مستقبل الأنسانية و الطريق الى السلام

. اهداء

الى اخواننا  فى  موكب البشرية  ……………..

الى  اؤلئك الذين  يتوقون  الى  سلام  الأنسانية

الى  كل  من  يبحث  عن  الحق  و  الأصالة  و  الحرية

الى كل من يبحث عن حلول اقتصادية تعتمد على الأخلاق و حسن الخلق

الى كل  من يبحث عن حلول اجتماعية تعتمد على النزاهة و التجرد

الى كل  من يبحث عن تجديد و احياء الفضائل الأنسانية

بعد ان  تزلزلت اركان العصر الأقتصادية و الأجتماعية بسبب  تدهور الأخلاقيات بالدرجة الأولى حيث ان الأخلاق الحميدة  أو  السيئة هى منبع كل السلوكيات سواء  سلبا  او  ايجابا(الفضائل و  الرزائل فى هذا العالم )

مصطفى محمد غنيم – 1947 ميلادية – 103 بديع

2

مقدمة

      نظرة فاحصة   الى  الشئون  العالمية ، نجد أن معظم مفكرى العالم  المخلصين ينادون بفكرة الأتحاد العالمى والوئام بين الشعوب المتنافرة و الأمم المتخاصمة ويرون فى السلام العالمى أهم هدف تسعى لة الأنسانية، ضمانا للمستقبل المستقر …. لأستمرار البقاء ….

     والمتتبع للأحوال العامة يرى أن كل الدلائل تنطق بأننا سائرون الى  هذا الأتحاد  و ذاك السلام الذى أصبح من ألزم لوازم العصر ، لحفظ كيان الحضارة . فالعمل الدؤوب و السعى قدما لتحقيق تلك الأحلام …. وهذة الأمانى … هو الطريق الواجب أن يسلكة كل  انسان غيور على كيان هذا العالم.

     فمن سمات هذا العصر اتفاق وجهات نظر متعددة  تهدف الى نقطة اساسية واحدة  وان  اختلفت الشكليات  والمظاهر و تعددت الأمكانيات و الحلول. فلنبحث عما يهىء تضافر الجهود حتى تكون النتائج أوثق كى تصل  الأنسانية الية من سعادة  ويتبوأ الانسان  ما يصبوا الية فى كوكبنا هذا الصغير. ويسير قدما فى سلم  التطور و الأرتقاء غير المحدود.

    ولقد اصبحت نظرية التطور الحضارى حقيقة  علمية واقعة فى المحسوسات و المعنويات. بل  هى سر  يحكم تقدم الأمم و ارتقاء تفكير الأنسان. ومن السمات  البارزة فى التمدن الأنسانى ان كل عصر يغلب أن يكون  لة تمهيد عقلى ( وهو ما يعبر عنة بالرؤيا الحضارية) فى العصر السابق علية. ومن الواضح لكل متبصر أن نفاذ هذة الرؤيا مستمر فى التقدم و الأرتقاء.

     وهذا يسلمنا الى حقيقة ثابتة هى أنة ليس  للفكر أو الابداع … ولا  الفلسفة أو العلم ….  ولا  للألهام  ولا  للأديان  نهاية …..

    وانتفاء حالة الأنتهاء …. تحتم على الأجيال الحاضرة التطلع الى المستقبل  بنظر فاحص دقيق .. كى تحقق للأجيال المقبلة …… حياة أرقى و  أعظم ..

3-

أمانى اليوم  حقائق  الغد

     لم يكشف لنا التاريخ حتى الآن كنة حياة  الأنسان الأول لأنعدام عنصر التدوين، رغم الأبحاث المستمرة  و الكشوف الأثرية المتعددة. لكنة على الأرجح بدأ حياتة فى  احدى البقاع من الأرض ومنها انتشرت ذرارية  فى جماعات صغيرة الى بقاع أخرى ، وبتوالى الزمن اتسعت حاجات الأنسان و زادت مطامحة و تطلع الى توفير  أحسن الطرز لحياتة بغية الراحة و الهناء، ولو كان ذلك  على حساب غيرة من بنى جنسة …. آنذاك فقط بدأت البشرية طور التدافع و حياة الأطماع و التنازع.

      وقد تدرجت حلقات الحياة  فمن طور الأسرة الى طور القبيلة ….. الى  الأمة …. الى الدولة …. سواء أكانت دولة مدنية ، او دولة جامعة ، او دولة امبراطورية . ويبدوا أن تعدد مطالب الحياة و تشعب مشاكلها دفع  اؤلئك الذين تجمعهم مصالح متشابهة الى  الأرتباط فى شكل حضارى موحد، والنضال فى سبيل اصلاح مجتمعهم وان أضر ذلك بغيرهم من المجتمعات.  ونما التطاحن و تطور و تضخم. وأبرز صورة الخلافات التى سادت بين الأمم فى القرن العشرين وكانت نتيجتها حربين عالميتين متتاليتين لم يشهد التاريخ مثلهما فظاعة فى ضروب التقتيل و التدمير وخلفا عالما  يائسا مشوشا عليلا.وأصبح انسان هذا القرن مخلوقا  قاتما هزيلا.

      لقد ظلت الأنسانية تعيش فى ظلام و تخبط على  مدى قرون عدة لولا  ذلك الضوء النورانى الذى كشف  الحجب وسطع فى الأفق …. ذلك الضوء الذى انبعث تباعا من رسل اللة و انبيائة…. وهم ولا  شك معلموا الأنسانية الأول و قادتها المبرزون . وحاملوا مشاعل الحق  والحرية ومبددوا ظلام الجهل و العبودية . مما لا  مرية فية أنهم لم يألوا جهدا فى سبيل نشر دعواتهم و العمل  على الأرتقاء البشرى. بل وبذل النفس و النفيس لتحقيق أهدافهم العليا و مثلهم الرفيعة. ولطالما بشروا الناس  بيوم موعود …. فية  يتجدد العالم و يتحقق السلام  ويأتى الملكوت الألهى ، ويصير العالم أمة واحدة و يعمل الكل لهدف واحد و يعبدوان ربا  واحدا ….هو اللة جل شأنة. كما تنبأوا بظهور موعود الأمم الرجل  الألهى الذى يبلغ رسالة اللة الجديدة الى الناس و يبنى عالم  المستقبل بل يكون هو نفسة نقطة البدء فى حضارة العالم  المنشود .

                                               ………………………

      ولم يخل تاريخ الأنسانية من مصابيح أخرى باهرة  تلكم هم  الفلاسفة و المفكرون و المصلحون و العلماء . وان كانوا نفرا  قليلا الا أن أفكارهم لمعت وسط الظلمة و تحملوا المشاق  فى سبيل آرائهم الحرة و أفكارهم الأصلاحية الصادرة  عن نفوس صافية يهزها شعورها العميق نحو اخوانها فى  شجرة البشرية.

   وقد تخيل كثير منهم كحل لمشاكل الأنسان العتيد –  نوعا  من المدن الفاضلة  أو  اليوتوبيات. وهم  وان  اختلفوا فى التفاصيل فقد اتحدوا فى  اللب ناشدين  عالما ترفرف علية ألوية السلام و يتمتع بالطمأنينة و الوئام  وانتشر هؤلاء المصلحون – على قلتهم – عبر التاريخ  فى الشرق  و الغرب منادين بدعواتهم فى محيطهم الخاص  وقدر لهذة الآراء الأنتشار بين شعوب كثيرة و امم  شتى. وكان لها كبير الأثر فى بعض النفوس المتعطشة للسلام فنشأت بعض الجماعات العالمية و الجمعيات الدولية ساعية نحو الوحدة  وازداد هذا النشاط فى القرن الحالى خاصة بعد الحرب العالمية الأخيرة.

     ومما  لا شك فية أن مطالب الحياة الجديدة الواسعة التى تجلت فى القرن العشرين تدفع الأنسان للعمل على الأتحاد وبأوسع معانية، بخطى ثابتة و طيدة ، فتقدم  طرق المواصلات تقدما عظيما قهر المسافات، بل  الغاها  وجعل العالم وكأنة ” مدينة كبرى”  ومن هنا فقد أصبح لزاما على البشر أن يبحثوا عن حل يؤمن سلامتهم و يهيىء لهم معيشة مطمئنة و حياة  رغدة.

    فأزدياد حاجات العصر و تعدد مطالبة و مشاكلة دفع اؤلئك الذين يودون تحقق امانى السلام و الوحدة  العالمية الى  العمل الدؤوب فى هذا  السبيل. ومنهم مفكرون عالميون يدعون الى  الوحدة العالمية و السلام  العام والأخذ باسباب الأصلاح لكافة البشر .

    من هؤلاء المفكرين الذين يمارسون موضوع مستقبل الأنسان “الدوس هاكسيلى” الأديب و الناقد و المتصوف وهو وافر الثقافة واسع الأطلاع متوقد الذهن و لة  عقلية وثابة أحاطت بتاريخ العالم قديمة و حديثة . وهو ممن ينظرون الى المستقبل ويقدرون مصير الأنسان و لكنة  لا يأتمن العلم وحدة على مصير الأفراد و الجماعات. العلم الذى يخلق من الناس آلات صماء هى أسيرة لنظام ميكانيكى  جامد. ولا  سبيل الى هداية الأنسان الا أن يتوجهة الى السلام فى عالم الروح.

   ولا ينسى هاكسيلى رأى الماديين فى أن الأنسان  مجموعة من الأحساسات و لكنة يسأل .. ما الذى جعلها  و ركبها فى هذة الصورة البشرية. تلك الوحدة هى شىء  من عالم الروح وهى على اتصال بالروح الكلى الذى تقوم  بة الموجودات. والغاية القصوى أن يعقد المرء الصلة  بين قبسة الروحانى وبين الروح الكلى الذى لا تخلو منة  حياة. وقد قسم طريق الوصول الى هذة النتيجة  الى ثلاثة أبواب:

الباب الأعلى هو باب التأمل و النظر  و الأدنى وهو باب الزهد و  الأوسط وهو باب  الرياضة الروحية و الديانة الصوفية.

   وأن المرء ليصل الى الحقيقة الألهية ، ولو لم  يكن من الفلاسفة و العلماء، لأن استعداد طلب هذة  الحقيقة الألهية وهذة الحقيقة هو  الحب و نقاء القلب  و الوداعة و الصفاء. وخلاصة القول أن المرء حين ينحصر  فى حدودة و يشتغل بشهواتة و مطامعة تقوم الحجب  بينة وبين الروح الكلى الذى يعم الأكوان و لا يخص الأفراد و الجزئيات. فاذا خرج الأنسان من جزئياتة و روض نفسة على الحب يسبب لة ذلك الأتصال الذى يشفية  من داء الأنفصال. وبالدعة و تحطيم الكبرياء يلتقى  بالعالم و لا يحجبة عنة صور. وينقى قلبة فلا يطوية على شىء ينعزل بة عن البصائر و الأبصار. ومعنى ذلك  أن يحيا أفضل مما هو وأن يتسلط بالجوهر الأنسانى  فية على الطبائع الحيوانية.

    وليس فى ذلك تضحية بترك الصفات المبتذلة فى سبيل الكمال المنشود فان الروح اقوى من الجسد  وأقدر على تطويقة. ومن الجائز ان يهتدى السالك  الى الروح الكلى على يدى المرشدين و العظماء من  العارفين، ولكن للوصول من ان يعتمد  على بصيرتة  و   وجدانة.

     وهو يقول ان  هناك طريقا الى  الحقيقة الألهية من داخل النفس … من داخل العالم و جواهرة  وأعراضة، فاذا اتفقت الطريقتان فهو المنهج السديد  للوصول. وهو يفرق بين طلب البقاء و طلب الحقيقة  الألهية لأنة حضور  سرمدى لا  ينحصر فى زمان  ولا  مكان. اما  البقاء ففى  قبضة الزمان انتقال من  حال  الى  حال.

   هذة  خلاصة موجزة من ناحية التصوف الحديث فى  كتابات هذا الكاتب العالمى. والعجيب ان  تستولى هذة الحكمة الصوفية علية فى هذا العصر المادى. ويؤخذ من نزعة هاكسلى ان الحقائق المادية غير ثابتة وان أحق الناس بالعرفان اؤلئك الذين نظروا الى  الكون بعين الباطن قبل النظر الية بعين الظاهر.

……………………

     ومن مفكرى القرن العشرين المبرزين الأديب  والعالم  الأنجليزى الذائع الصيت ” هربرت جورج ولز”  الذى عكف  على دراسة المشاكل الأنسانية دراسة مستفيضة. فالحياة  عندة وحدة شاملة لا  تتجزأ. وقد كان  فى  شبابة مثاليا يدعوا  الى  “يوتوبيا” اى  المدينة  الفاضلة ولكنة اصبح فى كهولتة واقعيا ينشد الكمال فى التطور طبقا  لناموس الأرتقاء. وقد شعر بما يصيب البشرية من الأنحلال دوما ، وما وصلت الية من مآسى الحروب نتيجة للتهور، فوضع  فى خلال الحرب العالمية الثانية كتاب “عالم الغد”  اورد فية آراء و مقترحات يعدها دواء لعالم ازمنت  عللة.

   فدع فى كتابة الى  مبادىء يمكن ان تكون دعائم  لسلام  عالمى. ويعتقد ان المسابقة فى التسلح هى سبب  كارثة الحروب الى جانب طموح بعض القادة و الزعماء.  ولم يكن الناس فى العصور الماضية يحلموا بادارة عالمية مستتبة او صلات دولية وثيقة، اللهم الا  المعاملة الأقتصادية التى كانت تولد نوعا من الأتصال الدولى. ثم تفشى مذهب المغالاة الوطنية و الدعوة الى تقديس الجنس فكانت العوامل سببا فى الكارثة كما أن تقول الحكام لا تسلم بأن عهدهم  قد مضى. ويجب اصلاح العالم من اساسة و استبدال  النظام بغيرة وهو يقول اننا نعيش فى خاتمة عهد من عهود التاريخ…. واننا فى دور انتقال … ومن رأية أن نتحدث فى  صراحة و افاضة، اذ  أن الصلاح  أمر جوهرى لعالم يزداد تدهورا.فيجب كشف الحقيقة  الى كل  الناس رغم خضوعهم الى  الرقباء و رغم الأضطهاد و الفوضى التى عمت شئون الأنسان ، فلا بد من اعادة  بناء العالم ، ولكن ليس فى الأفق بوادر  الخ  ظهور  رأى عالمى قوى الملاحظة ، والجامعات صامتة و البيئات  العلمية منصرفة …. الى  غير ما  خصصت لة ! فنحن  فى حاجة الى مباددرات صريحة و تفاهم عام حتى يتحقق .. السلام  العالمى! …..ويجب على كل انسان  أن يفكر ، ويعمل ، ويلقى برأية ، يستمع الى آراء الآخرين، فان عالمنا يسير الى  التهلكة فلا بد من اعادة انشائة ، ولن يكون هذا  مجديا الا  فى  النور … ولن ينقذنا الا  عقل  نير  حر  صريح!

ثم  ينتقل  الى  عوالم  الهدم، واولها الغاء المسافة الذى ظهر أثرة مؤخرا، والمستحدث من آلات التخريب واستنفاد الثروة فى ما  لا يجدى ، وقد اشتدت  الحاجة الى ضابط عالمى يدبر حياة البشر بعد أن تحطمت  عصبة الأمم(جنيف) و المحكمة الدولية ولم يؤديا ما  كان متوقعا لهما. وما عاصفة الحرب التى ترجع الى  الأنحلال فى نظام الحكم  الا  مظهر من مظاهر الحاجة  الى توحيد الجهود الأنسانية، توحيدا يقوم على العقل  وان نتحرر من السيف و المدفع، وسطوة التجار و طغاة  المال ولا بد من بعد النظر و الكفاية الذهنية. ومن الأخطاء الماثلة شيوع الجهل، وانصاف المتعلمين و اهمال  الشباب، تعقد مشكلة البطالة، مما يقوض اركان المجتمع. ونجد أن ولاة الأمور يقفون امام هذة المشاكل حيارى  مكتوفى الأيدى.وقد باءت حلولهم بالفشل لأنها امتزجت  بالعصبية الشعوبية، فوقعوا فى أخطاء شنيعة دفعت العالم  الى  الأفلاس التام، وأطمعت كبريات الدول فى ضغرياتها، واصبح معظم الناس فى قلق دائم على مصيرهم.

   وفى  بحثة فى مسألة حرب الطبقات، يرى انشاء حكومة عالمية تعمل  على تحقيق الأخوة الأنسانية عمليا، وقد أوضح ان النظم التى سادت زمنا فى عالمنا، من فاشية و ديموقراطية و اشتراكية ومذاهب ثورية قد أخفقت ولم تفد شيئا. اذن فلا سبيل لذلك الأصلاح الا بظهور …. نظام هادىء متعقل يسوى بين الجماعات و يحفظ حقهم بعد ان خابت  الآمال  ثم يقول: ان بنى الأنسان يواجهون الآن قوى  هائلة … اما  قضت على الأنسانية و اما  رفعتها الى مستوى  لم يسبق لة مثيل . !  فلا بد من التحكم فى هذة القوى لتوجيهها توجيها صحيحا يصلح من شأن الانسانية .

   أما عن المحاولات المرتجلة فقد فشلت جميعها و  كلما  ازداد الأمر تعقيدا  اشتدت التجربة  فشلا ! وزادت الحاجة الى  نظام اوسع شمولا و أدق تطبيقا بحيث يكفل الحرية الشخصية و يحميها و يعمل على التقدم  المضطرد. ثم اوضح ان معظم الأديان بنظامها الحالى تحول  دون  التقدم و تعوق الجهد البشرى. ولابد من  الأتحاد كى نتغلب على التعصبات. ولقد فشلت الأتحادات السابقة  وصعب تطبيق دساتيرها بدون تضرر أحد ولم تحقق الآمال  المنشودة منها.

    وهو ينزع نحو المساواة و الأخوة بين النوع الأنسانى بالتغلب على القوة و الأحقاد الكامنة فى النفوس و التحرر من الأخطاء العتيقة حتى يمكن تنفيذ فكرة الأتحاد وان تدخل جميع دول العالم فى انبيق الصهر، فتنشأ عالمية جديدة الصبغة ذات طراز جماعى. ولأعادة تنظيم العالم يجب أن يكون هناك عملا أو عقيدة  أو  دينا …. جديد !  …  يستطيع أن يهىء عددا كافيا من العقول فى  ربوع العالم بغير  النظر الى  الجنس أو  الأصل و اللون. تعترف  هذة  الديانة بأصول المشكلة الأنسانية و يستتبع ذلك  اشتراكهم فى جهد علنى واضع داع  لأعادة بناء  و تشييد المجتمع الأنساى فيبذلون كل ما  فى وسعهم لينشروا و يشرحوا بالمشاركة مع كل من لة القدرة على هذة  الأفكار الواسعة و الأستعداد الخلقى لها. ويكون هذا الجهد الجبار صادرا من  أرصن العناصر البشرية،وأقدرها على  التنظيم فى جبهة عريضة  متنوعة وفى عالم يقظ محتاج الى الأصلاح فى جميع الوجوة علميا و اجتماعيا و سياسيا و اقتصاديا.

     وفى أغقاب  الحرب العالمية الثانية، وبعد اكتشاف  القنبلة الذرية و استخدامها، وما  جلبتة معها من خوف الدمار  الشامل وهلاك ملايين البشر بالجملة الشىء الذى اطلق علية  الكتاب، الرعب  الذرى، ظهر كتاب “قضية السلام” لمؤلفة  أمرى ريفز و قد أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة فى جميع  الأوساط العالمية، وكتب عنة معظم الكتاب، وكبريات الصحف.

    وقد صور الكاتب المشكلة العالمية تصويرا يدل على رسوخ و اتزان و حرية رأى  فنوة بأن تفكيرنا يمر اليوم بعصر انتقال. واصبحنا نشك فى القوميات التى سببت الحروب المتواصلة وحيث اننا نحل مشاكلنا العامة داخل كياننا القومى بواسطة  القانون و الحكومة، فيمكن تطبيق هذة النظم فى الكيان  العالمى لحل المشاكل الدولية وذلك  بأنشاء حكومة عالمية تنظم علاقات الشعوب بمقتضى القانون. وبعد ان  اشار الى اخفاق كل النظم و المذاهب الأجتماعية الحاضرة  ألمح الى التشوية الدينى فى كل  امة. فمع أن العنصر المقدس  فى الأديان انها  عالمية، ان  الناس خلقوا متساوين امام  اللة! فقد تغلب الشعور القومى على معظم الدول  الغربية و تحولت الكنائس المسيحية الى هيئات مختلفة  متباينة المذاهب، تؤيد الروح القبلية. وقد حدث ان الوحدة الى احتفظ بها القرآن الكريم قرونا بين الشعوب الاسلامية  المختلفة الأصول ذهبت. وصار الشعب الأسلامى قوميات  شتى. وقد نسى الجميع الصبغة العالمية التى كانت  أساس دين الأسلام  العظيم.والأمر لا يقتصر على ذلك  فاليهود وهم أقدم الموحدين نسوا تعاليم دينهم الأساسية وهو انة عالمى، فهم يبغون أن تكون لهم قومية منغلقة.

   وانة لخطر على الأنسانية أن لا تتدارك عقيدة التوحيد العالمية، وما  من  سبيل الى انقاذ الجماعة  الأنسانية الا  بالعالمية…فاذا  لم  تعد دور  العبادة الى مبدئها المركزى فيما تعمل فانها ..  ستزول امام عقيدة جديدة عالمية ..ز  لا  بد ان  تبرز من بين  الخرائب و الألام التى سببها تهافت الناس على  القومية  الضيقة.

    والقانون  وحدة هو الذى نجح فى التنظيم الأجتماعى وضمن للأنسان الأمن  و الحرية  و السلام. وذلك فى وحدات اجتماعية ذات مصدر مفرد للقانون  و النتيجة…   ان  السلام  فى  زماننا  رهن باقامة نظام قانونى يستعلى  على  القوميات خصوصا وأن عهد الحروب سينتهى قريبا … وفى  خلال هذا  القرن  على  الأرجح.

   ومهمتنا و  واجبنا ان  نسعى لايجاد اشراف موحد  بالقانون على  العالم وان نعلن اولا  المبادىء و نحقق الغاية  بالأقناع. وقد طال الحنين بعد جهاد الجنس البشرى الطويل فى سبيل الأرتقاء لايجاد نظام اجتماعى يفوز فية  المرء  بالحرية و الأمن وهذة المثل  العليا هى المبدأ الأول فى  اليهودية و المسيحية  و الأسلام، وهى وحدانية اللة و أن  الناس عند اللة  سواء الذى هو المصدر الأعلى للتشريع و السلام الحقيقى، وهو القانون وهو النظام و هو الحقيقة.

    واما  القول بأن الأختلافات الموجودة بين الجنس البشرى ، تحول دون قيام قانون و نظام عالميين, فمناقض للواقع، فان  معظم القوميات  الأوروبية ظلت زمنا طويلا على  تباغض و تنافر و لكنها اضطرت بعد الحرب العالمية الثانية ان  تعيش جنبا الى جنب  فى  وئام نسبى.

    وقد شرح الكاتب فكرة ” الحكومة العالمية  ”  فقال:  ان خمسة آلاف سنة مضت من حضارة الأنسان  لدليل على ان الحروب تنشب كلما تلاقت جماعات الناس فى منزلة واحدة من السيادة و المصالح المتشابهة، ولم يستتب السلام بين البشر الا حين وجد قانون واحد  ينظم علاقات بعضهم ببعض. والرأى الغالب هو انشاء “هيئة دولية ” تستطيع منع الحروب بين القوميات التى تخضع  لنظام قانونى واحد صادر عن جمعية تشريعية عالمية، تؤيدها  قوة من الشرطة الدوليين.وقد اوضح أن هذة الحكومة لا تقضى على كيان الأمم.لأن القوميات هى التى تقضى  على بعضها ،  ولولا الأتحاد لأباد الأسكتلنديون الأنجليز و الأنجليز الأسكتلنديون .

    ثم  نوة بأن الفكرة ما زالت فى طور التحضير و المبادىء  لم  تتبلور بعد.ولا زالت هناك مراحل فى الطريق المفضى من الفرص الى التحقيق بتصوير الفكرة واعلان المبادىء ونشرها و انتخاب ممثلين المبادىء الجديدة بعد دراسة البرامج و التفاصيل،التى تؤدى الى  الحل الصالح الشامل.

 وان  عشر سنوات ينبغى ان تكون كافية لأنجاح  الجماعة التى تدعوا الى  السلام و القانون العام، والحركة  التى  لا  بد  منها لأنشاء الحكومة العالمية ، ينبغى ان  تستمد  قوتها من جميع الناس وأنة يوجد فى كثير من الدول من يتوقون الى القيام بهذا  العمل وليس امامنا سوى أن نقنع الآخرين بما  نؤمن ونحثهم على  اقناع غيرهم  فقوة الرأى: تتفجر  و تنتشر على نمط الطاقة الذرية فيما  نسمية ” التفاعل المتسلسل ”  وأن نستعين فى ذلك بالصحافة  و السينما و الراديو وجماعات تعقد للبحث. وينبغى أن  تدرس فى  بيوت اللة ، والمدارس وينبغى  ان  يرتفع فى كل  بلد أصداء  ها  الفكر العالمى الذى  يعبر  عن  العمل  من  أجل  الوحدة فى  أقرب فرصة  مستطاعة حتى يجىء اليوم الذى فية تدفع الأمم دفعا  مضطردا  نحو  الحكومة العالمية

    والخلاصة …..  ان  معظم  المفكرين العالميين المتأخرين أجمعوا على  ان  العالم  مريض  مريض  ونظامة  غير  مستقر  و قد  نضبت  روحة  وأن  ملايين  البشر يجب أن تجد لها  مجالا للعيش فى سلام  بما يناسب وجودهم كبشر.

   وهم  حين  يبرزون هذة العيوب بأجلى صورها  ويصفوا لنا حالة  عالمنا المتدهور, لم  يوفقوا  فى وضع  الحلول المناسبة الكافية بأبراء من الأدواء ، ولم يرشدوا  الى  العقل النيير الذى يقود الأنسانية من جديد نحو أهداف نبيلة.

   فالشعور  اصبح دفاقا، بتكوين  الجامعة العالمية … و  بالأحساس بالحقوق العامة لأهل العالم  أجمع ،  و الأتجاة نحو تأسيس حضارة و ثقافة عالمية.

    ولا  بد   لتنفيذ هذا  المشروع ….   العالمى الخطير ،  من  قائد ،  ومعلم ،  يصلح ما  فسد من  حال البشرية ويقود سفينتها الى وسط  هذة  الأنواء و الزوابع  و الأمواج المتلاطمة، حتى تصل  الى  شاطىء السلامة و الطمأنينة و الأمن  ….   حتى  تصل  الى  رجاء  العالم  .   !!!

4

نهاية  عصر

       لم  يشهد العالم  عصرا  أظلم  من  الفترة  الأولى  من  القرن التاسع عشر، ذلك القرن الذى  أعقب قرنا   ساد فية :  الخمول  الفكرى ، وتأخر البشرية ، لدرجة كبيرة فى  الأحوال الروحية و الميادين  الفكرية .  ولكن ذلك القرن  الأخير كان  يعتبر فترة انتقال وضع قديم  بال ، الى جديد  محدث.فالرغم مما طرأ على  العالم  فيه :  من  جهل و خرافات  و انحطاط اجتماعى ، الا  انة  بدأت تظهر علامات فجر  جديدة.

   فقد حدث انقلاب صناعى عظيم فى الغرب سرعان  ما  دوى صداة فى  الشرق. واكتشفت مسائل علمية كانت  تعد قبلا  من الأسرار و  المغاليق. وظهرت تنظيمات دولية جديدة و تطبيقات قانونية حديثة فى  أعقاب الثورة  الفرنسية و الحروب النابوليونية واصبحت هذة التطورات عالما هاما لطلب الأستزادة من العلم و الأنتفاع  بكشوفاتة و السعى لتنظيم الهيئة  الأجتماعية و المصالح  الحكومية و العلاقات العالمية.

     ولكن الذى حدث ان  الأرتقاء المادى الذى تميز بة هذا  العصر، كان  سببا للأنحطاط الروحى  فطغت  عبادة  القوة و المادة، وتفشت مذاهب  الشك  و الألحاد.واشتد التطاحن و تضارب المصالح وبات العقلاء فى  هلع على  مصير الأنسانية،وقد ثبت خطورة الأفكار  المادية و التعصبات الجنسية و العداوات اللونية و التطرف  الدينى و  المغالاة  فى المفهوم الدينى ، كعوامل هدم  وتأخر للهيأة الأجتماعية.

وكانت  بلاد  ايران ” فارس” مع  ما  كان لها  من تاريخ مجيد  قديم ، ومدنية تالدة، احدى  الدول  التى سقطت فى  مهاوى التأخر و سادت فيها  الفوضى فأنتشر الأنحلال ، وتردى  شعبها فى الرذائل  و  الجهل  ،  وعمى  التعصب ، وصارت جميع  امورها فى  تدهور مستمر و انحطاط  شديد حتى ظن  أن لا  سبيل الى انقاذها من هذة  الهاوية.

    ولكن  العناية  الألهية  لم  تنس ايران  و  البشرية  جمعاء  ،  من  اظهار  نفوس  نيرة بصيرة لتحيى موات النفوس وتهدى  الناس سواء السبيل. فكان لظهور  السيد  الباب  واعلان  دعوتة 1844 ميلادية اكبر  الأثر فى  تغيير  حياة هذا  الشعب و اخوانة  فى  البشرية.

    كان  ميلاد  الميرزا  على  محمد الملقب ” بالباب”  فى 20 اكتوبر  1819 ميلادية  من  نسل الرسول “صلعم”  ،  ونشا منذ طفولتة نشأة  دينية يزينها التقى و الورع ، واشتغل بالتجارة زمنا  مع  خالة . وحين بلوغة سن الخامسة  و  العشرين  أعلن أن  اللة قد  اختارة لمقام  البابية، أى قائم  آل  محمد،  ومعنى “باب”  أى  انة واسطة  الفيوضات الروحانية  من  شخص مازال محتجبا  وانة يتحرك  بارادتة.وقد كان جمع غفير  من رجال الدين المسلمين فى  البلدان الشرقية ينتظرون هذا  الظهور فى ذلك الوقت الذى  اشتدت فية  الحاجة الى  معلم جديد  يطور الحياة فى جميع  نواحيها ويصلح ما  فسد  منها  ويرسى قواعد الأصلاح و الأرتقاء.

  كان  هدف الباب, الأسمى هو  الأصلاح فى  المحيط  الأسلامى رغم ما  قوبل بة  من  انكار  و ظلم و تعسف  و تعصب  شديد، هو و تلاميذة ومن  اتبعوا  دعوتة، واحتملوا  الذل  و المهانة، وشرب كثير  منهم كأس الشهادة. ولكنهم  ساروا فى دعوتهم مستضيئين بنور ايمانهم القوى. وبقدر ما اشتدت البغضاء و  الأضطهادات بقدر ما  زاد ثبات المؤمنين وانتشار التعاليم  البابية فى  الربوع الأيرانية.

     وقد  صدر  من قلم “الباب”  كتابات كثيرة تحوى  تفاسير شتى لأعوص المسائل الدينية. وكان حاضر  البديهة سريع الأجابة محيط  الأفاضة. فملأ كثيرا من الألواح  و الكتب ككتاب البيان  الفارسى  و  البيان  العربى  و  قيوم  الأسماء و  المناجاة و الأدعية  و التعاليم التى تحث على تقويم  الأخلاق و  اطاعة  اللة ، والبحوث الدينية  العميقة فى  التوحيد  و العلوم  الألهية و  التصوف العلمى.

   ولكن هدفة  الأسمى ، كان البشارة بأن اللة  سيظهر  من  بعدة شخصا جليلا، بل انسانا عظيما يكون  لة  أثر  عظيم  فى  تطور الحضارة و النهوض بحياة الأنسان. وأوضح  بأن هذا الشخص المنوط بة  هذة  الأمور الجليلة ،  هو  موعود  جميع الأمم السابقة، والذى بشر بظهورة سائر مؤسسوا الأديان و الأنبياء و  المرسلون.

     وكان  لما انتشر  أمر  البابية و كثر عدد  معتنقى  عقائدها و  المنادين بمبادئها ، أن  امرت  حكومة طهران بمقاومتهم وبدأت فى مناوأتهم،  فسجنت الباب  مدة طويلة، ثم ُأفتُى بقتلة رجال  الدين. فُقتل هو  و  أحد حواريية فى  مدينة  تبريز برصاص الجُند  يوم 9 يوليو 1850 ميلادية ، وكان عمرة وقتذاك  31 عاما وظل حتى النفس الأخير يردد  ذكر اللة وذكر  محبوبة  أى  من  يُظهرة اللة  بعدة.

    ولكن  هذة  الفعلة  الشنعاء  زادت فى  الهاب الحمية  فى  صدور  اتباعة  و اذكاء محبتة  فى  قلوبهم و لم يُطفأ لهم نور  رغم الأعتداآ ت المتكررة و  الأضطهادات العديدة من  قتل و  تشريد  وسلب للمتكات و تجريد من  الأموال.  بل  ظل الجميع يعيشون على  أمل ظهور من  يظهرة اللة، أى موعود جميع  الأمم الذى  يحُيى  العالم،  ويؤسس السلام الأعظم، وينفخ فى  الأرض  من  روحة حياة  جديدة لم  يسبق فى  تاريخ البشرية على  مدى العصور أن تحقق  مثلها.

5-

حضارة  جديدة

   طوبى للعالمين  وبشرى  …..  فقد أشرقت  الأرض بنور   جديد ….. أشرقت  بنور  ربها  …… نور سوف يبدد  ما  أحاط  العالم  من  دياجير الظلمة،  وما  طغى  على  قلوب الناس  من  غلظة، حتى استحالت كالحجارة  و أشد  قسوة  من طول  الأمد  و سوف  يُغير هذا  النور من  طبائع البشر  فيسلكهم نحو  الكمال ، ويهديهم طريق المحبة و  السلام  و يؤلف بين  قلوبهم حتى يحققوا  الوحدة  العالمية.  بل  سيُرشدهم الى  ارساء  قواعد  نهضة جديدة ،  تتضاءل امامها ”  الرنسانس”  اى  النهضة الأوروبية  المشهورة  …..  بل  تؤدى  الى  تأسيس  حضارة جديدة  عصرية  عالمية.

    واما  هذا النور فقد  انبثق من حضرة  ” بهاء اللة ”  رسول العصر الجديد  … والذى بشر بظهورة مؤسسوا الأديان  العظام ، كرشنا ، و  بوذا  ، و موسى ، المسيح ،  ومحمد  وغيرهم  من  الأنبياء و الأولياء مما  لم  يقصص القرآن .  واعلن عنة حضرة  الباب و أثبت متطلبات  الأحوال  العالمية ضرورة ظهورة و الحاجة الى  تعاليمة  و ارشاداتة.

      ولد  الميرزا حسين على النورى  الملقب ”  بهاء اللة ”  لوزير من عائلة كبيرة غنية بمدينة طهران عاصمة الدولة  الايرانية  يوم 12 نوفمبر 1817 ميلادية  ولم يتلق من العلم  الا النزر  اليسير  ومع ذلك ، فقد نشأأ كريم الأخلاق حميد  السجايا طيب الصفات حلو المعشر. وكان يلوح علية  منذ الصغر أنة مُدخر لأمر خطير، وذلك لتلألؤ دلائل  النجابة علة وجهة. وكان لما أن أعلن  حضرة “الباب”  دعوتة ، أحد المؤمنين الثابتين  بة، والذين قاموا لمساعدة  البابية بصدق مبين. وقد تحمل فى سبيل ذلك صنوفا  من الأيذاء لا  تحصى ، خصوصا لما اعتدى أحد الشبان  البابيين على الشاة، وكان اعتداء  جنونيا لا يصدر الا  عن  متهور معتوة. فقد سجن حضرة  “بهاء اللة” ثم حكم علية و اصحابة بالنفى الى بغداد فمكث سنة بها. ثم سافر الى  صحراء السُليمانية بشمال العراق      و حيدا ، وانقطع هناك مدة سنتين  للعبادة و التأمل. وهو نفس الشىء الذى حدث لبوذا  و محمد رسول اللة.

    وعندما  عاد  الى بغداد اشتد هياج العلماء ضدة و اتفقت الحكومتان الأيرانية  و  التركية على قمع هذة الديانة  الأصلاحية ، فأمرت الحكومة التركية بأستدعائة الى الآستانة ،  عندئذ أعلن على اصحابة و هم يتجهزون للسفر يوم 21 أبريل 1863 فى حديقة الرضوان  خارج بغداد ….انة  الموعود  الذى  بشر  بة  الرسل  و  الأنبياء،  وحدث عنةحضرة   “الباب”  ولما  وصلوا  الى  القسطنطينية أسكنوة بمنزل  ضيق  لا  يكاد يسعهم . ولما  شاهد رجال  الحكومة  عظمتة و سرعة انتشار أمرة و شهرتة بين الخافقين، خاصة  و الآستانة حاضرة الدولة العلية  العثمانية، وحلقة الأتصال بين الشرق  و الغرب، ويمر بها مشاهير الرجال.  امروا  بنقلهم الى منفى جديد، فى مدينة أدرنة فى  تركيا  الأوروبية ، فمكثوا بها أربع سنسن و نصف سنة.

     ومن  أدرنة بدأت التعاليم تنتشر، وتتجاوب  بها  الأندية و المحافل  و الصحف الأوروبية، رغم ما  قامت بة  بعض الطوائف من  ايذاء و تجريح و اعتداء .  واخيرا  لم تجد الحكومة التركية بُدا  من  نفية الى جهة قصية ….  الى  مدينة  عكا  بساحل البحر بفلسطين، فوصل اليها بحرا  فى 31 أغسطس 1868 ، وقد ظل فى هذا  المنفى تارة  فى  السجن  و تارة تحت المراقبة  وتارة تحت الأعتقال، مدة  اربع و عشرين سنة تنوعت فيها الاحوال من شدة الى  انفراج حسب أهواء حكام تلك الديار .

    وفى هذة  المدة جرى القلم سيالا غزيرا،  فدون  تعاليمة و نشر كتاباتة المقدسة، وارسل الى  أغلب ملوك و رؤساء الدول رسائل و خطابات يدعوهم فيها  الى  اقامة العدل  و السلام  واصلاح الأحوال الأجتماعية و  المعاشية و الأقتصادية ، لرعاياهم وابناء ديارهم و اوطانهم.

   لم  تطل اقامةحضرة  “بهاء اللة”  داخل سجن قلعة عكا ، فقد انتقل الى منزل بحديقة البهجة خارج أسوار  القلعة وكان هذا بدء ارتفاع  ضيائة على  جبل الكرمل.  واستمر على نهجة فى الحياة الريفية الهادئة الوادعة الخالصة من كل نعيم مادى ،  المنزهة عن كل ترف دنيوى، مكرسا وقتة للصلاة و تدوين الكتب المقدسة و انزال الألواح و ارشاد وتعليم  الأحباء.

وتتنوع كتاباتة ….. طورا  فى صيغة  المتكلم بأمر اللة ،  وطورا آخر فى أقوال ذات  اللة . ومن اسلوب علمى  كالقرآن الكريم  الى  آخر بيانى الى  ثالث فلسفى  تعليمى الى آخر تهذيبى فى  فصاحة و بلاغة ، بالعربية   و  الفارسية  معا( رغم انة  أعجمى النشأة)  وامتازت هذة الكتابات  بسعة احاطتها  بأحوال العالم رغم انة لم يقابل أحد من رجال الغرب  وسجلت  لة  الدقة و اتساع الأفق بجميع مطالب الحياة  الخاصة و العامة ،  المادية و  الروحية. وقام على تدوين كآثار قلمة كتاب خصوصيون تحت اشرافة وخُتمت بخاتمة ، فأصبح الدين البهائى لا  يضارعة آخر فى صحة النقل و التدوين.

     وتتلخص تعاليم بهاء اللة  فيما  يلى :

*1 – تحرى الحقيقة و الصدق فى كل  الأمور

*2- وحدة العالم  الأنسانى

*3- الأرتقاء بالجنس البشرى بكل  الوسائل

*4- رسالة الدين يجب أن تكون الدعوة للألفة و المحبة  بين الناس جميعا

*5- وحدة جميع الأديان فى مبادئها الأساسية و أهدافها  و مراميها

*6- اتفاق الدين و العلم  و العقل

*7- نبذ جميع أنواع التعصبات حيث انها هادمة  للبنيان الأنسانى

*8- نشر السلام الحقيقى فى جميع ربوع العالم

*9- ـتاسيس جامعة امم دولية و محكمة دولية و برلمان عالمى

*10- اتخاذ لغة عالمية تعلم فى المدارس بجانب  اللغة القومية لتكون سببا  لتفاهم عالمى

*11- اجبارية التعليم للذكور  و  الأناث

*12- المساواة التامة بين الرجال و  النساء فى جميع الحقوق و  الواجبات

*13- المواساة و التسوية لجميع البشر

*14 – اتحاد المدنيتين الروحية  و  المادية

*15- حرية الأنسان و تخلصة من أسر الطبيعة بالترقى الروحى المعنوى

*16 – تحقق  العدل

*17- الأعتراف بوحدانية اللة و الأيمان بأوامرة التى علم بها كل مؤسسو الأديان

*18-الأيمان بأن الدين هو الحمى الحقيقى للهيئة  الأجتماعية

*19- ايجاد نظام اقتصادى عالمى يكفل عدالة التوزيع  وتوفير السلع  ومحو أقصى درجات الفقر و أقصى درجات الغنى ويجعل العمل فرضا و اجبا على  الجميع، ويشرك العمال فى  الأرباح ، ويقرر  ضرائب تصاعدية و تكافل اجتماعى

*20- الأقتصار على زوجة واحدة و التنفير من  الطلاق

كان  لهذة التعاليم التى تبحث جميع مشاكل الأنسانية  ،  وتضع الحلول الملائمة لها أعظم الأثر فى تجديد  أحوال العالم. فنشاهد أن العالم قد انتقل من شتاء  طويل الى  ربيع حياتة و دبت  فية روح جديدة و ماجت  الدنيا بآراء جديدة تحكى عن  آمال جديدة  للبشرية.

ويرجع هذا  الى الفيض اللا متناهى وروح القدس المنبعثة  من الكلمة الألهية و الحقيقة الجامعة المكنونة.يرجع  هذا  كلة  الىحضرة  ” بهاء اللة” الذى يبث الروح فى كل  الكائنات، جالبا اياها من العالم  الروحانى ما  تحتاجة  تلك الكائنات من الحياة و الأنعاش. وقد حركت هذة  الروح أطراف العالم من أدناة  الى  أقصاة، وسوف تحركها الى  ان  تتحقق النبوءات ، يتأسس السلام الذى ننشدة .  وبذلك يصير حقيقة  واقعة ….  ما  تخيلة الفلاسفة  و المفكرون  فى  آمانيهم لأرساء قواعد ” المدينة الفاضلة”.

      ومنذ انتشرت التعاليم البهائية بدأت فى العالم  حركة صوب تنفيذ هذة التعاليم. وفى بعض الأحيان  تكون تلقائية، ورغم عدم معرفة صاحب هذة المثل  و الآراء. وباتت  جموع  الناس تتشوق الى  الأتحاد و اشتدت الحركة  الفكرية تطورا ،  وأعيد تنقيح التاريخ على ضوء العلم. وازدادت  الكشوف العلمية اتساعا ، وكاد الأنسان أن يصبح سيد الكون بعد أن سيطر على المادة و سيرها لأغراضة، واوغل فى الفضاء. وارتفع النداء فى كل  الآفاق  بضرورة أصلاح اسس الهيئة الأجتماعية  واعادة بنائها على قواعد وطيدة ثابتة سليمة.

   ألقى حضرة  “بهاء اللة” بمسئولية رعاية هذا الدين الوليد الى أكبر انجالة “عبد البهاء عباس” فقام بهذة المهمة الخطيرة بعد مفارقة والدة هذا العالم خير قيام، فهو مبين التعاليم و ناشر النفحات.

   ولد حضرة   “عبد البهاء” فى طهران يوم 23 مايو 1844 (نفس يوم اعلان الدعوة البابية)  ولازم والدة طوال حياتة ، واستنار بعلمة  وفضلة منذ الصغر. وكان يقوم بخدمة والدة و عموم الأحباء مدة السجن وسماة والدة بالغصن الأعظم و ” سر اللة الأكمل”  وقد لاقى بعد وفاة والدة بعض الصعوبات، واُعيد للسجن عام 1900 الى أن أفرج عنة عام 1908 حين قامت ثورة  تركيا الفتاة الى عزلت السلطان عبد الحميد والقت بة  فى غيابات السجن فأختار عبد البهاء مدينة حيفا القريبة  من جبل الكرمل بفلسطين مكانا لأقامتة.

   وبمجرد خروجة من السجن بدأ أسفارة الى  مصر  و اوروبا و امريكا  وقابل شخصيات عديدة، وخطب فى أماكن كثيرة بما يناسب  مقامها ،  داعيا الى  دين  أبية و مبادئة المنطوية على خير الأنسانية.  ثم  عاد الى حيفا  فى ديسمبر 1913 ، ومكث مدة الحرب العالمية الأولى يعمل  على نشر تعاليم  والدة و يقوم على تربية جمهور الأحباء ويكاتب من هم فى الخارج ، غير  متناس سكان البلاد و النزلاء من  الجند  المحاربين. فكان يحبو الجميع بعطفة و يغمرهم  بفضلة حتى صار لة مكانة ممتازة فى قلوب جميع القاطنين  بالبلاد. واستمر هذا النشاط رغم ضعفة و شيخوختة الى أن انتقل الى الرفيق الأعلى يوم 28 نوفمبر 1921  ووُرى ضريحة المقام على جبل الكرمل.

   ان  هذا  العمل الذى قام بة هؤلاء الثلاثة  العظام ، ليقوم فى نفسة دليلا ملموسا على سر عظمتهم وصدق دعوتهم رغم ما لاقوة من صد ، وما عانوة من  ازورار الجهلاء و امتهان المغرورين. وأما تلك النفوس  الصافية المستنيرة و القلوب المستضيئة و العقول الصافية فقد قامت على نُصرة أمرهم من كل حدب ناشرة تعاليمهم فى كل اطراف العالم.

   ذلك لأن العالم متعطش لما يشفى غلتة و يعمل  على بنائة من جديد ولما لتعاليمهم من احاطة بكل مشاكل الأنسانية , اجتماعية كانت أو اقتصادية، أو  روحية أو مادية ، وايجاد الحلول لها بروح عالمية الصبغة تعمل لخير البشرية و لقرون طويلة.

    وقد وعد “بهاء اللة” بأن هذة المبادىء التى بنى عليها هذا الدين العالمى ستسود قريبا رغم  الأعتراض الظاهر الآن من بعض الفئات. وسوف يتنبة  اؤلئك الغافلون الذين اعماهم التعصب و أغوتهم  الشهوات، واصمتهم صرخات مصالحهم الخاصة ….. الى  عظمة هذة الرسالة …. وسوف تبهر أنظارهم أنوار  شمس حضرة  “بهاء اللة” …..   نور  العالم  الجديد.

   والدين البهائى يعتبر الأديان جميعا ، نورا  واحدا متسلسلا سطع فى درجات متفاوتة على مر التاريخ وبتطور مستمر، لدين الهى واحد  أزلى لا  يتجزأ. وأن الدين البهائى نفسة يكون مرحلة من هذا النمو المطرد. وهذا الدين  لا  يطمس الحقائق المقدسة فى الأديان السابقة، ولا  يقلل من آثارها العظيمة القدر، ولا  يقر أى محاولة يفهم منها تشوية مقاصدها النبيلة و حقائقها الثابتة أو اضعاف قواعدها المدعمة.

   أما  غرضة الاساسى :  فهو توسيع قواعد هذة الأديان  و احياء و تجديد مبادئها و التوفيق بين أغراضها و بعث روح الحياة فيها و اظهار جمال وحدتها و سُمو تعاليمها وصفاء طهرها  والعمل على تحقيق غاياتها النبيلة. من هذا نفهم أن الحقيقة الدينية واحدة و دائمة الأتصال وأن الدين الألهى متعاقب مستمر  لا  انقطاع لة  و لا  توقف  ولا  نهاية لة.

* 6 –   انسان  المستقبل

    ان هدف الرسل فى جميع الدورات هو ترقية الناس، وتحويل طبائعهم وجهة الخير، والوصول بها  الى  درجة الكمال ليتسنى ايجاد مجتمع ذهبى.

  وتعاليم حضرة  “بهاء اللة” فى هذا العصر، توجة  اهتماما كبيرا نحو الحياة الفردية للأشخاص فى المجتمع الأنسانى.وقد برهنت على قدرتها على تحويل طبائع  الناس و أخلاقهم و الأرتفاع بهم من مستوى الشهوات  الحسية و الرغبات المادية الى  أسمى درجات  الترقى العقلى و الأدبى و الخلقى  عاملين على خلق مجتمع صالح.

    وانتشار البهائية لا يحسب بعدد المؤمنين بها ،  بل بلأؤلئك المنفذين لتلك التعاليم فى حياتهم الخاصة و العامة وفى  المجتمع العالمى كلة. وهذة التعاليم سهلة التناول و التطبيق، بسيطة التعريف، تتغلغل بسرعة مدهشة فى النفوس الطاهرة و القلوب النقية. وغاية التعاليم البهائية  :  أن يكون الأنسان متحليا بالكمالات الأنسانية فى الحياة العملية، وأن يحب الأنسانية و يعمل من أجل السلام العام.

  والمبدأ  الأساسى هو الأعتراف بوحدانية اللة ، واطاعة اوامرة و الفناء فى حبة، وهذ يتحقق بالرضوخ التام لمظاهر أمرة الأطهار فانهم يحكون عما يريد اللة  ويعلمون الخلق مشيئتة.

  ولينكر الأنسان ذاتة  فى سبيل الوصول الى ساحة  محبوبة عن طريقهم. والمطلب المهم هو الأتصاف بصفة  الأنصاف فى الحكم على جميع المسائل، وتحرى الحقيقة  فى البحث ، وأن لا  يؤمن المرء بشىء الا اذا بحثة  بدقة و اطمأن قلبة و عقلة الية. وضمانا لهدوء هذا  المجتمع فقد أمر بالطاعة التامة لأوامر اللة و الحكومة فأن فى  ذلك السبب الأعظم فى استتباب الأمن، ومحو الفتن و القلاقل، واستقرار الحياة و اضطراد تقدمها . كما منع منعا باتا حمل  السلاح و العدوان و  الأستعداد للحرب و المساهمة فى الأعتصام و الأخلال بالنظام العام.

   أما  عن الآداب العامة فأن تصاريح حضرتة لا تخلو من الوصايا و التنبيهات الى ضرورة التمسك بأهداب السلوك القويم و الخلق المتين. ولم يأل جهدا فى تربية أتباعة هذة التربية المثالية مضحيا براحتة حتى يكونوا نموذجا لتربية بقية العالم. وعلم الكثيرين و نشأهم على هذة الخصال الروحية. وقد أشار كثيرا فى كتاباتة الى هذة الناحية ، وانها  عماد الحياة لعالم جديد ناهض يتشوق الى  السعادة و الرقى.

   ثم  يأمر أتباعة بحسن المعاشرة وتفضيل الصالح الأنسانى العام على كل اعتبار و السعى الكامل لخدمة  بنى الأنسان، ونشر ألوية المحبة الفائقة التى لا تحدها  حدود لكافة البشر، على اختلاف أجناسهم و الوانهم و عناصرهم   و أوصولهم. اذ أن اساس الدين هو المحبة – وأساس الأديان كلها واحد – فيجب أن يكون الدين باعثا على  حسن التفلهم و التعاضد، ناهيا عن التباغض و التشاحن الذى يولد العداوات و ينشر الفوضى، ويسير  بالعالم القهقرى . فالأنسان الكامل …. الذى ينشدة حضرة  ” بهاء اللة” ، هو الذى يكرس نفسة لخدمة الجنس البشرى.

   ولا  شك أن السمو بالناحية الروحية الميالة الى  الخير سيؤدى ولا شك الى تجرد الأنسان من الضغوط المادية المؤثرة علية  بل أن السلوك الروحى الصادق  يسير بالناحية المادية فى الأنسان  وجهة الترقى و الأتزان و التقدم، ويبعث فيها حياة شريفة.

   أما من الناحية المادية فأنة يأمر بالتعاون الأنسانى العام لتحقيق كل مبدأ أساسى سامى و العمل على ترقية الجنس البشرى فى كل الميادين و القضاء على كافة الأدواء. وذلك كى تشيد الحضارة الجديدة على أصول ثابتة و قواعد راسخة و طيدة .  وأمر كل الناس بأتخاذ مهنة  أو حرفة يتكسب منها الشخص ليعيش و ينتج ما فية خير  البشرية، و وصف العمل بأنة عين العبادة للة الحق. ولم يدع ما فى الفنون الجميلة المفيدة من آثار طيبة  فى الرقى الأدبى و الفكرى و المادى، بل يصفها بأنها  الرياحين لحديقة العالم  الجديد.

   وقد وهب الأنسان فى هذا الدور الجديد  حقوقا كثيرة . فنص على الحرية الفردية فى ظل القانون، وعدم استرقاق الشعوب او الجماعات فى المزارع أو  المصانع. نهى  عن  اهانة الأنسان أو اذلالة، فان للشخصية الأنسانية حرمة يجب ان  تُراعى و كرامة لا بد أن  تُصان، مهما يكن  اللون أو الجنس  أو العقيدة أو المنزلة فى الحياة. فاذا  أهُملت هذة المُثل العليا تقوضت حياة الأنسان المفكر  وذهب ريح الحضارة وانمحت الثقافة و تمزقت الأنسانية شر  ممزق.

   وقد  وضع نظاما اداريا دقيقا يكفل لكل فرد حق التمتع بالتعليم المجانى، وتنظيم نواحى الحياة، واغاثتة عند الضيق، وفرض ضمان اجتماعى للعائلات ذات الدخل  المحدود أو غير القادرة على الكسب أو التى فقدت عائلها  أو التى اصيبت بخسارة فى مورد رزقها، وان يجرى عليها من المعاش من المال العام ما يسد حاجتها ويعوض  لها خسارتها.

    ثم كفل لكل فرد حرية الرأى و الفكر و الحرية المدنية ولكن فى حدود ما  استن من شرائع لحفظ الهيئة  الأجتماعية و رعاية الآداب العامة فالحرية الحقيقية  هى فى  اتباع أوامر اللة.

    وقد طبقت هذة التعاليم فى المجتمعات البهائية الناشئة، بكل دقة، فدلت على فعاليتها و صلاحها  وقدرتها على ايجاد بيئة سليمة متميزة، سوف تكون  أساسا لمدينة فاضلة فى المستقبل القريب .

     ظلت المرأة قرونا عدة  وهى ترسف فى أغلال العبودية ، وينظر اليها  نظرة المتاع، وقد اعتبرتها بعض الشعوب من ممتلكات الرجل ، يتوارثونها . ولم يكن لها  حق الدفاع عن نفسها. ولم تعط شيئا من الحرية اللهم  الا   ذاك النزر اليسير الذى أتت بة الأديان السابقة، ومع ذلك ظلت فى مرتبة دون الرجل بكثير.

   ومنذ ان ظهرت النهضة الحديث فى أواخر القرن التاسع عشر، واوائل القرن العشرين ، والمرأة تجاهد فى سبيل بلوغ المركز اللائق بها ، بعد أن  اثبتت  جدارتها فى السير الى جانب الرجل فى جميع نواحى الحياة العامة. فتألفت الجماعات و الأحزاب تنادى بحقوق المرأة   مثل  حقوق الجنس الآخر.  حتى فى  الشرق ولكن  هذة الجهود ذهب معظمها  أدراج الرياح حيث انها لم تقم على اسس واضحة او  قواعد  ثابتة أو  مبادىء مسلم  بها.

     ومن ثم  فقد كان  ظهور “بهاء اللة” فاتحة عهد جديد فى حياة المرأة لا  عهد  للعالم  بة  من قبل. فأمر  بالمساواة  التامة بينها  وبين  الرجل فى  جميع الحقوق  و الواجبات الأدبية و الأجتماعية فمنحها جميع ما  أعطى  للرجل، كحق الأنتخاب العام و تولى الوظائف  وعادل  بينها وبينة  فى  الميراث. والدليل على ان هذة  المساواة  أصبحت ضرورة للتقدم الحضارى المأمول ، ان  عالما أشبة بطائر يطير  بجناحين، احدما الرجل القوى و الآخر المرأة  الضعيفة فان  لم يكونا مستساويين  فى القوة  لن  يقدر الطير  على  الطيران، ولن يصل الى  هدفة  بعد هذا الرحيل  البعيد المشقة  ان  لم  يتساويا  فى  القوة.

   أما  الحياة  الزوجية  فقد نص على ان تقوم على مبدأ  المشاركة التامة بين  الطرفين و المساواة بينهما و التعاون الصادق فى تحمل أعباء الأسرة، التى  فى  عنق الزوجين  مسئوليات  جسيمة و رسالة لا  بُد من  تأديتها لخدمة الأنسانية كتربية و تهذيب الأبناء الذين  سيكونون نواة الجيل  اللاحق. كما  قضى على  مرض  عضال ابتليت  بة الأنسانية نتيجة سوء التطبيق وهو  تعدد الزوجات، فاقتصر على  زوجة واحدة، ونظم  الطلاق بين الزوجين  بالصلح فان لم يتحقق يتم الطلاق، كل  ذلك بغية رعاية الأسر ، ان  تتهدم و يتشرد الصغار .

    وأولى  التعليم  و التثقيف أهمية خاصة ، فأمر  بضرورة تعليم كل  الأبناء و العناية ، عناية خاصة  بالبنات  اذ  هن امهات  المستقبل، وعُمد  الأسرة  بل  العامل الأساسى فى  بناء مجتمع ناجح  على أسس  صالحة.

   وهذة الأوامر الألهية مطبقة نصا و روحا  فى جميع  الأوساط البهائية. فتبوأت المرأة فيها ما أرادة لها اللة  على لسان مُؤسس ديننا العظيم، من  مركز  مُتساو تمام المساواة  مع شقيقها  الرجل. ومن ثم فقد آن  للمرأة ان  تستريح من عناء جهادها فى سبيل تحقيق أهدافها بعد أن  أعطيت كل ما  تتمناة من  حقوق _ بنصوص الهية قاطعة لا  شبهة  فيها _ حقا ثابتا لا  مُراجعة فية، مطلقا و لا شبهة  فى  صلاحيتة. ولا  بد من العمل بة  فى جميع  الأوساط، ان  لم يكن طفرة بالتدريج،  سُنُة التطور و الأرتقاء الحتمى. وليصمت  اؤلئك  الرجعيون و لتهدأ  ضوضائهم فان  زمن استعباد المرأة قد  مضى  و  ولى  الى  غير  رجعة، وانتقلت الى  عهد جديد يبشر  بخير  النتائج، وبسعادة البشر  أجمعين ….  سعادة  ما  فوقها  سعادة.

*7-

فى  موكب  الأنسانية

       فى ظل  حضارة العصر الجديد يتحول الأخلاص  الدينى، الى نوع من الخدمة الدائمة للأنسانية ، ويصبح  الدين وسيلة لضمان وحدتها و قوتها، بدلا من أن  يكون  مناطا للأنقسامات وموردا للمنازعات. فبعد أن كانت الأمم قديما فى شبة عزلة عن بعضها البعض  وذلك لطول المسافات و صعوبة المواصلات، تغير كل ذلك ، اذ أن  الأنقلاب الصناعى العظيم الذى وقع فى مفتتح القرن التاسع عشر أثر فى طرق المواصلات فتحولت من قوة الدابة الراحلة، الى استعمال المحرك الآلى، يتنقل بفضلة  الأنسان على ظهر الأرض، أو ماخرا عباب المحيطات أو راكبا  متن الهواء أو  سابحا فى اجواز الفضاء. واستخدم اللاسلكى سواء فى نقل الحديث و المعلومات أو الصورة لمسافات شاسعة وبذلك الغيت المسافات و اصبحت الأرض-ذلك الكوكب الذى نعيش فوقة وكأنها مدينة واحدة بل  حتى قرية كبرى متسعة الأرجاء ،  فازداد التعارف و تشابكت المصالح و اتسعت حلقات الأتصال و تبادل المنافع. وان كانت الحروب تقطع  هذة الصلات فى فترات ،  ولكن الحال يتبدل وقت السلم  فتعود الأمم المتعادية الى التفاهم تحدوها الرغبة الملحة  فى تبادل المنافع. فالفرد محتاج الى الآخر فى كل زمان  و مكان ، والأنسان كائن اجتماعى بطبعة ميال  الى  الأيناس.

   وقد افلت عقائد اؤلئك الذين ينادون بنظرية  الجنس المتفوق، ونظرية الأكتفاء الذاتى. والحقيقة  التى لا تقبل النقد أن بنى الأنسان كلهم متساوون فى الخلقة وفى الهبات الألهية، مهما تعددت ألوانهم، بل يجمعهم  جنس واحد، هو الجنس البشرى، وتربطهم رابطة  واحدة هى الجامعة الأنسانية ، تؤلف أسرة كبيرة متحدة المصالح. فلا بد لها من التفاهم  و الوئام.

   وقد  نهى حضرة  “بهاء اللة” فى صريح كتبة و الواحة  عن  النزاع و الجدال، و أمر بالأتحاد اذ انة من صفات  اللة ، عكس الأنقسام الذى يحكى عن الصفات و الطبائع الشيطانية الهادمة المفرقة.

   وقد تجلت حقيقة الوحدة اخيرا و ازداد عدد المُنادين بها رغم ما يقوم فى سبيلها من بعض العقبات، ولكن المحبة و التفاهم و الوئام ستكون سببا لتخطى هذة العقبات وهدم الآراء القديمة البالية الفاسدة، اذ أن لقانون المحبة أثرا نافذا فى طبيعة البشر كافة.

   فرسالة حضرة  “بهاء الة” توجب على  اتباعة التعاون مع جميع البشر لما فية خير الأنسانية، ويعدهم باليوم الذى يصير العالم  امة  واجدة  …..   ويعبد كل الناس ربا  واحدا  هو اللة  الرحيم. ويحل  الأخاء محل العداء ،  والوئام  موضع التباغض ، والتضافر  مكان التناحر  و  الشحناء.

   والسبيل الى  ذلك  :  هو  نبذ جميع التعصبات الدينية و الوطنية و المذهبية و العنصرية  و  اللونية، وكذا النعرات القومية  المتطرفة، والأهواء الشعوبية. وان  ينظر الفرد الى  كافة البشر كنفس  واحدة  تعددت  فى  هياكل مختلفة و الأديان جميعها وان تعددت فى  الظاهر  فى  واحدة فى  الجوهر و متُحدة فى الأساس، تأمر  بالمحبة و الأخاء و السلام و تنهى عن فعل الشرور  و الآثام و الأيذاء وتدعوا الى الخير  العام.

     وان  اختلاف اللغات سبب  جوهرى فى  التباعد بين الناس لصعوبة التفاهم، وقد ظلت  معظم الشعوب قرونا عدة متباعدة فى الثقافة متباينة فى الميول الأدبية ،  متغايرة فى الأصول الحضارية ،  لذلك فقد نص حضرة  “بهاء اللة” صراحة على  اتخاذ لغة واحدة تكون عامة للبشر  بجانب لغاتهم القومية، وأعطى حق تقريرها لبيت  العدل الأغظم ، كى تكون لغة  عالمية مساعدة تستعمل فى التخاطب و نشر العلم و الثقافة فى جميع أنحاء العالم و تكون أداة للوحدة العالمية المنشودة.

 ان  اكبر  هبة  وهبها اللة للأنسان  هى  العقل  فيجب علية  استغلالة فى الطرق الشريفة و السبل المستقيمة  وتنمية مدركاتة و استنباط ما ينفع البشرية و يساعد على  ترقيتها و تطورها، والنتيجة الحتمية لشحذ العقل و حسن  استعمالة هى ولوج باب العلم النافع وكشف اسرارة الدفينة ومكنوناتة التى ما زالت خافية على الأنسان، فان كتاب  الكون بحر صافى ليس لة قرار و قد ظل العلم مدة  على نقيض من الدين و رجالة. ولم يكن هذا النزاع  الا نتيجة للخطأ و سوء الفهم بين رهط العلم  وفريق  الدين. ولكن رسول عصر التنوير حضرة  “بهاء اللة”  وفق  بين  الأثنين ، وأثبت انهما صنوان . وان  الدين هو العلم  و العلم  هو  الحياة،  ولا يمكن استمرار تقدم الحياة و تطور الحضارة بدون تآزرهما و تعاونهما.  ويجب تشجيع العلم وتخصيص أكبر الأعتمادات المالية  و العقول  المفكرة  للبحث العلمى  للوصول الى اكبر قدر ممكن من النتائج و الكشوف و امكان استغلال الأختراعات لصالح البشر ،  والوصول الى  طرق استئصال الأمراض و مسبباتها  وترقية الحالة الصحية  عامة جسدية كانت  ام  عقلية  وتوفير المناخ الصحى فى  المدن ، تحقيق النظرية القائلة  بأطالة عمر الأنسان.

   والحقيقة  الأخرى هى تحقيق  العدل وبسط  سرادقة على كافة انحاء المعمورة،  حتى تصير الأرض حاكية عن جمال ملكوت اللة و ناطقة بآيات عظمتة و عدلة بين  بريتة فواجب الملوك و الرؤساء أن ينشروا العدل  بين  رعاياهم و يساووا بينهم فى الحقوق  والواجبات  ويراعوا الفقراء و المساكين و المظلومين،  ويأخذوا حق المظلوم من الظالم. وبذلك تتحقق الهناءة الأنسانية وتتقدم  الأمم فى طريق المدنية الحقيقية و السعادة  الخالصة.

  وأن   المبدأ الأساسى لهذا  الدين  هو  نشر السلام  العالمى … والدعوة الى  المواطنة العالمية وذلك بتأسيس جامعة امم  دولية،  اى  انشاء حكومة عالمية  تتبعها محكمة عدل دولية و برلمان عالمى  يمثل كل الشعوب ومهمة هذة  المؤسسات تصريف الشئون العالمية و التوفيق بين مصالح  جميع الأمم طبقا لقاعدة الصالح العام  المشترك، مع توخى العدل الدقيق، كما تنظر فى حل المشاكل العالمية بالطرق السلمية و تنشىء من اللجان  المساعدة ما ينظر فى الأمور العالمية الفرعية  المختلفة.

 وقد  نهى  عن  التسلح  وأمر بنبذ الحروب فان تاريخ البشرية ملىء بمآسى  الحروب و ما سببة  القتل من خراب و دمار و هلاك ملايين الناس  بالجملة, فللقضاء على  الحروب و المنازعات وضع مشروع انشاء المحكمة العليا  كهيئة منتخبة من جميع الأمم  للتحكيم الدولى بين مختلف الشعوب و تكون قراراتها محترمة من كل  الدول.

  ويقوم على تنفيذ أواومرها البرلمان العالمى و جامعة الأمم الشاملة هذة وتساندها قوة دولية تعمل  على  وقف  المعتدى  وتفت  من  عضدة.

   وقد  اوصى امناء بيت  العدل العالمى  العمومى  المنتخبين، بالسعى الحثيث لتحقيق الصلح الأكبر الذى هو السبب الأعظم لحفظ البشر ، فان هذا  الدين ما  ظهر  الا لأتحاد أهل  العالم و اتفاقهم. وبيت العدل يختص  بالنظر :  فى  الأمور  التشريعية ،  و التنفيذية  و  الأدارية و الأجتماعية و  الأقتصادية  لجميع  البشر.

           وأمر ملوك الارض  ورؤسائها بنبذ الظلم و التمسك بأهداب العدل فانة العلة الأولى للحياة ،  وما نهاهم عن المشاحنات و الخلافات و الحروب  الا  لتحقيق المبدأ الاسمى لدين اللة  الأعظم  المتين …. الا  وهو  السلام  العام …  ونشر  ألوية  العدل  و  تحقيق  مبدأ  الأنصاف وعلى الذين يعُهد اليهم صوغ  القوانين …  أن يتمسكوا بحبل  المشورة ، وأن  يتجردوا عن  كل ما  لا  يكون سببا  وعلة لأمن البلاد و العباد  و نعمتهم و ثروتهم و اطمئنانهم  لأنة اذا  وقع خلاف  هذا  الترتيب تكوزن النتيجة الأختلاف  و  الضوضاء و الأنهيار العام.

   وقد  عول حضرة  “بهاء اللة” تعويلا كبيرا على  التمسك  بالدين اذ  انة هو  السبب الأعظم لتنظيم العالم  و اطمئنان النفوس  وصعودها فى سلم الرقى. وهذا  ما  تحقق  سابقا فى عصر ازدهار الأديان. اما  الخروج عن  حظيرة الدين و  شيوع  اللادينية  والمعتقدات الفاسدة الباطلة  وظهور المدنية  المادية المزيفة  التى لحمتها  الفوضى و سداها  شيوع الهرج  و  المرج  مما هيأ الفرص لذوى النفوس المنحرفة لأظهار  ما  بنفوسهم مما  كانوا يخفونة وقت سطوة الدين  وأدى خروج هذة الفتن من  عقالها، الى  التدهور السريع و التفكك و الأنحلال العام. وبالجملة ….فان  الدين هو  الحصن و  الملاذ و الملجأ الذى تحتمى بة  البشرية  والموئل لأحكامها و شرائعها  الصادرة من الحقيقة الكلية الألهية ….فاللة  …. وحدة هو  المشرع الأعظم و الطبيب  الشامل لكل  الأمراض وهو  مع  علو  ذاتة  مرجع كل الشرائع و مصدرها و ممدها  و مانحها قوة الهيمنة  و  النفوذ.

    والمشاهد الآن ….  أن  موجة …..   من  اللادينية الخطيرة  الغادرة  و الفلسفات المادية السافرة  قد انتابت الأنسانية و تنخر فى كيان الهيئة الأجتماعية  التى انهكها الجهل و ران عليها التعصب و مزقتها الأحقاد  وارتبكت نظمها الدينية . وفى هذا يقول حضرة  ” بهاء اللة” …..  ” ان جوهر الأيمان يموت فكل بلد على شأن لا يعيدة الا دواؤة الناجح ان مبدأ الألحاد ينخر فى عظام البشر هل لغير اكسير امرة أن ينظفة و يحيية”

 ان من اهم الأسباب الداعية الى الحروب و الثورات  و الأنقلابات : هى المشكلة الأقتصادية التى تتحكم فى  اجتماعات الشعوب و سياياتهم  وتشكل عقول الساسة و آراء القواد و تدفع بالدول الى الحروب و المنافسة على الأسواق  ومناطق الأنتاج و تؤدى الى الأستعمار و استغلال القوى  للضعيف. لذا فالتعاليم البهائية تراعى حل هذة المشاكل  بما يناسب هذا العصر فنظمت العلاقات بين الغنى و الفقير ” فلا  غنى  فاحش ولا فقر مدقع” وكذا العلاقات بين  العمال و رأس المال بحيث لا يستغل الممول العامل  ولا يتمادى العمال فى طلب أجور عالية تقضى على الربح الناتج من العمل فلا يخص رأس المال الا نصيب ضئيل. وحرم الرق الزراعى  و  الصناعى ومن مبادىء الأقتصادية توحيد العملة و المقاييس و المكاييل و الموازين فى العالم كلة وانشاء مصرف دولى عام و هيئة عالمية للنظر فى المشاكل الأقتصادية العالمية بروح الأنصاف  و  الأخاء.

    وتنصح التعاليم البهائية بنبذ الاصول الأقتصادية القديمة كالممضاربات و اللعب بالأسواق    بعد ان برهنت على فسادها  وضررها . اما الأنتاج فيجب ان يكون على حسب  حاجة الأستهلاك العالمى  لا  جريا  وراء المكسب فقط و التوسع فى الصناعات المفيدة و أهم صناعة هى الأنتاج الزراعى  اذ علية يعتمد غذاء البشر و كسائهم و امداد الصناعة بالمواد  الأولية و خامات انواع عديدة من الصناعة|.

   ولتنظيم الأمور المالية اوضى بانشاء صندوق – بيت المال – فى كل مدينة او قرية يقوم بتحصيل الضرائب و الزكاة بحيث  تكون تصاعدية وقد خطت الدول فى العهد  الحاضر خطوات نحو ذلك. ويعفى من دفع الضرائب الفقير غير القادر او الذى اصابتة خسارتة فى عملة وكذا العاجز و المسن  ومن ايراد هذا الصندوق يصرف على المشروعات الحيوية و تخصص منها جوانب تصرف على المرضى و العاطلين و الذين ضاق كسبهم عن الوفاء بالتزاماتهم وكذ الأرامل و الأيتام و تربية و تعليم الأطفال.

   والخلاصة انة فى جميع ما صدر من قلمة نوة الى المحبة الأنسانية و الوفاء و الأخاء العالمى و التمسك بالأخلاق الفاضلة الروحانية و الشعور بالواجب و مخافة اللة  و السير فى طرقة باستقامة و المساواة بين أعضاء الهيئة الأجتماعية  و المواساة  لهم  و العطف على الفقراء و المنكوبين  بكامل الرضا  و بمحبة فائقة من أجل سعادة البشرية و خير المجتمع من فعالية ذات نتائج باهرة. وقد  أشار الى هذة الأمور مرارا ناصحا بتطبيقها فى الحياة الفردية وفى الحياة العامة.

     والحقيقة  التى  لا  مراء  فيها …. ان  التعاليم  البهائية- ومن حيث انها تعاليم روحية – تجديد لا  مثيل لة فيما يسمونة  ( علم المجتمع – ا|لأجتماع) أى الواقع  الأجتماعى لا النظريات  الخيالية و هى شرح لأسس  مجتمع جديد وحين تطبق تقوم اساسا قويا لدعائم بناء عالم  الغد …. عالم جديد شامخ  و طيد.

   ولا  نتصور ان  انسانا فى قدرتة تخطيط مثل هذة المبادىء و المناهج – مشروع للسلام العالمى الدائم فى حلة روحية و رعاية الجنس البشرى  – بمثل  هذا  الشمول  وهذة الأحاطة فى فترة  وجيزة – اربعين  عاما – وبنظرة ثاقبة  الا  اذا  اتاة  وحى  الهى  و  الهام ربانى  وسَّيرتة مشيئة الهية  علوية.

       فأمام  …..  هذا  المجد  العريض و هذة  القدرة الفائقة  حد  التصور البشرى  يقف العقل الأنسانى  عاجزا حاشرا  و لا  يسعة  الا  التسليم  و  الرضا  عن  يقين  بأن ذلك الطريق ….  هو طريق الخلاص  الحقيقى  الحَرِى  بالأتباع  ضمانا لسلامة ابناء آدم بعد ما  لاقوة من طول شقاء  وشدة  و  عناء

*8-

رجال  اللة

   ان  من عادة البشر  كراهية التجديد و المجددين  و الأرتباط اللصيق بالماضى العتيق ، ولو كان باليا رثيثا .  تلك  هى  نظرة السطحيين. وربما |أغلب الناس  سطحيون و قد لاقى المبرزون من العلماء و قادة الفكر  و الفلاسفة و الرسل حين نادوا بآراء و تعاليم جديدة  ضروبا شتى من الأضطهاد و الأنكار و الجحد  و الأعتساف  على  أيدى الرجعيين و الأتنباعيين  و  المتزمتين  كرها  منهم لتجديد الطرائق و المعتقدات و العادات التى  اصطلح عليها القوم و مارسوها زمنا طويلا. وقد استشهد فى سبيل فتح آفاق جديدة فى طريق الحياة لملائمة التطور وتقرير هذة الحقائق آلاف و آلاف لكن  الحق كان دائما هو المنتصر  فى النهاية، وما يلبث الا أن يؤمن بة الناس بعد طول الأعتراض علية، بل ويتفانوا فى نصرتة.

    وهكذا  كان الحال عند اعلان دعو حضرة ة ” الباب” و من بعدة حضرة  “بهاء اللة” فحين اعلان دعوتهما وقف فى طريقهما فريق الفقهاء ، يتبعهم جموع العامة متمسكين بالقديم البالى غير راضين عن خلع ثوبهم العتيق الرثيث. بل  واعلنوا الحرب على كل جديد ولو ثبت صلاحيتة وكان  أهدى  مما  عندهم  ، فاستشهد من البابية و البهائية حوالى عشرين الفا  أو  يزيد  وشرد كثيرون من ديارهم و نهبت اموالهم وهُتكت حرماتهم  وقتل  الباب و نُفى بهاء اللة و سجُُُن نفيا متصلا مدة اربعين عاما. وكذا نجلة عبد البهاء عباس وعلى الرغم من ذلك  فقد ارتفع فى عموم أنحاء العالم انتشار النار فى الهشيم، وبخُطى ثابتة وطيدة ، وآمن بها معظم مُفكرى العالم حتى بعض اعدائها و اتبعها جمهور كبير  من فقهاء الأسلام  ورجال الكهنوت المسيحى المبرزين و غيرهم  من علماء الملل الأخرى .

     وكان  يُظن فى بادى الأمر أن هذا الأصلاح  الدينى الحضارى الشامل يوافق ايران  وحدها و يقصدها  هى لا  غيرها ،  ولكن ثبت بعد ذلك بالدليل القاطع انة  يصلح لكل العالم ،  وانة مُوجة لكل العالم ،  وأن العالم  متعطش الى  مثلة. من شرقة الى  غربة ،  وتظهر آثارها و أثمارها بقوة و جلاء و لا  يمكن انكارها  أو  اخفائها مهما  كابر المعارضون أو  انكر الجاحدون.

   ان  العامل الأساسى  لرقى العالم هو  القوة الكامنة فى الكلمة الألهية. والتى تؤثر فى جميع الأحوال و الملابسات، ويخلق فى  البشر  روحا  جديدة تتبلور  عنها آراء جديدة فياضة  ومنذ  ظهر  حضرة بهاء اللة وأعلن  تعاليمة المحكمة للناس كافة، ظهرت فى كل العالم حركات  تهدف الى تحقيق هذة الغايات رغم عدم المامها بتعاليم حضرة   “بهاء اللة” . فهؤلاء جمهور الفلاسفة  و المفكرون و المصلحون ينادون بالسلام و المحبة و العالمية و يتخيلون نوعا  من – الرجل المتفوق- ” السوبرمان”  الى جانب  بعض الساسة و القادة الذين بحثوا مشكلة نزح السلاح و حل  المعضلات الأقتصادية ،  فتكونت اولا محكمة العدل الدولية فى  “لاهاى”  بهولندا  ،  ثم عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى “جينيف” فى  سويسرا  ،  واخيرا هيئة الأمم المتحدة ” نيويورك”  فى امريكا ، ومنظماتها الدولية المتعددة و مجلس الأمن وذلك بعد الحرب العالمية  الثانية.

    وقد  سرت فى امريكا حركة لمنع  المسكرات ، وظهرت  حركات فى معظم انحاء العالم تنادى بالحرية وتطالب أيضا بالحياة الدستورية النيابية القائمة على  المشورة  ومعرفة رأى  الجماهير،  وفرض التعليم  الأجبارى المجانى فى كافة مراحل التعليم للذكور  و الأناث  على  السواء.

  وراجت  فكرة اللغة  العالمية  وحدث  أن استحدث الدكتور  “زامنهوف”  لغة ” ألأسبرانتو” كلغة  عالمية و تقرر  تدريسها  للنشىء فى  بعض الدول  وتكونت جمعيات عالمية تعمل للخير العام  ومواساة البشرية ، وتنادى بحق العمال بالحياة بحد أدنى ملائم و تمتعهم بقسط  من الرفاهية ،  والعمل على تحسين أحوالهم المعيشية .  وأن  هذة  المجهودات الملموسة بوضوح فى كل  مكان والتى تساعدها بعض الحكومات لمجهودات  محمودة  وقد شك حضرة ر “عبد البهاء” كل  من يعمل على تحقيق هذة المبادىء وقال أن كل شخص يعيش طبقا لتعاليم  حضرة  “بهاء اللة”  الروحية ،  فهو  بهائى  ولو  لم يسمع باسم  بهاء اللة  واننا  لنلحظ فى هذة الأيام نزوعا من الأفراد فى حياتهم  الخاصة نحو الكمالات الأنسانية و الأخلاق الفاضلة و لا  شك أن هذا من تأثير الروح الألهية و الفيوضات  الرحمانية الى يريد بها اللة  جل  وعلا  أن يرشد الناس الى الطريق السليم و المنهج القويم حتى يتأسس  الملكوت الألهى على الأرض وفى  هذا يقول حضرة  “بهاء اللة”

” بحركة من قلمنا الأعلى نفخنا بأمر من لدن آمر مقتدر حياة جديدة فى هيكل الأنسان و اودعنا فى كل كلمة قوة جديدة و تنطق كل الأشياء بآثار هذا  التجديد”

اما الجامعة البهائية فهى دائبة النشاط فى سبيل تحقيق مبادئها السامية و تعاليمها الرفيعة  التى يحتاج  اليها هذا  العصر ،  كالتجديد  و  التنوير ، أشد احتياج فتقدمت الحركة الروحية هذة فى كل مكان  ،  واعترف بها  فى  كل  بقاع الأرض ،  مما يبشر بمستقبل  باهر للأنسانية .  وهذا من أهم الأعمال  التى يدعو  اليها اللة ،  ولا  شك فى نفوذها رغم تخرصات المعرضين  و اعراض المنكرين.

   شعر الناس فى كل مكان بالحاجة الى  التجديد  وحاجة العالم  الى الأصلاح الشامل ،  فوجدوا فى تعاليم “بهاء اللة” ملاذهم و موئلهم ، واعلنوا اعتناقهم لها  ومساندتها  معتقدين أن الوحى الذى اعلنة حضرة  “بهاء اللة” الهى فى اساسة ذو شمول فى  مداة ، عالمى الأسلوب، انسانى المبادىء ، محرك للقلوب و الأفكار ، هؤلاء هم جند الخلاص ،  هؤلاء هم ……  ملأ الأسم  الأعظم .!!

   وهذا الدين الذى انتشر بسرعة فى الشرق  و الغرب و يرغب صادقا ، ويعمل جاهدا على اتحادهما ، وأسست المحافل المحلية  و المركزية  و المراكز الثقافية  التى  تقوم على الأنتخاب العام فى كافة أنحاء المعمورة  وشيدت حظائر القدس لة  وكذا دور العبادة الجامعة ( مشارق الأذكار)  فى  العديد من البلدان، منها  الولايات المتحدة الأمريكية بناحية ويلميت على بحيرة ميتشجان ،  وبمدينة فرانكفورت على نهر ماين بالمانيا و بمدينة سيدنى كبرى مدن استراليا و فى  عاصمة  بنما بأمريكا الوسطى و بالقرب  من  قناتها المشهورة  و بكامبالا عاصمة اوغندا  والمعتبرة  لؤلؤة افريقيا  وفى  الهند  و امريكا  اللاتينبية  وهناك الكثير من مشارق الأذكار فى سبيل الأنشاء.

ومشرق الأذكار عبارة عن بناء كبير ذو تسعة  اوجة و تسعة اضلاع و تسعة  ابواب

تعلوة  قبة كبيرة مقامة على تسعة أعمدة رمزا للعالمية، وتحيط بة الرياض من كافة الأنحاء  وهو بيت للعبادة  يؤمة  الناس  من كافة ألأديان  و الأجناس و الألوان، ليعبدوا ربا واحدا هو الة  الجميع  ، ويرتلوا فية بتمام الخشوع الآيات التى نزلت من سماء مشيئة  اللة فى مراحل التطور الروحى المختلفة. وتلحق بة  مؤسسات للأغراض التربوية و الأجتماعية  وأعمال البر .

    ويقبل الناس يوميا  بالمئات ، بل بالآلاف للأنخراط  فى سلك الدين الجديد، والسر فى ذلك أنة يعمل على توحيد الجنس البشرى، فلا أبيض  ولا  أسود  ولا  غربى  ولا  شرقى و لا غنى  ولا  فقير، اذ الغاية تأسيس وحدة انسانية عالمية ، وارساء السلام الأعظم ، خلال الألف سنة الذهبية.

    وفقا  لما  جاء فى وصية حضرة “عبد البهاء”- الفريدة  فى  نوعها –  على مراحل التاريخ الروحى للبشرية ، تولى رعاية   أمر الدين بعد فراقة  الى الرفيق الأعلى فى نوفمبر 1921 أكبر احفادة شوقى افندى ربانى  – الذى عمل جاهدا خلال  ولايتة التى امتدت ست  وثلاثون سنة على توحيد شئون الجامعة البهائية شرقا  و غربا  وارساء قواعد الأدارة الروحية  بما يقدمة من وسائل الهدى و التوجية الصالح، وبذل قصارى جهدة فى تنظيم تلك الشئون ولأرتفاع كلمة الدين ، ونشر  هذة المبادىء ، مضحيا براحتة و هنائة الشخصى من أجل ذلك ، الى جانب المساعدات العديدة الى قدمها للأحباء  فى جميع الأقطار باثاً فيهم روح الهمة و المروءة و المثابرة لأعلاء شأن دينهم المناضل فى سبيل الحق .

   والمراكز الثقافية  و  المحافل العاملة  تعقد الأجتماعات  العمومية و توزع النشرات و تستخدم الأذاعة المسموعة و المرئية  وأفلام السينما لشرح تعاليم و أهداف  حضرة ” بهاء اللة” وتدعو الناس للمحاضرات ، وتوجة الأتباع فى حياتهم الخاصة و العامة وهم  بدورهم يقومون بالتعمق فى الأمور الروحية و دراسة مرامى دينهم و توضيحها للمستفسرين بطرق شتى على  وفق مقتضى  الحاجة.

وفى كل عام تعقد المؤتمرات البهائية العالمية  ففى عام 1944 عقد العيد المئوى فى كافة الجامعات البهائية احتفالا بمرور مائة عام على تأسيس دين اللة  القويم. وألقيت الخطب الجامعة و الكلمات الشاملة مبينة مدى أهمية هذا الأمر و صلاحيتة لأصلاح هذا العالم المادى  الساعى  قدما الى  الخراب بابتعادة عن  النداء  الألهى. (الناس ولت  الأدبار –  اعطوا ظهرهم   للة )

           وفى 9 مايو عام 1945 أقيم مهرجان  السلام  البهائى فى سان فرانسيسكو و نشرت عنة جريدتان من كبريات صحف ولاية كاليفورنيا بأمريكا و خصصت فترة للأذاعة القيت أثنائها  الخطب و أقيمت مآدب حضرها غير البهائيين  بعض أقطاب أعضاء مؤتمر سان فرانسيسكو للسلام العالمى، ونظمت المعارض  و عرض فيها نموذج مصغر لمشرق الأذكار بشيكاجو ، وكذ  عدد من الكتبا ا لبهائية و النشرات و الخرائط و وزعت  حوالى 15 آلاف نسخة من “نبذة السلام البهائى” وقد  القى المحاضرات باللاسلكى ثلاثة عشر اسبوعا لبحث موضوع تأسيس السلام  العالمى. ونظم محفل سان فرانسيسكو عددا من الأجتماعات العامة  و الخاصة طول هذة المدة دعا اليها كثيرا من المهتمين يهذة المسائل الحيوية بالنسبة لعصرنا.

     وفى مارس من عام 1946 أرسل المستر  لاتيرم   رئيس المحفل المركزى بالولايات المتحدة الى الرئيس  “ترومان”  برقية يعبر فيها بحرارة أن يتجة الرئيس اتجاها روحيا  فى سياستة و قيادتة لشعوب العالم نحو تدعيم السلام العالمى. فردت  علية  سكرتارية حكومة الولايات المتحدة  معبرة  عن  نياتها الحسنة الصادقة نحو اقرار السلام وقد  نوة عن اهتمام اولى  الأمر بهذة التوصيات وكذا  تقديرهم لهذا  اللطف الكريم فى وضع الحلول غى متناول اليد .  ولما  وصل أعضاء هيئة  الأمم المتحدة الى  لندن  لعقد اجتماعهم فى صيف عام  1946 ارسلت بطاقات  الترحيب من المحفل المركزى  للجزر  البريطانية، وكانت  اتجاهات اجتماعهم دالة على فكرة انشاء محافظة عالمية  ، فارسلت الرسائل وبها مقتطفات من تواقيع حضرة  شوقى  أفندى ربانى الى كل  من  مستر  بيفن  و  مستر  أيدن. فوصلت  من مستر بيفن رسالة  شكر  و تقدير.

     وهكذا استمر عقد المؤتمرات العالمية، فى كامبالا عام 1953 ،  وفى نيو دلهى عام 1956 و شاهد الرئيس الراحل  “نهرو” الذى عبر  عن  شعورة بالتقدير و الأمتنان بكلمة صافية. وفى لندن عام 1964 ،  وبعدها ،  لا  يمر عام الا  ويعقد مؤتمر عالمى  يحضرة عشرات  الآلف  من  المؤمنين و  آلاف غيرهم  من  المستفسرين.

*9-

عُدة  الطريق  الى  السلام

         كانت بداية القرن التاسع عشر خاتمة عهد من تاريخ الأنسانية ملىء بالحروب  و  الثورات الوطنية و الفكرية، وواكبة  الأنقلاب الصناعى  و  التطور الأقتصادى. و ابتدأ بذلك عهد  جديد ، مازال الى  اليوم فى سبيل التكوين  و الأستقرار  مبشرا بحضارة تمضى بالأنسانية نحو السمو  على  أسس  روحية. وصار للأكتشافات العلمية و الصناعية أثر بعيد على صناعة  الحرب ، اذ  استعملت الآلات و الماكينات   و  الطائرات  و الكيماويات  فى الحروب الحديثة بكثرة و مغالاة و فظاعة لم يسبق لها مثيل مما  أدى الى خراب مستحكم و قتل ملايين البشر  بالجملة، وخلفت  الحروب بين معظم الأمم عداوات مُستحكمة لم  يبرأ  العالم  من  شرورها للآن.

    ولقد تعددت المبادىء و النظم الداعية الى  حل هذة المشاكل متوخية السلم  العام ولكن دون جدوى بل اسفرت فى  النهاية عن نتيجة سلبية  لا  تحسد عليها  فلم يفد الناس  منها  فتيلا.

    والمؤسسات القديمة تدلل كل  يوم بعجزها عن مواجهة المشاكل العالمية بعجزها  و افلاسها و قصورها  عن  ان  تكون  مناط آمال الناس  و  ملاذهم.

      ومع  ذلك فالكل يترقبون حلول ذلك اليوم  الذى  …….  اليوم الذى يتقرر فية نظام  عالمى  جديد يدعو  الى  الوحدة والسلام ، كعامل اساسى لتحقيق السعادة البشرية  واقرار  جميع  حقوق الأنسان بضمانات  قوية،  وقد اشتد الطلب أخيرا  بين الحربين العالميتين  الأخيرتين، وبالتالى اشتد  البحث عن  نظام جديد يحمل فى ثناياة الدواء اللازم  لتضميد  جراح  الأنسانية المهلهلة الخائفة المرتعشة ، انسانية تسيطر عليها تيارات هدامة جامحة و أفكار رجعية عتيقة  و أخرى متهورة  متطرفة طائشة ، او  غير مبالية  ،  لاهية.

       ان  النجاة الحقيقة متوقفة على توجة الأنسانية  للدعوة الألهية الجديدة –  الا  وهى ا لبهائية – وفيها  الكفاية لما تصبوا  الية  البشرية  وما  يوافق مشارب  جميع الناس وفيها  الضمان  الكافى  لسلم  عالمى  وطيد الأركان. وقد  أوضح حضرة “عبد البهاء” أن هذا الأمر  روحانى  محض  يمنع الحروب و  الجدال و النزاع بين القبائل  و  الأمم.

   وأن مبادىء جديدة كهذة ضحى آلاف الناس  بحياتهم  على مذبحها لدليل صادق  على  قداسة مصدرها و قوة تأثيرها و ثبات  فاعليتها. ولو يعلم الناس ما فى هذة الدعوة من خير  لفتشوا  عن  الحقيقة  غير  مراعين عرفا  و  لا  تقليدا  ويقينا ان  البحث المُدقق المُنزة عن  الغرض لا  بد  أن  يصل  الى  النتيجة الحتمية الكامنة فى هذا الدين الجديد وهى انة ليس جديدا  بالمعنى المألوف، بل استمرار و تطور  الوحى  الألهى فى  صورة أوضح ومدى أشمل، وداع  الى  تجديد الهيئة الأجتماعية غير ناقض لما  سبقة من ألأديان  أو  ناسخ لكتب اللة  المقدسة، بل  مُضيفا لها بعض الحقائق الثابتة وموسعا لقاعدتها ، وجامعا لأصولها فى ثوب  جديد و بأسلوب أشمل مناسب لهذا العصر  الذى يوقن  بقيمة  الزمن.

    ولسوف تثبت السنين القادمة انة  لا  مناص  للعالم من تعاليم حضرة “بهاء اللة” التى تتغلغل فى جميع الأوساط  فى كافة ارجاء هذا الكوكب،  بخطى ثابتة و طيدة ، وتبرز  للعايان بشكل ظاهر معلنة انها “يوتوبيا” جديدة  عملية لعصر جديد، خصوصا بعد أن  أتضح افلاس  وخلل  معظم المدارس الفكرية و المبادىء الأجتماعية المادية الحاضرة  وعجزها المُخجل المُتراكم و  المُتزايد  و المُتفاقم و  المتُشابك.

      والبهائية ترى أن المنوط بحل المشاكل الأنسانية فى العصور المختلفة هو  اللة  وحدة بواسطة رسلة المختارين الذى  يوكل بهم  مهمة تغيير طبائع البشر و هداية النفوس و تطهير القلوب و اجتذابها  الى  الحق.

      وقد بين  حضرة “بهاء اللة” أن الدين هو السبب الأعظم  لتنظيم العالم، واطمئنان من  فى  الأمكان. وأن ضعفة  يزيد فى قوة الجهال و كثرة الهرج  و المرج و الأضطراب و  المفاسد . ومن أظهر و اهم  اسس هذا الدين هو  ايجاد بيت العدل الألهى  العالمى الذى يرعى حقوق جميع سكان  المعمورة و يحفظهم  ويطبق مبادىء العدالة و الأنصاف  مُتوخيا فى ذلك المساواة التامة بين البشر  كافة  و مُراعاة توخى الحكومات  العدل  و الحق  فى قيامها بتطبيق  الشرائع و الأحكام وفرض السلام  العام  وتقييد التسليح  و التجنيد بما يحتاج الية  صون السلام  فقط، ومنع  الحروب  العدوانية ، ويؤسس محكمة عالمية عليا تقوم بحسم  النزاع بين الدول وتصفية ما  أشكل من  أمور.

        وعالم  الغد  …….  تطبق فية  مبادىء التسامح  و المحبة و الأخاء العام و  المواطنة  العالمية و تُنبذ فية التعصبات بكافة  اشكالها حتى يتحقق حلم  البشرية فيما أسماة حضرة  “بهاء اللة”  الصُلح الأكبر بين الأمم و الملل والذى  وعد بة الرسل و الأنبياء السابقون و تخيلة الشعراء و حلم بة  الفلاسفة وبينة  حضرة  “بهاء اللة”  فى  الواحة.

     والسلام بحسب الوضع الذى يحددة يتحقق بنفحة روحانية رحمانية فى  هيكل العالم ،  قتأسس وحدة بنى الأنسان و يتخلص العالم من  أسباب الهلاك و الدمار  فى  عصر يسر المواصلات و تقارب  الشعوب و شعار العمل الجديد : الوحدة  مع  التنوع ،  وترك المركزية المفرطة  أو  التوحيد  الصرف الذى  يؤدى الى الخلط  و  الدمج.

    وهذة  الاسس الواضحة تشير الى  كمال التطور  الأنسانى المرتقب، الذى سوف تبلغة الأنسانية بعد  رحلتها القاسية والتى بوصولها الية تكون قد نهضت و سمت  الى  مرتبة منقطعة النظير فى  الرقى المستمر.

      وقد ظهرت دلائل شتى تثبت بوضوح و جلاء سير العالم  قدما  نحو تحقيق هذة  الأهداف السامية  المنبعثة  بقوة، من الروح الألهى الفائض على  العالم، والتى دلت على  ضرورتها و لزومها لأصلاح مدنيتنا وتوحيد العالم  روحانيا و اداريا  واقتصاديا و علميا  و لغويا ،  وتجديد  هيكل الحياة  الأجتماعية.

    وليس من كفيل بهذا  كلة …..  الا  القوة الألهية المحيطة العالمة  المدبرة  الخبيرة بمواطن الضعف  وطرق العلاج  و  الأصلاح وتوافر الشروط لنفعها و تطبيقها.

    ان  العالم  اذا استحال الى صورة  موحدة متحدة من  النظام و الأتجاهات يكون تربة صالحة لأزدياد  هذا النضج.

    ان  الفرصة  سانحة  فى  الوقت الحاضر  وسوف تتمخض حتما عن  هذا  النظام الجديد الدقيق فيتم البناء الالهى النهائى الأشم فى  هذا الصرح  المشيد فى  القلوب و المتأصل فى الأفكار، التى  ترنو لتحقيق أعظم حضارة لذلك العصر الذهبى  المتظر.

      وليس كفيل بابراز هذة  الحقيقة الا  ما  دون من  قلم حضرة “بهاء اللة” وبيانات حضرة “عبد البهاء” و ارشادات شوقى افندى  ربانى.

   وكلها آثار ناطقة بعالمية هذا  الأمر و جدارتة بأرساء الحضارة الجديدة التى يترقبها نيرى  العقول بتلهف  و شوق  زائد.

مصطفى  محمد  غنيم

1947 ميلادية

103 بديع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: