًا من القوة الإﻟﻬﻴﺔ التي تدفعه من جديد إلى التقدم  والتفتح. وكان هذا التفتح الجديد يولد بدوره كارثة أعظم يتلوها انطلاق مقدار أكبر من العناية الإﻟﻬﻴﺔ تمكن أتباعه من أن يتقدموا إلى شوط أبعد ويحققوا له انتصارات أشد وقعًا وإلزامًا(2)”.

 

        ولهذا يكون من المفيد تدارك الأنواع الجديدة من الامتحانات التي أخذت تواجه الدين البهائي اليوم باعتباره دينًا متمكنًا وسريع النمو. إنَّ التحديات الرئيسية التي تواجه الجامعة البهائية عبارة عن:

 

                        1) المحافظة على جامعة متحدة.

                        2) الوصول إلى مشاركة عالمية.

 

                        3) مواجهة المعارضة المتزايدة .

                        4) تأسيس نمط من الحياة البهائية يكون نموذجًا يحتذى به للحضارة العالمية المنبثقة.

 

        من العنايات الإﻟﻬﻴﺔ التي اختصّت بها الجامعة البهائية هي وحدّتها واتحادها. كما أنَّ المساعدة على تأليف وتوحيد الجنس البشري تعتبر من الأهداف الرئيسية للجامعة البهائية.  وفي عصر ازداد فيه الشك والريبة، فإنَّ أعظم ما يمّيز الدين البهائي هو أنَّ بعد مضي قرن واحد من ظهوره استطاع أن يعبر هذه المرحلة بأمان دون أن يعتريه التمزّق والانقسام وحافظ على وحدة أتباعه وهو ما يميّزه عن باقي أديان العالم الأخرى، إذ لا يوجد دين رئيسي يتصف بنفس الصفات والخصائص والميزات التي جاءت في البهائية(1). ومن الملاحظ أن جميع الأديان السماوية بل وحتى الوضعية اعتراها التشعب والانقسام منذ مراحلها الأولى وهذا التمزق امتد ليشمل المذاهب والطوائف التي انشعبت عنها أيضًا.

 

        أمَّا بالنسبة لأديان العالم الأولية فإنَّ المشكلة أقل خطورة. حيث طغت القضايا والمسائل الأخرى الأكثر أهمية على اهتمامات وطاقات المؤمنين. أمَّا بالنسبة للدين البهائي فإنَّ الوحدة والاتحاد هي السمة المميزة للدعوة التي هي سماوية في الأصل. ولقد ندّد حضرة بهاء

 

الله بشدة بكل محاولة تهدف إلى إيجاد الفرقة أو التحزب في الجامعة([62])، علمًا بأنَّه لا توجد هناك مذاهب أو فرق في الدين البهائي سواء في شكل حركة تحريرية أو أرثودكس أو مذهب تجديدي. أمَّا اختلاف وجهات النظر فهو من الأمور الطبيعية الشخصية شريطة أن لا يؤدي إلى الانقسام والتحّزب. وبناء عليه فإنَّ البهائيين في جميع بقاع العالم يعتبرون أعضاء في جامعة عضوية متحدة واحدة.

 

        وما يحصل الآن هو أنَّ دائرة الدين أخذت في الاتساع بشكل سريع في شتى أرجاء العالم لتضم في عضويتها أفرادًا من مختلف الطبقات والثقافات. هل يمكن لهذه الجامعة أن تحافظ على نفس الدرجة من الوحدة عندما تكون بعض الجامعات الإقليمية فيها متقدمة على الأخرى في مجال تطبيق بعض التعاليم البهائية في البيئة الاجتماعية بينما تظل هذه الجامعة لعدة عقود من الزمن متخلفة عن الآخرين فيما

 

يخص بالمصادر المتاحة لها وقدراتها الإدارية؟ نحن نعيش اليوم في عصر تعمّه الضغوط السياسية، هل تستطيع الجامعات البهائية في الدول التي مزقتها المخاصمات العرقية والثقافية أن تستمر في النمو عن طريق احتضانها للعديد من شعوب هذه الدول ذوي الخلفيات المتنوعة؟ إنَّ سلطة بيت العدل الأعظم هامة جدًا لوحدة الجامعة البهائية. هل يستطيع هذا الدين أن يحافظ على الضوابط والمبادئ البهائية في جامعة هي خليطة من كافة الطبقات والأجناس وسريعة النمو في عصر انحدرت فيه القيم الاجتماعية بشكل واسع؟ ولهذا السبب هل تستطيع الجامعة البهائية أن تحافظ على وحدة العقيدة مع الأخذ بعين الاعتبار تفاسير وتبيينات الرموز المقدسة الأساسية في الظهور البهائي بما فيهم ولي أمر الله حضرة شوقي أفندي(1)؟

 

        فمن جهة تعتبر الجامعة البهائية اليوم في وضع أفضل بكثير من الماضي في مواجهة هذه التحّديات ولا يمكن لأي شخص لديه الفهم والوعي المعقول للتعاليم والتاريخ البهائي أن يشكك في مقام بيت العدل الأعظم الإﻟﻬﻲ باعتباره السلطة التشريعية الوحيدة للجامعة

 

البهائية. إنَّ الوثائق والمستندات الخاصة بهذا الموضوع كاملة وتم نشرها بشكل واسع ويشارك كل أفراد الجامعة كل حسب موقعه في انتخاب هذه المؤسسة حسب الشروط والضوابط التي وضعها حضرة بهاء الله. ويقوم بيت العدل الأعظم بتوجيه وهداية وتطوير الجامعة البهائية العالمية من خلال خطط تبليغية عالمية متعاقبة والتي تقوم فيها جميع الهيئات والمنظمات بتنفيذ الأدوار المحددة لها من قبل بيت العدل الأعظم.

 

        إنَّ أي محاولة للاعتداء أو الأذى قد يتعرض له الدين في هذه المرحلة من تاريخه قد يكون سببه التوسع السريع للجامعة البهائية والأوضاع غير المستقرة في العالم. خلال السنوات الحالية انضمت إلى الجامعة البهائية عدة ألوف من المؤمنين الجدد وأنَّ هذا العدد في تزايد مطّرد. وهو أمر محقق وعلى الأخص في دول العالم الثالث. إنَّ الجزء الأكبر من الجامعة البهائية العالمية مكوّن من أعضاء جدد احتضنوا الأمر المبارك نتيجة لإيمانهم بحضرة بهاء الله باعتباره المبعوث السماوي لهذا العصر وأيضًا نتيجة لانجذابهم لروح المحبة والوحدة العملية السائدة في المجتمع البهائي.

 

        إنَّ الكثير من هؤلاء المؤمنين الجدد هم أميّون أي لا يعرفون القراءة والكتابة وبالتالي فإنَّ استحكام وتمكين الجامعة النامية يعتمد بدرجة كبيرة على سلسلة من الاتصالات ورحلات البهائيين إلى تلك المناطق التـي تزداد تعقيدًا نتيجة لأحداث العـالم المتلاحقة. تنبأ حضرة عبد البهاء وحضرة شوقي أفندي بأنَّه سيأتي الوقت الذي ستنقطع فيه الاتصالات مع المركز العالمي نتيجة للاضطرابات الاجتماعية بشكل عام وتدهور الأوضاع (مثلما حدث أثناء الحرب العالمية الأولى
والثانية) وقد يحدث ذلك بين الحين والآخر وقد تطول لمدة من الزمن. هل يمكن للنظام الإداري البهائي الرضيع أن يحافظ على وحدة العقيدة والعمل -كما هو الآن- خلال تلك الفترة؟

 

        يؤمن البهائيون بأنَّ الجواب هو “نعم” لأنَّ عهد وميثاق حضرة بهاء الله ضامن وحدة جامعته كما كان الحال خلال السنين الماضية المتعاقبة. بالطبع للمؤسسات البهائية السلطة اللازمة لسحب العضوية من أي شخص أو مجموعة أشخاص يحاولون إيجاد التفرقة والانقسام في الجالية بعد أن يتم توجيه النصائح والإنذارات لهم. وعلى أي حال هناك أمر واحد واضح وهو أنَّ الجامعة البهائية أخذت تتجه نحو مرحلة من التطور يمكن أن تتعرض وحدتها لضغوط حادة.

 

        التحدي الآخر الذي يواجه الجامعة اليوم هو تأمين مشاركة جموع أفرادها في فعاليات تخدم مصلحة الدين. ولأول وهلة يبدو أنَّه من الصعب أن يشغل هذا الموضوع جميع أعضاء الجامعة فردًا فردًا ذلك لأنَّ الجامعة البهائية تتكون من أفراد عاديين دون رجال دين، وما يميزها انشغال كافة أعضاء الجامعة من الشريف إلى الوضيع في إدارة شئونها وتحقيق مصالحها.

 

        هذه الميزة لا تعتبر على أي حال سمة إضافية لحياة الجامعة البهائية بل ضرورية لنموها وحياتها. إنَّ “المنطق الوجودي” Raison Detre للدين البهائي هو بناء نوع جديد للمجتمع القادر على أن يصبح نموذجًا لحضارة عالمية، وهو أمر محقق النجاح على الأقل في نظر مؤسس الدين وأتباعه فقط عندما تسلك الجامعة الطريق القويم نحو تحقيق هذه المهّمة. هذا التقـدم يعتمد على تسخير الموارد البشرية والمصادر المادية المتعددة من أجل هذا الغرض. وبالنسبة لجامعة صغيرة نسبيًا

 

فإنَّ الحصول على هذه الموارد والمصادر يعتمد على رغبة جميع أو غالبية أعضاء الجامعة في المشاركة الفعالة لبرامجها. لا شك بأنَّ بيت العدل الأعظم أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار عندما أشار إلى “المشاركة العالمية” كأحد الهدفين من أولى خططه العالمية التي طرحت في أبريل من عام 1964م أي بعد سنة واحدة من تأسيسه(1). توضيحًا لهذا الموضوع جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم ما يلي:

 

        “… إنَّ مشاركة كل فرد أمر في غاية الأهمية وهي مصدر للقوة والأهمية غير المعلومة لنا الآن… وإن قام كل فرد مؤمن بتنفيذ هذه المهام المقدسة فإنَّنا سنندهش من القوة المضاعفة التي ستظهر للجسم كله والتي بدورها ستؤدي إلى نمو أكبر وإلى شمول عنايات أعظم لكافة أركان الجامعة. إنَّ السر الحقيقـي الكامن في المشاركة العالمية يكمن في رغبـة حضرة عبد البهاء المتكررة بأنَّ على الأحباء أن يكنوا كل محبة وعشق لبعضهم البعض وأن يتعاونوا مع بعض ويكونوا كنفس واحدة في جسم واحد وبالتالي يصبح الجسم حقيقيًا وعضويًا وصحيًا ومنتعشًا ومنيرًا بالروح(2)“.

 

        كان لهذا النداء تطبيقات واضحة في حياة الجامعة البهائية في العالم الغربي. في جامعات أكثر حداثة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا والمحيط الهادي التي دخلها الأمر الإﻟﻬﻲ بواسطة ثلة من المهاجرين والمبلغين من إيران وأمريكا الشمالية فإنَّ الدعوة لمشاركة عالمية كانت لها أبعاد أخرى. ففي هذه المناطق يكون التحدي الذي يواجه غالبية أعضاء الجامعة البهائية وهم من سكان تلك المناطق

 

الأصليين هو تحملهم عبء المسئولية الكاملة في إدارة شئون الأمر المبارك وتنمية ذلك بما يتفق والبيئة الثقافية لدولهم.

 

        إنَّ الجامعة البهائية بصورة عامة قد تقدمت بشكل ملحوظ في هذا الاتجاه. فالصور الفوتوغرافية لأعضاء المحافل الروحانية المركزية لبعض هذه المناطق والدول (في الواقع حتى من بعض الشعوب الأوروبية الصغيرة) تبيّن نسبة عالية من المهاجرين ولكن هذا الأمر تغير الآن تمامًا. فغالبية الجامعات المركزية في العالم يدير شئونها سكانها الأصليون وما تبقى من أعضائها هم مجموعة قليلة. وعلى أي حال، إنَّ إدارة شئون وشجون الجامعة البهائية هي الخطوة الأولى. إنَّ التحدي الذي يواجه السكان الأصليين لهذه الجامعات البهائية الكبيرة الآن هو تحمل المسئولية الكاملة في تحقيق وإنجاز العديد من الأنشطة المذكورة في الخطط العالمية المطروحة من قبل بيت العدل الأعظم كتأسيس المدارس والمراكز وتنظيم مشاريع التنمية الاقتصادية وأيضًا إيجاد روابط وثيقة مع السلطات الحكومية على جميع المستويات.

 

        وليس هناك من تحدٍّ يواجه المشاركين أعظم من موضوع نشر رسالة حضرة    بهاء الله. وعلى الرغم من أنَّ معدل نمو العضوية في الجامعة يبدو أنَّه جيد مقارنة بباقي الأديان، ولكن إلى أن تقبل الجموع الغفيرة من سكان العالم دعوة حضرة بهاء الله فهناك حاجة إلى بعض الوقت. والسبب في ذلك واضح وهو أنَّ هناك قلة من البهائيين يصرفون وقتهم في تبليغ دينهم وقد يكون مرجع ذلك هو عدم جواز الضغط على النفوس لقبول الأمر الإﻟﻬﻲ وهو مبدأ قد تحاول بعض النفوس تعدّيه وتجاوزه. الواقع أنَّ العديد من البهائيين قد وفقوا ونجحوا في أمر التبليغ دون أن يتجاوزوا هذا المبدأ. وعلى أي حال،

 

يبدو واضحًا أنَّ علاج هذه القضية يتم بمشاركة أوسع من قبل الجميع في أمر التبليغ.

 

        باختصار، إنَّ الوضع الحالي يفتح المجال أمام مشاركة متزايدة ونشطة من قبل ألوف البهائيين الذين ما زالوا غير نشيطين في الجامعة. هل سيتحقق هذا الأمر؟ أم أنَّ الضغوط والعوامل السياسية والاقتصادية ستحول دون استخدام المؤمنين لطاقاتهم وإمكاناتهم في تنفيذ البرامج والخطط البهائية كما حدث لأعضاء عدد من المنظمات الدينية الأخرى؟ وهل يستطيع السكان الأصليون للجامعات المركزية كبيرة الحجم أن يتكّيفوا مع نموذج الحياة البهائية الذي جاء مع جموع المهاجرين بحيث يلّبي احتياجات منطقتهم، وفي نفس الوقت يظلون مخلصين للتعاليم والمبادئ البهائية؟ وهل يستطيع هؤلاء أن يقدموا الموارد البشرية التي تحتاجها الجامعة البهائية العالمية احتياجًا شديدًا من أجل تنفيذ برامجها الطموحة؟

 

        هذه التحديات التي نوقشت سابقًا هي نوع من الحوافز الإيجابية التي بواسطتها تزدهر وتنجح هذه الجامعة ذات الوضع الصحي الطبيعي. أما التحدّيات الأخرى فهي أقل أهمية. هناك نفوس تعارض بشدة توسع الدين البهائي وفي بعض الحالات عازمة على سحقه ومحوه. بصورة عامة لا يرغب البهائيون في بحث هذا الموضوع ولكنه موضوع أشير إليه بقوة في آثارهم المقدسة. ومثال على ذلك يقول حضرة شوقي أفندي:

 

        “إنَّ الاضطراب العالمي الراهن قد أطلق من عقاله قوى أخلّت إخلالاً خطيرًا بالموازين الاجتماعية والدينية السياسية والاقتصادية في نظام المجتمع الإنساني. ولم يكن من الممكن الاعتقاد بأنَّ هذا

 

الاضطراب في بداياته لن تكون له نتائج سلبية بالنسبة لمؤسسات دين يافع طريّ العود، هذا الدين الذي يمكن لتعاليمه ومبادئه أن يكون لها آثار حيوية ومباشرة على كل هذه المجالات الإنسانية في الحياة والسلوك. فليس العجب إذًا أن يجد البهائيون أنفسهم وسط دوامة من العواطف المتضاربة والتيارات المتناحرة وقد كبلت حرياتهم، وسفهت معتقداتهم، وهوجمت مؤسساتهم، وشوهت مقاصدهم، وهددت سلطتهم، ورفضت دعوتهم(1)“.

 

        إنَّ هذا الهجوم بأي شكل كان، قد استمر طيلة فترة من عمر هذا الدين اليافع والذي امتد عبر أكثر من مائة وخمسين سنة. وفي السنين الأخيرة أخذ هذا الهجوم يزداد وينمو بشكل جاد مما يستدعي الحاجة إلى تجاوب موحّد وفعال من جانب الجامعة البهائية العالمية. وفي بعض الدول الإسلامية أصبحت المعارضة في شكل حملات مكشوفة من الاضطهاد والتنكيل، وفي إيران وهي مهد ظهور هذا الدين، كانت النتيجة معاناة إنسانية بشكل واسع.

        إنَّ الذنب الرئيسي للبهائية من وجهة نظر علماء الشيعة المسلمين هو وجود هذا الدين. حيث يعتقد علماء الإسلام الأصوليون بأنَّ محمدًا عليه السلام هو آخر المرسلين من جانب الحق تبارك وتعالى وأنَّ الإسلام هو آخر الأديان السماوية للجنس البشري. على ضوء ذلك وبشكل أدقّ فإنَّه يستحيل لأي دين جديد أن يظهر إلى حّيز الوجود. ولكن هؤلاء اضطروا أن يتعاملوا مع الحقيقة بأنَّ الدين البهائي له وجود وأنَّه يتّسع وينمو بسرعة ولهذا اتّهم المسلمون الأصوليون وعلى

 

الأخص شيعـة إيران الدين البهائـي بأنَّه “بدعة” و”حـركة سياسية” أو “مؤامرة ضد الإسلام” وأنَّ القضـاء على هذا الدين هو نوع من الخدمة للحق تبارك وتعالى.

 

        أثناء حكم الشاه في إيران وتجاوبًا مع ضغوط رجال الدين لم يحصل الدين البهائي على الاعتراف المدني له من قبل السلطات كما هو حال الأقليات الدينية الثلاث الأخرى وهي اليهودية والمسيحية والزردشتية. ونظرًا لأنَّ الحقوق المدنية في إيران تعتمد على الاعتراف الرسمي الممنوح للدين فإنَّ ذلك يعني أنَّ أكثر من ثلاثمائة ألف بهائي – وهذا العدد يزيد عن كافة الأقليات الدينية الأخرى- لا يتمتعون بحماية القوانين المدنية.

 

        نتيجة لذلك أصبح البهائيون في معرض لأية مضايقات أو اضطهادات من قبل الغالبية المسلمة، حيث تعرضت المقابر البهائية للانتهاك من قبل الرعاع من أفراد الشعب، وأهين الطلاب البهائيون في مدارسهم وسمّوا “بالبابي القذر”، وحرم البهائيون من الوظائف في عدة فروع من الخدمة المدنية كما ضرب العديد منهم واغتصبوا بل وقتلوا في عدة مواقع عندما ثار المتعصبون ضدهم بتحريض من رجال الدين الشيعة. ومن أجل تحويل الأنظار عن القضايا السياسية والاقتصادية كان نظام الشاه في بعض الأحيان يقوم بإشعال نار الفتنة ضد البهائيين ويقدّمهم كبش فداء. وفي عام 1955م كان هناك اضطهاد منظّم ضد البهائيين مما استدعى تدخل هيئة الأمم المتحدة آنذاك(1).

 

وبعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران في عام 1979م أصبح الوضع أكثر سوءًا([63]) حيث تمت مصادرة الأملاك البهائية تحت إشراف رجال الدين الشيعة الذين أصبحوا في السلطة وانتهكت حرمة المقدسات البهائية ودمّر جزء كبير منها كما أزيلت المقابر البهائية بالجرافات وعزل البهائيون من وظائفهم وألغيت معاشاتهم التقاعدية وصودرت أموالهم وطرد الطلبة من المدارس في شتى أنحاء إيران. أمَّا دستور الدولة الإسلامي الجديد الذي وضع في خريف عام 1979م فقد حرم البهائيين من أي نوع من الحقوق المدنية بل وتعدى الحرمان ما كان مذكورًا في الدستور الملكي السابق.

 

        وفي صيف عام 1980م بدأت لجان الثورة بالقبض على أعضاء المحافل الروحانية المحلية والمركزية بالإضافة إلى بعض النفوس البارزة وأصدرت أحكامًا وصلت إلى حد الإعدام. وعلى الرغم من أنَّ ممثل النظام خارج إيران أعلن بأنَّ هذه الإعدامات هي “لجواسيس”

 

ولكن صحيفة الاتهام أشارت بأنَّ التهمة ترجع إلى اعتناق البهائية والعضوية في الجامعة البهائية وهي الجرائم التي أدينوا بسببها، وقد عرض عليهم الرجوع إلى الإسلام مقابل الإفراج عنهم. ونقلت الجرائد والصحف الإيرانية الحكومية أنباء هذه الإعدامات والاضطهادات الأخرى ضد البهائيين واعتبرت ذلك وسيلة لقمع وسحق هذه الحركة(1). وأخيرًا في شهر آب (أغسطس) من عام 1983م أعلنت الحكومية الإسلامية رسميًا عن حظر ومنع المؤسسات التعليمية والخيرية والدينية البهائية في إيران. وتنفيذًا للمبدأ البهائي بإطاعة الحكومة قام المحفل الروحاني المركزي للبهائيين في إيران بحلّ جميع المحافل الروحانية المحلية ومن ثمَّ أعلن عن حلّ نفسه أيضًا. وعلى الرغم من هذا الإذعان، بدأت السلطات بسجن كافة أعضاء المحافل المنحلة باعتبار أنَّ قرار الحل له أثر رجعي. وقد استمع الكونغرس الأمريكي إلى شهادة قوية بأنَّ السجناء البهائيين تم تعذيبهم بشكل منظم من أجل إجبارهم على إنكار دينهم والاعتراف بأنَّهم جواسيس.

 

        أمَّا تجاوب البهائيين لهذا الهجوم فكان له شكلين. فعندما فشلت جميع المناشدات المتكررة لدى السلطات الحكومية تركزت الجهود على المستوى الدولي من أجل التدخل والمساعدة. بداية وفي صيف عام 1980م أصدر البرلمان الكندي بالإجماع قرارًا بالتنديد بهذه

 

الأعمال الوحشية ومن ثمَّ بدأت عدة حكومات بالضغط على إيران من أجل وقف حملة الإرهاب هذه. كما أصدر البرلمان الأوروبي في خريف عام 1980 قرارًا حول هذا الموضوع ومن ثمَّ عقدت منظمات الأمم المتحدة سلسلة من الجلسات لسماع مختلف الشهادات حول اضطهاد البهائيين في إيران انتهت إلى مجموعة من القرارات. أحد هذه القرارات صدر في شهر مارس (آذار) من عام 1984م والذي بموجبه فوّض السكرتير العام للأمم المتحدة بالبحث والتحري حول هذا الأمر. أمَّا الكونغرس الأمريكي فقد ندّد مرتين بشدة اضطهاد وتعذيب البهائيين.

 

        إنَّ الضغوط الدولية تتزايد كل سنة مؤدية إلى تنديد متزايد للنظام الإيراني في وسائل الإعلام وانتقادات حادة صدرت من مندوبي منظمات الأمم المتحدة. وفي عام 1994م يبدو أنَّ السلطات الرئيسية في طهران توصلت إلى نتيجة مفادها بأنَّ انتهاك حقوق البهائيين بدأ يكلفهم كثيرًا من الناحية السياسية والاقتصادية، ولذا انخفضت بشكل حاد عمليات إعدام أعضاء الجامعة وسجنهم ولكن المضايقات اليومية ما زالت مستمرة. ويبدو أنَّ النظام لم يغير من سياسته الأصلية ففي عام 1993 كشف ممثل الأمم المتحدة الخاص السيد/ رينالدو جاليندو للجنة حقوق الإنسان عن وثيقة سرية إيرانية حكومية تشير إلى برنامج منظّم بهدف خنق وقمع الأقلية البهائية بشكل لا يثير الانتباه العالمي.

 

        وما يلفت النظر في قضية الأقلية البهائية الإيرانية هو كشفها لمدى فاعلية نظام حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. فلجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة وعلى الرغم من ثقل عملها وبطئه فإنَّ القرارات والتوصيات التي تصدرها تسهم في عزل حكومة غير متعاونة
عن العالم بل وتعرض السياسة الخارجية لتلك الحكومة واقتصادها إلى سلسلة من العواقب الوخيمة.

 

        وعلى المدى الطويل فإنَّ نتيجة الأعمال ستنعكس على الجامعات البهائيـة الإيرانية ذاتها. وعلى الرغم من هجوم علماء الدين فإنَّ البهائيين الإيرانيين استطاعوا المحافظة على موقفهم الثابت من احترامهم للإسلام. فالإدعاء بأنَّ دينهم مناهض للإسلام أضحى غير صحيح. فقد أشاروا بأنَّ الأشخاص عندما يصبحون بهائيين فإنَّ العديد منهم من الخلفيات المسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية في الواقع يؤمنون ويقبلون الدين الإسلامي باعتباره دينًا سماويًا وأنَّ رسوله منزل من عند الله العلي القدير.

 

        كما شهد الجميع بأنَّ الجامعة البهائية تحترم مبدأها الخاص بإطاعة الحكومة والبعد عن الأحزاب السياسية. وعلى الرغم من أنَّ البهائيين هم أكثر الأقليات اضطهادًا في إيران المعاصرة فإنَّهم رفضوا الاشتراك في العديد من الانتفاضات المدنية التي دعا إليها الخصوم السياسيون للحكومة الإسلامية الإيرانية بهدف إسقاط هذه الحكومة. وفي الواقع رفضت الجامعة البهائية في إيران خلال السنة الأولى من بدء الاضطهاد طلب التدخل الدولي لحمايتها على أمل إعطاء الفرصة للنظام من أجل وقف حملات الاضطهاد والتعذيب ضدها. هذه السياسة التي يعتقد البهائيون أنَّها ستحميهم على الأمد الطويل كانت قد اتبعت أثناء حكم الشاه.

 

        من ناحية موضوعية بحتة يمكن القول بأنَّ المحنة المعاصرة التي يمرّ بها البهائيون في إيران لها فوائد هامة للدين على الرغم من فداحة الثمن. إنَّ الجهود الدولية التي بذلت لتخفيف معاناة البهائيين

 

استلزمت الاتصال بالمسئولين الحكوميين والأكاديميين ووسائل الإعلام وعامة الشعب في مناطق عديدة من العالم وتعريفهم بطبيعة الدين البهائي وأهدافه وتعاليمه. فمن طبيعة المواضيع التي طرحت برزت السمة التقدمية والسلمية للجامعة البهائية. أمَّا بالنسبة للبهائيين خارج إيران فقد نهضوا جميعا متّحدين في الدفاع عن إخوانهم المؤمنين ضد الهجمات الوحشية والفجائية التي تعرضوا لها مما أدى ذلك دون شك إلى تعزيز شـأن الدين ورفع مكانته. وفوق كل ذلك فإنَّ القدرة البطولية والتضحية التي ظهرت من الأحباء الإيرانيين كانت دلالة قاطعة على وجود قوة روحانية جوهرية كامنة في هذا الدين. مرة أخرى تحقق المثل القديم القائل: “إنَّ دماء الشهداء هي بذور الدين” ولكن هذه المرة كان كل ذلك أمام عدسات التلفزيون في العالم.

 

        إنَّ اضطهاد البهائيين لم يكن محصورًا في المجتمعات الإسلامية فحسب بل واجه البهائيون عداء من الأنظمة الاستبدادية أيضًا. ففي ألمانيا النازية تم حظر البهائية بصورة رسمية ومنع نشاطها. والسبب الرئيسي لذلك يرجع إلى تعاليم البهائية الخاصة بوحدة الجنس البشري. وفي الدول الشيوعية كان القمع تقريبًا شاملاً وكاملاً. فالنظرية الماركسية التي تنكر وجود الله ووجود الروح والتي تعتبر التاريخ الاجتماعي للجنس البشري مبني على الفلسفة المادية لا تعير للدين البهائي أي اهتمام. وفي علم وصف الكون عند ماركس فإنَّ ظهورًا إﻟﻬﻴﺎ جديدًا لا يعني شيء. وفي الاتحاد السوفيتي السابق ألقي القبض على العديد من البهائيين وأبعدوا إلى سيبيريا وحلّت المحافل الروحانية وصودرت الكتب والسجلات والمحفوظات وحظر النشاط التبليغي. كما استولت السلطات على مبنى مشرق الأذكار في عشق

 

آباد وهو أول معبد بهائي في العالم واستخدمته مركزًا حكوميًا(1). إنَّ درجة القمع والإخماد تتفاوت من دولة شيوعية إلى أخرى ولكن في جميع الأحيان وضعت قيود شديدة على الجامعة البهائية التي تواجدت في هذه الدول(2).

 

        ومع سقوط جدار برلين تغيرت الأوضاع بشكل سريع ومثير في دول الكتلة الشرقية شملت جميع جوانب الحياة. ومنذ عام 1990م تمَّ تأسيس عدة محافل روحانية مركزية جديدة في تلك المناطق من العالم كما تزايدت أعداد المحافل الروحانية المحلية وطرحت عدة برامج فعالة من أجل ترجمة وطبع الآثار البهائية وجعلها متاحة بلغات متعددة.

 

        وأخيرًا تحمّل الدين البهائي هجومًا مستمرًا من عدة ممثلين لطوائف مسيحية وعلى الأخص من جماعات التبشير(3). فالفعاليات التبشيرية تكون عادة غير مثمرة وعقيمة في المناطق الإسلامية والشرق الأوسط. أشار المستشرق البريطاني إدوارد براون قبل أكثر من سبعين سنة بأنَّ عددًا من المبشرين المسيحيين الذين أقروا بفشل جهودهم أظهروا عن استياءهم من النجاح الذي حققه المبلّغون البهائيون الذين

 

يعملون في نفس المنطقة. وقد ازداد هذا العداء عندما أخذ الدين البهائي يتقدم ويتسع بشكل كبير في الدول الغربية وأيضًا بين الأشخاص من ذوي الخلفية المسيحية. أمَّا رد فعل المبشرين المسيحيين فكان انضمامهم إلى نظرائهم المسلمين في الهجوم بشكل عنيف عن طريق نشر المطبوعات التي تهاجم البهائية وأهدافها وتعاليمها. إنَّ الدين الذي تعرض للاضطهاد بصورة وحشية في الشرق وجد نفسه الآن يتعرض إلى تشويه وتحريف كبير لتاريخه وتعاليمه في الغرب وإلى جهود مبذولة لإظهاره بأنَّه معاد للمسيحية(1).

 

        إنَّ الهجوم المنظم على البهائية بواسطة الكنائس المسيحية أصبح شديدًا بالذات في ألمانيا. ففي عام 1953م تقدمت الجامعة البهائية في ألمانيا بطلب للحصول على قطعة أرض في مدينة فرانكفورت من أجل بناء أول مشرق أذكار (معبد) بهائي في القارة الأوروبية. شنت الكنائس البروتستانتية سلسلة من الاعتراضات وانضمت إليها السلطات الكاثوليكية المحلية مما أدى إلى صراع امتد لمدة ست سنوات استطاعت في النهاية الجامعة البهائية أن تحصل على الأرض وعلى الرخصة ببناء المعبد.

 

        وأخيرًا تبين بأنَّ المعارضة والعداء لا يكون غير مجد فحسب وإنَّما

 

مثمـرًا وبنّاء أيضًا. ففي عام 1959م تم الحصول على رخصة البناء للمخطط المعماري الذي أعده وصممه وفاز به المهندس المعماري تيتو روشولي Teuto Rocholi وفي عام 1963م شارك عدة ألوف من البهائيين الأوروبيين في مراسم الافتتاح الرسمي للمعبد. وليس عجيبًا أنَّ المعارضة المكشوفة من الخصوم كان له الأثر في كتابة العديد من المقالات الصحفية وبث البرامج الإذاعية التي ناصرت وأيدت الجامعة البهائية والتي أدّت في النهاية إلى نشر تعاليم ومبادئ الدين البهائي وطبيعتها بشكل واسع لم يسبق له مثيل في شتى أرجاء ألمانيا.

 

        وفي عام 1981م قام الدكتور كيرت هوتنKurt Hutten  وهو مشرف وكالة إعلان بروتستانتية اسمهاEvangelische Zentralstelle für Weltanschauungsfragen  وكاتب لعدة مقالات ضد الأمر المبارك، قام باستغلال مقال كتبه شخص بهائي يدعى فراسيسكو فيسيشياFrancesco Ficicchia  ولكنه طرد فيما بعد من الجامعة البهائية لأنَّه كان يسعى إلى تشويه سمعة الدين بشكل علني. وعلى الرغم من أنَّ مقال السيد فيسيشيا كان يضمر سوء نية ومصلحة ذاتية، وعلى الرغم من أنَّ كاتب المقال كان يفتقد الخلفية العلمية اللازمة فإنَّ وكالة الإعلان قامت بطباعة نسخ منه ووزعته بشكل واسع واعتبر جزءًا من سلسلة أبحاث علمية.

 

        وأخيرًا أخذ ثلاثة من البهائيين المطلعين الألمان على عاتقهم المسئولية الشاقة في الرد على هذا الهجوم العنيف والتشويه للحقيقة الذي استرسله الكتاب. وفي الكتاب الذي قامت بطبعه هيئة طبع مستقلة اسمهاOlms Verlag  جاء الجواب في أكثر من ستمائة صفحة مليئة بالتفاصيل والمستندات والأعمال التي قامت بها الجامعة البهائية.

 

وبالنسبة للأزمة التي تفاعلت حول بناء مشرق الأذكار فإنَّ المنشورات التي هاجمت البهائية يبدو أنَّها أفادته أكثر مما أضرت به، وأنَّ الإنجاز الذي تحقق في فترة وجيزة ما كان يمكن للبهائيين تحقيقه لعـدة سنوات. هذا البحث لفت نظر العلماء الألمان إلى المواضيع الأساسية والمصادر الرئيسية للتاريخ البهائي وأصوله ومعتقداته وشكك بصورة كبيرة في مصداقية أولئك الذين حاولوا تشويه صورته دون مبرر.

 

        كما وقعت مؤخرًا أزمة في منطقة أخرى من ألمانيا مما عزز وضع الجامعة البهائية فيها. ففي منطقة توبنجنTubingen  رفض المسئول القانوني لمحكمة المنطقة تسجيل المحفل الروحاني المحلي بسبب أنَّ نظام الانتخابات البهائي الذي يمر بثلاث مراحل يتعارض مع القوانين الألمانية. استأنف المحفل الروحاني المركزي لألمانيا هذا القرار لدى المحكمة الدستورية الفدرالية العليا. جاء في الحكم المميز الذي صدر من هذه المحكمة بأنَّ النظام الإداري البهائي هو جزء لا يتجزأ من الدين نفسه وبالتالي غير خاضع للقيود القانونية المذكورة.

 

        وهكذا ففي الأرض التي حاول فيها المعارضون المسيحيون بذر الشكوك حول وضع هذا الدين باعتباره دينًا رسميًا ومعترفًا به، فإنَّ كلمات القاضي في حيثيات الحكم المذكور لها أهمية خاصة حيث قال: “في هذه القضية ليس من الضروري أن نتعمق أكثر من ذلك حيث أنَّ السمعة الطيبة للدين البهائي كدين وميزات الجامعة البهائية كجامعة دينية هي واضحة ومشهودة سواء في الحياة اليومية الفعلية أم في الأعراف الثقافية أم في مفهوم عامة الشعب وعلم مقارنة الأديان(1)“.

 

وعلى الرغم من البهجة التي أحاطت الجامعة البهائية في ألمانيا نتيجة هذه الانتصارات فإنَّ الحملة المضادة التي شنّت على دينهم بواسطة المنظمات الكنائسية تدل على عمق العداء الذي قد يتحّول إلى أشكال أخرى في المستقبل.

 

        إنَّ المعارضة تدل على التحدي الذي قد يأخذ أشكالاً وأبعادًا جديدة مع اتساع نطاق الجامعة البهائية ولفت أنظار العموم إليها. إنَّ الروح المعنوية التي يواجه بها البهائيون هذه الهجمات الجديدة وتجاوبهم مع القضايا المتعددة سيكون له الأثر الكبير على تركيز الانتباه العالمي على دينهم كما يؤثر على نوعية الحياة التي سيعيشونها داخل جامعتهم.

 

        إنَّ المحافظة على الوحدة والاتحاد والتجاوب مع المعارضة والعداء ومشاركة أكبر قدر ممكن من الأعضاء في أعمال توسعة الجامعة لا يعد كافيًا في حد ذاته لتحقيق أهداف ومقاصد حضرة بهاء الله. كما لا نستطيع بكل هذا أن نقنع البشرية بشكل عام بأنَّ البهائية لديها الأجوبة لمستقبل الإنسانية. ولكن يمكن لكل ذلك أن يقع إذا شاهد الآخرون في هذا العصر المليء بالشكوك المتزايدة بأنَّ كل ذلك مطبق لدى البهائيين فعلاً وأنَّهم يعيشون الحياة الجديدة والجذابة التي يدعونها. يقول حضرة شوقي أفندي:

 

        “هناك شيء واحد وشيء واحد فقط يمكن له أن يحرز النصر المؤزر لهذا الأمر المقدس وهو مدى إمكانية أن تعكس حياتنا الداخلية وصفاتنا الشخصية بمظاهرها المختلفة عظمة وجلال المبادئ السامية التي أعلنها حضرة بهاء الله([64])“.

 

هناك شكوك طفيفة من أنَّ النموذج البهائي قد يكون البديل الجذاب لما هو متواجد ويفرض نفسه اليوم في المجتمع المعاصر. ومنذ أيامه الأولى فإنَّ سمات وميزات أعضاء الجامعة البهائية كان محل إعجاب وتقدير وثناء المراقبين. للمستشرق البريطاني إدوارد براون الملاحظة التالية التي قالها في نهاية القرن التاسع عشر:

 

        “طالما سمعت من المبشرين المسيحيين عن النجاح الباهر الذي يحققه المبلغون البابيون أو البهائيون بعكس جهودهم التي يغلب عليها الفشل… إنَّ الجواب كما يتبادر للذهن واضح مثل الشمس في رابعة النهار. (ثمَّ يذكر بعض وجهات النظر الانتقادية للطائفية والتحزب الموجود في المسيحية)…… وبالنسبة للمراقب الغربي فإنَّ الإخلاص والتفاني التام من جانب البابيين وشجاعتهم الفائقة وعدم خوفهم من الموت وتحّمل الأذى في سبيل عقيدتهم وإيمانهم الراسخ بحقانية دينهم وسلوكهم الحسن تجاه البشرية وبالذات تجاه إخوانهم المؤمنين كل ذلك يمثل دلائل قوية في سبيل لفت انتباه الآخرين”.

 

        أما المراقبون المعاصرون فإنَّهم يطرون على الجامعة البهائية أيضًا. فالشواهد العملية تدل على الامتزاج العرقي والجنسي في الجامعة والبعد تمامًا عن انتقاد أو إثارة جدل حول الأديان الأخرى، ونظافة الدين من الفضائح المالية والأخلاقية التي تصاحب عادة الحركات الدينية المعاصرة، ونشر الدين بيسر وسهولة دون أي ضغوط والسمعة الحسنة التي اكتسبتها الجامعة في حسن الضيافة والوفادة. كل ذلك أدى إلى وضع قاعدة وسيعة من الاحترام لهذه الجامعة.

 

        ومرة أخرى نقول بأنَّ الأزمات المتزايدة في الشئون الإنسانية اليوم تمثل نوعًا من التحدي لما تدعيه الجامعة البهائية بأنَّها النموذج لإيجاد

 

التغيير الجوهري في المجتمع. في الدول الغربية فإنَّ الشعب يراقب لكي يرى، مثلاً، هل حياة العائلة البهائية تمثل بداية جديدة، وهل التعاليم الأخلاقية التي جاء بها حضرة بهاء الله انعكست فعلاً على حياة وسلوكيات الجيل الجديد الصاعد من الشباب والأطفال البهائي؟ وفي قارة أفريقيا ما زالت الطائفية القبلية تعيق جهود الحركات الدينية والسياسية التي تسعى لإيجاد هوية مشتركة يدور حولها نوع جديد من المجتمع. هل أبدت الجامعات البهائية في هذه الدول استعدادها لمواجهة هذا التحدي؟ وفي العديد من الثقافات الآسيوية، وعلى الرغم من برامج التعليم المنظمة فيها، تظل المرأة بشكل رئيسي في وضع دوني من الناحية الاجتماعية وهو الوضع الذي احتلته لعدة قرون من الزمن. وبالرغم من أنَّ الجامعات البهائية قد خطت خطوات واسعة لتغيير هذا الوضع، هل يمكن لتعاليم حضرة بهاء الله الخاصة بتساوي حقوق الرجل والمرأة أن تنفّذ في هذه الجامعات وبالتالي تعطي فرصة للمرأة البهائية أن يكون لها دور في تغيير وتجديد المجتمع طبقًا لما رسمه حضرته لهم؟

 

        وفي النهاية هل تستطيع الجامعة البهائية أن تطبق مبادئها وتعاليمها لحل المشاكل الاقتصادية التي تشل وتعيق الحياة الاجتماعية والروحية للجنس البشري؟ وفي عدة دول من العالم الثالث هناك مناطق أصبح فيها البهائيون الأكثرية بالنسبة للسكان المحليين، وأصبحت المحافل المحلية فيها تواجه هذا التحدي. في المؤتمر العالمي الذي عقد عام 1983م لانتخاب بيت العدل الأعظم أعلن وقتها عن تأسيس مكتب جديد خاص بالتنمية الاجتماعية  والاقتصادية. وتمَّ تشجيع الجامعات البهائية (على مستوى قاعدة الجامعة) للشروع في طرح مشاريع تنموية

 

اجتماعية واقتصادية لها علاقة بالمبادئ والتعاليم البهائية. ومنحت الجامعة البهائية جائزة لإصدارها المجلة الدورية باسمOne Country  نظرًا لتغطيتها هذه الأنشطة بصورة دورية. وتصدر هذه المجلة باللغات الإنجليزية والفرنسية والأسبانية والصينية والروسية والألمانية ولديها قرّاء متعددون في الأوساط غير الحكومية. وبات واضحًا بأنَّ الجامعة أصبحت في معرض أن تستقي وتتعلم من مبادئها وتطبقها في الشئون الاقتصادية بدلاً من عرض أفكار نظرية بحتة. هذه الجهود والفعاليات ستكون من ميزات وخصائص الحياة البهائية والتي ستؤدي إلى تفحّص وتدقيق الآخرين لها خلال السنوات الصعبة القادمة.

 

        هذه التحديات ستمتحن بسالة البهائيين وشغفهم بشكل كبير خلال السنوات القادمة من نهاية القرن العشرين. وعلى الأخص سيكون البهائيون في معرض اختبارهم للقدرات الكامنة في الجامعة البهائية العالمية باعتبارها نموذجًا اجتماعيًا جديدًا. خلال هذه السنوات سيكون لأتباع حضرة بهاء الله متّسعًا من الوقت للتأمل ملّيًا في العبارة التالية التي صدرت من مؤسس دينهم والتي تبيّن وجوه الاختلاف بين رسالته والرسالات السماوية السابقة:

 

        “إنَّه (المسيح) قال تعاليا لأجعلكما صيادي الإنسان واليوم نقول تعالوا لنجعلكم علة حياة العالم(1)“.

 

 

ملحق

إدوارد كرانفيل براون

 

        إنَّ اسم إدوارد كرانفيل براونEdward Granville Browne  له مكانة خاصة في تاريخ القرن الأول للدين البهائي. أثناء دراسته للطب في جامعة كمبردج في الثمانينيات من عام 1880م أعجب براون بعمل دراسات وأبحاث حول تاريخ وأدب بلاد فارس. وهذا بدوره أدى إلى البحث والتحقيق حول الحركة البابية التي تعرّف عليها بداية من الدراسات المؤثرة التي قام بها جوزف آرثر دو غوبينو في كتابهLes Religions et les Philosophies dans l`Asie Centrale قام براون برحلة إلى بلاد فارس خلال عامي 1887 – 1888 ومن ثمَّ أخذ على عاتقه ترجمة الآثار الرئيسية لحضرة الباب وحضرة بهاء الله وأعد مجموعة من الدراسات والأبحاث في هذا الخصوص. وقد تمَّ نشر عدة أبحاث له تحت رعاية الجمعية الملكية الآسيويةRoyal Asiatic Society .

 

        وفي نهاية الأبحاث التي قام بها براون زار فلسطين في عام 1890م وكان له الشرف بزيارة حضرة بهاء الله أربع مرات وكان ذلك قبل وفاة بهاء الله بسنتين. على الرغم من ذكاء ومثالية براون فقد انجذب بشدة إلى الحكايات البطولية لهذا الدين الجديد. يمكن قراءة مشاعره في ترجمتـه لكتاب حضرة عبد البهاء “مقالة سائح” إلى الإنجليزية والمقال

 

الطويل بعنـوان “البابية” الذي كتبه ونشر في كتاب  Religions of the World (أديان العالم).

 

        مع مرور الوقت ولسوء الحظ اختلطت أعمال وأبحاث إدوارد براون مع الشئون السياسية التي سادت عهد الملكة فيكتوريا. ونظرًا لإعجاب براون بالشعب الفارسي فقد كان يأمل بأن يرى هذا الشعب بعيدًا عن الجهل والاستبداد اللذين تحكّما به في ظل حكم رجال الدين الشيعة وسلسلة آل قاجار. ونتيجة لذلك أصبح مدافعًا ومناديًا عّما يسمى “بالحركة الدستورية” في بلاد فارس(1). كما جمع براون تبرعات لهذه الحركة في أوروبا وتحدَّث باسمها وأصبح منزله في كمبردج محطة انتقال للفرس المنفيين. إنَّ طموحاته السياسية المتحررة قد اشتدت بالأفكار الوطنية، أمَّا أتباع الحركة الدستورية فقد كان ينظر إليهم في الأوساط البريطانية الاستعمارية بأنَّهم حلفاء طبيعيون ضد قياصرة الروس الذين كانوا يدعمون آل قاجار.

 

        ونظرًا لأنَّ إدوارد براون كان يؤمن بأنَّ الجامعة البهائية (أو الجامعة البابية كما كان يسمّيها دومًا) كانت أكثر القوى المتماسكة والمتطورة في بلاد فارس، فقد كان ينظر إليها على أنَّها الرائدة في إيجاد التغيير السياسي والاجتماعي في ذلك البلد. وبخلاف توقعاته الشديدة رفض البهائيون بأن ينجرّوا إلى الصراعات القومية أو الدولية. والسبب في ذلك هو طبيعة رسالة حضرة بهاء الله السماوية التي مهّد لها حضرة الباب الطريق ورفض حضرته مقارنة رسالته العالمية بالأحزاب

 

السياسية السائدة آنذاك. أمَّا عدم موافقة براون على ما جاء به حضرة بهاء الله حول مبدأ وحدة الجنس البشري فقد كان واضحًا وجليًا من الفقرة التالية التي قالها:

 

        “إنَّ البهائية -من وجهة نظري- عالمية جدًا في أهدافها ومراميها لدرجة أنَّها لا تصلح لتعديل الحياة السياسية في بلاد فارس. يقول حضرة بهاء الله: “ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم. إنَّ هذه الجملة جميلة ولكن ما يحتاجه بلاد فارس الآن هو رجال يحّبون وطنهم فوق كل شيء(1)“.

 

        وفي الواقع كان هناك حفنة بسيطة من البابيين كانوا على استعداد بل تشجعوا بأنَّ يلعبوا الدور السياسي الذي رسمه براون لهم. إنَّهم الأزليون الذين كانوا عندها قد تخلوا عن زعيمهم الميرزا يحيى المنفي في قبرص والذي تحّول فجأة إلى مفكر سياسي وصحفي وعميل سرّيّ(2). هؤلاء الحفنة من البابيين دخلوا في حوار صريح مع براون وأصبحوا -كما قال براون عنهم– أكثر النفوس ثقة بالتعاون. وقام هؤلاء الذين كانت لهم تطلعات وطموحات سياسية واعترض عليهم حضرة بهاء الله من انتمائهم إلى الدعوة البابية، قاموا بإعداد وتهيئة مستندات تاريخية وأعطوها إلى براون الذي استند عليها في

 

أبحاثه ودراساته([65]).

 

        ولكن أثر هذه المستندات كان سلبيًا من وجهة النظر العلمية. فالحوادث الصاخبة التي قام بها الأزليون لم تكن ذات أهمية في التاريخ البهائي، أمَّا ما اعتمد عليه براون في أبحاثه فقد ثبت أنَّه غير حقيقي وزائف(2). ومن المؤسف أنَّ براون أعطى أهمية إلى وثيقة غريبة زعم أنَّه اكتشفها في عام 1892م بين أوراق الكونت دو غوبينو وقام بنشرها بعنوان رمزي باسم “كتاب نقطة الكاف”. إنَّ القصة الكاملة لهذا الكتاب هي خارج حدود هذه الأسطر ولكن الموضوع يستحق نظرة مختصرة نظرًا للأثر الذي تركه اهتمام براون بهذا الموضوع في تضليل بعض الدراسات البهائية التي أجريت بعد ذلك.

 

        يبدو أنَّ كتاب “نقطة الكاف” عبارة عن تاريخ الدعوة البابية. وقد نسب براون تحرير هذا الكتاب إلى أحد الشهداء البابيين وهو الحاج ميرزا جاني الذي استشهد قبل أربعين سنة أي في عام 1852م، وقد عرف عنه أنَّه كتب مذكراته وخواطره حول بعض الأحـداث التي شهدها. إنَّ مصدر براون الوحيد لتأكيد هذا الأمر هو الميرزا يحيى الذي تخلى عنه غالبية أتباعه السابقين، علمًا بأنَّ كتاب نقطة الكاف لا

 

يحمل أي اسم للمؤلف.

 

        وعلى الرغم من احتواء الكتاب على أجزاء من مذكرات الحاج ميرزا جاني المفقودة كان لا بد أن يكون واضحًا لبراون بأنَّ الشهيد: ميرزا جـاني لا يمكن أن يكـون مؤلـف كتـاب “نقطة الكاف”. وبغير الشهود والدلائل الداخلية فقد أشار الكتاب إلى الحوادث التي وقعت خلال عامي 1853 و1854م أي بعد موت الحاج ميرزا جاني. وفوق ذلك فإنَّ هناك أسبابًا قوية تؤيد بأنَّ النسخة النهائية من الكتاب قد أعدّت في أواخر الستينيات من القرن التاسع عشر، وأرسلت نسخة كاملة منه دون ذكر للمؤلف أو المرسل إلى باريس واستلمه إما غوبينو نفسه أو بعد موته استلمتها المكتبة المركزية في باريس التي أشرفت على جمع كتبه. كما أنَّ “كتاب نقطة الكاف” لم يشر إليه في كتاب غوبنيو نفسه Les Religions et les Philosophies dans l`Asie Centrale (الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى – طبع عام 1865م) ولو استلم غوبنيو فعلاً هذا الكتاب لأشار إليه واهتم به واعتبره مرجعًا رئيسيًا([66]). أحد العلماء البهائيين المشهورين وهو الميرزا أبو الفضائل كلبايكاني الذي فحص وتحقق من مذكرات الميرزا جاني أنكر بصورة صريحة نسبة هذا الكـتاب إلى الميرزا جاني.

 

        إنَّ محتويات كتاب “نقطة الكاف” يشتمل على إطراء كبير على الميرزا يحيى ومحاولة للتقليل من قيادة حضرة بهاء الله في عدة وقائع ذكرت في الكتاب. كما يشير إلى محاولات اتباع الميرزا يحيى في تعزيز دور زعيمهم الذي أخذ يؤول إلى السقوط في أواخر الستينيات

 

من القرن التاسع عشر. إنَّ السمات الغريبة لبعض المحتويات العرفانية لهذا الكتاب الذي يعكس صراحة أفكار وآراء الميرزا يحيى أزل يُعَزز من مصداقية هذا الأمر. إنَّنا بحاجة إلى أبحاث ودراسات أعمق وأطول لكي نعرف حقيقة هذا الكتاب ونكشف سره.

 

        وعلى أي حال، اعتبر إدوارد براون كتاب “نقطة الكاف” كمرجع تاريخي موثق للحوادث التي اهتم بها. وخلافًا لجميع الشواهد الموضوعية، يبدو أنَّ براون قد اقتنع من قبل مؤيديه الأزليين للقبول بأنَّ الجامعة البهائية قد تعمّدت إخفاء التاريخ البابي (الأصلي) لأنَّهم يرغبون في إعادة كتابة التاريخ البابي من جديد لتعزيز ادعاء حضرة بهاء الله. يبدو واضحًا من بعض مراجع براون حول هذا الموضوع بأنَّه كان يرى نفسه في موضع ما قام به العلماء المسيحيون في القديم من دراسة وبحث للفرق والمذاهب المسيحية المختلفة آنذاك(1).

 

        وبغض النظر عن السبب، فإنَّ أثر ذلك كان تحويل الأنظار عن التطورات الهامة وصعود الدين الجديد. وعلى الرغم من شعوره بذلك فقد ظل براون على اتصال مع الجامعة البهائية حتى أيامه الأخيرة وقد

 

راسل حضرة عبد البهاء والتقى به في كل من لندن وباريس خلال رحلته إلى الغرب في عام 1911م وأخيرًا كتب مقالة عن سيرة حضرة عبد البهاء في جريدةJournal of the Royal Society التي صدرت في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 1922م. وفي هذه الجريدة وصف براون حضرة عبد البهاء بأنَّه: “الشخص الذي كان له عظيم الأثر ليس في الشرق فحسب بل في الغرب أيضًا وأكثر من أي مفكر أو معلم في الزمن الحاضر”.

 

        إنَّ أول خطوة قيّمة لدراسة وتثمين دور ومساهمة إدوارد براون للتاريخ البهائي اتخذت في عام 1970 عندما قام باحث وعالم بريطاني –إيراني اسمه حسن باليوزي بتأليف كتاب حول هذا الموضوع بعنوان (إدوارد براون والدين البهائي).Edward Granville Browne and the Bahá’í Faith ولكي نقدّر ونثمّن ما قام به إدوارد براون فإنَّ ذلك بحاجة إلى دراسات مستقبلية والتي ستميز أعماله وإنجازاته عن تلك الأنشطة والحركات السياسية السريعة الزوال التي كانت قائمة في عصره. وبغض النظر عما ستأتي به هذه الأبحاث فإنَّ الدراسات والأبحاث البهائية قد أثريت بما قام به شخص غربي مميز من كتابة خبرته بشكل دقيق ومفصل مع مؤسس هذا الدين الجديد.

 

 

مقتطفات من آثار حضرة بهاء الله العربية

 

هو العلي الأعلى

 

        أصل كل الخير – هو الاعتماد على الله والانقياد لأمره والرضاء بمرضاته.

        أصل الحكمة – هو الخشية عن الله عز ذكره والمخافة من سطوته وسياطه والوجل من مظاهر عدله وقضائه.

        رأس الدين – هو الإقرار بما نزل من عند الله واتباع ما شرِّع في محكم كتابه.

        أصل العزة – هو قناعة العبد بما رزق به والاكتفاء بما قدر له.

        أصل الحب – هو إقبال العبد إلى المحبوب والإعراض عما سواه ولا يكون مراده إلاَّ ما أراد مولاه.

        أصل الذكر – هو القيام على ذكر المذكور ونسيان دونه.

        رأس التوكل – هو اقتراف العبد واكتسابه في الدنيا واعتصامه بالله وانحصار النظر إلى فضل مولاه إذ إليه يرجع أمور العبد في منقلبه ومثواه.

        رأس الانقطاع – هو التوجه إلى شطر الله والورود عليه والنظر إليه

 

والشهادة بين يديه.

        رأس الفطنة – هو الإقرار بالافتقار والخضوع بالاختيار بين يدي الله الملك العزيز المختار.

        رأس القدرة والشجاعة – هو إعلاء كلمة الله والاستقامة على حبه.

        رأس الإحسان – هو إظهار العبد بما أنعمه الله وشكره في كل الأحوال وجميع الأحيان.

        رأس الإيمان – هو التقلل في القول والتكثر في العمل ومن كان أقواله أزيد من أعماله فاعلموا أنَّ عدمه خير من وجوده وفناءه أحسن من بقائه.

        أصل العافية – هو الصمت والنظر إلى العاقبة والانزواء عن البرية.

        رأس الهمة – هو إنفاق المرء على نفسه وعلى أهله والفقراء من إخوانه في دينه.

        رأس التجارة – هو حبي به يستغني كل شيء عن كل شيء وبدونه يفتقر كل شيء عن كل شيء وهذا ما رقم من قلم عز منير.

        أصل كل الشر – هو إغفال العبد عن مولاه وإقباله إلى هواه.

        أصل النار – هو إنكار آيات الله والمجادلة بمن ينزل من عنده والإعراض عنه والاستكبار عليه.

        أصل كل العلوم – هو عرفان الله جل جلاله وهذا لن يحقق إلاَّ بعرفان مظهر نفسه.

        رأس الذلة – هو الخروج عن ظل الرحمن والدخول في ظل الشيطان.

        رأس الكفر – هو الشرك بالله والاعتماد على ما سواه والفرار من قضاياه.

        أصل الخسران – لمن مضت أيامه وما عرف نفسه.

        رأس كل ما ذكرناه لك – هو الإنصاف وهو خروج العبد عن الوهم والتقليد والتفرس في مظاهر الصنع بنظر التوحيد والمشاهدة في كل الأمور بالبصر الحديد كذلك علمناك وصرفنا لك كلمات الحكمة لتشكر الله ربك في نفسك وتفتخر بها بين العالمين.

 

الكلمات المكنونة

 

(هو البهي الأبهى)

 

        هذا ما نزِّل من جبروت العزَّة بلسان القدرة والقوة على النبيّين من قبل. وإنَّا أخذنا جواهره وأقمصناه قميص الاختصار فضلاً على الأحبار ليوفوا بعهد الله ويؤدوا أماناته في أنفسهم وليكونن بجوهر التقى في أرض الروح من الفائزين.

 

يا ابن الروح

        في أوَّل القول املك قلبًا جيدًا حسنًا منيرًا لتملك ملكًا دائمًا باقيًا أزلاً قديمًا.

 

يا ابن الروح

        أحبُّ الأشياء عندي الإنصاف. لا ترغب عنه إن تكن إليَّ راغبًا ولا تغفل منه لتكون لي أمينًا وأنت توفق بذلك أن تشاهد الأشياء بعينك لا بعين العباد وتعرفها بمعرفتك لا بمعرفة أحدٍ في البلاد. فكر في ذلك كيف ينبغي أن تكون. ذلك من عطيتي عليك وعنايتي لك فاجعله أمام عينيك.

 

يا ابن الإنسان

        كنت في قدم ذاتي وأزلية كينونتي؛ عرفت حبي فيك خلقتك، وألقيت عليك مثالي وأظهرت لك جمالي.

 

يا ابن الإنسان

        أحببت خلقك فخلقتك، فأحببني كي أذكرك، وفي روح الحياة أثبتك.

 

يا ابن الوجود

        رضوانك حبي وجنتك وصلي فادخل فيها ولا تصبر. هذا ما قدر لك في ملكوتنا الأعلى وجبروتنا الأسنى.

 

يا ابن البشر

        إنْ تحب نفسي فأعرض عن نفسك، وإنْ ترد رضائي فأغمض عن رضائك، لتكون في فانيًا وأكون فيك باقيًا.

 

يا ابن الروح

        ما قدر لك الراحة إلاّ بإعراضك عن نفسك وإقبالك بنفسي لأنه ينبغي أن يكون افتخارك باسمي لا باسمك واتكالك على وجهي لا على وجهك لأني وحدي أحب أن أكون محبوبًا فوق كل شيء.

 

يا ابن الوجود

        حبي حصني من دخل فيه نجا وأمن ومن أعرض غوى وهلك.

 

يا ابن البيان

        حصني أنت فادخل فيه لتكون سالمًا. حبي فيك فاعرفه منك لتجدني قريبًا.

 

يا ابن الوجود

        مشكاتي أنت ومصباحي فيك؛ فاستنر به ولا تفحص عن غيري، لأني خلقتك غنيًا وجعلت النعمة عليك بالغة.

 

يا ابن الوجود

        صنعتك بأيادي القوة وخلقتك بأنامل القدرة، وأودعت فيك جوهر نوري فاستغن به عن كل شيء، لأنَّ صنعي كامل وحكمي نافذ لا تشك فيه ولا تكن فيه مريبًا.

 

يا ابن الروح

        خلقتك غنيًا كيف تفتقر، وصنعتك عزيزًا بم تستذل، ومن جوهر العلم أظهرتك لم تستعلم عن دوني، ومن طين الحب عجنتك كيف تشتغل بغيري؛ فأرجع البصر إليك لتجدني فيك قائمًا قادرًا مقتدرًا قيومًا.

 

يا ابن الإنسان

        أنت ملكي وملكي لا يفنى. كيف تخاف من فنائك، وأنت نوري ونوري لا يطفى. كيف تضطرب من إطفائك، وأنت بهائي وبهائي لا يغشى، وأنت قميصي وقميصي لا يبلى. فاسترح في حبك إياي لكي تجدني في الأفق الأعلى.

 

يا ابن البيان

        وجه بوجهي واعرض عن غيري، لأنَّ سلطاني باق لا يزول أبدًا وملكي دائم لا يحول أبدًا. وإن تطلب سوائي لن تجد لو تفحص في الوجود سرمدًا أزلاً.

 

يا ابن النور

        انسَ دوني وآنس بروحي، هذا من جوهر أمري فأقبل إليه.

 

يا ابن الإنسان

        اكفِ بنفسي عن دوني ولا تطلب معينًا سوائي، لأنَّ ما دوني لن يكفيك أبدًا.

 

يا ابن الروح

        لا تطلب مني ما لا نحبه لنفسك، ثمَّ ارض بما قضينا لوجهك، لأنَّ ما ينفعك هذا إن تكن به راضيًا.

 

يا ابن المنظر الأعلى

        أودعت فيك روحًا مني لتكون حبيبًا لي؛ لم تركتني وطلبت محبوبًا سوائي.

 

يا ابن الروح

        حقي عليك كبير لا ينسى، وفضلي بك عظيم لا يغشى، وحبي فيك موجود لا يغطى، ونوري لك مشهود لا يخفى.

 

يا ابن البشر

        قدّرت لك من الشجر الأبهى الفواكه الأصفى، كيف أعرضت عنه ورضيت بالذي هو أدنى، فارجع إلى ما هو خير لك في الأفق الأعلى.

 

يا ابن الروح

        خلقتك عاليًا، جعلت نفسك دانية؛ فاصعد لما خلقت له.

 

يا ابن العماء

        أدعوك إلى البقاء وأنت تبتغي الفناء، بم أعرضت عما نحب وأقبلت إلى ما تحب.

 

يا ابن الإنسان

        لا تتعدّ عن حدّك ولا تدع ما لا ينبغي لنفسك، اسجد لطلعة ربك ذي القدرة والاقتدار.

 

يا ابن الروح

        لا تفتخر على المسكين بافتخار نفسك، لأني أمشي قدامه وأراك في سوء حالك وألعن عليك إلى الأبد.

 

يا ابن الوجود

        كيف نسيت عيوب نفسك واشتغلت بعيوب بعبادي. من كان على ذلك فعليه لعنة مني.

 

يا ابن الإنسان

        لا تنفس بخطأ أحد مادمت خاطئًا، وإن تفعل بغير ذلك ملعون أنت، وأنا شاهد بذلك.

 

يا ابن الروح

        أيقن بأنَّ الذي يأمر الناس بالعدل ويرتكب الفحشاء في نفسه، إنَّه ليس مني ولو كان على اسمي.

 

يا ابن الوجود

        لا تنسب إلى نفس ما لا تحبه لنفسك، ولا تقل ما لا تفعل. هذ أمري عليك فاعمل به.

 

يا ابن الإنسان

        لا تحرم وجه عبدي إذا سألك في شيء؛ لأن وجهه وجهي فاخجل مني.

 

يا ابن الوجود

        حاسب نفسك في كل يوم من قبل أن تحاسب، لأنَّ الموت يأتيك بغتة وتقوم على الحساب في نفسك.

 

يا ابن العماء

        جعلت لك الموت بشارة، كيف تحزن منه. وجعلت النور لك ضياء، كيف تحتجب عنه.

 

يا ابن الروح

        ببشارة الروح أبشرك فاستبشر به، وإلى مقر القدس أدعوك تحصن فيه، لتستريح إلى أبد الأبد.

 

يا ابن الروح

        روح القدس يبشرك بالأنس، كيف تحزن. وروح الأمر يؤيدك على الأمر، كيف تحتجب. ونور الوجه يمشي قدامك، كيف تضل.

 

يا ابن الإنسان

        لا تحزن إلاّ في بعدك عنا، ولا تفرح إلاّ في قربك بنا والرجوع إلينا.

 

يا ابن الإنسان

        افرح بسرور قلبك، لتكون قابلاً للقائي ومرآة لجمالي.

 

يا ابن الإنسان

        لا تعرّ نفسك عن جميل ردائي ولا تحرم نصيبك من بديع حياضي؛ لئلا يأخذك الظمأ في سرمدية ذاتي.

 

يا ابن الوجود

        اعمل حدودي حبًا لي، ثمَّ انه نفسك عما تهوى طلبًا لرضائي.

 

يا ابن الإنسان

        لا تترك أوامري حبًا لجمالي، ولا تنس وصاياي ابتغاء لرضائي.

 

يا ابن الإنسان

        اركض في بر العماء ثمَّ أسرع في ميدان السماء. لن تجد الراحة إلاّ بالخضوع لأمرنا والتواضع لوجهنا.

 

يا ابن الإنسان

        عظم أمري لأظهر عليك من أسرار العظم، وأشرق عليك بأنوار القدم.

 

يا ابن الإنسان

        كن لي خاضعًا لأكون لك متواضعًا، وكن لأمري ناصرًا لتكون في الملك منصورًا.

 

يا ابن الوجود

        اذكرني في أرضي لأذكرك في سمائي؛ لتقر به عينك وتقر به عيني.

 

يا ابن العرش

        سمعك سمعي فاسمع به، وبصرك بصري فابصر به؛ لتشهد في سرِّك لي تقديسًا عليًا، لأشهد لك في نفسي مقامًا رفيعًا.

 

يا ابن الوجود

        استشهد في سبيلي راضيًا عني وشاكرًا لقضائي، لتستريح معي في قباب العظمة خلف سرادق العزَّة.

 

يا ابن الإنسان

        فكر في أمرك وتدبر في فعلك. أتحب أن تموت على الفراش أو تستشهد في سبيلي على التراب، وتكون مطلع أمري ومظهر نوري في أعلى الفردوس، فأنصف يا عبد.

 

يا ابن الإنسان

        وجمالي تخضب شعرك من دمك لكان أكبر عندي عن خلق الكونين وضياء الثقلين، فاجهد فيه يا عبد.

 

يا ابن الإنسان

        لكل شيء علامة وعلامة الحب الصبر في قضائي والاصطبار في بلائي.

 

يا ابن الإنسان

        المحب الصادق يرجو البلاء كرجاء العاصي إلى المغفرة والمذنب إلى الرحمة.

 

يا ابن الإنسان

        إنْ لا يصيبك البلاء في سبيلي كيف تسلك سبل الراضين في رضائي، وإنْ لا تمسّك المشقة شوقًا للقائي كيف يصيبك النور حبًا لجمالي.

 

يا ابن البشر

        إن أصابتك نعمة لا تفرح بها، وإن تمسَّك ذلة لا تحزن منها، لأنّ كلتيهما تزولان في حين وتبيدان في حين.

 

يا ابن الوجود

        إن يمسك الفقر لا تحزن، لأنَّ سلطان الغنى ينزل عليك في مدى الأيام. ومن الذلة لا تخف، لأنَّ العزة تصيبك في مدى الزمان.

 

يا ابن الوجود

        إن تحب هذه الدولة الباقية الأبدية وهذه الحياة القدمية الأزلية، فاترك هذه الدولة الفانية الزائلة.

 

يا ابن الوجود

        لا تشتغل بالدنيا؛ لأنَّ بالنار نمتحن الذهب، وبالذهب نمتحن العباد.

 

يا ابن الإنسان

        أنت تريد الذهب وأنا أريد تنزيهك عنه، وأنت عرفت غناء نفسك فيه، وأنا عرفت الغناء في تقديسك عنه. وعمري هذا علمي وذلك ظنك؛ كيف يجتمع أمري مع أمرك.

 

يا ابن الإنسان

        أنفق مالي على فقرائي لتنفق في السماء من كنوز عزٍّ لا تفنى وخزائن مجدٍ لا تبلى؛ ولكن وعمري إنفاق الروح أجمل لو تشاهد بعيني.

 

يا ابن البشر

        هيكل الوجود عرشي، نظفه عن كل شيء لاستوائي به واستقراري عليه.

 

يا ابن الوجود

        فؤادك منزلي قدسه لنزولي، وروحك منظري طهرها لظهوري.

 

يا ابن الإنسان

أدخل يدك في جيبي لأرفع رأسي عن جيبك مشرقًا مضيئًا.
يا ابن الإنسان

        اصعد إلى سمائي لكي ترى وصالي؛ لتشرب من زلال خمرٍ لا مثال وكؤب مجدٍ لا زوال.

 

يا ابن الإنسان

        قد مضى عليك أيام، واشتغلت فيها بما تهوى به نفسك من الظنون والأوهام. إلى متى راقدًا على بساطك. ارفع رأسك عن النوم؛ إنَّ الشمس ارتفعت في وسط الزوال، لعل تشرق عليك بأنوار الجمال.

 

يا ابن الإنسان

        أشرقت عليك النور من أفق الطور ونفخت روح السناء في سيناء قلبك فأفرغ نفسك عن الحجبات والظنونات ثمَّ ادخل على البساط لتكون قابلاً للبقاء ولائقًا للقاء كيلا يأخذك موت ولا نصب ولا لغوب.

 

يا ابن الإنسان

        أزليتي إبداعي أبدعتها لك، فاجعلها رداء لهيكلك. وأحديتي إحداثي اخترعتها لأجلك، فاجعلها قميص نفسك لتكون مشرق قيوميتي إلى الأبد.

 

يا ابن الإنسان

        عظمتي عطيتي إليك، وكبريائي رحمتي عليك، وما ينبغي لنفسي لا يدركه أحد ولن تحصيه نفس؛ قد أخزنته في خزائن سري وكنائز أمري تلطفًا لعبادي وترحمًا لخلقي.

 

يا أبناء الهوية في الغيب

        ستمنعون عن حبي وتضطرب النفوس من ذكري؛ لأنَّ العقول لن تطيقني والقلوب لن تسعني.

 

يا ابن الجمال

        وروحي وعنايتي ثمَّ رحمتي وجمالي، كل ما نزلت عليك من لسان القدرة وكتبته بقلم القوَّة قد نزلناه على قدرك ولحنك لا على شأني ولحني.

 

يا ابن الإنسان

        هل عرفتم لم خلقناكم من تراب واحد؛ لئلا يفتخر أحدٌ على أحد. وتفكروا في كل حين في خلق أنفسكم؛ إذًا ينبغي كما خلقناكم من شيءٍ واحدٍ أن تكونوا كنفسٍ واحدة، بحيث تمشون على رجلٍ واحدة، وتأكلون من فمٍ واحد، وتسكنون في أرضٍ واحدة؛ حتى تظهر من كينوناتكم وأعمالكم وأفعالكم آيات التوحيد وجواهر التجريد. هذا نصحي عليك يا ملأ الأنوار، فانتصحوا منه لتجدوا ثمرات القدس من شجر عزٍّ منيع.

 

يا أبناء الروح

        أنتم خزائني، لأنَّ فيكم كنزت لآلئ أسراري وجواهر علمي، فاحفظوها لئلا يطَّلع عليها أغيار عبادي وأشرار خلقي.

 

 

يا ابن من قام بذاته في ملكوت نفسه

        اعلم بأني قد أرسلت إليك روائح القدس كلها، وأتممت القول عليك وأكملت النعمة بك ورضيت لك ما رضيت لنفسي، فارض عني ثمَّ اشكر لي.

 

يا ابن الإنسان

        أكتب كل ما ألقيناك من مداد النور على لوح الروح. وإن لن تقدر على ذلك فاجعل المداد من جوهر الفؤاد، وإن لن تستطيع فاكتب من المداد الأحمر الذي سفك في سبيلي؛ إنَّه أحلى عندي من كل شيءٍ، ليثبت نوره إلى الأبد.

 

 

صفحة خالية

 

فرز وإخراج: دار الفجر للطّباعة

ت: 324443/01 – 324448/01

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


(1)    نشرت في “المجلة البهائية البريطانية ” British Bahá’í Journal رقم 141 صفحة 4 الصادرة بتاريخ نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1959 م.

(1)       إدوارد بروان Edward Browne هو مستشرق بريطاني التقى بحضرة بهاء الله. لمعرفة المزيد عنه يرجى مراجعة الملحق في آخر الكتاب

(1)        من كتاب “تحدي الدين البهائي” The Challenge of the Bahá’í Faith تأليف فيرنون جونسون (غير مترجم      للعربية).

(1)       من خطب حضرة عبد البهاء في باريس. لمعرفة المزيد عن الموضوع العلم والدين من المنظور البهائي يراجع كتاب “علم الدين” The Science of Religion تأليف وليم هاتشر (غير مترجم للعربية).

(1)       من كتاب “الشيعة في الإسلام” للعلامة سيد محمد حسين طباطبائي. ص 76.

(2)       صدر هذا الحكم بتاريخ 10أيار (مايو) من عام 1925 وصادقت عليه الدوائر الدينية العليا في القاهرة وأصبح حكمًا نهائيًا ونشر في “كتاب القرن البديع” لحضرة ولي أمر الله- ترجمة الدكتور محمد العزاوي صفحة 452

(3)       لدراسة المزيد عن العلاقة بين البهائية والإسلام يمكن مراجعة كتاب “الدين البهائي والإسلام” The Bahá’í Faith And Islam  تأليف أود فيشر (غير مترجم للعربية) من الصفحة 113 حتى 132 في الفصل “النور المضيء في الظلمة، خمسة ظهورات بعد المسيح”. يقول =

= شيفر في كتابه بأن: “الدين البهائي طبقًا لما يعتقده أهله لا يقصد منه تجديد أو تحديث الإسلام وإنما يعتقد بأنه في الأصل إلهي المنشأ ودعوة سماوية جديدة تتدفق منها الهداية الإلهية في شكل عهد وميثاق إلهي جديد. إنَّ أساس هذه العقيدة وهذه الأحكام والتعاليم هو الكلمة الإلهية الجديدة التي أتى بها حضرة بهاء الله.

(1)        من كتاب “منتخباتي” صفحة 141.

(1)         السؤال المطروح حول سبب ذكر السنة (الارثودكس) في الغرب أكثر من الشيعة له أهمية خاصة. إنَّ السبب الأكثر معقولية لذلك هو أن الغرب لم يسمع بالشيعة نظرًا لأنَّ المناطق الجغرافية التي تمركز فيها الشيعة كانت بعيدة عن المناطق التي جاء إليها الصليبيون من أوروبا.

(1)         لمعرفة المزيد عن الأديان في إيران قبل الإسلام يمكن مراجعة قسم الأديان الإيرانية في الموسوعة البريطانية من صفحة 867 حتى صفحة 872.

(1)        يثير خصوم الدين البهائي عادة قضية أنَّ مفهوم دعوة حضرة الباب قد تطوّر وترقى في ذهن حضرته بشكل تدريجي. ويمكن أن يكون ذلك نتيجة سلسلة الانتصارات التي أحرزها. ولكن هذا الأمر ليس صحيحًا حيث أن ما قاله حضرة الباب في أول مرة أعلن فيها دعوته للملا حسين بشروئي وصف نفسه بأنه رسول سماوي وأنه أيضًا “ذكر الله ” و”بقية الله ” وهي ألقاب كانت خاصة بالإمام المهدي المنتظر. هذا الادعاء الجريء كان واضحًا لأصحابه وأعدائه على السواء. من المؤمنين الأوائل بحضرته كان الملا علي بسطامي الذي ترك بلاد فارس بعد أن آمن بحضرة الباب في عام 1844م وأخذ معه نسخة من كتاب “قيوم الأسماء” وقد ألقي القبض عليه فور وصوله بغداد بتهمة الزندقة والارتداد. في شهر يناير (كانون الثاني) مـن عام 1845م أدين رسميًا بواسطة صدور فتوى شرعية من رجال الدين الشيعة والسنة، وكانـت الإدانة مبنية على إيمانه بحضرة الباب باعتباره مصدرًا للوحي الإﻟﻬﻲ مثل القرآن الكريم. كما أدين حضرة الباب نفسه أيضًا.

(1)                 هناك أربعة مصادر رئيسية لدراسة تاريخ الدين البابي متوفرة حتى الآن وهي: “كتاب القرن البديع “لحضرة شوقي أفندي و”حضرة الباب” للسيد حسن باليوزي (غير مترجم للعربية) و”مطالع الأنوار” تأليف محمد زرندي (النبيل الأعظم) و”الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى”  Religions et Philosophies dans l’Asie Centrale تأليف الكونت دو غوبينو (بالفرنسية).

(1)        من كتاب “الدين والحكومة في إيران” من عام 1784 حتى 1906 تأليف حميد القار -صفحة 19 (غير مترجم        للعربية).

(1)       يقول كونت دو غوبينو عن محمد شاه ورئيس وزرائه ما يلي: “محمد شاه الذي تحدثت عنه كان أميرًا مع نزعات وأخلاقيات خاصة وهو أمر عادي في قارة آسيا ولكن نادرًا ما  نرى مثله في أوروبا… صحته كان يرثى لها دائمًا، حيث أصيب بمرض النقرس (داء المفاصل) وعانى من آلام شديدة ولم يتعالج منها سوى القليل. كانت شخصيته بصورة عامة ضعيفة، وأصبح كئيبًا وانقباضيًا، ونظرًا لحاجته الشديدة إلى المحبة والوداد التي قلّما وجدها في عائلته بين زوجاته وأولاده، فقد توّجه إلى معلّمه القديم ورجل الدين الحاج ميرزا آقاسي الذى أصبح صديقه الوحيد وأنيسه ومحل ثقته، ومن ثمَّ أصبح رئيسًا للوزراء (الصدر الأعظم) وأخيرًا ودون مبالغة رّبه الذي يتوّجه إليه… أما الحاج الميرزا آقاسي فكان يعتبر نفسه آلهًا من نوع خاص. ولم يعرف تمامًا ما إذا كان هو نفسه يؤمن بما كان يؤمن به محمد شاه أم لا؟ ولكن كان يتصرف كالملك في جميع الآحيان. “(من كتاب الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى. ص160 حتى 162)

(2)       كتب نيكولاس: “الرواية التالية تدل على المشاعر التي انقاد وراءها رئيس الوزراء (الصدر الأعظم) عندما كان يحاول الحد من قدرة الشاه. يحكي لنا الأمير فرهاد ميرزا الذي كان شابًا وتلميذًا عند الحاج الميرزا آقاسي بأنَّه “في أحد الأيام وبينما كنت أتجول مع الميرزا آقاسي في الحديقة كان الميرزا في حالة مزاجية جيدة فسألته السؤال التالي: أيها الحاج لماذا أرسلت الباب إلى قلعة ماه كو؟ فأجاب قائلاً: إنَّك مازلت شاباَ وهناك أمور معينة لا تستطيع فهمها، ولكن عليك أن تعلم بإنَّ الباب إن كان قد جاء إلى طهران فإنَّنا لم نكن نستطع أنا وأنت أن نكون هنا في هذه الحديقة الجميلة الآن”. (من كتاب مطالع الأنوار).

(1)                 راجع “كتاب القرن البديع”: لحضرة شوقي أفندي. ترجمة الدكتور السيد محمد العزاوي صفحة 36.

(1)        جاء ذلك في كتاب The Bab تأليف السيد حسن باليوزي ص 146 – 147 (غير مترجم للعربية).

(1)       أشار العديد من المراقبين الغربيين الذين تواجدوا في بلاد فارس آنذاك إلى هذه القصص والروايات في مذكراتهم مع العلم أنهم كانوا ضعفاء في فهم اللغة الفارسية. ونفترض بأنَّ هذه الروايات اعتمدت على ما سمعه هؤلاء المراقبون من أفراد المسلمين الذين اتصلوا بهـم وعلى فهمهم للقضايا الدينية في بلاد فارس. جمع الدكتور موجان مؤمن هذه التقارير والروايات في كتابه “الديانتان البابية والبهائية” The Babi and Bahá’í Religions   في الصفحات من 3 إلى 17 وهي تشير إلى التهم التي الصقت بالبابيين جزافا مثل العصيان والكفر والإباحية والمشاركة في الزوجات والممتلكات. ولكن بعد الدراسات والأبحاث التي قام بها كل من غوبينو وإدوارد براون ونيكولاس الذين استطاعوا الاتصال مباشرة بالبابيين اتباع هذا الدين الجديد فقد كشفوا الحقيقة واتضح لهم عدم صحة هذه التهم.

(2)       كتب غوبينو: “إن تغيير الحاكم في أسيا الوسطى يصاحبه عادة فترة من الحرج والخطورة. ففي بلاد فارس وتركمنستان والدول العربية، وبعد تغيير الحكم تطول بعدها الفترة التي تكون مليئة بالعنف والهيجان، وتصبح القوانين معلقة نظرًا لغياب السلطة والسيادة لفترات متراوحة… إنها مثل الساعة التي توقفت ولكن لا داعي لتغيير زنبركها حيث أن عملها مرتبط بإدارة مفتاح الساعة لها. (من كتاب الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى – غير معّرب – ص 175).

(1)       للمزيد حول وقائع الأيام الأولى للأمر البهائي يمكن مراجعة كتاب “مطالع الأنوار” أو تاريخ النبيل الذي ترجمه إلى اللغة الإنجليزية حضرة شوقي أفندي وترجمه إلى اللغة العربية عبد الجليل سعد.

(2)      راجع “كتاب القرن البديع” لحضرة شوقي أفندي – صفحة 67

(1)       حاول عدة دبلوماسيين غربيين إقناع رئيس الوزراء بالعدول عن قراره ولكنهم لم يوافقوا، وقالوا بأن قتل الباب سوف لن يؤدي إلى شيء سوى المزيد من نشر وترويج تعاليمه. (من كتاب الديانتان البابية والبهائية. دكتور موجان مؤمن. ص71-27- 103 The Babi and Bahá’í Religions غير مترجم للعربية)

(1)       ذكر في “كتاب القرن البديع” صفحة 73.

(2)       ذكر الدكتور موجان مؤمن في كتابه The Babi and Bahá’í Religions “الديانتان البابية والبهائية” في الصفحات من 77-82 بأنَّ هناك شهود عيان أجانب شهدوا واقعة استشهاد حضرة الباب.

(1)        ذكر في “كتاب القرن البديع” صفحة 74.

(1)        ذكرت هذه الفقرة في “كتاب القرن البديع” – صفحة 76.

(1)       ذكرت هذه الفقرة في “كتاب القرن البديع” – صفحة 88. أما السفير الروسي الأمير دولكروكوف الذي شهد هذه الفجائع، فقد ندّد بها بشدة أثناء مقابلته لشاه إيران ووصفها بأنها “أعمال وحشية” ولا توجد “حتى بين الشعوب الهمجية”. كما أن القائم بالأعمال البريطاني اعترض لدى السلطات الفارسية على هذه المذابح لأن “حكومة جلالة الملكة تعتبر بأن هذه الأعمال تقع بين القبائل الوحشية في أفريقيا”. (من كتاب موجان مؤمن “الديانتان البابية والبهائية” صفحة 100، 101)

(1)       من كتاب “تاريخ الأدب في إيران” A Literary History of Persia تأليف إدوارد براون. صفحة 415-416 (غير معرب).

(2)       ذكر هذا الموضوع في كتاب “تاريخ النبيل”. أما اصل هذه القصة فيرجع إلى ما أشاعه المعترضون المسلمون للدين الجديد بأن الحكومة البابية ستقوم بتدمير وحرق جميع الكتب ولكن بعد انفصال الدين البهائي عن الإسلام والشيعة، أنهى حضرة بهاء الله هذا الموضوع.

(1)      إن مستوى هذا التخلف يمكن ملاحظته في النظام الذي أوجد في إيران في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979م حيث طرح رجال الدين الشيعة تصورهم حول الطبيعة البشرية والمجتمع الإنساني.

(1)      لمعرفة المزيد من بيانات حضرة الباب حول هذا الموضوع يمكن مراجعة كتاب “منتخبات آيات از آثار حضرت نقطة أولى” وهو كتاب يضم مقتطفات من آثار حضرة الباب باللغتين العربية والفارسية.

(2)      لمعرفة المزيد عن أهمية وعظمة دعوة حضرة الباب يمكن مراجعة المقال الذي كتبه دوغلاس=

           = مارتن باللغة الإنجليزية بعنوان The Mission of the Bab (مهمة الباب) والمنشور في كتاب العالم البهائي 1994- 1995.

(1)       جاء هذا المقتطف في كتاب The World Order of Bahá’u’lláh لحضرة شوقي أفندي ص 101 والمترجم إلى الفارسية بعنوان “نظم جهاني بهائي” ص 87.

 (1)      المصادر الرئيسية التي استخدمت لدراسة حياة ومهمة الميرزا حسين علي المعروف ببهاء الله هي “كتاب القرن البديع” من تأليف حضرة شوقي أفندي – الفصل الخامس حتى الثامن. وأيضا كتاب هام لسيرة الميرزا حسين علي، كتبه السيد حسن موقر الدولة باليوزي باسم “بهاء الله” (غير معرّب)، وهناك مصدر قيّم آخر وهو عبارة عن مجموعة من أبحاث لألواح حضرة بهاءالله كتبها السيد أديب طاهر زاده وتقع في أربعة مجلدات بعنوانThe Revelation of Bahà’u’llàh “ظهور حضرة بهاءالله ” وهي باللغة الإنجليزية وقد صدرت الترجمة العربية للجزء الأول فقط حتى تاريخه.

(2)       تنحدر عائلة الميرزا حسين علي من إحدى السلالات الفارسية العظيمة والعريقة التي وجدت قبل ظهور الإسلام وهي السلالة الساسانية ذات الحضارة. للمزيد يمكن مراجعة كتاب “بهاء الله” من تأليف حسن باليوزي ص9-11 بالإنجليزية.

(1)       لمعرفة المزيد عن أحداث مؤتمر بدشت يمكن مراجعة كتاب “مطالع الأنوار” تأليف الملا محمد زرندي (النبيل الأعظم) تلخيص نكار زين. ص132

(1)        من “كتاب القرن البديع” ص 128.

(1)      من كتاب Babism in Religious Systems of the World تأليف إدوارد براون (البابية في أنظمة الأديان بالعالم) ص 352-353 بالإنجليزية.

(2)      إن الإعلان الرسمي للحكومة الإيرانية حول هذا الموضوع نشر في الجريدة الرسمية=

          = (روزنامه وقايع اتفاقية) والتي تضمنت براءة حضرة بهاء الله وأفرادًا آخرين من الذين ألقي القبض عليهم. ولكن أشارت الجريدة بأنَّ هؤلاء ستتم معاقبتهم في جميع الأحوال وأن من بين البابيين الذين وقعوا في يد العدالة ستة أشخاص لم تثبت التهمة عليهم ولكن حكم عليهم بالسجن المؤبد. وكان اسم حضرة بهاء الله هو الثاني في كشف الأسماء المنشور في الجريدة. (من كتاب The Babi and Bahà’i Religions تأليف موجان مؤمن صفحة 141)

(1)      رئيس الوزراء الجديد الميرزا تقي خان كان له دور كبير في حملات القمع ضد البهائيين وقد اعدم في عام 1853م بأمر من الشاه الشاب الذي كان يخشى من تعاظم نفوذه. وهذا دليل على المصير الذي كان يلحق بالرجال الأكفاء في ظل آل قاجار في التاريخ الفارسي.

(1)       منقول من “كتاب القرن البديع ”  -صفحة 128

(2)       من كتاب “دور بهائي”  The Dispensation of Bahà’u’llàh لحضرة شوقي أفندي – مترجم إلى الفارسية ص76.

(1)       القرار الصادر بنفي حضرة بهاء الله من بلاد فارس (النسخة الأصلية موجودة) لم يشر إلى أخيه الميرزا يحيى وإنَّما ذكر فيه اسم حضرته فقط.

 (2)      راجع “كتاب القرن البديع” لحضرة شوقي أفندي الفصل السابع والفصل العاشر.

 (3)      راجع “كتاب القرن البديع” لحضرة شوقي أفندي الفصل العاشر.

(1)       عيد الرضوان مدته اثني عشر يومًا يبدأ من 21 نيسان (أبريل) حتى الثاني من أيار (مايو) ويعتبر اليوم الأول والتاسع والثاني عشر منـه ضمن الأيام المحرمة البهائية وتجرى الانتخابات البهائية خلال هذه الفترة.

(2)       في البداية قاومت السلطات العثمانية هذا الضغط. أما السفير النمساوي الكونت فون بروكش أوستن فقد ذكر بأن رئيس الوزراء عالي باشا كان يكن كل احترام وتقدير لحضرة بهاء الله ويعتبره “رجلاً ذا ميزات عظيمة وسلوك مثالي ومعتدلاً إلى حد كبير وذا طلعة وقورة=

          = وجليلة” من كتاب The Babi and Bahà’i Religions ص 187 تأليف موجان مؤمن.

(1)      راجع كتاب أديب طاهر زاده بعنوان The Revelation of Bahá’u’lláh الجزء الثاني ص 161- 162.

(1)      الذين اتبعوا الميرزا يحيى سموا “بالأزلية” نسبة إلى “صبح أزل” وهو اللقب الذي منحه حضرة الباب لميرزا يحيى.

(1)         من كتاب “منتخباتي ” ص 159. أما رسائل حضرة بهاء الله إلى ملوك وسلاطين العالم فقد جمعها بيت العدل الأعظم ونشر مقتطفات منها في رسالة باسم The Proclamation of Bahá’u’lláh  (إعلان بهاء الله).

(1)         جاء في كتاب The Babi and Bahá’í Religions للدكتور موجان مؤمن في الصفحات 198 حتى 200 بأن هناك مجموعة من المستندات في دار الآثار العثمانية التي تؤيد هذه الحملة التي قام=

               = بها الميرزا يحيى. إحدى هذه المستندات عبارة عن رسالة من خورشيد باشا حاكم أدرنة إلى السلطات العثمانية المركزية التي عبر فيها شكوى الميرزا يحيى واتباعه من أنشطة حضرة بهاء الله.

(1)       توفى الميرزا يحيى في عام 1912 في منفاه بجزيرة قبرص. أما الشرح الكامل لخاتمة حياته فقد جاء في رسالة موجهة من أحد أبنائه إلى المستشرق الإنجليزي إدوارد براون. حيث ذكر في رسالته بأن والده أصبح في أواخر أيامه في طي النسيان وعندما توفي طلب من رجل الدين المحلي بأن يجري مراسم الدفن طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية لأنه “لم يبق معه أحد من شهود البيان” – أي أتباع حضرة الباب- أراد نفس هذا الشخص (ابن الميرزا يحيى) أن يبيع=

(1)        من “كتاب القرن البديع ” صفحة 231.

(1)       من كتاب “آثار قلم أعلى” – الجزء الأول – سورة الهيكل ص43.

(2)       ذكر في رسالة The Promised Day Is Come لحضرة شوقي أفندي ص163.

(3)       في عام 1870م أي بعد سنة واحدة من استلام البابا بيوس التاسع لرسالة حضرة بهاء الله وجد البابا نفسه خارج نطاق سلطته وحكمه حيث أجبرته قوات الثورة الإيطالية بأن يستسلم للملك فكتور عمانوئيل. وأصبح قيد الإقامة الجبرية وعرف “بسجين الفاتيكان”.

(4)       من كتاب “آثار قلم أعلى” –  الجزء الأول – سورة الهيكل ص 45.

(1)        يقول أليستر هورن Alistair Horne وهو أحد العلماء المشهورين حول هذه الحوادث بأن “التاريخ لم يعرف أحداثًا مرعبة كتلك التي وقعت أو كما يسميها اليونانيون (السقوط من قمة الغرور). بالتأكيد لم نر في العصر الحديث شعبًا كان متنعمًا وفي غاية العظمة والجلال ومتقدمًا ماديًا وقد سقط إلى الهاوية في فترة زمنية قصيرة”. من كتاب The Fall of Paris صفحة 34.

(2)        كتب حضرة شوقي أفندي رسالة مسهبة حول هذا الموضوع بعنوان The Promised Day Is Come (قد أتى اليوم الموعود). وهي غير مترجمة للعربية. إن من أسباب إيمان أحد علماء الإسلام الميرزا أبو الفضل كلبايكاني بدعوة حضرة بهاء الله هو ملاحظته لتحقق الوعود=

          = والبشارات التي جاءت في الآثار البهائية. ويعتبر الميرزا أبو الفضل أحد أكبر العلماء في الجامعة البهائية.

(1)      قال حضرة بهاء الله : “ثم اعلم بأنا أرفعنا حكم السيف وقدرنا النصر باللسان وما يظهر من البيان وكذلك كان الأمر عن جهة الفضل مقضيا”. من كتاب “منتخباتي” ص195.

(1)        من كتاب “منتخباتي” ص 212.

(1)        من كتاب “آثار قلم أعلى” – الجزء الرابع – ص333.

(1)      تم استخراج تفاصيل حياة حضرة عبد البهاء من “كتاب القرن البديع” God Passes By لحضرة شوقي أفندي – الفصول 14 إلى 21 وأيضا من كتاب The Center of the Covenant of Bahá’u’lláh Abdu’l-Bahá,‘ تأليف حسن باليوزي.

(1)        ذكر هذا الموضوع في “كتاب القرن البديع ” ص313.

(1)        من كتاب “دور بهائي” لحضرة شوقي أفندي ص68  (الترجمة الفارسية)

(1)        من كتاب Materials لإدوارد براون ص115-150.

(1)      دعاة المسيحية الذين اعترضوا على الدين البهائي قالوا بأن حضرة عبد البهاء أضاف هذه التعاليم الاجتماعية إلى دينه نتيجة لاتصاله بالغرب. ولكن في عام 1880م ذكر إدوارد براون بأن هذه التعاليم جاءت في آثار حضرة بهاء الله. راجع كتاب – Babism  تأليف إدوارد براون ص351-352 – وعندما تمت ترجمة وطبع آثار حضرة بهاء الله باللغة الإنجليزية تبين أن جميع خطب وكلمات وتوضيحات حضرة عبد البهاء جاءت أصلاً من هذه الآثار.

(1)       أصبحت جرين إيكر Green Acre مركزًا للدين البهائي في أمريكا الشمالية حتى انتخاب أول محفل روحاني مركزي في الولايات المتحدة وكندا في عام 1925م واختار المحفل منطقة ويلمت في ولاية إيلينوي Illinois وهي في ضواحي مدينة شيكاغو لتكون مقرًا له وتقع بالقرب من موقع مشرق الأذكار الذي وضع حجره الأساس حضرة عبد البهاء.

(2)       لمعرفة المزيد من تفاصيل رحلة حضرة عبد البهاء إلى الولايات المتحدة وكندا والخطب التي ألقاها يمكن مراجع كتاب “خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا” الطبعة الثانية – تموز 1998- من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل.

(1)        من جريدة مونتريال ستار في عددها الصادر بتاريخ 11 سبتمبر (أيلول) 1912م.

(1)        النص الكامل لكتاب عهدي وألواح الوصايا لحضرة عبد البهاء منشور بالعربية في كتاب=

            = “العهد الأوفى” – الطبعة الثانية 1980م.

(1)       النص الكامل لألواح الخطة الإلهية بالعربية الصادرة من يراعة حضرة عبد البهاء منشور في كتيب بعنوان “ألواح الخطة الالهية” الطبعة الثانية- تشرين الثاني 1981م من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل.

(1)       إن مشاعر المحبة التي أظهرها السكان الفلسطينيون تجاه حضرة عبد البهاء جديرة بالاهتمام. إن النظام الجمهوري الإسلامي الحالي في إيران يحاول عرض موضوع منح حضرة عبد البهاء لقب “السير” بوساطة الحكومة البريطانية على أن له جانبا سياسيا. في الواقع جاء هذا التقدير في وقت متأخر حيث أن أعمال البر والإحسان التي قدمها حضرة عبد البهاء للشعب الفلسطيني كانت قد بدأت منذ عدة سنوات واستفادت منه كافة الطبقات.

(1)       يعتبر حضرة شوقي أفندي من سلالة حضرة بهاء الله من جانب والدته ضيائية خانم (الأغصان) ويعتبر أيضا من سلالة حضرة الباب من جانب والده الميرزا هادي شيرازي (الأفنان).

(1)      لمعرفة الآثار والكتب التي كتبها حضرة شوقي أفندي يمكن مراجعة كتاب The Priceless Pearl (الجوهرة الفريدة) بالإنجليزية للسيدة روحية خانم (حرم حضرة شوقي أفندي). أيضا هناك كتاب Shoghi Effendi, Recollections للدكتور يوغو جياكري. عمل الدكتور جياكري بالقرب من حضرة شوقي أفندي من أجل تطوير المركز البهائي العالمي في حيفا.

(1)        من آثار حضرة شوقي أفندي المنشورة بالإنجليزية:

            Bahá’í Administration

                The World Order of Bahá’u’lláh

                The Promised Day Is Come

                Messages to the Bahá’í World 1950-1957

                Citadel of Faith: Messages to America 1947-1957

                Messages to America 1932-1946

                God Passes By

           كما أن له آثارًا وتواقيع متعددة بالفارسية ولكنها تحتوي على فقرات عديدة باللغة العربية منها التواقيع التالية: نوروز 88 بديع، رضوان 89 بديع، نوروز 101 بديع، رضوان 105 بديع، نوروز 108 بديع، نوروز 110 بديع، نوروز 11 بديع ونوروز 113 بديع, كافة هذا التواقيع منشورة في كتاب واحد بعنوان “توقيعات مباركة” (ألمان – لجنة ملي نشر آثار أمري به لسان فارسي وعربي – 1992م).

(1)       من آثار حضرة بهاء الله التي ترجمها حضرة شوقي أفندي إلى اللغة الإنجليزية هي مجموعات باسم: (منتخباتي) Gleanings from the Writings of Bahá’u’lláh

            ( الكلمات المكنونة )  The Hidden Words

            (الوديان السبعة والأربعة) The Seven Valleys and The Four Valleys

            (لوح ابن الذئب) Epistle to the Son of the Wolf

            (مناجاة) Prayers and Meditations

(1)        لمعرفة المزيد حول إيمان ملكة رومانيا يرجى مراجعة كتاب The Priceless Pearl بالإنجليزية=

            = للسيدة روحية خانم رباني حرم حضرة شوقي أفندي الفصل الرابع.

(1)       تم فصل المحفلين المركزيين للولايات المتحدة وكندا عن بعضهما البعض في عام 1948م وتم تأسيس المحفل الروحاني المركزي لكندا في نفس السنة وفي السنة التالية تم تسجيل المحفل لدى السلطات الكندية طبقًا لقانون خاص صدر عن البرلمان الكندي.

(2)       راجع رسالة حضرة شوقي أفندي بعنوان  The Advent of  Divine Justice.

(1)         حول علاقة ولي أمر الدين البهائي بمؤسسة بيت العدل الأعظم راجع كتاب “عهد وميثاق الهي” تأليف عبد الحسين فكري – ص106 (بالفارسية) (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل-1997)

(1)       لمعرفة الإنجازات التي قامت بها هيئة أيادي أمر الله في أرض الأقدس بعد وفاة حضرة ولي أمر الله (شوقي أفندي) يمكن مراجعة كتاب The Ministry of the Custodians 1957-1963.

(1)       ينتخب بيت العدل الأعظم مرة واحدة كل خمس سنوات بواسطة أعضاء المحافل الروحانية المركزية في العالم. وتتم الانتخابات خلال أيام عيد الرضوان.

(1)         هناك محاولة وجدت في عام 1960 لإيجاد التفرقة والشقاق في الجامعة البهائية قبل تأسيس بيت العدل الأعظم. حيث ادّعى أحد أيادي أمر الله بصورة مفاجأة وهو ميسون ريمي وهو في الثمانين من العمر بأنه “المرجع الوراثي” لحضرة شوقي أفندي. وطبقا للسلطات والصلاحيات الممنوحة لحضرات أيادي أمر الله في وصية حضرة عبد البهاء طرد ميسون ريمي من الجامعة البهائية. أما ادعاؤه فقد كان له القليل من التجاوب ولكنه توفي في عام 1974م دون أن يعتني به حتى أولئك الذين اتبعوه في البداية.

 

([30])        في عام 1973م قام بيت العدل الأعظم بطبع ونشر “تدوين حدود وأحكام كتاب الأقدس” وأيضا أصدر “دستور بيت العدل الأعظم”.

(1)        من كتاب “حديقة عرفان” ص53.

(2)        من كتاب “رسالة تسبيح وتهليل” تأليف عبد الحميد إشراق خاوري ص182.

(1)              من “الكلمات المكنونة” لحضرة بهاء الله ص32. (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل – حزيران 1995).

(2)              طبقا للمفهوم البهائي فإن الاختلافات الظاهرة بين المجموعات العرقية في بعض المناطق التي يوجد بها إنجازات ثقافية راجع إلى تفاوت الفرص التعليمية والثقافية المتاحة لكل مجموعة وإلى آثار التعصب الجنسي والظلم المتراكم عليهم عبر السنين.

(1)        جاء هذا النص في كتاب The World Order of Bahá’u’lláh لحضرة شوقي أفندي.

(2)        هذا البيان من حضرة شوقي أفندي منقول في كتابThe Concept of Spirituality  للسيد ويليام هاتشر.

(1)        من كتاب “منتخباتي” ص184.

(2)        المصدر السابق أعلاه ص160.

(1)        من “مكاتيب عبد البهاء” الجزء الأول ص 318-319.

(1)        من كتاب The World Order of Bahá’u’lláh لحضرة شوقي أفندي ص 163.

(1)        المصدر السابق  ص202.

(2)        المصدر السابق  ص163-164.

 

(1)        من كتاب “منتخباتي ” ص218-219.

(1)        من كتاب “منتخباتي” ص184.

(1)       ذكر حضرة بهاء الله بأن الفترة الزمنية الفاصلة بين ظهورين سماويين هي في حدود ألف سنة تقريبا. كما أشار بأن الرسالات السماوية سوف لن تتوقف مع ظهوره وأن هناك ظهورًا جديدًا سيأتي بعده ولكن سوف لن يكون قبل إتمام ألف سنة كاملة. وطبقا للآثار البهائية فإن ظهور رسل جدد في المستقبل هو عملية ستكون مستمرة وستشهد البشرية ظهور عدة مظاهر إلهية في المستقبل.

(1)        من كتاب حضرة شوقي أفندي بعنوان The World Order of Bahá’u’lláh.

(1)       من الخطب التي ألقاها حضرة عبد البهاء أثناء وجوده في فرنسا – مارسيل من عام 1911م ومنقولة عن كتاب Paris Talks.

(2)        المصدر السابق.

(1)        من كتاب The Promulgation of Universal Peace ص181.

(1)        من الخطب التي ألقاها حضرة عبد البهاء أثناء وجوده في فرنسا – باريس يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) من عام                1911م ومنقولة عن كتاب Paris Talks ص147.

(2)        من الخطب التي ألقاها حضرة عبد البهاء أثناء وجوده في فرنسا – باريس يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) من عام    1911م ومنقولة عن كتاب Paris Talks  ص150.

(1)                 من كتاب Star of the West –  – المجلد التاسع – العدد السابع ص87.

(1)        من كتاب The Promulgation of Universal Peace ص108.

(1)      من الخطب التي ألقاها حضرة عبد البهاء أثناء وجوده في فرنسا – باريس في عام 1911م ومنقولة عن كتاب Paris Talks ص159.

(1)        من كتاب ” أدعية حضرت محبوب ” ص396.

(2)        من كتاب “مفاوضات عبد البهاء “.

(1)      لبحث مسهب حول وجهة نظر الدين البهائي للاقتصاد هو خارج نطاق هذا الفصل. ولكن المهتمين بهذا الموضوع      يمكنهم مراجعة بيانات حضرة عبد البهاء التي جاءت في كتاب The Promulgation of Universal Peace في الصفحات 107-216-217-238-239 وأيضا كتاب Paris Talks الفصل 46 وأيضا المقال الذي كتبه جريجوري دال بعنوان Economics and the Bahá’í Teachings والمنشور في مجلة World Order العدد العاشر ص19.

(1)        من كتاب The Promulgation of Universal Peace ص 238.

(1)        من كتاب The World Order of Bahá’u’lláh  ص 33 – 34.

(1)      هناك علاقة تاريخية بين الدين البهائي ولغة اسبرانتو التي أوجدها الدكتور زمنهوف. أما ابنة زمنهوف واسمها ليديا فقد كانت بهائية وقد أثنى حضرة عبد البهاء على والدها لما أنجزه. وعلى الرغم من أن حضرة عبد البهاء لم يقل أبدًا بأن لغة اسبرانتو ستصبح عالمية ولكنه قال بأن هذه اللغة ستساعد على إيجاد الوحدة العالمية. وعلى أي حال فإن اختراع هذه اللغة يدل على أن نظرة حضرة بهاء الله حول اختيار لغة عالمية واحدة قابلة للتطبيق وأن الإنسانية غير مجبرة على اختيار أحدى اللغات الموجودة. هذه الحقيقة قد تقلل من القوى المعارضة لهذه الفكرة وأن اللغة المنتخبة سيتم اختيارها بواسطة شعوب العالم سواء أ كانت لغة موجودة أم مصطنعة.

(1)       بهذه الوسيلة يشعر البهائيون بأن اللغة العالمية الإضافية ستساعد على إيجاد الوحدة عن طريق تسهيل الاتصالات وأيضا وفي نفس الوقت ستؤدي إلى معرفتنا لثقافة الأقليات وعاداتهم وتقاليدهم وفي الواقع إلى حفظها وحمايتها. هذا هو النموذج المثالي لوسيلة حضرة بهاء الله لترويج الوحدة والاتحاد عن طريق التنوع والتعدد بدلا من التماثل في الأشياء بهدف الراحة والسهولة.

(1)       من كتاب “خطب عبد البهاء في أوربا وأمريكا” ص132-133 (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل – تموز 1998).

(1)        من كتاب “منتخباتي” Gleanings ص53

(1)        من كتاب “منتخباتي”  Gleanings – ص50

(1)        من كتاب “منتخباتي”  Gleanings – ص170

(1)        من كتاب “منتخباتي” Gleanings – ص51-52

(1)        المصدر السابق  – ص58.

(2)        المصدر السابق  – ص140.

(1)        من كتاب “منتخباتي” Gleanings – ص104.

(2)        المصدر السابق  – ص105.

(3)        من كتاب Paris Talks ص 89

(1)        من كتاب “منتخباتي” Gleanings ص59

(1)        من كتاب “من مفاوضات عبد البهاء” ص128 (من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا 1980)

(1)        المصدر السابق أعلاه – ص129

(1)        من كتاب “خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا” ص161-162 (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل       1998).

(2)        جاء هذا المقتطف لحضرة عبد البهاء في كتاب The Divine Art of Living ص92.

(1)                 من كتاب “من مفاوضات عبد البهاء” ص 157 (من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا 1980)

(2)                 شرح حضرة بهاء الله بأن كلمة “شيطان” التي جاءت في آثار الأديان السماوية السابقة هي للرمز والتشبيه ويجب أن لا نأخذها بالمعنى الظاهري. إن “الشيطان” هو تجسيد للطبيعة الإنسانية الدانية التي يمكن أن تدمرنا إن لم نمتزج مع طبيعتنا الروحية. وفي الواقع هناك قضية فلسفية مطروحة تتعلق بالخالق جل وعلا ومحبته وعدالته ومدى مطابقة ذلك بوجود الشيطان في حياتنا. هذه القضية بحثت بالتفصيل في آثار حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء وبنفس المفهوم أشار حضرة بهاء الله بأن الجنة والنار ليسا مكانًا معينًا وملموسًا. وإنما يمثلان حالة القرب أو البعد عن الله سبحانه وتعالى إن الرقي الروحاني يمثل أحد معاني الجنة والتراجع الروحاني أحد معاني النار.

 

(1)        من كتاب “من مفاوضات عبد البهاء” ص157 (من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا 1980).

(1)       في هذا الخصوص يقول حضرة بهاء الله: ” … على الإنسان أن يعرف نفسه ويعرف سبب علوه وسموه وسبب دنوه وانحطاطه وما يعزه وما يذله”. (مترجم عن الإنجليزية) من كتاب Bahá’í World Faith ص167.

(1)        كتاب الاقدس – بند  1.

(2)        من كتاب “منتخباتي ” Gleanings ص 11.

(1)        من كتاب “منتخباتي” Gleanings ص182

(1)        إن البحث الموضوعي لهذه القضية الهامة التي يسميها البهائيون المظهر الإلهي أثارت الكثير من التساؤلات لدى المتشددين في الأديان الأخرى. فقد دأب أتباع كل دين بتعظيم وتجليل رسولهم ونبيهم ورفع مكانته لتكون فوق الآخرين.  ومثالاً على ذلك، هناك الكثير من المسيحيين يعتبرون السيد المسيح هو تجسيد للذات الإلهية وأن الله قد حل بالسيد المسيح وأن سيدنا موسى عليه السلام أقل منه مكانة أما الرسول محمد r فهو دجال وكذاب. إن غالبية اليهود يرون موسى عليه السلام بأنه مبعوث سماوي للبشرية ويعتبرون السيد المسيح رسولاً باطلاً. والمسلمون يرون أن موسى وعيسى عليهما السلام من الرسل المبعوثين من جانب الحق تبارك وتعالى ولكن غالبيتهم يرفضون دعوة بوذا والأديان الرئيسية الأخرى. ويعتقدون أن محمـد هو خاتم الأنبياء وأن القرآن هو آخر كتاب سماوي

(1)        من كتاب “منتخباتي” Gleanings ص38-39.

(1)                 المصدر السابق ص 184

(2)                 المصدر السابق ص 46

 

(1)       إن التشبيه الذي نطرحه بسطوع أشعة الشمس في المرآة هو الوسيلة للتعبير عن الفكر البهائي الخاص بظهور الأنبياء والرسل السابقين. إن فكرة العودة أو الرجوع قد ذكرت في جميع الآثار المقدسة للأديان الرئيسية وعبر عنه بالتشبيه والاستعارة. القراء الغربيون على علم بما يؤمن به المسيحيون من الرجوع الثاني للمسيح وهو ما جاء ذكره في عدة آيات من التوراة والإنجيل. شرح حضرة بهاء الله بأن الرجوع الذي أشير إليه في الكتب المقدسة السابقة هو رجوع للصفات وللروح الإلهية في شكل رسول سماوي آخر وليس رجوع الشخص ذاته.  يقول حضرة بهاء الله: “كما تعلم أيها الجناب إن جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله الذين ظهروا بأشكال مختلفة وإذا نظرت إليهم بنظرة لطف فستراهم جميعا ساكنين في رضوان واحد وطائرين في هواء واحد وجالسين على بساط واحد وكلامهم واحد وأمرهم واحد، هذا هو اتحاد تلك الجواهر في الوجود والشموس الغير محدودة، فإذن إذا قال واحد من هؤلاء المظاهر المقدسة بأنني أنا رجوع كل الأنبياء فهو صادق وقد ثبت في كل ظهور صدق الظهور السابق”. (منتخباتي ص42). وبنـاء على هذا المفهوم يعتبر البهائيون ظهور حضرة بهاء الله هو تحقق للرجوع الثاني للمسيح الموعود به، على الرغم من أن كلاً من حضرة بهاء الله والمسيح له روح مميزة ومختلفة ولكل منهما شخصية بشرية متفاوتة.

(1)        من كتاب “من مفاوضات عبد البهاء” – ص99-100 (من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا – 1980).

(2)        المصدر السابق  – ص102.

(1)       من كتاب – High Endeavours – Messages to Alaska  رسائل حضرة شوقي أفندي إلى البهائيين في ألآسكا.

(2)       من كتاب “من مفاوضات عبد البهاء”- ص104-105 (من منشورات دار النشر البهائية في=

(1)       من كتاب “من مفاوضات عبد البهاء” – ص169-170 (من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا – 1980).

(1)        من كتاب “من مفاوضات عبد البهاء” – ص109 (من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا – 1980).

(1)         من كتاب “من مفاوضات عبد البهاء”  – ص161-162 (من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا – 1980).

(2)         من كتاب “منتخباتي” Gleanings ص117

(1)        من كتاب “منتخباتي” Gleanings – ص39

(2)        المصدر السابق  – ص40

(1)       المصدر السابق – ص75

(2)       في هذا الخصوص تحدث حضرة ولي أمر الله (شوفي أفندي) عن ظهور حضرة بهاء الله بأنه “الظهور الكلي والشامل للأسماء والصفات الإلهية” – راجع كتاب  The World Order of Bahá’u’lláhص112

(3)       حول هذا الموضوع قال حضرة عبد البهاء: “اعلم أن حقيقة الألوهية وكنه ذات الأحدية تنزيه صرف وتقديس بحت، يعني منزه ومبرأ عن كل نعت… غيب منيع لا يدرك وذات بحت لا يوصف لأن الذات الإلهية محيطة وجميع الكائنات محاط ولا شك إن المحيط أعظم من المحاط… السبيل مسدود والطلب مردود… ولكن جميع الأوصاف والمحامد والنعوت راجع إلى هذه المظاهر المقدسة يعنى إن كل ما نذكره من الأوصاف والنعوت والأسماء والصفات يرجع إلى تلك المظاهر الإلهية أما حقيقة الذات الإلهية فلم يعرف كنهها أحد حتى يشار إليها بإشارة أو بيان”. (من مفاوضات عبد البهاء ص95-96).

(1)       إن موضوع استمرار وتتابع ظهورالأنبياء والرسل هو البحث الرئيسي لكتاب الإيقان. كما أن مفهوم العهد والميثاق    يمكن قراءته في آثار العديد من الأديان. ومثال على ذلك جاء في التوراة في سفر التكوين – الأصحاح السابع عشر – شارحا عهد الله مع سيدنا إبراهيم بما يلي: “أما أنا فهوذا عهدي معك وتكون أبًا لجمهور من الأمم. فلا يدعي اسمك بعد إبرام بل يكون اسمك إبراهيم لأني أجعلك أبًا لجمهور من الأمم. وأثمرك كثيرًا جدًا وأجعلك أمما. وملوك منك يخرجون. وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا أبديًا. لأكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك. “(الآيات من 4 حتى 8) واضح من الآيات المذكورة بأن العهد المذكور لا يخص اليهود والمسيحيين وحدهم (وهم نسل سيدنا إبراهيم من ابنه إسحاق وزوجته الأولى سارة) وإنما يخص نسله من زواجه بهاجر وقتوره أيضًا (أنظر سفر التكوين – الأصحاح السادس عشر آية 15-16 وأيضًا الأصحاح الخامس والعشرين آية 1-2). ونظرًا لأن الرسول محمدا r يعتبر من نسل إسماعيل وهو ابن إبراهيم وهاجر (سفر التكوين أصحاح 25 آية 5-6) فإن المسلمين يعتبرون أنفسهم من ورثة عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام. أما حضرة بهاء الله فهو ينتمي إلى سيدنا إبراهيم بواسطة زوجته الثالثة قتورة (انظر كتاب القرن البديع لحضرة شوقي أفندي ص121) وعلى هذا يفسر البهائيون عهد إبراهيم عليه السلام على أنه القوة المحركة التي بها ظهر خمسة رسل من أولي العزم وهم موسـى وعيسى ومحمد والباب (من خلال إسماعيل وهاجر) وأخيرا بهاء الله وهو من نسل إبراهيم وقتورة.

(2)       من الكتاب الأقدس – آية 1

(1)        جاء هذا البيان في كتاب The World Order of Bahá’u’lláh لحضرة شوقي أفندي.

(1)         يذكر العلماء البهائيون بأن اصطلاح “العهد الخاص” أشير إليه في الكتب المقدسة للأديان الأخرى. ففي التوراة – سفر التثنية – أصحاح 29 الآية 10-13 أجرى سيدنا موسى عهدًا=

(1)       من كتاب الأقدس – بند 181

(2)       جاء في كتاب الأقدس: “إذا غيض بحر الوصال وقضي كتاب المبدأ في المآل توجهوا إلى من أراده الله الذي انشعب من هذا الأصل القديم … أن أرجعوا ما لا عرفتموه من الكتاب إلى الفرع المنشعب من هذا الأصل القويم”. (بند 121- بند174).

(1)        من كتاب The World Order of Bahá’u’lláh لحضرة شوقي أفندي.

(1)       لخص حضر شوقي أفندي الخصائص الأساسية للنظام الإداري في كتابه The World Order of Bahá’u’lláh ص 143-157

(1)        من كتاب Messages from the Universal House of Justice (1963-1986)   بند 19-23 ص56.

(1)         جاء في ألواح الوصايا لحضرة عبد البهاء ما يلي: “… ومرجع الكل الكتاب الأقدس وكل مسألة غير منصوصة ترجع إلى بيت العدل العمومي وكل ما يقرره بيت العدل بالاتفاق أو بأكثرية الآراء هو حق وهو مراد الله … وكل ما يقررونه هو كالنص وحيث إن بيت العدل هو واضع قوانين المعاملات غير المنصوصة فهو أيضا يستطيع نسخ تلك القوانين”. (العهد الأوفى ص34 الطبعة الثانية 1980)

(1)         من ترجمة توقيع (الكشف عن المدنية الإلهية) لحضرة شوقي افندي ص 76 – 86 – 96.

(1)         هذه النظرة التقليدية أوجدت بعض الصعاب للمفسرين المعاصرين المعروفين باسم=

             =”المسيحية الاجتماعية”. ففي بداية القرن العشرين قامت مجموعة من المفكرين المسيحيين البارزين بإعداد إنجيل سمي باسم Social Gospel (إنجيل اجتماعي) والذي فسر فيه ملكوت الله بأنه عبارة عن تأسيس مجتمع عادل يعمه السلام على بسيط الغبراء. هذا التفسير هو على النقيض للكثير من المفكرين المسيحيين التقليديين الذين يؤمنون بأن ملكوت الله لن يتحقق إلا من خلال الرجوع الثاني للمسيح فقط. ومن وجهة نظرهم فإن الجهود التي تبذل للتجديد الاجتماعي على الرغم من فائدتها فهي لا تعد أن تكون أكثر من جهود بشرية ناقصة للتنمية والتطوير. هذا البحث آثار في عصرنا الحديث جدلا بين المتعصبين المسيحيين في الكنيسة وبين العناصر الليبرالية المتأثرة بالأفكار الماركسية الخاصة بالوضع الاجتماعي المعاصر. يشعر البهائيون بأن هذا الصراع هو نتيجة سوء فهم من الجهتين. لأنه طبقا للعقيدة البهائية فإن المسيح عليه السلام قد رجع في شكل ظهور حضرة بهاء الله وأن النهضة العالمية لبناء مجتمع جديد من خلال جهود إنسانية في شكل تحسين الأوضاع الاجتماعية للبشرية ككل تمثل في الواقع التأسيس التدريجي لملكوت الله على الأرض وهذا يتم من خلال المشاركة الفعالة لسكان الكرة الأرضية.

(1)         راجع كتاب – The Promised Day Is Come لحضرة شوقي أفندي – ص6.

(1)        من كتاب “منتخباتي” – ص 139.

(2)        المصدر السابق – ص 163.

(1)         من رسالة “السلام العالمي وعد حق” – ص22.

(2)         من كتاب- Selections from the Writings of Abdul-Bahá  بند 7-15.

(1)        من كتاب – The Promised Day Is Come – لحضرة شوقي أفندي  ص301.

(2)        من كتاب – The World Order of  Bahá’u’lláh  ص19.

(3)        من كتاب The Promised Day Is Come  لحضرة شوقي أفندي – ص301-302.

(1)        المصدر السابق  – ص302.

(1)       مثالا على ذلك يقول حضرة عبد البهاء: “وهذه المحافل الروحانية سرج نورانية وحدائق ملكوتية تنتشر منها نفحات القدس على الآفاق وتشرق منها أنوار العرفان على الإمكان ويسري منها روح الحياة على كل الجهات”. (كتاب القرن البديع – ص408).

(1)         لمعرفة المزيد عن طبيعة ووظيفة المحافل الروحانية يمكن مراجعة كتيب “المحفل الروحاني المحلـي” – تعريب الدكتور سهيل بشروئي – مؤسسة دار الريحاني – بيروت 1971.

(1)       لمعرفة المزيد من تفاصيل النظام الإداري الصادرة من قلم حضرة شوقي أفندي أو من بيت العدل الأعظم يمكن مراجعة كتاب Lights of Guidance.

(1)        من كتاب –  Principles of Bahá’í Administration ص62.

(2)        أجريت أول انتخابات لبيت العدل الأعظم في نيسان (أبريل) من عام 1963م.

(1)        من كتاب “العهد الأوفى” – ص28-29.

(1)       راجع رسالة بيت العدل الأعظم الإلهي المؤرخة 24 حزيران (يونيو) من عام 1968م والمدرجة في كتاب-Messages from the Universal House of Justice- ص130.

(1)       جاء في إحدى رسائل بيت العدل الأعظم المؤرخة 1 تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1969م ما يلي: “إن السلطة والتوجيه تصدران من المحافل بينما يعتبر كافة أفراد المؤمنين مصدر القوة لتحقيق المهام والوظائف.  من المهام الرئيسية لهيئات المعاونين المساعدة على تحريك وإطلاق هذه القوة “. من كتاب Messages from the Universal House of Justice – ص150.

(1)       من كتاب – Messages from the Universal House of Justice ص 376.

(2)       راجع كتاب – The Bahá’í World مجلد 13 ص 751.

(3)       إن أيام الهاء تعتبر ضمن التقويم البهائي وتقع قبل الشهر الأخير للسنة البهائية وهو شهر الصوم ويسمى بشهر العلاء ويبدأ من الثاني من آذار (مارس) حتى العشرين منه حسب التقويم الميلادي. وبغير الضيافة وأيام الهاء هناك تسعة أيام محرمة بهائية=

(1)        انظر الفصل التاسع من الكتاب.

(1)       كتاب الأقدس – بند 5

(2)       من كتاب “القرن البديع” لحضرة شوقي أفندي – ص260.

(1)        من كتاب ” منتخباتي ” Gleanings – ص63.

(1)       إن المعارضين للدين البهائي وعلى الأخص رجال الدين المسلمين والمسيحيين يقولون بأن عدم ترجمة وطبع ونشر الكتاب الأقدس حتى الآن (1989) راجع بأن المسئولين في الجامعة البهائية قد فوتوا الفرصة على أعضاء الجامعة باتباع ما جاء به حضرة بهاء الله في أم الكتب. ولكن كما ذكر، فإن حضرة بهاء الله كان واضحًا في تعيين من هو بعده حضرة عبد البهاء وتخويله صلاحية تفسير وتبيين آياته وآثاره. كما قام الأخير بدوره بإعطاء هذه الصلاحية إلى حضرة شوقي أفندي. وخلال فترة مجموعها 65 سنة قام حضرة عبد البهاء وحضرة شوقي أفندي بتفسير وتبيين العديد من الآثار المباركة لحضرة بهاء الله من أجل توجيه وهداية الجامعة البهائية. وفي الواقع كان من المستحيل تصور كيفية انتشار وبسط أحكام ومبادئ كتاب الأقدس دون هذه التفاسير والتوضيحات خلال عقود قليلة من الزمن.

(1)       سن البلوغ الشرعي في الدين البهائي كما ذكر في كتاب الأقدس هو الخامسة عشرة. ومع بلوغ هذا السن يكون الأفراد قد بلغوا سن تحمل مسئولية حياتهم الروحية وتطورها.

(2)       جميع أنواع الصلاة مذكورة في كتيب “أدعية حضرة محبوب”.

           قال حضرة بهاء الله في كتاب الأقدس: “قد رحم عليكم شرب الأفيون إنّا نهيناكم عن ذلك نهيًا عظيمًا في الكتاب والذي شرب إنه ليس مني اتقوا الله يا أولي الألباب”.

(1)       الصيام في البهائية عبارة عن كف النفس عن الأكل والشرب من طلوع الشمس حتى مغربها. يبدأ اليوم عادة بتلاوة عائلية للدعاء والمناجاة ويستغل باقي اليوم في التأمل والدعاء وقراءة الآثار المباركة وتهذيب النفس بالإضافة إلى الأعمال الروتينية اليومية.

(2)       كتاب الأقدس – بند 19.

(1)       لمعرفة المزيد عن التعاليم والآثار البهائية المتعلقة بالزواج وقدسيته يمكن مراجعة كتاب Compilation of Compilations – فصل Preserving Marriages.

(2)       يقول حضرة بهاء الله في رسالة له إلى رجال الدين المسيحيين: “قل يا ملأ الرهبان لا تعتكفوا في الكنائس والمعابد اخرجوا بإذني ثم اشتغلوا بما تنتفع به أنفكسم وأنفس العباد… تزوجوا ليقوم بعدكم أحد مقامكم إنّا منعناكم عن الخيانة لا عما تظهر به الأمانة أأخذتم أصول أنفسكم ونبذتم أصول الله وراءكم اتقوا الله ولا تكونوا من الجاهلين. لولا الإنسان من يذكرني في أرض وكيف تظهر صفاتي وأسمائي تفكروا ولا تكونوا من الذين احتجبوا وكانوا من الراقدين”.

(1)       هناك عدة بيانات في الآثار البهائية التي توجب إطاعة الحكومة وتجنب المشاركة في الشئون السياسية. ومثال على ذلك يمكن مراجعة كتاب Messages from the Universal House of Justice 1963-1986  – الفقرات 55 – 77 – 173.

(1)        جاء في البشارة الخامسة من لوح البشارات لحضرة بهاء الله ما يلي: “إن هذا الحزب إذا أقام=

          =في أي دولة يجب عليه أن يسلك مع تلك الدولة بالأمانة والصدق والصفاء. هذا ما نزل من لدن آمر قديم”. (مترجم). من كتاب “مجموعة من ألواح حضرة بهاء الله نزلت بعد كتاب الأقدس”.

(1)      جاء ذلك في المجموعة الوثائقية باسم Consultation  – ص15.

(1)        جاء ذلك في المجموعة الوثائقية باسم –Consultation   ص 22-23.

(1)     من كتاب –Bahá’í  Administration   ص 22-23.

(1)        من المجموعة الوثائقية  باسم -Consultation   ص21.

(1)        من كتاب الأقدس – بند 2-3.

(1)       تترجم كلمة Community أحيانا بجالية وأحيانا أخرى بجامعة ولكن ما تعارف عليه بشكل أوسع في الترجمات البهائية العربية هو استخدام كلمة جامعة.

(1)        من كتاب The City in History تأليف لويس ممفورد – ص9

(1)     لمعرفة المزيد من الإحصائيات حول تقدم ونمو وتوسعة الدين البهائي منذ نشأته يمكن مراجعة مجموعة The Bahá’í  World (العالم البهائي).

(1)       مثالا على ذلك شاركت الجامعة البهائية العالمية خلال مشروع خطة السبع سنوات (1979-1986) في أكثر من مائتي مؤتمر وحلقة وجلسة تابعة للأمم المتحدة في شتى بقاع العالم.

(1)        THE BAHÁ’Í WORLD        http://www.bahai.org

(1)      إن أول مشروع عالمي طرحه بيت العدل الأعظم هو مشروع التسع سنوات (1964- 1973). ومن ثم مشروع الخمس سنوات (1974-1979). ومن ثم مشروع السبع سنوات (1979-1986) ومن ثم مشروع الست سنوات (1986-1992) ومن ثم مشروع خطة الثلاث سنوات (1993-1996) وأخيرًا مشروع الأربع سنوات (1996-2000).

(1)       من كتاب Messages from the Universal House of Justice 1963-1986 الفقرة رقم 1804

(2)       لمعرفة وجهات النظر البهائية بالنسبة للتربية والتعليم يمكن مراجعة كتيب “التربية والتعليم – مقتطفات من الآثار المباركة” (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل – تشرين أول 1981).

(1)       إن مؤلفي هذا الكتاب مدينان بالشكر للسيدة روحية رباني أرملة حضرة شوقي أفندي ولي أمر الدين البهائي للمعلومات القيمة التي قدمتها. إن والدة روحية رباني كانت أول من نظمت جلسات الفاير سايد في مونتريال. إن الاستعمال الواسع لهذا الاصطلاح راجع إلى ما أشير إليه بكثرة في مراسلات حضرة ولي أمر الله.

(1)       إن الطريقة البهائية في دعم الاحتياجات المالية للدين قد لخصه حضرة شوقي أفندي في رسالة بعث بها إلى المحفل الروحاني المركزي للبهائيين في الولايات المتحدة في عام 1942م حيث جاء في الرسالة: “يجب أن نكون كينبوع المياه الذي يملأ ويفرغ نفسه بشكل مستمر من منبع مخفي. وأن نساهم بصورة مستمرة في دعم أعزائنا الأحباء دون خوف من الفقر بل التوكل على الفضل المتدفق من مصدر كل الثروة والخير. هذا هو سر الحياة الصحيحة. (من كتاب Bahá’í  Funds and Contributions – ص16).

(1)       خلال مشروع السبع سنوات عقدت مؤتمرات عالمية في كل من: مونتريال بكندا – كويتو في اكوادور- لاغوس بنيجيريا – كانبرا بأستراليا ودبلن بإيرلندا.

(1)       لا يشجع حضرة شوقي أفندي عرض صور حضرة الباب وحضرة بهاء الله في كل مكان احتراما وتجليلا لهما وإنما اختص ذلك أثناء زيارة البهائيين للأعتاب المقدسة في المركز=

(1)       من لوح “ابن ذئب” لحضرة بهاء الله.

(2)       هذه الإنجازات كانت لها نتائج سلبية خلال الثورة الإيرانية. فالجامعة البهائية في إيران كانت تمثل طبقة مثقفة ومتعلمة والكثير من العائلات البهائية كانت تحتل مواقع متقدمة في إدارات الخدمة المدنية وشغلوا وظائف هامة سواء بالنسبة للمهنيين أو رجال الأعمال والصناعة. هذا الامتياز أثار حفيظة رجال الثورة الإيرانية واتهم البهائيون بالاستفادة من=

           = النظام السابق على الرغم من أنهم كانوا يعانون من التفرقة حتى أثناء حكم الشاه السابق ووالده مع العلم بأنهم لم يشتركوا في الأحزاب السياسية.

(1)       ضرب البهائيون الإيرانيون مثالا جيدا للجامعات البهائية الأخرى فيما يتعلق بمسئولياتهم الجسيمة في ميدان الهجرة. وذلك عن طريق تشجيع الشباب على دراسة التخصصات المطلوبة في الدول النامية مثل الطب والتمريض والهندسة والتعليم الفني والزراعة وغيرها.

(2)       في عام 1974م  شكلت مجموعة من الطلبة وأساتذة الجامعة البهائيين مؤسسة بهدف الدراسات البهائية. تم تأسيس مركز لهذا الغرض في أوتاوا بكندا مع فروع لها في بعض دول العالم. إن الهدف الرئيسي لهذه المؤسسة هو تطوير دورات معينة وإيجاد المصادر العلمية اللازمة لدراسة الدين البهائي في مؤسسات الدراسات العليا.

(1)        ذكر ذلك السيد أرثر دالArthur Dahl  في مقاله بعنوان The Fragrance of  Spirituality المنشور=

(1)        من كتاب Messages from the Universal House of Justice 1963-1986 – ص42.

(1)        “السلام العالمي وعد حق” (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل – كانون الثاني 1996م).

(1)       المصدر السابق  – ص11.

(2)       المصدر السابق  – ص11-12.

(3)      “السلام العالمي وعد حق” (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل – كانون الثاني=

(1)         من كتيب “بهاء الله” ص 4-5.

(2)         في مدينة نيويورك أعلن حضرة عبد البهاء عن ميثاقه خلال زيارته لها في عام 1912م.

(1)        من كتاب القرن البديع” – تأليف حضرة شوقي أفندي – ص 260.

(1)       من “مجموعة من ألوح حضرة بهاء الله نزلت بعد كتاب الأقدس” (من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا – آذار 1980م) – ص85.

(1)        حكم حقوق الله كان في السابق واجبا فقط على البهائيين من الشرق الأوسط.

(1)         من كتيب ” حقوق الله ” – ترجمة لبيب شهيد (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل – آب 1986م) – ص23-24.

(1)        نشر هذا الحديث في جريدة Toronto Daily Star   بتاريخ 4 أيار (مايو) من عام 1926م.

(1)         من لوح كرمل منشور في كتاب “منتخباتي” – ص18-19

(2)         اختار حضرة شوقي أفندي الشكل الإغريقي الكلاسيكي للأبنية لأن هذا الشكل له خلفية=

(1)        رسالة ” السلام العالمي وعد حق ” – ص33-34.

(1)       بمناسبة مرور خمسين سنة على تأسيس هيئة الأمم المتحدة أصدرت الجامعة البهائية العالمية وثيقة باسم Turning Point for All Nations (منعطف التحول أمام كافة الأمم) شارحة فيه التصور البهائي للمرحلة التالية من تطور المنظمات.

(2)       جاء ذلك في رسالة  The Advent of Divine Justice ( ظهور العدل الإلهي ) لحضرة شوقي أفندي – ص81.

(1)       من كتاب “منتخباتى” – ص220.

(2)       من كتاب “منتخباتى” – ص139.

(3)       المصدر السابق  – ص12.

 

(1)        “كتاب الإيقان” (من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل – الطبعة الثالثة ) – ص153.

(1)        جاء ذلك في مقدمة كتاب Life and Teachings of Abbas Effendi تأليف ميرون فليبس.

(2)        جاء  هذا النص في “كتاب القرن البديع ” لحضرة شوقي أفندي – ص453

 

(1)        من كتاب –The Divine Art of Living- ص 91.

(2)        من “كتاب القرن البديع” لحضرة شوقي أفندي – ص4.

(1)       تشير الأعمال التي قام بها الميرزا محمد علي وإبراهيم خير الله (راجع الفصل الأول) بأن النجاح الجامعة البهائية في تجنب أي نوع من التفرقة والتشعب لم يكن بسبب عدم الهجوم عليها. فبالإضافة إلى هذين الشخصين اللذين عاصرا حضرة عبد البهاء فقد شهد تاريخ الدين منذ وفاة حضرة بهاء الله في عام 1892م عدة محاولات بواسطة اعضاء بارزين من الجامعة البهائية لإيجاد الشقاق والتفرقة داخل الجامعة والسعي لإيجاد أتباع لهم. ولكن لم تنجح هذه المساعي في إيجاد أتباع كثيرين لهم بل انتهت غالبية هذه الحركات بعد موت مؤسسيها.

(1)       في وصية حضرة عبد البهاء المعروفة باسم “ألواح الوصايا” دعا حضرته أيادي أمر الله إلى طرد أي فرد من الجامعة البهائية يحاول أن يوجد شقاقا وتفرقة بصورة متعمدة أو يعرض وحدة الدين للخطر. إن هذا الاختبار هو لمعرفة وجهة نظر الفرد للمؤسسات الرئيسية التي أوجدت بواسطة عهد وميثاق حضرة بهاء الله. جاء في “ألواح الوصايا”: “الفرع المقدس – أي ولي أمر الله – وبيت العدل العمومي الذي يؤسس ويشكل بانتخاب العموم كلاهما تحت حفظ وصيانة الجمال الأبهى وحراسة العصمة الفائضة من حضرة الأعلى روحي لهما الفداء كل ما يقررانه من عند الله من خالفه وخالفهم فقد خالف الله ومن عصاهم فقد عصى الله ومن عارضه فقد عارض الله ومن نازعهم فقد نازع الله ومن جادله فقد جادل الله …”. نلاحظ بأن حضرة عبد البهاء هنا لم يتحدث عن اختلاف وجهات النظر أو التفاوت في السلوك الفردي بل عن السعي المتعمد لإيجاد التفرقة والشقاق بواسطة إنكار السلطات التي أوجدت في الآثار البهائية. أطلق حضرته على من يعمل ذلك بالناقض للعهد والميثاق أكد بأن هذا الشخص لا يمكن أن يكون بهائيا أو له علاقة بالجامعة البهائية.

(1)       هذا الموضوع ليس افتراضيا. ففي عام 1994م اجتمعت مجموعة صغيرة من الأفراد وهم أعضاء في الجامعة البهائية الأمريكية ووضعت خطة من أجل إعادة صياغة الدين البهائي ليكون نوعا من الأيديولوجية الاجتماعية والسياسية مع إعطاء أنفسهم حق التفسير والتبيين. هذه الخطة ركزت على التشكيك فيما أتى به حضرة عبد البهاء وحضرة ولي أمر الله وأيضا تفسير آثار حضرة بهاء الله بطريقة غريبة وبعيدة عن أهدافها ومقاصدها السامية والواضحة. وعلى الرغم من استطاعة هذه الفئة التغلغل داخل شبكات الاتصالات الإلكترونية الواسعة ولكنها لم تستطع التأثير على البهائيين الذين تعرفوا على عملهم وأهدافهم. وأخيرا سحب أصحاب هذه الحركة أنفسهم من الدين البهائي عندما واجهتهم المؤسسات البهائية بالحجة والبرهان.

(1)        راجع كتاب -Messages from the Universal House of Justice 1963-1986 بند 1408.

(2)        المرجع السابق  – بند 1904-1906.

(1)        من كتاب The Advent of  Divine Justice لحضرة شوقي أفندي – ص2.

(1)        لمعرفة المزيد من الاضطهادات التي وقعت للبهائيين خلال حكم عائلة بهلوي راجع كتابThe =

               Bahá’ís of Iran Under the Pahlavi Regime 1921-1979 تأليف دوغلاس مارتن.

(1)       موقف النظام الحالي في إيران من البهائيين ثم التعبير عنه بواسطة آية الله الخميني نفسه في مقابلة أجريت معه بواسطة البروفيسور جيمس كوكروفت من جامعة راتجرز في شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 1978م ونشرت في صحيفة Seven Days  الأمريكية بتاريخ 23 شباط (فبراير) عام 1979م. أما نص المقابلة فقد وافق عليها الخميني ومساعده الدكتور إبراهيم يزدي.

سؤال: هل يمكن للبهائيين أن يحصلوا على حرية سياسية أو دينية في ظل نظام الحكم الإسلامي؟

جواب: إنهم فرقة سياسية ويهدفون الأذى ولا يمكن قبولهم.

سؤال: وماذا عن حريتهم الدينية وممارسة شعائر دينهم؟

جواب: كلا.

(1)         قاض إسلامي إيراني في مقابلة أجريت معه في مجلة “خبر الجنوب” الحكومية الإيرانية بتاريخ 22 شباط (فبراير) عام 1993م عندما أصدر حكما بإعدام عشر نساء وشابات بهائيات في مدينة شيراز ما يلي: “قبل أن يصبح الوقت متأخرا على البهائيين إنكار عقيدتهم وإلا فإن الأمة الإسلامية ستطبق عليهم ما جاء في القرآن الكريم: ’وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا‘ (سورة نوح – آية 26)”.

(1)       بني هذا المعبد في أواخر القرن التاسع عشر وتهدم بسبب الزلزال وأخيرا أزالته الحكومة السوفيتية.

(2)       لمعرفة المزيد من معاناة الجامعة البهائية تحت الحكم النازي والشيوعي يمكن مراجعة “كتاب القرن البديع” لحضرة شوقي أفندي – ص446-447.

(3)       لمعرفة أمثلة على ذلك يمكن مراجعة الكتب التالية:

         Bahaism and its Claims – S.G. Wilson

               The Religion of the Bahá’ís – J.R Richards

               Bhaism: Its Origins and Teachings – W.M. Miller

(1)       ذكر روبرت ريتشاردسون في مقالة بعنوان “البشير والنبي والبابا” The Precursor, The Prophet and the Pope الصادرة في نشرة Open Court العدد 30 الصادر في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1916 في صفحة 626 حول العقيدة البهائية الخاصة بعصمة مظاهر الظهور بأن: “هذا المبدأ يمكن وصفه بأنه أكثر المبادئ الدينية فسادا والذي تجرأ الإنسان على طرحه وهو الذي أدى إلى ظهور فرقة دينية باسم “المرتزقة” أو “القتلة” Assassins ولكن البابيين والبهائيين تمسكوا بموضوع عصمة الأنبياء والرسل في جميع الأحوال”.

(1)        هذا الحكم صدر من المحكمة الدستورية الفدرالية بتاريخ 5 شباط (فبراير) من عام 1991م.

(1)        جاء ذلك في كتابBahá’í Administration  لحضرة شوقي أفندي – ص66

(1)       البيان المذكور هو من حضرة بهاء الله وجاء في كتاب حضرة شوقي أفندي المسمى The Promised Day Is Come  ص293.

(1)       إن المؤيدين للمبادئ الدستورية في إيران تشكلوا من تحالف غريب ضم رجال الدين الشيعة والسياسيين العلمانيين الراديكاليين وكان ذلك قبل اندلاع الثورة الإسلامية في إيران التي أتت بآية الله خميني إلى السلطة في عام 1979م.

(1)       جاء ذلك في المقدمة الإنجليزية لكتاب “نقطة الكاف” والمذكورة في كتاب السيد حسن باليوزي Edward Granville Browne and the Bahá’í Faith (إدوارد كرانفيل براون والدين البهائي) – ص88.

(2)       رفض الأزليون قبول حضرة بهاء الله واستمروا في تسمية أنفسهم بالبابيين. ويبدو أن غالبيتهم قد تخلوا عن ممارسة أية شعائر دينية لصالح الحركة السياسية الراديكالية التى تحالفت مع رجال الدين الشيعة الذين كان لهم دور رئيسي في المذابح التي أقيمت ضد البابيين.

(1)       اللذان تزعما هذا الموضوع هما شخصان يدعيان أحمد روحي وآقا خان كرماني وكانا قد تزوجا ابنتي الميرزا يحيى. يبدو أنهما اعتبرا اهتمام إدوارد براون بدعوة حضرة بهاء الله تهديدا لبرنامجهما السياسي. ولهذا فإن هدف المستندات التي كتباها كان إظهار حضرة بهاء الله وكأنه اغتصب وسلب السلطة التي كانت من حق الميرزا يحيى. إن أثر عملهما هذا يمكن مشاهدته في إصرار براون على استعمال كلمة “بابي” أو “بابيين” للإشارة إلى البهائيين.

(2)       مثالا على ذلك راجع ما ذكره السيد حسن باليوزي بالنسبة لمساهمة اثنين من الأزليين في كتابة Edward Browne and the Bahá’í Faith الصفحات من 19 حتى 21 ومن 33 حتى 34 ومن 80 حتى 84 وأيضا المقدمة الفارسية لكتاب “نقطة الكاف” -ص70 وأيضا من 73 إلى 88.

(1)       في الحقيقة يظل سرا كيفية دخول كتاب “نقطة الكاف” لمجموعة كتب غوبينو. ولم يظهر أي دليل يثبت ان الكتاب كان في حوزة غوبينو نفسه أو كان على علم بمحتوياته.

(1)       حول هذا الموضوع أشار براون إلى وجهة نظر أحد أصدقائه المقربين في وزارة الخارجية البريطانية السير سيسل سبرنغ بأن العلاقة بين حضرة بهاء الله والميرزا يحيى أزل شبيهة بتلك التي كانت بين القديس بول والقديس بطرس (إشارة إلى انتزاع الأول لسلطة الثاني). في الواقع وما انتبه إليه براون في وقت لاحق أن التناظر الوحيد ذا المعنى الذي يمكن الإشارة إليه بين الأحداث المسيحية والتاريخ البهائي هو الدور الذي قام به حضرة الباب بالنسبة لظهور حضرة بهاء الله على أنه لا يختلف عن الدور الذي قام به يوحنا المعمدان في تمهيد الطريق لظهور السيد المسيح عليه السلام. أما ما يمكن القول عن الميرزا يحيى ودوره في التاريخ البهائي هو تشبيه بما قام به يهودا الأسخريوطي في التاريخ المسيحي. ولكن هذا التشبيه لم يوافق عليه إدوارد براون أو الأزليون.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: