المصالحة والأصلاح بين الأديان

المصالحة والإصلاح

 

بيــن

 

 

الأديان والأقوام

 

 

 

بقـلم

 

الأستاذ / عباس محمود محمد

مدينة السراج الوهاج

 

مراجعة

فوزي احمد موسى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس الكتاب

 

مقدمة     …………………………………………………………………     1

تمهيد     ………………………………………………………………….     3

 

الفصل الأول

الترادف في لغة القرآن الكريم     ……………………………………………     7

الإسلام المعنى والمفهوم     ………………………………………………..    10

الإسلام دورات خاصة في دين واحد     …………………………………….     13

استمرارية الرسل والرسالات الإلهية      ………………………………..     16

المفهوم الأول : استمرارية الرسالات الالهية      …………………………..     18

المفهوم الثاني : المقصود من لفظة الأمة    ………………………………….     22

المفهوم الثالث : الأجل المحدد لكل أمة    …………………………………..    23

الفصل الثاني

مصداقية الأديان السماوية          

وشبهة التبديل والتحريف      ……………………………………………….     26

القرآن الكريم مصدقا بالتوراة والإنجيل     ………………………………….    27

التفسير والتأويل    ……………………………………………………….    31

التأويل والرمز    ………………………………………………………….    35

السماء والماء في الكتب المقدسة     ………………………………………….    36

السماء في الإنجيل والتوراة     ……………………………………………..    39

الماء في الإنجيل والتوراة      ………………………………………………    42

السماء والماء في الذكر الحكيم     …………………………………………..    45

الناس والحجارة     ……………………………………………………….     53

  

- أ –

 

 

 

 

الفصل الثالث

القيامة والحساب    ……………………………………………………….    57

الأبدية ومعناها في التوراة والإنجيل    ………………………………………     58

 يوم القيامة العظيم    ………………………………………………………    61

الدعامتين الأساسيتين ليوم القيامة     …………………………………………    64

الأمة الوسط     …………………………………………………………..    69

الإنذارات والبشارات     ……………………………………………………    71

بشارات بالرسول الجديد      ……………………………………………….     77

بشارات بالرسول الجديد في التوراة والإنجيل     ………………………………    80

بشارات الرسول الجديد في القرآن الكريم    ……………………………………   84

مزيد من البراهين   ………………………………………………………..    86

الفصل الرابع

بشارات الرسول الجديد في الأحاديث النبوية     ………………………………     91

أرض المحشر مكان الظهور المقدس     …………………………………….     92

علامات المهدي والمسيح روح الله     ………………………………………..    95

أحوال الناس في زمن عيسى عليه السلام    …………………………………..    98

موعود كل الأمم     ……………………………………………………..     101

تطابق الكلمات الالهية     ………………………………………………..     103

لغة المجاز في الكتب السماوية     ………………………………………….    105

عودة إلى يوم القيامة     ………………………………………………….    107

بشارات يوم الله الموعود     ………………………………………………    109

التاريخ الإيراني والديانة البهائية     ………………………………………..    111

بشارات الظهور    ……………………………………………………….    114

السيد محمد على الباب المبشر العظيم     …………………………………..     114

حضرة بهاء الله     ……………………………………………………..     119

 

- ب –

 

 

 

الفصل الخامس

حكمة مجيء حضرة بهاء الله بشريعة جديدة     …………………………….     129

الأجل المضروب لكل الأمم     …………………………………………..     135

تطابق المواعيد الالهية      ……………………………………………….     139

المزيد من التفاسير     …………………………………………………..     146

الإعجاز الإلهي في رؤى دانيال ويوحنا      …………………………………    150

أوائل السور أو حساب الجمل     ………………………………………….     152

عهد الله وميثاقه     ……………………………………………………..     157

 

الفصل السادس

اسم جديد للدين الجديد     ………………………………………………..     161

الحشر والميعاد في أرض الميعاد     ……………………………………….    165

براهين إلهية دامغة     …………………………………………………..     171

حتمية المصالحة والإصلاح      …………………………………………..     172

الجديد في الدين البهائي     ………………………………………………     178

الفصل السابع

دحض بعض الشبهات التي ألصقت بالدين البهائي    

1 – زواج المحارم في الدين البهائي     …………………………………..     200

2 – ادعاء حضرة بهاء الله للألوهية      …………………………………..     204

3 – موقف الدين البهائي من

أولا – الإسلام والأديان السماوية        ……………………………………     210

بهاء الله والإسلام      ……………………………………………………     211            

 

 

- ج -

 

 

 

 

 

البهائية لا تبدل أحكام الإسلام      ………………………………………     214

ثانيا – الدين البهائي واللغة العربية      ……………………………………     216

الدين البهائي والرقم 19    ……………………………………………….    219

الجنة والنار في المفهوم البهائي      ………………………………………     224

خطبة حضرة عبد البهاء عن حقيقة

الرسالات الالهية      …………………………………………………..      232

موجز لأصول العقائد البهائية      …………………………………………     235

وقفة تحتاج إلى تأمل     …………………………………………………     237

هوامش الكتاب     ………………………………………………………     241

مسرد الكتب والمراجع      ………………………………………………     243

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

- د –

 

 

 

مقدمــة

 

   من المسلم به لدى الجميع، وخصوصا في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الإنسانية، أن الكثير من أمم العالم ودولة وشعوبه، أصبحت تعاني من المحن الخانقة والأزمات الطاحنة، والتي بدأت تعصف بكوكبنا الأرضي الذي نعيش فوق سطحه نحن البشر – اعتبارا من السنوات الأولى للقرن العشرين المنصرم – وما انفك يرزح تحت وطأة المطامع الدولية المتضاربة، وينوء بالصراعات القومية والحروب القبلية, وعلي وجه الخصوص في معظم مناطق العالم المتردية، الأشد فقرا وجهلا, هذا إلى جانب الكثير من المشاكل والتي بدت مستعصية الحل كالإرهاب الفكري والديني المسلح والتي أضحت عائقا ضخما يعرقل ويكبل مسيرة البشرية نحو التقدم والرخاء. بالإضافة إلى التغيرات المناخية التي برزت على السطح نتيجة لعبث الإنسان واستهتاره بقوانين الطبيعة حتى أصبحت تهدد بالفناء مستقبل البشرية كلها دون استثناء، إضافة إلي الانتهاكات – الشبه يومية – لحقوق الإنسان والمرأة والطفل وجرائم الاغتصاب وسرقة المال العام وتجارة المخدرات، وكابوس الإيدز وأنفلونزا الطيور والخنازير وما يستجد من أمراض لم تكن في أسلافنا كما سبق وتنبأ الرسول الكريم قبل ألف وخمسمائة سنة.

 

   ومن المثير للعجب أن تجتمع كل تلك الهموم والمصاعب في ميقات واحد, ولتتحدى بقواها المدمرة كل الجهود الإنسانية المخلصة, وفي وقت بدا للإنسان أنه قد أضحى – بعلومه ومكتشفاته الحديثة – حاكما مطلقا ومهيمنا بدون منازع على كوكبنا الأرضي، حتى بدت تلك المشكلات وكأنها سحابة سوداء حجبت الضياء عن عالمنا المنكود وعجزت عقول وأفكار القادة والمفكرين عن استنباط الحلول الناجعة, ولم يعد الناس بقادرين على رؤية الطريق واستلهام مجرد الأمل للخروج من هذا المستنقع الوبيل – وعلي أقل تقدير- في المستقبل المنظور, وساعد رجال الدين من أتباع الديانات بنظرتهم القاصرة إلى مفهوم الدين وبتفسيرات العلماء المتباينة المشوهة في ازدياد حدة التباين بين الثقافات المختلفة واتساع هوة الخلاف والفرقة

 

بين الناس وكأن كلمات السيد المسيح قد عادت مرة أخرى من جديد حية نابضة باللوم والتقريع حين تفضل قائلا “عميان يقودون عميانا “

   وبدا وكأن بريق الأمل قد انطفأت جذوته بلا رجاء ولم يعد من سبيل للخلاص من ذلك الانهيار الأخلاقي والفكري حتى في أجندة اشد المتفائلين والحالمين.

وعلى الرغم من تلك الصورة الكئيبة القاتمة، ومع كل هذه الأستار الحالكة السواد التي تخيم فوق سماء العالم الانسانى فلا يزال الأمل بازغا خلف الأفق يرفرف بجناحيه العريضين في انتظار الفرصة السانحة لكشف الغمة عن الناس وتحقق يوم الميعاد الإلهي كما وعد حضرة المسيح قائلا :

لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ” متى ص 6 : 10

   إلا أن هذا الأمل المنشود لن يتحقق من تلقاء نفسه بل يجب أن تعمل من اجل بزوغ فجره الواعد، جميع النفوس الطيبة والراغبة في العيش في توافق وسلام، ومن المحبين لكل أفراد الجنس البشري فوق كوكبنا – الذي لا نملك غيرة – بلا استثناء، على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأديانهم وعقائدهم وثقافاتهم وبكل ما لديهم من نوايا طيبة صادقة.

    لذا اهدي هذه الصفحات إلى كل من يحاول إيقاد شمعة للأمل وسط دياجير الظلام الحالك, ولكل من يبحث عن مخرج وسط مشاعر اليأس وعناكب الأوهام المخيمة فوق عقول الكثير من البشر، وينشد طوق نجاة ويلتمس مقعد صدق لدى سفينة الله الحمراء تحسبا لهذا الطوفان الهادر، الذي يمكنه أن يجرفنا جميعا إن لم تتداركنا رحمة الله حيث لا عاصم اليوم من أمر ربى.

    وعسى أن نقيم من هذا الحوار الحضاري البناء, جسرا متينا نلتقى جميعا فوق مصطبته لنتأمل مصاعبنا المشتركة في هدوء وروية, لنتدبر ونتبادل ثقافاتنا الدينة السماوية الأصل والمنشأ في سلام وحرية، وفي أمان من التجريح أو التعصب، لعلنا نؤمن تمام الإيمان، ونوقن حق اليقين بأنها جميعا هي جوهر دين الله الواحد الذي لا يعتريه تبديل أو تغيير على الرغم من أنها ظهرت في أماكن مختلفة، وبعثت في أزمان متباعدة، وجاءت في صور متعددة، وتحت مسميات مختلفة.

                                      عباس محمود محمد

                                               

تمهيـــد

 

   يعتبر الدين – دون أدنى شك – العامل الرئيس في تكوين وتشكيل التراث الثقافي الإنساني  وجانب مهم من جوانب الوعي الاجتماعي وربما يظهر ذلك كأوضح ما يكون في مجتمعاتنا العربية كأحد الأسانيد المنهجية المهمة المعترف بها , ويمثل الإطار النظري والسند المعرفي الذي تحيا وتتحرك به هذه المجتمعات، ومن خلاله تسلك وتفكر، تُقْنِع وتَقْتَنع، فلا تحيد عنه أو تخرج عليه.

 

   إلا أن واقع المجتمعات البشرية طبقا للسنن والنواميس الإلهية هو التطور والتغير نتيجة لما تحدثه تحولات الأزمنة والعصور من أفكار ومعارف جديدة، ومن اكتشافات علمية خطيرة الأثر، في المجتمعات الإنسانية، وخصوصا تلك الطفرة العلمية المعروفة بعصر النهضة والتي ظهرت في أوروبا منذ بدايات القرن التاسع عشر وما زالت تتطور وتتقدم حتى أصبحت المقوم الأساسي لحياة الملايين من البشر في كل أرجاء الكرة الأرضية, إضافة إلى التطور الهائل في وسائل الاتصال وثورة الاتصالات التي جعلت من العالم كما يقال قرية صغيرة.

 

   وكان لزاما وتحت وطأة كل تلك التغيرات العظيمة – واستجابة لمنطق الأحداث – أن يتأثر ذلك الإطار النظري لهذه المجتمعات ويبدأ في التطور والتغير المستمر بما يتناسب مع ما يستحدث، ويواكب – بالضرورة الملحة – ما يستجد على أرض الواقع، لأن الإطار النظري إذا أضحى ثابتاً لا يتغير أصبح سببا لجمود الواقع ويعرقل تطور المسيرة الحضارية لأي مجتمع. 

 

   لذا بَدَأت ومنذ سنوات قليلة بعض المحاولات للتقارب بين مختلف الثقافات العلمية والاجتماعية والدينية في محاولة لتقبل مفاهيم الآخر، والعمل ولو علي قدر مقدور لنزع فتيل الخلاف والشقاق بين تلك الثقافات، الأمر الذي دعا لتجديد لغة الحوار أو لغة الخطاب وفي مقدمتها لغة الخطاب الديني.

 

    وأطلق بعض المفكرين على تلك المحاولات الخطيرة الأهمية لإتمام عملية التواصل بين البشر وتحقيق الأمن والسلام بين الأمم والشعوب بعملية الإصلاح الديني أو عملية تغيير الخطاب الديني الموجه إلى الآخر.  فالانفتاح والانغلاق ليس مجرد مصطلحات فلسفية بل هي تعبير عن تفاعل قوى اجتماعية متباينة تختلف في مصالحها وأهدافها0 لكنها لا تستغني بعضها عن بعض0  فيشير الانفتاح إلى التسامح مع الثقافات والحضارات والعقائد الأخرى ويؤكد الاستعداد للتفاعل المثمر الخلاق, ولا يعنى الانفتاح قبول الآخر قبولا كليا أو الذوبان فيه، بل يعنى الإيمان بوحدة الحضارة الإنسانية في مسار التطور, لأنه لا يمكن أن تقوم حضارة في مكان ما دون الوعي بمستجدات العصر الذي نحيا فيه والإحساس بمشاكل وهموم الآخر, واستيعاب تلك المفاهيم وتجاوزها, حيث يمكننا أن نقول إننا نبدأ من حيث انتهى الآخرون, وهى المقولة التي تتفاخر بها كل امة ناهضة.

   إلا أن برامج هذا العمل الهام قد تعثرت حيث شهدت الساحة الإعلامية رؤى متباينة وتفسيرات متفاوتة مختلفة. ففي حين رأى البعض أن تحقيق هذا الأمل مرهون بالتمسك بقواعد الدين والعودة به إلى صورته الأولى التي فهمها السلف, والاعتماد على الاجتهاد والبرهان العقلي والاستفادة من ثقافة وحضارات الغرب مع الحفاظ على هوية وخصوصية مجتمعاتنا العربية. في حين رأى فريق آخر أن ذلك الإصلاح لن يتحقق إلا بإطلاق حرية العقل في فهم النص الديني, مما يتيح تعدد الرؤى الدينية, والتي تخلق مناخا يتسم بقدر كبير من التسامح والتعددية الثقافية. 

   ولعل “ما يدعو إلى الأسى هو أنّ الأديان الكبرى القائمة التي كان الغرض الرّئيسيّ من وجودها نشر الأخوّة وإشاعة السّلام بين البشر، غالبًا ما أصبحت هي ذاتها عقبة كأداء في هذا السّبيل. والمثال على ذلك هو الحقيقة المؤلمة أن هذه الأديان القائمة هي التي طالما أقرّت التّعصّبات الدّينيّة وغذّتها. (1)  

   يؤكد الواقع، مع الأسف أن بعض الفرق القوية المتزمتة قد انتصرت في صراعها مع مناصري التسامح، لدرجة امتلأت كتب التراث على اختلافها، بمصطلحات الكفر والتكفير والزندقة والضلالة والفضيحة وكان الهدف الأساسي من ذلك هو وضع سياج من الأعمدة التي لا تقهر في مواجهة العقائد والثقافات الأخرى, حتى لا

 

يستطع أي منهم اختراق ثقافة الآخر، وأصبحت تلك المصطلحات وغيرها الكثير هي المؤشر اللغوي على الموقف الثقافي والاجتماعي الذي يؤكد نبذ التسامح والانفتاح ويدعو إلى التزمت والانغلاق والجمود.

     وفي هذه الأيام بدأ الكثير من الباحثين المجدين يدعون إلى التحرّر بكتاب الله منْ أسْر فهم السالفين رضوان الله عليهم، وقد تخالف رؤاهم آراء وأفكار المفسّرين الأجلاّء مخالفةً بيّنة

——————–

(1) رسالة بيت العدل الأعظم إلى قادة الأديان ص 1  

ولا ضيْر مِن ذلك، وقد يتّفق معهم، فالقرآن كتاب الله إلى النّاس كافّة إلينا كما كان إليهم، وعلينا أن نقوم بواجبنا حياله كما قاموا بواجبهم جزاهم الله وأثابهم عليه, ومع احتفاظنا لعظيم

مقامهم فمن الواجب علينا أن تكون لدينا القوة على فحص ما هو صحيح والعمل به، ونبذ ما هو خاطىء والابتعاد عنه في كثير من المواضيع التي تتعلق بإيماننا وبعقائدنا.

 

    وفي اعتقادي أن من أهم أسباب الفرقة والخلاف بين أتباع الأديان هو قصور الروية الصحيحة، وعدم وضوح معاني ومفاهيم الكثير من المصطلحات التي وردت في كل دين علي الرغم من أنها جاءت من مصدر الهي واحد وكانت تشير إلي حقيقة واحدة ” كمعني الإسلام والإيمان، يوم القيامة، أو اليوم الآخر، الجنة والنار أو الملكوت الإلهي، البعث و الحساب والحياة بعد الموت، المهدي المنتظر ورجعة المسيح … “

 

    وما نتج عن تمسك كل أمة بمفاهيمها الخاصة لتلك المصطلحات وما تدلل عليه، ولما ورثته من معتقدات الآباء وعادات وتعاليم الأجداد ورفض كل فكر مخالف آخر، مما عمل علي اتساع هوة الخلاف وإذكاء نيران الجدل والغضب بين الملايين من البشر.

 

وقبل أن أبدأ حواري معك عزيزي القارئ والذي أتمنى أن يكون حوارا عقلانيا هادئا ومثمرا بالدرجة الأولى أود أن أشير إلى قاعدتين منهجيتين:

    أولاهما قاعدة شرعية معترف بها تقول

 

“لا يترك حق لقلة ناقلة ولا يؤخذ باطل لكثرة قائلة “

 

    والثانية هي  تلك القاعدة المنهجية الأولى عند ديكارت الفليسوف الفرنسي الشهير ” ألا اقبل شيئا ما على أنه حق , ما لم أعرف يقينا أنه كذلك ”

 

   والتي أكدها دون أدنى شك وبأروع  ما تكلم به بولس الرسول حين قال ” الإنسان الروحي يحكم على كل شيء إلا أنه ليس محكوما بأحد ”

 

وكما تفضل أيضا ” أن من يخشى الله يخافه كل شيء ومن لا يخاف الله يخاف من كل شيء”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصـل الأول

 

     لعله من ابسط المسلمات أن نقر ونؤمن جميعا بأن أول طريق للمصالحة والإصلاح بين أصحاب الديانات المتنافرة، هو أن نتعرف – وعن كثب – على كتب الله الثلاثة السماوية المقدسة، التي يؤمن بها ويعمل بشرائعها الغالبية العظمي من البشر حول العالم، ونتأمل ما جاء بها ونقر ونعترف بمصداقيتها الإلهية ومصدرها السماوي على الرغم من شكوك البعض بصحة أصولها السماوية – وفي المقابل – اعتقاد البعض الآخر بإمكانية حدوث عبث بنصوصها وتحريف بعض معانيها أو مبانيها.

 

     واعتقد انه من المستحيل إزالة نعرات التعصب الديني والتي غالبا ما تكون نتيجة الجهل وعدم المعرفة ما لم يحترم أتباع كل دين أتباع الأديان الأخرى، ويكتشفوا بأنفسهم القيم الروحية والخلقية للأديان التي قد تختلف في مظاهرها على الرغم من أنها واحدة لا تتجزأ في روحها وجوهرها.

 

 

    فغياب الرؤية الثقافية الشفافة لكتب الديانات السماوية التي يؤمن بها مليارات من البشر، والتقوقع خلف حصون الفكر المتوارث عن الأهل والأجداد منذ آلاف السنين، دون أن نلقي ولو مجرد نظرة عاجلة على ثقافات وعقائد الآخرين، له مؤشرات عديدة وخطيرة، ربما كان من أهمها إجهاض كل فكر مخالف لما ينطق به الآخرون.

  

 

 وربما تفاقم الأمر إلى الدعوة على المستوى النظري والعملي إلى تكفيرهم، ووصمهم بالإلحاد والزندقة ونبذهم واجتنابهم من واقع حياتنا الاجتماعية. ومن البديهي أنه لا يمكننا أن نُقْنِع إنسان كائن ما كان بأفكارنا ومبادئنا بتجنبه والانعزال عنه ورفض الحوار معه، لأن التفاعل والحوار الفكري مع ثقافة الآخر لا تخلق من عدم ولا تتأتى بالوحي والإلهام , ولا تولد في سجن المعتقد الديني بمعزل عن الواقع والعصر والثقافات المحيطة.

 

   ولكي لا نتعثر في طريقنا ونطمأن لمنهجنا هذا لابد وأن يتم ذلك البحث المستفيض من خلال النصوص الموثقة في الكتب المقدسة ذاتها وليس هناك من سبيل أو وسيله غيرها. 

 

 

نظرة جديدة على تراثنا اللغوي

 

الترادف في لغة القرآن الكريم

 

     عندما نتأمل في هذه الأيام كتابات من يحاولون تغيير وتحديث ، أسلوب الخطاب الديني لجعله معاصرا لمفاهيم وأراء المجتمع الدولي الآن ، ويبحثون عن الارتباطات والعلاقات الوثيقة بين فكر هذه الأيام وبين تفاسير الأمس لنصوص الرسالة الإلهية ، فإننا لا نجد ما يعيننا في كتاباتهم على فهم أفضل للنص القرآني، ولا نجد أجوبة عن تساؤلات، أو حلول لإشكالات طالما حار فيها قراء هذا النص على مدى قرون، لسبب بسيط هو أنهم ما يزالوا يقرؤونه بمفاهيم أسلافهم وما نقلوه عنهم، ويتمسكون بتفسيرات الطبري حينا وبالسيوطى أحيانا، دون أن يخطر لأحدهم، ولو لمرة واحدة أن يقرأه بعين نفسه ومعطيات عصره.

  

   لأن أي قراءة لأي نص وخاصة النص الإلهي هي بالضرورة محاولة لفهم هذا النص ضمن الزمان والمكان وأدوات المعرفة التي باتت نمتلكها ولم تكن متاحة للسابقين. والسبب الثاني الأهم والأخطر أن بعض العلماء عندما أحس بالحرج لعدم قدرته على الإتيان بتفسير مقنع لجأ إلى ترادف المعاني وتعميمها على النص وهنا كانت الطامة الكبرى في استخدام هذا الترادف وتعميمه على النصوص الإلهية لأنها اتاحت استنتاج مفاهيم وأحكام لا تتطابق مع الدلالات الشديدة الدقة لألفاظ التنزيل الحكيم.  

   وبما أن الإنسانية تقدمت علي مستوى كل أنواع العلوم بما فيها علوم اللغة، بالإضافة إلى تبنى العقل مناهج التفكير المنطقي عوضا عن آليات العقل الوجداني الشعري الذي كان سائدا  لدى السلف نتيجة لجغرافية المكان، ومحاولة الحفاظ علي تراث الأعلام من الأئمة والعلماء السابقين في تلك الآونة، فكان من المحتم مع تغير هذه الأدوات أن يتم الانتقال من فضاء معرفي إلى فضاء معرفي آخر أرحب وأعظم.

 

   كانت الخطوة الأولى عندما بدأ أساتذة وأساطين اللغة العربية الكبار في دحض الأفكار التي طالما توارثناها عن ثراء لغتنا العربية وراحوا يرفضون القول بأن اللغة العربية غنية بمترادفاتها الواسعة – وعلى سبيل المثال أن للأسد ثلاثمائة اسم وللجمل خمسون اسم –  ليس هذا فحسب بل أظهرت الدراسات المستفيضة أن ما يعرف بالترادف لم يتحقق إلا في حالات نادرة وأوضحت هذه الدراسات الحديثة أن لكل كلمة من هذه الألفاظ – والتي عرفت بالمترادفات – دلالة ومفهوم شديد الخصوصية قد يختلف في كثير أو قليل من الفروق ولكنها لا تتطابق على الإطلاق.

 

 

   وكان من الممكن لمسألة القول بالترادف أو إنكاره أن تبقى مسألة مجمعية أكاديمية بحتة لا تهمنا كثيرا، لولا أن القول بالترادف قاد إلى إجازة رواية الحديث النبوي بالمعنى أي رواية  الحديث على أكثر من مقولة، أي أن فلان روى الحديث بالشكل الفلاني وآخر روى نفس الحديث بكلمات قد تختلف ، دون النظر إلى الفرق في معاني الألفاظ الأصلية التي صاغت كل منهما ، وإلى اعتبار القياس في أصول الفقه من مصادر التشريع، وإلى  تأليف معاجم تفسر

“الكذب بالإفك، والإفك بالافتراء، والافتراء بالبهتان، والبهتان بالكذب.

   وكما فعل سيبويه وتابعوه من بعده، بدءأً من أن “ذهب، ومضى، وانطلق، وبارح، وغدا، وراح” كلها مترادفات بمعنى واحد، انطلاقا من الحفاظ على الشكل اللفظي دون الدخول في المحتوى الدلالي للكلمة وهذه علة  قادت الناس إلى فهم غير صحيح للكثير من الآيات القرآنية.

 

   ومما لا شك فيه أن إنكار الترادف سيدفعنا ونحن ندعو إلى قراءة معاصرة للتنزيل الحكيم، أن نبحث عن الفرق بين الألفاظ والكلمات مهما كانت الفوارق دقيقة أو طفيفة كالفرق بين ألآب التي وردت في الإنجيل وبين الأب والوالد، وما بين الشاهد والشهيد، وبين العباد والعبيد، وما بين التفسير والتأويل، وإلى التمييز بين معاني ” الكتاب والقرآن” وبين “وظيفة وعمل النبي والرسول”  “ومقام النبوة والرسالة”، “والفرق ما بين “الإسلام والإيمان” وبين الماء الطهور المنزل من سماء العزة الإلهية وبين الماء العنصري النازل من سماء الدنيا، تماما مثلما ميز التنزيل الحكيم بين المحكم والمتشابه في آياته المباركة، وستؤدى هذه الدقة بالضرورة – وخصوصا أن أكثر ما تنطبق عليه هذه الخاصية هو دلالات ألفاظ القرآن الكريم – إلى تغيير في الأحكام والمفاهيم الفقهية والعقائدية والى فهم أروع وأعمق لمقاصد الله ولوعوده وبشاراته الكثيرة التي وردت في كتابه العزيز.

 

    والترادف عند القائلين به قسمان: ترادف ألفاظ عديدة على معنى واحد وترادف معان عديدة على لفظ واحد، كالظن الذي يعنى الشك واليقين، وكالجون الذي يعنى الأسود والأبيض، والبون والبين الذي يعنى البعد والقرب. فقولنا : بان يعنى ظهر وقرب، ومنه البيان والتبيين والإبانة والبينة. ويعنى أيضا اختفى وبَعُدَ. يقول تعالى: «ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين » البقرة 168، 208، والمبين هنا تحتمل الوجهين معا.بمعنى قريب أو خفي.

 

   وهذا النوع من الترادف الذي لا يفسره إلا السياق اللغوي أخطر ما يكون على فهم التنزيل الحكيم ، لأن قارئ التنزيل لا يجيز لنفسه، ولا يجيز التراثيين له، أن يخرج عن المعنى الذي ذهب إليه المفسرون الأوائل.  والأخطر من ذلك كله أن جميع ترجمات القرآن إلى اللغات الأجنبية اعتمدت المعنى التراثي المتوارث تحديداً في ترجمة معاني القرآن الكريم وكمثال على هذا ما كتب عن إيضاح معنى الإسلام والإيمان  :يعتبر في الأدبيات الإسلامية التراثية – ومعظم المعاصرة – أن المسلمين هم أتباع محمدصلى الله عليه وسلم.

 

    فالبخاري ومسلم يعتبران الإيمان إسلاماً والإسلام إيماناً، فيفتتحان باب الإيمان في صحيحيهما بحديث النبي – صلى الله عليه وسلم : بنى الإسلام على خمس، ونخلط نحن الآن باسم الترادف بين المسلمين والمؤمنين وبين الكافرين والمشركين.

    لكننا نرى التنزيل الحكيم يفرق بين هذه المصطلحات جميعا حيث يوضح في غاية الجلاء أن الإسلام هو تسليم وإشهار بالخضوع والاعتراف بعظمة الرسالة وبسلطان الرسول الذي لا يقهر، وعلى أن يتم هذا الإشهار بالقول وباللسان في العلن!، أما الإيمان فهو حالة من الأحاسيس الوجدانية الملهمة، تنير طريقها بصيرة صافية مشرقة نابعة من قلب المؤمن دون

ضغط أو إكراه، تتضافر مع يقين عقلي لا يقبل الشك لاتباع الهداية الإلهية.

 

{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ }الحجرات14

 ونقرأ قوله تعالى: «إن الدين عند الله الإسلام» آل عمران 19.

 وقوله تعالى» :  ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه «  آل عمران: 85

 

 

 

 

 

الإسلام – المعنى والمفهوم

 

   وهنا لابد لنا من وقفة لنتأمل ونحاول أن نبحث بفكر متحرر خلاق عن معاني بعض تلك المصطلحات التي وردت في الكثير من الكتب الإلهية السابقة والتي كانت من أهم أسباب الفرقة والخلاف بين أتباع الأديان ، علي الرغم من أنها جاءت من مصدر الهي واحد وكانت تشير إلي حقيقة واحدة ” كمعاني الإسلام، والإيمان، يوم القيامة، أو اليوم الآخر، الجنة والنار، الماء الإلهي النازل من السماء، الحياة بعد الموت والبعث، المهدي المنتظر ورجعة المسيح … الخ، عَلَّنَا ، نكتشف الجوهر السرمدي المخبوء في معاني تلك المصطلحات، ونجد الوحدة الأزلية واضحة جلية بين رسالات الله السماوية. 

 

   فطالما ما ترسخ في أذهان البشر الكثير من أمثال هذه المفاهيم والمصطلحات بصورة غير واضحة المعالم سواء تلك التي ورثناها من أديان الماضي البعيد أو القريب نسبيا وبحسب معتقدات كل منا، ونظرتنا إلى مفهوم الدين وما استقيناه من تفسيرات العلماء المتباينة في جميع الأديان، بل وفي صميم الدين الواحد أيضا.

 

    ودعونا نتساءل في مقدمة هذه الدراسة عن المعنى والمغزى من كلمة الإسلام؟  وماهية هذا الدين الذي لا يقبل الله من الخلق أجمعين غيرة، ما تعريفه؟ وما هي مواصفاته؟ حسب ما جاء وقرره كتاب الله القرآن الكريم!

    يقول الغالبية العظمى من المسلمين أن الإسلام هو دين الله القيم مستشهدين بالآية {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } آل عمران 19

 

    فكلمة ” إسلام ” ليست في الحقيقة اشتقاقا من اسم سيدنا محمد (ص)، بل هي عربية الأصل وجذرها “سَلِمَ”. والكلمة بجميع أشكالها واشتقاقاتها تُرجمت على أنها استسلام لإرادة الله، وهي كلمة طاعة وسلام وعبودية لله وحده، حيث جاءت كلمة المسلمون في القران الكريم متلازمة مع لفظ الجلالة سواء كان ذلك صراحة أو ضمنا، وأنّ المسلم من اتّبع الإسلام واستسلمت نفسه لله، وقام على طاعته وفاز بعبوديته وحده.

   ومع ذلك المفهوم الواسع العظيم لمعاني كلمة الإسلام، فقد اعتبر المسلمون أنفسهم أصحاب هذا الدين، وأن الله اختصهم به وحدهم دون سواهم. على الرغم من أن القرآن الكريم يقول غير ذلك فقد أوضحت آيات القرآن الكريم أن جميع رسل الله السابقين وأتباعهم كانوا مسلمين.

استمع إلى قوله تعالى “قلْ أي يا محمد” أو يا من أمنتم بالقرآن ورسوله :

    {آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}   آل عمران من آية  85:84

  ونقرأ قوله تعالى {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }آل عمران83

{وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ }يونس84

{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } البقرة132

ونلاحظ في الآيات أعلاه أمرين على قدر كبير من الأهمية .

الأول : أن نوحاً وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل وإسحق ويوسف وموسى وعيسى وسليمان كانوا جميعا مسلمين .

والثاني : أن لفظة الإسلام ارتبطت في كل تلك الآيات باسم الله. ومنها نفهم أن الإسلام يقوم على الإعلان والإشهار بالتسليم  لله والإقرار بوحدانيته وباليوم الآخر. وأن الإسلام دين كوني، لا يقتصر على أهل الأرض فقط، بدليل قوله تعالى  ” وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها  

    وهذا يعنى أنه إذا كانت هناك مخلوقات عاقلة في مجرة من مجرات المترامية الأطراف في هذا الكون الواسع العظيم فلابد وأن يدينوا بدين الإسلام.

 

    وعلى هذا يؤكد التنزيل الحكيم أن ما في الكون أقر بالتسليم لله الواحد وأسلم له طوعا من باب الألوهية وكرها من باب الربوبية، وأن الإسلام هو القانون الأزلي  الذي لا يعتريه تبديل أو تغيير منذ بدء الخليقة ويعني الإقرار بوجود الله  وواحديته، وليس للإنسان في هذا الإقرار بالإسلام أو التسليم إرادة أو مشيئة للرفض أو القبول.  في حين ترك الله سبحانه للناس المشيئة والحرية الكاملة سواء للإيمان أو الكفر، عندما تحدث عن الدين الجديد وعنى به الرسالة الجديدة لم يكره إنسان علي قبولها والإيمان بها. 

{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }البقرة256

{ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }الكهف29

   بينما حدد المعنى الحقيقي لعقيدة الإسلام موضحا أنها سنة إلهية ملزمة لكل مخلوق من مخلوقاته، ولا بد من الخضوع والتسليم للإرادة الإلهية سواء طوعا أو كرها {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }آل عمران83

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران من آية  85:84

 

   يضاف إلى ذلك أيضا أن الإسلام هو عقيدة الفطرة الإنسانية طبقا لقوله تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }الروم30

 

   وهذه الفطرة لا علاقة لها بصوم رمضان أو بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاه حيث إن الإنسان يصوم رمضان ويقيم الصلاة وغيرها من الشرائع بالتكليف لا بالفطرة. مما يجعلنا نجزم بأن الإسلام والمسلمين لا علاقة لهم بالرسالة المحمدية ولا بغيره من الرسل والأنبياء السابقين، بل أن الإسلام – الذي يمثل وحدة الرسالات الإلهية –  هو قانون الهي سرمدي ارتبط بالتسليم لمشيئة لله والإقرار بوحدانيته  منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها والى يوم يبعثون.

 

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }الأنبياء25

{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة112

 

{وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً }النساء125

 

 

{سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً }الإسراء77

 

 

 

 

 

الإسلام دورات خاصة في دين واحد عام

 

دين الله القيم

 

 

   قال تعالى في سورة المائدة  { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا …}

   هذا الخطاب الرحماني الذي تنزل أثناء حجة الوداع الأخيرة قبل رحيل الرسول عليه السلام عن دنيانا كان موجها إلى المسلمين من أتباع سيدنا محمد عليه السلام وحدد الحق به دورة خاصة لدين الله العام الذي سماه بالإسلام. وارتبطت هذه الآية وبشكل وثيق بآية أخرى وردت  في سورة آل عمران تقول

{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ …}  آل عمران آية 19

   وبهاتين الآيتين أضاف سبحانه وتعالى على ” لفظة ” الإسلام خاصية الشمول والركن الأصولي الذي لا يتبدل ولا يتغير بحيث صارت أسما أو عنوانا لكل دين بغير استثناء وللمزيد نقرأ ما جاء في السور الآتية عن الإسلام  يونس 71، البقرة 133، المائدة 111 .

{فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }يونس72

{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }البقرة133

{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }آل عمران52

   ومن هذه الآيات يتضح أن الإسلام اسم أطلقه الله تعالى على دينه في دوراته المتعاقبة، على الرغم من أن كل دورة إلهيه وسمت باسم خاص وكتاب خاص وأمة خاصة. ففي دورة سيدنا إبراهيم كان الإسلام معروفا باسم ” الحنيف “وكتابه الصحف، وفى دورة سيدنا موسى كان اسمه اليهودية وكتابه التوراة، وفى دورة سيدنا عيسى كان اسمه النصرانية وكتابه الإنجيل وفى دورة سيدنا محمد كان الإسلام وكتابه القرآن الكريم. مع العلم – كما ذكرنـا سابقا – بأن لفظ ” إسلام ” هي كلمة عربية ولا توجد إلا في لغة العرب ومع ذلك كان لها أيضا ما يقابلها لفظا ومعنى في اللغات الأخرى والمتدبر في القرآن الكريم يجد هذه الحقيقة واضحة في قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ “أي القرآن” مُسْلِمِينَ}  سورة القصص آية  53:52  

    فهاتين الآيتين المباركتين تقدمان ” الإسلام ” في تعريف دقيق فالذين آمنوا بالقرآن قالوا أنهم أقروا واعترفوا بأنهم كانوا من قبله مسلمين. فتعدد الاسم واختلاف الرسم لا يعنى تعدد الدين الواحد ولا يؤكد التناقض بين شرائعه أنما تتعدل هذه الشرائع بحسب ما تقضي به حكمة الله في علاج أمراض البشرية ولتوجيه مراحل تطورها.

 

{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } المائدة48

 

    والعقل المنصف لا يرى في الاختلاف الظاهر بين الشرائع ثمة تناقض بالمعنى العالق في الأذهان وكل ما يراه هو أن الاختلاف في الظاهر مردة  اختلاف الأمراض التي واكبت المجتمعات البشرية عبر التاريخ، فارتفاع الحرارة مثلا عند مريض يحتاج بالضرورة إلى علاج يختلف عن علاج هبوط الحرارة عند مريض آخر فالارتفاع والهبوط متضادان ولذا وجب أن يكون علاج هذا مضاد لعلاج ذاك بل ضرورة لحفظ الحياة ولا يمكن اعتباره تناقض.

   وهكذا تعالج الشرائع الإلهية علل البشرية المختلفة الاجتماعية والخلقية بنفس السنن الإلهية المؤكدة للشفاء في توازن رائع دقيق حيث لا تناقض أو تضارب بل تواصل وتكامل.

 

    ومن هنا نرى أن الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والزردشتية وسائر الديانات السماوية كلها واحدة من حيث الجوهر ومن حيث أنها جاءت لشفاء الإنسانية من أوجاعها المتأصلة، وتمكنها من متابعة السير بغاية القوة خلال مراحل تطورها الروحي والاجتماعي الذي لا نهاية له، وكنزت في قواها نفس الجوهر الواحد وعملت علي تحقيق هدف واحد على الرغم من إنها جاءت تحت مسميات متعددة وأنزلت إلي أقوام متباينة وفي بقاع مختلفة وعلى أزمان متباعدة. وبدأت تظهر أمام أعيننا بمثابة علامات إرشادية تحدد مسار تقدم البشرية المغرق في القدم، ومنهج تطور الحضارة الإنسانية عبر عقود طويلة من الزمن.

   والحال أن لفظ ” إسلام” أنما ظهرت لأول مرة بعد نزول القرآن الكريم الذي أعلن أن دين الله اليوم أسمه الإسلام . كما يستفاد من دقة التعبير وأن الذين قالوا أنهم كانوا من قبل القرآن مسلمين إنما عنوا بذلك أن الأديان على اختلاف أسمائها واحدة من حيث الجوهر وأنهم لم ينظروا أليها من ناحية تعدد الأسماء والشرائع فإذا كان قصدهم الشرائع لما قالوا أنهم كانوا من قبله مسلمين لأن الشرائع ليست واحدة في جميع الأديان.

 

   ولأن الوحدانية هي دين الله القيم،  فلا تتكثر ولا تتعدد بتكثر رسل الله وتعدد شرائع الله ومن ثم فأنه إذا أمن شخص برسالة بالذات ولم يؤمن بالأخرى أو إذا أمن بدين ولم يؤمن بالآخر فكأنه ما أمن بدين على الإطلاق لأنه في هذه الحالة يكون قد غفل عن حقيقة التوحيد واحتجب بالتعدد عن الوحدانية وإلى هذه الحقيقة أشار السيد المسيح عليه السلام طبقا لما جاء في إنجيل يوحنا إصحاح 5 عدد46 في حكمه على اليهود بقوله “…. لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني  لأنه كتب عني ”

وهذا هو المفهوم الأكمل والأسمى للإسلام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

استمرارية الرسل والرسالات الإلهية

 

    طبعا القول بأن سيدنا محمد (ص) خاتم المرسلين لأنه خاتم النبين يترتب عليه بداهة ان تكون الامة الاسلامية اخر الامم وهنا تنصرف الانذارات والوعيد الالهى الذى حفل به القرآن الكريم الى اتباع الاديان السابقة لعدم ايمانهم بدين الاسلام الحنيف. أما البشارات فتخص المسلمين دون غيرهم بالوعد بالجنة او الدخول الى النار لمن يترك اقامة شرائع الله من صلاة وصيام وذكاه … الخ. 

   إلا أن القران الكريم لا يقول بان الدين الاسلامي هو ختام الأديان والامة الاسلامية ونهاية الامم بل قال تعالى :

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ }المؤمنون 44

 {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }البقرة143

   وتفيد لفظة وسط بين سابق ولاحق ولم تعنى باى حال ان الامة الاسلامية جاءت وسطية فى مكارم الاخلاق وعدم الغلو فى الدين والتدين كما حاول البعض تفسيرها0 وتفضل حضرة بهاء الله موضحا هذا المعنى فى سور ايوب متفضلا : ” قل أما نزل في الفرقان بقوله الحق كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً وفسرتم هذه الآية بأهواء أنفسكم وكنتم موقناً معترفاً بما نزل بالحق لا يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم… إذاً فسئل عنهم كيف يفسرون ما نزل من جبروت العزة على محمد عربياً وما يقولون في معنى الوسط لو ختم النبوة به فكيف ذكرت أمته وسط الأمم… وقالت اليهود تالله هذا الذي افترى على الله أم به جِنة أو كان مسحوراً. قالوا إن الله ختم النبوة بموسى… والذي يأتي من بعد يبعث على شريعتها… والذين أوتوا الإنجيل قالوا بمثل قولهم… قل قد بعث الله رسلاً بعد موسى وعيسى وسيرسل من بعد إلى آخر الذي لا آخر له بحيث لن ينقطع الفضل من سماء العناية يفعل ما يشاء ولا يُسئل عما يفعل وكلٌ عن كل شئ في محضر العدل مسئولاً.” 

                                                       بهاء الله –  لوح أيوب ص 273

    والعجيب أن الله اوضح بالكثير من الآيات هذه المفاهيم الالهية فى كتابة العزيز، وما على الانسان إلا أن يواصل البحث والتقصي والتأمل ليرى تلك الحقائق الالهية بارزة امام بصيرته كما وعد الله سبحانه وتعالى:{ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ }الأنعام38

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69

    فمعظم الناس تنظر الى الاديان على انها رسالات متتابعة أو كانها فصول فى كتاب واحد وجدوه بين ايديهم ولذلك أعترضوا على اختلاف الاوامر واعترضوا على تباين التشريعات والاحكام. والقول بان رسالات الله متتابعة هو قول صحيح تماما ولكن لهذا المفهوم من ناحية أخرى جوانب متعددة قد يغفل عنها البعض ويتناسوا ان هذه الرسالات لم ترسل الى أمة واحدة ولم تتنزل فى مكان واحد ولا في زمان واحد بل ربما تباعدت فيما بينها بالالاف السنين وآلاف الاميال. وهذه ملاحظة على قدر كبير من الاهمية لانها وإن استطعنا فهم مراميها وأبعادها لا بد وأن تحل لنا مشكلة عويصة وتكون قد أجابت علي تسائل طالما حير عقول البشر، لماذا اختلفت الشرائع والاحكام من رسالة الى اخرى.

 

ولا نكون قد ابتعدنا عن الحقيقة عندما نقول أن اختلاف المكان والزمان والعادات والتقاليد والمعارف والعلوم، واللغة المتداولة فيما بين كل امة واخرى كانت وراء هذه الاختلافات في القوانين والشرائع. كما تختلف روشتات أو وصفات الدواء التي يكتبها طبيب نطاسي واحد لعدد من المرضى المختلفين فى العمر وفى نوع المرض وفي الحالة الصحية والبدنية للمريض.

واسمحوا لي أن اضع بين يدي حضراتكم جزء من كتاب ابرهيم ابو الانبياء للاستاذ عباس العقاد المفكر الاسلامي الشهير وهو يؤكد تأكيدا قاطعا على استمرارية الرسالات الالهية من بعد سيدنا ابراهيم وتوالى بعثها في ذريته واعقابه يقول :

   كانت دعوته “مسالة حية” تمتزج بسرائر النفس وتنبعث منها فضائل الخير، ولا تزوي عنها زاوية في الكون ولا في ضمير الإنسان. كانت دعوته صرخة تسمع وتتجاوب بها الأفاق، ولم تكن لغزا يخفي وتتحاجى به العقول. كانت صحبة البيت والطريق، وصحبة اليقظة والمنام، وصحبة العزلة والجماعة، وصحبة الحياة قبل الميلاد وبعد الموت، ولم تزل حتى أصبحت وهي صحبة الخلود الذي لا يعرف الفناء. ولم تصبح كذلك قبل رسالة النبوة حين انبعث بها النبي أبو الأنبياء، حين بشر بها إبراهيم.

وما كان لنبوة واحدة أن تؤدي رسالة التوحيد وتفرغ منها في عمر رجل أو عصر جيل، وإنما هي نبوة بعدها نبوات. ولو كانت دون ذلك خطرا لكفى أن تقوم بها دعوة واحدة، وأن تتكفل لها ببقائها، ولكان بها الغنى عن التعقيب والتذكير، ولكنها على خطرها هذا لا تتم في رسالة واحدة، ولا تستغني عن مرتقى بعد مرتقى، ثم عن قرار بعد قرار. وعاش الخليل ما عاش والتوحيد في قومه مشوب بالشرك والضلال وفارق الحياة والخلفاء من بعده يتقدمون وينكسون، ويستقيمون وينحرفون، ولم ينقض من بعده عهد إلا وهو ينبئ الناس أنها نبوة تتلوها نبوات، وأنها أمانة موروثة في أعقابه لا تنقطع في جيل ، ولا بد لها من ورثة أبرار .. ومن شك في ذلك فإنما هو شاك في بداهة العقل وضرورة الزمن وحكم التاريخ، فوق الشك في الكتب والأنباء. وإنما المستحيل في العقول أن تنفرد رسالة إبراهيم في أعقابه فلا تأتي بعدها رسالة في أولئك الأعقاب.(1)

 

   وتعالوا ننظر معنا في تمهل بعد هذا البيان المذهل للاستاذ الكبير العقاد، الى الدلائل العديدة واحدا بعد الاخر والتى هي في اعتقادي كَمْاً بلا نهاية والتى ستقودنا حتما الى الاقرار بمبدأ استمرارية الرسالات الالهية لعلنا نطلع على صورة جديدة رائعة لوحدة المنهج الالهي بدأً من وحدة الخلق في قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } النساء1

 

“واذا كانت وحدة الخلق دليلا على وحدة الخالق فان وحدة الرسالة الذى اتبعه الرسل في الدعوة الى الله والى سبيل الله، دليل اخر علي وحدة مرسل الرسل وواضع المنهج … وهكذا تصبح ظاهرة النبوة في ذاتها دليلا على وحدانية الله قبل ان يفصل الانبياء دلائل الوحدانية من خلال المنهج الواحد الذي اتبعوه جميعا”(2)

  ولكن ساقتصر الان على ثلاثة من هذه المفاهيم.

المفهوم الاول : أن استمرارية رسالات الله واديانة هو حقيقة لا تقبل الطعن أو الشك فيها كما يتضح من الكتب المقدسة. 

المفهوم الثانى : المقصود من لقب الأمة الذي ورد في القرآن الكريم, والأجل المحدد لزمن أو عمر تلك الامة تنتهى بنهايته أجلها، وهل هذه المعاير تنطبق علي الامة الاسلامية أم لا.

المفهوم الثالث : اذا سلمنا جدلا ان الامة الاسلامية هي آخر الامم فما الهدف من البشارات والانذارات والتحذيرات الالهية بعدم تكرار اخطاء الامم السابقة، والوعود  بمجىء ورجعة حضرة المسيح في قابل الايام.

 

——————————-

(1) إبراهيم أبو الأنبياء للأستاذ عباس محمود العقاد  ص 7 و 8 

(2) قصص الأنبياء للإمام إسماعيل بن كثير ص 10

المفهوم الأول : استمرارية الرسالات الإلهية

 

   وبما أن أصحاب الديانات يقرون أن الله واحد فلابد وأن يكون دين الله واحد على الرغم من اختلاف التشريعات التي يبعثها الله في كل دين من طور إلى طور آخر ولتتناسب مع احتياجات الإنسان حسب مقتضيات الزمان والمكان ومدى رقى البشرية وهذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.

   جاء في التوراة سفر التثنية إصحاح 6 عدد  ( اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا واحد فتحب الرب إلهك من كل قلبك وقصها على أولادك )

  وكما جاء في القرآن الكريم  {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ }    الشورى آية (13)

 

{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } المائدة48

   إلا أن سنة الله بالنسبة لموضوع استمرارية الرسالات الإلهية كانت واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار وكما أكدتها آيات القرآن الكريم وكتب الله المقدسة السابقة.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم  {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ َنجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} الأعراف آية 89

 

 

   وفي الحقيقة أن كل كتب الله المقدسة قد أوضحت أنه عندما تستنفذ رسالة ما كل طاقاتها الاخلاقية السامية وينحرف التابعين لها عن المنهج الالهي فى ازالة غشاوة الجهل والتخلف والتعصب، يرسل الله رسالة جديدة بتشريع جديد لعلاج تلك الاوجاع الاجتماعية والأمراض الاخلاقية تتوافق مع مقتضيات الزمان والمكان. إلا أن الرسالة الجديدة لا تأتي لتلغي وتنسخ الدين السابق أو لتسفه اديان القبل.  فلا يمكن ان يكون هذا الفكر عقلانى او منطقي ومقبول ولكنها جاءت كلها لتتواصل وتكمل. فمبدأ استمرار وتوالى الرسالات الالهية ثابت فى كل الكتب السماوية السابقة.

    وها هو حضرة المسيح يعلن في الانجيل وبغاية الصراحة “لا تظنّوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكملّ. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل. إنجيل متىّ، الإصحاح 5، الآيات 17- 18            

   وبذلك يصل حضرة المسيح الحاضر بالماضي ثم بعد ذلك يربط هذا الحاضر بالمستقبل في منظور رائع ثلاثي الأبعاد فيقول في (إنجيل يوحنا، الإصحاح 16، الآية 12):  إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق…  وكلمة ذاك تشير إلي البعيد أي انه أمر سيتحقق في المستقبل أو في غيب الله.

 

   هذه الآيات لا تحتاج إلى تفسير أو تعليل لأنها شديدة الوضوح وتشير إلى أن الناس في زمن حضرة المسيح لم يكونوا قادرين على فهم وتقبل الكثير من الأمور لقصور معارفهم ونقص علوم وأفكار الناس في تلك الآونة، ووعد بمجيء روح الحق والذي قصد به الرسول القادم في مستقبل الأيام علي أنه سوف يوضح لهم الكثير من المشيئة والإرادة الإلهية التي عميت عنها بصائرهم.

  ويؤكد الإنجيل مرة ثانية تلك الوحدة الوثيقة بين رسالة المسيح مع حضرة موسى عليهم  السلام قائلا : (…. أن آبائكم جميعا كانوا تحت السحابة … وجميعهم اعتمدوا لموسى … وجميعهم أكلوا طعاما واحدا روحيا وجميعهم شربوا شرابا واحدا روحيا ) رسالة كورنتوس الأولى إصحاح 10 عدد 5:1  

وجاء في التوراة مزمور 19 عدد 8:7

(ناموس الرب يرد النفس. شهادات الرب صادقة تصير الجاهل حكيما …تفرح القلب…)

والقران الكريم كتابه الله العزيز يؤكد هذا المعنى إذ يقول تعالى :

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }البقرة87    

    وهنا نرى ان الله يقرر أن بعد موسى سياتى رسل وهى كلمة جمع تعنى اكثر من رسول ولا يمكن لانسان الشك فى ان الله لا يعرف الفرق بين المفرد وبين المثنى والجمع وليقول كلمة ثم يثبت انه سبحانة وتعالى كان لا يقصد معناها. واذا كنت مخطئا فليتفضل احد القراء الافاضل ويبين لنا ذلك؟

 

   وتتوالي الايات القرانية  {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.   الأعراف 35-36.

 

   فهذه الايات تفيد الاطلاق بمعنى اطلاق الخطاب الى كامل الجنس البشري، الى كل عباد الله ، او الى أبناء ادم عامة ولم يختص بخطابة امة دون امة.

وبالبحث في القاموس نجد لإِمَّا، بكسر الأَلف أكثر من استخدام في اللغة

فقد تأتي للشرط أو الشك أو للاختيار أو الإخبار

فنقول في الشرط مثل قوله عز وجلإِمّا أَن تُعذبَ وإِما أَن تَتَّخذَ فيهم حُسْناً 

وتقول في الشك: لا أَدري من قام إِمَّا زيد وإِمَّا عمرو، وتقول للاختيار : لي دار فإِما أَن أَسكنها، وإِمّا أن أَبيعها؛ وتقول للإخبار وللتأكيد  أَمَّا اللهَ فاعْبُدْه وأَمّا الخمر فلا تشرَبْها,  إِمّا تَشْتُمَنَّ فإِنه يَحْلُم عنك.

  فالآيتين السابقتين ” البقرة 87 والاعراف 35 – 36″ مترابطتان وتعلنان بوضوح تام بأن رسل جديدة ستتوالي وتظهر بكل تأكيد ليقصوا علينا آيات الله أو يُنزِلوا لنا الكلمة الإلهية.

     بينما تنذر الآية 36 المؤمنين الذين ينكرون ويكذبون بذلك الوعد. وهناك ملاحظة هامة ان هذه الاية تتحدث عن تتابع الرسل وليس الانبياء. ولذا نقول نعم لاختتام عصر النبوة فى شخص سيدنا محمد (ص) , اما الرسالة فباقية مستمرة ومتتابعة. 

   ولكي يؤكد الله هذا المفهوم ويغلق الطريق من أمام المعترضين لتفسير كلمة “إِمَّا يَأْتِيَنَّكُم” علي أنها كانت إنذار أو تبشير لأقوام آخرين في ماضي الزمان وانتهى الأمر استخدم القرآن في سورة الأنعام  آيات مماثلة في ألفاظها للإشارة إلى مجيء الرسل في سابق الأزمان يقول:

أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي….؟  سورة الأنعام , آية: 130

لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ.    سورة التوبة, آية: 128

   فالآيتين تكاد تكونان متطابقتين. تشيران إلى الماضي، أما الآية الأخرى والتي نحن بصددها : يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ.  سورة الأعراف, آية: 35

   فتشير بكل حسم إلى توالي مجيء الرسل في المستقبل. كما تشير آية 31 من سورة الأعراف إلى أن الله توجه بهذا الخطاب إلى جميع أبناء آدم ولم يستثنى  منهم احد حتى المسلمين أيضا فيقول : يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ. الأعراف 31

   وفي إشارة حاسمة تؤكد سورة البينة حتمية مجيء رسول جديد بل وتوضح مهمته وعظمة رسالته قال تعالي :  “{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة. فيها كتب قيمة وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ البينة  1-4

    نفهم من هذه السورة أن الذين كفروا من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) سيستمرون في كفرهم وكذلك المشركين في شركهم حتى تأتيهم البينة وهذه الصيغة تدل على حدوث شيء  في المستقبل “حتى تأتيهم” وهو مجيء البينة التي هي رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة – ليس كتابا واحدا – ثم تأتى الآية التي بعدها فتخبرنا بالاختلاف الذي حدث للأمم حين جاء رسول الله بالقران الكريم فمن آمن به أصبح مسلما ومن كفر وأشرك فمصيره معروف.   ونلاحظ أن هناك بينة أولى وهى مجيء الرسول الجديد ، في حين أشارت البينة الثانية إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

 

 وفي نفس الوقت يطالعنا في سورة يس قانون الهي لا يتبدل ولا يتغير ويظهر الغضب والحسرة والألم من سلوك الإنسان إزاء تكذيب رسل الله في كل دور وفي كل مكان وزمان.

    {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون } يس30

  ويفتتح حضرة بهاء الله الكتاب الأقدس بتلك الآيات التي طالما أعلنت عن مشيئة الله سبحانه وتعالى وعن الأهمية العظمى لمعرفة الرسول حامل الرسالة الإلهية والمتكلم بلسان الله والحاكي عن إرادته.   

( إن أول ما كتب الله على العباد عرفان مشرق وحيه ومطلع أمره الذي كان مقام نفسه في عالم الأمر والخلق ( والمقصود من مشرق وحيه ومطلع أمره هو رسول كل عصر للبشرية في الماضي والحاضر والمستقبل ) من فاز به قد فاز بكل الخير والذي منع أنه من أهل الضلال ولو يأتي بكل الأعمال * إذا فزتم بهذا المقام الأسني والأفق الأعلى ينبغي لكل نفس أن يتبع ما أمر به من لدى المقصود لأنهما معا لا يقبل أحدهم دون الأخر هذا ما حكم به مطلع الإلهام )

وجاء في كتاب ألواح حضرة بهاء الله المنزلة بعد الأقدس – الإشراق السادس “كلكم أثمار شجرة واحد وأوراق غصن واحد .. ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم* “

 

 

المفهوم الثاني : المقصود من لفظة الأمة

 

 

    تشير كلمة الأمة في معناها الواسع الى كل جماعة من الناس تعيش على أرض واحدة وتتكلم بلسان واحد ويؤمن غالبيتهم بعقيدة واحدة. الا أن الله اطلق لقب الأمة في القرآن الكريم

 

————————

* بهاء الله – الكلمات العربية المكنونة  

علي الذين امنوا برسالة الهية، كأمة ابراهيم واسماعيل وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعا افضل الصلاة والسلام. ولم يعنى بذلك اللقب أي من الشعوب أو القبائل.

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }البقرة  213

 

وتقرر هذه الايات أن الناس كانوا على دين الفطرة الذى خلقهم الله عليها ثم اختلفوا فبعث الله النبيين لِيَحْكُمَوا بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ. ولكن هذا الاختلاف لم يستفحل ويستشرى مداه الا من بعد ان جائتهم رسلهم وتنزل بينهم العلم فلم يعقلوه ولم يتفهموا المقاصد الالهية  بعدها   تفرقوا الى العديد من الأمم وأصبح كل منهم بما لديهم فرحون.

 

 

   إلا أن البعض من الناس ترفض الاقتناع بهذا المفهوم قائلين ان ابراهيم والرسل والانياء  وحدهم كانوا يمثلون الامة وربما كان هذا صحيحا من احد الجوانب لكن المعنى العام ان التابعين للرسل هم من عناهم الله بالامة ونوضح هذا اكثر من ايات القران الكريم.

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }البقرة128

{وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }الأعراف159

وفي اكثر من خطاب قرآني وجهه سبحانه وتعالى المسلمين من أتباع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام معرفا إياهم بانهم هم ايضا أمة مسلمة كغيرها من الامم السالفة حيث قال :

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104

 

{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }الرعد30

 

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }البقرة143

 

 

المفهوم الثالث : الأجل المحدد لكل أمة

 

   كما أوضح الله في صراحة لا يشوبها أدنى شك أن لكل أمة دينية زمن واجل محدد تنتهي بعده عمر هذه الأمة ليقوم في مقامها أمة جديدة تأتى بشريعة جديدة من لدى الله الغنى المتعال، ووضع مجموعة من القوانين تحدد مواصفات هذه الامم كما اوضح حدود المسؤولية التي ألزم بها لكل امة وخصوصيتها التي لا تتجاوزها لأمة اخرى.

ج    

{ ِلكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }يونس47

{مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ }المؤمنون43

{قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ }سبأ30

 

{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }البقرة134

 

وأن الاجل المحدد للأمة يشبه تماما الاجل المحدد للفرد، لا يتوانى أو يتأخر عن موعدة الذي ضربه وحدده الله في سابق غيبه.

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }الأعراف34

 

{ِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } الرعد39

ولكنه سبحانه وتعالي القى مزيدا من الضوء على هذا الأجل المحدد الذى لا بد وان ينتهى بمجىء كتاب ينسخ فيه ما يشاء ويثبت من كتب القبل وهو على كل شىء قدير

 

{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة106

 

   وبهذه الايات المعصومة يقرر التنزيل الحكيم مبدأ استمرارية الرسالات، ويقرر أن توالي ظهور الرسل عبر الالاف من السنين شملت جميع الاديان بغير استثناء. فعندما يبعث رسول ينتهى وينقضى أجل الأمة السابقة وأن علامة انقضاء هذا الاجل انما يتحقق بظهور كتاب جديد به يختتم الله الدين السابق ويفتتح به الرسالة  اللاحقة.

 

 

 

 

   وكما لا يمكن معرفة أجل الانسان الفرد الا عند وفاته، فاذا مات كان موته اعلانا بانقضاء أجله. كذلك الحال بالنسبة لاجل الامة فظهور الرسول الجديد هو الاعلان الوحيد بانقضاء اجل الأمة السابقة ويتحقق ذلك بإعلان الرسول لرسالته الجديدة ومجىء كتاب جديد. تحقيقا للقانون الإلهي من أنه لا شيء ثابت علي حال واحدة على ظهر هذا العالم.

{يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }الرحمن29

 

{أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ }الأنعام6

 

{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ }المؤمنون42

 

   وأوضح الله أيضا أجل وعمر الأمة الدينية في الإنجيل وفي والقرآن أيضا ولكن الناس لتقادم العهد والزمن وثباتهم على منهج واحد ووتيرة واحدة وبقوانين لا تتبدل ولا تتغير تصيبهم الصدمة عند حدوث اختلاف عما عهدوه ووجود– وسط دهشتهم وذهولهم – من يدعو إلى ديانة جديدة وشرائع جديدة. وهنا يثور في أذهانهم ألف سؤال لماذا هذا التغيير المخالف للشرائع التي اتبعوها لمئات السنين جريا علي عادات الآباء والأجداد والتي طالما قدسوها وآمنوا بها …

   وربما ما جاء في رسالة بطرس الثانية إصحاح 3 :4 تعبير عن هذا القلق والحيرة وعدم الفهم

وقائلين أين هو موعد مجيئة لأنه من حين رقد الإباء كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة ” بطرس3-4

وفي القرآن الكريم تسائل الناس نفس السؤال في سورة يونس

{وَيَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }يونس48

 

ويجب الإنجيل علي هذه التساؤلات

لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ لكنه يتأتى علينا وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلى التوبة.

ويجيب القرآن أيضا في العديد من الآيات أن

 

{إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ }الأنعام134

 

{وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122

 

{أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } يونس55

وهنا يطرح السؤال الأهم نفسه لماذا أصبح مطلب التغيير ملحا؟ ولماذا الآن!. وسوف نجيب علي هذا التساؤل الهام في صفحات الكتاب التالية.

الفصـل الثانـــي

 

مصداقية الأديان السماوية

 

وشبهة التحريف والتبديل

 

 

    من المعلوم أن جميع اليهود لا يصدقون بكل ما جاء في الإنجيل والقرآن مع العلم بأن أهل الإنجيل والقرآن يصدقون ويؤمنون بالتوراة والإنجيل.

  ولا يجب أن نتصور أن هذا التصديق هو مجرد قبول ظاهري لرسالات الأمم السابقة بل يتعداه في حقيقته إلى كونه وحدة لا تنفصم، وقاعدة راسخة أساسية لا غناء عنها لإقامة بنيان الدين الجديد. وظهرت هذه الوحدة الرائعة جلية في رسالة بولس الرسول الأولى لأهل كورنثوس التي ذكرناها من قبل :

   “فأنى لست أريد أيها الإخوة أن تجهلوا أن آباؤنا جميعهم كانوا تحت السحابة وجميعهم اجتازوا في البحر وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر وجميعهم أكلوا طعاما واحدا روحيا وجميعهم شربوا شرابا واحدا روحيا ..”  إصحاح 10عدد 4:1  

   كما أشار السيد المسيح بهذا الخصوص مخاطبا اليهود بقوله “لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عنى ….”  يوحنا إصحاح 5عدد46

 

   وفي نفس الوقت لا يصدق أتباع حضرة المسيح برسالة سيدنا محمد عليه السلام ولا يعترفون بالقرآن الكريم ككتاب سماوي منزل سماء العزة الإلهية في حين أن القرآن الكريم جاء مصدقا لكل من سيدنا موسى وسيدنا عيسى ولشرائع التوراة والإنجيل.

 

   {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} الشورى آية 13

 

وأقر المسلمون بالمقام السامي الرفيع لموسى وعيسى وللسيدة مريم العذراء عليهم السلام.

 

{قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ }الأعراف144

 

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ }البقرة87

 

القرآن الكريم مصدقا بالتوراة والإنجيل  

 

   وعلي الرغم من كل هذه الحقائق الدامغة، فلم يترك الله بنى الإنسان دون أن يوضح لهم سننه الإلهية وموقف الناس المجاهرين بعدائهم  المشين لتلك السنن.  

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ }المؤمنون44

وأوضح الله سبحانه وتعالى أيضا أن كل امة كانت تؤمن بما إنزل إليهم وإلى من قبلهم ولا تؤمن بمن يرسل من بعدها مع أنهم جميعا يشكلون وحدة جوهرية لا تنفصم عراها.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ } البقرة91

   ولعل السبب في هذا الخلاف كان راجعا إلى الفهم الخاطئ لبعض المفاهيم التي وردت في كتاب كل امة مما دفعهم إلى الإيمان بانقطاع الوحي الإلهي من السماء وبأن رسالة كل منهم هي آخر الرسالات وخاتمتهم وأن الله لن يرسل إلى البشرية رسل آخرين.

   والسبب الثاني وهو الأهم والأخطر هو عدم قدرة الأمم التالية على إثبات اسم الرسول الجديد ” يسوع، محمد، بهاء الله” صراحة ودون تلويح من كتب السابقين أمام قناعة أصحاب الديانة السابقة على عدم ورود أي ذكر لاسم هذا الرسول المنتظر أو تحقق أي علامة من علامات مجيئه دون إبهام أو غموض، هذا إلى جانب طلب المعجزات وخوارق الأعمال حتى يتأكدوا ويؤمنوا بالرسالة الجديدة.

   وكانت نتائج هذه الخلافات شديدة الأثر على كامل الجنس البشري، وأدت إلي نشوب النزاعات والحروب وبث بذور الفتنة والخلاف على مدى آلاف السنين، حيث وجد الناس أنفسهم أمام موقف متأزم – وعلى كلا الجانبين – لا يمكن تجاوز تبعاته، فالأمة السالفة ترفض الإيمان بالرسول الجديد بحجة أن رسولهم لم يذكر أي شيء عن الرسول أو الرسالة التالية, بينما يكفر أتباع الرسالة الجديدة الأقدمين ويتهمونهم بتحريف كتبهم لطمس علامات الرسالة الجديدة.

   وهنا يتحتم علينا أن نبحث هذا الخلاف وأن نحاول حل هذا الإشكالية وأن نجد التعليل المنطقي الصحيح الذي يوفق بين الفرقاء ويجنبنا هذه الخلافات التي طال الأمد عليها حتى أصبحت من علل البشر المزمنة والمستعصية.

   فعندما أعلن حضرة بهاء الله رسالته في منصف القرن التاسع عشر , أعلن في صراحة ووضوح أن الدين هو ما حقق غاية الله في خلقه ألا وهى معرفة الله ومعرفة مظاهره والمتكلمين بلسانه في كل عصر, وان الدين البهائي  يقدس كل رسل الله  السابقين, ويقر أن جميع رسالاتهم هي سماوية في أصلها ويؤمن بكل الكتب المنزلة من الله إليهم وبمصداقية ما جاءت به تلك الكتب وان ما جاء به القران عن التحريف كان تحريفا في معاني الآيات وليس تبديلا للكلمات الإلهية بكلمات بشرية، لان الله قد حكم من قبل بأنه لا تبديل لكلمات الله.

وبالطبع لم تعجب هذه المفاهيم وترضي كل أتباع الأديان بلا استثناء وخصوصا إخواننا المسلمين الذين ثاروا واشهروا الآيات التي تدلل على وجود التحريف بكلمات الحق تبارك وتعالى في القران الكريم حيث قال تعالى :

{مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ }النساء  46

{ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ }المائدة41

{أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }البقرة75

{فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ }البقرة79

وهذه آيات صحيحة وصادقة تمام الصحة والصدق ونؤمن بها وبمرجعيتها المقدسة  ولا يمكن لإنسان يؤمن بالله سبحانه وتعالى ثم ينكرها ولا يصدق بها.

   إلا أن هذه الآيات قد تصدم إيماننا وقناعاتنا بالقدرة والعدالة الإلهية بين البشر صدمات قاسية، تتأتى من نسبة النقص والتقصير لله سبحانه وتعالى في حماية كتبه وشرائعه وأوامره وكلماته المنزلة وقد تدفع البعض منا للشك في العدالة الإلهية بين البشر بمعنى أن الله إذا ما سمح لبعض الناس في زمان معين أن يبدلوا كلمات الله وشرائعه ثم تبعهم أحفادهم فيما وجدوه بين أيديهم من كتاب محرف فكيف يحاسبهم الله على ذنوب ,أخطاء غيرهم، ويعاقبهم علي  عدم إيمانهم بالرسول الجديد. 

 

   وبالعقل والمنطق يمكننا الحكم بأن هذا الجيل المظلوم غير مسئول عن هذا الخطأ الذي ارتكبه أجدادهم السابقون؟ ومع ذلك وعلي الرغم من كل تلك الظنون فلا يمكن لأي إنسان أن يساوره أدنى شك في قدرة الذات الإلهية، وألا يثق بتحقق الوعود التي تعهدها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز حيث قرر وأكد أن كلماته المنزلة في كل الكتب السماوية هي ذكر إلهي وأنه حافظ لهذا الذكر الحكيم.

 

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9

 

 

 

 

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }الأنبياء105

 

   وحيث أن الزبور هو سفر داوود عليه السلام وهو المزامير وأن الزبور أي المزامير نزلت بعد التوراة حيث أن داوود أحد أنبياء بنى إسرائيل جاء بعد موسى عليه السلام لذلك تعتبر التوراة ذكر بنص هذه الآية الكريمة، إلا أن الآية التي وردت في سورة الأنبياء كانت أكثر إبهارا ودلالة على ذلك المعنى الرائع.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ }الأنبياء48

    فكل كتاب سماوي هو كلمة الله صدقا وحقا، وهو الذكر الذي وعد الله سبحانه بحفظه من عبث العابثين وحتى يكون كتاب الله حجة على الناس لأن به نبوءات وبشارات تنبىء عن الرسل الذين سوف يأتون في المستقبل كما تنبأت التوراة عن مقدم سيدنا عيسى وسيدنا محمد ومن سيأتي بعدهما من رسالات والمعبر عنها بالمجئ الثاني.

 

وكما حفظ الله الذكر الحكيم أوضح أنه لا يمكن لأي قوة أن تبدل هذه الكلمات الإلهية.

 

{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }الأنعام115

{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً }الكهف27

   وأوضح سبحانه وتعالى في القران الكريم أن رسل الله عيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام جاءوا مصدقين – وفى زمان كل منهم – لما بين أيديهم من التوراة والإنجيل0

 

{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ }آل عمران48

 

وعلى لسان سيدنا عيسى كما جاء في القران يقول : {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ }آل عمران50

ولن نكتفي بذلك فجاءت سور البينة لتعلن في غاية الصراحة والوضوح أن التوراة والإنجيل لم يحرفا لا في عهد حضرة المسيح ولا أيام سيدنا محمد عليهما السلام فقال تعالى :

{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ }آل عمران3

{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء … وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} المائدة آية 43 – 47

 

   تعلن هذه الآيات الرائعة الصراحة والدلالة أن التوراة والإنجيل لم يكونا في أي يوم من الأيام السالفة محرفين فلو كانا محرفين أيام الرسول (ص) لطلب الله من سيدنا محمد عليه السلام أن يحكم بين اليهود لأنه لم يكن لديهم في هذه الحالة ولا بين أيديهم حكم الله الصحيح  بل أن الله تسائل في دهشة كيف يطلبون حكم الرسول ولديهم حكم الله في التوراة التي بين أيديهم وهذا تقرير ضمني بصحة هذا الكتاب لان التوراة كتاب سماوي منزل من عند الله وفيها هدى ونور ليحكم بها النبيين.  

   وتكمل سورة المائدة العظيمة تلك الرؤية القاطعة بتنزيه كتابي الله المقدسين من وصمة التحريف والتبديل حيث يقول تعالى

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }المائدة68 

 

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ }المائدة66  

 وبالطبع توضح هذه الآيات بجلاء أن التوراة والإنجيل كتب الله المنزلة هي حق وأنها صحيحة تمام الصحة ولو كانت عكس ذلك أي محرفة لما طلب الله في آخر الكتب السماوية وهو كتاب القران الكريم المنزل من بعدهم أن يقيموا شرائعها ويتبعوا تعاليمها – لان المنهج

 

الإلهي واحد وأنهم إذا اتبعوا تلك الشرائع لأفاض الله عليهم من نعمه ومن بركاته وخيراته الشيء الكثير.

   وأتمنى على الله ألا يظن واحد من حضراتكم إنني ادفع شبهة هذا العمل عن أي امة أو جماعة أي كانت فلا يعنيني ذلك من قريب أو بعيد. لكن كل ما يهمني في هذا المقام هو نفى شبهة النقص أو التقصير عن الذات الإلهية وعدم تحقق كلماته ووعوده بحفظ آياته وكتبة وهو الحاكم على ما كان وما يكون. 

التفسير والتأويـل

    سبق وأن ذكرنا أن أهم أسباب الفرقة والخلاف بين أتباع الأديان هو قصور الروية الصحيحة وعدم فهم ما تضمنه الآيات الإلهية من معاني ومفاهيم للكثير من المصطلحات التي وردت في كل دين.  

    ومن هذا المنطلق دعونا حضراتكم نحاول فهم بعض الاصطلاحات والتي وردت في كتب الله المقدسة ونحاول جميعا الاتفاق علي معنى واحد ينسجم مع مفاهيمنا وموروثاتنا الدينية، ويتوافق مع قواعد العقل المنطق، ولا يتناقض مع معارفنا وعلومنا المكتشفة حديثا. لان الطريق إلي أي محاولة للمصالحة والإصلاح بين أصحاب الديانات السماوية المتباعدين، وحتى اللادينيين ومن يطلقون عليهم بأصحاب الأديان الوثنية وغيرهم لا بد وأن تبدأ بمحاولات جادة وحثيثة من الفهم والإدراك، تتسم بالصبر والإدراك السليم المنصف

   لعل الوصول إلى هذا الفهم المشترك يتكلل بالنجاح، ويمنحنا قبس من نور ولمحة رائعة ونظرة جديدة تختلف تمام الاختلاف عما درجنا عليه، تبرز وحدة أدياننا السماوية التي لم تلتفت إليها أرواح الكثير من البشر الخاضعين لتعاليم وأوامر الله الواحد وغفلت عنها بكل أسف بصائرنا القلبية.

   وعسى أن نتفق هذه المرة على مفاهيم مشتركة صحيحة للكثير من معاني هذه المصطلحات في ضوء ما جاء في كتب الله المقدسة وبما يتقبله العقل الراجح دون إجحاف أو تعصب لمعتقدات أسلافنا الصالحين مثال “السماء والماء –  يوم القيامة – الجنة والنار – العالم الآخر أو ملكوت ألآب السماوي” والتي طالما سببت الاختلاف والشقاق والفرقة بين الناس علي الرغم من أن كل هذه المفردات جاءت من مصدر الهي واحد وكانت تشير إلي حقيقة واحدة.  

 

   ويحكي لنا التاريخ أن الكثيرين من اشهر علماء المسلمين – منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين – قد حاولوا إصلاح الأمة الإسلامية منهم أو اشهرهم رفاعة الطهطاوي، الشيخ محمد عبده، والشيخ جمال الدين الافغانى، وربما نضيف الأستاذ عباس العقاد أيضا وغيرهم. 

   ومن كتاب النبأ العظيم نقتبس تلك الفقرة : وفي القرن العشرين حاول كثيرون إصلاح الأمة الإسلامية – كل علي طريقته – فريق  دعا إلى عمل تفسير جديد حر مطلق للقران الكريم، فريق ثان قال بتفسير حر، لكنه بشرط أن يكون قاصرا على المبادئ والتعاليم، وفريق ثالث نادى بفصل الدين عن الدولة ورابع دعا إلى فصل العلم عن الدين الخ، ثم نبتت فكرة جديدة تقول بالإصلاح عن طريق إعادة الوحدة إلى العالم الاسلامى, وكان لا بد لهذه الفكرة من استعراض المذاهب والشيع المتعددة كعامل له اعتباره الأول في ما هو حادث من الفرقة والانقسام, وتبلورت الفكرة وأخذت طريقها إلى التنفيذ وعقد في القاهرة منذ عدد قليل من السنين – وبالطبع خلال القرن المنصرم – مؤتمر للتقريب بين المذاهب حضره كبار الفقهاء من شتى الأقطار الإسلامية وبعد عدة جلسات انفض المؤتمر وأنهى أعماله ويومها علقت مجلة الأزهر آنذاك بان المؤتمر لم يكن سوى محاولة لنشر العقيدة الشيعية.

   أما الدعوى إلى تفسير جديد للقرآن الكريم، تفسيرا حرا مطلقا، أو تفسير مشروط، مما نادى به أصحاب الفكرتين، فأنها يمكن اعتبارها بمثابة صدى للشعور العام بعدم الارتياح للتفاسير الموجودة بوصفها قد استنفذت أغراضها. أو بمثابة انعكاس قويّ لشعور أبناء الجيل بالحاجة الملحّة إلى تفسير جديد يضع حدا للحيرة التي يعانونها. وفكرة تفسير جديد فكرة رائعة ما في ذلك من شك ولكن : كيف تتحقق هذه الأمنية الغالية؟ ومن الذي سيأتي بالتفسير الجديد؟ سؤال لا بد من مواجهته بشجاعة واطمئنان- شجاعة لان الذين يملكون التوجيه الديني يسيطرون على الضمائر ولا يتركون للحرية الفردية أن تعبر عن نفسها ومن ثمّ فلا سؤال ولا جواب. واطمئنان لانَّ المتحمل لا بد منه للوصول إلى المقصود.(1)

 ولذلك لم يبق أمامنا – اختصارا للطريق – سوى أن ننشد الحقيقة في كتاب الله دون سواه كما وعد سبحانه وتعالي قائلا :{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69

 

 

————————————————————

(1) كتاب النبأ العظيم – محمد أفندي مصطفي ص 6

قال تعالى في محكم التنزيل {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }   آل عمران7

  من الواضح من هذه الآية الكريمة أن القرآن الكريم تشتمل آياته على قسمين : محكم ومتشابه. وأن المحكم هو الذي معانية عين مبانيه وهو المبيّن لشريعة الله والمفصّل للشعائر والعبادات من صلاة وصوم وزكاة وحجّ وزواج وطلاق ومواريث وقصاص .. الخ. وهذه الشعائر والعبادات والنظم التي تميّز المؤمنين بالقرآن الكريم عن غيرهم من الأمم الأخرى، هي من اختصاص الفقهاء والعلماء يشرحونها ويفسرون دقائقها للناس.

   أما القسم الثاني : وهو المتشابه فإن كناياته تختزن ظواهرها أمورا خاصّة وأحداثا هامّة تقع للأمة في مستقبلها وفي يوم حدده تعالى في سابق عامه. ولذلك فالراسخون في العلم يسلمون ويؤمنون بهذا القسم دون بذلك أية محاولة للكشف عن معانية أو التكهن بتفاصيل تلك الوقائع لأنهم يعلمون علم اليقين بأن تأويل المتشابهات هو من شأن الله وحده يأتي به في يوم سبق تحديده من قلمه المقدس العزيز المنيع.

كما وعد الله قائلا : هل ينظرون إلاّ تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق…(سورة الأعراف، الآية 53)

 

   وعلى الرغم من ذلك لم تنتبه الأذهان إلى التحذير الشديد في تلك الآيات من عدم الخوض في الآيات المتشابهات أو محاولة فض أختامها قبل الموعد الذي احتفظ الله في علمه بميقاته. ولم يتنبهوا إلي البون الشاسع بين معنيي التفسير والتأويل بل اعتبروا كل منهما مرادف للآخر ومتمم له. ولكن عندما يقول الله في الآيتين المتقدمتين بأنه سوف يأتي بالتأويل وأن عليه البيان مما يعنى أن التأويل والبيان وبكل تأكيد ليس عملاً من اختصاص البشر. ولذلك فمن حق كل إنسان جاهل كان أم عالم أن يتساءل كيف سوف يأتي  الله بالتأويل؟ وهل سينزله من السماء كتابا مكتوبا, أم سيقذفه في قلب كل إنسان من أفراد الأمة فيصبحون جميعا فجأة جميعا أئمة.  بل العجيب أن هذا التأويل سيكون موجهاً لكل البشر علي اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم وليس للأمة الإسلامية فقط حتى يكون حجة الله على كل العالمين.

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }البقرة113 

   ونتيجة لغفلة البعض من الناس ولقصور فهمهم لمشيئة الله ومحاولاتهم المستميتة لتأويل كتاب الله، أن دب الخلاف وتفاقمت أسباب الفرقة والانقسام، ظهر التشيع وتعددت الطرق والمذاهب، مما أصاب وحدة الأمة في الصميم كذلك زادت محاولات بعض المتطلعين للوصول إلى مقاليد الحكم بأي ثمن من حجم الكارثة، عن طريق تقنين حقوقهم ومطالباتهم بسدة الحكم، والتوسل إلى ذلك بربط ادعاءاتهم بالشرعية الدينية فأشاعوا أقوالا نسبت إلى الرسول (ص) وهى ليست منه في شيء, حتى أفرزت الحاجة الملحة طبقة من الوصوليين الذين استغلوا ظروف الفرقة والتشرذم، عرفوا “بالوضاعين” كان عملهم الأساسي هو وضع الأحاديث المكذوبة وحسب الطلب بالأجر، فزادوا الأمور سوءاً وأشعلوا نيران الخلاف بين أتباع الديانة الواحدة من جهة، وبين أتباع الديانات الأخرى علي حد سواء.   

   في حين أجمعت البشارات والعلامات المخزونة في كتب الله والدالة علي مجيء يوم الميعاد، يوم الله المقدّر، إلى أن آياته المشيرة إلى هذا اليوم، مكنونة مستورة إلى وقت النهاية، وذلك لأن الله قد ختم – أي أخفى – المعنى الحقيقي للآيات إلى يوم القيامة كما جاء في العهد القديم – سفر الرؤيا, وفي القرآن الكريم أيضا 

 ” أما أنت يا دانيال فاخف الكلام وإختم السفر إلى وقت النهاية ” دانيال 12 : 4

 

وكذلك “اذهب يا دانيال لان الكلمات مخفية ومختومة إلى وقت النهاية ” دانيال  12 : 9

 

{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }   آل عمران 7  

   ويوضح العلامــة الشهير ميرزا أبو  الفضائل(1)  في كتـاب الحجج البهيــة قائلا : “هذه الآيات واضحة الدلالة على أن المقاصد الأصلية من علائم يوم الله وظهور الرب, ومجيء المُنْتَهى خَفيهُ غامضة مختومة لا يفهمها أحد إلى مجيء النهاية وورود الساعة, وحينذاك أيضا لا يفهمها الأشرار, ولا يدرك معانيها الأصلية المقصودة إلا البررة والأخيار”.

 

 

——————–

(1)  ميرزا أبو الفضائل – الحجج البهية ص 92

فهي موقوفة فقط على من يمنحه الله هذا الفضل ويفيء عليه بعلمه ويختصه بغيبه تكريما ومعجزة له عند مجيء الموعد المضروب من الله لبيان وتأويل كل تلك الرموز المستعصية على الإفهام لأن الله وحده هو العالم بتأويل كتابه وإنه وحده هو الذي يرسل من يظهر مكنونات آياته:  عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول.” الجن 26-27

-

                                                                                        

 

 

                     التأويـل .. والرمـز

 

لعله من الأمور المتعارف عليها بين أساطين العلم والمعرفة أن اللغة هي أداة للتعبير عن الأفكار والمعاني، وبها تخرج الأسرار المكنونة في الصدور وبها ويتم التفاهم والتواصل بين الناس.

وتتكون اللغة من حروف تكون في اجتماعها الألفاظ والجمل، تحوى في أصدافها  دلالات ومعاني واضحة وجمل مفهومة، مما يؤدى إلى تمام المعرفة، وعدم الخلط أو اللبس في معاني الكلام. وعندما لا يوجد أي معنى يمكننا فهمة بين معاني الألفاظ والكلمات مما يخرج تلك الألفاظ عن كونها عبارات لها مدلولات ومعان محددة متعارف عليها كما هو الشأن في ألفاظ اللغة الشائعة المتداولة بين الناس، وتتحول الكلمة إلى أمر شديد الخصوصية يختلف تمام الاختلاف وتشبه إلى حد كبير ما يعرف باللغة “المشفرة” والتي لا يمكن لأحد من حل رموزها سوى المُرْسِل والمُرْسَل إليه.

 عندما ننظر إلى تلك الآيات التي أوردها القران الكريم لبيان الفرق بين عملية التفسير والتأويل وكيف أوَّل سيدنا يوسف عليه السلام رؤيا البقرات السبع السمان والعجاف بسبع سنين خصبة يعقبها سبع سنين قحط ؟!

مع إنه لا توجد آية علاقة تجمع بين معاني الكلمات التي تشير إلي  البقر والسنابل وبين عدد السنين، مما يخرج تلك الألفاظ من كونها كلمات وعبارات لها مدلولات خاصة ومعان محددة تعارف عليها البشر إلى أمر يختلف تماما وتغدو الكلمات مجرد رموز وإشارات بين صاحب الرمز وهو الله سبحانه وتعالى وبين المرموز إليه وهو يوسف الصديق لتدل على معان خاصة يدركها الرامز والمرموز إليه فقط ولا يستطيع احد غيرهما فهم مغزاها لأنها تدل على غيب ألهى يحكى عن أمور آتية في مستقبل الزمان.

 

 

ونقرأ من سورة الأعراف قوله تعالى :  

{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }الأعراف53

   ولكن أصحاب كل دين لم ينتظروا مجيء ميقات التأويل الالهى الذي وعدوا به، وتعجلوا تفسير آيات الكتب المقدسة التي شايعت أهوائهم، فابتعدوا عن الحقيقة وافتتأوا على الآيات التي تعهد الله بتأويلها في ميعادها المحدد كما سبقت الإشارة إليه.

 

السماء والمـاء

في الكتب المقدسة

 

    غلق الكثير من المؤمنين بالرسالات الإلهية السابقة وبالقرآن الكريم الأبواب على أنفسهم ولم يبحثوا في الكتب المقدسة التي سبقت نزول القرآن الكريم ببصيرة حرة مستقلة عن معتقدات أسلافهم وشبهات علماء أديانهم، ذلك لأنهم أضحوا يجزمون بشكوكهم بعدم صحتها ويدّعون بتحريفها رغم التزامهم أمام الله بالإيمان بها، وعلى الرغم من أن “التوراة والإنجيل” جاء ذكرهما في القرآن الكريم بكل الاحتفاء والتبجيل. وفى نفس الوقت الذي كان جميع الناس من حول العالم  ينتظرون عودة السيد المسيح في مجيئه الثاني، راكبا على السحاب كما يؤمن أصحاب التوراة والإنجيل، وبعثه من السماء كما سبق وأن رفعه الله كما جاء في القرآن الكريم وذكرته بعض الأحاديث النبوية الصحيحة.

 

   مع أن كل أصحاب هذه الديانات الثلاث “اليهودية والمسيحية والإسلام” قد تفرقوا إلى العديد من الفرق الطوائف والمذهب داخل الدين الواحد، وأصبح لكل منهم تصور يختلف عن تصور الفرق الأخرى عن كيفية نزول سيدنا عيسى عليه السلام من السماء الظاهرة بناءاً على التفاسير المختلفة لكل طائفة، فضلا عن أن أصحاب كل دين ينتظرون أن يأتي المسيح ويحكم بشريعتهم التي يدين كل منهم بها.

 

 

   وهنا يثور ألف سؤال في غاية الأهمية. هل حان فعلا موعد نزول أو مجيء حضرة السيد المسيح؟؟ ومن أي جهة سوف يتنزل وهل سيأتي من ناحية “الشرق أم الغرب”!؟ وكيف ستكون حال السماء في تلك اللحظات المهولة المخوفة؟ ومن هم الناس الذين سيحظون برؤيته أولا؟ … الخ.

   والإجابة غالبا ما تكون محيرة ومتناقضة أيضا، فما يزال السواد الأعظم من الناس من الذين آمنوا بنزوله يستندون لفهم معضلة ظهوره على العلامات التي جاءت في كتبهم المقدسة وما يزالوا ينتظرونه حسب رؤاهم وتفاسيرهم الموروثة، والأغرب حسب تصورات كل فرقة من هذه الفرق المتناقضة.  

   فبينما يعتقد البعض أن علامات المجيء الثاني لم تظهر بعد! يقول البعض الآخر أن هذا الظهور قد أضحي وشيكا وعلى الأبواب! حيث تحققت بعض النبوءات، في حين يؤمن القلة القليلة من البشر بأن ظهوره قد تم في هذا العالم، كما وعد الواحد الديان وتشرفت الأرض ببهائه وتحققت بالفعل جميع النبوءات والعلامات، إلا أنه حضر إلى العالم في هدوء وسكون تماما كما وعد بأنه سيأتي علي غفلة من الجميع كما يأتي اللص في الليل.

 

    وقبل أن نبدأ في تعريف معنى السماء والماء كما شرحها الدين البهائي عن لسان حضرة بهاء الله. نذكركم ببعض ما جاء بالكتاب المقدس وسبق وأن ذكرناه عن إخفاء معاني الكلمات الإلهية إلي وقت معلوم وعد الله بفك أختامه عند تمامه, واختص به نفسه في مكنون غيبه.

   كما أوضح أيضا في الكتاب المقدس أنه صانع شيئا جديدا وسوف يخلق طعاما روحيا جديدا يختلف عما اعتاده الإنسان على مر القرون والأزمان. وشدد علي أن هذه الأمور سوف تتحقق في المستقبل البعيد حيث أنهم الآن غير مؤهلين لتقبلها وففهم رموزها وإدراك معانيها.

   حيث يقول السيد المسيح في سفر يوحنا (… اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا كلام الله قد ختمه …) سفر يوحنا إصحاح 6عدد 27

 

 (…أن لي أمور كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تتحملونها الآن وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية …) في سفر يوحنا إصحاح 16 عدد 14:12  

  وفي هذه الآيات يتحدث السيد المسيح عن المجيء الثاني ويعد بأنه سوف يرسل شخصاً آخر يسمع بأذنه ويتكلم بلسانه ويخبرهم عن أمور آتية لا يستطيعون الآن أن يتحملونها.

 

وقال أيضا (…أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفقهاء وأعلنتها للأطفال …) سفر متى 11عدد  26:25

   وليس المقصود بالأطفال هنا من هم صغار السن بل تلاميذه والمؤمنين به لأنهم كالأطفال في قدراتهم المعرفية وقواهم العقلية التي تمكنهم من فهم طبيعة حضرة المسيح وشمولية تعاليمه الجديدة لذا شبههم بالأطفال الذي يسمعون كلام معلمهم دون جدال.

   ولم يقصد بكلماته عودة الروح القدس – كما فهم البعض – لأن الروح القدس كان معهم أثناء توجيهه هذا الخطاب، وأضاف في إلهام رائع أنه سيرسل “لكم روح الحق” .. وهو شىء آخر غيره .. وهو ما أكده في موقع آخر قائلا إنه ذاهب ويأتي غيره.

 “7لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. 8وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: 9أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. 10وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضًا.”-يوحنا16-11:7

كما قال السيد المسيح في موقع آخر “إياكم وخميرة الفريسيين” أي إياكم والعمل بتعاليمهم البالية العتيقة، بل يتوجب عليكم العمل بالتعاليم الجديدة التي ستحمل معاني جديدة في اليوم الجديد الآخر وسيوضحها الله بمعرفته ومشيئته، وتلك سنة التجديد في كل رسالات الله السماوية.

بالإضافة إلى تلك الآيات التي جاءت في القرآن الكريم عن هذا الموضوع لتربط الكتب المقدسة بعضها ببعض ولتكتمل الصورة في جلاء، ولتتضح وحدة الكلمة الإلهية في كل الرسالات السماوية.

 

   يقول الله تعالى {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ…. } الأعراف آية 53

 

   وعندما تجرأ بعض علماء السلف وأقدموا علي تفسير الآيات المتشابهات التي اختص الله بعلمها، فحق بصددهم القول فزاغت نفوسهم وأزاغوا الأمة وظهرت الفتنه التي ابتغوها فتعددت الآراء والمذاهب كما هو مشهود على أرض الواقع من كثرة الآراء المتضاربة والفتاوى المتناقضة المحيرة أو كما يطلق عليها الآن فوضى الفتاوى.

 

 

 

السمـاء والمـاء

في الإِنجيل والتوراة

أولا – المقصود بالسماء

 

     كتب يوحنا في الإصحاح الأول أن حضرة المسيح جاء ( إِلى خاضته جاء وخاضته لم تقبله وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا إِن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين  باسمه الذين ولدوا وليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله …) يوحنا إِصحاح 1 عدد11

   وبديهي أن هذه العبارات ليست عسيرة الفهم وتشير إِلى ولادة روحية ثانية، والبعث الجديد  بعد الإِيمان بالرسالة الجديدة وهو التغبير الجوهري الذي يعترى الإِنسان بعد الإِيمان بدعوة الحق وكأنه ولد أو خلق خلقا جديدا أو انتقل من الظلمات إِلى النور ومن الموت الروحاني إِلى الحياة الإِيمانية المنعشة للنفس والروح وبهذه العلاقة وارتباط المؤمنين بالله، حق لهم أن يصيروا أولاد الله.

   لذلك علم السيد المسيح التلاميذ أن يبدءوا صلاتهم كما جاء في سفر متى إِصحاح 1 عدد 9 (… أبانا الذي في السماوات ليتقدس أسمك …) وطلب من  مريم المجدلية أن تنقل قوله لبقية أتباعه (…إِني أصعد إلى أبى وأبيكم واِلهي وإِلهكم ) سفر يوحنا  إِصحاح 20عدد17

   ومعنى هذا أن البنوة لله هي بنوة روحية تشمل الإيمان بالدعوة المسيحية بأكملها وعلي رأسها السيد المسيح أي أن المقصود بأبناء الله هم المؤمنين، وهو المعنى الصحيح للولادة الجديدة.

   وعلى الرغم من هذا الوضوح نجد “نيقوديموس” أحد رؤساء اليهود ومن كبار معلميهم  تستشكل على فهمه هذه الأفكار الروحية العظيمة الأهمية – وخصوصا بعد إقراره بأن السيد المسيح قد أتى من عند الله معلما وقصد إِليه ليتعلم منه –  فنجد المسيح يخاطبه قائلا (… أن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله …) فلم يفهم رئيس اليهود ماهية هذه  الولادة الجديدة من فوق فيسأل السيد المسيح متعجبا (… كيف يمكن أن يولد الإِنسان من فوق وهو شيخ ألعلة أن يدخل بطن أمه ثانية ثم يولد …)

    فيجيبه السيد المسيح “الحق هو الذي أقوله لك أن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السماء لأن المولود من جسد هو جسد أما المولود من الروح فهو روح” .. ومع ذلك يعود معلم اليهود ” نيقوديموس” للسؤال مرة ثانية ( كيف يمكن أن يكون هذا ) ويجيبه السيد المسيح (…. أن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون فكيف تؤمنون أن قلت لكم السماويات ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ) سفر يوحنا إِصحاح 3 عدد 13.

     فإِذا تأملنا آخر عبارات هذه الآية أي عبارة ( اِبن الإِنسان الذي في السماء )  نفهم أن المقصود من “ابن الإِنسان” أنه شخص آخر ليس هو السيد المسيح، لأن السيد المسيح كان يخاطب هذا الشخص الموجود في السماء بينما هو ما يزال على الأرض طبعا.  فأي “سماء” تلك التي كان السيد المسيح يقصدها ويعنيها في موقفه هذا.

    وهناك تساءل محير آخر عندما يقول السيد المسيح (… ليس احد صعد من السماء إِلا الذي نزل من السماء ….) ونحن نعلم أن إِيليا النبي قد صعد إِلى السماء كما جاء في سفر الملوك الثاني إِصحاح2عدد 11:1

     وبناء على هذا التصريح الخطير للسيد المسيح ” إِذا صرفناه علي معناه الظاهري ” أي من الناحية المادية .. يكون إِيليا قد نزل أيضا من السماء مع إننا نعلم أن إِيليا النبي مولود من أبوين معروفين فأي سماء الذي نزل منها إِيليا النبي؟ والتي صعد إِليها كذلك؟!

يقول السيد المسيح (إِني نزلت من السماء وليس لأعمل بمشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني)

                                                                                يوحنا 6عدد38

   وإِذا تأملنا في هذه الآية نجد نقطتين لهما من الأهمية ما قد يساعد على ظهور وفهم معنى مصطلح السماء، ولتظهر حقيقة جوهره، واحدة لا تتبدل ولا تتغير في كل كتب الله المقدسة، متألقة من خلف أستار هذه الظلمة التي وتجلل أفكارنا، تخيم فوق عقولنا أحيانا.  

النقطة الأولى : من المحقق تاريخيا إِن السيد المسيح عندما صرح بأنه قد نزل من السماء غضب اليهود وتذمروا واعترضوا على هذا بقولهم ( أليس هذا المولود بيننا ونحن نعرف ذلك فكيف يقول هذا أنه نزل من السماء)

النقطة الثانية : هو تصريحه الحاسم بأنه نزل من السماء ليس ليعمل مشيئته وإرادته بل مشيئة الذي أرسله ونحن نعلم أن الذي أرسله هو الله الآب “أبانا الذي في السماوات”

   فإِذا ما ألقينا نظرة عاجلة إِلى النقطة الأولى مرة أخرى وحاولنا أن نتأمل ونحاول أن نحل  هذا التضارب بين إعلان حضرة المسيح وبين أقوال اليهود. وجدنا أنفسنا في موقف صعب!

    فإِما أن نظل  كاليهود جاهلين بالمعنى الصحيح لحقيقة السماء التي نزل منها السيد المسيح وصعد إليها إيليا، وإِما يتوجب علينا – وهذا حق لنا ولكل الأجيال المتعاقبة – أن نحاول البحث عن رؤية جديدة، ونمعن التفكير بمفهوم أكثر عمقا عن هذا المعنى الغامض الذي كان يقصده السيد المسيح من وراء كلمة السماء وخصوصا وأن الكل يعلم ومن واقع التاريخ أن السيد المسيح قد ولد من رحم العذراء مريم.

   وإِذا ما تابعنا بحثنا الدءوب ورجعنا من جديد نتقصى ونستلهم ما ذكرناه في النقطة الثانية وجدنا أن العقل والمنطق لا يقبل مطلقا أن تقتصر السماء على وجود الله فقط، هذا إِذا اعتبرنا أن المقصود بالسماء هو هذا الفضاء الهائل الأزرق اللون الذي يحيط بكرتنا الأرضية وبما تحويه من طبقات هوائية متعددة. ذلك لأن الله منزه عن المكان والزمان، وموجود في كل مكان من عوالمه المترامية بلا حدود، بل وفيما عداها من أكوان، تتجاوز علومنا وأفكارنا،  وتعمي عنها أبصارنا، ولا يعلمها إلا الله الحي القيوم .. الخالق المقتدر .. العزيز الحكيم. 

    فهل كان السيد المسيح يقصد التعبير المجازى عندما استخدم لفظ “أنه في السماء”  في الدلالة عن مكان ( الآب ) ، وعلي أنها اِستعارة بلاغية تشير إِلى كل ما هو سامي المقام، رفيع الشأن. وفي اعتقادي أن هذا الفهم لم يكن مجرد استنتاج متعجل أو برز عفو الخاطر لإقامة الحجة علي صواب وجهة نظر معينة، ولكن لدينا العديد من الدلائل ما تؤكد صحة وسلامة هذا المفهوم، تزخر بها دفتي الكتب المقدسة.

  نذكر منها بعض ما جاء في التوراة سفر أشعيا النبي حيث يقول (… أقطري أيتها السماوات من فوق ولينزل الجو برا ). أشعيا إِصحاح 45 عدد 9:8  

    فمن البديهي أن السماء الظاهرة المادية للأعين لم ولن تقطر البر والإِصلاح لأن البر أمر معنوي صرف يقصد به الخير والطاعة والتقوى والإيمان بالله سبحانه وتعالي. وربما يزيدنا فهما لمعنى البر قوله عز وجل: لَنْ تنالوا البِرَّ حتى تُنْفِقُوا مما تُحِبُّونَ”

    ولذلك نفهم ونعي أن السماء التي تقطر البر المعنوي لابد وأن تكون هي أيضا سماءً معنوية، وهذا لحن آخر لنفحات الكتب السماوية، ولنغمات ذلك المعنى اللطيف البديع حيث أشار القرآن الكريم أن السيد المسيح يخلق من ” الطين ” كهيئة الطير فيكــون طيرا بأذن الله

{قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ}آل عمران49

   فكل من ارتقي وسما في تصرفاته وسلوكه وأعماله مقتبسا من أنوار التعليم السماوية اِرتفع في مراتب الإِيمان وصار كالطير يحلق في أجواز السماوات العلا بحرية وحيوية انطلاق لا تُعْرَف له حدوداً أو موانع.

   هذا هو بيت القصيد من لفظة السماء وأنها دون أدنى شك هي سماء العزة الإلهية، وإذا  توسعنا في هذا المفهوم وأفضنا في تطبيقه علي الكثير من آيات الله سواء في القرآن أو غيره من الكتب المقدسة. نجد تطابقها الكامل مع العديد من الصور البيانية الرائعة وعلي سبيل المثال قصة هدهد سليمان ويمكننا أن نتفهم الآن أنه كان من الطيور الحاكية عن نغمات الأزلية، فكان يطير في سماء المعرفة الإلهية مبلغا آياته إلى كل مكان، وليعود محملا بالبشارات وبالأخبار السارة لسيدنا سليمان.

 

المــاء

في الإِنجيل والتوراة

 

ثانيا – المقصود من الماء 

 

    جميعا سمعنا ما جاء في الإنجيل عن خبز الله النازل من السماء تلك القصة الرائعة والدالة علي قدرة الرسل العظام على الإتيان بالمعجزات، إضافة إلى ذلك الماء المعجزة الذي أعطاه حضرته للمؤمنين به واعدا إياهم بأن من يشرب منه فلن يعطش أبدا. وبالطبع كانت الكلمات والتعاليم الروحية التي أعطاها لهم أثناء فترة حياته المحزنة القصيرة هي روح الحياة الأبدية والخالدة بخلود الملكوت الإلهي.

    وقد سبقت الإِشارة إلي قول حضرة السيد المسيح أثناء حديثه مع ” نيقوديموس”  المعلم اليهودي حين قال له ( أن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يعاين ملكوت الله )

ولنتساءل معا ما طبيعة هذا الماء الذي سوف نستخدمه في حياتنا جميعا والذي سيتمكن به الإِنسان من معاينة ودخول ملكوت الله كما عبرت عنها كلمات السيد المسيح في سفر يوحنا (…. ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إِلى الأبد بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إِلى حياة أبدية ….) يوحنا إِصحاح 4 عدد15

    فهل يمكن أن نتصور أن الماء العنصري هو الذي سيجعلنا قادرين علي الورود إلي شاطىء الأبدية والدخول في فرح الآب السرمدي وإلى عوالمه السماوية الخالدة.

 إذا كانت هذه الفرضية صحيحة فجميع البشر سينالون هذا الفضل الإلهي وسيدخلون ملكوت الآب دون حساب أو عقاب، لأنهم وعلي مدى الأزمان السحيقة كانوا يستعملون نفس الماء، الذي هو شريان الحياة وعصب الوجود لحياة كل المخلوقات من إنسان وحيوان ونبات. واستخدمه علي حد سواء المؤمنين الموحدين بالله، وجميع المشركين والكافرين والمنكرين للفضل الإلهي.

  لذا يدفعني القلم إِلى مزج شراب الرسالات الإلهية الكافورية والتي وعد الله به يوم القيامة،    علي الرغم من أننا لم نتجول بعد في سماء القرآن الكريم ولم نتعرف بعد على شموسها وأقمارها وأنجمها. عسى أن نتذوق رشحا من هذا الرحيق المختوم الذي فضت أختامة بأصابع العناية الإلهية في يوم الدين الجديد.

{إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً }الإنسان5

{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً }الإنسان17

   واسمحوا لي بأن أقدم لحضراتكم القليل من فيض هذا الماء المعين والذي قد تتحير في فهمه العقول والأرواح

 

 يقول تعالى {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} الأنفال آية11

 

  وقد تظهر الحيرة على وجوه بعض المتفرسين في آيات الله ، الحيرة بين إيماننا الأكيد بتلك الآيات الإلهية وبين عجزنا علي فهم معانيها المخبوءة في مكنون ألفاظها، فأي ماء هذا الذي يهبط من السماء فيطهر به الناس ويذهب رجز الشيطان وهمسات النفس اللوامة ويربط به على القلوب وأي ماء هذا الذي يثبت الله به الأقدام ؟؟ .. هل يمكن أن يكون  هذا الماء هو ماء المطر الذي نعرفه؟! ولا أظن أن أحدا من الناس يعتقد أن ماء المطر  يثبت الأقدام بل العكس!

   ثم أي ماء هذا الذي إذا شربناه لن نعطش إلى الأبد كما جاء في الإنجيل وكما سبق بيانه.

والحال لابد وأن نقتنع ونؤمن بأن هذا النوع من الماء له طبيعة مختلفة ومواصفات فريدة، تختلف تمام الاختلاف حتى عن الماء النقي المتدفق من صنابير المياه في كل منازلنا، وأن كل ما جاء بخصوص هذا الماء الطهور هو شىء معنوي صرف.

   إلا أن المشيئة الإلهية اقتضت أن تضع هذه المفاهيم العقلانية المجردة في صورة حسية لتقربها في بساطة ويسر لمفاهيمنا القاصرة.

   وما زال الكثير والكثير من آيات الإنجيل تتدفق كنهر هادر بالماء الإلهي، لنشرب من معينه ونرتوي من ينابيعه الغامرة كي نفهم ونتعلم الهدف والمراد الإلهي من هذه المعاني.

   وفي الحقيقة يتوجب علينا أن نصغي لأقوال السيد المسيح التي وردت في آيات الإنجيل لأنها توحي إلينا – دون أن نتصور أن ذلك قد يجرفنا بعيدا عن معتقداتنا الأصلية – بمنظور جديد عن أسرار المعاني القدسية في إبهار آسر، وإلهام معجز لا يقبل القسمة إلا علي وجهة واحدة ولا يمكن إن يتراءَ من أمامنا طريقا أو سبيلا سواها.

 (… أن عطش أحد فليقبل إليَّ ويشرب من آمن بي كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار وماء حي )    يوحنا إصحاح 7 عدد37

   والعجيب أن هذا الفيض الغامر العميم من تلك التعاليم الربانية لن يقتصر مداها على إرواء كل ظامئ فحسب، وإنما ستتدفق من قلوب وأرواح المؤمنين الصادقين، وتفيض بأنهار من ماء حي على الآخرين. فهل آمنا الآن أن هذه الكلمات الإلهية لها معاني مجازية عقلانية ومقاصد روحية سامية، وألا فمن أين تنبع وتتدفق هذه الأنهار؟ التي سوف تخرج من القلوب والبطون! وإلى أين ستجرى وتصب؟.

   ومن هذه الآيات يبشرنا الله سبحانه وتعالى أنه لم يقصر القدّرة على إحياء النفوس الضالة، على رسله وحدهم بل اختص بها البعض من عباده الآخرين – بفضله المحض – كالأنبياء والأتقياء والأصفياء ، وجعلهم حملة مشاعل الهدى بين البرية حتى لا يتعثر شعبه المختار في كل دورة إلهية في مسالكهم بالعقول المتحجرة أو من وصفهم بالصخرة علي الماء وبالقادة العميان.

 

 

 

 

 

 

 

السمـاء والمـاء

في الذكر الحكيم

 

    ونعود مرة أخرى إلى معان السماء في القرآن الكريم، والى المقصود من معاني الماء الطهور الذي يتنزل منها وما نستلهمه من سورة الفرقان

 {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} الفرقان آية  48 – 52 

    لطالما أخذت هذه المعاني الرائعة – وبمجرد تلاوتها – بمجامح قلوب وأفئدة الناس علي مدى ألف وستمائة سنة من الزمن هي عمر الرسالة الإسلامية، إلا أن المقصود من ذلك الماء الطهور الذي تلألأت أضواؤه أمام ناظرينا ليس هو – وبكل تأكيد – الماء والمطر العنصري الذي يتنزل من السحب والغيوم التي نراها بأم أعيننا في أيام معلومة من كل عام.

   وربما ساعد ورود لفظة الأنعام وتفسيرها بالمعنى المتداول أي الحيوانات علي ترسيخ معنى الماء العنصري، وبأنه المطر الهاطل من السماء الدنيا, الذي يحي الأرض التي نمشى عليها ويستقى منه الخلائق والأنعام. وأبعد تفكيرنا عن مفهوم السماء كما ذكرناها سابقا وبأنها سماء معنوية علي وجه التحقيق.

  مع أن تفسير لفظة الأنعام بمعنى الحيوانات لا  تتوافق مع جاء في سورة الأنعام من أن الله سبحانه وتعالى اعتبر الكثير من الأِناس الذين ضلوا عن سبيل الله كالأنعام، بل هم أضل سبيلا في قوله  تعالى في سورتي الفرقان، الأعراف.

{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} الفرقان آية 44

 

{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف آية 179

 

   وفي الحقيقة أن الله لم يكتفي بإظهار هذا المعنى المهين والذي وصف به كل البشر الضالين المنحرفين عن طريق هدايته، وتأكيده لذلك المفهوم فقط، بل عاد ليصف حياة أولئك الناس وأساليب معيشتهم في الدنيا ومصيرهم في الآخرة بكلمات أكثر مهانة كما وصفهم في

سورة محمد: 

 {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} محمد آية 12

   ولنحاول أن نتأمل معا في وهدوء هذا الوصف المحكم الذي قرن بين طبيعة طائفة من الناس لا يحفلون إلا بملذاتهم الدنيوية ومشتهياتهم النفسية، وبين طبيعة الأنعام الحيوانية كما وردت في آيات سورة الفرقان 44 والأعراف 179 ومحمد 12 ، علنا نجد صلة بينها وبين ذلك المزج المدهش للماء الطهور، وكفر الناس، وإرسال الرسل، والأمر بجهاد الكافرين بذلك الماء، والتي وردت في آيات سورة الفرقان 48 – 52 .

    ومن المؤكد أن الرسول كان يأمر  عند نزول الوحي عليه، وطوال فترة الرسالة بإلحاق كل آية من آيات التنزيل الحكيم بسورة معينة وبترتيب معين تختلف عن الآيات الأخرى، حتى تتوافق كل آية مع السياق الموضوعي لسورة قرآنية بعينها، وبالطبع كان هذا الترتيب من تدبير العليم الحكيم. وهو ما شكل الوحدة الموضوعيّة لسياق الآيات، وأبرز القرآن الكريم كنسيجٌ متكامل، ومن هذا المنطلق فعلى الباحث المنصف والمتدبر والمتأمل لسور وآيات القرآن الكريم أن يأخذ في اعتباره الوحدة الموضوعية للسياق القرآني للآيات وربطها بما قبلها وبما بعدها من آيات والتي تدور في سياق موضوعي واحد لترسم بكل تأكيد أمام أعين وبصائر البشر معالم صورة متكاملة واضحة المعالم.  

ولنعد لمعنى الآية السابقة في سورة الفرقان، ولنتابع تأمل ما ورد بها من تعبيرات بلاغية لا تدع مجال للشك في المغزى الإلهي من هذه الآيات المحكمة يقول تعالى

 {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً }الفرقان50

    وضمير الهاء في هذا التعبير يعود على المفعول به وهو الماء الطهور، وأن الله قد أنزل هذا الماء الطهور من السماء وصرَّفه بين الناس والأنعام ليتذكروا وليشكروا الله علي نعمائه.

{.. فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} والتي تشير إلى أن أكثر الناس كفروا بالنعمة الإلهية.

    ومن البديهي أن الناس لم يكفروا بهذا الماء الذي يحمل إليهم كل أسباب الحياة والنماء لهم ولأنعامهم، ولا يستطيعون صبرا علي انقطاعه، بل يوحي منطق الآيات أنهم كفروا بمرسل هذه النعم ألا هو الله سبحانه وتعالى. بعد أن تلبسوا ثوب الكبر والعناد، ولم تتوافق أهوائهم ومشاربهم مع منهج الرسالات الإلهية.

{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ }يس77

 فاستكبروا وأبوا إلا الكفر بآيات السماء النورانية وهو ما سمي بالماء الطهور المنزل من سماء العزة الربانية والذي لم تحرم من فيوضاته أمة أو شعب أو جنس أو عرق من أمم الأرض وشعوبها.  

   وعندما نحاول أن نستقرأ الوحدة الموضوعية للسياق القرآني، نجد أن الآيات 50 – 52 التي وردت في سورة الفرقان، تلهمنا بما يعبر عنه رجال القانون “بالقرينة” والتي قد تقودنا إلى الدلائل التمهيدية الأولية، وتنير من أمامنا الطريق لإيجاد الوشائج الوثيقة، بين مجيء الرسول النذير الذي يبعثه الله في كل قرية كما قال تعالى لسيدنا محمد في سورة فاطر

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ }فاطر24

وبين الماء المبارك الطهور النازل من السماء كما قال تعالى 

    {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً }الفرقان 50 – 52  

   واعترف وربما توافقونني حضراتكم علي أن الآية الأخيرة { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً } الفرقان 52

    هي أية عسيرة الفهم، صعبة الإدراك بمعناها اللفظي، ولا يمكن أن تتوافق مع مفهوم الجهاد كما يتضح من آيات القرآن الكريم، والذي يتحقق بما يستطيعه الناس من إعداد القوة والخيل والسلاح، وبذل الروح والمال وفوق كل ذلك اليقين بنصرة الله لجنوده الصابرين. 

   ودعونا نفصل تلك الآيات الكريمة عسى أن نحظى بقبس من نور المعرفة

1 – أن الله صرف الماء الطهور بين البشر بعدالة ولم يجعله وقفا علي جماعة أو قبيلة ليشكروا نعمة الله عليهم.

2 – وعلي الرغم من تلك العدالة إلا أن أكثر الناس كفروا وحجدوا بتلك النعمة الإلهية.

3 – أن الله لو شاء لبعث في كل قرية رسول بشيرا ونذيرا.

4 – وفي نهاية الأمر يأمر الله رسوله الكريم بألا يطيع الكافرين وأن يجاهدهم بهذا الماء جهادا كبيرا.

   بعد ذلك لنا أن نسأل العديد من الأسئلة المحيرة عن العلاقة بين الماء النازل من السماء وبين كفر الناس وجحودهم لله سبحانه وتعالي، وإرسال الرسل، والحض على الجهاد؟!

  مع أن التاريخ وحكايات وأساطير الأوليين تقص علينا كيف كانت اشد القبائل جهالة ووثنية تقيم الصلوات والابتهالات والكثير من الطقوس الشديدة التعقيد، لدرجة بلغت التضحية بالأضاحي البشرية قرباناً لألهتهم كيفما كانوا يتخيلونها حتى يسترضون غضبهم ويفيضون عليهم بكرمهم – وربما ما تزال تلك الطقوس تحدث وإلى عهد قريب – وليتنزل عليهم الغيث حتى لا يهلك الحرث والنسل إذا ما استمر القحط والجفاف. 

     وكيف يمكن للرسول أن يجاهد الكافرين بهذا الماء وهو يتنزل في نفس الوقت على الرسول والمؤمنين، كما يتنزل على الكافرين والمشركين؟ أم أنه نوع من الأسلحة الخفية لا نعلم عنها شيئا؟ فإن كان كذلك  فهم يملكونه كما كان الرسول يملكه ! وفي الحقيقة أن هذه الآيات وبهذا الفهم الظاهري لا يمكن أن تتوافق مع العقل والمنطق اللهم إذا كان لآيات السماء والماء معاني روحانية أكثر عمقا لا يصعب فهمها على كل ذي بصر حديد كما قال تعالى

 {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }  ق آية  22   

   أي أن رؤية الأمور والأشياء التي كانت خافية عنك وعن الناس، لم تعد مخفية بعد أن زالت الشكوك ووضحت المعاني التي رمزت إليها الآيات السماوية في كل من التوراة والإنجيل والقرآن.

   في بداية حديثي عن معاني السماء والماء في القرآن الكريم أشرت إلى الآيات 50 – 52 التي وردت في سورة الفرقان علي اعتبار أنها قرينة أي دليل أولي ينير من أمامنا الطريق لفهم صحيح لمعاني الكلمات الإلهية.     

   والآن تعالوا ننهل معا من هذا الماء العذب الفرات المنزل من السماء عسى أن نجد الدليل الدامغ الذي يقنع العقل وتصدقه البصيرة الوجدانية، ويؤمن به القلب، وتنشرح له النفس والروح ولا يختلف عليه شخصان يتحليان بالعقل الواعي والإدراك المنصف.

 

أولا : أوصاف السماء النازل منها الماء الطهور

  

  عندما نجمع الآيات القرآنية المتعددة والتي تحدثت عن أحوال وأوصاف السماء والتي وردت في كتاب الله العزيز الحكيم– في مكان واحد –  نجدها تشكل معضلة محيرة أمام عقولنا الغير قادرة على إيجاد الصلات الوثيقة بين كل تلك الحالات والأوصاف التي عددها الله سبحانه وتعالى في سورة الحاقة

 {وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } الحاقة آية  16

ومعنى واهية أي ضعيفة ساقطة لا قدرة لها علي فعل أو أداء أي شىء.

   وفي سورة المعراج {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ } المعراج آية 8 

ومعنى المهل كالنحاس المنصهر.

   ومرة أخرى في سورة الانشقاق {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} الانشقاق آية 1

 أي تشققت وتصدعت إلي أجزاء متفرقة. 

  وصورة أخرى في سورة التكوين {وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ} التكوين آية 11

أي قطعت وأزيلت وانمحت.    

   وفي سورة الأنبياء {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } الأنبياء آية 104 

  وفي تلك الآية ضرب لنا الله مثلا رائعا في إيجاز معجز لعملية البعث والخلق المستمر فوصف السماء بسجل سوف تطوى وتختزن تماما كما يَطْوِي ويَخْتَزِن السجل بين دفتيه للكتب بعد تمام تدوينها، ليعاد تدوين سجل آخر جديد، وربط في اعجااز ملهم بين ذلك المثل بمعنى طي السماء كالسجل وبين حقيقة استمرارية الخلق والبعث والتي وعد بها الخالق المبدع من إعادة الخلق كما بدأه من الأول الذي لا أول له، وأكد أن وعد الله لا بد وأن يتحقق.

­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­

    وأمام تلك الصور والأوصاف المتباينة أشد التباين يجد العقل الإنساني نفسه متحيرا مهما كان راجحا ومجتهدا ومصمما علي معرفة وفهم أسرار هذه المعاني الخفية للسماء، فمتى وكيف؟ ستحدث كل هذه الظواهر والعلامات الكونية للسماء الظاهرة من فوق رؤوسنا حسب اعتقاد بعض المفسرين. والعجيب أنهم يقولون عند نهاية كل تفاسيرهم القول المشهور “الله أعلم ورسوله” على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد وعد بأن المتشابه من الآيات القرآنية هو وحده من أختص بتأويلها وتبيان مراميها ومعاني رموزها المقصودة التي عميت عنها أفهام الناس وبصائرهم، ونسوا التحذير الإلهي الخطير في سورة آل عمران

 

{هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} . آل عمران آية 7

    وحكم الله بأن كل من يتجرأ ويتصدى لمحاولة تأويل المتشابة من الآيات إنما هو من أهل الضلالة والهوى وأن عملهم هذا إنما قصد به بث الفتنة والفرقة والخلاف بين أتباع الديانات المختلفة بل وبين أتباع الدين الواحد أيضا.

  واسمحوا لي أن اذكر أية أخيرة قد تكشف النقاب عن معنى رائع للفظة السماء وان المقصود من هذه الكلمة هو سماء الفيض الإلهي يقول تعالى :

{وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ }الذاريات22

   وإذا ما أيقنا جميعا بأن السماء التي وردت في الآية السابقة هي السماء الدنيا بمعناها المادي البحت فلن يكون هذا الرزق الذي وعد به الله موجودا في هذه السماء. لأن جميع البشر يؤمنون بأن رزقهم من غلات وثمار الأرض التي نحيا فوقها، وأن السماء التي نستظل بها لا تسقط علينا خبرا أو فاكهة من نخيل وأعناب. 

وهنا أود أن أشير إلى مفهومين على قدر كبير من الأهمية :

المفهوم الأول : أن الصور والمعاني المادية التي حفلت بها الآيات المتشابهات، جاءت متوافقة مع المعاني الروحية للرموز الخفية التي كنزت في التأويل الإلهي. وكمثال هذه الشمس التي تبعث الدفء وتؤدى إلي نمو وتكاثر كل المخلوقات، كذلك شبة الله الرسالة بالشمس الروحية التي تبعث الحياة في المؤمنين وتدفعهم إلى النمو والازدهار وتجديد وخلق الحضارات الإلهية العظيمة، وأن لفظة السماء إنما تعنى العلو والسمو والرفعة، وكما أن الماء العنصري هو عصب الحياة لكل الكائنات الأرضية، فالماء الطهور المنزل من سماء العزة الإلهية علي الرسل والأنبياء هو سبب الحياة الروحية للإنسان. وأشار الله إلى كثير من الصور التي رمزت وبينت أحوال الناس مثال من “يعضون الأنامل والايدى” تعبيرا عن الغيظ وصور المجرمون الناكسي الرؤوس رمزا إلى الحسرة والندم … الخ

 ولو لم تتوافق تلك الصور المادية مع معانيها الروحية المرموز إليها لما  كان لتلك الآيات والصور أي معنى، ويصبح تأويلها بكل تأكيد عبثا لا قيمة له. 

المفوم الثاني : أن المشكلة أو الصعوبة فيما يتعلق بالكلمة المرموز إليها، أنها تكون في معظم الأحيان معتادة أي واضحة وجلية لا تلفت النظر بغرابتها أو صعوبتها وأيضا ربما لا تحتاج إلى تفسير ولا شرح أو إلى مراجع ومعاجم، فالتأويل الحقيقي هو امتلاك البصيرة في فهم ما يؤول إليه المعنى، وفقه المرامي البعيدة للنص، كما قال الخضر لموسى عليهما السلام حينما عجز موسى عن إدراك سر تصرفاته الغريبة من خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار، وكلها كانت أمور واضحة تماما في نظر سيدنا موسى عليه السلام، فلما بين له غرض الغرض، قائلا له ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا. والسبب أنها لو كانت ملفتة للنظر وتحتاج إلى بحث وتنقيب لأضعف ذلك عملها وأودى بأثرها كرمز، فالمحافظة على

الرمز كَسِرّ يقتضى البساطة التي هي أقوى السبل للتموية وعدم لفت الأنظار والقضاء على بوادر الشك في النفوس إزاء المراد من تلك الكلمات.

   ومن تلك الصور الرائعة يتضح أمام أعيننا أن المقصود من معنى السماء في كل الكتب المقدسة، وما تحمله من ماء طهور يحيي به الله  الأرض والأنعام بعد موتها، كان مجرد مثال يحكي عن حقيقة روحية أسمى وأجل من تراب الأرض وسائمة البهائم، موضحا أن للسماء معاني شتى، ترمز في مجملها إلي كل ما هو سام القدر، رفيع المقام، فائق القداسة والإجلال.

    وكما نلاحظ ونرصد أحوال السماء الظاهرة بعيوننا المجردة، وما تزينت به مجراتها من شموس وأقمار ونجوم. كذلك زُيّنَت سماء الدين بشموس الرسالة الإلهية، ألا وهم رسل الله المكرمين المتعاقبين، ويطوف من حولهم أقمار مضيئة من الأنبياء والحواريين، يحف بهم نجوم زاهرة متألقة، من العلماء المجتهدين ومن أولياء الله الصالحين وغيرهم من المتقين الذين راحوا ينشرون أنوار الهداية الربانية ويعلمونها للناس في كل دورة من دورات الرسل ويحملونها إلي كل بقعة من بقاع الدنيا بعد غروب شمس الرسالة.

   ومن تلك الإشارات اللطيفة، وبعد أن بدأنا نتعرف ونتفهم المعاني الروحانية لمعنى السماء والماء اللتين وردتا في الآيات كما بيناها سابقا من التوراة والإِنجيل والقرآن. نستطيع أن نحزم بأننا لن نجد بين مواصفات السماء العديدة أي تناقض أو اختلاف من انشقاق، وكشط، وطي كالسجل، وغير ذلك من المعاني والأوصاف. وأزعم صادقا أن هذه البيانات والمعاني البديعة السابقة هي نتاج المعرفة التي نهلناها بشغف من فيض تعاليم وشروحات حضرة بهاء الله رسول هذا العصر الجديد بعد أن فك – بالفضل الإلهي – أسرار رموزها، وفض أختام آياتها التي ذكرت في الكتب المقدسة.   

   وبوصولنا إلى هذه المحطة دعونا نلتمس قسطا من الراحة نلتقط فيه أنفاسنا، على الرغم من اعتقادي أن البعض ممن صاحبونا في تلك النزهة الروحية الجميلة، قد اعتراهم الشك فيما وصلنا إليه من نتائج، واستعدوا للمسارعة بالتكذيب والاستهزاء.       

    إلا أن القرآن الكريم يحذر المؤمنين في كل زمان ومكان، عندما تصك آذانهم أنباء مستحدثه لم يتعرفوا إليها أو يعتادوا عليها، وتردهم أخبار جديدة لم تتوارثها أجيالهم عن آبائهم الاقدمين، بألا يسارعوا بالتكذيب والاستهزاء، بل أمرنا بأن نتفحص دلالات تلك الأنباء، ونتبين براهينها بموازين العقل والإدراك، بكل حيادية وإنصاف حتى لا نندم فيما بعد نتيجة جهلنا وعدم تقديرنا الصحيح للأمور.  

يقول الله تعالى في سورة الحجرات

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} . آية 6 – 12

   ومعنى تبينوا أي تثبتوا من صحة ومصداقية هذا النبأ الذي بلغكم، وهل هو نبأ صائب صحيح أم هو دسيسة مغرضة، وحَمْلَ الله الإنسان عبأ هذا البحث والتبيان وأمره التروي عند تقصى الحقائق، وبأن لا يتعجل في إصدار الأحكام، إلى أن تكتمل كافة الجوانب المطروحة علي طاولة البحث، وتظهر من أمامه الرؤى المتعددة واضحة جلية، حتى لا تستشكل عليه الأمور، ويسقط في مستنقع الأحكام المسبقة الوبيل بما استقر في نفسه من دعاوى الصلف والغرور والكبرياء، وبما وقر في وجدانه من أفكار آمن بها إتباعا لسنن الأولين، وما توارثه من معتقدات تناقلت إليه عبر الآباء والأجداد.

   ولم يكن القرآن الكريم وحده هو من تفرد بمثل هذه المحاذير بل سبق وأن قرر سبحانه وتعالي نفس الوصايا ونفس التحذيرات في كتبه المقدسة السابقة والتالية.   

 كتب القديس بولس في الإنجيل

“إذا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب.” رسالة بولس الرسول الأولى الإصحاح الرابع – 5 

وكذلك سجل القديس بطرس الرسول في الرسالة الثانية

“لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس.” بطرس الإصحاح الأول آية 21

وتوافقت تلك الآيات مع ما جاء في القرآن الكريم قوله تعالي

{بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ }يونس39

    لذا أوجب الله علينا أن نُحَكّم العقل والفكر في استقلالية وتفرد، دون أن نكون مقلدين لعادات السابقين ومتبعين لتقاليد الأهل والأجداد. وبمقتضى هذه السنة الإلهية أمرنا حضرة بهاء الله أن نتحرر من أسر مفاهيم أسلافنا السابقين – علي الرغم من إقرارنا بعظيم الفضل  لجهودهم غير المنكورة – وأن نتحرى الحقيقة بأنفسنا في إنصاف وتجرد، كي لا نضل كما ضل الكثير من الناس والأمم في العهود الغابرة، وحاق بهم الغضب والنقمة الإلهية، ونالهم العذاب الشديد في الدنيا وفى الآخرة عندما لم ينصتوا لرسلهم، واتبعوا أهوائهم دون أن يتحروا الحقيقة من رسل الله.

   فالآيات السابقة هي حجة الله علي البشرية جمعاء، سواء كنا مسلمين أو مسيحيين أو غير ذلك من أصحاب الأديان والمعتقدات المختلفة، وعلينا أن نمتحن صدق أنفسنا وجوهر ايماننا ومدى  ثقتنا بالرحمة الربانية، ونختبر تلك الأرواح المقدسة التي يبعثها الله في كل يوم من أيام الله  حسب ما جاء في رسائل الإنجيل.

جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ،”

                                                                     رسالة بولس إلى أهل غلاطية 16 : 5

لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ. 21امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. 22امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ.

                                                                رسالة بولس الثانية إصحاح 5 :  20 – 21

أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟”

                                                                       رسالة يوحنا الأولى إصحاح 4 : 1

   وعلينا جميعا يا صديقي المنصف العزيز أن تذكر ما سبق وتدارسناه في مقدمة هذا الحوار وأن نكون منصفين، منطقين، حتى لا نضحي من أولئك النادمين ومن الذين حبطت أعمالهم فخسروا دنياهم وآخرتهم كما تخبرنا الآية التالية :

     “لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟” متى إصحاح 16 : 26.

 الناس والحجارة

 

 

  ويبدو أن الله سبحانه وتعالى قد وضع طبيعة الإنسان الأخلاقية والروحانية – في دورة القرآن العظيمة –  تحت المجهر الإلهي الدقيق كما يفعل الطبيب الحاذق. فتناولها بالفحص والتدقيق، والدرس والتحليل، وصور البعض من البشر في صور حسية، قريبة من حياتنا الواقعية، من الذين لهم طبيعة الأنعام الحيوانية جعلتنا نتفهم  المقاصد الربانية بكل وضوح.   

    إلا أن الله عاد ليوضح وفي العديد من آيات القرآن الكريم، طبيعة أخرى من طبائع الإنسان المذمومة تجعله يهوي إلي أدنى دركات الحضيض، وقد يتدنى بمرتبته إلي مرتبة أقل وأحقر من مرتبة الحيوان، وربما ظهرت مرتبة الحيوان مقارنة بها أسمى وأرفع، لدرجة قد يصبح فيها الإنسان العاقل، لا أقل من مجرد جماد لا يعقل ولا يحس ولا يشعر!.

   لذا سنحاول أن نلقي – ولو في عجالة – بالأضواء الكاشفة علي اصطلاح محير أشار الله إليه في أكثر من آية، ألا وهي لفظة “الحجارة” ذلك الجماد الأصم ونحاول أن نتعرف إلى ما قصده الله بهذا الاصطلاح.

   ولكي نستوضح ذلك الأمر نستمع إلي قول الله تعالى في التوراة وهو يخاطب احد أنبيائه واصفا التغيير المرتقب لشعب إسرائيل، بعدما تمادى في ضلالاته إلى أن تحجرت قلوب أفراده، وبلغت قسوتهم شأوا بعيدا، لدرجة أبعدتهم تلك القسوة والوحشية عن إتباع أوامر الله وفرائضه.

 

(… وأعطيهم قلبا وأجعل في داخلهم روحا جديدة وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكي يسلكوا في فرائضي ويحفظوا أحكامي ويعملون بها …) حزقيال النبي إصحاح 11ع 19

   ومرة أخرى تتوافق آيات القرآن الكريم في وضوح رائع مع ما سبق وحكم به الإنجيل المقدس وقد ظهرت تلك الآيات في أسلوب مجازي بديع، وحملت الكثير من الإشارات والرموز.

 

    فبعد أن استعرض القرآن موقف اليهود من رسولهم موسى عليه السلام ونقضهم عهد الله وميثاقه عدة مرات، وإتباعهم السامري في عبادة العجل من دون الله، إلى أن أستطاع سيدنا موسي عليه السلام أن يضعهم من جديد على طريق الهداية الإلهية، ويعيد إليهم وعيهم الإيماني مرة أخرى.

   إلا أن تلك الهداية كانت موقوتة – مع الأسف – بزمن معين وعلي قدر مقدور!. حتى قال تعالى بعد مرور تلك الفترة الزمنية المحتومة في سورة البقرة

{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } البقرة آية 74

وقوله تعالى {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} البقرة آية 24

  فأنظر كيف جمعت هذه الآية في إبداع بلاغي الصلة بين ذلك الإنسان المفروض أنه عاقل مفكر، وبين من شبههم بالحجارة من أصحاب العقول الجامدة والمتحجرة.

 

ويقول الكاتب والمفكر الاسلامى الشهير عباس محمود العقاد(1)

“فالجمود والرياء كلاهما موكل بالظواهر – فالجمود يقف بصاحبه عند الكلمات والنصوص، يخيل إليه أنها مقصودة لذلتها فتصبح شغلا له يمعن في تأويلها وتوجيهها واستخراج العقد والألغاز منها وينتهي الأمر به إلى اعتبارها مسألة براعة وفطنة واعتبار الأحكام والعقوبات فرصة للشارع لا يجوز أن تفلت من بين يديه وألا كان ذلك مطعنا في براعته وفطنته وهزيمة له أمام غرمائه المقصودين بتلك الأحكام. 

    ومن بين الجامدين من يفخر بعلمه بالنصوص والشرائع ويقيس علمه بمبلغ قدرته علي خلق العقد والعقبات من خلال حروفها وسطورها أو من المقابلة بين سوابقها ولواحقها وبين مواضع الموافقة والمناقضة منها، ويحدث هذا لكل شريعة صارت إلى أيدي الجامدين والحروفيين … ولا حساب للنفس البشرية بطبيعة الحال عند هؤلاء الجامدين الحروفيين فإنما الحساب كله للنص المكتوب من جهة ولدعوى العلم والتخريج من جهة أخرى”

 وعندما يتخلى أصحاب الفكر المتحجر – سواء حدث ذلك قسرا أو طواعية – عن عقولهم وعميت بصائرهم، واسلموا قيادهم لتعاليم رؤساء أديانهم وأطاعوهم طاعة عمياء، كما تستسلم قطع الحجارة دون مشيئة أو اعتراض، ليد الصانع يفعل بها ما يشاء ويغير من تكوينها كما يريد. فيضلوا بعد طول عهد، حتى تقسوا قلوبهم ويرفضوا الهدى ويستحبوا الجهالة والعمى دون أن يمحصوا فكراً أو يتدبروا رأياً أو تظهر منهم إرادة أو حتى محاولة للتغيير.

{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } فصلت17

   ويستطرد الأستاذ عباس العقاد قائلا(2):  “إن الجمود والرياء، كلاهما موكل بالظواهر وعالم الظواهر غير عالم الضمير. … عالم كله قيود وأشكال. وعالم طلق من القيود والأشكال، في ساحة الضمير. وعندما روى انجيل متى في الإصحاح الخامس أن السيد المسيح قال ” لا تظنوا أنى جئت لانقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لانقض بل لأكمل” وروت الأناجيل أنه عمل في يوم السبت وسخر من المحرمات التي لا تندس الإنسان، وخاطب الناس بغير خطاب الناموس.

   فهل نقض المسيح من تقدموه أو اتبعهم في كل ما أبرموه؟ وان شئت فقل أنه نقض كل شىء. وإن شئت فقل انه لم ينقض منه مثقال ذرة. لأنه نقض شريعة الأشكال والظواهر وجاء بشريعة الحب أو شريعة الضمير. فشريعة الحب لا تبقي حرفا من شريعة الأشكال ولكنها لا تنقض حرفا من شريعة الناموس بل تزيد عليه.”(1)

“وبهذه الشريعة – شريعة الحب – قضى ” أي حضرة المسيح” علي شريعة الكبرياء والرياء وعَلّمَ الناس أن الوصايا الإلهية لم تجعل للزهو والدعوى والتيه بالنفس ووصم الناس بالتهم

والذنوب ولكنها جُعِلت لحساب نفسك قبل حِسَاب غيرك، وللعطف علي الناس بالرحمة والمعذرة، لا لاقتناص الزلات واستطلاع العيوب”(2)

 

   وعندما نقارن بين تلك الألحان السماوية والترنيمات الإلهية البديعة المنبعثة نغماتها من التوراة والإنجيل والقرآن، نكتشف وبكل صدق أنه لهو الشراب السماوي وهو الرحيق المختوم وهو الماء المبارك الطهور الذي ينزله الله من سماء العزة في كل دين، وعند مجيء كل رسالة، فيتنزل على القلوب العاصية المتحجرة نزول الثلج والبرد، فيمنحها البصيرة الروحانية، ليطهرها ويذهب عنها رجز الشيطان ويحييها من بعد موتها الروحاني، ويجعل في أعماقها ووجدانها روحا جديدة متألقة ولترشح بفيوضاتها علي العالمين بالحب والفضل الإلهي، ويثبت به الأقدام عند زلازل الفتن والامتحانات، وليوقن الذين آمنوا حق اليقين بأنه الحق من عند ربهم، وليتساءل الذين كفروا ماذا أراد الله بهذا مثلا، فيهدي به كثيرا ويضل به كثيرا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

——————–

(1) عباس العقاد – حياة المسيح – ص 150

(2) نفس المصدر ص 151

الفصـل الثالـث

القيامة والحساب

 

 

   

  والآن وقد بدأنا نتلمس أول الطريق إلى هذا الأسلوب المعرفي الجديد، لفهم المعاني الخفية للمتشابه من الآيات السماوية طبقا لما يقبله العقل والمنطق، ويتوافق مع تعاليم الأديان ومكتشفات العلوم الإنسانية.  

   فتعالوا معنا نختبر هذه المعرفة الجديدة، ونحاول – في أناة وصبر – أن نستلهم بأنوارها الكاشفة معنى جديد لمصطلح قديم طالما تسبب عدم الاتفاق علي فهمة، إلى الكثير من الخلافات والصراعات بين أصحاب الديانات الكتابية – علي مدي طويل من الزمن – وأدى إلى تبادل الاتهامات الشنيعة بالزندقة والتكفير، لدرجة طالت تلك الاتهامات العديد من رسل الله المكرمين أنفسهم وتسببت مع الأسف الشديد في قتل البعض منهم بغاية القسوة والوحشية. ألا وهو مصطلح القيامة.

   يعتبر يوم القيامة، أو اليوم الآخر، أو الآخرة، ذلك اليوم المخوف العظيم، من المصطلحات الذي تعددت مسمياته بشكل كبير، وتباينت مواصفاته بطريقة غامضة، ذُكِرَتْ وتعددت في كل كتب الله المقدسة بلا استثناء، مما جعل من تحديد فهم معين لذلك اليوم معضلة مستعصية  وجهدا متعثرا، وعملا غاية في الصعوبة والإرهاق.

 

فَى ُوُصِف هذا اليوم في التوارة 

“ذلك اليوم يوم سخط يوم ضيق وشدة يوم خراب ودمار وظلام وقتام يوم سحاب وضباب”        صفينا 1 : 15

وفي الإنجيل

” لأنه تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن 00 ولكن هذه كلها مُبتدأ الأوجاع ” متى 24 :  7 – 8

“وللوقت من بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطى ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع ” متى 24 :  29

 

* أما في القرآن فإنذاراته عن تلك الليلة عديدة ورهيبة …

 

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } الحج 1-2

 

   وقد حفل القران الكريم بالعديد من أسماء وأوصاف  ذلك اليوم، يوم القيامة، يوم الدين، الدينونة، الآخرة، البعث، الحساب، الحسرة، الساعة، الفصل، التلاق، الآزفة، التناد، الجمع، الوعيد، الخروج، الواقعة، الحاقة، يوم الحشر، يوم النشور، اليوم الآخر، يوم لقاء الله، النبأ العظيم، .. الخ تلك الأوصاف والمسميات.  

   وأرجو قبل أن نسترسل في حديثنا عن يوم القيامة أن نتوقف قليلا، أمام كلمة تضمنتها الكثير من الآيات المتشابهات ضمن قاموسها المديد، ألا وهي كلمة “الآخرة” وربما كان المرادف الأساسي لها هو لفظة “آخر الأيام” والتي قد يفيد معناها اللغوي ما يأتي بعد الأول أو “النهاية” لأن هذه الكلمة على بساطتها قد أضافت الكثير من اللبس، وأشاعت جوا من الضبابية وسببت الكثير من سوء الفهم حول معاني يوم القيامة، وخصوصا بعد أن تشبث كل فريق من أتباع الأديان بما لديهم من معتقدات وموروثات. وتبدو أهمية هذه الكلمة بالذات في أنها طالما أوحت للناس بأن يوم القيامة هو اليوم الأخير أو اليوم الذي لا يوم بعده، وفيه سيفنى هذا الكون على الرغم من عظمته واتساعه، وبكل ما يحمله من مخلوقات وكائنات، ولن تشرق فيه الشمس على العالم مرة أخرى أبدا، مما ولد لدي أتباع كل الأديان، ومنذ بدأ الخليقة، انطباع راسخ لا يتبدل، من أن يوم القيامة، هو يوم واحد كنز العلم به في غيب الله، واختص نفسه بميقاته. وباستقراء الآيات والوعود الإلهية جزم البشر باستحالة تكراره مرتين. وبهذا المفهوم القاصر لمعنى الأبدية واليوم الأخر، تكون الإنسانية قد وجهت أعظم ضربة قاصمة لمعنى يوم القيامة ، وجعلت الناس ينجرفون بعيدا عن المفهوم الحقيقي لذلك اليوم كما أراده الله.

 

 

الأبدية ومعناها في التوراة والإنجيل

 

 

 

 

    فكثيرة هي الكلمات التي وردت في كتب الله السابقة، والتي التبست معانيها وعميت مفاهيمها على الأمم السابقة مثل “الأبد، الآخرة، البعدية”  كقوله

“أنى أرفع إلى السماء يدي وأقول حكمي أنا إلى الأبد” سفر التثنية 32: 29

{قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا}المائدة24

{ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ” سورة الأنعام آية 92

وفي الحديث النبوي الشريف “إلا أنه لا نبي بعدى”

   حيث اعتبروا لفظة “الأبد – الآخرة – بعدي” دليلا على المطلق بمعنى أنها تشير إلى النهاية التي ليس من بعدها بداية أو نهاية، أو إلى أبد الآبدين مع أن جميع الكتب الإلهية لم تعطى هذا المفهوم على الإطلاق بل كانت تشير وعلى الدوام إلى فترة زمنية محددة، قد تمتد وتطول، وقد تتضاءل وتقصر.

   جاء في التوراة سفر الجامعة 4دَوْرٌ يَمْضِي وَدَوْرٌ يَجِيءُ، وَالأَرْضُ قَائِمَةٌ إِلَى الأَبَدِ.  

                                                               سفر الجامعة باب 1 عدد 4

     مع أن التوراة عينها أشارت إلى حتمية فنائها كما جاء في مزمور 102 عدد25 ” من قدم أسست الأرض والسموات هي عمل يديك … وهى تبيد وأنت تبقى ” والمعنى المنطقي المراد في سفر الجامعة أن الأرض ستبقى لزمن طويل ولكنها في النهاية سوف تفنى عندما يرث الله الأرض ومن عليها.

وورد في سفر الملوك ” ليحيا سيدي الملك داود إلى الأبد ” باب 1 عدد 31

ومثله في نبوة دانيال “وأيضا أعطى الرب بنى إسرائيل ارض كنعان إلى الأبد “

                                                               دانيال إصحاح 2 عدد4

    ومن الثابت أن زمن هذا الملك كان مرهونا بإتباع أركان الشريعة وعمل البر كما جاء في  سفر التثنية 11 – 13 – 17 “أي مده من الزمن”

وما نطق به السيد المسيح عليه السلام قوله المبارك في الإنجيل: (فأنى الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس)

                                                              إنجيل متى إصحاح5: 5

وأيضًا: (ها أنا آتى سريعًا وأجرتى معي … أنا الألف والياء البداية والنهاية الأول والآخر.)    انجيل يوحنا إصحاح 22 :13

 

وفى القرآن تشير كلمة “الأبد” أيضا إلى فترة محددة من الزمن. 

{قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }المائدة24

والمعنى أنهم لن يدخلوا تلك المدينة طوال فترة وجود هؤلاء العماليق بها أي فترة زمنية تنتهي بخروجهم منها

{فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً }التوبة83

{وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ }التوبة84

أي طوال فترة وجود الرسول على قيد الحياة

 

   {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ }الممتحنة4

أي أن هذه العداوة والبغضاء ستستمر مادام هؤلاء المشركين على شركهم وتنتهي تلك الفترة الزمنية بمجرد إيمانهم بالله سبحانه وتعالى.

 وربما توضح الآية الكريمة في سورة طه معنى البعد  قال تعالى:

{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ }البقرة51

{قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ }طه85

   هذه الآيات لا تشير إلى أن هذه البعدية هي زمان مطلق، إلى يوم القيامة مثلا أو إلى الأبد، بل تشير إلى الفترة لما بعد خروج موسى عليه السلام تلبية لميقات الله الذي واعده في ارض سيناء وحتى وقت عودته من سيناء مرة أخرى.

   فلو طبقنا تلك الآيات الكريمة على أرض الواقع لمعنى الآخرة أي آخر الأيام، والتي فيها سينصب الميزان الإلهي، ويحشر البشر للحساب لينال كل منهم حقه العادل من ثواب عقاب، وجنة ونار. نجد أن هذا المعنى لا يستقيم مع مفهوم الآخرة لأن كل من اليهود والمسيحيين يؤمنون بالآخرة كما هو متعارف لدى الجميع وما تعنيه من ثواب وعقاب، وما يتوقعونه من جنة ونار. 

{وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى }البقرة111

    ومع ذلك وعلي الرغم من إيمانهم بالآخرة وبنفس أشراطها التي نصت عليها الكثير من الآيات وأكدت علي ركني العدل الإلهي أي ركني المجازاة الثواب والعقاب فإنهم لم يؤمنوا لا بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ولا بالقرآن الكريم.

يقول الله تعالى {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً }الإسراء89

   في سورة النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} النساء آية 136 

{وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأنعام153   

وبموجب الشروط التي وردت بالآيات السابقة، أوضح الله طريق رضوانه، وأن السبيل الوحيد للدخول إلى جنته وفردوسه، هو الإيمان المطلق بالله ورسوله وكتاب الله المنزل علي رسوله، وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر.

فهل تنطبق هذه الشروط على الغالبية العظمي من البشر؟

 

يوم القيامــة العظيم ‏

عندما يتحدث علماء الإسلام في أبحاثهم وتفاسيرهم عن يوم القيامة، نجد أنهم يتحدثون على أن هناك قيامتين وليست قيامة واحدة.

القيامة الأولى : وهي القيامة الصغرى، وتقع عند موت الإنسان الفرد، حينما تترك الروح الجسد وتعرف نتيجة أعمالها وثوابها وجزائها حيث يصبح القبر إما حفرة من النار أو روضه من الجنة.

‏القيامة الثانية : وتسمى بالقيامة العظمى لعموم أهل العالم، وهي ما حكت عنها جميع الكتب السماوية. وبالطبع سوف ينصب اهتمامنا الأعظم بالحديث عن هذه القيامة العظمى.‏

    فعلي الرغم من إجماع البشر على علامات ذلك اليوم المحير بأحداثه التي تتراوح ما بين الدمار الشامل والأهوال المروعة من نيران وزلازل وبراكين وفيضانات والتي تترصد شرار الخلق وفاعلي الإثم والخطيئة، وبين الآمال الحالمة الموعودة الحافلة بالرحمة والسلام والتي ستتحقق العدالة والمساواة لكل البشر حتى للمستضعفين في الأرض.

   إلا إنه وفي ذات الوقت ، نجد أنفسنا في حاجة ماسة كي نوفق بين هذه الآيات التي عكفت علي وصف الدمار الشامل حينا، وعلى أنباء السلام الحالم أحيانا، والتي جعلت كل أتباع الأديان في العالم – ولعظم الفزع الذي استولى على عقولهم –  لا يلتفتون للكثير من الآيات الأخرى التي تدل على أن المقصود من النهاية أو يوم القيامة هنا هو التحول والتغير من صورة معينة إلى صورة أخرى. وأن ما تصورته عقولنا عن الجنة والنار لا يستوجب أن يكون له أي ارتباط بالضرورة بتدمير عالمنا الدنيوي هذا.

ونستدل على هذا الرأي من الآيات العديدة التي وردت في سور “الواقعة ، الزلزلة، إبراهيم، الزمر” وغيرها الكثير والكثير. والتي سوف نناقش الكثير من مشاهدها فيما بعد.

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ الواقعة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ َخافِضَةٌ رَّافِعَةٌ [الواقعة : 1 - 3]

إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا  وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا  يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة : 1 – 5]

يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْض غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ 48 (إبراهيم)‏

{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }الزمر69

القيامة الوسطي : وعندما نطالع ونتأمل أوصاف يوم القيامة ولمرة أخيرة، كالبعث، الحساب، الحسرة، الجمع، الوعيد، … الخ، نجد أنها تدور في فلك واحد حول مبدأ واحد هو المكافأة والمجازاة على مشوار حياة الإنسان اللي عاشه طوال سنين عمرة، بمعنى أن يوم القيامة هو يوم حساب وعقاب. ومن هذا  المنطلق يجب أن نوقن أن هناك قيامة أخرى لم ينتبه إليها العديد من البشر، وهى ما يُعَرِّفها بعض العلماء بالقيامة الوسطي، بينما أطلق عليها البعض بالقيامة الكبرى. والمدهش أن تتكرر أحداث ووقائع هذه القيامة من أمام عيون وأفهام البشر المرة تلو المرة  قبل أن تتحقق أحداث القيامة العظمى.

    هذه القيامة خاصة بالأمم السابقة أو برسالات الله إلى الأقوام الغابرة, بعد أن ابتعدوا عن المنهج الإلهي وانحرفوا عن تعاليم الله وشرائعه ، ورفضوا دعوة الداعي للإيمان بالرسالة الجديدة، في محاولة نورانية لإعادة الناس إلى الطريق المستقيم، ولتنعش روحانية الأمة بأتباعها تعاليم رسول ذلك العصر الجديد.

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ }المؤمنون44

 

      ويوضح الله سبحانه وتعالى ذلك المنهج الرائع في تتابع الأمم وتحديد المسئولية عند حساب كل منها والتي لا يسأل عنها سواها يقول :

{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }البقرة134

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }يونس47

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }الأعراف34

   وبمجيء هذا الرسول الجديد ينتهي عهد الله وميثاقه مع الأمة السابقة، ويبدأ عهد وميثاق الهي جديد مع ميلاد الأمة الجديدة. كما شهد الله بنفسه على ميثاق الأمة اليهودية والأمة المحمدية

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة63

{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }الحديد8

    وهنا يجب ان تفرق بين حساب الله  لتلك الأمم كشعوب وقبائل تظل تتوارث دين الآباء والأجداد، ويتنامى أعداد أفرادها مع مرور الزمن، لدرجة قد تتجاوز أعمارها في بعض الأحيان، الآلاف من السنين، وبين حساب الله للافراد الأحاديين من البشر المتصاعدين من مختلف أديان أمم  الأرض في كل ثانية، وفى مكان من أصقاع العالم.

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ” الأنعام94

{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً }مريم95

     فالبشر الذين يصعدون من هذه الامم يتم حسابهم كافراد. فكما جاء الجسد من الارض، الى الارض يعود، أما الروح فتصعد الى الملكوت الاعلى، بكامل لطافتها لتنال المقام الذي استعدت له، وعملت من أجله طوال حياتها آملة رضاء ربنا، على أعمالها التى صنعتها على الارض.

كما جاء في الحديث النبوي الشريف

“اذا مات ابن آدم قامت قيامته ”

وهو ما تؤكده والايات القرآنية بقوله تعالى

( اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) الاسراء14

{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169

   وعندئذ لن يسأل الذين امنوا بعد ايمانهم عن ذنوبهم قبل ايمانهم سواء  كانوا من الإنس أم كانوا من الجان : (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ) الرحمن39

تحقيقا للحديث النبوى : الاسلام يجب ما قبله.

أنقسم حساب الامم إلى شقين، يفصل بينهما زمانيين متتباعدين أشد التباعد. 

الشق الاول : هو حساب الأمم السابقة والتى اندثرت وتلاشت ولم نعد نعرف عن كتبها أو شرائعها شيئا على وجه التحقيق، وهذه تم حسابها وانتهى امرها كما اخبرنا سبحانه وتعالى بذلك لمجرد العظة والعبرة قائلا :

(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ) الحاقة6

(فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) الحاقة5

 )وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) العنكبوت14

    أما الشق أو الزمن الثانى : فهو ما يخص حساب الامم الكتابية التي ما زالت كتبها مشهودة بين يدى البشر، كاليهودية والمسيحية والاسلام، وما زال أتباعها حاضرين الى يومنا هذا، يتبع كل منها كتابهم السماوي، ويقيمون شرائعها ويتشبثون بعقائد الآباء والاجداد، والي هؤلاء وعد الله بحشرهم جميعا في يوم القيامة.

{اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87

الدعامتين الأساسيتين

ليوم القيامة المجيد

 

     ارتبط يوم القيامة أو يوم الساعة، تلك الساعة الآتية لا ريب فيها كما وعد الله، بالكثير من الأسماء والأوصاف حفل بها القران الكريم عن هذا اليوم المخوف الرهيب , وبعدد من المشاهد أكد الله وقوع أحداثها، كان من ضمن علاماتها، النفخ في الصور، والخروج من الأجداث، ووضع الميزان، ورجعة المسيح، وغيرها من السمات المميزة لهذا اليوم.

  وفي برهان شديد السطوع، أكد الله أن رسله وآياته المنزلة في كتبه هي حجته القاطعة علي الناس وأنها قانون لا يتبدل، وقدرة لا تستطيع أي قوة أرضية أو مادية التصدي لها ومقاومتها وأن ما وعد به لا بد وان يتحقق حيث يقول : {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }النساء165

{إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ }الأنعام13 

    واسمحوا لنا أن نستعرض مشهداً واحداً من مشاهد يوم القيامة، وهو من المشاهد الأساسية والمهمة لهذا اليوم وعلامة فارقة من علامات قيام الساعة، ألا وهو مشهد رفع السماء ووضع الميزان للشروع في حساب البشر، وبداية ليوم الدينونة العظيم.

قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) الأنبياء 47

: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) الرحمن7

: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) الاعراف8

   وتوضح تلك الآيات أن الله سوف يرفع السماء ويقيم الميزان لحساب الناس بالحق في ذلك اليوم المشهود، والمتعارف عليه بيوم القيامة.

   وقد سبق وأوضحنا من قبل أن كلمة السماء لا تعني السماء الظاهرة بل تعنى سماء العلم أو سماء الدين وسماء الشريعة، وتلك هي السماء التي سوف تطوى يوم القيامة كطي السجل للكتب، ويبسط في مكانها سماء دين وشريعة جديدة، كما طويت سماء التوارة وحلت مكانها سماء الإنجيل، وكما كشطت سماء الإنجيل ووضعت مكانها سماء القرآن الكريم.

    ولم يبق أمامنا لنتعرف إليه سوى المعنى الذي قصده الله بوضع الميزان؟ وأي نوع من الموازين تلك الذي ستوزن بها أعمال الناس في يوم القيامة ؟ وهى بكل تأكيد أمور معنوية. 

    إلا أن الله عاد ليؤكد في أكثر من أية، إلى أن وضع الميزان الإلهي لم يكن مقصورا على يوم القيامة الأوحد الذي تعارف الناس عليه، والذي استقر مفهومة في يقين كل أتباع الديانات،  بل أن الله قد أقامه يوم بعث سيدنا محمد (ع) وأرسل معه الكتاب والميزان حيث قال تعالى:

 {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ }الشورى17

   وفي سورة الحديد نجد أن الله يقرر وبشكل أكثر وضوحا، أن إقامة الميزان لم يكن في أي يوم من الأيام، قاصرا على الرسالة المحمدية، بل هي سنة الله السرمدية والتي سبق وأن شرعها في كل الرسالات الإلهية، وأنه أرسل مع جميع رسله في كل عصر من العصور، الكتاب ووضع الموازين القسط بقوله تعالى :

  ) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) الحديد 25

ودعونا نحاول أن نتأمل – وعلى قدر عقولنا وبصائرنا المتواضعة – هاتين الدعامتين الأساسيتين “الكتاب والميزان” والتي جمعت بينهما علاقة وثيقة لا تنفصم في كل رسالة إلهية.

وكثيرة هي الآيات القرآنية التي تحدثت عن الكتاب سواء كان التوراة أو الإنجيل أو القران، وان هذه الكتب قد حوت بين دفتيها العلم والهداية والحكمة لجموع المتقين من البشر.

{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }البقرة129     

    فعندما يرسل الله مع كل رسول من رسله المختارين الكتاب المنزل من سماء العزة الإلهية، ليكون هاديا ومرشدا للناس، وحاكيا على وحدانية الله ، وعلى صدق الرسول وعظمة رسالته السماوية،

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }الأنبياء25

{رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }النساء165

تغدو الدلائل والبراهين الدامغة والتي ترد في حنايا هذه الكتب المقدسة احدي كفتي الميزان القسط. حتى لا يكون الإيمان قسرا ودون اقتناع، أو اعتمادا على الأهواء والميول النفسية والتي طالما كانت السبب في قتل الأنبياء وتكذيب المرسلين. 

   في حين تمثل الشرائع والأحكام التي يستنها الله في كل رسالة، وتتنزل في كل كتاب، ليعمل الناس بموجب أحكامها من صلاة وصيام وزكاة وحج الخ، الكفة الثانية للميزان الصحيح، التي توزن بها أعمال الناس، ويتحقق بإطاعتها ناموس العدل الإلهي. 

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً }المائدة48

{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ }الأنبياء73

ويقرر حضرة بهاء الله هذين الركنين الأزليين في أول آيات الكتاب الأقدس بقوله :

أن اوّل ما كتب الله على العباد عرفان مشرق وحيه ومطلع امره الّذي كان مقام نفسه في عالم الامر والخلق من فاز به قد فاز بكلّ الخير والّذي منع انّه من أهل الضّلال ولو يأتي بكلّ الاعمال اذا فزتم بهذا المقام الاسنى والافق الأعلى ينبغي لكلّ نفس ان يتّبع ما امر به من لدى المقصود لانّهما معاً لا يقبل احدهما دون الاخر هذا ما حكم به مطلع الالهامõ

    وقد يبدو من أوصاف وعلامات يوم القيامة التي زخرت بها صفحات الكتب المقدسة، أنه يوم يختلف عن كل ما تعودنا عليه من أيام. ويظهر وكأنه يوم مستقل بذاته له أحكامه وقوانينه، وحتى أجواءه ومشاهده بمعنى أن ما يدور خلاله يختلف عن القوانين التي نعرفها ونعيشها وليس هناك أية صلة بينة وبين عوالمنا الأرضية. إلا أن المنطق القرآني يعلن خلاف ذلك، ويقرر أن كل أحكام وأوصاف يوم القيامة تتحقق هنا على الأرض، ونحن ما نزال أحياء نرزق! وأن لهذا اليوم صلة مؤكدة وامتداد وثيق بعالمنا الأرضي.

   وحسب ما جاء بالحديث النبوي الشريف فإننا عندما نموت ستنقطع أعمالنا ولن نكون قادرين على فعل أي عمل بعد الموت : “إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ابن صالح يدعو له” وبداهة سيتم حساب كل إنسان على قدر أعماله التي أداها خلال فترة حياته على الأرض.

{يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ }هود105

ولنتأمل قليلا في كلمات ومعاني تلك الآية  من سورة الأعراف حيثيات الحكم

   إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ }الأعراف40

   فعندما يقول الله “إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا” لابد وأن نتساءل في دهشة أين تم هذا التكذيب ومتى تم الاستكبار على الله، وكيف رفض الانصياع والإيمان برسالته؟ وهل تم هذا الفعل الشائن في الدنيا وفى مواجهة الرسول الجديد، أم في الآخرة بعد الموت؟! وتتوالى الآيات لتؤكد أن الله يسجل تلك المآخذ التي ارتكبها الإنسان في كتاب لا يضل ربي عنه ولا ينسى.

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً }الكهف 103 – 105

{فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى } القيامة 13 – 33

{كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً }المدثر16 – 17 … {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ }المدثر 26 – 29  

    ودون الحاجة إلى أي دليل أو برهان تشهدنا تلك الآيات جميعا بأن ما حدث كان على أرض الواقع المشهود، وان الإنسان يحاسب على اختياره الحر دون إرغام أو إجبار.

  {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ }القيامة14 

  كما يتوجب علينا الاقتناع بأن تلك الأحكام الإلهية الجازمة، والتي تنزل وعيدها في القرآن، بأن من يكذب ويستكبر على الله والرسول لن تفتح له أبواب السماوات ولن يدخل الجنة، على الرغم من أن أحكامها صدرت، وأن حيثياتها تقررت في وقت كان أولئك الأقوام المكذبين ما يزالوا أحياء يرزقون، وأثناء وجودهم على الأرض وليس بعد مماتهم.  

 

   إلا أن الله سبحانه وتعالى يرجيء تنفيذ تلك الأحكام من مكافأة وجزاء، إلي ما بعد الصعود إلى العالم الأخر، وبعد أن يكون الإنسان قد استنفذ كل الفرص المتاحة أمامه.

 

  ومن المهم أن نوقن بأنه عند صدور مثل هذا الأحكام لن يلغي تنفيذها أو يخفف من أحكامها – ما انفك المتكبر ثابتا على موقفة – حتى وإن طال عمره، وتجاوز 100 سنة أو قبع في قبره مليون سنة كما يقال عن فترة البرزخ إلى حين قيام القيامة كما يتصورها الناس فالأمر سيان فالحكم صدر وأصبح واجب النفاذ ولن يجد من دون الله لا معينا ولا ملجأ ولا ملتحدا.

     وبذلك يوضح لنا القرآن الكريم وبشكل رائع مفهوم حقيقي جديد عن معنى يوم القيامة، ألا وهو مجيء رسول جديد إلى العالم،

 

{مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15

 

فمن آمن برسالته وعمل بشرائعه دخل الجنة وزحزح عن النار، ومن كفر بالرسول واعترض علي رسالته واستكبر علي الله كان مصيره جهنم وبأس المصير ولو أتى بكل الأعمال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأمة الوسط

 

قال تعالي :

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }البقرة143

{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }البقرة134

    سبق وأن ذكرنا تلك الآيات الكريمة السابقة من سورة البقرة، في معرض حديثنا عن ذلك المنهج الإلهي الرائع في حتمية تتابع الأمم واستمرارية الرسالات، وتحديد المسئولية وحساب كل منها، حسابا لا يسأل عنه سواها. وكما وعد الله بأن يقضي ويحكم بين الأمم جميعا في كل ما كانوا فيه يختلفون.

   وأوضحنا أن  لفظة وسط  هي حالة بين سابق ولاحق.  وعندما نتصدى لفهم أوسع وأشمل لبعض الكلمات التي وردت بالآية مثل “جعلناكم، شهداء، وشهيدا” سنجد أنفسنا ملزمين بالرد علي الكثير من الأسئلة والتي ستثار بالضرورة، وقد تشكِّل الإجابة عنها تهديدا خطيراً لاعتقادٍ راسخ طالما أكّدَ عليه المسلمين من قبل، وكيف يمكن أن تكون الأمة الإسلامية هي أمة وسطية بين الأمم؟ ويكون المسلمين في نفس الوقت هم أتباع آخر وخاتم الديانات على الإطلاق؟.

وبالبحث عن معنى الفعل جعل نجد أن له عدة معان عدة في قاموس اللغة “المنجد”(1)  

ومن معانيه:

1 –  صنع , خلق, أي : جعل الله الظلمات.

2 – أخذ وشرع, أي: جعل يكتب.

3 – وضع, صيَّر, أي: تجاعلوا الشيء: وضعوه بينهم.

فأي من المعاني السابقة هي الأقرب والأنسب لكلمة وسطا ؟

ومن المؤكد بأننا سوف نتفق على أن المعنى الثالث هو الأقرب حيث يشير إلى موقع وموضع, أي أننا وضعنا أمتكم وسطا.

وأن كل موضع في سياق الكلام يصلح فيه وضع كلمة “وسط” يصلح وضع كلمة “بين” عوضاً عنها، يقال “هو في وسط القوم وفي وسطهم” أي بينهم.

 

—————————————

(1)                      المنجد في اللغة و الإعلام , الطبعة السابعة والعشرون, ص 93.

ومن معاني الكلمة أيضا :

توسط القوم أو المكان بمعنى : جلس وسطهم.

 

   وفي الحقيقة، حاول العديد من العلماء إيجاد معنى آخر لهذه الآية، وجهدوا في صرفها عن معناها الصحيح الذي قصده الله، في محاولة مستميتة لطمس الدلالات التي تشير إلى استمرارية الرسالات الإلهية بعد رسالة الإسلام،  لذا اعتمد العلماء معنى واحداً لكلمة  “وسطا” وهو  (معتدل)، في حين أضاف البعض منهم بأنه مادام الشخص المعتدل ليس متطرفاً فأنه يكون منصفاً أيضاً.

     وعلى الرغم من أن هذا المعنى (معتدل) لا يعتبر تفسيرا معقولا لكلمة ” وسطا” إلا أنه المعنى الأهم الذي اختاره العديد من علماء الدين. ولذلك يستنتجون بأن ما عناه الله بقوله أن المسلمين هم أمة وسطا أي أنهم أمة منصفة وعادلة في أفعالها وفى مكارم الأخلاق وعدم الغلو في الدين والتدين واعتقد أن هذا التعريف ينصرف بتمامة على كل رسالات الأمم السالفة دون استثناء.

  ومع ذلك فلأى معنى تدلل لفظة شهداء والى أى مغزى تشير أية وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، وما الذي يتوجب علينا فهمه وإدراكه من هذه الاية، أن لم تشكل تحذيرا صارما شديد اللهجة إلى أولئك الحافظين لكتاب الله ، والخازنين لمكامن علمه، والعاملين بما جاء فى تلك الكتاب من اوامر واحكام، كما قال تعالى في سورة المائدة : “بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء” المائدة أية 44

   بأن يتأملوا – أي المسلمين - ما حدث لأتباع الديانات الأخرى، هذا الخطاب الذي تكرر في أكثر من سورة قرآنية، لكي يتعلموا من دروس التاريخ،   بألا نكتم الشهادة أو نحرف المقاصد الإلهية المنزلة كما فعل اليهود من قبل، وألا نقطع ما أمر الله به أن يوصل، وخصوصا بعد أن حَكَمَ الله بأن من يفعل ذلك ” فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ” و ” أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ”

   في حين يغدو الرسول الكريم “شهيدا” عليكم أي مطلعا وحاكما على أنه ورسل الله جميعا قد أبلغوا رسالات ربهم، ويظل رقيبا على أعمالكم لا يخفى عن علمه من شىء، ليرى ما إذا كنتم قد تعلمتم من دروس الأمم السابقة  أم لا.

   وفى حديث صحيح للرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامة يؤكد وسطية الامة الاسلامية بين الامم بمعناها اللغوى يقول: “القرآن فيه خبر من قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ من بعدكم”

ويوثق القران الكريم هذا الحديث الشريف فيقول تعالى :

{أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ }التوبة70

 

الإنذارات والبشارات

 

     حملت الكثير من السور القرآنية لعموم البشر، العديد من آيات النصح والارشاد، الوعيد والانذار، وربما جاء البعض منها بنفس الكلمات  تقريبا، إلا أن التحذير لم يكن وقفا على الامم السابقة التى بادت واندثرت، بل كان موجها أيضا للمؤمنين الذين آمنوا بالديانات الكتابية ومن ضمنها الاسلام. في محاولة أخيرة كي يلفت انتباه الجميع لما حدث لامم القبل في غابر الازمان، عسى أن يتمكنوا من تجنب مصيرهم المحتوم، ونهايتهم المشئومة.

{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ }آل عمران137

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }الرعد41

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }البقرة113

    وتعالوا حضراتكم نتأمل الحديث الشريف “القرآن فيه خبر من قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ من بعدكم”، ونتدبر ما جاء فى القران الكريم من مشاهد مفجعة لما آلت اليه  مصائر تلك الأمم السابقة التى توالت إليهم رسالات الله. والكيفية التى تحقق بها حكم الله فيما أختلف فيه الأقدمين. وهل يمكن أن نجد خلافا كما تعودنا – على ألا نتفق نحن البشر – بين الوسيلة  التى حكم بها الله في السابق بين أمم القبل، وبين الكيفية التى سيحكم بها الله بين الأمم المتواجدة في المستقبل.  وبكل تأكيد لن نحاول أن نتسرع في استنتاج مثل هذه الاحكام، بل تعالو نستقرأ المنهج الالهي، ونتعرف على القواعد الثابته التى استنها الله  في حساب الامم السابقة كما جاء بالقرآن الكريم. 

قال تعالى في سورة البقرة

 {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}

                                                                       سورة البقرة آية 213

{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}

                                                                                المائدة  43

{وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }    الزخرف63

{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}

                                                                                 المائدة47

  ومن هذه الآيات المحكمات يتضح أن الحكم بين الناس فيما كانوا فيه مختلفين قد تحقق في الماضي عن طريق إرسال الرسل ليحكموا بما أنزل الله.

 

{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ }القصص80

    إلا أن تلك الامم لم تؤمن لرسل الله، ولم تتعظ وتستفيد من الدروس والعبر التى ساقها الله اليهم فى آيات بلغت خمسة الاف أية، لم تخلو من مثلها سورة من سور القران. فتوالت الانذارات الالهية لتلك الامم السابقة التى استكبرت على الله ، ورفضوا التسليم والانصياع للاوامر الالهية والانقياد لشرائعه. فكان ولا بد أن يحيق بهم الجزاء الرادع، والقصاص الإلهي العادل.

 

{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } الشعراء 105

{قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ … فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ}  الشعراء 117 – 120

 

{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ } الشعراء 123

{فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ }الشعراء 139

 

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ }الشعراء127 }الشعراء141 – 145

{فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا }الشمس14

 

 

   وحاول سيدنا هود عليه السلام أن يضرب لهم مثلا قريبا من عهودهم، ليروا بأم اعينهم قدرة الله وسطوته وعقابة.

{وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ }هود89 

    إلا أنهم لم يستجيبوا لداعي السماء واستحبوا العمى على الهدى. فزين الله لهم اعمالهم الى أن حان الميعاد فأخذتهم صاعقة الذلة والعذاب وما كان لهم من الله من ولي ولا نصير.

{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } فصلت17       

   واقتضت سنة الله أن تخلد آثار هذه الاقوام محفورة فوق صخور الجبال الصلدة، وتبقي ديارهم الخاوية على عروشها شاهدة على القُوَي المفرطة التى حباهم الله بها، على الرغم من تمردهم وعصيانهم، وأن تظل بقاياهم رابضة على الارض كبصمات هائلة عملاقة لا تفنيها عوامل الزمن، حتى جعلهم الله أحاديث معادة، فى كل الكتب المقدسة، وروايات تحكى وتتلى، لغيرهم من الامم اللاحقة عسى أن تكون في قصصهم وحكاياتهم عظة وعبرة لغيرهم من الأجيال اللاحقة من بعدهم.

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ }المؤمنون44

{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون }يس30

{أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }البقرة87

   ونخلص من تلك الآيات، أن المعنى الذي وثقه وأكده الله وفي آخر كتبه المنزلة الى البشر “القرآن الكريم” أن جميع الرسل الذين بعث بهم الى كل الأمم والاقوام ودون استثناء، كانوا بهم يستهزئون ويكذبون، لم يكن من أمامهم من طريق في سبيل توصيل الدعوة واكمال الرسالة التى شرفوا بتكاليفها، سوى خيار واحد من خيارين – جعلها الله سنة من سنن الخلق الانسانى – ألا وهو الإختيار فيما بين القتل أو التكذيب.

   وعلى الرغم من ذلك فقد كشف الله عن المصير المهين، وسوء العذاب الرادع الذى حاق بتلك الأمم، وأوضح في جلاء لا يقبل الشك أن تلك النهاية وهذا العقاب، هو مصير كل من يستكبر على الله ويرفض الإستسلام لسلطانه، والإيمان برسله والعمل بشرائعه ورسالاته. 

{إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً }الجن23

 

   كان هذا خبر من قبلنا من أمم القبل، وكيف تحقق حكم الله بينهم عن طريق إرسال الرسل ليحكموا بما أنزل الله ، ويبينوا للناس فيما اختلفوا بشأنه ...

فماذا عن نبأ الذين من بعدنا أى بعد المسلمين؟ هذا هو السؤال!

    ومما لا شك فيه أن الله سبحانه وتعالى لم يبعث برسله ولم تتنزل كتبه لمجرد التتفاخر والاستعلاء، أو للتخويف والارهاب واستعراض القوة واظهار عجز البشر في مواجهة القوي الالهية، بل تظهر لنا كتب الله السماوية أن الله حاول ان يصوغ كلماته، ويبرز قوانينه وأوامره في أبسط صورة، وفي تدرج يناسب مفاهيم الناس حسب مقتضيات المكان والزمان، كما ضرب العديد من الامثلة ليصب تلك الأمور العقلانية والافكار المجردة في قوالب حسية حتى يمكن لكل البشر من الاحاطة بأسرارها وتفهمها. 

«قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا بِأَمْثَال، وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ حِينَ لاَ أُكَلِّمُكُمْ أَيْضًا بِأَمْثَال، بَلْ أُخْبِرُكُمْ عَنِ الآبِ عَلاَنِيَةً.””  يوحنا 16 أية 25

{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }البقرة26   

 

   إلا أننا عندما نحاول أن نتدبر ونتفهم القصد والمراد من آيات الله، نجد أن هناك فجوة معرفية كبيرة بين تلك المقاصد الالهية، وبين تفاسير علماء المسلمين وتأويلاتهم. على سبيل المثال اذا كان الاسلام هو آخر الرسالات الالهية، ولن يصدر – بداهة – عن المسلمين المؤمنين بالقرأن ما إرتكبته الأقوام السابقة من تكذيب واستهزاء وقتل للمرسلين، لأنه وحسب ما يعتقدون بأن الله لن يُبْعَث برسول بعد سيدنا محمد عليه السلام، فلما إذن كل تلك التحذيرات التي فاضت بها آيات القرآن الكريم تنبه وتحذر المسلمين على وجه الخصوص من الوقوع في شرك الضلال والعصيان كما فعلت الأمم السابقة، ولماذا إذا طلب الله منهم أن يسيروا فى الارض لينظروا عاقبة المكذبين؟ وسيقول البعض انها عظة وعبرة، ونقول نعم هى عظة وعبرة دون أدنى شك، ولكن ما هو المغزى والهدف من هذه العبر، إن لم تلقي بظلالها المرعبة على قلوب وعقول الاجيال المتعاقبة من البشر، وتغدو الخشية والخوف من الله مهيمنة على نفوس الناس وأعمالهم في المستقبل، وخصوصا عندما نجد أن الخطاب الرحماني لم يكن موجهاً لإفراد معينين من الأمم السالفة فقط، بل جاء الخطاب عاما وبصيغة الجمع أو الجماعة،  شمل الأمة الإسلامية كلها بكامل شعوبها وطوائفها.

 

{وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }الأنفال21

 

{وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }آل عمران105

 

{وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ … إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }النحل92

 

 

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) الحديد16

  وإذا ما أضفنا إلي كل تلك الآيات الحديث النبوي الشهير “والله لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراع بذراع حتى إذا دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود يا رسول الله .. قال فمن؟!”

    ومن الواضح أن تلك السور التي ذكرناها وكذلك العديد من السور الأخرى التي زخرت بها سور القرآن الكريم كانت تشير إلى إنذارات إلهية شديدة اللهجة، وتنبه عقول الناس وافكارهم، الى تحقق وعود وحدوث أمور ما زالت في غيب الله، ويؤكد الارتباط الوثيق بين تلك الامور الغيبية وبين مجىء الرسل الذين يصطفيهم الله لإطلاعهم على مشيئته وعلى أسرار غيبة.   

{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً }الجن 26 – 27

{ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }آل عمران179

    وتحذر حتى المؤمنين منهم، تحذيرات صارمة لعدم تكرار ما صنعته الأمم السابقة، كي لا يصبح مآلهم، ويضحى مصيرهم، نفس المصير البائس المشئوم لأقوام السالفين. الذين آذوا أنبيائهم وكذبوا رسلهم المكرمين، وسقطوا في مستنقع الغواية والعناد الوبيل، بعد أن ظلوا يجاهرون بمواقفهم الرافضة لرسلهم في استعلاء وتبجح، حتى أنزل الله حكمه – في القرآن الكريم – بعد آلاف السينين مبرأً رسله من كل مانسبوه اليهم ومشيدا بعظمة مقامهم الفريد، فى آية لها دلالة لا يخطأها الوجدان ولا تعمى عنها البصيرة يقول تعالى :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى  فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً }الأحزاب69

والذين كذبوا موسى كانت الأمة السابقة على مجيئه , فمنهم فرعون وهامان ومنهم من كان من المؤمنين برسالة يوسف علية السلام فاتهموا سيدنا موسى علية السلام بالكذب والكفر والسحر 000000 الخ

وقضى الوعد الإلهي يان يجعل من المستضعين المؤمنين برسالاته، الائمة ويجعلهم الوارثيين فيستخلفهم فى الأرض ويجعلهم وارثوا ملكوت الله0

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }الأنبياء105

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ }النور55

ويؤكد التوراة هذا المبدأ ” انجيل متى  ” لذلك اقول لكم ان ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لامة تعمل اثماره ”     متى اصحاح 21 اية 43

   وعلى هذه السنة جاءت ايضا الامة الاسلامية وعليهم ان يعو المراد من سنن الله الازلية والتى أشارت الى نفس المصير الذى حاق بكل أمم الارض دون استثناء قال تعالى :

 

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }

                                                                                           يونس 13 – 14

 

وأيضا للتبشير بدين جديد، له تشريع جديد في كتاب منشور وهو ما استنبأ به المسلمون الاوائل رسولهم محمد حينما سألوا احق هو فأمره الله بقوله :

{وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ }يونس53

هذه هي شهادة شهد بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للرسول الجديد من قبل أن يأتي. والعجيب أن الله عندما انزل آياته، لم ينزل معها مذكرة تفسيرية كما هو الحال دائما في نهاية كل كتب القانون، حيث يلحقون بها كتيب صغير خاص يطلقون عليه مسمى “المذكرة التفسيرية” لتوضح الجوهر أو المغزى المراد فهمة وتطبيقه لمادة أو أكثر من مواد القانون التي وردت في الكتاب. بل ترك للناس جميعا كامل الحرية – كل حسب استعداده – في أن يحاولوا استقراء جوهر هذه الآيات، من مفاهيم وإشارات ومشيئة، وحذر من أن تتحول آياته إلى مجرد كلمات يتلاعبون بألفاظها ومعانيها، ويخضعونها لأهوائهم النفسية، ورغباتهم المادية 

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 39 ( مريم)‏

{ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }البقرة87

 

البشارات بالرسول الجديد

 

 

      وعد الله في صراحة متناهية بمجيء يوم الله الموعود حيث تتوضح في ذلك اليوم المهيب المعاني الخفية التي كنزت في آيات الكتب المقدسة جميعها, والتي وعد بتأويل وتفسير رموزها، وتتحقق كل وعوده وبشاراته والتي سبق وأن تعهد بتحققها.

{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء }الأعراف53

{بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ }  يونس39 

   كما يدين الله بهذه الآيات كل من يسارع إلى التكذيب والإنكار من قبل أن يوضح الله تفسير آياته وتبيان مقاصده وأهدافه، وأنهم لو تمهلوا حتى تأتينهم التأويلات والبينات الإلهية الوافية فسوف يعترف الجميع على اختلاف أديانهم وفرقهم، بأن رسل الله جميعا قد جاءتهم بالحق. 

 

  وسبق وأن أوضحنا  أن الذي أسند إليه في الماضي بمهة الحكم بين الناس بالحق فيما كانوا فيه يختلفون هو رسول من الله، بعث تحت مسميات عدة كما ورد في القرآن الكريم نذكر البعض منها وكما ستوضحة الآيات التالية : رسول – شاهد – مبشر – نذير – داعي – منادى – نور – وهادى – وكلمة – روح – خليفة – بينة – دابة مؤمنه وليست كافرة .

وتحدد سورة الأحزاب الصفات المهمة والأساسية لبعثة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وهي نفس الصفات التي حكت عن رسل الله السابقين تقول : 

 {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} .     

                                                                                     الأحزاب آية 45 – 46

وفي سورة النساء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا}.

                                                                                      النساء آية 174

 وجاء في سورة الأحقاف {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الأحقاف آية 31

 وجاء في سورة النساء آية 193 وآل عمران آية 45 بأن السيد المسيح كلمة وجمعها كلمات…… الخ مما ورد في القرآن الكريم.

 كل هذه الأسماء وصفت بها الرسل منذ فجر الرسالات الإلهية، وسوف تتحقق أيضا في المستقبل كما يظهر أمام بصائرنا في سورة ق والتي وعدت بمجيء “المنادى” القادم في المستقبل.

 يقول تعالى في سورة ق {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} ق آية 41- 42

ومن المؤكد أن هذا الخطاب كان موجها إلى الرسول الكريم لترقب أمر هام ما زال في علم الغيب وسوف بتحقق في المستقبل، وموجها بالتبعية إلى أمته من بعده لانتظاره والاستعداد له إذا لم يتحقق هذا الأمر في حياته. وفي هذه الآية تطالعنا ثلاثة حالات “منادى – صيحة – خروج” وجميعها وقعت وتحققت في الماضي عن طريق رسل من الله ، وسوف نحاول أن نتفهم المعنى المراد من كل حالة من هذه الحالات الثلاث، وعلى ألا نخرج عن بنفس المنهج الذي اتبعناه في سابق حواراتنا ألا وهو الاستدلال عن طريق الآيات التي وردت في كتاب الله نفسه.

معنى كلمة المناد : تبين سورة آل عمران دون أي محاولة للتفسير أو التوضيح أن المعنى الصحيح من كلمة المناد هو رسول الهي يدعو للأيمان بالله  حيث توجب على الناس الطاعة له والإيمان برسالته يقول تعالى :

{رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ }آل عمران193

المعنى المراد من كلمة الصيحة :  طالما فهم المفسرون أن الصيحة هي بعض أنواع العقاب والعذاب الذي سبق وأن أرسله الله علي الكافرين والمكذبين برسله ورسالاته.

 قال تعالى في سورة العنكبوت {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} العنكبوت آية 40

 وفى سورة هود {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } هود آية 67

{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ }القمر31

   وفي يقيني أن هذا التفسير على الرغم من وجاهته إلا أنه تفسير قاصر لأنه فصل فيما بين العلة والنتيجة. أي بين مجيء رسل الله وبين العقاب الذي حاق بالمكذبين، كما جاء في السورة السابقة – فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ – ولو أننا جمعنا وقرنّا فيما بينهما وما ترتب على تتابعهما من نتائج، لرأينا في جلاء رائع المعنى الحقيقي لكلمة الصيحة. وأن الصيحة هي صيحة الحق التي لا يطلقها إلا رسل الله المكرمين منادين للناس للأيمان مبشرين بالنجاح والفلاح لمن آمنوا، ومتوعدين بالعذاب والبوار للكافرين والمكذبين.

{مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15

    ومن المؤسف أن تفاسير كلمة الخروج لم تبتعد كثيرا عن نفس المفاهيم القاصرة السابقة ودارت جميعها حول الخروج من الأجداث أي خروج الموتى من أكفانهم يوم القيامة لتلقي حسابهم من مكافئة وجزاء على ما أدوه من أعمال.

    إلا أن القرآن الكريم يوضح لنا معنى آخر لكلمة الخروج أكثر رحابة وأعظم أملا لجموع البشر، يجعلهم أكثر فهما واستعدادا لمجيء يوم الدينونه العظيم.

وتتوالى الآيات البينات توضح في صراحة أن المقصود من الخروج هو خروجُ العبد عن الوهم و التّقليد و التَّفَرُّسُ فی مظاهر الصُّنع بنظر التّوحيد و المشاهَدةُ فی کلّ الأمور بالبصر الحديد *

{اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة257

 

——————————–

*المرجع- من كتاب مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله نزلت بعد كتاب الأقدس نشر بلجيكا 1980 م

{يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }المائدة16

{الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} إبراهيم آية 1

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} إبراهيم آية 5  

   كان ذلك هو المعنى لكلمة الخروج في ماضي الزمن كما أوضحته الآيات، فهل سيختلف المعنى المقصود من توالي الرسالات الإلهية، وعملية خروج الناس من الظلمات العقائدية إلى نور الهداية الربانية عن المعنى الذي ستحمله الأقدار لنا المستقبل.

  ومع ذلك لا اعتقد أن إنسانا ما يؤمن بالله الواحد الأحد، سوف يشك ولو للحظة عابرة، أن واضع النظم البديع لهذه الأكوان اللامتناهية، سوف يبدل سننه الأزلية الثابتة والمستمرة، وأنها سوف تتواصل على نفس النسق، وفي ذات الإطار الإلهي البديع. وأن المقاييس والقوانين التي شرعت منذ الأزل كسنة إلهية لن تتغير ولن تتبدل على مر العصور والأزمان.

 

 

 

بشارات الرسول الجديد

في التوراة والإنجيل

 

   جاءت أولى تلك البشارات عن مقدم رسول هذا العصر الجديد في كتاب التوراة في سفر التثنية إِصحاح 33 “وهذه البركة التي بارك بها رجل الله موسى لبنى إِسرائيل قبل موته فقال (… جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فيران وأتى من ربوات القدس وعن يمنه نار شريعة له…) 

   فإِذا تأملنا هذا النص نجد بأنها تشير إلى مجيء الرب من أربع جهات من الأرض المسكونة، تبدأ من سيناء، حيث تنزلت فيه الرسالة علي موسى واستقر فيها مع قومه بعد خروجهم من مصر مدة أربعين عامًا. وأشرق من سعير إشارة إلى ظهور السيد المسيح، وتلألأ من جبل فاران تدليلا على بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وآتى من ربوات القدس، في إشارة إلى أن الدعوة الكبرى العامة سوف تعلن من ربوات القدس، أرض الميعاد،

 أرض النبيين والمرسلين، أرض الحوض الجرعاء، أرض الملحمة العظمى، كما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة. وهي نفس الأرض المقدسة التي أعلن حضرة بهاء الله منها دعوته إلى العالم.

   والذي سوف نعرض على حضراتكم موجزا لحياته، وللآلام، والنكبات التي عاناها وكابدها هو وأسرته – بمجرد إعلان رسالته السماوية – خلال مراحل السجن والنفي والإبعاد المتكرر من وطنه بداية من سنة 1853 وبأوامر مباشرة من حكومة الشاه والسلطة الدينية الشيعية في إيران، واستمرت لمدة أربعين سنة متواصلة، تم نفيه خلالها إلى العراق التابعة للدولة التركية في ذلك الوقت، وهي مرحلة استمرت  لمدة عشر سنوات، ومن بعدها إلى اسطنبول حاضرة الدولة العثمانية السنية، ومنها إلى أدرنه على الجهة الشرقية من أوروبا، إلى أن وصل إلى هذا المكان المقدس في فلسطين مكبلا بالأغلال ومسجونا في مدينة عكا والتي عرفت بمستعمرة القصاص، ولمدة بلغت تسعة وعشرون عاما في هذه المدينة وحدها، إلى أن صعد إلى الملأ الأعلى في عام 1892 م

    ومن التوراة أيضا يعلن سفر أشيعيا في صراحة غير مسبوقة عن المكان الذي سيتألق بأنواره، ويعطي مفتاح الاسم الجديد الذي سيعرف به في العالم وهو أسم بهاء الله وأن المكان الذي سيتشرف بوجوده هي أرض فلسطين حيث أورشليم القدس وحيث جبل الكرمل مهبط الرسل ومقصد الأنبياء .

 

1تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. 2يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ. يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَجْدُ لُبْنَانَ. بَهَاءُ كَرْمَلَ وَشَارُونَ. هُمْ يَرَوْنَ مَجْدَ الرَّبِّ، بَهَاءَ إِلهِنَا. 

                                                                       أشعيا ص 35 عد 1 – 2

 

فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ غُصْنُ الرَّبِّ بَهَاءً وَمَجْدًا، وَثَمَرُ الأَرْضِ فَخْرًا وَزِينَةً لِلنَّاجِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ.

                                                                                      أشعياء ص 4  عدد 2

    وهي نفس الأرض المباركة ونفس إشارات الاسم الجديد التي ذكرت في رؤيا يوحنا الإصحاح الثالث 

وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ. رؤيا يوحنا إصحاح 3 / 12

     وكشف سفر صفنيا في التوراة عن حتمية هذا المجيء الإلهي، ولكنه يشدد في كلمات عميقة المغزى على السرعة الفائقة لبروز تلك العملية والتي يبدو من تحذيراتها أن البشر سيظلوا غافلين تماما عن أحداثها التي ستكشف عنها الأيام في المستقبل القريب.   

7« اُسْكُتْ قُدَّامَ السَّيِّدِ الرَّبِّ، لأَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ قَرِيبٌ…. 14 قَرِيبٌ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمِ. قَرِيبٌ وَسَرِيعٌ جِدًّا.   صفنيا إصحاح 1عدد7 و 14   

 وأكد حضرة المسيح مرة أخرى في عبارات تنويرية رائعة،  ذلك التقدير الإلهي المسبق لهذا المجيء العظيم.

«إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. 13وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ». يوحنا إصحاح 16عدد 12 -13

    وسيتزامن هذا المجيء مع إنسانية قاربت على بلوغ رشدها، وبلغت شأوا كبيرا في مضمار العلم والمعرفة، وأصبحت قادرة على استيعاب الأمور الروحانية الشديدة السمو، وفهم وإدراك المعاني والحقائق الغيبية البالغة الصعوبة بالنسية للعقل البشري.      

   ومع ذلك لا بد وأن ننتبه إلى أن روح الحق هذا والذي سيرشد إلى جميع الحق، والذي سيبعثه الله ويأتي إلى هذا العالم البشري لابد وأن  يبعث على  صورة إنسان – حسب السنن الإلهية القديمة – له أذن ولسان يسمع ويتكلم كما أشارت الآيات، وليس كما فسرها البعض بأنه روح القدس الذي حل على التلاميذ بعد صلب السيد المسيح ولم يتفهموا معانيها الصحيحة في ظهور رسول جديد وحكم جديد، لأن روح القدس كانت معهم أثناء وجود المسيح مع تلاميذه قبل صعوده.

وسوف يأتي هذا المبارك  باسم الرب كما جاء في سفر متى

 

 

«يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! 38هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا. 39لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَني مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!».  

                                                          متى إصحاح 23 عدد 37

 

    ويتحدث بولس في سفر العبرانيين، عن هذا اليوم، على أنه يوم نهاية النبوات موصيا على أهمية أن يتحلى الناس بالصبر والحكمة، فلا يفقدوا أو تتراخى يقظتهم، أو يغطوا في سبات غفلتهم، فلا ينتبهوا لاقتراب الميعاد وظهور الموعود (…36لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ. 37لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيل جِدًّا «سَيَأْتِي الآتِي وَلاَ يُبْطِئُ….) العبرانيين إصحاح 10عدد  36 – 37 

 وكذلك يقول في رسالته إلى أهل كورنثوس :  “المحبة لا تسقط أبدا. وأما النبوات فستبطل والألسنة فستنتهي والعلم فسيبطل لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ . ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض.”    إصحاح 13 عدد 9 – 10

    وقوله أننا نعلم بعض العلم أي جزء من العلم وليس العلم كله، ثم بشر بمن سيأتي ووصفه بأنه الكامل وليس هناك كامل غير الرسل الذين يكونون مرآة للحق جل وعلا، ووعد ساعتها بأن تبطل التكهنات القاصرة وتنتفي النبوءات الضبابية الغير واضحة ويظهر العلم كاملا لأول مرة. وعندها تظهر النهاية ويخضع الكل لسلطان الله الواحد القهار، ويتآلف الجميع في وحدة إنسانية واحدة دون تمييز من عرق أو لون أو جنس، ويؤمنوا بديانة واحدة، وتحت مسمى الهي واحد، ولا يبقى سوى {وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }الرحمن27

 كما جاء في نفس السفر رسالة كورنثوس الأولى     

24وَبَعْدَ ذلِكَ النِّهَايَةُ، مَتَى سَلَّمَ الْمُلْكَ ِللهِ الآبِ، مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ. … 28وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ.إصحاح 15 عدد 24 و 28

   هذا بعض ما جاء في كل من التوراة والإنجيل لتعلن في غاية الصراحة والوضوح عن مقدم شخصية إلهية عظيمة القدر فائقة السمو، ليجمع أشتات إنسانية متناحرة مثخنة بالجراح، ويخلص العالم من محنه ونكباته التي تعصف بأرجائه، ويداوي بالمحبة والسلام علله وأوجاعه المستعصية، وليمنح كل المعذبين في الأرض صُورا مشرقة، عامرة بالأمل والرجاء حيث يصبح العالم الإنساني جنساً واحداً بلا تفرقة أو تمييز حتى للإماء والعبيد.

” فيقضى بين الأمم وينصـف لشعوب كثيرين .. فيطبعون سيوفهـم سككـا ورماحهم مناجل لا ترفع أمه على أمه سيفا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد”   أشعيا 2 : 4

 

   “بل يقضى بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه ” أشعيا 11 : 4

 

   “وعلى العبيد أيضًا وعلى الإماء أسكب روحي في تلك الأيام.” يوئيل   2 : 29

 

بشارات الرسول الجديد

 

في القرآن الكريم

 

     أما الإشارات والبشارات والتي حفلت بها آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية المطهرة عن ذلك الموضوع ومجيء رسول في المستقبل فعديدة لا حصر لها. وعندما نحاول بداية  فهم المعاني الدقيقة للفظة البشارة، نجد أن كتب الله المقدسة قد قرنت ” الشهادة – والبشارة – والإنذار” مع تكاليف الرسالة، ومهام المرسلين، في وحدة واحدة، وفي صلات غيبية لا تنفصم عراها، حتى أصبحت دلالة شديدة الأهمية على وظيفة كل نبي ورسول.

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً }الفتح8

{رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}النساء165

 

ونقرأ من كتاب النبأ العظيم – لمحمد مصطفي

 

 

 ( يقول القرآن الكريم أن سيدنا محمد كان شاهدا : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ … }المائدة48

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } المائدة46

هذه النصوص المباركة واضحة في تقرير حقيقتين

الأولى : أن كل رسول لاحق يصدق بالرسول السابق.

الثانية  : أن حقيقة الرسول السابق تظل موضع النزاع والجدال حتى يأتي الرسول اللاحق فيشهد له.

    فسيدنا موسى كان حقّا من عند الله ولكن سيدنا عيسى هو الذي جاء من عند الله شاهدا له وللتوراة. ثم أصبح الناس أمام طائفتين – اليهود والمسيحيين – كل منهما تحط من شأن الأخرى وترميها بالبطلان:

 {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } البقرة 113 

فجاء سيدنا محمد “صلعم” مصدقا بموسى وبعيسى وشاهدا لهما وللتوراة والإنجيل. وقياسا على

هذا – وهو سنة الله – يكون من المحقق ظهور شاهد من عند الله ليشهد لمحمد “صلعم”

 وللقرآن الكريم بمثل ما شهد محمد عليه السلام للسابقين. كذلك الحال كان جميع أنبياء الله ورسله مبشرين ومنذرين.

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ }البقرة213

{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ } الأنعام48

يتبين من هذا أن الشهادة والتبشير والإنذار هي وظيفة كل نبي ورسول بلا استثناء .) (1)

 

   وعندما نستقرأ آيات الله في القرآن الكريم ونحاول فهم ما تعنيه لفظة البشارة والتبشير نجد أنها تشير في جلاء إلى مجيء رسل الله في تعاقب وتتابع مستمر مصحوبة بإنذارات شديدة لكل من يعترض عليهم. فسيدنا إبراهيم عليه السلام قد بشره الله بإسماعيل واسحق وأنه سيباركهما ويجعل من كل منهما أمة عظيمة.

    وجاء سيدنا موسى ليبشر الناس بظهور حضرة المسيح الرئيس من بعده، وقام سيدنا عيسى ليعلن بشارة ظهور رسول كريم يأتي من بعده اسمه احمد. 

   والسبيل إلى فهم هذه الحقيقة هو الرجوع إلى كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال تعالى في العديد من الآيات :

{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ ِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}  آل عمران 38 و 39

{إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } آل عمران45

 

 

{وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ }هود71

{يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً }مريم7

   ومرة أخرى نطالع في كتاب النبأ العظيم  لمحمد مصطفي : 

(ونقرأ نفس البشارات في التوراة والإنجيل والقرآن. فلماذا إذا كانت مجرد ولادة يحيي وعيسى بشارة من الله للناس؟ أليس لانّ يحيي قدّر له أن يكون نبيا وعيسى أن يكون كلمة الله؟

وعندما نتذكر أن سيدنا يعقوب، قد كان له اثني عشر ولدا، ولكن من بين هؤلاء الإثنى عشر كان سيدنا يوسف وحده هو البشارة لأنه كان مقدرا له أن يكون نبيا.

 

———————————-

(1) من كتاب النبأ العظيم – محمد مصطفي –  ص 38

وإذا قارنا ذلك بابن سيدنا نوح الذي نفى الله عنه الصلة بأهله : { قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } هود46

   لفهمنا من ذلك, وأدركنا أن المراد بالبشارة هو ظهور رسول أو نبي جديد. وبناء على ذلك فكون سيدنا محمد مُبَشّر فمعناه أن من وظائف رسالته المباركة التبشير بمن يظهر من بعده تحت أوصاف المهدي ونزول عيسى روح الله. وكما جعل الله ظهور الرسل والأنبياء موضع البشارة بفضله لخلقه، كذلك جعل الإعراض عنهم والاعتراض عليهم، وعدم الإذعان لأمرهم موضع الإنذار والتحذير الشديد من الدمار والبوار الذي يصيب المعرضين.) (1) 

 

   وعلينا أن نؤمن ونصدق أن آيات القران التى توالت محملة بالبشارات والوعدود والانذارات قد جاءت لنا تماما كما جاءت لمن قبلنا. حيث قال تعالى فى ايات بديعة مذكرا ومحذرا الناس والمؤمنين فى منتهى الصراحة والوضوح بأنهم لا يتوقعوا من الله شيئا الا سنن الله التى صدقت وجرت على السابقين وستصدق وتجرى علي اللاحقين من البشر0

(َهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) فاطر43

(فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ) يونس102

   وعندما نتدبر الحكمة الالهية من استمرارية سريان سنن الاولين والغابرين علينا نحن المحدثين مع الفارق الكبير بيننا وبينهم في كل ضروب العلم والمعارفة، وخضوعنا لنفس القانون وعين الناموس القديم؟ سيتضح أمام بصائرنا ان هذه المساواة فى الاحكام بين خلق الله هى عين العدالة الالهية فى اروع صورها لانه لو حكم الله على الاولين بقانون ثم حكم على المحدثين بقانون آخر لحسبنا ان الله يكيل للناس بمكيالين ولما تساوت الموازين بين البشر ولما ظهرت الوحدانية الالهية فى وحدة ذلك المنهج الالهى العادل.

 

 

مزيد من البراهين

 

 

 

 

 

 

    وأرجو أن نتأمل معا ما جاء في سورة البقرة {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أفككما جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى

أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} البقرة آية 87 

   تعتبر هذه الآية من أهم الآيات المباركة التي توضح منهج استمرارية الرسالات وتوالي

 

—————————

(1) من كتاب النبأ العظيم – محمد مصطفي – ص 39

بعثة الرسل، ومنها يتبين أن هناك وعد بمجيء عدد من الرسل بعد سيدنا موسى وبنص كلمات الآية، على الرغم من أنه  لم يظهر من بعد موسى سوى حضرة المسيح وسيدنا محمد عليهما السلام وهما رسولين فقط. فجاءت كلمة “الرسل” في صيغة الجمع وتعنى اكثر من رسول،  ولا يمكن لانسان الشك – كما سبق وذكرنا – في أن الله الكامل منزل القرآن قد غاب عن علمه الفرق فيما بين المفرد والمثنى والجمع، وليكتشف الإنسان العاجز أن الله أثبت كلمة في غير موضعها، ثم تبين للعلماء الأجلاء! أنه لم يكن يقصد معناها اللغوي المتعارف عليه، وأنهم بعلومهم وبقواعدهم اللغوية التي استنبطوا قواعدها من نصوص قرآنه المجيد قد عدلوا! وصححوا! ما سها عنه سبحانه وتعالى. وكذلك سبق وأشرنا إلى الدقة المتناهية لمعاني كلمات القرآن ومقاصد ألفاظه والتي تسمو بعيدا دون شك عن معميات الترادف وتعميم معانيها

.. لذلك لابد وأن نؤمن ونوقن من ظهور سلسلة لا تتوانى ولا تنقطع من رسل الله المكرمين بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، افتتحها حضرة بهاء الله موعود كل الأمم – حيث وعدت بظهوره كل رسالات الله السابقة – بإعلان رسالته العلنية في الواحد والعشرون من ابريل سنة 1863.

 

ويقول تعالى في سورة البينةأية “1 – 4″                                                                                               

 

  “{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رسول من الله  يتلو صحفاً مطهرة. فيها كتب قيمة وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}

 

   ونفهم أيضا من هذه السورة أن الذين كفروا من أهل الكتاب “اليهود والنصارى” سيستمرون في كفرهم وكذلك المشركين في شركهم حتى تأتيهم البينة وصيغة “حتى تأتيهم” تدل على حدوث أمر مهم سوف يتحقق في المستقبل وهو مجيء البينة التي هي رسول من الله بل وتحدد في أعجاز واضح أن هذا الرسول سيتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة – ليس كتابا واحدا – على خلاف سنن المرسلين من رسل الله السابقين والذين حمل كل منهم كتاب واحد.

 

   إلا أن أكثر المفسرين ذهبوا في تفاسيرهم لمعنى “حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ” إلى أنها أتت في الماضي بمعنى آتتهم بظهور سيدنا محمد عليه السلام، أي أنهم فسروا أمور المستقبل على أنها من ذكريات الماضي. ويصعب جدا أن يستقيم مثل هذا القول مع منطق الآية المباركة في مبناها ومعناها، ويصعب أيضا أن يستقيم مع قواعد اللغة، والقواعد تقول في “حَتَّى تَأْتِيَهُمُ” أنها بمعنى تأتيهم في المستقبل. لأن “حتى” تفيد التراخي، إذا فالفرق كبير بين الشيء المفروض

حدوثه في المستقبل وبين أن يقول عن هذا الشيء أنه قد تم في الماضي وحدث. وقد لا يحتاج الإنسان إلى جهد كبير في فهم الآية المباركة فقد رتبها الله تعالى بحيث تفسر نفسها بنفسها.

 

   ومن هذا نخرج بالنتائج الآتية : أن سيدنا محمد صلعم لم يكن هو المقصود في هذه الآية وإلا لقالت حتى أتتهم البينة. إن الكتاب الذي نزل على سيدنا محمد صلعم أي القرآن لم يكن صحفا.لان القرآن كتاب واحد والآية تشير إلى كتب قيمة أي أكثر من كتاب.

 

   ويجدر بنا الانتباه إلى أن هذا الرسول القادم “البينة” لن يبعث إلى أمة بعينها أو شعب بذاته بل ستكون رسالته عالمية وسيوجه خطابه إلى كل أمم الأرض على اختلاف أديانها وألوانها وأجناسها وأعراقها وليبين لكل البشر كل ما كانوا فيه يختلفون.

“فيقضى بين شعوبٍ كثيرين ينصف لأممٍ قويةٍ بعيدةٍ فيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل لا ترفع أمَّةٌ على أمَّةٍ سيفًا ولا يتعلَّمون الحرب في ما بعد.”   ميخا4: 1-7

 

   كذلك قال تعالى فى القران الكريم : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }البقرة143

 

   وسبق أن اوضحنا أن لفظة وسط هي حال بين سابق ولاحق، أي أمم قبلكم وأمم بعدكم ولم تعنى بأي حال أن الأمة الإسلامية هي آخر الامم أو انها جاءت وسطية في مكارم الأخلاق وعدم الغلو في الدين والتدين كما حاول البعض تفسيرها0 وينطبق على صريح الآية أن المسلمين المؤمنين أي الحافظين لكتاب الله ، والعامين بما جاء فى القرآن من شرائع وأوامر وإحكام، سيكونوا شهداء علي الناس، وسيكون الرسول عليهم رقيبا كما قال تعالى في سورة المائدة : {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }المائدة44

   واسمحوا لي أن اذكر سورتين من سور القرآن الكريم حملت الاولي بشارة مؤكدة صريحة وعلنية عن مجيء رسول أمر فيها الله رسولة بأن يعلنها للناس وهي سورة الجن.

 

 

 حيث يقول تعالي : {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً … وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً }  الجن  1 و 5

 

{وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً … وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } الجن 7 – 10 – 25 – 27  

    وأعتقد أن الآيات من الوضوح بما لا تحتاج إلى أي شرح أو تفسير وأنها تشير بكل تأكيد إلى أمور مازالت في غيب الله وأنها لن تحدث في حياة الرسول وحكم أيضا بأنه سبحانه وتعالى لن يطلع على غيبه إلا من يرتضي من الرسل.

 

   بينما حملت السورة الثانية وهي سورة القمر تلويحا وتحذيرا مغلفا بكثير من الرجاء والأمل بأن ينتبه البشر إلى سنن الله وألا يعترضوا ويتبعوا أهوائهم ويكذبوا رسله رغم ما جاءهم من الأنباء والنذر كما فعل السابقون. عندما كذبت من قبلهم أربعة أقوام سابقة هم قوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود وقوم لوط وفي كل مرة كان يأخذهم بالعقاب والعذاب وترك آثارهم آية خالدة وعبرة وعظة للناس، ويكرر في أكثر مرة آية لها مغزى عميق أرجو أن ننتبه إليها  “… وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ” وهو ما يعنى أن الله ما فرط في الكتاب من شيء وجعل كتابه الخالد ميسورا ومتاحا للكل ولكنه سبحانه وتعالى يتساءل في شك وأسف كبيرين عما إذا كان هناك من الناس من سيتذكر تلك العظات ويتجنب مصير السالفين.

   بقيت حقيقة ساطعة لا بد من أن اذكرها وردت في كتاب ” النبأ العظيم لمحمد مصطفى” لأن لها دلالة بالغة الأهمية وتضفي على الموضوع بعدا عميقا لا يقل أثرا عما ذكرناه من قبل. كتب يقول :

   فعلى الرغم من (إصرار كل الأمم السابقة بختمية أو أبدية رسولها ورسالتها فان هذا الإصرار لم يمنع تتابع الرسالات وتدفق الفضل الالهى ومن أن الحقيقة نسبية وليست مطلقة {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85

   وهذا العلم القليل أي النسبي الذي يفيض به الله على الأمم تباعا وفي مقادير متزايدة، إنما تقارن قلته بما عند الله في خزائن العلم والقدرة التي لا ينضب لها معين ولا ينفذ لها أثر :

 {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } الكهف109

بل وأكثر من هذا إطلاقا وتأكيدا قوله تعالى : {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } لقمان27 

وبديهي أن كلمات الله ليست مثل الكلام الذي نتكلم به – أنا وأنت – وإنما كل كلمة من الله وحي كامل لدورة كاملة لأجل محدود. قال تعالى : {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ }

                                                                                              آل عمران45 

   فسيدنا عيسى عليه السلام مع جلال رسالته وعظمة آثاره لم يكن في نظر الحق جل وعلا سوى كلمة واحدة من كلماته التي لا نفاذ لها. وهكذا كان آدم ونوح وإبراهيم وموسى ومحمد وسائر الأنبياء من أولي العزم، عليهم جميعا صلوات الله وسلامه – كل واحد منهم كان كلمة واحدة – كلمة تامة مباركة أحيت الأرواح ونشرت نفحات الله في الأرجاء، فالتصور بعد هذا كله، بأن سيدنا محمد صلعم هو الخاتم بمعنى أنه يظهر من بعده رسول جديد – مثل هذا التصور لا يختلف عن من يقول بأن كلمات الله تنفذ والعياذ بالله.

   وانظر أيضا إلى الكتب الإلهية المقدسة ” القرآن والإنجيل والزبور والتوراة ” إنها كلمات الله، فإذا كانت هي كل ما عند الله من الكلمات لكانت زجاجة حبر واحدة كافيه لكتابتها جميعا، ولأصبح البحر أو السبعة أبحر من المداد، وما في الأرض من شجر أقلام، عبارة عن إنشاء بديع فيه لطافة المبالغة فهل يتصور هذا في حق العزيز الحكيم؟ بل أستغفر الله عن مجرد هذا التصور. فآياته المباركة تامات محكمات لا تأتيها المبالغة من بين ظاهرها ولا من باطنها، ولا ترتفع إلى سماء مناعتها وجلالها وقدسيتها عناكب الأوهام.

   أنها تقرر حقيقة أراد الله تعالى بفضله أن يتذكر بها الناس وهى أن كل كلمة من كلماته المباركة العليا هي رسالة كاملة لدورة كاملة لأجل مسمى، وأنها تتجلى في هيكل رسله المكرمين من الأول الذي لا أول له إلى الآخر الذي لا آخر له، بحيث تنفذ بحور المداد وأشجار الأقلام وكلماته هاطلة كالغيث المدرار من سماء الفضل بلا نفاذ. فسبحان منزلها ومظهرها ومجليها أزلا سرمدا أبدا. 

 

   ومن المؤسف حقا أن يذهب فريق من القائلين بختمية الرسالة في تصورهم بأن المراد بالكلمات المشار إليها في الآيات المباركة هي العلوم والمعارف والفنون والنظم التي يتوهمون قدرتهم علي استنباطها من آيات الكتاب تبعا لتطور الزمن أو يظنون إمكان الوصول إليها بحكم تقدم العلم كأننا بهم وبأمثالهم يقولون حسبنا ما لدينا ولا حاجة لنا بكلمات أخرى من عند الله. فهم بهذا يشلون جهاز التفكير من حيث يريدون تنشيطه، ويبعدون الناس عن ترقب فضل الهي جديد من حيث يظنون أنهم يقربونهم إلى الله. 

   فيا للعجب كيف تحتجب الأعين عن الضياء وفيها قوة البصر وكيف يشكل الأمر ويختلط على الأفهام وفيها قوة التمييز. ولذلك يقول الله في صراحة :

 {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85

{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }الحجر21

“قل كلمة اللّه لن تشتبه بكلمات خلقه انّها سلطان الكلمات كما انّ نفسه سلطان النّفوس وأمره مهيمن علی ما كان” بهاء الله سورة الهيكل ) (1)

 

—————————

(1)النبأ العظيم – محمد مصطفى – ص 44 – 46

الفصـل الرابـع

 

بشارات الرسول الجديد

 

في الأحاديث النبوية

 

 

    وقد ترك لنا النبي الكريم محمد صلعم والأئمة الأطهار فيضا لا يحصى من النبوءات عن الموعود المنتظر، وتطرقت الأحاديث الشريفة المتفق عليها لدى أهل السنة والجماعة ولدى الشيعة الأمامية إلى أحوال الدنيا – بالتصريح مرة وبالتلويح مرات أخرى عديدة – وإلى الظروف المرافقة لظهور المهدي المنتظر ورجعة المسيح من حيث المكان والوقت وأمور أخرى خاصة بدعوته.   

  وجاءت الأحاديث النبوية الموثقة مطابقة تمامًا لما جاء بالقرآن الكريم وقد روى أحاديث خروج المهدي ورجعة المسيح جماعة من خيار الصحابة والتابعين منهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب وسبطيه الحسن والحسين وأبى سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود والسيدة أم سلمه وثوبان وعبد الله بن الحرث بن الزبيدي وأبو هريرة وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله الأنصاري وعثمان بن عفان والكثيرين من الصحابة والتابعين الأجلاء. “ولمزيد من المعرفة يمكن  مراجعة الهوامش في نهاية الكتاب”.

  كما أخرجها كبار المحدثين كالبخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي وابن ماجة والطبراني وأبى يعلى والبزاز والإمام أحمد بن حنبل والحاكم، رضي الله عنهم أجمعين.

 

1 – مكان الظهور المقدس

أرض المحشر

 

 

   من المسلمات البديهية أنه عندما يعلن رسول من رسل الله دعوته فلابد وأن يحتشد من حوله ويجتمع تحت رايته الكثير من المؤمنين برسالته، ليقودهم من نصر عظيم إلى نصر أعظم إلى أن يتم الله أمرة ويخضع الكل للمشيئة الإلهية ويكتمل نوره في كل الأرجاء. وهذا ما المح إليه القرآن الكريم عندما تحدث عن جموع المؤمنين في كل رسالة بكلمة الحشر، وأطلق على المكان الذي سيحتشدون فيه “أرض المحشر” وهي سنة إلهية أزلية حدثت في الماضي.

{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} . سورة النمل 17

{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} سورة الحشر 2

 

    وسوف تستمر تلك السنة الأزلية في المستقبل وسيخضع لقوانينها البشر وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

{وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }الأنعام51

وفي سورة مريم {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} سورة مريم آية 85  

 

   وبفضل من الله لم يترك عباده يتخبطون في بيداء الجهالة والعمى، واستبق الزمن وبشر سبحانه وتعالى رسوله الكريم وأنبأه في إشارات شديدة الوضوح إلى المكان الذي سيعلو منه النداء في اليوم الآخر أو يوم القيامة المرتقبة بآيات صريحة في القرآن الكريم وحددها تمامًا بقوله في سورة الإسراء : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الإسراء1

   فقد أسرى بحضرة الرسول إلى المكان الذي سوف يرتفع منه النداء الأعلى ليرى ويبصر بنفسه أرض الميعاد كما أن كلمة حوله تشير إلى البقاع المقدسة التي حول بيت المقدس والأرض التي تحيطه، بما فيها ربوات الشام والتي كانت تمتد من غزّة إلى أنطاكيا.

 

   وكان الرسول الكريم قبل حادثة الإسراء العظيم قد زار الشام مرتين وهو فتى في مقتبل الشباب مع عمه أبو طالب وتطلعت روحه المتعلقة بخبر السماء إلى هذه البلاد واسترجع كل ما دار فيها وما سيدور من أحداث جسام.

    وإليها أشار القرآن الكريم ومن قبله التوراة والإنجيل إلى عظمة هذا المكان وجلال شأنه، وهناك أمر الله رسوله موسى عندما قربه الله ليعلنه بالرسالة الملقاة على عاتقه، بأن يخلع نعليه لأنه بالوادي المقدس كما ورد في سورة طه قوله تعالى:

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى  {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى }  طه 11 – 13

   وبالطبع نفهم أن هذا الوادي لم يتقدس بمجيء سيدنا موسى عليه السلام وإلا لما أمره الله سبحانه وتعالى بأن يخلع نعليه، ولكن لأن هذا المكان كان مقدسا من قبل موسى عليه السلام.    وقريبًا من هذا المكان سكن بنو إسرائيل، واليه أيضًا هاجر إبراهيم أبو الأنبياء ونبي الله لوط ابن أخيه وأغلب أنبياء بنى إسرائيل. وإلى هذا المكان قصد زرادشت النبي من إيران إلى فلسطين وتقابل مع أشعياء وغيره من أنبياء بنى إسرائيل.  وفي ربوعه دوت صيحة يحيى بن زكريا الملقب بيوحنا المعمدان بقوله: “توبوا فقد أقترب ملكوت السموات”

  وفوق أرضها جاءت البشرى بولادة المسيح عيسى بن مريم، ومنها أعلن المسيح له المجد رسالته وارتفعت كلمته فوق ربوع أورشليم والجليل وحول بحيرة طبريا إلى نهاية بعثته على الأرض. 

   قال الإمام السيوطي في تفسيره عن المكان القريب:  “واستمع يوم ينادى المناد من مكان قريب” ذلك المكان القريب من السماء هو صخرة بيت المقدس أقرب موضع من الأرض والسماء.

  وروى أبو داود عن أبى الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام.

 

 

 

 

    وروى عن عبد الملك بن حبيب أنه قال: حدثني من أثق به أن الله عز وجل قال للشام:

 “أنت صفوتي من أرضى وبلادي يسكنك خيرتي من خلقي وإليك المحشر من خرج منك رغبة عنك فبسخط منى ومن دخلك رغبة فيك فبرضى منى دخلك” هذا ما قيل عن الشام.

 

    وأورد الإمام عبد الوهاب الشعراني في كتاب اليواقيت والجواهر ما يلي عن سيدنا محمد عليه السلام قوله “ويقتلون كلهم ( يعنى أصحاب القائم ) إلا واحد منهم  ينزل في مرج عكاء في المأدبة الإلهية”  

    ويذكر مؤلف كتاب “هذا ما وعد الرحمن” عددا من الأحاديث النبوية عن مدينة عكا والتي عدد الرسول محاسنها وفضلها على سائر البلاد كتب يقول : “إن عكاء مدينة بالشام قد اختصها الله برحمته … وأن أفضل السواحل عسقلان، وإن عكاء أفضل من عسقلان، وفضل عكاء على عسقلان وعلى جميع السواحل كفضل محمد على جميع الأنبياء.

   ألا أخبركم بمدينة بين جبلين في الشام وسط المرج يقال لها عكاء. ألا وان من دخلها راغبا فيها وفي زيارتها غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. 

     إن في السواحل مدينة معلقة تحت ساق العرش يقال لها عكاء من باب فيها مرابطا احتسابا لله تعالى كتب الله له ثواب الصابرين والقائمين والراكعين والساجدين ليوم القيامة.

   ألا أخبركم بمدينة على شاطئ البحر بيضاء حسن بياضها عند الله تعالى يقال لها عكاء … ألا وان من أذن فيها كان له مد صوته في الجنة … ألا وان في الجنة ملوكا وسادات ، وفقراء عكا ملوك الجنة وساداتها. وان شهرا في عكاء أفضل من ألف سنة في غيرها … طوبى لمن زار عكاء وطوبى لمن زار زائر عكاء” (1)

 

                 2 – علامات المهدي والمسيح روح الله

 

   قال أمير المؤمنين على بن أبى طالب في خطبة وهو على منبر الكوفة: اعلموا أن الأرض لا تخلو من حجة لله ولكن الله سيعمى خلقه عنها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم ولو خلت الأرض ساعة واحدة من حجة لله لساخت بأهلها ولكن الحجة يعرف الناس وهم لا يعرفونه كما كان يوسف يعرف الناس وهو له منكرون ثم تلي :

  {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون }يس30 

    وعن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد : لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أمتي أو من أهل بيتي بواطئ اسمه أسمى واسم أبيه اسم أبى” أخرجه الترمذي بمعناه وقال حديث حسن صحيح. ونخلص من هذا الحديث الشريف بالآتي:

  1. 1.  أن يكون اسمه محمد أو فيه محمد.
  2. 2.  وأنه من آل البيت النبوي الشريف.
  3. 3.  أن المهدي سيبعث من عند الله تعالى.
  4. 4.  أن المهدي سيبعث حتى لو لم يبق من الدنيا إلا يوم.

 

 

 

———————

(1)جورج تاوزند – هذا ما وعد الرحمن – ص 134

    أورد المجلسي أيضًا قول الرسول صلعم : “فو الذي بعثني بالحق نبيًا لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدى المهدي ثم ينزل روح الله ويصلى خلفه ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب.

 

 

   وعن أبو داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المهدي منى أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورًا فيملك سبع سنين”. ونفهم من هذا الحديث الشريف ما يلي :

  1. 1.  أن المهدي من نسل الرسول الكريم.
  2. 2.  وحدد وصف وجهه الشريف بأنه أجلى الجبهة أقنى الأنف.
  3. 3.  أن مدة ولايته على الأرض سبع سنوات على وجه التحديد.

 

   وروى العلامة السيوطي في كتابه العرف الوردي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال ” المهدي منا يدفعها إلى عيسى بن مريم”

    وقوله يدفعها إلى عيسى بن مريم أي الخلافة الإلهية وهي الرسالة أي يتولاها بعده وفي هذا الحديث علامة واحدة أن المهدي يظهر أولا ثم يظهر عيسى.

 

     وأورد المجلسي في سيرة وأخلاق القائم، قال: “قلت لأبى عبد الله عليه السلام: أخبرني عن قول أمير المؤمنين: “إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء.” فقال: “يا أبا محمد إذا قام القائم عليه السلام استأنف دعاء جديدا كما دعا رسول الله”.

  ­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­ وفى باب العلامات باب الغيبة عن أبى بصير أنه روى عن أبى جعفر عليه السلام قال:

فوالله لكأنى أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد وكتاب جديد وسلطان جديد من السماء.

   وتطابقا مع الآيات الواردة في سورة مريم والتي أكدت بغاية اليقين بعثة حضرة المسيح مرة أخرى.

{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً }مريم15

{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً }مريم33

   روى البخاري وفتح الباري في صحيحيهما عن سيدنا محمد عليه السلام قوله : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وفي قول آخر – ويضع الحرب – ويفيض المال حتى لا يقبله أحد وتكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها”

   ونجد في هذا الحديث أربع علامات لعيسى عليه السلام وكلها تنطبق علي حضرة بهاء الله رسول هذا العصر الجديد

الأولى : أن عيسى ينزل في الأمة الإسلامية بعد سيدنا محمد صلى الله عليه ومعنى ينزل أي يبعث رسولا.

كما جاء في سورة البقرة ” {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} البقرة213

الثانية : أنه ينزل حكما عدلا أي يرسل رسولا مشرعا وحاكما بالعدل والقسطاس وكعلامة مميزة للمؤمنين من غير المؤمنين. كما أكدته الآيات المباركة

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ }يوسف22

{فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ }الشعراء21

الثالثة : أنه يكسر الصليب أي لا يعمل حسب ما جاء به أول مرة في الإنجيل أن رسالته عامة وليست قاصرة علي أمة بعينها من أمم الأرض وأن كل من يؤمن به من المسيحيين سوف يكسر صليبه ويبدل عاداته التي طالما اتبعها حيث لا يعود للصليب حاجة.

الرابعة : ويقتل الخنزير أي يحرم الخبائث ما ظهر منها، وما بطن، وبمعنى روحاني آخر أن البشر ممن لهم صفة الخنازير أي الذين ينشدون الرذائل والموبيقات سيتغيرون كليَا ويتنسمون نسائم الخير والبركة وتذهب عنهم إلى الأبد الصفات المرذولة وتتبدل أفكارهم بشمس الحقيقة إلى صفات ملكوتيه وكأنهم في خلق جديد … وهكذا يقتل صفات الخنزير في نفوس الناس.

وقوله: يضع الجزية أي ترفع ولن يتم العمل بها في عهده وشريعته أي أنه لن يعمل بالشرائع السابقة بل سيكون له أمر جديد وشرع جديد.

   وروى السيوطي وابن ماجة وأبو داود عن الرسول قوله : ” تملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء وتكون الكلمة واحده فلا يعبد إلا الله وتضع الحرب أوزارها”  

   وقوله : ترفع الشحناء … لأن السلام سيعم في عهده فلا تطاحن بين أبناء الدين الواحد ولا عداء مع المؤمنين بالديانات الأخرى، وقوله كما يملأ الإناء بالماء كلها تؤدى إلى هذا المعنى. وقوله صلى الله عليه وسلم: وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله تعنى أن ما سينادى به عيسى هو وحدة الجنس البشرى وعبادة الله الفرد الأحد الصمد التي هي أهم أركان دعوته في إطار أمة واحده، ودين واحد، وتحت مسمى الهي واحد. 

   وفي صحيح البخاري جزء أول صـ32، وشرح فتح الباري عن عبد الله ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل عيسى بن مريم فيتزوج ويولد له ولد ويمكث خمسًا وأربعين سنة …  الخ. مصداقا لقوله تعالى

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ} آل عمران 46

    ونخلص من هذه الآية الكريمة والحديث الشريف إلى أن أحوال حضرة المسيح عيسى ابن مريم في مجيء الثاني العظيم سيكون مختلفا تماما عن مجيئه السابق حيث سيكلم الناس إلى أن يصير كهلا والكهل لما فوق الأربعين، مع العلم بأن السيد المسيح في مجيئه الأول صعد وسنه حوالي 33 سنة تقريبا. وسيتزوج وينجب وسيكون له ولد. لان من أشراط الساعة أن تلد الأمة ربها بمعنى أنه سيولد من أَمَهْ من إماء الله الطاهرات الزكيات التقيات ولمّا يحين الوقت المحدد من السماء يتزوج ويولد له ولد ويعلن دعوته ومهمته الرسولية المقدسة.وتستمر ولايته أربعين عامًا أو خمسة وأربعين.

  وتنطبق هذه الوعود تمام الانطباق على  حياة حضرة بهاء الله حيث عاش عمرا مديدا رغم كل ظروف القهر والسجن ومحاولات الغدر والاغتيال التي تعرض لها إلى أن صعد وعمره يتجاوز الخامسة والسبعين سنة وأصبح كهلا كما أشارت البيانات المباركة السابقة. وبالفعل استمرت دعوته من بداية سجنه “سنة 1852 حتى صعوده سنة 1892″ أي فترة امتدت لأربعين عاما كاملة. كذلك تزوج، وأنجب عددا من الأبناء والبنات كان أعظمهم ابنه الأرشد حضرة عبد البهاء الذي قدّر له أن يكون المبين والمفسر الوحيد لتعاليم والده 

 

 

 

  

أحوال الناس في زمن عيسى عليه السلام

 

 

    وعن زمان المهدى يورد الإمام الجليل على بن أبى طالب : باب مدينة العلم فى خطبته بالكوفة ما يلى كما ورد فى نهج البلاغة: “… وأنه سيأتى عليكم زمان ليس فيه شىء أخفى من الحق ولا اظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حق تلاوته ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه الحديث

  وفي صحيح الجامع الصغير رقم 4939. عن أبى سعيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعًا بذراع حتى ولو سلكوا جُحر ضب لسلكتموه” قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟

   ويورد المجلسى في بحار الأنوار وصف علماء آخر الزمان وأحوال الأمة قوله صلى الله عليه وسلم: سيأتي زمان على أمتي لا يبقى على القرآن إلا رسمه ولا من الإسلام إلا اسمه يسمون به وهم أبعد الناس عنه مساجدهم عامرة وهى خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان أشر الفقهاء تحت ظل السماء منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود.

 

    روى الحاكم في صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يحل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشد حتى لا يجد الرجل ملجأ فيبعث الله رجلاً من عترتي أهل بيتي يملأ به الأرض قسطًا وعدلاً كما ملئت ظلمًا وجورًا.

 

  وفى كتاب الصواعق للشيخ الجليل على القارئ الهروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليدركن المسيح أقوام أنهم كمثلكم أو خير ثلاثًا ولن يخزى الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها.

ويصف الله سبحانه وتعالى حالة الناس في ذلك اليوم الرهيب بقوله :

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ }الحج 1 – 2

{فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ }عبس33 – 36

    وصور أخرى مشرقة تفيض بالرحمة وبالأمل والرجاء وتغرد على أفنانها ورقاء السماء بأناشيد البهجة والسعادة والمصير المشرق العتيد :

{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ }البقرة210

{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً }النبأ38

“وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون” ص 69

“يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْض غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ”  إبراهيم 48

وكيف يمكن أن نتصور مثل هذه الأحداث الجسيمة الهائلة من جهة والرحيمة المتلألئة من جهة أخرى إذا اقتصرنا في فهمنا على مدلولاتها اللفظية ومعانيها الظاهرية. فانقلابات الأجرام السماوية والتي تحدث في الكون من شأنها – إذا أخذناها على الظاهر – أن لا تترك فرصة لأي إنسان كي يفر من أخيه وأمه وأبيه ولا لمرضع لتذهل عما أرضعت ولا لإنسان أن يكون سكران وما هو بسكران. ولنا أن نتصور كيف يكون عليه حالا الإنسان أو المرضع أو الناس جميعا والسماء قد انشقت، والأرض قد رجت، والجبال نسفت، والشمس كورت، والكواكب انكدرت، والبحور سجرت … الخ وهل يتصور بقاء كائن حي واحد مع حصول ولو واحدة فقط من هذه الانقلابات إذا شملت الكون وكل ما فيه. على أن تلك الأحداث الهائلة المفزعة من جانب والرحيمة المتلآلئه بالأمل والفرح والسعادة من جانب آخر كانت كلها صوراً ومشاهد متعددة لليلة واحدة  قُدِّر لها بحق أن تكون ليلة الليالي لتحقق الوعود القاطعة بخروج المهدي المنتظر، ونزول عيسى عليه السلام.

   ومع ذلك فقد جاءت صريحة في كتاب الله ولا يمكن أن يتطرق إليها شك وبطلان، وإذاً فلا بد وأن تكون منطوية على أمر عظيم به تتعلق كل الانقلابات والأحداث، وبظهوره تحدث كل هذه الانقلابات والأحداث.

 

   وأخيرا أرجوا أن أكون قد  قدمت لحضراتكم القليل من الكثير والكثير من الدلائل والبراهين المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم والتي تؤكد في صراحة متناهية على استمرارية الفيض الإلهي، وتوالي رسل الله حاملين مشاعل الهداية الربانية للبشر .  

 

  واذا كنا قد خلصنا الى تلك النتيجة وأيقنا أو تحسبنا أن هناك امة جديدة أو أمم دينية جديدة أخرى مازالت في غيب الله وسوف يتوالى ظهورها الى عرصة الشهود في المستقبل، ومن المحتمل أن ذلك الأمر – ولو على أقل تقدير –  حدوثه فهل يمكننا أن نحاول أن نستشف ببصائرنا هذا المستقبل ونكشف عن رسول هذا العصر الجديد الذى وعدت به كل الامم السابقة حتى عرف بـ “موعود كل الأمم” وفي آيات أخر بـ “مشتهى كل الأمم” .

    وجاء في سفر حجى إصحاح 2 (…. لأنه هذا قال رب الجنود هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة وأزلزل كل الأمم ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت مجدا ….)

 

موعود كل الأمم

كتب د. أسلمنت في كتابه الرائع ” بهاء الله والعصر الجديد” عن أعظم حدث في التاريخ :

    “لو رجعنا إلى ما هو مدوّن في صفحات التّواريخ بخصوص مسألة كيفيّة “تقدّم الإنسان لوجدنا أنّ العامل المهم في الرّقي البشريّ هو ظهور رجال من وقتٍ لآخر يتخطّون الآراء والأفكار المسلّم بها في عصرهم، ويكتشفون الحقائق التّي لم تكن معلومةً للبشر قبل ظهورهم، ثمّ يعلنونها.  فالمخترع والرّائد والنّابغة والرّسول هم الذّين يتوقّف عليهم مبدئيًّا تطوير العالم.  وكما يقول كارلايل: “إنّ الحقيقة الواضحة بل الواضحة جدًّا… أنّ رجلاً واحدًا يمتلك حكمةً أسمى وحقيقةً روحانيّةً كانت مجهولة قبل مجيئه، إنّما يمتلك قوّةً لا تزيد على قوّة عشرة من أبناء جنسه فحسب أو عشرة آلاف منهم ممّن لم تكن عندهم تلك الحكمة، بل تزيد قوّته على قوّة جميع الذّين لم يمتلكوها، وتراه يقف فيهم بقوّة ملائكيّة علويّة، كمن يكون مقلّدًا بسلاح من أسلحة السّماء، لا تقاومهم أيّة دروع أو أيّة أبراج من النّحاس.

    ففي تواريخ العلوم والآداب والموسيقى، نرى أمثلةً كثيرةً لهذه الحقيقة، إلاّ أنّه ليس هناك في أيّ أفق شيء أوضح من أهميّة الرّجل العظيم، ولا أبين من رسالته، في أفق الدّين.  ففي جميع العصور، كلّما انحطّت حياة البشر الرّوحانيّة، وفسدت أخلاقهم، يظهر رسولاً هو أعجب الرّجال وأعمقهم، فيقوم وحده أمام جميع العالم، كرجل بصير بين رجالٍ عميّ، ليعلن بشارة الحقّ والصّدق، بينما لا يوجد معه من يشاركه في إنجاز مسؤولياته، أو من يفهمه، أو من يعلّم النّاس ويهديهم.” 

ومن الرّسل من كانت له مهمّة سامية خاصّة.  وكلّما انقضت بضعة قرون، ظهر رسول إلهيّ في الشّرق، أمثال وموسى وعيسى ومحمّد، ليضيء عقول البشر المظلمة، ويوقظ أرواحهم الرّاقدة، كالشّمس الرّوحانيّة.  ومهما تكن آراؤنا حول العظمة النسبيّة لهؤلاء الرّسل المؤسّسين للأديان، فإنّنا يجب أن نعترف بأنّهم كانوا أقوى العوامل في تعليم بني البشر.

 وقد اتّفقوا جميعًا في تصريحهم، بأنّ الكلمات التّي يتكلّمون بها ليست من أنفسهم، بل من إلهام إلهيّ يلهمون به، وأنّها رسالة إلهيّة هم حملتها.  وقد امتلأت أقوالهم المدوّنة بإشارات ووعود

تبشّر بظهور معلّم عظيم للعالم، يظهر في “وقت المنتهى”، ليتمّم عملهم حتّى يؤتي ثمرته، وهو يؤسّس حكم السّلام والعدل على الأرض، ويجمع في أسرة واحدة كلّ الأجناس والأديان والأمم والقبائل، ليكون هناك “قطيع واحد وراع واحد” وليعرفوا الله ويحبّوه “من أصغرهم إلى أكبرهم”. (1)

   ويقول العلامة البهائي أبو الفضائل الجرفادقاني في كتابه الحجج البهية عن موعود الأمم :  “ما من دين من الأديان الموجودة إلا ويعتقد أهله بهذه المسألة وينتظرون رجوع شخص معين مخصوص أو أشخاص معلومة لتعميم ديانتهم وإعادة رونق شريعتهم فمثلا الأمة النصرانية منتظره رجعة المسيح له المجد ومعتقده كل الاعتقاد بنزوله عليه السلام.

    كذلك الأمة اليهودية منتظرة لنزول إيليا النبي أي سيدنا إلياس عليه السلام من السماء قبل ظهور الرب الموعود … والأمم الإسلامية أهل السنة والجماعة منهم يعتقدون بنزول سيدنا عيسى عليه السلام بعد ظهور المهدي – وأما الشيعة الإثنى عشرية فتعتقد أولا برجوع المهدي عليه السلام وهو بزعمهم محمد بن الحسن العسكري الذي غاب في سنة مائتين وستين من الهجرة النبوية وهو الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام،وتعتقد ثانيا برجوع السبط الشهيد حسين بن علي بن أبى طالب عليهما السلام. الثالث من أئمة أهل البيت * ويعبرون عن رجوعه بالظهور الحسيني بعد ظهور المهدي. وأما الأمة الزردشتية فتنتظر رجوع الملك “الكيانى” الشهير “كي خسرو” الذي فسره بعض الأوروبيين غلطا ( بكورش) الملك الفارسي المعروف في أيام ظهور الموعود الذي يعتقدون أنه يظهر من إيران في آخر الزمان. ويقيم الأموات، ويوحد الأديان.(2)

   بهذه المعتقدات الكثيرة المتنوعة المتغايرة كذبت رسل الله في الأزمان الغابرة لاعتقاد كل أمة بما عندهم حسب الصور المرسومة في أذهانهم وما سموه حسب أهوائهم وخيالاتهم بالنسبة لأشراط وعلامات يوم القيامة من قبيل انفطار السماوات وظلمة الشمس والقمر وقيام

 

——————————–

(1) أسلمنت – بهاء الله والعصر الجديد ص 7 – 8  

(2) ميرزا أبو الفضائل جرفدقاني –  الحجج البهية ص 152 – 153

الأموات من القبور وغيرها من الشروط كما سبق ما وضحناه في علامات القيامة الكبرى لذلك فسرت هذه العلامات حسب تفسيراتهم الحرفية بمدلولاتها اللفظية فابتعدوا عن حقيقة أهدافها ومرادها فأنكروا حجة كل رسول أتى في الماضي وسيأتي في المستقبل. فاليهود أنكروا السيد المسيح وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك أنكر المسيحيون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهكذا.  

تطابق الكلمات الإلهية

 

    من المؤكد أن جميع الكتب السماوية قد تنزلت على نهج واحد وإن اختلفت لغاتها وبعبارة أوضح أن علامات مجئ يوم الله “أي يوم القيامة ” وأمارات وعلامات ظهور من يظهره الله واشراط الساعة وآيات القيامة نزلت على لسان الأنبياء والمرسلين على طريقة واحدة وباستعارات وتشبيهات واحدة وإن اختلفت ألسنتهم وتغيرت لغاتهم كما جاءت صورها المتعددة متضافرة بشكل يدعوا للتأمل والإعجاب ، ومتوائمة في وحدة إلهية مذهله، تتطابق معانيها ومبانيها في كثير من الأحيان، ولكنها في جميع الأحوال، منسجمة ومتفقة في معانيها في كل الأحيان.

   ولكي أوضح لحضراتكم هذا المعنى الشديد الأهمية، سوف نعرض البعض من الآيات القرآنية التي اخبرنا بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما يقابلها من آيات زخرت بها كل التوراة والإنجيل، وحملت نفس المعنى عن علامات مجيء الرب والملائكة، مشرقين من السماء في ظلل من الغمام. 

    قال تعالى في سورة البقرة {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ والملائكة وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} البقرة 210

وفي الإنجيل

«وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ.  لوقا 21 عدد 27

«هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ.»   يوحنا اللاهوتي ص 1 أية 7

وكذلك جاء في سورة الفجر {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} الفجر 22

وفي الإنجيل أيضا

«هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، 15لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُِ ». يوحنا اللاهوتي ص 1 أية 15

وأخبرنا سبحانه وتعالى عن بعض العلامات والأحداث الكونية كامتلاء الفضاء بالدخان في سورة الدخان {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} الدخان 10

وكذلك بتشقق السماء في سورة الانفطار

{إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ} الانفطار  2:1

وزلزلة الأرض في سورة الحج

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} الحج 1

 

  وجاء في التوراة في سفر التثنية نفس المعنى بتغيير السماء والأرض حيث يقول

«2″وَتَكُونُ سَمَاؤُكَ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِكَ نُحَاسًا، وَالأَرْضُ الَّتِي تَحْتَكَ حَدِيدًا. 24وَيَجْعَلُ الرَّبُّ مَطَرَ أَرْضِكَ غُبَارًا، وَتُرَابًا يُنَزِّلُ عَلَيْكَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى تَهْلِكَ.» التثنية إصحاح 28

وفي انجيل رؤيا يوحنا

  « ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ الرَّابِعُ، فَضُرِبَ ثُلْثُ الشَّمْسِ وَثُلْثُ الْقَمَرِ وَثُلْثُ النُّجُومِ، حَتَّى يُظْلِمَ ثُلْثُهُنَّ، وَالنَّهَارُ لاَ يُضِيءُ ثُلْثُهُ»” يوحنا اللاهوتي ص 8 عدد 12

«وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ حَدَثَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَسَقَطَ عُشْرُ الْمَدِينَةِ، وَقُتِلَ بِالزَّلْزَلَةِ أَسْمَاءٌ مِنَ النَّاسِ: سَبْعَةُ آلاَفٍ. وَصَارَ الْبَاقُونَ فِي رَعْبَةٍ»يوحنا اللاهوتي ص 11 أية 13

   ووعد في سورة الأنبياء بطي السماء وكأنها مجموعة من الصحف وإعادة الخلق من جديد

{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء 104

يقابلها في التوراة

«لأَنِّي هأَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، فَلاَ تُذْكَرُ الأُولَى وَلاَ تَخْطُرُ عَلَى بَال»

                                                                         اشعياء إصحاح 65 عدد 17

وللمزيد اقرأ نقرأ  « لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ السَّمَاوَاتِ الْجَدِيدَةَ وَالأَرْضَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي أَنَا صَانِعٌ تَثْبُتُ أَمَامِي، يَقُولُ الرَّبُّ، هكَذَا يَثْبُتُ نَسْلُكُمْ وَاسْمُكُمْ. »   اشعياء إصحاح 66 آية 22

وجاء في سورة الزمر { وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الزمر 67

«لأَنَّ قُوَّاتِ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. 27وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. »  لوقا 21 عدد 27

«هُوَذَا لِلرَّبِّ إِلهِكَ السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضُ وَكُلُّ مَا فِيهَا. » التثنية 10 عدد 14

أنظر لتطابق الكتب المقدسة وتناغم الكلمات الإلهية بنفس اللحن واللفظ والمعنى يقول تعالى في الإنجيل في سفر متى

«وَأَمَّا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بَعْدَ ذلِكَ الضِّيقِ، فَالشَّمْسُ تُظْلِمُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَنُجُومُ السَّمَاءِ تَتَسَاقَطُ » متى إصحاح 24- 25

   إلى آخر هذه الآيات من نزول الرب وقيام الملائكة وتزلزل أركان الأرض وغيرها من العلامات العظيمة والآيات الخفية الجسيمة من زوال السماء والأرض وانحلال العناصر وانعدامها وطي السماء والأرض ونهاية الأوليات وزوال الأمور العتيقة. مما سبق ذكره في جميع الكتب المقدسة.

    وعلى الرغم من هذا التطابق المبدع والتناغم الرائع الذي قد يلهم بصائرنا الكليلة القدرة على رؤية جوهر الوحدة السرمدية بين رسالات الله المتتابعة، وتوضح أن دين الله الواحد لا يتعدد أو يتكثر مهما توالت رسل الله المكرمين. إلا أن هناك معضلة مازالت تؤرق الكثيرين من شراح الكتب المقدسة والباحثين عن الحقيقة الذين حاولوا إصلاح البين بين الناطقين بلغة الضاد، حيث دبت الفرقة والخلاف كنتيجة لتخبط التفاسير والتأولات حتى بين أتباع الدين الواحد، فلم يكن من اليسير على عقول البشر أ، تستسيغ  أمثال هذه الحقائق العظيمة، وقد أغلق فهم معانيها على أذهانهم، ولم يدركوا مراميها بعد أن قنعوا بظاهر ألفاظها. إلى أن بلغ الأمر أقصى مداه، وأضحت بالنسبة لهم أشبه بالأفكار المجردة التي ليس لها وجود مادي، وحكموا وهم مطمئنين البال مرتاحين الضمير، بعدم تحقق تلك الآيات واعتبروا وقوعها من المستحيلات. 

 

 

 

لغة المجاز في الكتب السماوية

 

 

   لهذا الأسباب، ومن أجل تفنيد تلك الاعتراضات، أحب أن أعرض على حضراتكم مقولة شهيرة للعالم النحرير ميرزا أبو الفضائل، أوردها في كتاب الحجج البهية، وهو بالمناسبة من علماء الدين البهائي المنحدرين من أصول إسلامية، كتب يقول :

 

 

   “إن الأنبياء ومظاهر أمره “أي رسله” ” ستروا المعاني الدقيقة تحت أستار الكنايات والاستعارات، وخدروا حور المطالب العالية في قصور الآيات، وأسدلوا عليها ستائر الإشارات ولذلك رماهم أهل الضلالة بالشعر والمجنون، وتطرف بعضهم ونسبهم إلى السفاهة والجنون* وغالوا وقالوا { أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ }الصافات36

جهلا منهم بالكلمات الإلهية، وعجزوا عن التفريق بين الوحي السماوي والخواطر البشرية، فتعالى عما يقول الظالمون، وتقدس عما يتوهم الجاهلون*

 

(المطلب الثاني) أن جميع ما نزل في الكتب المقدسة من بشارات يوم الله ويوم القيامة وظهور الرب وورود الساعة وأشراطها وعلاماتها ووقائعها، وحالاتها كلها من الاستعارات التي أشرنا إليها من قبيل ظلمة الشمس والقمر وسقوط النجوم وانتثار الكواكب، وانفطار السماوات وتزلزلها وانعدامها وتبدلها وتزلزل أركان الأرض وتجددها، وتشقق السماء بالدخان، وامتلاء أرجائها من الغيم والضباب. ونزول الرب علي السحاب. وكثير من أمثالها مما هو مذكور في الكتاب، ومعلوم لأولي الأرباب* 

 

    وبعبارة أوضح أنه لابد أن تكون لتلك الألفاظ مقاصد معقولة ومفاهيم ممكنة ومعاني غير المعاني الظاهرية، ومدلولات غير المدلولات الأولية كما هو مصرح به في نفس الكتب المقدسة السماوية. فانظروا أيدكم الله بروح منه في الآية التاسعة من سفر أشعيا وما بعدها

 

 

«اذْهَبْ وَقُلْ لِهذَا الشَّعْبِ: اسْمَعُوا سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُوا، وَأَبْصِرُوا إِبْصَارًا وَلاَ تَعْرِفُوا. 10غَلِّظْ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ وَثَقِّلْ أُذُنَيْهِ وَاطْمُسْ عَيْنَيْهِ، لِئَلاَّ يُبْصِرَ بِعَيْنَيْهِ وَيَسْمَعَ بِأُذُنَيْهِ وَيَفْهَمَ بِقَلْبِهِ، وَيَرْجعَ فَيُشْفَى». أشعيا ص 6 عدد 9 – 10

    وهذه الكلمات المقدسة صريحة فيما ذكرناه من أن المقاصد الأصلية من الكلمات الإلهية هي غير المعاني الظاهرية، وهي التي ختم الله تعالى على قلب اليهود أن يفهموها، وطمس على أبصارهم أن يدركوها ويدل على ذلك ما جاء في سفر دانيال إذ يقول تعالى للنبي دانيال

 

 

 (… أما أنت يا دانيال فاخف الكلام وأختم السفر إلى وقت النهاية… اذهب يا دانيال لأن الكلمات مخفية ومختومة إلى وقت النهاية)  دانيال إصحاح 12 آية 4 و 9″ (1)

—————-

(1)أبو الفضائل – الحجج البهية – ص 84 – 86

 

 

 

 

عودة إلى يوم القيامة

مرة أخرى

 

   حفلت آيات القران الكريم على العديد والعديد من الصور التي حدثت الناس عن مشاهد وأهوال يوم القيامة والتي سبق وعرضنا البعض منها :

صورة تنشق فيها السماء والأرض تتزلزل، والجبال تندك والشمس تتكور، والكواكب تنتشر وتظلم.

وصورة ثانية فيها جلال مجيء الرب وملائكته، وورود الله، وتبدل الأرض والسموات، وإشراق الأرض بنور ربها.

وصورة ثالثة نقلتنا إلى مسرح بعيد حيث نشاهد جدالا ونزاعا بين المؤمنين والكافرين، وكيف يكفر بضعهم بعض، ويلعن بعضهم بعضا.

ومع ذلك فإننا نطالع صورة أخرى من صور يوم القيامة تعلن في مقدمها عن نفختين متتابعتين، نفخة يصعق بها كل من في السموات والأرض إلا من يشاء الله، ونفخة يقوم الناس فيها وتشرق الأرض بنور ربها ويجرى ثواب وعقاب كل من علي هذه الأرض.

قال تعالى : {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }الزمر 68 -69

   وتشير هذه الآية إلى كتاب وقضاء بين الناس بالحق. فإذا قيل بأن الكتاب المقصود به هو

القرآن الكريم فان القرآن الكريم والإنجيل والتوراة كانت كلها موجودة وقت نزول هذه الآية

الكريمة، فهي جزء من القرآن ولكن الآية تتحدث عن نفخ في الصور في يوم القيامة، وبديهي أن يكون الكتاب المشار إليه كتابا آخر غير القرآن الكريم، كتاباً جديداً يحكم بين الناس بالحق، وإلا فكيف يتصور وعد بشيء بينما يكون هذا الشيء موجودا بالفعل في البدء.

والأمر الأعظم والأهم هو وعد القرآن الكريم بورود الله ومجيء الرب كما جاء في سورة

الزمر 69 وسورة الفجر 22

{وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }الفجر22

وجميعنا نؤمن ونوقن أن الله سبحانه وتعالى ليس بجسم ولا مادة ولذا فهو منزه عن الصعود والنزول والحركة والسكون. أنه غيب منيع.

 يصفه حضرة بهاء الله في كتاب الإيقان(1) : “إنه كان مقدسا عن البروز والظهور والصعود والنزول. “لا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير” الأنعام 103 ”

   فهل هناك طريق آخر غير المجاز لفهم هذه الآيات المباركة؟ فمجيء الله معناه ظهور رسول كريم في اليوم الآخر موسوم بهذا الاسم المقدس العزيز المنيع، وأن الملائكة هم أولئك الأخيار الذين يقبلون إليه ويحملون نفحات رسالته الجديدة حيث تتعطر بها الأرجاء. ومن المعلوم أن الرسل هم واسطة معرفة الله وبدونهم فالطريق مسدود والطلب مردود.

   والحقيقة أن فناء الكون، وانعدام الحياة من على وجه الأرض حسب أفهام القوم لا يوجد له أساس في كتاب الله من حيث المعنى المقصود بكل هذه الاستعارات ، إذ المقصود بالخطاب الإلهي هو الناس، لان القلوب هي أراضي القابليات، فمنها من ينبت البر، ومنها ما هو كالصخر الجلمود. والأوهام والخرافات هي كالجبال ينسفها الحق نسفا عند تجلياته.

  فالله يؤاخذ الناس وليس الجماد والحيوان، ويرسل رسله للإنسان وليس للجماد والحيوان. وأن الأرض العنصرية والسماء الدنيا لم يخطئا ولم يخالفا نواميس الله في شيء، وإنما الذي يخطئ ويخالف ويستكبر ويعصى هو الإنسان، والذي يريد أن يطهره الله عن الفساد هو الإنسان – فالإنسان هو المقصود بكل هذه الاستعارات والمجازات والتشبيهات، أولا وأخيرا.

  من هذه الآيات المباركة وكثير غيرها، من المتشابهات ظلت طوال الأجيال مختومة بخاتم المسك حتى جاء حضرة بهاء الله – النبأ العظيم في القرآن الكريم، وموعود كل الأمم – وفض ختمها بأصبع إرادة الله، وكانت من قبله غامضة، وزادها غموضا وإرباكا للأذهان ما جرت به أقلام القوم من شروحات وتعليقات. فظهور حضرة بهاء الله كان الصور الذي نفخ روح الحياة من جديد في هيكل الوجود ، وبعث الأموات من قبور الغفلة والنسيان.

   وصدق الله العظيم حين قال : في سورة الأعراف {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} الأعراف 53

وكما جاء في سورة يونس {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} يونس 39

 

———————–

(1)بهاء الله – كتاب الإيقان – ص 81

 

   والآن صديقنا القارئ العزيز إذا كان قلبك قد أطمئن ولو قليلا، واستراحت نفسك لما ذكرناك به في هذا المبحث من تفاسير منطقية للآيات المقدسة في الكتب السماوية، ولما عرضناه من معلومات وافيه ومعاني قد تبدو في ثوب جديد عن هذا الظهور الإلهي المرتقب، فاعتقد أنه قد حان الأوان كي نتعرف على المكان والميعاد الذي ستتألق منه أنوار هذه الرسالة العالمية التي لا مثيل لها في ضخامة آثارها وشمولية وعظمة أهدافها. ونطوف معا من حول رسول العصر الجديد الآتي برسالة هذا الظهور، ظهور آخر الزمان الذي نحن نعيشه الآن كما أشارت الكتب المقدسة، والتي وقعت أعباء تلك المهة العسيرة على كاهل حضرة بهاء الله، والتي ليس لها غاية سوى أن تشب شعوب الأرض على الحياة معا وأن تعمل في وفاق ووئام حتى تستحدث بعناية الله ورعايته حضارة عالمية تجد فيها كل المواهب البشرية الحرية المطلقة الكاملة للتعبير عن نفسها.

بشارات يوم الله الموعود

  يحدثنا كتاب ” بهاء الله والعصر الجديد” عن بشارات وأحلام الرسل والأنبياء السابقين عن مجيء شخصية عظيمة ويحمل رسالة إلهية عظيمة الشمول والاتساع، ولكل أمم الأرض على اختلاف عقائدها وتوجهاتها، وحاملا السلام والمحبة لكل أبناء الجنس البشرى على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم ولغاتهم.

   طالما  “بشّر الأنبياء السابقون النّاس بمجيء عصر السّلام والصّلاح بين البشر، وكانوا قد ضحّوا بأنفسهم حتّى يعجّلوا مجيئه، ولكن كلّ واحد منهم صرّح، بكلّ وضوح، إنّ هذه النهاية السّعيدة والغاية المباركة لن تحصل إلاّ بعد “مجيء الرّب”، في آخر الأيّام، عندما يدان الأشرار، ويثاب الصّالحون. فلقد تنبّأ زردشت، قبل ثلاثة آلاف سنة، بوقوع المشاحنات والحروب قبل مجيء “شاه بهرام”، مخلّص العالم، الذّي يغلب “أهرمن” روح الشّر، ويؤسّس حكم الحقّ والسّلام… وقال السّيد المسيح: “لا تظنّوا إنّي جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا”. متى 10-34

   وأخبر بأنّ فترة حروب وإشاعات حروب ومحن وبلايا سوف تستمرّ حتّى يأتي ابن الإنسان “في مجد أبيه”.  وصرّح محمّد (ص) أنّه، بسبب سوء أعمال اليهود والنّصارى سوف تظهر بينهم العداوة والبغضاء التّي تستمرّ إلى يوم القيامة، حيث يظهر الله “ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.

 وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة” (سورة المائدة 64)

وقوله تعالى “إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون” (سورة المائدة 48).

  

   ففي تواريخ العلوم والآداب والموسيقى، نرى أمثلةً كثيرةً لهذه الحقيقة، إلاّ أنّه ليس هناك في أيّ أفق شيء أوضح من أهميّة الرّجل العظيم، ولا أبين من رسالته، في أفق الدّين.  ففي جميع العصور، كلّما انحطّت حياة البشر الرّوحانيّة، وفسدت أخلاقهم، يظهر رسولاً هو أعجب الرّجال وأعمقهم، فيقوم وحده أمام جميع العالم، كرجل بصير بين رجالٍ عميّ، ليعلن بشارة الحقّ والصّدق، بينما لا يوجد معه من يشاركه في إنجاز مسؤولياته، أو من يفهمه، أو من يعلّم النّاس ويهديهم.

 أمّا بهاء الله فيعلن في هذا اليوم أنّه هو موعود جميع هؤلاء الرّسل، وأنّه هو المظهر الإلهيّ الذّي في عصره يتأسّس حكم السّلام فعلاً، وهذا القول لم يسبقه به أحد، وهو فريد في بابه، وتنطبق عليه علامات الأزمنة انطباقًا عجيبًا، وتؤيّده نبوّات جميع الرّسل العظام.” (1)

    “حقًا إنّ مجيء هذا “المربّي للإنسانيّة” في آخر الأيّام هو أعظم حدثٍ في التّاريخ البشريّ. ولقد أعلنت الدّيانة البهائيّة للعالم بشارة ظهور هذا “المربّي” ظهورًا فعليًا، وأنّ أمره قد تمّ وتدوّن، وأنّه يمكن لكلّ باحث غيّور أن يدرسه، وأنّ فجر “يوم الرّب” قد تنفّس، وأنّ “شمس الحقيقة” قد أشرقت.  نعم، لم يشاهد أحد للآن تلك الشّمس البهيّة سوى القليلون ممّن هم على

قلل الجبال، ولكنّ أشعّتها قد أضاءت الأرض والسّماء، وعن قريب سوف ترتفع فوق رؤوس الجبال، وتشرق بأشدِّ إشراق على الأودية والبطاح، وتهب الحياة والهدى لكافّة النّاس. (2)

—————————

 (1) أسلمنت – بهاء الله والعصر الجديد  – ص 65 – 66

(2) نفس المصدر – ص 9

القضـاء المحتـوم

بين التاريخ الإيراني والديانة البهائية

 

 

   عندما نتأمل تاريخ مصر أيام حضرة موسى علية السلام، وتاريخ فلسطين زمن حضرة المسيح، وتاريخ الجزيرة العربية أيام سيدنا محمد عليه السلام، ونراجع تلك التيارات الفكرية المتحجرة والرسوم الدينية المبتدعة والتي كانت سائدة في طول هذه البلاد وعرضها في تلك الأوقات، تعربد بظلماتها الحالكة السواء وتطغى بقسوتها وجبروتها على رقاب العباد، مما استدعت الرحمة الإلهية أن تبدد بأنوار الرسالات الجديدة قتامة هذا الظلم البشع، والذي بدا وكأنه سمة سائده غير قابلة للتغيير أو الإلغاء.

   وعلى نفس السنن الإلهية، اقتضت المشيئة الإلهية أن تكون إيران مهد الظهور والدولة التي على ربوعها  ظهرت بشارات الدين البهائي الجديد.

   فعندما نطالع تاريخ الأمة الإيرانية في زمن الظهور العظيم لحضرة الباب وحضرة بهاء الله، نجد تطابقا عجيبا, وشبها قويا، وكأنه صورة طبق الأصل لما مرت به تواريخ الأمم السابقة، وعلى شاكلة نفس الظروف والأحوال، التي دعت إلى تدخل الرحمة الإلهية ودفعت إلى ظهور هذه الدعوة بين أوساط هذه الأمة بالذات. لرفع الظلم والطغيان

 البشع عن المستضعفين من عباده، بما كانت تموج به مجتمعات هذه الأمة من عادات فاسدة وتقاليد بالية متخلفة، وبما دب فيها من عوامل الضعف والرشوة والتعصبات الوحشية.

ونقرأ من كتاب مطالع الأنوار لنبيل زرندى ما يلي : 

   “وعلى أثر الانحطاط الأدبي فيها امتلأت بالجهل والعمى، ولم يعد يوجد فيها من يقدر على عمل الإصلاح أو يرغب فيه، فلبست الأشياء رداء الجمود وأصبح التقدم مستحيلا من تأثير الشلل العقلي العام.

   عن أوائل حوادث هذه الديانة التي اشتهرت الآن في جميع أنحاء العالم، والتي ظهرت في أظلم عهود إيران، هذا التاريخ الحالك. والذي كان عبارة عن ملاحم مأساوية واستشهادات بطولية شكل سجل تاريخها مناظر مؤثرة مروعة وحوادث مفجعة متعددة. وقد اكتنفت هذه الديانة وأحاطتها جملة أنواع من التعصبات الدينية والاضطهادات منذ اللحظات الأولى لإعلان رسالتها الجديدة، كانت كلها ترمي إلى محوها والقضاء عليها. وينتهي هذا الجزء من التاريخ

كما أوضح ولى الأمر حضرة شوقي أفندي إلى حيث تكون سَورة البغض والعدوان قد أتمت عملها وانتهت في إيران بنفي وبقتل كل رجل أو امرأة أو طفل ممن يصبو إلى تعاليم حضرة الباب.

 وقد أوضح حضرة عبد البهاء في كتاب مقالة سائح تاريخ هذه الدولة الحافل بالأمجاد يقول :

   “كانت إيران في الأزمان الخالية قلب العالم وأضاءت جميع الأمم كالسراج الوهاج وأخذ مجدها وسعادتها يظهران في أفق الإنسانية كالفجر الصادق وانتشرت أنوار المعرفة وأضاءت أمم الشرق والغرب. وكانت عظمة ملك الملوك قد أخضعت ملوك روما واليونان واشتهر من أبنائها أعظم العلماء والأدباء مثال البيروني , عمر الخيام , الشاعرين الكبيرين حافظ وسعدي من شيراز . إلا أن الأمور تغيرت منذ سنوات وتبدل حال تلك الأمة وانحدر شعبها إلى الحضيض وخصوصا منذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر”

 

    وقد وصف هذه الأحوال التي تكلم عنها حضرة عبد البهاء كتّاب آخرون، فمما قاله اللورد كرزون : “أن الحكومة في وقت ظهور الباب وإعلان دعوته كانت عبارة عن حكومة دينية جامدة طامعة قاسية سافلة مرتشية فاسقة، وكانت أحكام الإسلام الفقهية هي العامل الوحيد الذي استولى على شؤون الحكومة وحياة الأهالي الاجتماعية فلم توجد غيرها من قوانين ولا أحكام ولا أخلاق لإرشاد العموم، ولم يكن لديهم مجلس أعيان ولا مجلس نواب ولا مجمع ديني ولا مجلس لوزراء الدولة، بل كان الشاه هو الحاكم المطلق المستبد وأمره نافذ على جميع الموظفين من وزير إلى أحقر كاتب، ولا توجد محكمة مدنية لتوقف أو تعدل أحكامه أو تحد من السلطة التي يعطيها لأي مرؤوس. وكلمته هي القانون، فله أن يفعل ما يشاء ويعين أو يطرد الوزراء أو الموظفين والضباط والقضاة. وله وحده السلطة على حياة أو موت أي فرد من أفراد أسرته أو حاشيته سواء كانوا مدنيين أو حربيين، فهو وحده يملك حكم الإعدام وبيده جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية فلا حد لامتيازه ولا رادع من قانون مكتوب…”.  وفي هذا الوقت العصيب ظهر حضرة الباب في سماء إيران كنجم متألق لكشف الغمة وإزالة الجهل ومحق الظلم والتعصب الذي استشرى بين أهل إيران الذين عاشوا في كذبة كبيرة ومجدوا واستمرأوا الإحساس الزائف بتاريخ حضاراتهم السابقة.

 

كان حضرة الباب رجلا حليما وسيم المحيّا نحيف الجسم برقة لا تصدر عادة من إيراني وكان صوته ناعما موسيقيا ذا تأثير كبير على النفوس ولأنه سيّد من الأشراف كان يرتدي ملابس الأسياد كما هي العادة في تلك البلاد، وكان منظره في الواقع يبعث في الإنسان ميلا شديداً ومحبة عارمة.

 

وكانت التجديدات التي قام على نشرها شديدة الوقع ولو أنها كانت دينية محضة. وكان إعلان ظهوره مدهشاً خطيراً فإنه أظهر نفسه بأنه هو القائم الموعود والرسول الجليل والمسيح المنتظر الذي كان العالم الإسلامي يترقب ظهوره بفروغ صبر. وأضاف إلى ذلك، انه الباب الذي سيظهر من خلاله للعالم الإنساني مظهر الهي آخر أعظم منه شأناً.

 

شعر هؤلاء بالخطر الداهم ووجدوا أن امتيازهم قد تقوض وان أطماعهم قد تبددت وان حياتهم وثروتهم قد انحطت في درجات الاحتقار لذلك قاموا ضده قومة رجل مندهش متذرع بالديانة، وقرروا أمام الشاه والرعية أن هذا القائم عدوّ للعلم وموهن للإسلام وخائن في دين محمد وخطر على الدين المقدس بل على الهيئة الاجتماعية وعلى الحكومة نفسها.

  وكانت غرائز أهل إيران تميل إلى استنباط الحيل في اختراع أنواع العقوبات. ولم يكن عندهم اكتراث بالآلام الناتجة عنها. ويظهر ذلك بجلاء في ميدان التنفيذات القضائية التي هي محل ظهور كلتا الطبيعتين. وكان من عهد قريب وفي حدود الحكم الحالي يصلب المجرمون أو ينسفون من المدافع أو يدفنون أحياء أو يعدمون بالخازوق أو يضربون بالرصاص كما تضرب الخيول أو تعمل منهم مشاعل إنسانية أو تسلخ جلودهم وهم أحياء”.

وعلى الرغم من تلك الوسائل الجهنمية والجزاءات المرعبة التي كان يعلمها الكبير والصغير في إيران فلم يكن من السهل ، إرغام مثل هذا الشخص على السكوت بسهولة بدون إثارة سخط الأهالي ولو لدرجة محدودة. ومن أول يوم قام فيه حضرة الباب على الدعوة، تنبأ بالمصير الذي سيعطيه مواطنوه لتعاليمه وبالنصيب الذي سوف يلاقيه على أيدي الملاوات (العلماء) ولكن مع علمه بذلك المصير، لم يمتنع عن إعلان دعوته بكل صراحة ولا عن إظهار أمره مكشوفا. .” (1)

 

 

 

———————

 (1)من مقدمة كتاب مطالع الأنوار – نبيل زر ندى

بشارات الظهور

 

   ما أن بدأت أنوار القرن التاسع عشر تهل وتشرق على سماء العالم حتى أخذت تفاسير النبوءات القديمة التي وردت في جميع الكتب المقدسة سواء في التوراة والإنجيل والقران تظهر وتحتل مكانا عميقا في حياة الناس اليومية، وتستبد بهم أشواق التوقعات المؤكّدة لرجوع السيد المسيح، وليتطلعوا في رجاء وأمل حالم، اقتراب تحقّق نبوءات آخر الزّمان، و ظهور الإمام الغائب، أو مجيء المهدي المنتظر.

كما جاء فى القران فى سورة مريم ” سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا “

وفى الأحاديث النبوية التي تقول ” والله ليوشكن أن يظهر فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويبطل الجزية وتكون السجدة الواحدة تساوى الدنيا وما فيها ”

  على أن العقيدة الدينية التي كان يؤمن بها المترقبين لهذا المجيء لم تكن مقتصرة على العالم المسيحي أو العالم الإسلامي وحدهما. بل شاركهم في ذلك معتنقوا الديانات العالمية الأخرى. فالبوذيون كانوا ينتظرون قدوم بوذا الخامس, الزاردشتيون قدوم شاه بهرام، والهندوس رجعة الذي يسمى كالكي. كان أول من بشر بمجيء المهدي المنتظر هو احد العلماء المسلمين من بلدة الإحساء في الشمال الشرقي من بلاد العرب يدعى الشيخ احمد الاحسائي وبعد وفاته قام لإكمال هذا التبشير رجل آخر من إيران يدعى السيد كاظم الرشتى الذي توفى في سنة 1843 قبل شهور من إعلان دعوة حضرة الباب.

 

السيد على محمد الباب المبشر

 بمجيء حضرة بهاء الله

 

     وُلِدَ السيد ” علي محمد ” الذي اشتهر فيما بعد بأسم الباب في مدينة شيراز في أول شهر محرّم سنة 1235 هـ الموافق 20 أكتوبر سنة 1819 م وأنحدر من بيت عريق في أصالته, ونشأ في أسرة طيبة أمتاز أفرادها بالشرف وكرم المحتد, وترقى أصولها إلى بيت النبوة الكريم حيث ينتسبون إلى العتره النبوية ومن نسل الحسين بن فاطمة عليهما السلام0 توفى والد حضرة الباب بينما كان الباب لم يزل طفلا صغيرا لم يفطم بعد. فتولى كفالة الطفل الوحيد اليتيم خاله  حاجى ميرزا “سيد على” اكبر أشقاء والدته وصديق والده والذي كان يعمل تاجرا في تجارة الأقمشة في شيراز.

   واشتهر السيد على محمد في صباه بحسن الخلق والورع، وعلى الرغم من أنه اشتعل بالتجارة، إلا أنه لم يكن يتوانى عن القيام برياضات روحية شاقة من صلاة وصيام. تزوج في الثانية والعشرين من عمره وولد له ولد توفى وهو طفل قبل سنة من إعلان دعوته.

     ولما بلغ سن الخامسة والعشرين في عام 1844 أعلن ذلك التّاجر الشّاب من شيراز أن الله سبحانه وتعالى قد أختاره لمقام البابية، والمقصود من كلمة “الباب” كما جاء في كتاب مقالة سائح ( أنه واسطة فيوضات إلهية من شخص عظيم ) وأنه قائم آل محمد وأنّه هو الموعود المنتظر في القرآن والحديث, وكان الاعتقاد في تلك الأيام بقرب ظهور الموعود الإلهي سائدا في تلك الأيام خصوصا في الطائفة التي تدعى بالشيخية. مما أشعل الحنين الكامن لهذا القائم الموعود وجعل جموع الناس تندفع في حماس منقطع النظير، وأعلن الكثير منهم عن إيمانه برسالته حتى من قبل أن يعرفوا اسم هذا الشخص الذي كانوا يبحثون عنه ويدعون إليه. 

   كما أعلن الباب أنّ لبعثته هدفاً آخر وهو إعداد الجنس البشريّ وتهيئته لاستقبال رّسول يأتي سريعا من بعده وهو المجيء الثّاني للسيّد المسيح وعودة عيسى ابن مريم. وسوف يبعثه الله إلى العالم بأسره والذي ينتظر مجيئه كل أتباعُ الأديان السّماويّة قاطبة.

   وفي يوم 23 مايو عام 1844 وفي مدينة شيراز بإيران. أعلن حضرة الباب دعوته وكان أول من آمن بهذه الدعوة طالب علم ورجل من رجال الدين الإسلامي، يدعى الملا حسين بشروئى ولم يمضى سوى أسابيع قليلة حتى شاركه في هذا الحماس كثير من الأصحاب وهم تلاميذ حضرة الباب الثمانية عشر الأولين عرفوا فيما بعد “بحروف الحي” وكانت إحدى السيدات والتي عرفت باسم الطاهرة هي المرأة الوحيدة التي سجلت كأحد حواري رسول من الرسل في التاريخ، وهم الذين أرسلهم حضرة الباب إلى جهات مختلفة في إيران وتركستان لنشر دعوته وإعلان خبر ظهوره.

   أثارت هذه الدّعوةُ وهذه التّعاليم التي أعلن عنها ولمدّة سبع سنوات, – بداية من سنة 1844 وحتى سنة 1850م – عاصفةً من الإيمان الجارف من ناحية والانفعال الغاضب الملتهب من ناحية أخرى أحاطت بالأمّة الإيرانية على اختلاف طبقاتها. وهيجت علماءَ المسلمين، فأجمعوا كلمتهم على مقاومة هذه الأفكار التي لم يتقبلوها، وعزموا علي وأد هذه الديانة الوليدة بمنتهى العنف والشراسة.

    وسرعان ما انضمّت السّلطات المدنية ممثلة في رئيس الوزراء ميرزا أقاسي – أشد أعداء حضرة الباب – إلى علماء الدين وساندتهم في القيام بحملة شعواء ضد الباب وأتباعه ملئت عهده القصير الحزين بالكثير من الماسي الفاجعة بلغت نهايتها باستشهاده علناً في التّاسع من تموز (يوليو) عام 1850.

   في البداية وبمجرد إعلان الدعوة، حددت إقامة حضرة الباب في بيته في شيراز سنة 1845 لفترة بسيطة ثم نفى من شيراز بأمر حاكمها حسين خان إلى أصفهان وهناك عاش ما يقرب من أربعة أو خمسة شهور – كانت الفترة الوحيد التي نعم فيها بالسلام منذ إعلان رسالته – عاشها في ضيافة الرجل النبيل، حاكم أصفهان معتمد الدولة منوجهر خان، إلى أن توفى هذا الحاكم فقبض على حضرة الباب وأرسل إلى احد السجون في حصن ماه كو في إقليم أذربيجان في أقصى الشمال الغربي من ايران0

   قضى في هذا السجن حوالي السنة ثم تم نقلة إلى سجن آخر أشد قسوة اسمه قلعة جهريق في نفس مقاطعة أذربيجان.

   والواقع أن الهياج الذي أثارة اعتقال الباب في چهريق فاق كل الحدود، وذلك لان جَمًّا غفيرًا من أشهر العلماء والسادة الأشراف اعتنقوا أمر المسجون , فأصدر رئيس الوزراء أوامره  إلى العلماء الدينيين في تبريز بالاجتماع في قصر الحاكم بإقليم آذربايجان وباستدعاء حضرة الباب من سجنه بقصد محاكمته، وإطفاء أمره والتقليل من تأثيره, وكانت النية المبيتة من وراء هذا الاجتماع تجريم السجين أمام الملأ من كبار العلماء, وكان الباب عالمًا بدنو ساعته فانتظر الأمر بدعوته إلى تبريز بسكون ورضا. في هذه الأثناء توفى الشاه محمد الخامس وورث العرش الشاه الجديد الشاب العديم الخبرة ناصر الدين شاه.

    فابعد رئيس الوزراء في عهد والده ميرزا أقاسى وجرده من أملاكه، ونفاه إلى خارج البلاد إلى أن مات فقيرا معدما، واسند منصب رئيس الوزراء إلي صهره محمد تقي خان. 

    كانت الأمور في إيران في هذه الأوقات ملتهبة والدعوة إلى الدين الجديد قد فاقت كل التوقعات، مما دفع رئيس وزراء ناصر الدين شاه إلى الاعتقاد بأنّ استمرار وجود الباب على قيد الحياة هو بمثابة القوّة المحرّكة لهذه البسالة النادرة التي ظهرت من المؤمنين بهذا الدين وظلت غير مقهورة ولم تنجح الحكومة بكل قواتها العسكرية المسلحة في كسر شوكتها والقضاء عليها، وظن بأنه إذا ما استطاع إطفاء هذا النور ومنع فيضان ذلك الينبوع فإنّ الزوبعة سوف تخمد وتستقر أمور الرعية والمملكة. ولذلك كان من رأى هذا الوزير أنّ أحسن وسيلة لتحقيق هذا الأمر هو التخلص منه الباب بإعدامه في أسرع وقت ممكن.

   فأمر الأمير حاكم آذربايجان بإحضار الباب من سجنه بالقلعة إلى معسكر الجيش بمدينة تبريز. وأمر بأن يُنفّذ حكم الإعدام على السجين يوم وصول الفرمان, وأوكل مهمة الإعدام إلى القوّة التي كانت تحت رئاسة القائد العسكري سام خان الأرمني رئيس فرقة الأرامنة وبأن تطلق عليه الرصاص في الساحة العسكريّة الكائنة في وسط المدينة. وبالفعل تمت كل الاستعدادات لتنفيذ عملية الإعدام، فنزعت منه العمامة والحزام وهما علامتا الشرف والسيادة.   

   وفي تلك الليلة أضاء وجه الباب فرحًا وتهلّل سرورًا لم يُشاهد عليه من قبل. وكان يتكلم مع رفاق سجنه بالفرح والانبساط غير مبالٍ بالعاصفة التي أُثيرت من حوله قائلا : ’غدًا باكرًا سيكون يوم استشهادي.

   وفي الصباح أمر قائد المعسكر أن يتوجه الفراش باشي  إلى حجرة الباب ويحضره. وكان الباب مشتغلاً بالمحادثة مع السيد حسين رفيقه وكاتب وحيه إذ جاء الفراش باشي لأخذه وقطع عليهم الحديث فأشار الباب إلى الفراش باشي وحذّره قائلاً:

“إلى أن أكون قد أتممت ما أريد أن أقوله للسيد حسين لآخر كلمة لا تقدر أيّ قوّة أرضيّة أن تمنعني من ذلك ولو اجتمع العالم كله كجيش واحد حولي لن يقدر أن يمنعني من إتمام ما أقصده من الأقوال إلى آخر كلمة.”

   دهش الفراش باشي من مثل هذا التحدّي الجريء ولم يُجِبْ بل أمر الباب أن يقوم ويتبعه  وسلّم المسجون إلى يد سام خان وأمره أن يتقدّم للتنفيذ. وكان سام خان المسيحي العقيدة قد تأثّر جدًّا في هذه الأثناء من حُسن سلوك المسجون وإذ خشي أن يكون عمله جالبًا لغضب الله كما سبق وفعل بيلاطس الروماني من قبل مع حضرة المسيح فقال للباب : “إنّي أعتنق الديانة المسيحيّة ولا أحمل لك أيّ ضغينة فإذا كان أمرك الحق فمكّني من عدم سفك دمك وتخليص نفسي.”

   فقال له الباب: ” اتّبع التعليمات التي أُعطيت لك وإذا كان مقصدك صادقًا فإنّ القدير يمكّنك من أن تتخلّص من اضطرابك.”

    جيء حضرة الباب إلى ساحة التنفيذات، وربط بالحبال هو وأحد المؤمنين به هو الميرزا محمد علي الزنوزي لاعدامهما معا بحيث كانت رأس الميرزا محمد علي … فوق صدر سيّده وبمجرد ربطهما اصطف الفيلق ثلاث صفوف وكل صف عبارة عن مائتين وخمسين رجلاً وأمر كلّ صف أن يطلق الرصاص بدوره إلى أن تمّ إطلاق جميع رصاص الفيلق. فارتفعت سحابة من الدخان نتجت عن إطلاق الرصاص من سبعمائة وخمسين بندقية ملئت الجو بالدخان القاتم حتى أظلمت الظهيرة.  

   وما كاد الدخان ينقشع حتى دُهش الجمهور إذ رأى لفرط تعجّبه أن صاحب ورفيق الباب كان واقفًا حيًّا أمامهم ولم يُصب بأيّ ضرر وأمّا الباب فقد اختفى من أمامهم دون أن يصاب بأذى مع أن الحبال التي رُبطا بها تقطعت إرْبًا. وصاحت الجماهير المحتشدة بانزعاج: “إنّ السيّد علي محمد الباب اختفى.” واعتبروا أن نجاتهما من الطّلقات النارية إحدى المعجزات.

   وعلى الفور انطلق الجنود في المعسكر يبحثون عنه وهم في ذُعر وخوف وأخيرًا وجدوه جالسًا في نفس الغرفة التي كان فيها اللّيلة الماضية مشغولاً بإكمال الحديث الذي كان يريد إكماله والإفاضة به للسيد حسين حينما قطعه عليهم الفراش باشي, وكانت تظهر على وجهه إمارات الهدوء والسكينه وكان جسمه قد بقي سليمًا من الرصاص. وإذ ذاك قال الباب للفراش باشي: “إنّ حديثي مع السيّد حسين قد انتهى فتقدّم الآن وأكمّل مقصدك.” فتردّد الرجل في تنفيذ عمله ورفض أن يؤدّي واجبه، وترك المكان واستعفى من عمله وراح فيما بعد يخبر الناس في كل مكان بمّا حدث. وكان القائد سام خان أيضًا قد صُعق من حصول الحادثة بهذه الكيفيّة الإعجازية الرهيبة. فأمر رجاله أن يتركوا المعسكر في الحال وامتنع أن يتدخّل هو أو فيلقه في أي عمل يحصل منه أيّ ضرر للباب.

   وأقسم وهو يترك الساحة أنّه لن يعود مرّة أخرى لمثل هذا العمل ولو حُكم عليه بالإعدام. وما كاد سام خان يمتنع عن العمل حتى تقدّم ضابط فيلق آخر الذي وتطوّع لتنفيذ الأمر. فعُلِّق الباب وصاحبه مرّة أخرى بنفس الكيفية السّابقة وعلى نفس الحائط واصطف الفيلق صفوفًا واستعدوا لإطلاق النار عليهما وعلى العكس من المرّة الأولى تمزّق الجسدان إرْبًا واختلطا كتلة واحدة لحمًا ودمًا. وألقى الجسدان في خندق المحيط بالمدينة ولكن بعض المؤمنين استطاعوا التسلل ليلا وحملا الجسدان وحفظاهما في سرية تامة إلى أن أوصلاهما إلى حيفا في سلام 1900م، وفي ظلال رحلة طويلة محفوفة بالخوف الكاسح والخطر الداهم استغرقت 50 سنة من تاريخ استشهاده المحزن. وتم دفن رفات حضرة الباب ورفيقه سنة 1909م، وأودع جثمانيهما معا في تابوت من رخام المرمر النفيس بمعرفة حضرة عبد البهاء، في مقام رائع مهيب، فوق جبل الكرمل “كرم الله” يعرف الآن لجمال تصميمه وتناسق أبعاده وضخامة قبته الذهبية الفائقة الجمال بملكة الكرمل، ويتعبره المشتغلين بالفنون التشكيلية، والمبدعين من أساتذة الهندسة المعمارية، من أجمل المباني على شواطئ البحر الأبيض المتوسط دون منازع.

 حضـرة بهـاء اللـه

 

موعود كل الأزمنة

 

 

   كان ميرزا حسين علي النّوري، والذي عرف بلقب “بهاء الله” أي سناء الله ونوره، أكبر أبناء الميرزا عباس النوري ينحدر من أسرة عريقة، ومن العائلات الفارسية النبيلة, القديمة والعريقة سليلة المجد والشرف، المالكة لأراض واسعة وعقارات متعددة في منطقة نور من إقليم مازندران.  إذ كان أبوه ميرزا عبّاس المعروف بميرزا بزرﮒ، أحد النّبلاء المقرّبين إلى بلاط الملك فتح علي شاه، شغل أفراد أسرته مناصب سياسية هامة في الدولة لعدة أجيال. فقد كان والده الميرزا عباس وزير دولة لشئون منطقة مازندران وحاكمًا على منطقة بروجرد ولُرستان.

    ولد الميرزا حسين علي في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1817م واتّصف بهاء الله منذ طفولته بحميد الخلال، وجميل الخصال، وتميّز بحدّة الذّكاء، ورجاحة العقل، والشّجاعة والإقدام، وأبدى منذ بكرة صباه كفاءة ومهارة فائقتين في حلّ أعقد المشاكل، وأظهر معرفة وعلمًا لَدُنيًّا أدهشا مَن حوله من كبار رجال الدّولة.

   مجمل القول نال حضرة بهاء الله شهرة واسعة وهو طفل بحيث ظهرت فيه آثار المواهب الإلهيّة وأصبح محبوب قلوب الجميع، حتى إنّ الوزراء الّذين كانوا من أعداء والده الألدّاء كانوا يحبّونه ويحترمونه ويراعونه رعاية مخصوصة، مثلاً كان الحاج الميرزا آقاسي فِي منتهى العداوة مع والده… لكنّه بالرّغم من ذلك كان يبدي محبّة فائقة لحضرة بهاء الله بحيث جعل النّاس فِي حيرة من أمره قائلين كيف أن هذا الرجل الّذي يعتبر عدوًّا لوالده يكنّ مثل هذا الاحترام لابنه… ومع أن الجميع كانوا يعلمون أنّ حضرة بهاء الله لم يدخل مدرسة ولم يتتلمذ لدى معلّم ولكنّهم جميعًا كانوا يشهدون عَلَى أنّه لا نظير له فِي العلم والفضل والكمال…

   كما كان لوالده تعلّق عظيم بِهِ، وكان يدري مدى عظمة الجمال المبارك وعلوّ مناقبه ومقام مظهريّته المقدّسة، والبرهان عَلَى ذلك أنّه قد شيّد قصرًا ملوكيًّا فِي قرية تاكور الَّتِي كَانَتْ ملكًا له، وكان حضرة بهاء الله يقضي معظم فصل الصّيف فِي ذلك القصر، وكان قد كتب المرحوم الميرزا (أي والد حضرة بهاء الله) فِي موقع من مواقع ذلك القصر بخطّ يده وبقلم جليّ هذين البيتين (ما معناهما):  

       عند وصولك إلى عتبة المحبوب قل لبيك

                                حيث لا مجال هناك “للسَّلام” أو “لِعَلَيْك”

       هَذَا هو وادي العشق فأَوقِفْ خُطاك احترامًا

                                هَذِهِ الأرضُ أرضٌ مقدّسة فاخلع نعليك.

 

    توفى والده عام 1839م ولم يكن قد تجاوز عمره الثانية والعشرين، فعرضت عليه وظيفة والده في الحكومة ولكنه رفضها رغم أنَّها كانت مغرية ماليًا مما أثار دهشة وتعجب عائلته والمنتسبين له. ولكن بدلاً من ذلك قضى السنين التالية في رعاية أسرته الكبيرة وإدارة أملاك العائلة ، وانصرف كلّيا وبشكل واسع إلى أعمال البِرّ، ورعاية المساكين، منفقًا ماله الخاص على الفقراء والمعوزين مما حدا بأهالي المنطقة أن يدعوه “أبو الفقراء”.  

   ويحكي حضرة عبد البهاء أرشد أبناء حضرة بهاء الله عن أوائل حياة والده : كانت له قوة جذابة خارقة يشعر بها الجميع فكان الناس يتلفون حوله كما كان الوزراء ورجال الدولة يحبون مجالسه كذلك تحبه الأطفال.

 

 

 

   يعتبر الميرزا حسين علي أحد أوائل المؤمنين بدعوة الباب، فبينما كان حضرة بهاء الله مقيما في منزل عائلته في طهران، تسلَّم عام 1844م رسالة من حضرة الباب بعد ثلاثة أشهر فقط من إعلان رسالته حملها إليه الملا حسين بشروئي. ومما رواه الملا حسين أصبح واضحًا بأنَّ إبلاغ الأمر للميرزا حسين علي جاء بناءً على تعليمات خاصة من حضرة الباب

 

   خلال الثلاث إلى الأربع سنوات الأولى من إيمان الميرزا حسين علي الذي أصبح مبلغًا نشطًا للدين الجديد، عملت مكانته الاجتماعية على حمايته إلى حد ما من الهجوم الشرس الذي كانت تشنه على البابيين كل من رجال الدين المتعصبين والإدارة والحكومة المدنية . كما أنَّ سمعته الطيبة وشخصيته المحترمة ونزاهته في الأوساط الحكومية، كانت السبب في حفظ حياته وحمايته. كذلك نذر جلّ طاقته لخدمة هذا الأمر المبارك الوليد الذي بدأ يواجه حملات الاضطهاد والمعاناة. ونجح بطاقته المتفردة وبأسفاره الواسعة في إيمان العديد من النفوس المقتدرة والنافذة بما فيهم عدد من أقربائه وعائلته، فكان أهل إقليم نور من أكثر الأقاليم التي آمنت بالدين الجديد، كما مد يد العون المالي إلى العديد من الأنشطة التبليغية للبابيين في مناطق متفرقة من البلاد.

   ومنذ بداية إيمان الميرزا حسين علي شرع بمراسلة حضرة الباب وقد استمرت هذه المراسلات حتى تاريخ استشهاد الباب في عام 1850م. مما دعم وأكد النظرة المتزايدة إليه بين الأتباع على أنَّه المرشد والموجِّه الروحي لهم في فهمهم لتعاليم الديانة البابية حال غياب حضرة الباب نتيجة لسجنه الطويل وفي مناطق بعيدة ونائية يصعب وصولهم إليها.

 

النفي إلى بغداد

 

   وبعد محاولة الاعتداء على حياة الشاه التي قام بها شابان بابيان في صيف عام 1852م.

فألقي القبض على حضرة بهاء الله وعلى بعض المؤمنين بالدين البابي، وأحضر إلى طهران سيراً على الأقدام مكبّلاً بالسّلاسل والأغلال. ووضعوا جميعا فـي سجن مظلم شنيع تحت الأرض كان يعرف “بسياه چال” أي الحب الأسود. وَصُفِّد عنق بهاء الله بقيد غليظ يثقل حمله، كان من وطأته وثقل هذا القيد على حامليه أنَّهم أَعطَوْه اسماً خاصّاً به هو “قره كهر”. وعاش حاملاً أثر ذلك القيد البغيض مطبوعاً على عنقه مدى الحياة.

 وصف حضرة بهاء الله هذا السجن بأنَّه “الزنزانة المظلمة والسجن الأنتن والذي كان فيما مضى مخزنًا لمياه حمام عام بطهران”.

      قضى حضرة بهاء الله أربعة أشهر سجينا في سجن سياه چال. ثارت خلالها موجة شديدة من العنف والاضطهاد ضد البابيين في شتى بقاع بلاد فارس. وطوال هذه الفترة كانت حياته مهدده بالموت الحتمي هو والسجناء الذين كانوا معه في سياه چال. ففي كل يوم كان الجلادون ينزلون إلى داخل السجن ويختارون أحد الأفراد لإعدامه في سبز ميدان أي ميدان تنفيذ العقوبات القريب من السجن ومن قصر الشاه. لم يهلك بهاء الله في السّجن بسرعة كما توقّع أعداؤه. فكان أن دُسّ له السّمّ في طعامه، ولكنّه نجا من هذه المحاولة بأعجوبة ومن سلسلة الاضطهادات الشديدة التي تعرض لها البابيون، ولم تكن السلطات الحكومية راغبة في الإفراج عنه لأنَّها كانت على علم بالدور الهام والمؤثر الذي يؤديه في الجامعة البابية. ونظرًا للوضع الاجتماعي لعائلة حضرة بهاء الله تبين للسلطات  أنه من غير الحكمة إعدامه دون محاكمة. ولكن المحاكمة كانت مستحيلة حيث اعترف الذين حاولوا اغتيال الشاه أثناء محاكمتهم، بأنَّ حضرة بهاء الله برئ من الاشتراك في هذه التهم، فثبتت براءته، وأطلق سراحه، وعلى الرغم من ذلك فقد أمرت السّلطات بنفيه وبإبعاده، فاختار العراق مكانا لنفيه. 

   إلا أن الشاه كان قد صادر أملاك حضرة بهاء الله قبل إطلاق سراحه، ونهب منزلة في طهران وسوِّي قصر والده في مازندران بالأرض، وصودر العديد من الأعمال الفنية ذات القيمة التاريخية النادرة وسجلت الأملاك بأسماء العديد من رجال الدولة – بما فيهم رئيس الوزراء نفسه – دون أن يدفعوا عنها أي تعويض. وعلى الرغم من تلك المعاناة الشديدة التي تعرض لها حضرة بهاء الله أثناء سجن سياه چال المظلم، تلقّى فيها حامل الظّهور الجديد، أولى بشارات رسالته السّامية. فقد نزل الوحي الإلهي على حضرة بهاء الله وعرَّفه بأنه هو “من يظهره الله”. وصف حضرته نزول هذا الوحي في ذلك السجن وفي تلك الظروف العصيبة في أحد الألواح بما يلي:

 

      “وفي ذات ليلة أصغيت إلى هذه الكلمة العليا في عالم الرؤيا من جميع الجهات، إننا ننصرك بك وبقلمك لا تحزن عما ورد عليك ولا تخف إنَّك من الآمنين سوف يبعث الله كنوز الأرض وهم رجال ينصرونك بك وباسمك الذي به أحيى الله أفئدة العارفين…” (1)

 

 

    بعد إقامة قصيرة في بغداد هذه المدينة الّتي وصفتها الأحاديث الإسلامية بـ”ظهر الكوفة” ولُقّبت قرونًا عديدة بـ “دار السّلام” الّتي “يدعو” إليها الله، بقوله:  “لهم دار السّلام عند ربّهم…  يوم يحشرهم جميعًا”، وخلّدها حضرة بهاء الله بلقب “مدينة الله”، قرّر بهاء الله الاعتزال في جبال السّليمانيّة قرب منطقة كردستان دون سابق إنذار. حيث انقطع متعبّدًا في خلوة دامت عامين، لم يكن أحد يعلم خلالها مكانه. وعندما عُرف مكانه انهالت عليه التّوسّلات للعودة للم شمل البابيين، وتنظيم صفوفهم من جديد.

    وفي بغداد كتب حضرة بهاء الله عددا من الكتب والرسائل كان من بينها “كتاب الإيقان” الذي استعرض فيه الخطة الشاملة الإلهية لخلاص البشرية. والذي يعتبر أهم كتاب بعد الكتاب الأقدس.

   بقي بهاء الله في بغداد قرابة عشر سنوات، علت أثناءها شكوى البلاط الفارسيّ من ازدياد نفوذه في منطقة يحجّ إليها الشّيعة من إيران، وينتهز كثير منهم الفرصة ليستطلع حقائق البابيّة. وزادت مخاوف البلاط الإيرانيّ بعد زيارة عدد من أفراده – من بينهم الأمراء – لبهاء الله في منزله المتواضع. فأمر السّلطان عبد الحميد باستدعائه إلى استنبول كضيف على

 

 

———————–

(1) ولي أمر الله شوقي أفندي – كتاب القرن البديع   – صفحة 128

الحكومة التركية. وبينما كان يتأهبّ ركبه للرّحيل في ربيع عام 1863، أعلن بهاء الله لأصحابه بأنّه الموعود الّذي بشّر به الباب، والّذي بظهوره تتحقق نبوءات ووعود الأديان السّابقة.

النفي إلى أدرنة

 

 

      وصل موكب حضرة بهاء الله إلى عاصمة الدولة العثمانية يوم 16 أغسطس (آب) من عام 1863م بعد رحلة شاقة مرهقة دامت ثلاثة شهور ونصف عبر خلالها جبال وعرة، على ظهور الدّواب،  حيث أقام فيها مدة قصيرة من الزمن. وبعد أن وصل بهاء الله وصحبه إلى مدينة استنبول نما إلى علمهم قرار ترحيلهم  إلى أدرنة، نتيجة للوشايات والسعايات التي كان يصطنعها أعداء الأمر البهائي وبشكل متواصل ومحموم، فأمتثل بهاء الله لأمر النفي الجديد دون اعتراض، وتابع الرحيل إلى أدرنة على الجانب الشرقي لقارة أوروبا والّتي وصلوها يوم 12 ديسمبر من نفس السّنة. حيث استمرت أقامة بهاء الله وصحبه فيها طيلة السّنوات الخمس التّالية.  

   تميزت هذه الفترة وأثناء إقامته في هذه المدينة، بتطوّر المبادئ الّتي أعلنها الباب إلى أصول وأحكام مفصّلة، وإعلان دعوته إعلانًا عامًا، وشرح النبوءات والوعود الإلهيّة الخاصة بمجيئه، وبيان نظمه البديع لحفظ الأمن في العالم، وإقامة السّلام على قواعد المساواة والعدل والتكافل، وإعداد رسائله الموجّهة إلى أعظم ملوك ورؤساء الدّول في ذلك الوقت، وفي هذه الرسائل أعلن عن نفسه على أنَّه موعود التوراة، والإنجيل والقرآن، مبلغا جمعهم مبادئ العصر الجديد ونظامه العالمي، ودعوتهم للكفّ عن الحروب، والحدّ من التّسلّح، والاتّحاد والتّعاون لخير الشّعوب، واحتوت هذه الرسائل على العديد من الإنذارات المثيرة بأنَّ العالم سيشهد في القرن التاسع عشر انقسامات ونزاعات كبيرة وهي بداية لميلاد حضارة عالمية، إنَّ الفكرة الأساسية للعصر الجديد هي وحدة جميع الجنس البشري.

   كما حذرهم جميعا من مغبّة رفض دعوته. ومن نتائج استكبارهم وعدم مبالاتهم بهذه الرّسالة السّماويّة. وقد تحققت بالفعل كل وعوده وإنذاراته، وحاق بهم جميعا ما سبق وأنذرهم به فتهاوت عروشهم من تحت أٌقدامهم، وسقطوا بقهر الله وانتقامه من كراسي العزة والقدرة والسلطان إلى حضيض الذلة والهوان والخسران على الرغم مما كانوا عليه في تلك الآونة من عزّ مبين.

النفي الأخير إلى عكّا

 

 

   في تلك المرحلة من التاريخ كانت الدولة العثمانية تعاني من التفكك وعلى شفا الانهيار. كما كانت تتعرض لضغوط شديدة بالانفصال من أقليات عديدة منتشرة في شتى أنحاء الإمبراطورية وبالأخص في المناطق الأوربية، كما بدأ العديد من الدول الخاضعة لها تنشق عليها وتعلن استقلالها مثل: اليونان، بلغاريا، صربيا ومونتيغرو. في الوقت الذي كان الميرزا حسين خان السفير الإيراني في استنبول يبذل جهدًا كبيرًا في إقناع السلطات التركية بأنَّ البهائيين في المنفى يشكلون خطرًا سياسيًا ودينيًا عليهم.

   كما حاول الميرزا يحيى الأخ الغير الشقيق وسيد محمد بأن يصوروا للحكام بأن ألواح ورسائل حضرة بهاء الله إلى الملوك والسلاطين لها جانب سياسي. كما أرسلت رسائل مجهولة الهوية إلى استنبول تحذر من مؤامرة سياسية. وكانت هذه الروايات المشبوهة بعض المصداقية، مع أنها حاولت إلصاق التهم وإثارة مخاوف الحكومة من وجود حضرة بهاء الله من أنه يستعد للقيام بثورة ضد السلطان ومحاولة الانقلاب على نظام الحكم، بحجة أن أعداد غفيرة من المؤمنين المتعاظمين أخذت تتدفق من شتى أنحاء الإمبراطورية, للقاء حضرة بهاء الله.

   ويبدو أنَّ السلطات قد تأثرت وخضعت لتلك الشائعات المغرضة. ولهذا تقرر أن تحل مشكلة المبعدين نهائيًا وبصفة دائمة، فأصدر السلطان عبد العزيز فرمانًا سلطانيًا بنفي حضرة بهاء الله وأتباعه إلى مدينة عكاء في فلسطين ليكون سجنًا أبديًا له ومكانًا لمعاقبته. 

   وفي صبيحة يوم 21 أغسطس (آب) من عام 1868م أبحر حضرة بهاء الله وحوالي سبعين إلى ثمانين شخصًا من عائلته وصحابته المخلصين من ميناء جاليبولي وبعد رحلة شاقة في سفينة بخارية مدتها عشرة أيام بالبحر وتحت حراسة مشددة وصل إلى شاطئ مدينة عكاء ودخل قلعتها المهجورة من بابها البحري.

   أعاد سجن بهاء الله بعكّا إلى الأذهان الأحاديث المرويّة حول منزلتها. ومع ذلك لمّا ورد بهاء الله إليها يوم 31 أغسطس 1868 لم يخرج أهلها مرحّبين بمن صبغ على مدينتهم هذه القداسة، ولكن اجتمعوا ليسخروا بمن وصفه فرمان 5 ربيع الآخر 1285ﻫ بمدّعي الألوهيّة، وقضى عليه بدون محاكمة بالسّجن مدى الحياة على كلّ من صاحب الظّهور وأفراد عائلته، كما أنذر الأهالي مغبّة الاختلاط بهؤلاء الأشرار أو معاشرتهم.

 

 

   اختيرت مدينة عكاء “مستعمرة القصاص” كما كانوا يطلقون عليها، على أمل أن لا يستطيع حضرة بهاء الله الاستمرار في العيش فيها. وخلال الستينات من عام 1860م كان سجن المدينة مكانًا خرابًا ومحلاً لإيواء المجرمين من شتى أنحاء الإمبراطورية العثمانية وشوارعها مليئة بالمتاهات والأزقة ومكانًا كئيبًا ذا منازل مهجورة ومنهارة. كما تهب عليها الرياح وتضرب شاطئها أمواج البحر قاذفة بفضلات البحر الأبيض المتوسط وأسماكه الميتة إلى شواطئها مؤدية إلى خلق جوً موبوء وغير صحي، لدرجة جرت في أمثالهم مقولة شهيرة، بأنَّ الطير الذي يحلق فوق عكاء فإنَّه سيقع ميتًا من عفونة الجو.

 

    تعتبر السنتان الأوليتان من سجن البهائيين في قلعة عكاء سنتين مليئتين بالصعـاب والحرمان. فمن إستنبول أصدر السفير الإيراني هناك عدة أوامر عيَّن بموجبها أحد مندوبي حكومته ليقيم في عكاء حتى يتأكد من أنَّ السلطات العثمانية تمارس الشدة اللازمة على المسجونين البهائيين. ونتيجة لهذه المعاملة القاسية توفي عدد من المسجونين ومنهم الميرزا مهدي وهو الابن الثاني لحضرة بهاء الله حيث لقي حتفه في حادث مأساوي نتيجة لظروف السجن الصعبة.

   وفي واقع الأمر كانت العزلة الّتي فُرضت على بهاء الله ومن وقت وصوله إلى سجن عكّا حتى وفاته. خير دعامة لهذا الظّهور المبارك، فقد شهدت السّنوات الأربع والعشرون الّتي قضاها بهاء الله في عكّا ومَرجِها، إبلاغ باقي رسائله إلى الرؤساء والملوك، ونزول الكتاب الأقدس متضمّنًا حدود وأحكام الشّريعة البهائيّة، وتفصيل نظامه العالمي، وانتشار دعوته من إيران والعراق، إلى تركيا، وروسيا، ومصر، والشّام، والهند.         

    وحرّر كتاب عهده وميثاقه، والذي عيّن بموجبه ابنه الأرشد عبد البهاء ليتولّى إدارة شؤون أمره وتفسير تعاليمه من بعده. وحدّد الهيئات والقيادات المستقبلة لإدارة أمر دينه، وبيّن وظيفة وسلطة كلّ منها.

 

    دخل بهاء الله مدينة عكّا سجينًا، وبقي فيها سجينًا زهاء ربع قرن – في قبضة طاغ لقبه الناس بالسّلطان الأحمر لكثرة ما أراق من دماء – واتُّهم بالكفر، وتقويض أركان الدّين، وادّعاء الألوهيّة، وتضليل النّاس؛ فحذرته أهالي عكّا أوّل الأمر،      وعلى الرغم من ذلك فقد أخذ نفوذ دعوة حضرة بهاء الله ينتشر تدريجيًا كما انتشر سابقًا في بغداد وأدرنة. أما رجال الحكومة المتعاطفون مع حضرته فقد قللوا عدد الحراس عليه وبرزت أصوات نافذة تعبر عن إعجابها واهتمامها بالدعوة الجديدة. وأعجب بحضرته شخصيات مرموقة في فلسطين ثمَّ أصبحوا من أتباعه المخلصين. فآمن به مفتي مدينة عكاء وهو من رجال الدين الإسلامي المميزين. أما حاكم عكاء فكان يخلع حذاءه قبل أن يدخل في محضر حضرة بهاء الله تعبيرًا عن احترامه العميق لشخصيته.في حين تبين للأهالي والمقيمين في عكا بعد ربع قرن قضاها بينهم، كذب كلّ ما أشيع عنه. بذلك شهدت كلماتهم وعباراتهم البسيطة فيما بعد عن النّدم والأسى لما ارتكبوه سابقا. وأعربت عن مشاعر فاضت بها قلوب صادقة، رغم ما كان يمكن أن يلحق بهم من أذى لمخالفتهم الإرادة السّنيّة.   

   وهكذا فتحت أبواب السجن، أما سيل الزائرين الذين جاءوا من كل حدب وصوب وتدفقوا كالموج وفي رجوعهم كانوا يحملون ألواحًا ورسائل عديدة منه إلى البهائيين في إيران والعراق.

      في عام 1877م أي بعد ما يقرب من تسع سنوات من قدومه إلى عكاء وافق حضرته على الانتقال إلى منطقة قريبة من السجن اسمها المزرعة وقد أعدها أصدقاؤه للسكن فيها. وبعد سنتين استطاع أتباعه أن يستأجروا له قصرًا جميلاً أطلق عليه اسم البهجة يقع في ضواحي المدينة وبأجر بسيط للسكن فيه نظرًا لأنَّ صاحبه ترك المنطقة هربًا من انتشار الوباء فيها وهناك نعم براحة وحرية نسبية، وفي عام 1890م توجه حضرة بهاء الله إلى جبل الكرمل الذي يقع على الجانب الآخر من خليج عكاء. وتردد عليه أربع مرات ونصب خيمته فوق ذلك الجبل المذكور في التوراة. ومن فوق هذا الجبل عين حضرته المكان الذي يجب أن تدفن فيه رفات حضرة الباب. وأصبح هذا المكان محورًا للعديد من المقامات والأمكنة المتبركة والأبنية الإدارية والحدائق الجميلة التي تمثل المركز العالمي للدين البهائي.

   ومع اقتراب السنوات الأخيرة من حياته ابتعد حضرة بهاء الله عن الاتصال بالمجتمع الخارجي وأخذ يقضي وقته في كتابة الألواح والرسائل ولقاء الزائرين. أمَّا شئون الجالية فقد تركها إلى أكبر أبنائه عباس الذي أطلق على نفسه لقب عبد البهاء.

     ولقد تحدث المؤرخون ومنهم البروفسور براون المستشرق كما تحدث الكثير من أولي الألباب الذين تشرفوا بمحضره في السجن وفي قصر البهجة، بأن حضرة بهاء الله لم يكن يوماً سجيناً، بل كان سلطانه وهيبته وجلاله ونفوذه وعظمة خُلُقه وغزير علمه وحكمته وعميم فضله ورحمته ومحبته العميقة للجميع، كل هذه المحامد والنعوت كانت ترفعه أمام الجميع من أعداء وأحباء إلى مرتبةٍ يتحسر على نوالها الملوك، بل ويحسدونه عليها.

     وفي أواخر عام 1891م ذكر حضرة بهاء الله لأتباعه بأنَّه قد أنجز عمله وأنَّه يرغب في ترك هذا العالم حيث قال:

    “يا سلطان الأرض والسماء إلامَ أودعت نفسك بين هؤلاء في مدينة عكا اقصد ممالك الأخرى المقامات التي ما وقعت عليها عيون أهل الأسماء”.

   بعد ذلك بفترة وجيزة أصيب بالحمى التي عانى منها فترة قصيرة وصعدت روحه الطاهرة المقدسة إلى رحاب الملكوت في فجر اليوم التاسع والعشرين من شهر مايو (أيار) من عام 1892م وقد بلغ من العمر خمسة وسبعين عامًا.

وأخيرا أود أن أشير إلى ما جاء بكتاب “هذا ما وعد الرحمن” حيث يلقي في عبارات مقتضبة ولكنها شديدة الوقع على النفس، ضوءا ساطعا على ما جابهه حضرة بهاء الله من صعوبات ومشاق لا تحتمل وحتى آخر لحظات حياته، ويبرز مدى العزم والتصميم الهائل الذي يهدأ ولا يكل في سبيل توصيل الرسالة التي كلف بها من الله سبحانه وتعالي فكتب يقول :

   “كان بهاء الله من قبل تسعة عشر عاما – حين اعتنق أمر الباب – في ريعان شبابه، جائزا على كل ما يملأ الحياة سعادة وأملا : مكانة، وثروة، وصحة، ومحبة في القلوب، وشهرة متزايدة. والآن حين تحمل مهام منصبه المقدس، جرد من كل ما يمكن أن يجرد منه : فأصبح شريدا، طريدا، معدما، أسيرا، منفيا، يتهدده سيف مصلت على عنقه في كل حين. … ووقع فريسة للاضطهاد والحرمان والتعذيب الايجابي. فلاقى علي يد الحكومة كل ألوان العذاب : من تشهير قاس، إلى سجن متصل شديد، إلى إنهاك وحرمان طويل.  وكثيرا ما كانت القسوة التي عومل بها تكاد تودي بحياته، وكثيرا ما كان عرضة لما توجبه غضبة حاكم ظالم، أو نباح جموع غفيرة من ألوان المقت والعذاب. واضطر منذ أن نفي وحتى آخر حياته إلى أن يبصر بهؤلاء المقربين، وبأولئك الذين أحبهم يتحملون ما لا يقل عما يتحمل من شدائد، وأن يراهم يذوون قبل الأوان، فيموتون متأثرين بما عانوا وقاسوا. ولم يهادنه السجن والحبس حتى آخر حياته فمات – كما عاش – سجينا منفيا، بعيد عن وطنه المحبوب الذي حكمه أجداده حكما زاهرا مجيدا. (1)”   

————

(1)هذا ما وعد الرحمن – جورج تاوزند – ص 143 – 144 

   وأرجو أن تسمحوا لي بسؤال تنزف له مشاعري ويلح بقوة على خاطري وسوف أترك الإجابة عليه لنقاء ضمائركم وشجاعة إنصافكم : فإذا لم يكن كل هذا الصبر والاحتمال على كل هذه البلايا والآلام والمآسي والمحن والتي يفوق احتمالها طاقات البشر، والتخلي عن أبهة الغنى والثروة والجاه، والاستسلام لغياهب السجن الجائر، ولقيود السلاسل والأغلال، بديلا عن فخامة القصور العامرة، ومهابة المكانة العالية ورفعة المقام السامي، والقناعة بأبسط مستلزمات الحياة والتي لم تكن متاحة في الكثير من الأحيان، فهل يمكن أن نتصور أن كل ما حدث كان من الممكن قبوله وبكل ذلك الرضي والخشوع –  دون أدنى شكوى أو اعتراض – دون أن يكون لهذا الأمر مرجعية إلهية، وهذا الصبر والاحتمال هو في حقيقته خضوعا لقضاء ولأمر إلهيّ حاسم، وتلبية لإرادة ومشيئة مثبتة ربّانيّة؟ لا يمكن الفكاك من تكاليفها أو الهروب من قضائها.

    وربما ما جرت به أحدث قصة يونس النبي وغيرها خير شاهد ودليل على ذلك 

{وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ }الأنبياء87

{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ }الأنعام35

 

وهذا ما أكده حضرة بهاء الله في سورة الهيكل قوله :

“يا سلطان إني كنت كأحد من العباد راقدا علی المهاد مرّت علیّ نسائم السّبحان وعلّمنی علم ما كان ليس هذا من عندی بل من لدن عزيز عليم و امرنی بالنّدآء بين الأرض و السّمآء بذلك ورد علیّ ما ذرفت به عيون العارفين” … “انّی لم أكن إلا كالميّت تلقآء أمره قلّبتنی يد إرادة ربّك الرّحمن الرّحيم هل يقدر احد أن يتكلّم من تلقآء نفسه بما يعترض به عليه العباد من كلّ وضيع و شريف لا والّذی علّم القلم أسرار القدم إلا من كان مؤيّداً من لدن مقتدر قدير” 

 

    وبعد صعوده وخلال مراسم التشيع لجثمانه الطاهر لم يَرْو التاريخ مِثيلاً لتلك المراثي العالية الزاخرة التي تنافس العلماء والكبراء في إلقائها بين يدي ابنه الأكبر عبد البهاء الذي عينّه بوصيته “كتاب عهدي” التي خطها ومهرها بيده الكريمة مبيناً لآياته ومركزاً لعهده وميثاقه من بعده وبذلك حفظ أتباعه وصانهم إلى الأبد من التشيع والانقسام اللذين حدثا فيما سبق من الأدوار.

   والآن ومما سبق وعرفنا عن حضرة الباب وحضرة بهاء الله علينا بعد ذلك أن نتعرف ونتفهم الحكمة الإلهية من مجىء حضرة بهاء الله كرسول جديد بشريعة جديدة في هذا الزمان. والسبب من وراء تلك المواعيد المحيرة التي امتلأت بها نصوص الكتب المقدسة عن ميعاد ومكان وعلامات الظهور. ومستقره الأخير هو وحضرة الباب المبشر. والمدهش إننا سوف نكتشف أن جميع تلك التواريخ والمواعيد قد تطابقت تطابقا مذهلا – بعد أن فك حضرته أختامها وأوضح رموزها – في الكتب الثلاثة المقدسة التوراة والإنجيل والقرآن على الرغم من اختلاف صورها وتباعد الزمان واختلاف المكان فيما بينها.

 

حكمة مجيء بهاء الله بشريعة جديدة

ونقرأ مرة أخرى من كتاب النبأ العظيم لمحمد مصطفي :

 هي نفس الحكمة التي اقتضت تعديل التشريعات السماوية فيما مضى فتطور البشرية لا تقف عند حد. والشرائع المنظمة له لا تقف كذلك عند حد. وكما تختلف الظروف التي تواجهها وتحدثها كل مرحلة من مراحل التطور كذلك يجب أن تختلف القوانين والأحكام في مرحلة عن الأخرى، وإلا لما كان هناك شيء اسمه تطور. وكما يعنى التطور دخول المجتمع في ظروف وأحوال أخرى تختلف عن الظروف والأحوال التي كان عليها، ومن ثم تتحدد مرحلة جديدة من مراحله، كذلك فالعقيدة الروحية، والنظرية الروحية، أو أي نظام روحي تكون، ويكون بغير قيمة ما لم يكن له أثر عملي في الحياة الاجتماعية.

   حتى مظاهر التعبد إلى الله فأنها أيضا تأخذ طابع العصر الجديد الذي يفتتحه الرسول الجديد وإلا فيستحيل على الشارع الحكيم أن يترك التعبد الذي هو أخص علاقة بين العبد وربه دون الدخول في الكور الجديد والاصطباغ بصبغه جديدة. فالعبادات، ما لم تتطور بمشيئة العزيز الحكيم، تظل في مقام الوردة المحرومة من فيوضات الربيع. فيها كل الخصائص ولكن عطرها وجمالها كامن في براعمها لا يظهره إلا الربيع والمرحلة الجديدة هي ربيع الحياة الإنسانية.

   خذ مثلا، الرهبنة، فهي مذكورة في القرآن الكريم، وكانت عنوان التبتل والتعبد والانقطاع في زمن له ظروفه وأحواله الخاصة. ولكن هذه الظروف تغيرت الآن، ووجب أن تتغير معها مقاييس التعبد والانقطاع. رهبنة اليوم هي غير رهبنة الأمس، ولكن لابد من رهبنة في ثوب جديد. رهبنة الأمس كانت الانقطاع عن شئون الحياة، والاعتكاف في الهياكل أو الكهوف أو شعاب الجبال. أما رهبنة اليوم فمقياسها الحقيقي العمل المنتج المستمر، وإنكار الذات وإيثار الغير في الرخاء والهناء. إنه انقطاع، ولكنه انقطاع الشجرة المثمرة التي تقدم ثمار نضجها للآكلين. ونسأل من الذي أوحى بهذا التعديل. من الذي وجه العالم إلى هذا التوجه الجديد وفتح الأعين إلى التغيير العظيم الذي استوجب تعديل الجهاز العام من أساسه في هذا العصر الجديد؟ أنه حضرة بهاء الله.

  ولنستمع إلى ما يقوله في هذا الصدد في لوح بعث به إلى ملك باريس أحد ألواح الملوك

قل يا ملأ الرّهبان لا تعتكفوا فی الكنائس و المعابد اخرجوا باذنی ثمّ اشتغلوا بما تنتفع به أنفسكم وأنفس العباد كذلك يأمركم مالك يوم الدّين اعتكفوا فی حصن حبّی هذا حقّ الاعتكاف لو كنتم من العارفين من جاور البيت انّه كالميّت ينبغی للإنسان أن يظهر منه ما ينتفع به العباد و الّذی ليس له ثمر ينبغی للنّار كذلك يعظكم ربّكم انّه هو العزيز الكريم تزوّجوا ليقوم بعدكم احد مقامكم انّا منعناكم عن الخيانة لا عمّا تظهر به الأمانة أأخذتم أصول أنفسكم ونبذتم أصول اللّه ورائكم اتّقوا اللّه و لا تكونوا من الجاهلين

   ولقد أوردنا موضوع الرهبنة بالذات على سبيل المثال لما لها من صلة بالله من حيث العبادة، وصلة بالمجتمع من حيث الأثر. والرهبنة وإن كانت بارزة في المسيحية إلا أنها ليست قاصرة عليها، بل هي تنظيم يكاد يشمل جميع الأديان وإن اختلف في الشكل بينها. فالمتصوف والراهب والناسك والفقير الهندي والكاهن وغير هؤلاء من المسميات، كلهم واحد في المعنى والأسلوب وإن اختلفوا في الشكل والرسم.”(1)   

    وكما جاء في لوح الحكمة “فضل الإنسان في الخدمة والكمال لا في الزينة والثروة والمال … اجتنبوا التكاهل والتكاسل وتمسكوا بما ينتفع به العالم من الصغير والكبير والشيوخ والأرامل …” (2) 

   ويصرح حضرة بهاء الله في كلمات شديدة الإيجاز شديدة الحسم على مفهوم ونوعية الخدمة في هذا الدور البديع فيقول ” أن الطريق الوحيد لخدمة الله، هو خدمة الناس، وليس هناك من طريق غيره”    

 

—————–

(1) النبأ العظيم – مجمد مصطفى – ص 71 – 72

(2) بهاء الله – لوح الحكمة – نسائم الرحمن ص 25

ويوضح  الأمر المبارك أن التعاليم الدينية تنقسم إلي قسمين. قسم يختص بحياة الفرد الروحية من حيث المحبة والأمانة والطهر والشرف وغيرها من المناقب الإنسانية العليا وهذا القسم لا يعتريه النسخ ولا التغيير في أي زمن من الأزمان كما أمر حضرة بهاء الله في لوح الحكمة “كن في الطرف عفيفا وفي اليد أمينا وفي اللسان صادقا وفي القلب متذكرا ”

   وهو الأساس الذي تقوم عليه الأديان وهو جوهر كل دين وكل ما يحدث لهذا القسم هو توسيع الفهم والإدراك ليحظى بامتداد تطبيقاته وشمولية آثاره، ومد ظلال حدوده ليتناغم مع تنامي الترقي والتقدم الإنساني في كل دورة إلهية.    

 

   ولنأخذ شريعة المحبة على سبيل المثال لا الحصر، حيث نعرف جميعا أن قانون المحبة هي الناموس الأعظم والفطرة التي خلق الله عليها هذا الكون العظيم، وهي بمثابة نفثات الروح القدس في روح الإنسانية، لذلك توجب علي البشر – إذا ما أرادوا مد جسور المحبة الحقيقة الصادقة – أن يحطموا قيود العادات البدوية القديمة والمغالية في التعصب للقبيلة وللمجتع، وأن تخلع الدول الأكثر تحضرا عن أنفسها أردية العنصرية البغيضة، وتتخلص من أوهام السيادة الزائفة والأمتيازات العرقية البغيضة التي تدعيها بعض الأجناس، والتي طالما كبلت مسيرة الإنسان وتسببت في اشتعال الحروب، وإلحاق الخراب والدمار للملايين من الناس في كل بقعة من بقاع العالم، خصوصا، وقد تغيرت الظروف نتيجة لثورة المواصلات والاتصالات وأصبح أهل العالم متقاربين وكأنهم سكان قرية صغيرة. فلا يجب أن تقتصر المحبة على الأبناء مثلا، بل يجب أن تمتد من الأبناء لتشمل الأقارب والأصحاب، فالجار والمدينة والوطن، لتسمو من بعد ذلك لتحيط بالعالم الإنساني بأسره، وهكذا بقية المناقب العالية. 

   ولكي يتضح من أمام أعيننا هذا التوسع التدريجي الذي شمل مفهوم المحبة تعالو نلقي بنظرة سريعة على بعض ما جاء بكتب الله المقدسة عبر الأدوار السالفة. 

 

   ويطالعنا حكم سيدنا موسى في التوراة  وَإِنْ حَصَلَتْ أَذِيَّةٌ تُعْطِي نَفْسًا بِنَفْسٍ، 24وَعَيْنًا بِعَيْنٍ، وَسِنًّا بِسِنٍّ، وَيَدًا بِيَدٍ، وَرِجْلاً بِرِجْل” خروج 21 – 23

 

   بينما عدّل السيد المسيح في الإنجيل هذا القانون ووسع قانون المحبة بفيض من السماحة والصفح والغفران فقال :«سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. 39وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. متى 5 – 31

 

 

وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. ».   متى 13 – 34

    في حين أوضح حضرة بهاء الله في إعلان رائع ومثير عن القانون الأزلي للمحبة قائلا : “اعلم أن الأوامر الإلهية تتغير في كل عصر وتتشكل بحسب مقتضيات الزمان, ما عدا قانون المحبة فأنه كالنبع الذي يفيض دائما بلا تغيير”

 

 

 

   كما نبه حضرة عبد البهاء – في أحاديثه في باريس – على لانهائية المحبة الخالصة, وعلى أنها قبول بمبدأ الوحدة والاتّحاد وما يترتّب على ذلك من آثار ونتائج مؤكدا أن مثل هذه المحبة قد أصبحت بفضل الله العلي القدير في متناول البشر. 

 

  “إن المعنى الذي أقصده هو أن على أحبّاء الله معاملة من يضمر لهم الشر كمن يأمل لهم الخير يعني أن عليهم معاشرة الأعداء بما يليق بالأحبّاء، وأن يجابهوا الظالم وكأنه رفيق كريم، وعليهم ألاّ ينظروا إلى ذنوب أعدائهم ونقائصهم وأخطائهم، وألاّ يأبهوا لعداوتهم وظلمهم وجورهم. (1)

 

 

 

     ويؤكد حضرة بهاء الله على أهمية معاشرة أهل العالم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأديانهم بأسمى أطياف المحبة الخالصة والمنزهة عن كل غرض وعلى ألا تكون هذه المحبة صادرة من ظاهر الأقوال ونابعة من القلوب التي تحررت من سموم الضغينة والبغضاء.

 

  ” يجب على أهل الصفاء والوفاء أن يعاشروا جميع أهل العالم بالروح والريحان لأن المعاشرة لم تزل ولا تزال سبب الاتحاد والاتفاق وهما سببا نظام العالم وحياة الأمم. طوبى للذين تمسكوا بحبل الشفقة والرأفة وخلت نفوسهم وتحررت من الضغينة والبغضاء.”  (2)

   “ويحذر حضرة عبد البهاء المستمعين إليه من وضع ثقتهم في محبه لا تكون خالصة نقية0 فحذر بأسلوبه اللطيف من محبه قائمة على غرض, من محبة يكون أساسها المنفعة الذاتية, من محبة لا تُفْضِي إلا إلى البُغض والكراهية.

   وعلي سبيل المثال هذا التخطيط البسيط الذي رسمه حضرة عبد البهاء والذي أصبح شهادة كل بهائي  نرى في كل فقرة من فقراته شيئا من التطبيق العملي لمبدأ المحبة السامي.

 

 

 

 

جج

————————————–

(1)   مكاتب حضرة عبد البهاء ج4 هيئة نشر أمري – 1965 – ص 133

  (2) ألواح حضرة بهاء الله بعد الأقدس، لوح الطرازان، ص 52

” ألا نكون سببا في حزن أحد, أن نكون رحماء بكل الناس, وأن نحبهم حبا صادقا, ”

” أن نحتمل الأذى والاضطهاد إذا لحقنا الأذى والاضطهاد, وأن نظهر العطف على الناس بكل ما في طاقتنا من رحمة, وأن نحب العالم في جميع الحالات, وأن نفرح إذا اشتدت بنا المصائب لأن المصائب عين المواهب ”

“أن نكون نفساً واحدة في أجساد كثيرة, فإنه بقدر ما نحب بعضنا بعضا يكون قربنا إلى الله, ولكن يجب علينا أن نعلم أن حبنا وإتحادنا وطاعتنا لا تكون بالقول بل بالعمل.”

   ومع أن قانون المحبة واحد لم يتغير ولم يتبدل، إلا أنه وبتعاقب الأدوار الإلهية، استمر التوسع في مفاهيمها النظرية وتلاحقت تطبيقاتها العملية، كنتيجة للتقدم الهائل، وتطور الفكر الإنساني في كل مجالات العلوم والفنون، والذي لم يشهد العالم مثيلا له في أي حضارة من حضارته السابقة وبدأ نورها يظهر ويتعاظم بين الناس تدريجيا إلى بلغ السمت – كما شاهدنا في تعاليم حضرة بهاء الله – حتى أضحت وكأنها البدر في ليلة اكتماله.  

   أما القسم الثاني فهو ما يختص بحياة الفرد الاجتماعية وتنظيم أحواله الشخصية من قبيل الزواج والطلاق والمواريث، وأشكال العبادات من صلاة وصيام وزكاة, والمأكولات – ما يجوز منها وما هو محرم لا يجوز تناوله، والمعاملات والقصاص الخ … وهذا القسم ليس جوهر الدين، لكنه السياج الذي يحمي الجوهر، ولذا يتعدل ويتغير بتغير الظروف، ويأخذ شكلا جديدا مع مجيء كل رسول جديد. والى هذا يشير تعالى  كما جاء في القرآن الكريم

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً…… }  سورة المائدة 48

وأيضا : {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ }  الحج67     

   والأسباب التي تبين وجه الحكمة في مجيء حضرة بهاء الله بتشريع جديد كثيرة متعددة.  منها أنه توجد في الشريعة الإسلامية أحكام لم تعد اليوم قابلة للتنفيذ لتغير الظروف، فاقتضت حكمة الله تعديلها ولنأخذ بعض الأمثلة علي ذلك وربما كان من أشهرها التوقف عن أداء نصيب المؤلفة قلوبهم والذي شرع في كتاب الله وما زال معطلا حتى أيامنا هذه.

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ }التوبة60

  ورب ما يدهشنا أن إلغاء هذا الحكم بدأ وما زال عهد النبوة قريبا، وفي عهد واحد من أشهر خلفاء المسلمين هو عمر بن الخطاب، وكانت مقولته الشهيرة تبريرا لهذا العمل المخالف لما جاء بكتاب الله وما فعله الرسول الكريم، وسار على نهجه خليفته الأول أبو بكر الصديق.

  : أن الله قد أعز الإسلام وأصبح قويا بما فيه الكفاية ولم يعد في حاجة لمساندة هؤلاء المنافقين المشكوك في ولائهم وفي إيمانهم. 

    مثل آخر أسوقه لحضراتكم وهو حكم السارق والسارقة قوله تعالى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } المائدة 38

 

   والغالبية الكبرى من أهل الإسلام يجدون حاليا صعوبة شديدة تكاد تبلغ حد الاستحالة في تنفيذ هذا الحكم. وخصوصا بعد أن صدرت منذ وقت قريب بعض الأحكام الشرعية في دولة إسلامية تطبق أحكام الشريعة، حيث حكمت المحكمة بقطع يد عامل جائع سرق بضع أرغفة من الخبر، في حين حكمت نفس المحكمة بالسجن على أحد كبار الموظفين بالدولة بالسجن لسرقته مليون جنية. وجاء في حيثيات هذا الحكم الذي فرض علامات استفهام كثيرة، بان المال المسروق هو مال عام قد يشوب مصادره شبهة الحرام والظلم والفساد لذا لا تقطع يد إنسان سرق شيئا يحتمل أن يكون ملوثا بشبهة الحرام.

    وحقيقة الأمر أن الأحكام التي من هذا القبيل صارت بحكم تغير الزمن معطلة وغير قابلة للتنفيذ، فهل يعز على منزلها استبدالها بأخرى؟ حيث يقول تعالى : {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة106    

     وكيف لعالم اليوم أن يحكم على كل صاحب يد مقطوعة بأنه سارق ثم يكون حكمه صحيحا لان أسباب قطع اليد أصبحت كثيرة ومتنوعة في المصانع وفي المعامل وفي حوادث الطرق والمواصلات. وربما كان ذلك الحكم حاسما في الزمن القديم حين كان الإنسان يعيش في البوادي والصحاري المفتوحة حيث لا سجون أو مرافق عامة. أما اليوم فمستلزمات العصر اختلفت، وأصبح توفير الأيدي العاملة السليمة في المصانع والحقول شيء مهم للغاية وقطع اليد يؤثر سلبا على اقتصاديات أي دولة في العالم وهنا لابد وقد تغير العصر أن يتغير الحكم.

   ولنستمع إلى حكم حضرة بهاء الله بالنسبة لحد السرقة

 ” قد كتب على السّارق النّفي والحبس وفي الثّالث فاجعلوا في جبينه علامة يعرف بها لئلاّ تقبله مدن الله ودياره ايّاكم أن تأخذكم الرّأفة في دين الله اعملوا ما امرتم به من لدن مشفق رحيمõ  (1)  

 

——————

  (1) كتاب الأقدس أية 45

   وأما هذه العلامة فسوف يحددها بيت العدل قي الوقت المناسب، وعلى الرغم من أن هذا الحكم جاء خلوا في ظاهره من القسوة والتعذيب البدني، إلا أن الموت قد يكون أهون بكثير من طبع الجبين بعلامة تعد بطاقة تعريف غير قابلة للتزوير تقول للناس في كل مكان – هذا سارق.

 

    ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة، وألا فقضايا الأحوال الشخصية المعقدة عند الأمم، والفوائد المالية في معاملات البنوك، ونظام الضرائب الذي حل محل الزكاة وإن بقيت راسخة في الوجدان. كل هذه وغيرها هي مثار للجدل والأخذ والرد بين الحين والآخر ولكنها تنبه الأذهان إلى أن عالم اليوم قد أصبح في أمس الحاجة لتشريع جديد من عند الله، والى أن آثار هذا التشريع ظاهرة واضحة لائحة بحيث تتحرك بها عقول المفكرين، ولم يبق إلا أن يبحث العالم في شجاعة وجديدة وإخلاص عن صاحب هذا التشريع الجديد، وعن النافخ بها الروح الجديد.

 

 

الأجل المضروب لكل الامم

 

  سبق وأن عرضنا في الصفحة رقم 24 وما بعدها من هذا الكتاب, وبشىء من التفصيل عن المقصود من لفظة الأمة وقلنا أن كلمة الأمة تشير في معناها الواسع الى كل جماعة من الناس تعيش على أرض واحدة وتتكلم بلسان واحد، ويؤمن غالبيتهم بعقيدة واحدة. الا أن الله اطلق هذا اللقب وتحديدا في القرآن الكريم علي جموع المؤمنين بالرسالة الالهية في كل الدورات، كأمة ابراهيم واسماعيل وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعا افضل الصلاة والسلام. ولم يعنى بذلك اللقب أي من الشعوب أو القبائل.

  كذلك حدد الله سبحانه وتعالى في الكثير من الآيات القرآنية القاطعة والتي لا تقبل الشك أو التأويل أو التحريف، الفترة الزمنية المفترضة لعمر كل أمة، والموعد القاطع لانتهاء أجل كل واحدة منها

 

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }الأعراف34

{مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ }الحجر5

 

   ويقرر القرآن في صراحة ووضوح مبدأ قانوني راسخ، يؤكد أن توالي ظهور الرسل استمر عبر الالاف من السنين، وأنهم بعثوا وحملوا رسالات ربهم الى جميع الامم بغير استثناء. وأن بعثة الرسول الجديد وظهور كتاب جديد، يقضي الله بين الناس بالعدل، وتتحقق علامة انقضاء اجل الامة السابقة بظهور هذا الكتاب الجديد، وبه يختتم الله الدين السابق ويفتتح به الرسالة  اللاحقة.

 

{ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } الرعد 38 – 39

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }يونس47

 

   وعلى الرغم من إيمان جميع الأمم السالفة، بمصداقية هذه القوانين، ويقينها العميق بأن نصوصها المقدسة قد جرت وتحققت على من سبقتهم من الأمم الغابرة، إلا أن كل أمة من هذه الأمم – وبدون استثناء – جادلت عن نفسها، واعترضت على هذه السُنَّة، وشككت في خضوعها لهذا القانون السرمدي، وأعتبرو أمتهم حالة متفردة استثنائية، لأن تباعد الحقب والسنين بين الناس وتقادم الأزمان بين الكثير من الأجيال، وثباتهم على منهج واحد ووتيرة واحدة وعادات لا تتبدل ولا تتغير، تصيبهم بالصدمة لهذا التغيير المفاجىء الذي يحدثه مجيء رسول جديد بكتاب جديد، ويحدثهم بحديث يخالف لما عهدوه لعادات الآباء والأجداد التي طالما قدسوها وآمنوا بها، وللشرائع التي طالما اتبعوها فيسارعوا بالرفض والاعتراض والتكذيب. وكأنها أضحت غريزة من طبائع الإنسان لا يقدر على مخالفتها ويستطيع الفكاك من عوارها، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم. 

{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون }يس30

{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ }الزخرف22

  ومعاتبا الناس في أسف وأسى عميق من أنهم يؤمنون بما قبله ويكفرون بما بعده وكأنهم هم أصحاب الحق الوحيد وكل من عداهم على باطل.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ }البقرة91

   حتى أنهم يمارون الناس في مصداقية المواثيق الإلهية، ويكذبون على أنفسهم مؤكدين بأن الله ورسولهم قد قطعوا معهم ميثاقا أبديا وعهدا لا ينقض بدوام وخلود أمتهم، ومن الطريف أن الله قد سخر أيضا من مثل هذه الأفكار التي كانوا يرددونها وسفه تخيلاتهم وأمانيهم.

 

{وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }البقرة111

  وبالطبع لم تشذ أمة من الأمم السالفة عن سلوك نفس الطريق، أو تُسْتَثنى عقيدة أمة من اليقين بأنها ستكون الأمة الوحيدة من دون الأمم، الناجية من هذا المصير المحتوم.

   وبداهة لست في حاجة لأي دليل أو برهان عندما أقرر أن إخواننا المسلمين قد سلكوا نفس هذا السلوك، وأيقنوا بنفس يقين الأمم السابقة، ولنطالع، ونشاهد كل ما يكتبه ويردده كل عالم أو باحث أو صحفي مسلم في الكتب والجرائد والصحف والإذاعات المسموعة والمرئية ليل نهار، في كل أرجاء الوطن العربي، متباهين بخلود أمتهم على الرغم من تلك الآيات الصريحة التي وردت بالقرآن الكريم وأكدت بما لا يدع مجالا للشك أن الأمة الإسلامية هي أمة قد خلت من قبلها الأمم وستجرى عليها نفس السنن والقوانين الإلهية التي جرت علي السابقين.

   {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }البقرة143

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104

  ولا يبدو في آيات القرآن الكريم أن الله قد استثنى الأمة الإسلامية بالخلود دون باقي الأمم بل وجه إليهم الكثير من النصائح الشفوقة والتحذيرات الصارمة بألا يرتكبوا أفعال الأمم السابقة والتي بسببها حل عليهم القول فدمرهم الله تدميرا، حتى لا يلقوا نفس المصير ويحق عليهم نفس الجزاء الرادع.

   وقد يلفت انتباهنا أن الرسول الكريم نفسه يصرح وبغاية القوة في سورة يونس أنه وإن كان هو الرسول الحبيب والمصطفي من الله سبحانه وتعالي لا يملك لنفسه إزاء هذا الأمر لا ضرا ولا نفعا، فما بالكم ببقية الناس من أمته، ويجزم مرة أخرى بتحقق الوعد القاطع، وبأنه عندما تحين النهاية ويحين الأجل لن تستأخر ولن تستقدم أي أمة عن أجلها ولو ساعة، وبكل تأكيد كان يشمل الأمة الإسلامية، وأنها ستخضع هي الأخرى بلا ريب لنفس السنن ولنفس القوانين. 

 

{قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }يونس49

   وقد يتبادر إلى الأذهان سؤال على قدر كبير من الأهمية، فإذا ما اعتقدنا بصحة كل ما أوردناه من بيانات ودلائل فما هو الموعد الذي ضربه الله لانتهاء أجل الأمة الإسلامية؟

   تكمن الإجابة على هذا السؤل في الآيات المتشابهات والتي كان تأويلها مكنونا في غيب الله وعلمه، حتى جاء اليوم الموعود الذي ظهر فيه حضرة بهاء الله الموعود وأتى بالتأويل، وفك بإصبع القدرة، ختم رحيق الآيات الخفية ويبين لنا ما تشابه من الآيات الواردة في جميع الكتب المقدسة.

ويوضح كتاب النبأ العظيم موضوع أجل الأمة الإسلامية يقول :

   (ولعل الأجل المحدد للأمة يشبه تماما الأجل المحدد للإنسان الفرد، حيث لا يمكن معرفة أجل الفرد ألا عند انتهائه، فإذا مات كان موته إعلانا بانقضاء أجلة، وبالنسبة للأمة ، فظهور الرسول الجديد هو الإعلان الرسمي والوحيد بانقضاء أجلها. والإعلان بانقضاء أجل الأمة الإسلامية تحقق بظهور الباب الموسوم بالمهدي وبظهور كتابه الجديد “البيان” وذلك في سنة 1260 هـ الموافق سنة 1844 م.

   ولقد حدد في القرآن الكريم هذا التاريخ في الآية المباركة {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}  السجدة 5

   وتقول السيدة مرضية جايل في كتاب “ستة دروس في الإسلام” : المراد من الأمر هو دين الله الذي نزل به القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من سماء العزة والرحمة إلى أهل الأرض.

   بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كان تدبير شئون الدين وحمايته وترويجه موكولا إلى الأئمة الإثنى عشر من العترة النبوية من سلالة سيدنا محمد علية الصلاة والسلام، كما أشار إليه الحديث النبوي الشريف ” إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي” والمعروف أنهم جميعا قد استشهدوا في سبيل الحق عدا الأخير منهم على الأرجح حيث مات سنة 260 هجريا وهو طفل، وخليفة أربعة عرفوا باسم “الأبواب الأربعة” وكانوا بمثابة الوسطاء لمدة 69 سنة، ومن سنة 260 هـ إلي سنة 1260 هـ ، أي لمدة ألف سنة ساد الصمت إلى أن ظهر حضرة الباب برسالة جديدة وكتاب جديد. ( انتهى). فقوله تعالى : لكل  أمة أجل  ثم  ولكل أجل كتاب قد تحقق كلاهما بظهور حضرة الباب وكتابه البيان. ثم بظهور حضرة بهاء الله في أعقاب حضرة الباب، ومجيئه بـ   صحف مظهرة فيها كتب قيمة  أنقضى أجل الدورة البابية. ) (1)

 

 

 

تطابق المواعيد الإلهية

 

   مما تقدم عرفنا المعنى المقصود من عمر وأجل كل أمة من الكتب المقدسة، ووعد الله بأنه صانع أمورا جديدة تختلف تماما عن الأوليات كما تشير إليه ما جاء في سفر حبقوق في التوراة «اُنْظُرُوا بَيْنَ الأُمَمِ، وَأَبْصِرُوا وَتَحَيَّرُوا حَيْرَةً. لأَنِّي عَامِلٌ عَمَلاً فِي أَيَّامِكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ بِهِ إِنْ أُخْبِرَ بِهِ.) حبقوق إصحاح 1 عدد ه

 

 

   فأي دهشة هذه تثيرها نبوءات كتب الله المقدسة أشد من أن تلتقي في يوم وعد به الله تعالى مستورة آلاف السنين. قال تعالى في سورة الجاثية {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} الجاثية 28

 

 وقال أيضا في سورة الأعراف {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } الأعراف 53

 

 

  وكان القصد الالهى من هذه الآيات أن يربط بين إتمام الحجة وبين اليقين الذي يتوج الفهم عند مجيء التأويل في اليوم الآخر، وقت النهاية كما أشار دانيا.

 

   ولا دخل للاجتهاد الشخصي فيما نحن بصدده من الشرح. إذا الفضل كله يرجع إلى حضرة عبد البهاء الذي تناول بقلمه نبوءات الكتب المقدسة فقرة فقرة، وشرحها شرحا وافيا شافيا وفصل ما أراد الله تفصيلة للعباد في هذا اليوم المقدس العزيز المنيع.

وقبل أن لنشرع في سرد النبوات. يهمنا التنبيه إلى حقيقتين أساسيتين :

 

الأولى : أن اليوم معتبر بسنة في اصطلاح التوراة والإنجيل : فَتَحْمِلَ إِثْمَ بَيْتِ يَهُوذَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَقَدْ جَعَلْتُ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ عِوَضًا عَنْ سَنَةٍ.” حزقيال ص 4 : 6.

 

 

————————-

(1) النبأ العظيم – محمد مصطفي – ص 60 – 61

 

34كَعَدَدِ الأَيَّامِ الَّتِي تَجَسَّسْتُمْ فِيهَا الأَرْضَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، لِلسَّنَةِ يَوْمٌ. تَحْمِلُونَ ذُنُوبَكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَتَعْرِفُونَ ابْتِعَادِي.” العدد ص 14 : 34

 

الثانية : أن المواعيد ذكرت بحساب السنة القمرية وعلي أساس 360 يوما للسنة.

“فِي الشَّهْرِ الثَّانِى، فِي الْيَوْمِ السَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، انْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ، وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ.” تكوين ص 17 : 11

وَاسْتَقَرَّ ُ فِي الشَّهْرِ السَّابعِ، فِي الْيَوْمِ السَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ” تكوين ص 8 : 4

“وَتَعَاظَمَتِ الْمِيَاهُ عَلَى الأَرْضِ مِئَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا.” تكوين ص 7 : 24

فمن يوم 17 من الشهر الثاني إلى 17 من الشهر السابع يكون 5 شهور بعدد أيام 150 يوم أي 5 شهور ×  30 يوم  = 150 يوم

والآن نشرع في سرد النبوات 

في الإنجيل :

جاء في الإصحاح 11 من سفر الرؤيا في الإنجيل. “1ثُمَّ أُعْطِيتُ قَصَبَةً شِبْهَ عَصًا، وَوَقَفَ الْمَلاَكُ قَائِلاً لِي:«قُمْ وَقِسْ هَيْكَلَ اللهِ وَالْمَذْبَحَ وَالسَّاجِدِينَ فِيهِ. 2وَأَمَّا الدَّارُ الَّتِي هِيَ خَارِجَ الْهَيْكَلِ، فَاطْرَحْهَا خَارِجًا وَلاَ تَقِسْهَا، لأَنَّهَا قَدْ أُعْطِيَتْ لِلأُمَمِ، وَسَيَدُوسُونَ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا. 3وَسَأُعْطِي لِشَاهِدَيَّ، فَيَتَنَبَّآنِ أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا، لاَبِسَيْنِ مُسُوحًا». ”

 

ويتكرر نفس الرقم 1260 أيضا في سفر الرؤيا إصحاح 12        

 

وجاء في التوراة إصحاح 12 سفر رؤية دانيال النبي

 

5فَنَظَرْتُ أَنَا دَانِيآلَ وَإِذَا بِاثْنَيْنِ آخَرَيْنِ قَدْ وَقَفَا وَاحِدٌ مِنْ هُنَا عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَآخَرُ مِنْ هُنَاكَ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ. 6وَقَالَ لِلرَّجُلِ اللاَّبِسِ الْكَتَّانِ الَّذِي مِنْ فَوْقِ مِيَاهِ النَّهْرِ: «إِلَى مَتَى انْتِهَاءُ الْعَجَائِبِ؟» 7فَسَمِعْتُ الرَّجُلَ اللاَّبِسَ الْكَتَّانِ الَّذِي مِنْ فَوْقِ مِيَاهِ النَّهْرِ، إِذْ رَفَعَ يُمْنَاهُ وَيُسْرَاهُ نَحْوَ السَّمَاوَاتِ وَحَلَفَ بِالْحَيِّ إِلَى الأَبَدِ: « إِنَّهُ إِلَى زَمَانٍ وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفٍ. فَإِذَا تَمَّ تَفْرِيقُ أَيْدِي الشَّعْبِ الْمُقَدَّسِ تَتِمُّ كُلُّ هذِهِ».

 

 

 

 

 

 … 11وَمِنْ وَقْتِ إِزَالَةِ الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَإِقَامَةِ رِجْسِ الْمُخَرَّبِ أَلْفٌ وَمِئَتَانِ وَتِسْعُونَ يَوْمًا.

13فَسَمِعْتُ قُدُّوسًا وَاحِدًا يَتَكَلَّمُ. فَقَالَ قُدُّوسٌ وَاحِدٌ لِفُلاَنٍ الْمُتَكَلِّمِ: «إِلَى مَتَى الرُّؤْيَا مِنْ جِهَةِ الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَمَعْصِيَةِ الْخَرَابِ، لِبَذْلِ الْقُدْسِ وَالْجُنْدِ مَدُوسَيْنِ؟» 14فَقَالَ لِي: «إِلَى أَلْفَيْنِ وَثَلاَثِ مِئَةِ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ، فَيَتَبَرَّأُ الْقُدْسُ». الرؤيا ص 8 عدد 12  

  من هذه الآيات المباركة يتبين الاتفاق والتطابق التام لفظا ومعنى بين ما جاء في رؤيا يوحنا في الإنجيل ورؤيا دانيال رغم ما يفصل بينهما من القرون فهما يذكران معا هذه المواعيد حرفيا :-

أ   –  زمان وزمانين ونصف زمان  

ب _ 42 شهرا

ج _ 1260 يوما

 وهذه المواعيد كلها تتحقق في سنة 1260 باحتساب اليوم بسنة كما تقدمت الإشارة إليه

فزمان وزمانين ونصف زمان عبارة عن يوم ويومين ونصف يوم، أي سنة وسنتين ونصف سنة:

سنــــة     360   يوما

سنتيـــن     720   يوما

نصف  سنة      180  يوما

                ——–

                  1260  يوما

 

والاثنان والأربعون شهرا عبارة عن  42 × 30 يوم للشهر = 1260 يوما أي سنة.

ولمطابقة هذا التاريخ على التقويم الميلادي تعطينا العملية الآتية نفس النتيجة :

1260 سنة × 354 ” عدد أيام السنة القمرية”  = 446040 يوم

وبقسمة  446040 يوم  ÷ 365  “عدد أيام السنة الميلادية” = 1222 سنة

وبإضافة هذه السنين إلى السنة التي بدأ فيها التاريخ الهجري فيكون المجموع

1222 + 622م ” بدأ التاريخ الهجري”  = 1844 (1)

 

 

 

———————–

(1) النبأ العظيم – محمد مصطفي – ص 63 – 64

   ويقول وليم سيرز في كتابه القيم “لص في الليل” : وبهذا اتفق العلماء على أن السنة تحتوي على 360 يوما، أو 12 شهر، وكل شهر 30 يوم. وبهذا يكون اليوم في حساب النبوءات بسنة تحتوي على 360 يوم.

   وباستعمال هذه الحسبة المتفق عليها، {اليوم بسنة}، حَسَبَ العلماء أن الأمم سوف تطأ المدينة المقدسة “أورشليم” مدة 1260 سنة. وبالتالي سوف تقرأ النبوءة من الكتاب المقدس بالطريقة التالية: “سوف تطأ الأقدام المدينة المقدسة {أورشليم} لمدة 1260 سنة.

  واستنادا إلى الوعد الثاني من وعود حضرة المسيح الثلاثة(1), والتي أشارت إلى ظهور علاماتها عند رجعته، ستدوس هذه الأمم (الرومان والمسلمين) المدينة حتى ساعة عودة المسيح والتي ستكون 1260 سنة حسب قياس النبوءات. وطوال ذلك الوقت، سينفى اليهود من أرضهم ويبعدوا. لكن.. في ساعة عودة المسيح، سيمنحون رخصة العودة، وسينتهي {زمان الأمم}.

   وبتفحص التقويم الهجري للأمة الإسلامية التي أخذت المدينة المقدسة، ظهر لعلماء النبوءات الألفية شيء غريب، وهو: أن سنة 1260 في التقويم الهجري، تتوافق مع سنة 1844م في التقويم المسيحي.

   وأن سنة 1260 التي جاءت في النصوص المقدسة كموعد لانتهاء {زمان الأمم} والسماح لليهود بالعودة إلى ديارهم، كانت هي ذات سنة 1844م عندما أُجْبِرَ فيها حكام المسلمين على توقيع {وثيقة التسامح} التي تجيز عودة اليهود إلى فلسطين. (2)

   وهي السنة التي ظهر فيها حضرة الباب المبشر بحضرة بهاء الله. وأعلن فيها في رسالته في مدينة شيراز. وانتهت بظهوره العجائب المشار إليها وبظهور حضرة الباب يكون أيضا قد انتهى أجل الأمة الإسلامية وتحقق قوله تعالى : لكل أمة أجل.

   ويكمل وليم سيرز تفسير هذه الوعود الإلهية يقول : ( كان الوعد الثالث للمسيح أكثر إثارة من غيره. ولقد ورد هذا الوعد في الإصحاح الرابع والعشرين لإنجيل متى. جوابا لأسئلة مباشرة لتلاميذه: “وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين قل لنا

 

———————–

(1) رجاء انظر الهوامش في نهاية الكتاب

(2)وليم سيرز – كتاب لص في الليل – ص 22 – 23

متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر.”

وكما تنبأ المسيح {أن الظلم سوف يسود} في ذلك اليوم، وان {المحبة ستكون باردة} ذكر وعده الثالث بهذه الكلمات: «فَمَتَى نَظَرْتُمْ «رِجْسَةَ الْخَرَابِ» الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ ­لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ.”

 

 

   جاءت نبوءات دانيال التي تتعامل مع هذا الموضوع، شاملة من الإصحاح 8 إلى الإصحاح 12. ولم تتنبأ هذه الفصول، بمجيء المسيح الثاني فقط، ولكن لفرط الدهشة، كانت تتكلم عن ظهوره الأول أيضا.)(1)

فجاء في رؤيا دانيال إصحاح 8 عدد 12 “:فَسَمِعْتُ قُدُّوسًا وَاحِدًا يَتَكَلَّمُ. فَقَالَ قُدُّوسٌ وَاحِدٌ لِفُلاَنٍ الْمُتَكَلِّمِ: «إِلَى مَتَى الرُّؤْيَا مِنْ جِهَةِ الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَمَعْصِيَةِ الْخَرَابِ، لِبَذْلِ الْقُدْسِ وَالْجُنْدِ مَدُوسَيْنِ؟» 14فَقَالَ لِي: «إِلَى أَلْفَيْنِ وَثَلاَثِ مِئَةِ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ، فَيَتَبَرَّأُ الْقُدْسُ».

 

كذلك أشار أيضا دانيال في إصحاح 12 « إِنَّهُ إِلَى زَمَانٍ وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفٍ. فَإِذَا تَمَّ تَفْرِيقُ أَيْدِي الشَّعْبِ الْمُقَدَّسِ تَتِمُّ كُلُّ هذِهِ». 

   وهذا الموعد تحقق بظهور الإسلام عندما فتح القدس وطرد اليهود منها نهائيا وتقرر الحكم بالإعدام على كل يهودي يدخل إليها ولو خلسة، بذلك تم إبطال المحرقة الدائمة وتم تفريق الشعب اليهودي إلى كل أنحاء المعمورة.

 

   أما في إصحاح 8 فيشير إلى 2300 صباحا ومساءا، متى تنتهي معصية الخراب لبذل القدس والجند مدوسون. ولكن السؤال الذي نسعى لمعرفته الآن هو إلى متى تستمر هذه الحالة؟ ومتى تتبدل؟

 

    ويشرح لنا وليم سيرز مرة أخرى المعاني الكامنة من وراء كل هذه الوعود والوحدة الوثيقة لكل تلك التفاصيل الدقيقة والتي قد تبدو للوهلة الأولى متناقضة يقول :  كان هذا هو الرابط بين المجيء الأول والثاني للمسيح الذي أعطى هذه الفصول من إصحاح دانيال مثل

 

———————–

(1)وليم سيرز – كتاب لص في الليل – ص 24

هذه الأهمية عند دراسة الموضوع، وفي الحقيقة أن الوعد الثالث يعتبر أهم الوعود الثلاثة.

 

25فَاعْلَمْ وَافْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا، يَعُودُ وَيُبْنَى سُوقٌ وَخَلِيجٌ فِي ضِيقِ الأَزْمِنَةِ. 26وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا. 27وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ

الأُسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ، وَعَلَى جَنَاحِ الأَرْجَاسِ مُخَرَّبٌ حَتَّى يَتِمَّ وَيُصَبَّ الْمَقْضِيُّ عَلَى الْمُخَرِّبِ … فَتَأَمَّلِ الْكَلاَمَ وَافْهَمِ الرُّؤْيَا. 24سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ ».  دانيال 9 : 24 – 27

   في هذه الإصحاحات يتنبأ دانيال، أنه منذ صدور القرار بتجديد أورشليم وحتى وقت صلب المسيح، ستكون المدة 70 أسبوعا. ولقد أعطى دانيال هذه النبوءة بطريقتين مختلفتين:

1 – سبعين أسبوعا.

2 – سبعة أسابيع، و 62 أسبوعا، وأسبوع واحد؛ التي سيتحقق خلالها وعد المسيح.

    وعلى كل حال، فمجموع الطريقتين يشير إلى 70 أسبوعا أو 490 يوما. وبهذا تكون 490 سنة، حسب نبوءة (كل يوم بسنة).

   في مجيئه الأول ـ تقول النبوءة ـ أنه منذ صدور قرار التجديد وحتى وقت الصلب أو القتل، ستنقضي 490 سنة. لهذا كان مهم جدا بالنسبة لي اكتشاف تاريخ صدور قرار التجديد. فوجدت أن هناك أربع قرارات صدرت لتعمير أورشليم. وكانت كالتالي:

1 – القرار الأول، صدر من {سيروز} (كورش) في سنة 536 قبل الميلاد. هذا القرار سجل في الفصل الأول من كتاب عزرا. لكنه لم ينفذ.

2 – القرار الثاني، صدر من {داريوس} في سنة 519 قبل الميلاد. ولقد سجل هذا القرار في الفصل السادس من كتاب عزرا. وهذا لم ينجز أيضا. فلقد جددت القبة فقط.

3 – القرار الثالث، صدر من {آرتاكسيركسيس} (ارتحشستا) في السنة السابعة من تسلمه السلطة سنة 457 قبل الميلاد. وهذا مذكور في الإصحاح السابع من كتاب عزرا. وقد نفذ من خلال القرار الرابع.

4 – القرار الرابع، صدر أيضا من {آرتاكسيركسيس} (ارتحشستا)، سنة 444 قبل الميلاد. وهذا مذكور في الإصحاح الثاني من سفر نحميا. وهذا القرار يكمل القرار الثالث.

لقد وافق غالبية علماء النصوص المقدسة، أن القرار الثالث للملك ارتحشستا، هو القرار المشار إليه في سفر دانيال، وعللوا ذلك بالقول، انه طالما كان القرار الرابع يعتبر تمديدا للقرار الثالث، وأنهما صدرا من نفس الملك، فيكون في حقيقته قرار واحد. لذلك قرروا أن تاريخ الإصدار كان في 457 قبل الميلاد.

بهذه المعلومة، يمكن الآن قراءة نبوءة دانيال بالطريقة التالية: منذ صدور قرار ارتحشستا في سنة 457 قبل الميلاد وحتى زمن صلب عيسى المسيح، سيكون قد مضى 70 أسبوعا أو 490 يوما، أو حسب النبوءة 490 سنة.

ويطرح علماء الإنجيل، الرقم 457 من 490، فتكون النتيجة هي 33 سنة. وهي عمر المسيح أو المدة التي سيحياها  في مجيئه الأول عندما يقتل أو يصلب أو يرفع إلى السماء أو أي كان الاصطلاح الذي تقبلونه.

    وعلى كل حال، فالجميع يدورون حول المدة التي تنبأ بها دانيال. فلا عجب وقد أعطى دانيال موعدا دقيقا مذهلا لموعد ظهور المسيح الأول. أن يؤكد المسيح بنفسه على نبوءة دانيال بخصوص مجيئه الثاني أو عودته. فلقد أخبر تلاميذه {أن يقفوا في المكان المقدس} عندما تتحقق نبوءة دانيال حول {زمان الحقد}. وفي ذلك اليوم وعد بعلامات مجيئه الثاني :

 َحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ.” متى 24 : 30

 

     كانت كلمات نبوءة دانيال دقيقة، وبخصوص زمن الحقد، والتي كانت تدور في عناية حول سنة 1840 على الرغم من أنها أعطت موعدا جديد : “فسمعت قدوسا واحدا يتكلم فقال قدوس واحد لفلان المتكلم إلى متى الرؤيا من جهة المحرقة الدائمة ومعصية الخراب لبذل القدس والجند مدوسين. فقال لي إلى ألفين وثلاث مئة صباح ومساء فيتبرأ القدس”. رؤيا دانيال في إصحاح 8 عدد 12   

وهكذا يكون دانيال قد تنبأ بمرور 2300 يوم قبل أن يتبرأ القدس.

    وبانتهاء هذا الوقت، ستتطهر جميع الأشياء مرة أخرى. أما قبل هذا الوقت، فسيقع الناس في حالة من {الكراهية} تجاه الله والإنسان معا؛ ثم يظهر المسيح ويصحح أيمانهم ويطهر معتقداتهم. كان هذا هو الاستنتاج بشكله العام.

لكن.. متى يحصل هذا؟ يقول دانيال لابد من مرور 2300 يوم. وحسب النبوءة يكون المقصود هو 2300 سنة. وباستعمال ذات مسطرة القياس بالنسبة للمجيء الثاني، كما استعملت بالنسبة للمجيء الأول (قرار ارتحشستا) يمكننا استنتاج ما يلي:

1 – صدر قرار التجديد في سنة 457 قبل الميلاد. وبطرح 457 من 2300، يكون الناتج 1843. وهكذا قالوا أن سنة 1843م، ستؤشر إلى بداية النهاية {الخلاص من الرجس}.

بينما أشار بعض العلماء، انه ومنذ صدور القرار سنة 457 قبل الميلاد، وحتى ميلاد المسيح هناك 456 سنة، وليس 457؛ لذلك فمن الضروري طرح 456 من 2300. وهكذا ينتج 1844 سنة.

كذلك نهض العديد من المجادلين ليتساءلوا عن الشهر واليوم والساعة بالضبط، وكان هناك اتفاق مبدأي بينهم جميعا على أن موعد عودة المسيح سيكون بين سنة 1843م وسنة 1845م، وبهذا تكون سنة 1844م محور هذه الإشارات.”

 

حول نبوءة دانيال. وتفسير موعد (2300 سنة)، نجد إن {وثيقة التسامح} قد طبعت في سنة 1260 هجرية حسب التقويم الإسلامي. المؤرخة في 21 مارس 1844م حسب التاريخ الجريجوري. ويقابل هذا التاريخ الأول من نيسان سنة 2300 حسب التقويم اليهودي، وهو ما يعنى مرور 23 قرناً بالضبط، بداية من الأول من نيسان سنة 457 قبل الميلاد، وهو ذات اليوم الذي ذكر عزرا أنه غادر فيه مدينة بابل امتثالا لأمر ارتحشستا الصادر في السنة السابعة من عهده. وهكذا تتثبت سنة 1844م في عقولهم على أنها سنة تحقق الوعد الثالث للمسيح بخصوص نبوءة دانيال. (1)

 

 

المزيد من التفاسير

 

ولنعد مرة أخرى الى ما جاء في  سفر الرؤيا في الإنجيل. لأنه في الوقت الذى أشارت فيه رؤيا دانيال بالتفصيل الى ظهور حضرة المسيح، فانها اجملت الاشارة الى ظهور سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، للوصول بالتاريخ الى الظهور التالي الموعود.

وهو ما ورد أيضا في سفر رؤيا دانيال الاصحاح 12: 11- 12

———————–

(1) وليم سيرز – كتاب لص في الليل – ص 24 – 26

وَمِنْ وَقْتِ إِزَالَةِ الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَإِقَامَةِ رِجْسِ الْمُخَرَّبِ أَلْفٌ وَمِئَتَانِ وَتِسْعُونَ يَوْمًا. 12طُوبَى لِمَنْ يَنْتَظِرُ وَيَبْلُغُ إِلَى الأَلْفِ وَالثَّلاَثِ مِئَةٍ وَالْخَمْسَةِ وَالثَّلاَثِينَ يَوْمًا.

ويعطي دانيال في هذا السفر ميعادين : 1290 و 1335 يوما “واليوم بسنة” وبينانهما كالاتي :

1 – 1290 : وهذه تشير الى سنة ظهور حضرة بهاء الله من بدء قيام الدعوة المحمدية والهجرة التى وقعت بعد 7 سنوات من الدعوة ويضاف اليها 3 سنوات هى مدة الدعوة السرية في دار الارقم بن ابي الارقم فيكون المجموع هو 10 سنوات. فاذا طرحنا 10 من 1290 يكون الباقي 1280. وهي السنة الموافقة لسنة 1863 ميلادية والتى أعلن فيها حضرة بهاء الله دعوته في بغداد قبيل مرحلة نفيه لثانى مرة الى اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية.

2 – اما 1335 فتشير الى مرور القرن الاول علي ظهور حضرة بهاء الله من بداية ظهور سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، أي سنة 1963م بالحساب الميلادي.

ولمزيد من الايضاح عن هذا الحساب : أن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، قام في البداية بالدعوة سرا لمدة 3 سنوات، آمن خلالها السيدة خديحة وورقة بن نوفل، والقليل من الصحابة الأجلاء، أما بداية الدعوة العلنية فكانت في سنة 622 ميلادي.       

فاذا أضفنا 3 سنوات الدعوة سرا + 1335 = 1338 سنة

وبطرح هذا الرقم 1338 من 1963وهي السنة التى يتم فيها مرور قرن على دعوة حضرة بهاء الله = 625 سنة وهي مجموع 622 السنة الميلادية لبداية دعوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، + 3 سنوات الدعوة السرية.

 أما رؤيا يوحنا فقد أشارت الى ظهور سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام،  بالتفصيل.

 فقد أشارت الى الدار التى هي خارج الهيكل فانها اعطيت للامم وسيدوسون المدينة المقدسة 42 شهرا “1260 يوما أي سنة”. كما أشارت الى الشاهدين فيتنبآن ألفا ومائتين وستين يوما “1260” أي سنة، والى المرأة المتسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسهها إكليل من إثنى عشر كوكباوالى التنين العظيم الذي له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى رأسه سبعة تيجان. 

1ثُمَّ أُعْطِيتُ قَصَبَةً شِبْهَ عَصًا، وَوَقَفَ الْمَلاَكُ قَائِلاً لِي:«قُمْ وَقِسْ هَيْكَلَ اللهِ وَالْمَذْبَحَ وَالسَّاجِدِينَ فِيهِ. 2وَأَمَّا الدَّارُ الَّتِي هِيَ خَارِجَ الْهَيْكَلِ، فَاطْرَحْهَا خَارِجًا وَلاَ تَقِسْهَا، لأَنَّهَا قَدْ أُعْطِيَتْ لِلأُمَمِ، وَسَيَدُوسُونَ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا. 3وَسَأُعْطِي لِشَاهِدَيَّ، فَيَتَنَبَّآنِ أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا، لاَبِسَيْنِ مُسُوحًا».   الإصحاح 11 من سفر رؤيا يوحنا

وشرح ذلك باختصار :

1 – الدار التى هي خارج الهيكل تشير الى ما هو خارج قدس الاقداس، أي هيكل سليمان، وهو ما يعني الرسوم والطقوس التى اعتبرها اليهود كل الدين وجوهره.ومن هذه الرسوم والطقوس بعض المظاهر الشرعية ومنها المحرقة الدائمة. ولما عكفوا على عبادة الاوهام والخرافات ومنعتهم الاموال عن المآل وأعرضوا عن السيد المسيح له المجد حل عليهم غضب الله فقام تيطس الروماني في سنة 70 ميلادية وهدم اورشليم وقتل من اليهود ما قدره المؤرخين بمليون نفس وباع البقية منهم في البلاد.

    وقد سبق حضرة المسيح وأنذر اليهود بالبلاء الذى سوف يحل بهم لاعراضهم عنه واستكبارهم على الحق فقال «يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! 38هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا. 39لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَني مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!». متى ص 23 : 37 – 39

وبالطبع لم تقصد الرؤية الاشارة الى المذابح المنقطة النظير في التاريخ، لانه ورغم حصولها فقد ظل اليهود يقيمون المرقة الدائمة سرا. وانما قصدت الرؤية الاشارة الى ظهور الاسلام وفتحه لمدينة ايليا أي القدس الشريف في خلافة عمر بن الخطاب والمعاهدة التى وقعها مع زاونيوس أسقف اورشليم اذ ذاك بعدم السماح لاي يهودي بسكن فلسطين، ومن ثم أبطلت المحرقة الدائمة سرا وعلانية. واستمر هذا التحريم جاريا 42 شهر أي حتى أول نيسان سنة 1844 الموافقة لسنة 1260 هـ عندما أعلنت تركيا مبدأ الحرية الدينية.

 

وبالعودة الى بقية الاصحاح

 

1وَظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ: امْرَأَةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا إِكْلِيلٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَبًا، 2وَهِيَ حُبْلَى تَصْرُخُ مُتَمَخِّضَةً وَمُتَوَجِّعَةً لِتَلِدَ. 3وَظَهَرَتْ آيَةٌ أُخْرَى فِي السَّمَاءِ: هُوَذَا تِنِّينٌ عَظِيمٌ أَحْمَرُ، لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِ سَبْعَةُ تِيجَانٍ. 4وَذَنَبُهُ يَجُرُّ ثُلْثَ نُجُومِ السَّمَاءِ فَطَرَحَهَا إِلَى الأَرْضِ. وَالتِّنِّينُ وَقَفَ أَمَامَ الْمَرْأَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَلِدَ، حَتَّى يَبْتَلِعَ وَلَدَهَا مَتَى وَلَدَتْ. 5فَوَلَدَتِ ابْنًا ذَكَرًا عَتِيدًا أَنْ يَرْعَى جَمِيعَ الأُمَمِ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ. وَاخْتُطِفَ وَلَدُهَا إِلَى اللهِ وَإِلَى عَرْشِهِ، 6وَالْمَرْأَةُ هَرَبَتْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ لَهَا مَوْضِعٌ مُعَدٌّ مِنَ اللهِ لِكَيْ يَعُولُوهَا هُنَاكَ أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا.

 … 13وَلَمَّا رَأَى التِّنِّينُ أَنَّهُ طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، اضْطَهَدَ الْمَرْأَةَ الَّتِي وَلَدَتْ الابْنَ الذَّكَرَ، 14فَأُعْطِيَتِ الْمَرْأَةُ جَنَاحَيِ النَّسْرِ الْعَظِيمِ لِكَيْ تَطِيرَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ إِلَى مَوْضِعِهَا، حَيْثُ تُعَالُ زَمَانًا وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفَ زَمَانٍ، مِنْ وَجْهِ الْحَيَّةِ. … ´ سفر الرؤيا إصحاح 12

 

1ثُمَّ بَعْدَ هذَا رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ نَازِلاً مِنَ السَّمَاءِ، لَهُ سُلْطَانٌ عَظِيمٌ. وَاسْتَنَارَتِ الأَرْضُ مِنْ بَهَائِهِ.) الرؤيا إصحاح 18 عدد 1

2 – أ0 فالمرأة المتسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها – فهذه اشارة الى الشريعة الاسلامية التى دخل في ظلها كل من ايران وعلمها الشمس وتركيا وعلمها الهلال.

ب0 وأما الكواكب الاثنى عشر فاشارة إلى الأئمة الاثنى عشر الذين كان أولهم الامام علي كرم الله وجهه، وآخرهم الامام محمد بن حسن العسكري سنة 260 هـ.

ج0 والتنين العظيم الذي له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى رأسه سبع تيجان، فإشارة الى الدولة الاموية التى تسلطت على المسلمين. والسبعة تيجان إشارة الى البلاد التى دخلت تحت حكمها. وهذه البلاد هي الشام، وايران، وجزيرة العرب، ومصر، وشمال افريقيا،”تونس والجزائر والمغرب” والاندلس، وتركستان، وما وراء النهر.

والعشرة قرون عبارة عن أسماء ملوك بني أمية وأولهم سفيان وآخرهم مروان ، وبدون تكرار الاسماء، يمعنى أنه يوجد 2 بأسم معاوية، 3 باسم يزيد و2 باسم الوليد 2 باسم مروان.

ولكن عددهم في التاريخ عشرة بدون تكرار.وهذه السلالة الاموية والسلطنة العضوضة السفيانية هى التى شبهتها الرؤية بالتنين العظيم، فقد أحدثت الفتنة الكبرى بين المسلمين وذبحت أبناء الرسول صلعم ولم يسلم من يدها إمام من أئمة الهدى. ولقد أشار تعالى الى هذه السلالة بالشجرة الملعونة في قوله العزيز {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً }الإسراء60 

وكان الرسول عليه السلام قد رأى في المنام أن أشخاصا مثل القرود على الاشحار. فلما استيقظ أزعجته الرؤيا فإن رؤية القرود في المنام تنذر بالخطر الشديد والدواهي المخيفة خصوصا رؤيا الانبياءعليهم السلام، فإنها تعد من أنواع الوحي والالهام. فأخبره الله تعالى بأن أمته سوف تبتلي بأشد انواع الفتن، ويصادفها أمرّ أقسام البلايا والمحن.

وسوف تستولي على الخلافة العصبة السفيانية، ويجلس على عرش الخلافة أبعدهم عن الفضائل وأعمقهم في الرذائل، وأجهلهم بالمعارف، وأعشقهم للزخارف، وأكثرهم انهماكا للشهوات ، فيقهرون الامة الاسلامية الى المعاندة بعد الانقيادوالاذعان، والى التشتيت بعد الاجماعوالى الافتراق بعد الاتفاق.

فلما أوحي للرسول عليه السلام تأويل رؤياه ، أخذته الاحزان واستولت عليه الاشجان وكان طول حياتهتتضوع من وجنات حالاته نفحات الوجد والهموم، وتبدو من شمائله آثار الكآبة والغموم، حتى روى الشيخ كمال الدين الدميرى صاحب كتاب ” حياة الحيوان” في ترجمة حديث القرد عن المستدرك مخبرا عن الرؤيا، مصرحا في آخر الحديث أنه عليه السلام، ما رؤى ضاحكا مستبشرا الى أن مات.

3 – بعد ذلك تشير الرؤيا الى الملاك النازل من السماء وله سلطان عظيم واستنارت الارض من بهائه وهذه اشارة الى انقضاء الليلة الليلاء والظلمة التى شملت المسلمين بظهور الملاك النازل من السماء أي الموعودي، حضرة الباب وحضرة بهاء الله الذي استنارت الارض من بهائهوهو نفس المعنى الذى أشارت اليه تعالى في القرآن الكريم بقوله :

{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا }الزمر69

وفي أعتقادي أن في هذا القدر كفاية لكل من ينشد الحقيقة من كتب الله المقدسة فلا توجد نبوات أكثر راحة وتتطابقا مما ورد منها بشأن ظهور حضرة الباب وحضرة بهاء الله في هذا اليوم الموصوف بيوم الايام، وسلطان الايام، وغرة الايام.

 

الاعجاز الإلهي في رؤى دانيال ويوحنا

 

طالعنا في الصفحات القليلة السابقة العديد والعديد من الآيات من أسفار رؤى دانيال ويوحنا عليهم السلام والمنزلة من سماء الفضل في كل من التوراة والانجيل منذ عشرات القرون. واستمتعنا بكل الحق بالتفسيرات الرائعة لتطابق التواريخ المتباعدة والمختلفة ودلالاتها العميقة واشاراتها المؤكدة عن ظهور رسل الله المكرمين ومجىء حضرة المسيح، وسيدنا محمد صلعم، وحضرة الباب وحضرة بهاء الله.

   ومع ذلك ما زالت هذه الاسفار تحوي الكثير من الاسرار الالهية وتلقي بأضوائها الكاشفة شديدة الابهار على ما اشتملت عليه هذه التواريخ من غيب الهي، وكيف حددت تطابقت تلك المواعيد طبقا للتقاويم التى استخدمها فيما بعد أتباع الاديان الثلاثة – اليهود والمسيحيين والمسلمين – وكشفت عنها في دقة غيبية مذهلة وهو ما يبرز من أمام ابصارنا قدر عظيم من الإعجاز الالهي، والتى قد تصيبنا بالدهشة والذهول. عندما نحاول أن نتحقق من تواريخ السنين التى تم أثنائها ابتكار تقاويم الأمم الثلاث وبداية استتخدام الناس لحساباتها، ونضاهيها بما جاء بتلك الاسفار من تواريخ تحددت، وسجلت أحداثها طبقا لحسابات التقاويم الثلاثة مجتمعة, سنكتشف ومن الوهلة الأولى أن دانيال ويوحنا عليهم السلام لم يكن لديهم أي علم مسبق بأي واحد من هذه التقاويم، ولم يدر بخلدهم معرفة العلاقة الحسابية التى تربط بين كل منهم، وبالتالي كيفية تحويل تاريخ وزمن أي واحد منها الى تاريخ وزمن الآخر على الاطلاق. 

  ونرجع ذلك الأمر لسبب في غاية البساطة والوضوح، ذلك لأن كل هذه المواقيت والتقاويم لم تكن قد ابتكرت، ولم يتعرف الناس على حساباتها، ولم يبدأ البشر في استخدامها في حياتهم اليومية، الا بعد أزمان وعقود طويلة تعد بالآف السنين من إعلان دانيال في التوراة ، وببضع مئات السنين من أعلان رؤى يوحنا في الانجيل.    

ولايضاح هذه الامور علينا أن نتذكر أن  

1 – أن التوراة تضمنت رؤيا دانيال قبل حوالي 1300 سنة من الميلاد تقريبا، ومن قبل هجرة الرسول عليه السلام بما يقارب 1900 سنة تقريبا.

وخلال هذه الحقبة لم يكن اليهود قد ابتكروا التقويم اليهودى المتعارف عليه الآن لأن الحاخام هيليل نسيآه هو من أمر بنشر الخوارزمية والاستناد عليها فقط. في عمل التقويم اليهودي المعاصر، والذي يرجع تصميمه إلى سنة 359 للميلاد. وهو ما يعنى أن الإنسانية عرفت وقرأت رؤى دانيال قبل أن يتحدد التاريخ اليهودى بما يقرب من 1650 سنة علي وجة التقريب. 

وكذلك لم يكن المسيحيين قد صنفوا تقويمهم الميلادى لأن من قام بإنشاء هذا التقويم هو العالم الإيطالي اليسيوس ليليوس في عام 1581م استجابة لطلب البابا غريغوريوس الثالث عشر والذي سمي التقويم على أسمة بالتقويم الغريغوري,

2 – وأن الانجيل تضمن رؤيا يوحنا قبل حوالي 620 سنة من هجرة الرسول عليه السلام

على وجه التقريب.

 وبالطبع وفي ذلك الوقت لم يكن التقويم الهجرى قد عرف بعد – سواء بالنسبة لدانيال أو يوحنا – حيث أنشأه الخليفة عمر بن الخطاب وجعل هجرة الرسول من مكة إلى المدينة في 16 يوليو عام 622 ميلادية مرجعاً لأول سنة فيه، وهذا هو سبب تسميته التقويم الهجري. وهو ما ينسحب بعدم المعرفة أيضا علي كلّ من التقويمين اليهودى والميلادي.

  ولذا علينا أن نراجع ما ذكرناه من قبل ونتساءل في حيرة ممزوجة بالدهشة والذهول، عسى نشعر ونحس، بتلك المعجزة المتفردة، وكيف ظهرت لائحة في تطابق المواعيد الإلهية التي وردت في رؤى النبي دانيال، والنبي يوحنا!، وكيف توحدت أزمانها عندما احتسبت بالتقويم الهجري سنة 1260 هـ، والميلادي سنة 1844م، وحسب التقويم اليهودي سنة 2300 !؟. مع أن كل من هذه التقاويم الثلاثة، لم يكن مبتكروها قد خلقوا بعد، ولم تخطر حساباتها – في تلك الآونة – علي قلب بشر.

   أليس في هذا الإعجاز المذهل والممتع في آن واحد والتي لا يمكن لإنسان فردا كان، أم جماعة، أو حتى أمة، أن تشكك في مصداقية وعودها الغيبية، أو تدحض الحقيقة السافرة في تحقق هذه المواعيد وطبقا للجدول الزمني الذي قضت به المشيئة الإلهية وكنزه في غيبه وعلمه سبحانه وتعالي حتى من قبل أن تخلق الأكوان. ما يحتم علينا إعادة النظر في كل ما نعتقده ونؤمن به تجاه وحدة أديان الله ورسالاته السماوية؟ أتمنى ذلك من كل قلبي.

 

 

أوائل السور أو حساب الجُمَّل

 

 

   افتتح القرآن الكرم، الكثير من الآيات القرآنية ببعض الحروف والتي قرأت متقطعة مثال ،

 أ ل م ، أ ل م ر ، طس ، وغيرها الكثير والتي عرفها العلماء بأوائل السور، كما عرفت أيضا بالحروف المتقطعة، وبحروف الجُمَّل. ولم تقرأ متصلة كما جاء في سورة الشرح

 {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }الشرح1

     من المتعارف عليه في كل لغات العالم أن أي كلمة لها معنى لابد وأن تتكون من حرفين فاكثر، وأن الجملة تتكون من كلمتين فاكثر فاذا جاءت كلمة ولم تعطي معناً لغويا اطلق عليها حروف جمل اي جملة حروف وليست كلمة صحيحة لها معنى.  لذا قالوعنها (الحروف الجمل) أي تجمل أوائل السور في القرآن.

 

     ولكن عندما أخذت هذه الكلمات أرقام آيات ضمن سور القران تأكد أن لها معنىً وانها سر وصفوة الايات والقران ويكون علمها من علم الساعة.

وقال ابو بكر الصديق (لكل كتاب سر وسر القران الحروف الجمل)

وقال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه (لكل كتاب صفوه وصفوة القران الحروف الجمل ومن علمها علم الساعة)

وفي العصور الحديثة أخذ العرب عن الهنود نظام الترقيم العددي بدلاً من علم الجفر أو حساب الجمّل كما كانوا يسمونه ويستعملونه وهو:

أ  ب  ج  د          هـ  و  ز        ح  ط  ى   … إلخ

1 2 3 4             5 6 7          8 9 10    … إلخ

وإذا راجعنا كتاب الزبور العظيم (المزامير) لنبي الله داوود الذي ذكره الله في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }الأنبياء105

       وهو كلام الله المنزّل على نبيه داوود بعد التوراة. نرى أن المزمور رقم مائة وتسعة عشر يتكون من واحد وعشرين مقطعًا مرتبة حسب حروف الجمّل أ ب ج د هـ … إلخ

 

 

الحرف

أ

ب

ج

د

هـ

و

ز

ح

ط

 

عدده

1

2

3

4

5

6

7

8

9

الحرف

ي

ك

ل

م

ن

س

ع

ف

ص

عدده

10

20

30

40

50

60

70

80

90

الحرف

ق

ر

ش

ت

ث

خ

ذ

ض

ظ

غ

عدده

100

200

300

400

500

600

700

800

900

1000

 

  وعن هذه الحروف تكلم كعب وسأل عنها الرسول عندما ألمح الى أن هذه الحروف عندما توضع في صورة حسابية ربما تشير الى أجل الامة الاسلامية، ومع أن الرسول الكريم لم ينف صراحة احتمال تحقق هذه الرؤية لانها من المتشابهات التى وعد الله بمجىء يوم محدد لتأويلها، إلا أنه ارتضى هذا الحساب. 

   وبالفعل عندما نجمع معا القيمة الحسابية للحروف المتقطعة والتى وردت في مقدمة الايات الاولى من سور القرآن الكريم، والمكونة من حرفين فاكثر وعددها تسع آيات فقط وهي على سبيل الحصر يصبح المجموع الكلي 1260 كما هو موضح في الجدول التالي.

    مع الأخذ في الاعتبار بأنه تم احتساب حروف أية واحدة فقط على الرغم من ورودها في العديد من السور، واستبعاد الحروف المفردة مثال “ق ، ن” لانها لا تعتبر كلمة، وكذلك استبعد العارفون كلمة(طه) لانها اسم من اسماء النبي وليست من الحروف الجمل وكذلك استبعدوا (كهيعص) اول سورة مريم لان لها معنى خاص في السورة وهي بحسابها تساوي195 والسورة تتكلم عن المسيح الهنا او يسوع الحي وكلتاهما تساوي 195 وكأن عنوان للسورة كان اعجاز لاهل اللغة من المشركين.

 

م

الآية

السورة المذكورة فيه

عددها

1

الر

يونس- هود- يوسف-ابراهيم-الحجر

231

2

الم

البقرة-آل عمران-العنكبوت-الروم-لقمان-السجدة

71

3

حم

غافر-فصلت-الشورى-الزخرف-الدخان-الجاثية-الاحقاف

48

4

طسم

الشعراء – القصص

109

5

المص

الاعراف

161

6

طس

النحل

69

7

عسق

الشورى (الاية الثانية بعد حم)

230

8

المر

الرعد

271

9

يس

يس

70

                                                   اجمالي الايات

1260

 

 

وها هو نفس الرقم الذي ظهر في كل من التوراة والإنجيل وهو “1260 ” يظهر جليا مرة اخرى في القرآن الكريم رغم تباعد السنين، من خلال الحروف المتقطعة وأوائل سور القرآن، وهو ما اعتبرها صحابة رسول الله كأبو بكر الصديق (من أسرار القرآن الكريم). وكما وصفها علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ( أنها الصفوه وصفوة القران ، ومن عَلِمَها عَلِمَ الساعة). والتى لم يستطع أحد من العلماء الاجلاء وعلى مدى ستة عشر قرنا من الزمان الكشف عن رموزها، وايضاح مكنون معانيها الخفية.

 واسمحوا لي بأن أتناول وحضراتكم بعض الثمار البديعة التي كشف عنها علم الجفر أو حساب الجُمَّل، والتي ظهرت دلالاتها وإشاراتها الغيبية من خلال الكثير من الآيات التي وعد الله بتحققها في كل من التوراة والإنجيل والقرآن القرآنية نذكر منها على سبيل المثال :

 ويقول تعالى في سورة المزمل

 {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ } المزمل 14

وبحساب هذه الآية كاملة

يوم : ى =10 + و = 6 + م =40 يكون مجموعها 56

ترجف : ت =400 + ر =200 + ج =3 + ف=80 تساوى 683

الأرض : أ =1 + ل=30 + أ = 1 + ر=200 + ض=800  تساوى 1032

والجبال : و=6 + أ =1 + ل=30 + ج=3 + ب=2 + أ =1+ ل=30 تساوى 73

وبذلك يصبح المجموع الكلى للآية = 56 + 683 + 1032 + 73 = 1844

 

وهو تاريخ إعلان رسالة حضرة الباب بالتاريخ الميلادي. وكذلك يقول الله تعالى في سورة الإسراء {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} الإسراء 78

 

ومعنى كلمة دلوك الشمس أي غروبها، وغسق الليل هي اشد ساعات الليل ظلمة، بمعنى أن الله يأمر رسوله والمؤمنين من بعده بأن يقيموا الصلاة ويعملوا بما جاء في الشريعة الإسلامية حتى غروب نور الدين وإظلامه وحتى “لا يبقي من الدين إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه” كما جاء في الحديث النبوي الشريف حيث يبتعد الناس عن التعاليم الروحية للدين وفضائله.

  

   ومجموع غسق الليل = 1261 وهي تشير في دلالة رائعة إلى أن سنة 1260 هي سنة انتهاء ظلمة الليل البهيم، وهو موعد ظهور حضرة الباب “المهدي” المبشر بحضرة بهاء الله عام 1260 بالتاريخ الهجري، وإيمان حروف الحي “حواري حضرة الباب” خلال تلك السنة، ليتبعها مباشرة بداية ظهور نور الفجر المشهود، وانتشار أمره بين الناس بداية من سنة 1261 هـ .  

  وفي سورة الرحمن عروس القرآن التي ألمحت في الكثير من آياتها إلى حضرة الباب وحضرة بهاء الله، تنبأ الآيات “26 و 27 ” في صراحة عجيبة عندما نقوم بحساب حروفها عن موعد صعود حضرة الباب ونهاية حياته الأرضية.

 

يقول تعالى : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }الرحمن26 – 27

وحتى لا أثقل على حضراتكم أقرر بأن مجموع هاتين الآيتين هو 1851 أي سنة 1851 م وهي بداية العام التالي مباشرة لصعود حضرة الباب سنة 1850 م، وظهور “من يظهره الله” وتولي شئون ومهام الأمر الإلهي كما بشر  بمجيئه حضرة الباب.

ويمكنكم التأكد من هذه صحة هذه الأرقام باستخدام ما سبق وذكرناه في الجداول السابقة.

 

عهد الله وميثاقه

 

 كان الهدف الأول والأخير، وقطب مبادئ حضرة بهاء الله، هو إتحاد أهل العالم واتفاق العباد ووحدة من في الأكوان. ألم يكن هذا هو هدف كل الأديان في كل زمان؟ في الحقيقة نعم كان وما زال الهدف الرئيس، ومع ذلك فطالما أوضح التاريخ وبطريقة مأساوية أن هذا الاتفاق لم يتحقق في جميع الدورات السابقة ولم يتم أي إجماع علي الإتحاد بعد صعود مظاهر أمر الله.

    مع أنهم جميعا دعوا أتباعهم إلى الأخوة والوفاق وعلى الأقل بين المؤمنين بدين واحد.

 

    إلا أن بذور الاختلاف زرعت من نفوس بعض الطامعين، والطامحين إلى السلطة والمجد، حتى أن بوادر الشقاق في الإسلام بدأت تنبت، والرسول الكريم ما زال على فراش الموت فالمشهود في التاريخ الإسلامي أن الفراق دب في صفوف المؤمنين فور صعود رسول البطحاء تماما كما حدث بين صفوف تلاميذ السيد المسيح عليه السلام بعد الفراق، فما كادت شمس الحقيقة أن تغرب حتى عم الليل كل الأمة وشمل الظلام أهلها ولولا ستر الله في أنه حفظ عددا من التابعين المتقين، وجعل منهم علماء كالأقمار والنجوم الزاهرة في سماء كل دورة، وكقدوة وهدى يقتدي بها أولى الألباب من المؤمنين الأحباء لكانت العاقبة أسوء بكثير مما آلت إليه أمور الأمم السابقة.  

  انظر مثلا إلى الأمة الإسلامية التي تفرقت إلى جماعات وشيع وفرق يفوق عددها عن 72 فرقة، فما بالنا بعالم مثل عالم اليوم بما لديه من إمكانيات وما وصل إليه من تعميم التعليم ونشر النظريات والأفكار والآراء، بسرعة فائقة نتيجة لتطور وسائل المواصلات والاتصالات، فهل كان من الممكن فعلا أن يتحد، أم كان من المحتمل أن تتفرق أممه، وتتشرذم مجتمعاته، وتنقسم إلى أعداد جمة، وربما بأكثر بكثير من تعداد الفرق السابقة.

    ولعل السبب في هذه الفرقة وتفجر الخلاف والصراع على سلطة الخلافة بعد رحيل رسلهم، والذي أدى في كثير من الأحيان إلى الحرب وإراقة الدماء وتقطع الأرحام، هو أنه لم تتح الفرصة من أمام رسل الله لإعطاء وثيقة مكتوبه وممهورة بخاتم الرسول، والعهد الصريح

بموجبها لأحد المؤمنين الموثوق بهم، لخلافته وتولى زمام الأمور من بعده، على الرغم من أن هؤلاء الرسل كثيرا ما ألمحوا، وأثناء حياتهم بإشارات واضحة وعبارات جلية عن وجود هذا

الوصي، بل والرضي عن مواهبه وملكاته الروحية، والأمل والرجاء في أن يقوموا باختياره.

 

* ويشير أديب طاهر زاده إلى هدف إلهي آخر للعهد والميثاق فيقول :

     “التزم مؤسسوا الأديان السابقة جانب الصمت في مسألة الخلافة من بعدهم إلا عند لحظة الممات حين يكشفون عن هوية من سيخلفهم , ولهم في ذلك حكم جمة، ومثل هذا العمل يمكن تشبيهه بمعلم كان على الدوام مستعدا للإجابة عن الأسئلة ومساعدة تلاميذه في حل ما يشكل عليهم, ولكنه يلتزم الصمت ويحجم عن مساعدتهم وقت الامتحان, ويوم الفصل0 فمن نجح يتقدم إلى المرحلة التالية, ومن فشل يحرم من ذلك.

     يبرهن لنا تاريخ الأمر أن الميثاق الإلهي كان محك الامتحان بالنسبة للمؤمنين من الأحباء. فقد أعلن حضرة الباب بشارة مجيء ” من يظهره الله ” إلا انه لم يكشف عن هويته صراحة. وأسس حضرة بهاء الله ميثاقا عظيما بتعيين حضرة عبد البهاء مركزا لهذا الميثاق, ولكنه حفظة سرا إلى ما قبل صعوده بقليل حيث سلم كتاب عهده بيده المباركة لحضرة عبد البهاء.(1)

  ومن هذه البيانات يتضح أن حضرة بهاء الله وإيمانا منه بضرورة حفظ دين الله الجديد وصيانته من شرور الفرقة والانقسام، قد عهد بميثاق عظيم الأهمية مكتوب وموثق بخاتم حضرة بهاء الله، وقام بتعين ابنه الارشد حضرة عبد البهاء وصيا من بعده والزم كل المؤمنين بضرورة الالتزام والخضوع الكامل لأوامر وببنود هذا العهد والميثاق. 

 

ماذا يعنى العهد والميثاق؟

 

   العهد في المفهوم الدّينيّ هو اتّفاقيّة ملزمة تبرم بين الله والإنسان حيث يطلب الله عزّ وجلّ بموجبها من الإنسان سلوكاً معيّناً مقابل ما يضمنه له من بركات معيّنة … وهناك – مثال على ذلك – العهد الأعظم الّذي يبرمه كلّ مظهر إلهيّ مع أتباعه ويعدهم أنّه بحلول الوقت سيرسل مظهراً إلهيّاً ويأخذ منهم عهداً بقبوله عندما يحدث ذلك.

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً }الأحزاب7 

—————————–

(1) أديب زاده – ظهور حضرة بهاء الله – ج 1 ص 143 

{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ }النساء155

 

   هناك أيضاً العهد الأصغر الّذي يبرمه مظهر أمر الله مع أتباعه بأنّهم سيقبلون بخليفته الّذي يعيّنه من بعده، فإن هم فعلوا ذلك فإنّ الدّين سيبقى محتفظاً بوحدته ونقائه، وإن هم نقضوا عهدهم فإنّه سينقسم على نفسه وتهدر قوّته.”

{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }الحديد8

     ويوضح حضرة عبد البهاء في أحد بياناته ما يلي : لولا قوة الميثاق الحارس لحصن أمر الله لتفرق جميع البهاء في يوم واحد إلى ألف فرقة مختلفة مثل ما حدث في الأدوار السابقة.

 

   وهذا النّوع من العهد – أي العهد الأصغر – هو الّذي أبرمه حضرة بهاء الله مع أتباعه بخصوص حضرة عبد البهاء والّذي خلّده حضرة عبد البهاء من خلال النّظام الإداريّ. هو عهد وميثاق جديد لم تعرف الأمم السابقة مثيلا له.

  أليس هذا هو العهد الجديد الذي ينتظره أهل الكتاب كما جاء في سفر أرميا «هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. 32لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. … قَائِلِينَ: اعْرِفُوا الرَّبَّ، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ.”  أرميا إصحاح 31 عدد31

 وهو المطلب الإلهي الذي ذكره حضرة بهاء الله في كتاب عهدي قائلا “عفا الله عما سلف”

   ويوثق حضرة بهاء الله في سورة الهيكل قانونا جديدا اختص به يوم الله الجديد، ووعد بأن تسري أحكامه على كل أيام الله القادمة

 يقول “ لانّ يوم اللّه هو نفسه إذا قد ظهر بالحقّ ولن يعقّبه اللّيل”  

  وفي لوح الرئيس الذي وجهة إلي أمين عالي باشا الصدر الأعظم ورئيس وزراء السلطان العثماني عبد الحميد :

وجاء فيه الغلام ليحيي العالم ويتحد من على الأرض كلها وسوف يغلب ما أراد الله وترى الأرض جنة الابهى لإشراقها بنور شمس ربها إشراقا دائما مستمرا دون الرجوع إلى الظلمة وهو يوم نهاية للظلام وبداية للأنوار وتشمل أنواره كل المسكونة بالكماليات الإنسانية يعيش في نهار دائم

   وهو ما يوافق نفس المعنى في القرآن الكريم والذي أوضح فيه الله حكمته من الخلق :

 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات 13

 

   هكذا أتضح لنا مما سبق أن ظهور حضرة بهاء الله وهو الظهور الإلهي الأعظم لأهل هذا

العالم حتى اليوم وأن هدفه الأول والأخير هو توحيد من على الأرض كلها وأن الإنسانية لن تنحرف عن صراط الله المستقيم في قابل الأيام، ولن تستحكم الظلمة على عقول البشر فيما بعد، بما أودعه الله في حنايا شرائعه من نظم بديع، ومن قوانين إلهية سوف تحمى وتصون مسيرة الإنسان وستؤسس بمجرد بلوغ عصرها الذهبي حضارة عريقة فائقة الازدهار والتطور، لم تشهد الإنسانية مثيلا لها وستظل شامخة لا يعتريها الخمول أو البوار على مدى الآلاف من القرون والأزمان القادمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصـل الســادس

 

اسم جديد للدين الجديد

 

   من المعلوم أن أصحاب الديانات الكتابية الثلاثة ينتظرون مجيء السيد المسيح في مستقبل يوم من الأيام. فاليهود ينتظرون ” المسيح قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ

 

25فَاعْلَمْ وَافْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا، يَعُودُ وَيُبْنَى سُوقٌ وَخَلِيجٌ فِي ضِيقِ الأَزْمِنَةِ. دانيال 9 : 25

 

والمسحيين ينتظرون رجعة حضرة المسيح.

 

لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَني مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!».

                                                                    متى 23 : 39

والمسلمون أيضا ينتظرون رجعة حضرة المسيح وظهور المهدي.

 

{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً }مريم15

 

  ورغم يقيننا الذي لا يتزعزع بأن هذه الوعود هي حق من عند الله، فقد تصيبنا الدهشة وتتملكنا الحيرة عندما نطالع ونقرأ رؤى ومفهوم كل أمة من هذه الأمم الثلاث – حسب ما تفهمته من كتابها المقدس – وما تعلقه كل واحدة منهم من آمال وأحلام على عودة حضرة المسيح.

   وهكذا نجد أن كل طائفة من طوائف الديانات الثلاث، تنتظر مدافعا يدافع عنها وحدها دون غيرها، ويبرر معتقداتها، ويدعم شرائعها، ويسمو بها إلى زعامة كاملة، وسيادة وغلبه لا تقبل التحدي علي كل المعتقدات الفاسدة الأخرى التي يعتقدها بقية الجنس البشرى.

   وعلى ذلك فإجماع العالم على رجعة المسيح لم يكن كاملا، لان كافة ملل العالم لم تختلف فقط في كيفية ومكان الظهور، بل اختلف أتباع الديانة الواحدة في تصوراتهم عن مهام وعمل ونوعية ظهور المسيح القادم بمعنى هل هو ” نبي، أم رسول، أم رجل صالح يجدد الدين …”

   إذا فمهما أبدى المعلم الإلهي من استعداد ليكيف نفسه حسب تصورات الأمم المختلفة والملل العديدة، فانه من الواضح أنه لن يرضي – بحال من الأحوال – إلا نسبة ضئيلة جدا من الناس، وأنه سيخيب في الوقت نفسه آمال الملايين من البشر.

   فإذا حاولنا أن نفكر بشيء من المنطق والعقلانية، من منطلق ذلك اليقين الذي يؤمن به التابعين لكل أمة، سنجد أنفسنا أمام معضلة عويصة لا يمكن التنبأ بالمصاعب والخلافات التى يمكن أن تثيرها هذه الرجعة المنتظرة. كما لا يمكن السيطرة على نتائجها وعواقبها التى يمكن أن تكون عاصفة ومدمرة، ولنا أن نتصور كيف سيكون الحال إذا ما أعلن حضرة المسيح الآتي، أنه الموعود المنتظر وأنه جاء لتأييد ونصرة أمة واحدة بعينها، وكيف سيكون موقف أتباع الأمم الأخرى الغاضب والمكذب لذلك الظهور دون أدنى شك، لعدم تحقق الوعود وبنفس الصورة التي جاءت بها كتبهم. 

    ومن البديهي أنه لن يكون هناك مخرج من هذه المعضلة إلا بمجيء يحمل ذات روحانية المسيح، ولكن في صورة جديدة محايدة لا يحابي أو يميل ناحية أحد على حساب أحد، ويكون له اسم جديد، وشريعة جديدة, ويتعامل مع الأديان الثلاثة – بالمساواة والمحبة والعدالة والإنصاف. 

   لم يكن ما ذكرته من أن حضرة المسيح سوف يأتي باسم جديد هو مجرد تخمين أو استنتاج شخصي، ولكن يمكننا أن نلمح مثل هذه الإشارات في كلمات النبي أشعيا:

 

وَتُسَمَّيْنَ بِاسْمٍ جَدِيدٍ يُعَيِّنُهُ فَمُ الرَّبِّ.أشعيا إصحاح 62 / 2

   كما حذرنا السيد المسيح بنفسه في إنجيلي متى ولوقا في الفصول التي أعطانا فيها وعوده الثلاثة بخصوص مجيئه في 1844م، من الأنبياء الكذبة الذين سيحملون اسم المسيح في ذلك اليوم. 

 

  “وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ:«قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟» 4فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«انْظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. 5فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ. متى 24 : 3 – 5

 

    وكان من الواضح أيضا أنه لو حمل المسيح اسما جديداً، فسيحمل أصحابه اسما جديداً أيضاً. وأنه سيكرر نفس النموذج الذي حدث في زمن الظهور الأول للمسيح، فلقد دعي أتباعه آنذاك ‘باسم جديد المسيحيين، ولم يدعون يهودا، رغم أن كتاب العهد القديم لليهود هو الذي تنبأ بمجيئه، ورغم أن أتباع هذا الكتاب كانوا ينتظرون ظهوره بفارغ الصبر.

وهذا يعني أننا لن أجد أتباعه المؤمنين به في ظهوره الجديد بين من يعرفون بالمسيحيين أو اليهود أو المسلمين.. الخ.

 

   كما وعد أشعيا بوضوح بأن أتباع المسيح في اليوم الآخر سيحملون اسما مختلفاً، قال:

الرَّبُّ وَيُسَمِّي عَبِيدَهُ اسْمًا آخَرَ..”   أشعيا 65 : 15                                                                   

 

   ولا حاجة للاستفسار أن أشعيا كان يتكلم عن وقت النهاية عن ذات اليوم الأخير، وليس عن زمن مجيء المسيح الأول، عن ‘قطيع واحد وراع واحد’ عندما نتفحص كلماته أكثر في ذلك الإصحاح. كما وعد بعودة اليهود إلى إسرائيل وأورشليم، وقد علمنا أن عودة اليهود حدثت فقط عند توقيع معاهدة التسامح في سنة 1844م.

 

   وهذا ما أكده العهد الجديد أيضاً في رؤيا يوحنا، حيث وعد مرة أخرى باسم جديد لإتباع المسيح في يوم عودته:

    “مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى، وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِي يَأْخُذُ». رؤيا يوحنا اصحاح 2 : 17

    وبذلك يعطي كتاب العهد الجديد تحذيرا قاطعا أنه لا أحد يعلم الاسم الجديد، إلا من يحملونه. ومن الواضح أنه وإتباعا للسنن الإلهية، فلن يكون هناك سهولة في تقبل الاسم الجديد عند مجيء المسيح الثاني مثلما حدث في مجيئه الأول.

{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } المزخرف 23 – 24

   وكما حدث مع تلك الثلة الصغيرة التي قرأت النبوءات بشكل صحيح وآمنت بالمسيح عند قدومه الأول ووافقت على قبول يسوع الناصري أنه المسيح، ولم تعرف بين الناس باسم المسيحيين إلا بعد بمرور قرون عديدة تالية. فمن الواضح كذلك، أن هذا الأمر سيتكرر في مجيئه الثاني. فنقرأ في نفس الفصل من رؤيا يوحنا:

 

1 – وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ. اصحاح 3 / 12

 

2 – ” وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ.” إصحاح 3 : 5

   و سبق وأن بينا أن الكلمات الإلهية كثيرا ما تذكر بلغة الرمز والمجاز، وعلى سبيل المثال ما جاء في إنجيل متي : “وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ

                                                                       إصحاح 24 : 30

 

   ولو تذكرت معنى السماء والسحاب يمكنك معرفة المعاني الكامنة من المجيء الثاني القادم على السحاب، والتي تعني الغشاوة أو الضبابية التي تحجب الرؤيا الصحيحة، كما تحجب السحب الشمس الظاهرة. والمتمثلة في العادات والتقاليد المتوارثة والتفاسير القديمة، التى نتبعها ونوقن بقداستها ولا يجرأ إنسان على مناقشتها وإعمال العقل والفكر لفحص ما هو صحيح وما هو خاطئ في كثير من المواضيع التي تتعلق بإيماننا وبعقائدنا.  

 

   لذلك نقول أن ما جاء في رؤيا يوحنا من نزول المسيح ومعه أورشليم الجديدة النازلة من السماء. قد تحقق بظهور حضرة بهاء الله الموصوف بعودة السيد المسيح بالاسم الجديد والمذكور في سفر أشعيا

 

تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. 2يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ. يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَجْدُ لُبْنَانَ. بَهَاءُ كَرْمَلَ وَشَارُونَ. هُمْ يَرَوْنَ مَجْدَ الرَّبِّ، بَهَاءَ إِلهِنَا.”

                                                                               أشعيا إصحاح35 عدد (2:1)

 

   وكما جاء في رؤيا يوحنا مبشراً بالمجيء الثاني للسيد المسيح باسم جديد ومعه شريعته الجديدة أورشليم الجديدة النازلة من السماء 

   “وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ. يوحنا 3 : 12

    هذه الشريعة التي سبق وذكرها سيدنا موسى في سفر التثنية إصحاح 33 عدد 30:1 

“جاء الرب من سيناء “موسى” وأشرق لهم من سعير “المسيح” وتلألآ من فاران “محمد” وأتي من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم وهو “بهاء الله” عليهم جميعا السلام.

 

 

   وهناك أشارة أخرى قد تلفت بصيرة أي باحث عن الحقيقة، عن المكان الذي ولد فيه حضرة بهاء الله بطهران وهى بلده نور بإقليم مازندران بطهران، وردت في العهد الجديد في رسالة تيموثاوس الأولى

 

 

مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، 16الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ.

                                                                                                  تيموثاوس الأولى إصحاح 6 عدد 14

 

الحشر في أرض الميعاد

 

 

   كما أوضحنا في الفصل السابق، فقد حذر السيد المسيح تحذيرا قويا من الأنبياء الكذبة الذين سيحملون اسمه في ذلك اليوم عندما سأله تلاميذه سؤالا مباشرا عن علامات رجعته، ثم أعطى تلاميذه وعده الثاني والذي من خلاله سيتأكدون من عودته بنفسه قائلا :

وَيَقَعُونَ بِفَمِ السَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ، وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ.” “وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ.”

                                                             لوقا إصحاح 21 آية 24 و 27

 

وبهذه الكلمات الواضحة، يكون المسيح قد ربط وعده الجازم وتوقيت عودته إلى الأرض، بعودة اليهود إلى وطنهم بعد انتهاء فترة تشريدهم في أنحاء البلاد. .. وفي الوقت الذي ستتم خلاله عودتهم، سيتحقق الوعد أيضا بانتهاء ‘أزمنة الأمم’.

   وقد تحقق هذا الجزء الأول من الوعد من تعرض اليهود لهزيمة منكرة وأنهم سيقادون أساري إلى جميع الأمم خلال القرنين الميلاديين الأول والثاني من تاريخ صلب السيد المسيح.

    فلقد دمرت مدينة أورشليم من قبل تيتوس الروماني سنة 70م، وتشتت اليهود وشردوا. ثم حاولوا استرجاع حريتهم سنة 132م تحت إمرة ‘بار كوشبا’، لكنهم سحقوا بقوة جيوش الإمبراطور الروماني “هادريان”. وفي هذه المرة، دمرت أورشليم كلياً أكثر مما سبق وحدث على يد “تيتوس”، وهدم موقع المدينة بكاملها وحرث أساساتها وبني فوق أنقاضها مدينة أخرى سميت تيمناً باسم “هادريان”.

وسقط الكثير من اليهود صرعى “بحد السيف”، تماما وكما سبق وتنبأ المسيح من قبل. فتبعثرت قواهم وعمدوا إلي الفرار، لكن الكثير منهم فشل في الهرب وأخذوا أساري لدى جميع الأمم التي كان يحكمها الرومان.

 ومنذ ذلك الوقت أصبح مسموحا لجميع سكان المستعمرات بالدخول إلى أورشليم، في حين كان  يعتبر دخول اليهود إليها جريمة عظمى يعاقب عليها بالموت.

 

   كان الرومان أول “الأمم” التي وطأت أقدامهم أرض مدينة أورشليم المقدسة بعد زمن السيد المسيح. أما المسلمون فكانوا الأمة التالية التي احتلتها وحكمتها. فلقد فتحوا أورشليم سنة 637م، وشيدوا مسجد عمر فوق أساس هيكل سليمان. وخلال فترة احتلالهم، تقرر حظر دخول اليهود إلى المدينة وأبعد عدد كبير منهم عن أرضهم، ونفيت البقية الباقية. ومن الجدير بالذكر، أن هذا التقييد والحظر، وصل إلى نهايته في سنة 1844م.

   وفي الجزء الثاني من هذا الوعد أشار السيد المسيح إلى اكتمال {أزمنة الأمم} لتحقيق بقية الوعد. وكان المعنى المقصود من عبارة “أزمنة الأمم” واضحا ومعروفا بالنسبة لعلماء النصوص. فقد كانت تشير وترمز إلى الفترة التي تقع فيها أورشليم تحت قبضة الأجانب من بقية الأمم غير اليهودية، حيث يطرد اليهود من أرضهم.

وهو نفس ما أكدته الآيات القرآنية في سورتي الإسراء، والحشر

{فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً … فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }الإسراء 5 و 7

   وتتطابقت الإنذارات الإلهية في القرآن الكريم، تماما ما توعدهم به حضرة المسيح، من تخريب الهيكل وتتبير كل ما علا من بنايات فوق الأرض، إلى أن تنتهي “أزمنة الأمم” ويقولوا مبارك الآتي باسم الرب.

38هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا. 39لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَني مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!». متى ص 23 : 38 – 39

 {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} الإسراء آية 104

“هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم إلى أول الحشر” سورة الحشر 2

 

 وأظهرت النصوص المقدسة، تاريخ انتهاء {أزمان الأمم} بالضبط. وأن مدتها ستكون اثنان وأربعون شهرا، أو أنها ستستمر لمدة {1260 يوما} كما صاغها يوحنا بصورة أخرى من  نفس الإصحاح طبقا لما جاء برؤيا يوحنا إصحاح 11

وباستعمال الحسبة المتفق عليها، من أن {اليوم بسنة}، حسب العلماء أن الأمم سوف تطأ المدينة المقدسة (أورشليم) مدة 1260 سنة.

 سواء كانت المدة 42 شهرا × 30 يوم للشهر = 1260 يوم

أو كما وعد مباشرة بأنها 1260 يوم، وفي كلتا الحالتين تكون المدة 1260 سنة.

  واستنادا إلى الوعد الثاني للمسيح، ستدوس أقدام هذه الأمم “الرومان والمسلمين” المدينة أورشليم حتى ساعة عودة المسيح والتي ستطول مدتها إلى  1260 سنة حسب قياس النبوءات. وطوال ذلك الوقت، سينفى اليهود من أرضهم ويبعدوا. لكن .. في ساعة عودة المسيح، سيمنحون رخصة العودة، وسينتهي “أزمان الأمم”.

   وبدراسة التقويم الهجري للأمة الإسلامية التي أخذت المدينة المقدسة، ظهر للعلماء أن سنة 1260 في التقويم الهجري، تتوافق مع سنة 1844م في التقويم الميلادي.

   كتب العلاّمة والكاتب الايرلندي الشهير جورج تاوزند “.. إن النفي القسري لليهود عن موطنهم الذي فرضه المسلمون عليهم لمدة اثني عشر قرنا، قد انتهى أخيرا بعد توقيع ‘وثيقة التسامح’، وأن “أزمنة الأمم قد تحقق”.

   وكانت القوى الغربية بزعامة بريطانيا علي وجه الخصوص قد قامت بإجبار “المسلمون” تحت قيادة الدولة العثمانية التركية علي توقيع معاهدة تضمن حرية التسامح الديني لجميع الملل الواقعة ضمن حدودها. وبالطبع شملت هذه المعاهدة الأراضي المقدسة في إسرائيل ضمن بنود الاتفاقية.

وفي يوم 21 مارس 1844م وقع الباب العالي في استنبول على هذه الوثيقة الخطيرة، أطلق عليها “وثيقة التسامح”، والتي بوشر العمل بها منذ اللحظات التي تلت التوقيع عليها. ومن هذا التاريخ تمكن اليهود ولأول مرة منذ اثني عشر قرنا، من ضمان حق دخولهم إلى فلسطين بحرية وأمان.

 

  تبقي الجزء الأخير والمهم أيضا من هذا الوعد

“وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ.”  لوقا إصحاح 21 آية 27

   

   أظهرت كثيرا من نبوات أشعيا، أن أرض شارون والجبل المقدس “جبل الكرمل”، سيكونان مركزا لنور ومحضر {مجد الرب} أو {بهاء إلهنا}، وبأن ذلك الاسم سيكون أحد الألقاب التي سيعرف بها المسيح بين الناس في تلك الأيام الأخيرة. قال:

 

2وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتًا فِي رَأْسِ الْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ كُلُّ الأُمَمِ. 3وَتَسِيرُ شُعُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَيَقُولُونَ: «هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، إِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». اشعيا 2 : 2 – 3

 

وهو ما أكدته رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي: “وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. 23وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا”.

                                                                         يوحنا 23 : 2 و 23

 

   وكما اشارت من قبل رؤيا يوحنا، إلى تاريخ 1844م (1260 هـ) على إنه نهاية {زمان الأمم}، وكذلك الوعد {بالاسم الجديد}” أو لقب الشخص الذي سيكون مركز أنوار مدينة الله الجديدة وهو مجد الرب .. بهاء إلهنا .. و{المدينة الجديدة} أورشليم، والتي ربطها بالموعود الذي سيأتي وأنها ستكون بيته في اليوم الأخير.  

 

كذلك أظهرت الدلائل الكافية بأن المسيح عندما تكلم عن {عودته}، كان يتكلم عن روح المسيح، روح القدس التي حلّت فيه، والتي ستعود للظهور، وعندما تكلم عن مجيء الآخر، كان يتكلم عن قناة بشرية أخرى، إنسان باسم جديد، “ابن الإنسان” غير المسيح “ابن الله” ، سيكون ممتلئاً بنفس روح القدس. ووعد بأنه في {الأيام الأخيرة} سيظهر بمجد وشكل إلهي تماما: فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ “. متى ص 16 : 27

 

“وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ.”  لوقا إصحاح 21 آية 27

   ويبدو في الحقيقة، أن الأحداث التي واكبت منتصف القرن التاسع عشر في إيران والدلائل التي تمخضت عنها، كانت من القوة التامة لتشير إلى أن هذا الحدث قد تم. وأن الشخص المقدس شبيه المسيح قد ظهر، يحمل اسما غير اسمه، ممتلئ بنفس اللطف والعطف والمحبة التي ظهرت من يسوع.

 

 

4فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ. اشعيا 2 : 4-5

(2فَتَرَى الأُمَمُ بِرَّكِ، وَكُلُّ الْمُلُوكِ مَجْدَكِ، وَتُسَمَّيْنَ بِاسْمٍ جَدِيدٍ يُعَيِّنُهُ فَمُ الرَّبِّ. 3وَتَكُونِينَ إِكْلِيلَ جَمَال بِيَدِ الرَّبِّ، وَتَاجًا مَلِكِيًّا بِكَفِّ إِلهِكِ.)  إشعياء62: 1-3

  ومرة أخرى يتنبأ حزقيال

 

فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ». أشعيا 40 : 5

 

وهو نفس ما أعلنه حضرة بهاء الله في صراحة قاطعة قائلا :

    “سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ هَذَا الْمَظْلُومَ لَمْ يَخْتَفِ فِي حِينٍ مِنَ الأَحْيَانِ بَلْ كَانَ دَائِمَاً قَائِمَاً ظَاهِرَاً أَمَامَ جَمِيعِ الْوُجُوهِ. إِنَّا مَا فَرَرْنَا وَلَمْ نَهْرُبْ بَلْ يَهْرُبُ مِنَّا عِبَادٌ جَاهِلُونَ.(1)

 

   “انّه لهو الذي سمّى في التّورية بيهوه وفي الإنجيل بروح الحقّ و‌في الفرقان بالنّبأ العظيم. تمسّکوا يا قوم بما وعدتم به من قبل بلسان النّبييّن و المرسلين. أشهد بک ظهر المقصود و توجّه کلّ حبيب إلی اللّه الفرد الخبير.(2)

 

 

    كان ميرزا حسين علي الملقب “بهاء الله” قد أعلن دعوته من بغداد سنة 1863 ، مصرحا بأنه موعود كل الأمم ورسول العصر الجديد، والذي إليه أشارت كل الكتب المقدسة وحددت علامات وزمان مجيئه.

  إلا أن الدولتين الإيرانية، والعثمانية، لم تقبل مثل هذه الدعوة واتفقتا معا على مقاومة هذه الدعوة والقضاء عليها.

   وتعليقا علي تلك الأحداث الدموية الرهيبة التي تزامنت مع بدايات هذه الدعوة، كتب شوقي أفندي ولي أمر الله في كتابه الرائع ” القرن البديع” يقول :

    “والواقع أنّ المحن والفتن والنّكسات والهزائم والسّعايات والوشايات والمجازر والمذابح أخذت كلّها تعمل منذ البداية، وبدرجات متزايدة، على استئصال شأفة أتباعه من كلّ الطّبقات، وتعريض إخلاصهم وولائهم الرّاسخ للامتحان والافتتان. … فما كاد هذا الدّين يولد حتّى

 

—————————

(1) بهاء الله – ألواح ما بعد الأقدس – الطراز السادس ص 57   

(2) بهاء الله – آثار قلم أعلى المجلد الثاني ص 17 

قاومته الحكومة ورجال الدّين والشّعب، وقاموا ضدّه قومة رجل واحد، وتحالفوا فيما بينهم على مناصبته العداء إلى الأبد … كما أنّ العاصفة الّتي هبّت بعد ذلك بقوّة فريدة على الجامعة

الجاثية على ركبتيها من شدّة القهر حرمتها من أعظم أبطالها … وساقت حضرة بهاء الله إلى سجن مظلم تحت الأرض، وكان حضرته الوحيد الّذي بقي على قيد الحياة من عمالقة الدّورة الجديدة.(1)”   

    ومع ذلك وعلى الرغم من كل هذه الأحداث والأمور الظاهرة عيانا كالشمس يحذر أشعيا الشعب من بعد ذلك قائلا:  «أَيُّهَا الصُّمُّ اسْمَعُوا. أَيُّهَا الْعُمْيُ انْظُرُوا لِتُبْصِرُوا. أشعيا 42 : 18   

 

 

 

 

  حتى هذا التحذير والذي ربما لم يلتفت إليه احد لإيجازه وبساطته، قد تحقق بالفعل.

    وكانت إحدى الجماعات من علماء الدين الألمان، متأكدين تماما من ظهور {مجد الرب} على سفح جبل الكرمل، في فلسطين عام 1844م، وأكدت دراستهم للنصوص المقدسة حتمية تحقق هذا الوعد، كما تنبأ عنه أشعيا، لذلك هجروا أوطانهم، وباعوا جميع ممتلكاتهم وأبحروا إلى الأرض المقدسة. انتظارًا “لمجي الرّبّ” واجتمعوا عند مستعمرة أطلقوا عليها “مستعمرة فرسان الهيكل” عند سفح ذلك الجبل، في نفس السّنة الّتي أعلن فيها حضرة بهاء الله رسالته في بغداد (سنة 1863 م). ولأنهم كانوا واثقين تماما من تحقق هذا الظهور في ذلك الميعاد، نحتوا على الأحجار فوق أبواب دورهم كلمات تحمل معاني آمالهم: “الرب قريب”

 

   كانت هذه المجموعة الألمانية تحت قيادة {ليونارد هـ. كيلبر}. والذين عرفوا باسم “الهيكليين” وبعد طول انتظار، خاب أملهم عندما لم يظهر المسيح كما كان متوقعا بين سنة 1843م و 1845م، عندها تركوا حياتهم السابقة واستقروا تحت سفح جبل الكرمل يمارسون حياتهم العادية، ينتظرون يوم مجيئه العظيم.

   ومن المعروف أن حضرة بهاء الله قد قام بزيارة حيفا أربع مرات، وفي زيارته الثالثة سنة 1890 نصب خباءه قريبا من كهف إيليا وبجوار دير الكرمليّين مقر هذه الجالية الألمانية التي كانت تنتظر بشوق مجيء حضرة المسيح، إلا أن بصائرهم الكليلة لم تستطع مشاهدة أنوار ظهوره الباهرة السطوع، ولم يستطيعوا التعرف إليه رغم أنه كان قريبا منهم إلى حد يثير الدهشة والتعجب.

 

———————

 (1) شوقي أفندي – القرن البديع – ص 117 – 118

براهيـن إلهيـة دامغة

على أرض الواقع

 

   من المؤكد أن بعض الناس قد لا تتقبل الشروحات والتفاسير التي قد تقدم إليهم من الآخر، وقد يستطيع المرء أن يدحض أو يحرف بعض الحقائق الثابتة, ولا يتوافق مع الأفكار الجديدة، بل ويقلل من قيمة الأحداث التاريخية العظمي, وقد يصل به الأمر بأن يسيء فهم تعاليم المرسلين والأنبياء, فيزدري ويعارض دعاوى الرسل، ويتعدى علي الأنبياء بالقتل والتكذيب، لإطفاء نور الهداية الربانية، وحجب الفيض الإلهي، وبذلك نجدهم أشبة بحجر عثرة على الطريق، يمنعون وصول ماء الحياة الإلهي لباقي البشر، ويقفون عائقا خطيرا في سبيل نشر كلمات الله وشرائعه وأحكامه على الأرض. 

   ألا أن موقف الله من مثل هذه الأعمال المعاندة، وأمام بطش هذه القوى المظلمة، كان أبعد ما يكون – وأستغفر الله –  عن الضعف والتهاون في سبيل انفاذ رسالاته وشرائعه. وكان للإرادة والمشيئة الإلهية رأي آخر، فما كان لله أن يترك زمام الأمور بين يدي طغمة غلفت عقولها بظلمة جهنمية لتدير شئون العالم ويتحكمون في مخلوقاته نيابة عن بارئهم العظيم.

{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ }العنكبوت2

   وفي هذه الآيات الفيصل في وضوح الرؤية، ومربط الفرس كما يقولون، فكان على الله أن يحاصر المكذبين ويحيطهم بسننه الأولية، وبالعديد من الفتن والمحن، والبلاء والابتلاء، والتي تعنى الاختبار والامتحان، حتى تصل المحنة إلى ذروتها، ويميز الله الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، ولا يجد المترددين ملجأً من الله إلا إليه، ولا ظلا إلا ظله.

 قال تعالي : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15

   ذلك لان الله حدا بالبشرية إلى غاية قدرها من قبل، ووعد بأن يهب الناس القوة لأطاعته وإتباع أوامره، وتكون العاقبة في النهاية لله الواحد القهار.

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ }المؤمنون71

  ولعل من أعجب ما يمكننا تخيله أن جعل الله المكذبين هم من يحملون علي أكتافهم المسئولية الكاملة لتنفيذ أوامره وتعاليمه، في الوقت الذي يظنون كل الظن أنهم الغالبون. وتبدو هذه الحقيقة في أوضح صورها عندما ارتكبت السلطات المدنية والدينية في إيران وتركيا نفس الخطأ وحاولت التخلص من حضرة بهاء الله، ونسي أعداءه حين نفوه إلى عكاء بالأرض المقدسة، أنهم ينفذون إرادة الله – دون أن يدروا – وكما سبق وأعلنت عنها التوراة والإنجيل والقرآن بأن شريعة الله الجديدة سوف تجرى من فوق جبل الله، جبل الكرمل.   

    لذا التمس من حضراتكم السماح بأن أعرض من أمامكم في الصفحات التالية، حديثنا يتسم والى حد كبير بالمنطق العلمي الخالص، مدعوما بمكتشفات العلوم الحديثة، وبأرقام وإحصائيات صحيحة موثقة، توضح المدى الهائل لتلك القدرة الربانية لانفاذ مشيئة الله أن طوعا وإن كرها، ولتبيان القدر الكبير من للتغيرات التي نشأت مؤخرا فوق سطح كوكبنا، وأصبح يكتوي بنيران أزماتها الخانقة، مما فرض على دول العالم قاطبة، وبقوة قاهرة الكثير من الأسباب الموجبة لقيام الوحدة والاتحاد بين عموم البشر، وفرضت على الجميع العمل سويا وفي تناغم لمجابة آثارها المدمرة. من خلال وحدة إنسانية عالمية واحدة تؤمن الوحدة والسلام والرخاء لكل شعوب العالم.

 

حتمية المصالحة والإصلاح بين البشر

العالمية وتطورات العالم المعاصر

  شاءت الأرادة الإلهية ألا يتم توزيع الثروات الطبيعية المتناثرة فوق أراضي كافة الدول، بالعدالة وبالتساوي ..  بل جاء التوزيع – على الرغم من أنه يبدو في الظاهر عشوائيا – طبقا لأرداة وخطة إلهية محكمة حتى يتكامل الناس مع بعضهم البعض مصداقا لقوله تعالى :

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا }الحجرات13

   ونتج عن هذا التوزيع الغير متكافئ أن أصبح الإنسان مضطرا إلى استبدال ومقايضة ما يفيض عن حاجاته بأشياء أخرى ضرورية، هو في أمس الحاجة إليها حتى تستقيم حياته ويحفظها من الزوال.

   كانت حاجيات الإنسان في العصور القديمة بسيطة قليلة التنوع لكن مع الزيارة المضطردة في أعداد البشرية وتنوع النشاط الإنساني ذادت الحاجة إلى كميات متزايدة ومتعاظمة من السلع والمواد الخام. وظلت التجارة وعمليات تبادل السلع الشغل الشاغل للإنسان والمحور الأساسي في النشاط البشري وحمل التجار عبئا يفوق طاقة البشر، ولم يتوقفوا عن تسيير القوافل التجارية، بل تنامت قوافلهم بأعداد أكبر، وأحجام أعظم حتى أصبحت كالشرايين التي تضخ الحياة في كل أوصال البشرية.

   إلا أن التغيرات المتسارعة في العالم بداية من منتصف القرن الثامن عشر، وقيام النهضة الصناعية في أوروبا، فرضت على تلك الدول قوانينها الجديدة، وأظهرت حاجتها الملحة في البحث عن أسواق خارجية جديدة لتصريف الكم الكبير من الصناعات المتكدسة في مخازنها بعد أن تشبعت أسواقها المحلية ولم تعد قادرة على استيعاب المزيد منها، هذا من ناحية .. ومن ناحية أخرى بدأ الكثير من دول الغرب في البحث المحموم والدءوب عن المناطق الغنية بالثروات الطبيعية لتشغيل مصانعها الضخمة، خصوصا بعد تزايد قدرات بلادهم العلمية وتنامي قواهم العسكرية، في محاولة لبسط نفوذهم والاستحواذ على ثروات الدول الفقيرة والمتخلفة، وفرض هيمنتهم عليها وحمايتها من أي جهة تحاول النفاذ إلى هذه المناطق، والتي اعتبروها مناطق محرمة على غيرهم.

  وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا التنافس والتكالب على مناطق الثروات والأسواق – والتي سميت فيما بعد بمناطق النفوذ – إلى الخلاف والنزاع الأمر الذي أدى إلى اشتعال الحروب المروعة بين الكثير من الدول وعلى فترات متقاربة وطويلة من تاريخ الجنس البشري.

  ومع ظهور ما عرف بالعصر الحديث، بدأت الدول المتحضرة في توحيد الكثير من أنظمتها السياسية وقوانينها الأمنية والاقتصادية … والتي تخدم وتسهل مصالحها المتشعبة مع باقي الدول، وتحفظ سلامة وأمن المجتمعات الدولية.

   وقد يبدو في الظاهر أن لكل الدول المتحضرة مجموعة من النظم المتماثلة والموحدة وتكاد تكون متطابقة “كالجمارك- الجوازات- التجارة الخارجية … الخ” ولكن على الرغم من هذا التطابق الظاهري ألا أنها اختلفت اختلافا جوهريا في كل مفردات قوانينها المنظمة ما بين دولة وأخرى.

 

   وكمثال فأن دولة ما تنمح تخفيضات ومزايا كبيرة في رسوم جماركها لتشجع على تصدير السلع التي تنتجها.  بينما دولة أخرى تفرض رسوم باهظة في جماركها للحد من الاستيراد وتشجيع الصناعات الوطنية. ودولة أخرى لا تضع أية قيود على حركة وانتقال رؤوس الأموال منها أو أليها، بينما دولة أخرى تعتبر هذه العملية جريمة أمن دولة يعاقب عليها القانون.

وأدت هذه الاختلافات بالطبع، إلى ظهور العديد من المشاكل بين الدول وسببت الكثير من الصعوبات والتعقيدات للأفراد العاديين الذين يقومون بأعمال التجارة بين الدول. وهو ما دعا بعض المفكرين إلى طرح أفكار غير تقليدية – وعلى استحياء شديد –  في محاولة لتسهيل التعاملات التجارية والمصرفية وغيرها ولتوحيد هذا الكم الكبير من القوانين العاملة لدى كل  دولة، ودمجها في قانون واحد تخضع له كل أمم الأرض. 

   وفجأة، وبداية من منتصف الخمسينات من القرن العشرين ومع ظهور الشركات متعددة الجنسيات، وجد العالم نفسه مضطرا، ومدفوعا بقوة قاهرة غير منظورة، لان يتبنى فكر واحد، رغم كل تناقضانه وصراعاته وتوجهاته، ولأن ينتهج سياسة متوازنة تميل  نحو التقارب والتكامل مع باقي الثقافات والتكتلات الدولية والتي كان يعتبرها منذ وقت قريب معادية، بل ومن ألد الخصوم.

 

   واسمحوا لي أن أُعَدّد بعض هذه الأسباب ولو بالتقريب والتي أدت إلى بروز هذه التغيرات الحاسمة وعلى غير توقع. ولعل أول وأهم هذه الأسباب هي :

1 – ثورة المواصلات والاتصالات.

 

    فالسرعة الهائلة التي تميزت بها نقل الأخبار والمعلومات إلى كل أرجاء العالم بهذه القوة والإسهاب في التفاصيل الدقيقة ولكل المواضيع والأحداث العالمية، حملت الناس إلى جانب مشاكلهم الخاصة، إلى أتون مشاكل الناس المتباينة في كل مكان من أرجاء العالم، وجعلتهم ينصهرون في قلب الأحداث .. ينفعلوا ويتفاعلوا مع مجرياتها، كما أتاح لجميع سكان العالم ولأول مرة في التاريخ أن يتشاركوا –  وفي نفس اللحظة – مع ملايين الناس في الكثير من الأحداث، حتى التي لا شأن لهم بها ولا تمس مصالحهم من قريب أو بعيد، وكأنهم طرفا أصيلا فيما يجرى ويحدث، في كل مكان من العالم المترامي الأطراف، على الرغم من بعدنا عن مكان الواقعة آلاف الأميال. لدرجة تحول العالم إلى مجرد قرية صغيرة، لا يزيد طول قطرها عن ثلاثين ألف كيلو متر فقط.

 

2- ثورة التكنولوجي ..

وأثارها على بيئة الإنسان سلبا – وإيجابا

 

    ففي الحقيقة لا يمكن لأي إنسان أن ينكر الآثار العظيمة والأهمية الكبيرة لما قدمته التكنولوجي الحديثة من منافع جليلة للناس في كل مكان، والتي يسرت للجميع – وعلى قدم المساواة تقريبا – بوفرة خدماتها وأجهزتها التقنية سبل التمتع بالحياة الكريمة مما منح الناس ولأول مرة، شعورا بالمساواة بينهم كبشر.

 

   إلا أن بعض أثارها السلبية قد أضرت بعالمنا الأرضي وقهرتنا جميعا ودون استثناء بقوتها الهائلة، وسلطانها النافذ. فقد أنشأت الدول المتقدمة صناعيا العشرات من المصانع العملاقة  التي أنتجت الآلاف من السلع والمنتجات والتي قدمت أجل الخدمات للعالم .. لكن وعلى الجانب الأخر فأن هذه المصانع راحت تنفث السموم والغازات الضارة وبكميات هائلة في أجواء الكرة الأرضية والتي تحولت بعد ذوبانها في بخار الماء التي تحمله السحب إلى ما يعرف بالأمطار الحمضية .. والكارثة أن هذه الأمطار لم تسقط في البلدان الأصلية التي أنتجت هذه الغازات فقط، بل حملتها الرياح إلى أماكن بعيده، وسقطت فوق دول أخرى متباعدة شرقا وغربا مما هدد الحياة الطبيعية من نبات وحيوان وإنسان وعلى رقعة واسعة من العالم إلى أخطار جسيمة.

 أضافه إلى ما أحدثته هذه الغازات من تدمير لطبقة الأوزون وما نتج عنه من ارتفاع لدرجة حرارة الكون “ظاهرة  الاحتباس الحراري” مما أدى إلى الخوف من ذوبان جليد القطب الشمالي والجنوبي التي تحفظ التوازن الدقيق لحرارة الأرض.

    ولو حدث ذلك فسوف تتسبب الفيضانات الناجمة عن غرق مدينة الإسكندرية في شمال أفريقيا، ومدينه الكاب تاون في جنوب أفريقيا، حتى مدينة نيويورك اكبر مدن العالم في شرق أمريكا، وكل مدن الغرب الساحلية والمطلة على البحار لن تنجو رغم كل علومهم المتقدمة وثرائهم الفاحش، فلن يحدث ذلك فرقا يذكر بين الجميع، فالكل مهدد وبنفس الدرجة .. فلا فكاك ولا مهرب من هذا المصير وكأن دعوة سيدنا نوح عليه السلام “لا عاصم اليوم من أمر ربي” قد بدأت الدنيا ترددها من جديد، إلا أن صرختها هذه المرة جاءت مدوية وبأعلى النداء وتكاد تصم آذان العالم أجمع.  

 

   والغريب أن إعلان تلك الحرب الخفية الغادرة، لم يصدر عن دولة معادية لها جيش مدرع ومدجج بالعتاد والسلاح، يمكن ملاحقته والتعامل معه. بل كانت قوى طبيعية، غاية في الهدوء والنعومة والسلاسة، وحملها “السحاب والماء والهواء” وأثبتت بالفعل قدراتها الهائلة والمدمرة، وأظهرت عجزنا الفاضح في مواجهتها وفشلنا المهين في إبطال مفعولها. 

 

    والملفت للنظر أن التكنولوجيا التي  قدمت الرفاهية والرخاء للناس كانت هي السبب الأول في تفشي هذه الظواهر، كمشكلة الاحتباس الحراري الذي أدى إلى مشكلة ثقب الأوزون وما نتج عنه من نفاذ أنواع من الأشعة الكونية الضارة. نتيجة لاستعمال الناس لغاز الفريون المستخدم في الثلاجات وأجهزة التبريد والتكييف. وعند حدوث أي تسرب لهذا الغاز يتصاعد إلى طبقات الجو العليا مسببا الدمار لطبقات الأوزون المُكَلَفَة بحماية جو الأرض.

 

   وفي هذه الظروف وضح لجميع حكماء وعلماء في العالم، أنه إذا اجتمعت دول العالم بكل قدراتهم العلمية العظيمة، وبامكاناتهم المادية الهائلة لمواجهة تلك المشاكل، بينما تخلفت دولة واحدة فقط عن المشاركة في هذه القرارات الجماعية، حتى وإن كانت من دول العالم النامي الفقيرة والمتواضعة فلن يتمكنوا من حل هذه المشكلة، وسيكون الفشل مصير كل جهود الآخرين.

 

   لذا بات من المحتم تكاتف الجهود الحثيثة والتعاون المخلص بين جميع سكان الأرض،  وأصبح من الضروري أن يجتمع زعماء العالم – سواء بخاطرهم أو بالرغم عنهم – على مائدة واحدة وليتعاونوا جميعا في إخلاص وشفافية بكل ما من علوم وثروات للبحث عن حلول وإيجاد العلاج لهذه المشكلة المستعصية، إذا ما أراد العالم مواجهة آثارها المدمرة للإنسان وللبيئة. فبدون هذا التآلف والاتحاد العضوي والمتكامل سيصبح الجميع خاسرون.

    وليس في نيتي أن اختتم هذا الموضوع المهم بتلك الصورة الداكنة. فهناك صورة أخرى مشرقة لابد وأن نستعرضها لعلها تهبنا الثقة في مستقبل مضيء بالأمل والرجاء.   

   فمتابعة ما يجري في الملاعب الرياضية المحلية والعالمية، وفي دورات الألعاب الأولمبية، وكأس العالم لكرة القدم، الذي يقدر عشاقه ومحبيه بالمليارات من البشر، يثير الكثير من الخواطر والتأملات عما طرأ في عالمنا الحديث من تغيرات جوهرية.

   وعلي سبيل المثال عندما بدأت الألعاب الأولمبية سنة 1896 كان عدد المشاركين في جميع الألعاب 311 لاعب وتابع هذه الألعاب 40000 متفرج في كل مراحل هذه الدورة.

   أما في دورة الألعاب الأولمبية الخامسة والعشرين في برشلونة سنة 1992 أي بعد مائة عام تقريبا كان عدد الدول المشاركة  172 دولة .. وكان عدد المشاركين من اللاعبين 10000 لاعب تفرج عليهم في إستاد برشلونة فقط أربعين ألف متفرج أما عدد من شاهد هذه المباريات عن طريق  التلفزيون فيتجاوز المليار نسمة.

   وفي الحقيقة فقد ساهمت الثورة التكنولوجية – في كل المجالات الرياضية – مساهمة عظيمة في تقليل الفوارق بين الناس وجعلت الرجل الأسود والذي كان عبداً مملوكا للسادة من الجنس الأبيض حتى عهد قريب، ينافس سيده القديم الأبيض اللون بل ويتفوق عليه، وجعلت الأفريقي والآسيوي والأوروبي والأمريكي يتصارعون فوق حلبة واحدة، ويخضعون لقانون تحكيم واحد وعادل، ولم يعد هناك أي فرق بين لاعب ولاعبة، أو تمييز بين فقير وغني.

 

    لذا أقول مرة أخرى أن ثورة التكنولوجي كما كان لها أثارها السلبية فأنها ساهمت وبقوة في جعل الناس جميعا يشعرون وعلى حد سواء بمشاعر الوحدة الإنسانية والمساواة بين البشر مهما تباينت أجناسهم وأعراقهم وأديانهم، ولكن يبقى الأهم هو مدى أيمانهم بهذه المساواة.

 

 

  وبكل تأكد عندما يؤمن البشر بهذه المساواة فعلا فسوف تخفق قلوبهم بنبضات قلب واحد، ويرددون في صوت واحد، كلمات حضرة بهاء الله :

 

هل علمتم لما خلقناكم من تراب واحد لئلا يفتخر أحد علي أحد …

 

وكلكم أوراق شجرة واحدة و قطرات بحر واحد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجديد في الدين البهائي

 

وحدة التاريخ الإنساني وتواصل الحضارات

 

   جاءت الوعود بالرسالة الجديدة وبالبشارات الجديدة بداية من التوارة الكتاب المنزل علي قلب سيدنا موسى عليه السلام. وقد يعترض البعض على أساس انه لا علاقة لنا بالكتب السابقة وأنها لا تمثل إلزام لنا لتصديق هذه الوعود. ولكن القران الكريم المنزل من عند الله لا يوافق أبدا على مثل هذه الآراء والأفكار. وهناك آية في سورة آل عمران تفند هذا اليقين الخاطئ عن عدم تواصل الرسالات الإلهية الذي يؤمن به البعض تقول

 

{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ }آل عمران194

هذه الآية التي دعا بها الرسول عليه السلام متمنيا على الله أن يتحقق لأمته ما وعدت به رسل وأنبياء الله السابقين  .

 

 

1 –  وحدة العالم الإنساني

 

 

         وضع حضرة بهاء الله منهجا محكما شاملا لنظام عالمي جديد وأكد أن الناس سينجحون في تطبيق هذا النظام ما أن يدركوا مخلصين وحدة الجنس البشرى الجوهرية مؤكدا على أن مبدأ وحدة البشر هو الحجر الأساسي لمملكة بهاء الله العالمية  ولكنهم لن يستطيعوا

أن يبلغوا هذا المبلغ من الوعي والإدراك إلا عن طريق غرائزهم الدينية وإطاعتهم المطلقة لإله واحد في ظل اسم واحد0   

     فبالرغم من أن الأديان كلها من عهد آدم عليه السلام حتى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قد نبهت إلى وحدانية الله ومع أن الدين الإسلامي بوصفه الدين السابق على البهائية قد أعطى جرعة قوية في مفهوم وحدانية الله وإعلان وحدة الجنس البشرى وأرسى قواعدها وشدد بنيانها 00 ( كلكم لآدم وآدم من تراب –  لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ) 00 إلا أن كافة أديان الأرض ومبادئها الأساسية قد دخل فيها كثير من المذاهب والتيارات المتباينة والأفكار الخاصة التي تفرض نفسها بوسيلة أو بأخرى على أتباع الديانات والمذاهب المختلفة ففقدت روح الوحدانية بمعناها الحقيقي العميق المرتبط بالفرد والجماعة.

 وبما أننا جميعا نوقن ونؤمن بأن الله واحد وشجرة الإنسانية واحدة ورسل الله وأنبياؤه إنما جاءوا من أصل مقدس واحد إذا فالوحدة قائمة منذ الأزل.

لذا أعلن حضرة بهاء الله بوصفه الرسول الجديد لإنسانية عالمية جامعة مبدأ “وحدة عالم الإنسان” وان جميع أمم العالم أخوة رغما عما تصوره المتصورين من عوامل التفرقة والتمييز الوهمي في وقت كانت الإنسانية غارقة في لجج التعصبات المانعة لمثل هذا النور.

     وفى رسالة لحضرة بهاء الله خاطب أهل العالم بقوله مترجما : – 

”  قد ارتفعت خيمة الاتحاد , فلا تنظروا بعضكم بعضا كغرباء , أنتم جميعا أثمار شجرة واحدة , وأوراق غصن واحد .. ليس العالم إلا وطن واحد والبشر سكانه .. ” لوح مقصود 

 

” ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم “

 

   سوف يحيل هذا الإيمان الصادق الهادئ الرزين كل سكان الأرض أو غالبيتهم القصوى إلى أخوة ويجعل من الأرض جنة عليا لأن أعظم اتحاد هو الاتحاد على كلمة الله الحق كما تفضل حضرة بهاء الله في لوح الرئيس الذي وجهه إلى السلطان عبد العزيز وإلى وزيره الصدر الأعظم أمين عالي باشا قوله:

 (قل قد جاء الغلام ليحيى العالم ويتحد من على الأرض كلها، سوف يغلب ما أراد الله وترى الأرض جنة الأبهى)

   إلا أن العالم وحتى الآن لم يستمع ويصغى إلى نداءات حضرة بهاء الله والى بيانات ومناشدات حضرة عبد البهاء خلال سفراته العديدة إلى الشرق والغرب .. بل وظهرت نعرات قوية من التمايز والعنصرية المشحونة بالعداوة والكراهية بين كثير من الدول القوية في القرنين التاسع عشر والعشرين مما أدى إلى وقوع صدام مرعب بين الأمم المتحضرة واشتعال عدد من الحروب المشئومة “الأولى والثانية” اللتين سببتا الدمار والخراب لكل من المهزوم والمنتصر على حد سواء.

2 – اتفاق العلم والدين

 

    في الحقيقة أن العلم والدين أو التمدن والتدين أو التبحر في العلوم وخدمة الله، يتحدان ويتفقان في هذه الديانة كمال التوافق وبمنتهى الامتزاج والتناغم. أما ما يظهره بعض الناس من صور التضارب والتناقض بين العلم والدين فمنشأة عدم فهم حقيقة الدين ..

    وتعلن الديانة البهائية أن غاية الدين هي إعلاء شأن المحبة والوئام بين العباد .. وتقر بأن الدين هو السبب الأعظم في إقرار الائتلاف والسلام ودوام الرقى والانتظام في المجتمع البشرى.

    ولو حاولنا ان نستلهم المصدر الذي نستمد منه معارفنا وقوانيننا العلمية والرياضية لاعترف الجميع بأن مصدر تلك العلوم كلها هي القوانين الإلهية التي أبدع الله  نواميسها في شفرة الكون وأنظمته, وكذلك فان أحدا لا ينكر أن الرسالات والرسل جاءت جميعها من عند الله.

   فإذا كان العلم والدين مصدرهما واحد، هو الله سبحانه وتعالى فكيف يمكننا أن نجد مجرد لمحة من التناقض والاختلاف !؟ أما ما يظهر من التضارب والتناقض بين العلم والدين فهو تناقض ظاهري منشأه عدم فهم حقيقة الدين.

    ولأن البعض من  الظواهر التي وردت في بعض الكتب السماوية وظهرت متعارضة مع العلوم التحقيقية، هي في واقع الأمر حقائق روحانية جاءت أحداثها وصفاتها بلغة المجاز، لها تأويلات معنوية، وخلافا لذلك فقد اعتبرت الديانة البهائية أن أي فرضية أو تعليمات حرفية تتناقض مع العلم والعقل السليم ولا يوجد لها تأويل صحيح ولا تفسير منطقي ينطبق على البرهان الصريح مجرد خرافات وأوهام.

ويتفضل حضرة بهاء الله قائلا : 

 * قل انّا وضعنا العلم ليهدی النّاس الی صراط اللّه العلیّ العظيم * طوبی لعالم به وجد عرف المعلوم واقبل الی الأفق الاعلی بيقين مبين * وويل لکلّ عالم به استکبر علی اللّه واعرض عن امره المبرم المتين *

     ولقد أكد العالم الرياضي الشهير ( بول ) أن حل معضلة رياضية يعتبر صلاة وابتهال وتضرع من العقل المحدود إلى الفيض اللامتناهى وأن أكبر أساطين العلم والدين لم يكن بينهما في الحقيقة أي نزاع بل أن النزاع لم ينشأ إلا من أتباع هؤلاء المعلمين العظام الذين اتبعوا حرفية التعاليم فبعدوا عن روحها الحقيقية وقد غلف عقولهم وقلوبهم إما الجهل والتعصب أو ضيق الأفق والغرور أو الطمع والعناد.

 

———————————

* حضرة بهاء الله – آثار قلم أعلى – المجلد الثاني

 

3 – نبد التعصبات والخرافات

 

 

     يقضى مبدأ الدين البهائي الخاص بوحدة البشر على سبب آخر من أسباب النزاعات والحروب قضاء مبرما , ألا وهو التعصب. فالتعصب كلمة مشتقه من العصبة والعصبة هي التي توضع على العينين فيغرق في ظلمة العمى , وتوضع على المخ فتتعطل أفكاره ومواهبه. 

     فبعض الأقوام يدعون أنهم أعلى وارفع مقاما من ناحية ” الجنس أو العرق ” وتفوق السلالات ويعطون لأنفسهم الحق في أن يستأثروا بمنافع الأقوام الضعيفة واستنزاف مقدراتهم , وتؤكد الديانة البهائية أن تلك الأفكار كلها مزاعم باطلة وأن كل امة لها مقام مساو لغيرها من الأمم في نظر الله ولكل منها مواهب خاصة بها ويمكنها أن تقوم بعمل يساعد على إكمال حياة الأمم الأخرى.

     فلم يخلق الله الخلق ليهلك بعضهم بعضا, وأن بعثة الأنبياء لم تكن تهدف إلا لغرض محوري هو توحيد كلمة البشر وجمع شملهم وربطهم بعرى المحبة والتعاون والاتفاق ولتستحكم أسس السعادة والرفاء بين الجميع.

    فجميع الأمم والقبائل والأجناس متساوون أمام مواهب أبيهم السماوي .. ولا فرق بينهم في الحقيقة إلا في درجة الإخلاص والطاعة للقوانين الإلهية , بيد أنه ويا للأسف أن كثيرا ما إسىء فهم هذه التعاليم السماوية والنصائح الربانية التي جاء بها اؤلئك الأنبياء فظهرت بين تابعيهم البدع المخالفة والتعاليم الباطلة والأوهام السقيمة التي أفرزت ألوان عجيبة وغريبة من التعصبات المميتة.

    كما إن البهائية بناء على تعاليمها الأساسية لا تقبل تلك الخرافات والأباطيل وتعلن بكل جرأة وبلا أدنى تحفظ نبذ – بل وذم – كل ألوان التعصب الديني أو العرقي أو الجنسي أو اللوني أو الطبقي أو الطائفي، وتهدف إلى محو التعصبات كافة لأنها هادمة لبنيان العالم الانسانى وكيانه , وجالبة لشقائه وتعاسته وبلائه.

ويؤكد حضرة بهاء الله تأكيدا قاطعا : أن ما من جنس ، ولا أمة ، ولا فرد من الأفراد إلا وله مكان معين في الكشف عن هذا التدبير الإلهي العظيم.

 

 

 

 

 

 4 – المساواة بين النساء والرجال

 

 

   احد المبادئ الاجتماعية التي منحها حضرة بهاء الله أهمية عظمى هو أن النساء يجب أن يعتبرن مساويات للرجال, وفى هذه الفترة المتفتحة من تاريخ البشرية ووصول الإنسان لدرجات متقدمة من الوعي الروحي والاجتماعي والعلمي العام أعطت البهائية للمرأة حقها كاملا بمساواتها بالرجال في جميع الحقوق والامتيازات.

  فالمرأة في اليهودية لم تكن تملك لنفسها شيئًا بل كانت تُزوج حسب ما يرى ولى أمرها وترغم على الزواج بأخ الزوج في حالة وفاة زوجها – إن هو رغب في ذلك – ثم حصلت بعد ذلك في المسيحية على الحق في قبول أو رفض الارتباط إلا من تختاره بمحض إرادتها, وكما نصت التعاليم المسيحية على أن المسيح هو رأس الكنيسة اعتبر أن الرجل هو رأس المرأة.

      بينما رفع الإسلام المرأة درجات فأعطاها حقها في الميراث كنصف الرجل وفى الشهادة أمام القاضي شهادة امرأتين أمام شهادة الرجل كما أعطاها حقّ إدراة أموالها وكذلك حقها في قبول أو رفض من يعرض عليها الزواج ونصّت الآيات المباركة على موقعها في حالة الميراث والزواج قوله عز شأنه : وللذكر مثل حظ الأنثيين، وأيضًا: -

“الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً [النساء : 34]

    كانت هذه القوانين الجديدة نقلة هائلة في تاريخ البشرية وكافية إلى حد كبير للتعامل – في تلك الفترة – مع مجتمعات قبلية في معظمها تحيا وتعيش في البوادي والصحارى دون توفر أي إمكانيات مهما كانت ضآلتها كمصدر للعيش والرزق للمرأة.

     وفى هذه الدورة أعطت البهائية المرأة حقها كاملاً في الميراث كالرجل ومساواتها في كافة الحقوق والواجبات والالتزامات فهي بوصفها أم للمجتمع والمسئولة عن تربية الأبناء وموالاتهم باعتبارهم جيلاً جديدًا .. وحتى ما إذا كان للوالدين ولدا وابنة ولم يكن في الاستطاعة الإنفاق لتعليمهما معا فالأولى بالتعليم البنت لأنها أم المستقبل كما أن تعليم الأبناء حق شرعي وإجباري على الوالد والأسرة والمجتمع ويقول حضرة بهاء الله في الكتاب الأقدس: (قد كتب على كل أب تربية ابنه وبنته بالعلم والخط ودونهما عما حدد في اللوح والذي ترك ما أمر به فاللأمناء أن يأخذوا منه ما يكون لازمًا لتربيتهما إن كان غنيًا وإلا يرجع إلى بيت العدل إنا جعلناه مأوى الفقراء والمساكين. إن الذي ربى ابنه أو إبنًا من الأبناء كأنه ربىّ أحد أبنائي.)

                                                           حضرة بهاء الله – الكتاب الأقدس

ويقول : (… يجب على الجميع من الرجال والنساء أن يودعوا جزءًا مما يكسبوه من التجارة والزراعة أو غيرها بين أمين لأجل تربية وتعليم الأطفال وتصرف بإطلاع أمناء بيت العدل على تربيتهم).

                                                            حضرة بهاء الله – الإشراقات – لوح الدنيا  

 

     ويتفضل حضرة عبد البهاء بالنسبة لحقوق المرأة ما ترجمته : ” كان العالم القديم محكومًا بالقوة ، وكان للرجل التسلط التام على المرأة بسبب ما اتصف به من القوة والتعدي الجسمانى ولكن الميزان الآن آخذ في الاعتدال وأخذت القوة تفقد سلطانها والمهارة العقلية والصفات الروحانية للمحبة والخدمات الإنسانية في التغلب على ما كان للرجال من قوة فسيكون الجيل القادم أميل إلى الآراء النسائية أو بعبارة أوضح سيكون جيلاً تتوازن فيه أصول المدنية للنساء والرجال ويتكافئان. (1) ”  

 

   وفى كلمة ألقاها في مؤتمر حرية المرأة المنعقد في لندن في يناير 1912م قوله مترجمًا: “والآن يجب على النساء أن تستمر في التقدم وأن يوسعن معلوماتهن في العلوم والآداب والتاريخ لأجل إكمال الإنسانية فعن قريب سوف ينلن حقوقهن ويعلم الرجال أن النساء جادات في عملهن ويحافظن على كرامتهن ويترقين في الحياة السياسية والمدنية ويقفن حجر عثرة في سبيل الحرب ويطالبن بحقوق الانتخاب والمساواة في كل الامتيازات. أتعشم أن أراكن تمتزن في جميع أطوار الحياة وحينئذ يتنور جبينكم بتاج المحبة الأبدي”.

 

 

 

 

————————-

(1) مجلة نجمة الغرب مجلد 8 عدد 3 صفحة 4سنة 1913 

عدم جواز تعدد الزوجات

 

 

   وتقضى الشريعة البهائية بعدم تعدد الزوجات كما لا تشجع على الطلاق قوله في الكتاب  الأقدس : –  ” تزوجوا يا قوم ليظهر منكم من يذكرني بين عبادي. هذا من أمري عليكم اتخذوه لأنفسكم معينًا.”

     ولأول مرة ينص دين في صلب تعاليمه على كيفية إتمام الزواج وبوجود الزوجة نفسها وليس بوجود وكيلا عنها إذ إنها هي التي تعلن موافقتها الأولية وقت الخطبة من الطرف الآخر ووقت تحرير العقد وبكل الحرية في الاختيار أو الرفض وبدون أي تأثير أو ضغط أو إيحاء من الآباء أو الأخوة والأخوات أو من أي فرد كان.

   إذ لا حق لأحد في هذا الأمر حتى والديها وكذلك الأمر بالنسبة للزوج ثم تأتى موافقة باقي الأطراف الواجب والمحتّم أخذ موافقتهم عن قناعة ورضي وهما والدي الطرفين ( الزوج والزوجة ) أو من كان منهما على قد الحياة, وكذلك لابد من تقديم الشهادات الطبية التي تؤكد عدم وجود موانع شرعية أو صحية. وبذلك يتم الزواج حسب الشريعة البهائية وينص التنزيل قوله :( إنه قد حدد في البيان – كتاب السيد الباب – برضاء الطرفين. إنا لما أردنا المحبة والوداد وإتحاد العباد لذا علّقناه بإذن الأبوين بعدهما لئلا تقع بينهم الضغينة والبغضاء ولنا فيه مآرب أخرى. كذلك كان الأمر مقضيًا”. “لا يحق الصهار إلا بالأمهار قد قدّر للمدن تسعة عشر مثقالاً من الذهب الإبريز وللقرى من الفضة ومن أراد الزيادة حرّم عليه أن يتجاوز عن خمسة وتسعين مثقالاً كذلك كان الأمر بالعز مسطورًا. والذي أقتنع بالدرجة الأولى خير له في الكتاب أنه يغنى من يشاء بأسباب السموات والأرض وكان الله على كل شيء قديرًا.)

                                                                حضرة بهاء الله – الكتاب الأقدس

 

 

 

 

5 – الدين سبب الألفة والاتحاد

 

    الدين في نظر البهائيين هو ما حقق غاية الله في خلقه ألا وهى معرفة الله ومعرفة مظاهره والمتكلمين بلسانه في كل عصر وهى محبة الله , ومحبة الله تقتضى محبة خلقه والخدمة لإخوانه في البشرية بلا تفريق ولا تمييز. ويأمر حضرة بهاء الله بالتسامح الكلى والمحبة الخالصة وينصح العموم بقوله: (عاشروا مع الأديان بالروح والريحان)

 وفى وصيته الأخيرة يؤكد على هذا المبدأ الرفيع بقوله:

 (قد نهيناكم عن النزاع والجدال نهيًا عظيمًا في الكتاب. هذا أمر الله في هذا الظهور وعصمه من حكم المحو وزينة بطراز الإثبات … لا تجعلوا أسباب الانتظام سببًا للافتراق ولا الإتحاد علة الاختلاف. أرجو أن يتمسك أهل البهاء بهذه الكلمة المباركة: “قل كل من عند الله”. فإن هذه الكلمة العليا بمثابة الماء لإطفاء نار الضغينة والبغضاء المخزونة المكنونة في القلوب والصدور وبهذه الكلمة الواحدة تفوز الأحزاب المختلفة بنور الإتحاد الحقيقي أنه يقول الحق ويهدى السبيل وهو المقتدر العزيز الجميل.)

                                                           حضرة بهاء الله – مترجم عن الفارسية

 

    والبهائية لا تناصب العداء ولا تحارب أي دين من الأديان وكتبها المقدسة لا تجيز لإتباعها أن يضمروا غير الخير. أو يجهروا بغير البر, وهى صريحة في أن العلاقة بين البهائيين وأتباع الديانات الأخرى هي علاقة أخوة ومحبة واحترام, إذ يقول حضرة بهاء الله :

” يا آهل البهاء كنتم ولا زلتم مشارق محبة الله ومطالع عنايته فلا تدنسوا ألسنتكم بسب أحد ولعنه غضوا أبصاركم عما لا يليق بها000 ولا تكونوا سببا لحزن أحد فضلا عن الفساد والنزاع عسى أن تتربوا في ظل سدرة العناية الإلهية وتعملوا بما أراده لله كلكم أوراق شجرة واحدة وقطرات بحر واحد0

                                                           حضرة بهاء الله – لوح الإشراقات

 

 

 

 

6 – الاستقلال في التحري عن الحقيقة

 

    تنص البهائية في صلب تعاليمها على مبدأ التحري الشخصي عن الحقيقة في كل الأمور وأن يحكم الإنسان بنفسه على الأشياء ولا يترك للظن أو انحراف الفكر أو لرأى الغير سبيلاً لمنعه عن الوصول إلى الحقيقة المجردة في مختلف الأمور.

كما أوضح الإسلام هذا المبدأ الهام في الآية الشريفة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات : 6].

 

ويؤكد حضرة بهاء الله هذا المبدأ الهام وهو أمر متعلق بإيمان الفرد الشخصي وسلوكه نحو ربه ونفسه والمجتمع من حوله قوله في الكلمات المكنونة العربية : يا أبن الروح – أحب الأشياء عندي الإنصاف؛ لا ترغب عنه إن تكن إليّ راغبًا ولا تغفل منه لتكون لى أمينًا وأنت توفق بذلك أن تشاهد الأشياء بعينك لا بعين العباد وتعرفها بمعرفتك لا بمعرفة أحد في البلاد. فكّر في ذلك كيف ينبغي أن يكون. هذا من أمري عليك وعنايتي بك فأجعله أمام عينيك.

                                               حضرة بهاء الله – الكلمات المكنونة العربية

 

   وإذا ما تحلّى الإنسان بصفة تحرى الحقيقة كعقيدة دينية ملزمة فعليه أن يرى الأشياء بعينيه ويسمع الأمور بأذنه لا بأذن احد غيره. وقد كان نداء جميع الأنبياء للبشر أن يفتحوا أعينهم لا أن يغمضوها وأن يتبعوا العقل لا أن يخمدوه , وأن لا يعتقد شيئا بدون أن يثبت عنده ثبوتا عقليا صحيحا فإذا كان قلبه طاهرا وعقله وفكره خاليا من التعصبات فان بحثه عن الحقيقة لابد وأن يهديه.

    ومعظم الحروب الدموية التي لطخت تاريخ البشرية وغيرها من النكبات والرزايا سببتها الاختلافات والعداوات والتعصبات الجاهلية, كما كان معظمها ناشئا عن خروج الرؤساء وقادة الملل والأقوام على قاعدة ” تحرى الحقيقة ” واعتسافهم وعدم الحكم الحر والغير متعصب على آراء الغير.

    ويوضح حضرة عبد البهاء هذا الموضوع بقوله: ” لأجل أن نتحرى الحقيقة يجب علينا أن نطرح التقاليد والآراء الخاصة ومن الضروري أن نحرر عقولنا من كل قيد فلو كانت كئوس عقولنا ممتلئة بآرائنا الخاصة ومن محبة ألذات، فلا يكون فيها متسع لمياه العرفان وما دمنا نظن أننا على الحق والباقيين على الباطل فإن ذلك يكون أعظم الموانع للاتحاد وحجر العثرة في سبيله “. مترجم من خطبة في رحلة عبد البهاء لأوربا وأمريكا سنة 1913.

 

 

7 – اختيار لغة تكون عالمية 

 

 

      في هذا العصر الذي تقاربت فيه الأمم المتباعدة وكثر التعامل والتبادل الاقتصادي  بينها وارتبطت بعضها ببعض بروابط ثقافية وسياسية وتجارية أملتها عليها مصالحها الخاصة ومنافعها القومية ازدادت الحاجة إلى اتخاذ لغة واحدة يتفق عليها ويتعلمها الجميع بلا استثناء بدلا من ضياع الوقت والجهد في تعلم العديد من اللغات التي يتكلم بها مئات الملايين من الناس في مختلف مجتمعاتهم. لهذا نادت البهائية بوجوب اختيار أو اختراع لغة تكون عالمية يتعلمها كافة أطفال العالم وسكانه حتى إذا ما أجادوها يسهل التفاهم بين سكان الأرض باللغة العالمية في أية بقعة من بقاع الدنيا لئلا يشعر إنسان أنه غريب في أية بلد خارج بلده فاللغة الواحدة المتفق عليها هي لغة التفاهم العام الكامل والحضاري وتبقى اللغة القومية كلغة بين أبناء كل شعب كتراث حضاري له قيمته واحترامه.

    ويعتقد البهائيين أن اللغة العربية لغة فضلها الله على غيرها من اللغات , إذ اختارها لغة الوحي في ظهورين عظيمين 0 فنزل القران الكريم ” قرانا عربيا ” فخلدت به اللغة وشرفت , ثم جاء وعد الحق فظهر بهاء الله رسول هذا العصر ونزل ” الكتاب الأقدس ” باللغة العربية يحمل مبادئ حضارة إنسانية جديدة.

  وأظهرت الكلمات المباركة من كتابات بهاء الله تؤكد هذا الولاء اللغوي الروحاني عند البهائيين تجاه اللغة العربية , وتؤكد مكانة لغة الضاد بين لغات البشر, كما تشير إلى مبدأ من أهم المبادئ البهائية آلا وهو مبدأ اعتماد لغة عالمية لغة للتخاطب والتعامل بين شعوب العالم0 وقد ترك بهاء الله أمر اختيار هذه اللغة العالمية إلى شعوب العالم ودوله , فمثل هذا الأمر ينبغي أن يتفق عليه الكل ليكون سببا في تقوية فرص الوحدة والاتحاد بين البشر , وفى تقريب عصر السلام بين أمم العالم دولا وشعوبا.

  ويتفضل حضرة بهاء الله موضحا المكانة السامية للغة العربية لدى الدين  البهائي قائلا :

” الفارسية لغة جميلة , وقد تكلم لسان الله في هذا الظهور الأعظم باللغتين العربية والفارسية , غير أن الفارسية ليست غنية كالعربية. بل أن جميع لغات الأرض محدودة إذا ما قورنت باللغة العربية. إن ما ذكرناه هنا هو مقام التفضيل0 ولكن الهدف هو أن يختار آهل الأرض لغة من اللغات ليتكلم بها الناس اجمعون0 هذا ما حكم به الله0 فلينتفع به الناس لو هم يعرفون”0

ويتفضل حضرة بهاء الله قائلاً في الإشراق السادس ” اتحاد العباد واتفاقهم ”

” فلم تزل آفاق العالم مستضيئة بنور الاتحاد والسبب الأعظم في ذلك معرفة بعضهم لغة بعض وكذلك الخط 0 إنا امرنا أمراء بيت العدل من قبل في الألواح أن يختاروا لغة من اللغات  الموجودة أو يبتدعوا لغة جديدة وكذلك يختاروا خطا من الخطوط ويعلموا الأطفال به في مدارس العالم 0 حتى يشاهد العالم وطنا واحدا وأرضا واحدة “

وكان دكتور زمانهوف البولندي الأصل قد اخترع لغة سهلة أطلق عليها “الأسبرانتو” ولاقت روجا كبيرا خلال القرن المنصرم، وحاولوا استخدامها كلغة عالمية، ولكنها لم تكن شاملة بحيث تترجم لها الآداب والعلوم والفنون والقانون، وفى قابل الأيام سيكون اختيار اللغة العالمية منوطا إنشاء الله بمندوبى كل الأمم وهم سوف يوفقون في إنجاز هذا الأمر بمشيئته تعالى.

8 – قيام نظام عالمي جديد

والتحكيم الدولي

 

 

 

    تكاد المبادىء البهائية بأجمعها تخدم غاية واحدة بعينها هي تأسيس السلام العام على الأرض وتحقيق وحدة عالم البشر، وهى تحقيق لكل النبوءات التي أعلنها جميع الرسل من قبل.

    ونادت البهائية بحتمية قيام نظام عالمي متكامل أطلقت عليه النظم البديع أو النظام العالمي الجديد. وقيام محكمة عدل عالمية تمثل فيها كافة شعوب العالم ويشترك في انتخاب أعضائها كل أمم العالم وتحكم فيما قد يحدث من منازعات بينهما – وهى من شئون البشر – بحيث يكون العدل والإنصاف هو الفيصل الذي يرضى الطرفان المتنازعان أو الأطراف المتنازعة ويكون الحكم ملزمًا بالتنفيذ في ظل سلام دائم ترتضيه كل الشعوب بما يكفل مساهمة الكل في بناء مجتمع متفاهم متفق منسجم نحو الخير والوفاق.

وكتب حضرة عبد البهاء في رسالة وجهها إلى مؤتمر السلام في موهونك في أغسطس 1911 م ما يلي : – ” أمر حضرة بهاء الله الكل قبل خمسين سنة في الكتاب الأقدس بتشكيل مجلس دولي عام , ودعا أمم العالم إلى المائدة الإلهية – مائدة المحكمة الدولية الكبرى – حتى تنحل على يد بيت العدل جميع مشاكل الحدود والثغور وحقوق الملكية والسيادة والشرف القومي وغير ذلك من المشاكل العظيمة التي تنشأ بين الدول والملل, فلا تجرؤ آية امة على مخالفة قرار تلك المحكمة أو الانحراف عنه … كذلك تصدر هذه المحكمة حكما قاطعا … وفى أي وقت تتردد فيه آية دولة أو تتراخى في تنفيذ حكم المحكمة الكبرى يجب على دول العالم أن تقوم بتدمير هذا العصيان(1)

   ويقول حضرة بهاء الله في الإشراق التاسع مترجمًا عن الفارسية: (إن دين الله ومذهبه قد نُزِّلَ وظهر من سماء مشيّة مالك القدم لمحض إتحاد العالم واتفاقهم فلا تجعلوه سبب الأختلاف والنفاق. … فليبذل رؤساء الأرض وعلى الخصوص أمناء بيت العدل الأعظم الالهى الجهد الجهيد لصيانة هذا المقام ويعملوا على اعلائه وحفظه 000 نسأل الله أن يؤيدهم على ما يحب)  حضرة بهاء الله –الإشراق التاسع

 

 

9 – تحريم الرق في البهائية

 

 

   كما حرمّت البهائية الرقّ بكل مستوياته من تحريم بيع الإنسان كسلعة قوله: (قد حرم عليكم بيع الإماء والغلمان. ليس لعبد أن يشترى عبدًا نهيًا في لوح الله كذلك كان الأمر من قلم العدل بالفضل مستورًا. ليس لأحد أن يفتخر على احد كلّ أرقاء له وأذلاء على أنه لا آله إلا هو أنه كان على كل شيء حكيمًا.)  حضرة بهاء الله – الكتاب الأقدس

 

——————

(1) د. أسلمنت – بهاء الله والعصر الجديد – ص 225

   وينسحب على ذلك التحريم أيضا : على تحريم الرق الاجتماعي واستعمار الشعوب تحريمًا قاطعًا وما يتلوه من رق اقتصادي تستنزف فيه الدول الكبرى ثروات وذخائر الدول المحتلة والمستعبدة وكذلك الرق الثقافي، وما يعنيه من فرض الدول المحتلة لآراء وأفكار ولغة المستعمر على شعوب وأبناء الدول المحتلة ليظلوا دائمًا تحت وطأتهم وتصرفهم وخاضعين لأفكارهم وإرادتهم.

    فأعلن في صراحة ووضوح لا لبس فيه. مبدأ وحدة المجتمع الإنساني فالجميع واحد والدنيا وطن واحد والبشر سكانه لا افتخار لأحد على أحد ولا سلطان لشعب على شعب.

 

  هذه المبادئ كانت غريبة بل ومستهجنة وقت إعلانها، لدرجة دهش لها الأباطرة والملوك والحكام ورؤساء الدول الذين لم يولوها ما هو جدير بها من اهتمام عندما وصل إليهم هذا النداء الخطير في رسائل وجهت إليهم أثناء نفيه في أدرنة ثم في عكا.

   إلا أن الأفكار الجديدة التي نادى بها حضرة بهاء الله أخذت تنمو وتتعاظم رويدًا رويدًا وبالتدريج، حتى تحققت تمامًا في عالم اليوم ولم تبق إلا جيوب صغيرة على سطح الأرض تحت الاستعمار أو الوصاية أو الانتداب وسوف تنتهي حتمًا حسب ما تنبأ به حضرة عبد البهاء، بنهاية هذا القرن العشرين أو بعده.

   وأشار في صراحة إلى قرب بزوغ فجر جديد، ستجد فيه كل أمم العالم نفسها منساقة إلى السلام الأصغر سواء طوعًا أو كرهًا فإما دمار العالم أو التفاهم على مصلحة عامة مشتركة.  لتنزع السلاح، والإعلان عن حق كل شعب من شعوب الأرض في تقرير مصيره وسيادته فوق أرضه، وحقه في الحفاظ على ثقافته وصيانة تراثه، وتنمية ثرواته الطبيعية، وتبادل الأفكار طبقا لمبدأ الشورى الديمقراطي، وبأسلوب إنساني سليم.

 

    وتفضل حضرة عبد البهاء في حديث عن الرق  موجها إلى الأمريكيين سنة 1912م ما يلي: ” إنكم عملتم عملا صالحًا مجيدًا فيما بين 1861: “يقصد حضرته الحرب الأهلية الأمريكية لتحريم العبودية من سنة 1862 – 1864″ فإنكم منعتم الرق والاستعباد الزراعي ولكنكم الآن يجب عليكم أن تعملوا ما هو أعظم وأعجب فتمنعوا الرق الصناعي وإن حل المشاكل الاقتصادية لا يمكن تحقيقه بمقاومة رأس المال ضد العمل أو العمل ضد رأس المال ولكنه يأتي بحسن التفاهم بين الجانبين فتتوثق إذ ذاك عرى العدالة الدائمة الحقة . فعند البهائيين لا يوجد السلب والنهب ولا أعمال الطمع والظلم ولا المطالب الثورية ولا القيام بثورة ضد الحكومة الحاضرة … وسوف لا يتمكن الأفراد في المستقبل من أن يجمعوا ثروة عظيمة من عمل الصناع بل سوف يقاسم الغنى أمواله مع غيره برضاه وسوف يتفقون على ذلك تدريجيًا برضاهم ولا يمكن تحقيق هذا الغرض بالحرب أو بسفك الدماء … (1) “.

 

10 – نظام اقتصادي عالمي جديد

 

 

    تدعو التعاليم البهائية إلى تنظيم الحياة الاقتصادية وإصلاحها بشكل يؤمن رفاهية الجميع واستقرار شئونهم المادية بحيث لا يبقى مجال للمنازعات والحروب المثارة من جراء اختلال الميزان الاقتصادي في العالم0 ولذلك تنادى البهائية بوضع أسس نظام اقتصادي عالمي جديد بحيث يزيل الفروق السحيقة بين الغنى المفرط والفقر المدقع وتنسق بما يكفل حل مشاكل الدول والمجتمعات والأفراد وبما يعمل على فتح أسواق العالم أمام كل الدول ومنع الاحتكار وتبادل خيرات العالم ومنتجاته بحيث تصل إلى كل فرد من أفراد البشرية ومنح العمال حق في الأرباح يسمح لهم بالمساهمة في زيادة رأس المال بما لا يطغى على أصول رأس المال أو حق صاحبه أو على بقية المساهمين , بإنتاجهم ويتعاونون جميعًا في رفع جودة السلعة المصنعة وزيادة رونقها كمنتج متميز يجتذب جمهور المشترين على اختلاف طبقاتهم .

     ويقول حضرة عبد البهاء ردًا على سؤال في هذا الموضوع سنة 1913م بقوله: إن تنظيم الأحوال العامة يجب أن يتم بطريقة توجب محو الفقر فيكون لكل فرد على قدر المستطاع نصيبه في الحياة والتمتع على قدر رتبته ومقامه فلا نعود نرى أشخاصًا مثقلين مزودين بالأموال بينما الآخرون تعساء يموتون من العدم والجوع أو أشخاصًا يملكون القصور الفخمة العديدة وآخرين لا يملكون ما يضعون عليه رءوسهم لأن مثل هذه الحالة غير مرضية ويجب إصلاحها ولكن يلزمنا الاحتراس في إصلاحها لأنها لا يمكن إصلاحها بالمساواة التامة بين الناس فالمساواة وهم باطل لا يمكن تحقيقه عمليًا ولو أمكن تحقيقه يومًا ما فإنه لا يمكن دوامها ولو فرض إيجادها فإن نظام العالم كله يفسد فلابد من حصول التفاوت في العالم البشرى وعلى هذا النظام خلق الله البشر، فالإنسانية كالجيش يحتاج إلى قائد وضباط بدرجاتهم المختلفة

 

————————

(1) نقلا عن مجلة نجم الغرب – المجلد السابع – عدد 15 ص 147

وكذلك إلى عسكر وكل فرد منهم عليه واجبات معينة … فالدرجات ضرورية لتحقيق النظام والترتيب … )   

    وفى حديث لحضرته في دبلين بنيو هامبشيرم عن الحلول البهائية للمسالة الاقتصادية :

 “والآن أريد أن أذكر لكم القانون الإلهي. فإتباعا للقانون الإلهي يجب أن لا يقتصر الأمر فقط على دفع الأجور للعمال بل يجب أن يكونوا شركاء في كل عمل فمشكلة الاشتراكية عويصة ولا يمكن حلها بالإضراب 00 فعلى أصحاب الأملاك والمناجم والمصانع أن يقتسموا الدخل مع العمال ويعطوهم نصيبًا معينًا من أرباحهم بخلاف أجورهم حتى لا يألوا جهدًا في العمل للمصلحة .. (1).”.

 

11 – تحريم الاشتغال بالأمور السياسية والحزبية

 

    يفرض بهاء الله على الفرد البهائي طاعة حكومته طاعة تامة وتقديم خدماته الصادقة وبالأمانة التامة وتأدية الواجبات الإدارية والوطنية على خير وجه وان يكونوا كمواطنين مخلصين ورعايا مسالمين أينما وجدوا وفى أي بلد أقاموا0 ويقول حضرة بهاء الله مؤكدا على هدا المبدأ الجوهري ما ترجمته :

 ” إن هذا الحزب ( أي البهائيين ) إذا قام في بلاد أي دولة يجب عليه أن يسلك مع تلك الدولة بالأمانة والصدق والصفاء ( هذا ما نزل من لدن آمر قديم )  لوح البشارات 

   ويحرم بهاء الله على أتباعه التدخل في الشئون السياسية والأمور الحزبية أو قبول أي وظيفة أو منصب سياسي ويتفضل حضرة بهاء الله في بيان رائع يعيد للبشرية قانونا سرمديا خالدا عندما أمر حضرة المسيح أتباعه قائلا “أعطوا ما لقيصر لقيصر00 وما لله لله”

فتفضل قائلا  ” ليس لأحد أن يعترض على الدين يحكمون على العباد دعوا لهم ما عندهم وتوجهوا إلى القلوب”   بهاء الله – الكتاب الأقدس

    وينهى نهيًا قاطعًا عن الاشتراك من قريب أو بعيد في أي عمل سرّى أو فوضوي

 

 

———————————-

(1)مجلة نجم الغرب الجزء الثامن رقم1 ص 7 سنة 1913

ويشجعهم على السلوك السوي الممتاز الذي يجعل كلا منهم منارة يشار إليها في كل الأمور قوله:

 (يا حزب الله زينوا هياكلكم بطراز الأمانة والديانة ثم أنصروا ربكم بجنود الأعمال والأخلاق، إنا منعناكم عن الفساد والجدال في كتبي وصحفي وزبرى وألواحي وما أردنا بذلك إلا علوكم وسموكم).

                                                                حضرة بهاء الله – الاشراقات

 

    ويكتب حضرة شوقي أفندي رباني ولى أمر الدين البهائي في هذا الموضوع : “…إذأ لا يبقى شك في ماهية ذلك القانون العالمي المنعش الذي يريده بهاء الله فهو فوق ما هو عليه من البعد عن أية فكرة يقصد بها تقويض دعائم الهيئة الاجتماعية القائمة، يطلب توسيع قواعدها وتجديد نظمها بما يليق باحتياجات عالم دائم التغيّر.

وهو لا ينازع أي شكل من أشكال الولاء المشروع ولا يمكن بأية حال أن ينقض جوهر الطاعة ولا يعضد خنق شعور الوطنية العاملة السليمة في قلوب الناس ولا أن يهدم نظام الحكم الذاتي وهو النظام الحيوي في ذاته إذًا أمكن تفادى شرور المركزية المفرطة. إنه لا يتجاهل بل لا يحاول قتل أصول التقاليد المختلفة ما كان خاصًا منها بالإقليم أو التاريخ أو اللغة أو العرف أو التفكير أو العادة مظاهر الاختلاف بين شعوب العالم وأممه.

 

 

12 – تحريم حمل السلاح

 

 

    كما نادت البهائية بمنع معتنقيها من حمل السلاح برغبتهم إلا عند للضرورة القصوى وبموافقة الدولة وتحت سياج القانون قوله في الكتاب القدس:

 

( حرّم عليكم حمل آلات الحرب إلا حين الضرورة  )

 

  كما نادت الديانة البهائية بنزع السلاح العام إلا بما يكفى لحفظ الأمن القومي داخل الدولة على أن يكون هناك جيش عالمي تحت سلطة هيئة الحكومة العالمية ليكون رادعًا لأية دولة تفكر في الخروج على النظام العالمي العام أو تعتدي على أية دولة أخرى وذلك حسب ما تتفق دول العالم بمستشاريه ومندوبية. وسوف تصرف الأموال الهائلة التي تنفقها كل دولة على شراء السلاح وتكديسه وهى ألآت دمار وهلاك على منافع الشعوب وتنميتها في كل النواحي وما يقتضيه أسلوب السلام العام من خيرات ورفاهية وسعادة وحب تجنى ثمارها باستمرار.

وفى هذا يقول حضرة بهاء الله في رسالته إلى ملوك: (… أتقوا الله يا أيها الملوك ولا تتجاوزوا فى حدود الله ثم اتبعوا ما أمرتم به في الكتاب ولا تكونن من المتجاوزين. 000 إياكم أن لا تظلموا على احد قدر خردل واسلكوا سبيل العدل وانه لسبيل مستقيم، ثم أصلحوا ذات بينكم وقللوا في العساكر ليقل مصارفكم وتكونن من المستريحين … وعلمنا أنكم تزدادون مصارفكم في كل يوم وتحملونها على الرعية وهذا فوق طاقتهم وإن هذا لظلم عظيم. اعدلوا أيها الملوك بين الناس وكونوا مظاهر العدل في الأرض وهذا ينبغي لكم ويليق لشأنكم لو أنتم من المنصفين . …)

                                                                             حضرة بهاء الله – رسالة الملوك

 

 

 

    ومن الطريف أن نذكر هنا أن احد الباحثين المناهضين للحرب قد وجد ” أن كمية الحديد والمعادن الموجودة في دبابة واحدة تكفى لإنتاج 150 جرار زراعي ” ولنا أن نتخيل كَمْ الفائدة التي ستعود على العالم الانسانى إذا تحولت الأعداد الهائلة من الدبابات المتوفرة لدى جيوش العالم إلى آلات لإنتاج الغداء والطعام لملايين البشر. 

 

 

 

13 – نظام الرهبنة والكهنوت 

والاعتراف لدى غير الله

 

 

    وتعلن البهائية أن نظام الرهبنة والكهنوت قد انقضى زمنه وقد نهى حضرة بهاء الله أتباعه كما نهى سيدنا محمد علية الصلاة والسلام أتباعه أيضا عن الانزواء والرهبنة فنراه في اللوح الذي أرسله إلى نابليون الثالث يقول : (يـا ملأ الرهبان لا تعتكفوا في الكنائس والمعابد أخرجوا باذنى ثم اشتغلوا بما ينتفع به أنفسكم وأنفس العباد … وتزوجوا ليقوم بعدكم أحد مقامكم. إنا منعناكم عن الخيانة لا عما تظهر به الأمانة أأخذتم أصول أنفسكم ونبذتم أصول الله وراءكم. اتقوا الله ولا تكونون من الجاهلين. لولا الإنسان من يذكرني في أرضى وكيف تظهر صفاتي وأسمائي تفكروا ولا تكونوا من الذين احتجبوا وكانوا من الراقدين.) [حضرة بهاء الله – الكتاب الأقدس].

 

    وأخيرًا وليس آخرًا فقد منع حضرة بهاء الله أتباعه عن اللجوء إلى غير الله لاعتراف الناس بأخطائهم أملاً في الحصول على عفو عما يعتقدون أنهم ارتكبوه من ذنوب أو اقترفوه من أخطاء. إذ أن هذا مما يسيء إلى الشخص ويجعل له ملجأ غير خالقه الذي بيده مقاليد كل شيء يغفر لمن يشاء ويعفو عمن يريد، لا إله إلا هو العفو الغفور المشفق العزيز الكريم ويقول حضرة بهاء الله في الكتاب القدس: ( ليس لأحد أن يستغفر عند أحد توبوا إلى الله تلقاء أنفسكم أنه هو الغافر المعطى العزيز التواب )   حضرة بهاء الله – الكتاب الأقدس.

 

 

14 – الأحكام الجنائية

 

    تحث البهائية على الاستقامة في الحياة الشخصية والعامة، والعمل على خدمة الناس والمجتمع. كما أكد حضرة بهاء الله على أن تقدير العقوبة يجب أن يتناسب مع جسامة الجريمة ولكن بالنسبة إلى بعض أصحاب النفوس الضعيفة ممن يتجاوزون القانون ويختانون الأمانات ويخالفون شرائع الله كاللصوص والسارقين  فقد حكم عليهم بالنفي أو الحبس وفى المرة الثالثة يتم ختم جبهته بخاتم يعرف الناس بجريمته وهى تحذير للناس شديد الصرامة فتفضل قائلا : (قد كتب على السارق النفي والحبس وفى الثالثة أجعلوا في جبينه علامة يعرف بها لئلا تقبله مدن الله ودياره. إياكم أن تأخذكم الرأفة في دين الله. أعملوا ما أمرتم به من لدن مشفق رحيم. إنا ربيانكم بسياط الحكمة والأحكام حفظًا لأنفسكم وارتفاعًا لمقاماتكم كما يربى الآباء أبناءهم لعمري لو تعرفون ما أردناه لكم من أوامرنا المقدسة لتفدون أرواحكم لهذا الأمر المقدس العزيز المنيع.)   حضرة بهاء الله – الكتاب الأقدس

 

 

 

 

15 – الاشتغال بعمل من الأعمال النافعة

 

   وتنادى البهائية بل وتفرض على كل شخص الاشتغال بعمل من الأعمال النافعة، وترفع إلى مستوى العبادة كل عمل يعمل بروح الخدمة لله الحق كما أمر بعدم التكاسل والتكاهل وذم كل من يقعد عن الرزق ويطلب من الناس. قوله في الكتاب الأقدس: ( قد وجب على كل واحد منكم الاشتغال بأمر من الأمور من الصنائع والاقتراف وأمثالها وجعلنا اشتغالكم بها نفس العبادة لله الحق تفكروا يا قوم في رحمة الله وألطافه ثم اشكروه في العشى والإشراق. لا تضيعوا أوقاتكم بالبطالة والكسالة. اشتغلوا بما ينتفع به أنفسكم وأنفس غيركم كذلك قضى الأمر في هذا اللوح الذي لاحت من أفقه شمس الحكمة والبيان. أبغض الناس عند الله من يقعد ويطلب. تمسكوا بحبل الأسباب متوكلين على الله مسبب الأسباب.)        حضرة بهاء الله – الكتاب الأقدس

 

 

16 – الضيافات التسع عشرية  

 

     نظام الضيافة التسع عشرية هي مناسبة اجتماعية ذات أهمية خاصة جدا بالنسبة للبهائيين  يتجلى فيها تألف المؤمنين وارتباطهم ببعضهم, يحتفل بها في اليوم الأول من كل شهر بهائي ولا تقتصر على ترتيل المناجاة وتلاوة الآيات من الكتب المقدسة, بل تجرى فيها المشاورة العامة من قبل الأحباء حول الشئون البهائية الجارية وفى هذا العيد فرصة مناسبة يقدم فيها المحفل الروحاني إلى كل الأحباء تقاريره ويدعوهم فيها إلى بحث المشاريع والى تقديم مقترحاتهم حول الأخذ بأساليب جديدة لخدمة الأمر البهائي.

   (وهو ينادى بائتلاف الأسر والأفراد واجتماعهم على المحبة ولو مرة كل تسعة عشر يومًا في ضيافة ولو على الماء قوله “قد رقم عليكم الضيافة في كل شهر مرة ولو بالماء إن الله أراد أن يؤلف بين القلوب ولو بأسباب السموات والأرضيين إياكم أن تفرقكم شئونات النفس والهوى. كونوا كالأصابع في اليد والأركان للبدن. كذلك ينطق قلم الوحي إن أنتم من الموقنين) … (فإن اجتماع الأصحاب على اسم الله إنما يولّد طاقات المحبة ويزيد من جلوة الروح ويشحذ همم المخلصين ويثبت أقدام المتعبين ويجذب الحيارى ويعطى أملا في المستقبل. كما أمر بدوام النظافة والتطيب لتفوح الرائحة الذكية من المؤمنين وما لها من أثر في جذب الآخرين.) حضرة بهاء الله – الكتاب الأقدس

 

17 – نظام جديد للمواريث 

 

 

    طبقت الكثير من الدول أنظمتها وقوانينها الشرعية لتقسيم التركة والميراث واستمر العمل بتلك القوانين فترة طولية من الزمن. إلا أن بعض الدول المتحررة والأمم المتمدينة مؤخرا قامت بسن قوانين خاصة بمسألة تقسيم التركات وتوزيع الميراث بأسلوب جديد متوخية في ذلك المصلحة العامة وتحقق المنفعة لأكبر عدد من الناس، خصوصا بعد ظهور طبقة من ذوى الثراء الفاحش خلفت بعد وفاتها تركات ضخمة وثروات هائلة. حيث كانت بعض الأنظمة القديمة تخص الابن الارشد بكامل التركة دون باقي الورثة.

   وعالجت التعاليم البهائية هذه المسألة معالجة حكيمة في تشريعاتها إذ نصت على وجوب تقسيم الإرث على طبقات متعددة هم { الأبناء دون التفرقة بين ذكر وأنثى – الزوج أو الزوجة – الأب – الأم – الأخ – الأخت – المعلم } وخصص نصيب من التركة لبيت المال كما ادخل المعلم ضمن الوارثين وعين له ( 1,5 سهم ) حصة مفروضة في كل تركة إعزازا لشأنه وتكريما لخدماته وتضحياته في سبيل القيام بواجبة المقدس ألا وهو تربية النشء وتعليمه , الأمر الذي عليه مدار إصلاح الأمة وتقدم المجتمع بكامل طوائفه، وهذه النسبة المقررة للمعلم ربما تؤول في المستقبل إلى الجهات المعنية بالعملية التعليمية للتصرف وتوزيعها بعدالة على المعلمين.

      كما عالج قانون المواريث البهائي قضية من اخطر وأهم قضايا المواريث  عند وفاة احد الأبناء في حياة أبيه وله ذرية ضعاف من بعدة حيث كانت الشريعة الإسلامية تَحْرِم أبناء هذا الابن المتوفى من الميراث مع باقي الورثة،   فجاء حكم حضرة بهاء الله بتعديل هذا النص  بالكتاب الأقدس قائلا : “إن الّذي مات في ايّام والده وله ذرّيّة اولئك يرثون ما لأبيهم في
كتاب الله اقسموا بينهم بالعدل الخالص”
  الكتاب الأقدس – أية 26

    ونعجب اشد العجب أن هذا الأمر الذي صدر بالكتاب الأقدس سنة 1873 م قد لفت أنظار المشرعين القانونيين في مصر فعملوا على تلافى هذا الوضع المؤلم بالنسبة لتلك الذرية المستضعفة والتي فقدت عائلها بالوفاة ثم نكبت بحرمانها من عطف الجد وحنانة بوفاته في وقت لاحقـ ولم تقف مصائبها عند ذلك الحد فأضافوا إلى كل ذلك حرمانها من أي أموال قد تعينها على مصاعب الحياة وقسوتها في ظل مستقبل مظلم ومجهول.

    فصدر عام 1935 قانون عرف في القانون المصري ب ” الوصية الواجبة ” والعجيب أن نصوص هذا القانون قد تطابقت تمام التطابق مع نص كلمات حضرة بهاء الله الذي أعلنها قبل 62 عاما كاملة. وجاءت على النحو التالي :

   “إن الذي مات في أيام والده وله ذرية أولئك يرثون ما لأبيهم كوصية من الجد حتى ولو لم يوصي بها كتابة” 

    وإذا أمعنا النظر في حكمة هذه الأحكام وجدنا أن مثل هذا التقسيم العادل يحقق الوظيفة الاجتماعية للثروة ويحول دون تكدس الثروات الهائلة بيد أناس معدودين واحتكارها من قبل فئة قليلة العدد, وفى نفس الوقت ينال بيت المال مقادير محترمة من كل تركة ينفقها على المشاريع الخيرية العامة وكذلك يحصل عدد كبير من أقرباء المتوفى على حصص لا بأس بها ولولا ذلك لكان الميراث من نصيب وارث أو وارثين فقط. مع اعترافنا في كثير من الأحيان بأن السعادة الحقيقية تكمن في البذل والكرم والعطاء, ولا تتوقف على القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

   ولعنا سمعنا مؤخرا عن ابنة الملياردير اليوناني اوناسيس صاحب الأساطيل البحرية العملاقة وكذلك عن ابنة الأمريكي هيلتون صاحب سلسة الفنادق العالمية وميراثيهما الضخم الذي يقدر بالمليارات ورغم كل تلك الأموال الطائلة فان أي منهما لم تحقق في حياتها السعادة أو الاستقرار النفسي والعاطفي. 

    فإذا اتبعت وطبقت هذه التعليمات فلا شك انه سوف لا يبقى في الهيئة الاجتماعية فقير معدم أو يتيم مشرد أو مقعد يستجدى معيشته أو سواهم من المحتاجين الذين يعج بهم مجتمعنا الحالي, ومن الجهة الأخرى لن تتكدس الثروات بأيد محدودة في كل مجتمع بينما الأغلبية من الناس في فقر مدقع وحال تعيس.

 

 

18 – تحريم المخدرات

موقف الدين البهائي من الخمر والمخدرات

 

 

 

   تفضل حضرة بهاء الله في الكتاب الأقدس : –  قد حرّم عليكم شرب الأفيون انّا نهيناكم عن ذلك نهياً عظيماً في الكتاب والّذي شرب انّه ليس منّيõ  اتّقوا الله يا اولي الألبابõ

                                                                                       الكتاب الأقدس أية 195

 

وتفضّل حضرة بهاء الله في أحد ألواحه:” إياكم أن تبدلوا خمر الله بخمر أنفسكم لأنها يخامر العقل ويقلب الوجه عن وجه الله العزيز البديع المنيع , وانتم لا تتقربوا بها لأنها حرمت عليكم من لدى الله العلي العظيم ”

   وأيضاً : ” … أن اشربن يا أماء الله خمر المعاني من كؤوس الكلمات ثم اتركن ما يكرهه العقول لأنها حرمت عليكن في الألواح والزبر إياكن أن تبدلوا كوثر الحيوان بما تكرهه أنفس الذاكيات أن اسكرن بخمر محبة الله لا بما يخامر به عقولكن يا أيتها القانتات أنها حرمت على كل مؤمن ومؤمنه كذلك أشرق الحكم من أفق البيان.” (كتاب أمر وخلق ج3 ص41)

 

     وأبان حضرة عبد البهاء أن الكتاب الأقدس قد حرم ” المسكرات ضعيفها وقويها ” وذكر أن علة هذا التحريم, هو أن المسكرات ” تعطل العقل وتضعف البدن ”

 

     وذكر حضرة شوقي أفندي في رسالة كتبت بتوجيهه : بان هذا التحريم لا يتقصر على الخمر فقط بل يشمل ” كل ما يذهب العقل ”  و  ” لا يجوز تعاطى الكحول إلا إذا كان جزءا من علاج طبي أمر به طبيب حاذق حي الضمير يمكن أن يكون قد اضطر إلى وصفة علاجا لمرض خاص “. وفي رسالة أخرى يقول : “أن احد مستلزمات ” الحياة الطاهرة العفيفة ” هي الامتناع التام عن الأفيون وما شاكلة من المخدرات المسببة للإدمان فالهيروين والحشيش وغيرهما من مستخرجات نبات القنب الهندي مثل الماريجوانا والمواد المسببة للهلوسة مثل ” LSD ” وكل ما يستجد من مشتقاتها يندرج تحت هذا التحريم.

 

   ويتفضل حضرة عبد البهاء في خصوص الأفيون قائلا : – “إن كلا من شاربة, ومشترية, وبائعة, محروم من فيض الله وعنايته”

دحض بعض التهم الموجهة للدين البهائي

 

1 – زواج المحارم في الدين البهائي

 

   أتهم الدين البهائي، مثله مثل سائر أديان الله السابقة بالكثير من التهم الجزافية، وألصق به العديد من الشبهات المغرضة، كان من ضمنها الاتهام بالإباحية والكفر والإلحاد.

    وما من دين من أديان الله إلا وحاول المنافقون وصم الدين الجديد بمثل هذه التهم، خصوصا تهمة الإباحة الجنسية، وجرائم الفعل الفاضح، واعتبارها منهجا – لإغواء الناس واستقطابهم – ضمن شرائعة، حتى أنهم لم يتورعوا عن نسبة بعضا من هذه الروايات المكذوبة والملفقة إلى زوجات الرسل المعصومين، وأمهات المؤمنين أنفسهم. 

  وقد يغنينا عن أي قول ما جاء بكتب الله المقدسة الثلاثة ودون استثناء، وما ذكره اليهود عن

 السيدة مريم البتول من اتهامات مشينة، وما أشاعه المنافقون بالمدينة المنورة من اتهامات أحاطت بسمعة السيدة

 

الجليلة عائشة زوجة الرسول الكريم من حديث الإفك والنفاق، مما سبب لسيدنا محمد صلعم

 

الكثير من الأذى والألم الممض، إلى أن جاءت براءتهما من سماء العزة الإلهية، وكان الشاهد الأعظم على طهرهما وقداسة ونبل شرفيهما، هو الله سبحانه وتعالي.

 

  وقد نستطيع حصر الأسباب التي دفعت البعض من نشر مثل هذه الأراجيف في سببين هامين :  لعل أولهنا وهو الغرض الأساسي والأهم هو احاطة البهائيين بأسوار حديدية، رهيبة مفزعة، تملأ قلب كل إنسان يحاول الاقتراب من البهائيين ولو لمجرد الاستفسار أو لمعرفة النزر اليسير عن ماهية هذا الدين، بالخوف والرعب على أهله وعرضه. 

   وهم يفعلون ذلك عن عزم وتصميم أكيد، لاعتقادهم الجازم بأنهم يخدمون دين الله ويقهرون أعداءه. على الرغم من نهي الله البات عن الإتيان بهذا الفعل المشين

 {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ }البقرة11 

وتحذيره القاطع  في القرآن الكريم وتوعده بالعذاب في الدنيا والآخرة لمن يرتكب مثل هذا الجرم البشع. 

 

 {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }  النور19

   ولعل السبب الثاني والذي قد يوافقني علي هذا الرأي كل منصف هو قصور المعرفة عند بعض الباحثين الصادقين، وعدم إطلاعهم الكافي علي الكم الهائل من الأحكام والبيانات التي حوتها كتب حضرة بهاء الله والتي قدرها حضرة شوقي أفندي ولي أمر الله، بمائة مجلد يوازى كل منها حجم القرآن الكريم.

  ولن أحاول – بكلماتي العاجزة – الدفاع عن الدين البهائي ضد ما يردده أمثال هؤلاء السفهاء من مقولات  مشينة ومغرضة، ولكني سأوكل بمهمة هذا الدفاع، إلى ما جاء في متون الكتب البهائية من نصوص إلهية، وما تفضل به رموز الدين البهائي من تعاليم وشروحات بخصوص هذه المواضيع الشديدة الحساسية.

 واسمحوا لي أن نقرأ معا ما جاء في كتب قيوم الأسماء أول وأعظم كتب حضرة الباب بخصوص النساء المحرمات في الدين البهائي، والتي لا تختلف في كثير أو قليل عما نهى عنه الله في القرآن الكريم :

    “انكحوا المؤمنات على حكم الكتاب لله ربكم فان محمدا يباهى بكثرتكم فى يوم القيامة ولا ترغبوا الى النساء اللاتي عندهن قنطاراً من الذهب والفضة واسئلوا الله من فضله فان الله قد كان عليكم رقيباً وحسيباً. وان الله قد حلل على المؤمنين من المؤمنات غير ذي قرابتهم الأم والبنت والأخت والعمة وما قد جعل الله بمثلها وبنات الأخ وبنات الأخت وممن قد حرم الله عليهم على حد الرضاع من الأمهات والأخوات والحلائل من الأبناء الذين من أصلابهم وان ذلك حكم فى كتاب الله على كلمة الفرقان بالحق وقد كان الحكم في أم الكتاب مقضياً. ولا تجمعوا بين الأختين الفاطميين ولا بين الأختين إلا ما قد قضى أمره فسوف يغفر الله لكم انه قد كان غفاراً رحيماً. اتقوا الله أن تنكحوا المحصنات الباكرات بغير إذنهن وأذن أهلهن وابتغوا المعروف بحكم الكتاب على شأنهن ولا تؤذوهن بشيء من المكارة فإنهن ورقات من شجرة الكافور وان الله قد احكم من الكل بالحق وهو الله كان بكل شيء محيطاً. وان الله قد أراد أن يهديكم سنن الذين من قبلكم وان يتوب عليكم بحكم الكتاب جوداً من سر ذلك الباب العلى بديعاً. واني قد أردت أن أعرفكم سنن الصديقين والشهداء وان الله قد كان بكل شيء عليماً. وان الذين يتبعون الشهوات من الشيطان فقد خرجوا عن ولاية الرحمن والملئكة تغلّونهم بالنار في سلسلة الحديد وما قدر الله لهم في الآخرة على الحق بالحق نصيراً(1)

———————————-

(1)حضرة الباب – كتاب قيوم الأسماء – سورة النكاح – ص 107 – 108            

   كما يؤكد الدين البهائي، أنّ الافتقار إلى القيم الرّوحانيّة في المجتمع هو الذي يقود إلى انحطاط المواقف السلوكيّة التي يجب أن تحكم العلاقة التي شرعها الله بين الجنسين، في كل رسالاته السابقة.

 

   كذلك يعتبر الدين البهائي، أن جميع العلاقات الجنسية – الخارجة عن إطار الشرعية الإلهية –  من أهم علامات الانحطاط الأخلاقيّ في النظام الاجتماعي المتدهور، حيث تُعامَل النساء، طبقا لمثل هذا السلوك المشين على أنّهنّ مجرّد وجود لإشباع الرغبات الجنسيّة، فيُحرمن الاحترام وحُسن المعاملة اللذين هما من حقّ كلّ إنسان. 

  ويقرر ولي أمر الله شوقي أفندي في احد رسائله: “إنّ الدين البهائي يقرّ بأهميّة الحافز الجنسي ولكنّه يشجب التعبير الخاطئ وغير الشرعي عنه، كالممارسة الجنسيّة الحرّة والزواج الرفاقي وغيره ممّا يُعدّه الدين البهائي ضارًّا جدًّا بالإنسان ومجتمعه.

   باختصار، فإنّ نظرة البهائيّة للجنس قائمة على الاعتقاد بأنّ العفّة ضروريّة للجنسين، ليس كونها فضيلة بحدّ ذاتها فحسب، بل لأنّها الطريق الوحيد نحو حياة زوجيّة سعيدة وناجحة أيضًا.  وعليه، فإنّ العلاقات الجنسيّة سواء خارج نطاق الزوجيّة، أو خارج نطاق الشرائع والحدود التي شرعها الله ممنوعة قطعًا مهما كان شكلها، وكلّ مخالف لن يُحاسب فقط أمام الله بل سيعرّض نفسه أيضًا للعقاب الضروريّ من المجتمع.(1)

كما يصرح حضرة شوقي أفندي في إحدى رسائله :

   “بأن المعيار الأخلاقي للجنس في الدّين البهائي سامٍ ورفيع، إلاّ أنّه لا يخرج عن حدّ المنطق والمعقول في صرامته بأيّ حال من الأحوال.  فبينما يَشجب المعيار كلّ علاقة جنسيّة خارج إطار الزوجيّة، فإنّ الزواج في نظره فعلٌ مقدّس يُشجَّع عليه كلّ إنسان ولكن دون إكراه. وبينما يشجب البهائيّون حياة التنسّك وكافة الممارسات المتطرّفة في إماتة الجسد بكبت شهواته، فإنّهم في الوقت نفسه ينظرون بازدراء إلى النظريّات الحاليّة الخاصّة بأخلاقيّات الجنس، والتي لا يمكن لها أن تجلب للمجتمع الإنسانيّ سوى الدّمار والهلاك. (2)

 

 

 

—————————————–

(1) من رسالة لشوقي أفندي مؤرّخة 5 سبتمبر 1938 ، منشورة في كتيّب  “العفّة والتقديس”

(2) من رسالة لشوقي أفندي مؤرّخة 29 أيّار / مايو 1935 لأحد الأحبّاء)

    وأرجوا أن تسمحوا لي بأن أختتم هذا الموضوع الذي يحز في نفوسنا نحن البهائيين لما يقوله إخوان لنا – دون بينه أو برهان – حتى وأن أنكروا إننا إخوان لهم في دين الله الواحد الذي لا يتبدل ولا يتعدد، فلن ينكروا أننا إخوان في العبودية لله الواحد القهار، وإخوان في الخليقة وفي الإنسانية.  

    واستشهد ببعض ما جاء في أقوال حضرة عبد البهاء المعبرة عن المدى العظيم لتقديس الطهارة والعفة يقول :  “لأن ذرة من العفة أعظم من مائة ألف سنة من العبادة”

 

وبما أنزله حضرة بهاء الله  من أوامر مشدده في الكتاب الأقدس(1) :

 

قد حرّم عليكم القتل والزّنا ثمّ الغيبة والافترآء اجتنبوا عمّا نهيتم عنه في
الصّح
آئف والألواح

 

   وما جاء في لوح الحكمة من نصائح ونواهي “…. كونوا في الطرف عفيفا وفي اليد أمينا اللسان صادقا وفي القلب متذكرا …”

 

   وأخيرا يوضح حضرته مقام كل من ينتسب إلى أهل البهاء : “هم عباد لو يَمُرَّن عليهم ذوات الجمال بأحسن الطراز، لن ترتد أبصارهم إليهن، ولو يرون وادياً من الذهب، يمرون عليه كمر السحاب. كذلك نزل من مالك الرقاب(2)

 

   وأن “الطّراز الأعظم للإماء كان ولا يزال العصمة والعفّة، لعمر الله إنّ نور العصمة يضيء عوالم الأرواح ويصل عرفه إلى الفردوس الأعلى. (3)

 

 

 

 

 

 

——————————

(1) حضرة بهاء الله  – الكتاب الأقدس – أية 19 ص 13

(2) حضرة بهاء الله – الكنوز الخمسة – الكنز الثاني  

(3)حضرة بهاء الله – مقتطف من كتاب ” ظهور العدل الإلهي”

2 – ادعاء حضرة بهاء الله للألوهية

 

 

   يذكرنا التاريخ الديني المحفوظ أن المغرضين والمكذبين، حاولوا وبكل ما لديهم من قوة ورياسة وهيمنة على الآخرين، من إلصاق العديد من التهم، ولطالما كانت في مقدمتها هذه التهمة الظالمة وما يماثلها، من تهم الادعاء بمقام الألوهية، وجرت كَسُنْة إلهية علي كل رسل الله السابقين، لمجابهة تفوقهم الساحق في مجال الدعوة إلى الله، ولتخويف الحالمين بنسمات الرحمن من الانزلاق إلى مهاوي الشرك والإلحاد. وبالطبع لم تستثني هذه السنن من قانونها حضرة بهاء الله لحكمة لا يعلمها إلا الله.

{سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً }الإسراء77

   وعلي سبيل المثال ما حدث من اتهامات لحضرة المسيح أثناء محاكمته الشهيرة وسجلته الأسفار في الإنجيل.

فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ :«أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟» 64قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«أَنْتَ قُلْتَ! متى 26 : 62 – 64

 

       وما قاله الملأ من قوم فرعون وهو يحاجون سيدنا موسى عليه السلام ليبينوا للناس أن دينهم هو الأعلى والأمثل :

{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى }طه63

 

 

   ولقد سببت مثل هذه الادعاءات والافتراءات الكاذبة الكثير من الحزن والألم لرسل الله، ولكنها كانت شديد الوضوح في عهد سيدنا محمد صلعم على وجه الخصوص، حيث سجل القرآن الكريم كثيرا من تلك الافتراءات وغيرها، وردود الفعل لدى الرسول المكرم إزاء شبهاتها المؤسفة. قال تعالى :  {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }الحجر97

 

   حتى أن الله أوضح لرسوله الكريم أن كل ما يرهصون به وكل ما يدَّعُونه من أكاذيب إنما سبق ورددوها واتهموا بمثلها رسله السابقين.

 

 

{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ }فصلت43

 

   ومن العجيب أن نجد – عندما نطالع آيات القرآن الكريم – أن كل ما ألصقوه بالرسل من أقوال وشبهات وأكاذيب وادعاءات كانت متشابهة، وكأن أقوالهم لشدة تطابقها هي سُنْه لا تتغير بتغير الأقوام أو تتبدل بتبدل الأماكن، أو حتى تتطور بتطور السنين والأزمان.

   حتى سخر سبحانه وتعالى من عجز البشر عن الإتيان بجديد حتى في مجال التعدي والتطاول. وكاشفا في اعجاز الهي عما يحيكونه ويخفونه في مكنون صدورهم، وأنهم لم يقصدوا من تلك الافتراءات الإساءة إلى ذات الرسول، بل كان القصد هو التحدي السافر لله، وإعلان الكفر والجحود بالذات الإلهية.

 {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }الأنعام33

{مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً }الكهف5  

 

   وعلى الرغم من أن حضرة بهاء الله ومنذ السنوات الأولي لوجوده في بغداد كان حدد في كتاب الإيقان، وبمنتهى الحسم والدقة، وبما تستطيع عقولنا المحدودة احتماله وفهمه، العديد من صفات الله المنزه عن كل شَبَهٍ أو إحاطه – غيب الهوية، وساذج الأحدية، والذي لا يستطيع واصف أن يصفها، ولا يمكن لمدرك أن يدركها، ولا يتطاول لنوالها مجترأ، حتى أعظم الأصفياء من الرسل والأنبياء. فكتب يقول :  

“… أن غيب الهوية وذات الأحدية كان مقدسا عن البروز والظهور، والصعود والنزول والدخول والخروج، ومتعاليا عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك، لم يزل كان غنيا في ذاته، ولا يزال يكون مستورا عن الأبصار والأنظار بكينونته (1)

 

    وأكرر فإنه وعلي الرغم من هذا البيان الجامع والمانع والذي لا يمكن تأويله على غير معانيه الواضحة، فإن هذه التهمة الشنيعة لم تظهر في عصرنا القريب فحسب، لكنها ظهرت مع الأسف من قبل حتى في أيام وجود حضرة بهاء الله نفسه، مما سبب له الأسى المريع، والألم المبرح، لهذا التعدي الصارخ على الذات الإلهية المقدسة، كما سبق وعانى من نفس الكأس المسمومة سيدنا محمد صلعم من قبل، ومع ذلك لم يرفع أولياء الله يدا للدفاع عن النفس ولم يهربوا من المخاطر ! ولم يظهروا حقدا ولا كراهية …   

 

  ———————–

(1) حضرة بهاء الله – الإيقان – ص 74 – 75 

  حتى نكاد نسمع أنين قلب حضرة بهاء الله المتألم من هذا الظلم الفاحش والتجني الآثم واضحا في ما أنزله في ألواح ما بعد الأقدس يقول :

 

” يَا أَيُّهَا النَّاطِقُ بِثَنَائِي اسْمَعْ مَا قَالَهُ الظَّالِمُونَ فِي أَيَّامِي. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ. 

 

 

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ افْتَرَى عَلَى اللهِ.  وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ظَهَرَ لِلْفَسَادِ. تَبَّاً لَهُمْ وَسُحْقَاً لَهُمْ أَلاَ إِنَّهُمْ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْهَامِ. إِنَّا أَرَدْنَا أَنْ نُبَدِّلَ اللُّغَةَ الْفُصْحَى إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْمُقْتَدِرُ الْمُخْتَار(1)“.

   وفي سورة الملوك يدحض حضرة بهاء الله  من جديد تلك التهمة الظالمة فيقول :

   “ومنكم من قال إن هذا هو الّذی ادّعی فی نفسه ما ادّعی فواللّه هذا لبهتان عظيم وما أنا إلا عبد آمنت باللّه وآياته ورسله وملائكته ويشهد حينئذ لسانی وقلبی وظاهری وباطنی بأنّه هو اللّه لا اله الاّ هو وما سواه مخلوق بأمره ومنجعل بإرادته لا اله إلا هو الخالق الباعث المحيی المميت(2)

 

     ويؤكد حضرة بهاء الله عبوديته لله العلي القدير في لوح السلطان الذي أرسله إلى ناصر الدين شاه، شاه إيران.

   “يا ملك الأرض اسمع نداء هذا المملوك انّي عبد آمنت باللّه وآياته وفديت بنفسی فی سبيله ويشهد بذلك ما أنا فيه من البلايا الّتی ما حملها احد من العباد وكان ربّی العليم علی ما أقول شهيداً ما دعوت النّاس الاّ إلي اللّه ربّك وربّ العالمين وورد علیّ فی حبّه ما لا رأت عين الإبداع شبهه يصدّقنی فی ذلك عباد ما منعتهم سبحات البشر عن التّوجّه إلي المنظر الأكبر ومن عنده علم كلّ شیء فی لوح حفيظ … كم من ليال فيها استراحت الوحوش فی كنائسها والطّيور فی أوكارها وكان الغلام فی السّلاسل والأغلال و لم يجد لنفسه ناصراً ولا معيناً … انّی فی أكثر أيامي كنت كعبد يكون جالساً تحت سيف علّق بشعرة واحدة ولم يدر متی ينزل عليه أينزل فی الحين أو بعد حين وفی كلّ ذلك نشكر اللّه ربّ العالمين ونحمده فی كلّ الأحوال انّه علی كلّ شیء شهيد(3)” 

 وفي نفس اللوح يكشف حضرة بهاء الله عن مصدر علمه اللادني، والجهة التي أشرقت من

 

 

 ———————–

 (1) حضرة بهاء الله- ألواح ما بعد الأقدس – التجليات – ص 67 

(2) حضرة بهاء الله – سورة الملوك – ص 126  

(3) حضرة بهاء الله – رسائل الملوك – ص 6

أنوارها رسالته الإلهية، يسطرها بكلمات تلمس عباراتها الصادقة شغاف القلب والنفس :

 

    “ يَا سُلْطانُ إِنِّي كُنْتُ كَأَحَدٍ مِنَ العِبادِ وَرَاقِدَاً عَلَى المِهَادِ مَرَّتْ عَلَيَّ نَسَائِمُ السُّبْحانِ وَعَلَّمَنِي عِلْمَ مَا كَانَ لَيْسَ هذا مِنْ عِنْدِي بَلْ مِنْ لَدُنْ عَزِيزٍ عَلِيمٍ،هذا وَرَقَةٌ حَرَّكَتْها أَرْياحُ مَشِيَّةِ   رَبِّكَ العَزِيزِ الحَمِيدِ هَلْ لَهَا اسْتِقْرارٌ عِنْدَ هُبوبِ أَرْياحٍ عَاصِفاتٍ؟ لا وَمَالِكِ الأَسْمآءِ وَالصِّفَاتِ بَلْ تُحَرِّكُهَا كَيْفَ تُريدُ، (1)“. 

 

 

 

   وفي مجلد أدعية مباركة يتقرب حضرته إلى الله، بدعواته الحميمة، حاملة في حنايا عباراتها دلالات قاطعة لا تخطئها عين منصف، وتشهد كلماتها بمنتهى الخضوع والخشوع إلى ذات الجلال والإكرام : 

 

     “سُبْحَانَكَ يَا مَنْ بِنُورِ وَجْهِكَ انْجَذَبَتِ الكَائِنَاتُ وَبِنَارِ سِدْرَتِكَ اشْتَعَلَتِ المُمْكِنَاتُ، أَسْأَلُكَِ بالتَّجَلِّي الَّذِي بِهِ انْصَعَقَ مُوسَى الكَلِيمُ وَبِنِدَائِكَ الأَحْلَى الَّذِي فَازَ بِإِصْغَائِهِ الحَبِيبُ بِأَنْ تُقَدِّرَ لأَصْفِيَائِكَ مَا يَمْنَعُهُمْ عَنْ دُونِكَ وَيُقَرِّبُهُمْ إِلَيْكَ، أَيْ رَبِّ شَهِدَ لِسَانُ قَلْبِي وَقَلَمِي وَظَاهِرِي وَبَاطِنِي بِوَحْدَانِيَّتِكَ وَفَرْدَانِيَّتِكَ وَبِأَنْ لا شَرِيكَ لَكَ فِي المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ وَتَحْكُمُ مَا تُرِيدُ وَأَنْتَ القَوِيُّ القَدِير(2) ُ”

   ويؤكد حضرة شوقي أفندي وليّ أمر الله ما سبق وأعلنه حضرة بهاء الله عن الفرق الشاسع بين الحقيقة الكلية “الذات الإلهية” وبين رسل الله ومظاهر أمرة الخاضعين لأوامره وأحكامه من الذين لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ لَمِنَ العَامِلِينَ.

 

   “ومع أنّ مظاهر الله هم مرايا أسماء الله وصفاته، وبواسطتهم يصل الإنسان إلى معرفة الله وشريعته، فقد نبّه حضرة وليّ أمر الله بأنّه لا يجوز أبداً مساواتهم بالذّات الإلهيّة والغيب المنيع.  أمّا بخصوص مقام حضرة بهاء الله نفسه، فقد كتب حضرة وليّ أمر الله أنّ ذلك “الهيكل البشريّ الّذي بواسطته تجلّى ظهورٌ على هذا القدر من العظمة والهيمنة، لا يجوز أبداً مساواته بالحقيقة الإلهيّة.(3)   

 

—————————-

 (1)حضرة بهاء الله – رسائل الملوك – ص 7

 (2) بهاء الله – أدعية مباركة – المجلد الثاني – ص 154 155

(3) الكتاب الأقدس – شرح كتاب الأقدس – ص 256

 ويسجل شوقي أفندي في توقيع النظم البديع لدورة حضرة بهاء الله، بعض ما جاء علي لسان حضرة بهاء الله كي نتفهم وبغاية الوضوح حقيقة الخالق المبدع السرمدية وكينونة الله الأزلية:   

     “من الأزل الذي لا يعرف، كان الله محتجبا في حقيقة ذاته العليا، وإنه لا يزال مخفيا يكون إلى الأبد في سر جوهره الذي لا يعرف … فقد أنصعق عشرات الآلاف من الأنبياء

 

كل كان موسى في سيناء البحث عن صوت الله الناهي “إنك لن تراني” بينما ربوات المرسلين كل كان كالمسيح في عظمته قاموا على عروشهم المقدسة مرتاعين لصوت المنع “إن كينونتي لن تعرفها(1)“.

   وهناك الكثير من البيانات المباركة بين فيها حضرة بهاء الله والتي إذا قرأناها في روية وتأمل، قد تزيل هذا اللبس الذي خيم علي عقول البعض، ذلك لأن الناس لم يتفهموا تماما طبيعة المقام المزدوج للمظاهر الإلهية وأصفياء الله. ففي نسبتهم إلى الله – كما بين حضرة بهاء الله – تبدو هذه النفوس المقدسة وكأنها عدم صرف، أما بنسبتهم إلى عالم الخلق فهم حائزون على سائر الصفات الإلهية ومقربون من الله.   

    فالرسول المتكلم والناقل للبشرية آيات وكلمات الله لابد وان ينطق بمثل هذه الكلمات {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} ، { فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } ، { لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } ولكنهم جميعا اثبتوا مرجعها إلى الله سبحانه وتعالى.

      وفي الآثار الإسلامية نجد مثل هذه البيانات المباركة. فالحديث الشريف التالي عن لسان النبي محمد e يدلل بوضوح على المقام المزدوج لرسل الله بقوله:

 “لي حالات مع الله أنا هو وهو أنا ولى حالات أخرى هو هو وأنا أنا(2)“.

   ويصرح شوقي أفندي في نفس توقيع النظم البديع لدورة حضرة بهاء الله ببيان شديد الصراحة والوضوح، ولكنه يتوجه به في المقام الأول إلى البهائيين المؤمنين برسالة بهاء الله, لليقين والإيمان بهذه الحقيقة، وأن عقيدة البهائيين التي لا تقبل الشك أو التأويل، بأن الله هو الفرد الواحد الأحد الصمد ليس له شريك ولا نظير في الملك، حتى من قبل أن يعلنونها في صراحة تامة إلى باقي أتباع الأديان الأخرى يقول :

 

 

 

—————————————————————–

(1) شوقي أفندي – النظم البديع لدورة حضرة بهاء الله  – ص 25

(2)حديث شريف، أورده حضرة بهاء الله في “لوح ابن الذئب”،- طبعة

 ألمانيا، صفحة 31؛ طبعة مصر، صفحة 33.

    “ولكن ثمة كلمة تحذير تبدو في هذا المقام جديرة بالذكر لكل من عساه يقرأ هذه الصفحات … إذ أنه لا يجوز لأي فرد وهو يتدبر أمر ” بهاء الله” أن يسيء فهم حقيقته أو أن يؤول ويشوه مقصده فمظهر الألوهية المنعوت به ذلك الذات العظيم وكامل الأسماء والصفات الظاهرة في شخصه الجليل يجب أن لا يساء فهممها ولا أن تحرف عن حقيقتها بأي حال من الأحوال لأننا إذا كنا مخلصين لديننا يجب أن نعلم بان الهيكل البشرى الذي جعل واسطة لمثل هذا الظهور الفائق الحد يظل دائما في مقام غير مقام “روح الأرواح” “وجوهر الجواهر” الخالد

بمعنى أن الله الذي لا يدرك ولا يرى والذي مهما أطلقنا اللسان في ذكر ألوهية مظاهره على الأرض فان ذاته منزهة لا يمكن بأي حال أن تتجسد وأن الغيب المنيع الذي لا يدرك لا يمكن أن يتنزل في هيكل محدود ملموس …فيقينا بان الله الذي يتجسد على هذه الصورة سرعان ما يفقد ألوهيته… والدليل اللائح كان الله ولم يكن معه من شيء  كما ورد في “الإيقان” وأخيرا        يجب أن نعتبر بهاء الله رغم عظمة أمره أنه من حيث الجوهر واحد من بين مظاهر الله الذين لا يمكن أن تتساوى ذواتهم مع الغيب المنيع ” الذات الإلهية ” وهو من أهم المعتقدات الأساسية في ديننا. (1)

 

   ولعل ما ذكرناه هو جزء قليل من الكثير والكثير، مما تفضل به علينا سحاب الفضل الإلهي بالنسبة لعقيدة التوحيد واحتمل حضرة بهاء الله وكل رموز الدين البهائي في سبيل تبليغ هذه الرسالة السامية، أبشع صنوف الأذى والمشقة وعلى مدى أربعين سنة من الإبعاد والنفي والتشريد والسجن، وجابهوا في سبيل تنوير العالم أعتي قوى القهر والظلم والاضطهاد، وهو ما سبق وألمحنا إلي بعض تلك المواقف والأحداث.

 ولكننا نكتفي الآن بما أوردناه في هذا المقام ومن يبتغي المزيد فالمجال شديد الاتساع والعظمة والكتب البهائية متاحة ومتوفرة على صفحات الانترنت بلا حدود وسانحة بلا مانع أو رقيب لكل من يريد البحث والإطلاع، وكما قال تعالي :

 {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69

 

وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

 

———————————–

(1) شوقي أفندي – النظم البديع لدورة حضرة بهاء الله – ص 27

3 – موقف الدين البهائي

 

أولا – من الإسلام والرسالات السماوية

 

    لو ارتد المخلصون بنظرهم إلى الماضي وأمكنهم أن يلقوا نظرة شاملة ويروا من زاوية عريضة تلك القيم السامية والكامنة في أحداث وتواريخ الأديان الماضية والتي سجل القران الكثير من أحداثها فيما يقرب من أربعة وسبعون سورة من سور القران الكريم.

    عندئذ سوف نكتشف بداهة أن هناك علاقة عضوية حميمة لا تنفصم بين الأديان السابقة والأديان اللاحقة هي بمثابة العلاقة القائمة بين الأب وابنه, الدم واحد والشكل مختلف.

     وأن كل دورة دينية جديدة  قد خرجت من عباءة الديانة السابقة عليها وأن المؤمنين الجدد كانوا من أتباع الأمة السالفة بكل تأكيد، بل وكثيرا ما كانوا من أعلام أممهم وأبرز قادة أديانهم، لكنهم وبمجرد إيمانهم بالدين الجديد، حتى طاولوا بأرواحهم عنان السماء, ونزفوا دمائهم الذكية بسخاء، وقدموا أجسادهم كمشاعل للتضحية والفداء، واستشهدوا في بسالة وفرح غامر في سبيل ما آمنوا به.

 

     وعلى الرغم من أننا نؤمن بأن كل رسالة دينية قد ارتبطت عضويا بالديانة السابقة وخرجت من عباءتها فان هذه الرسالة الجديدة اللاحقة لم تكن على الإطلاق فرقة من فرقها، أو مذهبا من مذاهبها، أو حتى تطويرا لتعاليمها ونظمها. 

 

 

   بل كان لها كيانها المستقل، وبصمتها التاريخية المتفردة، وقوانينها المتجددة، المواكبة للعصر، والملبية لحاجات البشر الفكرية والروحية، حيث لا تتشابه من قريب أو بعيد، مع أي من الرسالات السماوية السابقة أو اللاحقة, وتغدو مرحلة جديدة تماما من مراحل التطور المستمر لدين الله النامي المتصل الحلقات.

  ولقد أوضح القران الكريم هذه الحقيقة بمثال نادر جاء في آية صغيرة ليكشف لأبصارنا عن قانون إلهي تظهر آثاره العظيمة في كل الآفاق.

قال تعالى في كتابه العزيز  {إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }الأنعام95

   وعندما نتأمل تلك الآيات الإلهية البديعة نلحظ خطة إلهية وقانون علمي معجز وسنة من سنن الخالق المبدع. حيث يظهر طرفا تلك العملية التبادلية “الحي أو الميت” مختلفا عن الآخر تمام الاختلاف, وكأن الله يخبرنا أن ما بدء به هذا الخلق ولو انه كان شيئا بسيطا حسب الظاهر, إلا أنها اختزنت في جوهرها قوى هائلة كامنة، قادرة على النمو والتطور لا يمكن تخيل آثارها، وبالرغم من أن النواة قد وهبت السدرة الجديدة جزء من مكوناتها وعناصرها لتمدها بالحياة والقدرة على الإنبات والنماء فان ما نتج عن تلك النواة كان حياه عريضة رائعة أكبر وأعظم.

   على أن هذه الآيات لا تقتصر فقط كما قد يبدو للبعض، على عملية الإنبات العنصرية، بل يجب أن نتوسع في رؤانا وأفكارنا لتشمل أيضا عملية الإنبات الروحاني، والخلق الرحماني الجديد. بل يجب أن تلهمنا بأنه وعلى الرغم مما قد يبدو من ضعف وضآلة أعداد الزمرة الإيمانية التي آمنت بالدين الجديد، إلا أن عودها سرعان ما يشتد ويصلب، ويتزايد مع مرور الزمن أعداد المؤمنين بأنوار الرسالة الجديدة، لترسم معالم أمة فتية متوثبة، وتخط للمستقبل معالم حضارة عظيمة لم يشهد التاريخ مثيلا لها من قبل. 

 

بهاء الله والإسلام

 

 

   البهائية هي دعوة جديدة من الله, وديانة سماوية موحى بها, لها كتبها, وأحكامها, ومبادئها المنزلة من سماء مشيئة الله وأرادته, ومؤسسها بهاء الله هو مبعوث إلهي اصطفاه الله, وأوحى إليه, كما فعل مع من سبقه من المرسلين.

    انحدر حضرة بهاء الله من أسرة عريقة في إيران، كانت تدين بالديانة الإسلامية. لذا لم يكن من المنطق – وهو رسول يوحي إليه من الله –  أن يتنكر للإسلام، دين أجداده أو أن يستهين بمعتقداتهم، والتي هي أيضا وحي من الله , لأنه إن فعل ذلك لكان خروجا عن الناموس الإلهي وخرقا غير مسبوق للسنة الربانية التي قضت بأن يكون لكل رسول مهمة ثلاثية كشاهد ومبشر ونذير

قال تعالى في كتابه العزيز {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً }الأحزاب45

حيث تتجلى وحدة رسل الله تعالى في أكمل صورة وأبهى إشراق، من حيث أن كل رسول يشهد للسابق ويعلى آمرة ويرفع ذكره، وفى نفس الوقت يبشر بمن يأتي من بعده ويشيد بفيوضاته ويتغنى بآثاره العليا.

   فكان سيدنا عيسى شاهدا لرسالة سيدنا موسى عليه السلام، وأن سيدنا محمد علية السلام

 جاء شاهدا لهما ومصدقا بكتابيهما التوراة والإنجيل. وقياسا على هذه السُنَّة الإلهية، يكون من المحقق ظهور شاهد من عند الله ليشهد لسيدنا محمد صلعم، وللقران الكريم بمثل ما شهد سيدنا محمد للسابقين. 

  ولقد سجل حضرة بهاء الله شهادته للدورة المحمدية  في الكثير من كتبه والعديد من الواحة – كما سيرد فيما بعد – وأعلن لأتباعه ولإتباع الديانات السابقة بكل حسم وقوة تعظيمه للقران الكريم وتقديره ومحبة الفائقة لسيدنا محمد علية السلام ولآل البيت الأجلاء, ولصحابته الميامين.

 

  والآن أيها القارئ العزيز والباحث المستنير نهدى إليك بعضا من النصوص المقدسة والموثقة، بالغة الاحترام في نظر أتباع الديانة البهائية، وهي من كتابات الشخصيات الرئيسية في الديانة البهائية، حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء.

 

يذكر حضرة بهاء الله في كتاب كلمات الله محامد ونعوت الرسول الكريم قائلا :

   “أَيْ رَبِّ تَرَاني مُقبِلاً إِلَيكَ وآمِلاً بَدَائِعَ فَضْلِكَ وكَرَمِكَ. أَسْأَلُكَ يا إِلهي بِالمَشْعَرِ وَالمَقَامِ وَالزَّمْزَمِ وَالصَّفَا وَبِالمَسْجِدِ الأَقْصَى وَبِبِيتِكَ الَّذي جَعَلْتَهُ مَطَافَ المَلإِ الأَعْلَى … بِأَنْ لا تُخيِّبَنِي عَمَّا قَدَّرْتَهُ لِلْمُقَرَّبِينَ مِنْ عِبَادِكَ وَالمُخْلِصِينَ مِنْ بَرِيَّتِكَ إِنَّكَ أَنْتَ الَّذي شَهِدَتْ بِقُدْرَتِكَ الكَائِنَاتِ وَبِعَظَمَتِكَ المُمْكِنَاتِ لا يَمْنَعُكَ مانِعٌ وَلا يَحْجُبُكَ شَيْءٌ إِنَّكَ أَنْتَ المُقْتَدِرُ القَدِيرُ. … أَيْ رَبِّ صَلِّ عَلى سَيِّدِ يَثْرِبَ وَالبَطْحَاءِ وَعَلى آلِهِ وَأَصْحابِهِ الَّذينَ مَا مَنَعَهُم شَيْءٌ مِنَ الأَشْياءِ عَنْ نُصْرَةِ أَمْرِكَ يا مَنْ فِي قَبْضَتِكَ زِمَامُ الإِنْشَاءِ لا إِلهَ إلاَّ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ. (1)  

 

 

  وأيضا  “والصلاة والسلام على مطلع الأسماء الحسنى والصفات العليا الذي في كل حرف من اسمه كنزت الأسماء وبه زين الوجود من الغيب والشهود وسمي بمحمد في ملكوت الأسماء وبأحمد في جبروت البقاء وعلى آله وصحبه من هذا اليوم إلى يوم ينطق فيه لسان العظمة الملك لله الواحد القهار (2)”  

 

————————–

(1)  بهاء الله – كتاب كلمات الله ص  34 – 35  

(2) بهاء الله – كتاب كلمات الله ص 51

ويتفضل في كتاب لئالئ الحكمة يقول :

   “والصلوة والسلام على النقطة الأولية والألف القائمة المعطوفة والكلمة الجامعة الجبروتية والروح الملكوتية الإلهية الذي به بدء الوجود وختمت مظاهر الغيب في الشهود محمد المصطفى الذي جعله الله مطلع أسمائه الحسنى ومظهر صفاته العليا وعلى آله وصحبه من هذا اليوم إلى يوم الذي فيه ينطق لسان القوة والاقتدار لمن الملك اليوم لله الواحد القهار(1).”

 

   كذلك كتب حضرة عبد البهاء في كتاب ”مكاتيب حضرة عبد البهاء” معليا مقام الرسول الكريم سيد محمد عليه الصلاة والسلام يقول:  “والتحية والثنّاء على الكلمة الجامعة والحقيقة الساطعة ديباج كتاب الوجود وفصل الخطاب في اللوح المحفوظ والرق المنشور، من أسس هذا البنيان العظيم ورفع العلم المبين يتموج في الأوج الأعلى والذروة العلياء الهادي إلى الصراط المستقيم والدال إلى المنهج القويم، فاهتزّ بذكره يثرب وسالت البطحاء، نبي الرحمة وكاشف الغمة وماحي ظلام الضلال، فأشرقت الأرض بنور ربّها، خاتم النبيّين المخاطب بـ (وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين) عليه التحية والثنّاء إلى أبد الآبدين(2).”

 

   ونقتطف من كتاب “خطب حضرة عبد البهاء” الشديد الشمولية والتأثير قوله :

   ” … كل من يخدم قضية وحدة البشر اليوم مقبول عند الله. ذلك لأن جميع أنبياء الله سعوا في سبيل وحدة الجنس البشرى وقدموا خدماتهم للعالم. ولأن أساس التعاليم الإلهية هو وحدة العالم الإنساني، فسيدنا موسى سعى من أجل وحدة العالم الإنساني، والسيد المسيح أسس وحدة العالم الإنساني، وسيدنا محمد أعلن الوحدة الإنسانية. فالإنجيل والتوراة والقرآن كتب إلهية وضعت أساس الوحدة الإنسانية وما شريعة الله إلا شريعة واحدة، وما دين الله إلا دين واحد وهو الألفة والمحبة…(3)     

     كذلك وثق حضرة شوقي أفندي ولى أمر الله وحفيد حضرة بهاء الله في كتابة “القرن البديع” فعاليات رحلات حضرة عبد البهاء إلى أمريكا سنة 1912 ، وسَجَل بكل إكبار

 

 

——————————————————-

(1)لئالىء الحكمة لحضرة بهاء الله  الجزء الثالث، لوح رقم 46

(2)من مكاتيب عبد البهاء، دار النشر البهائية في البرازيل 1982، ص 112

(3)خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا ص57

وإعجاب كيف أن حضرة عبد البهاء كان يقيم الدليل على صدق الظهورات الإلهية، ويؤكد على أهمية الأديان أمام الأمم الأوروبية والأمريكية التي لا يؤمن البعض من شعوبها بالسيد المسيح, ولا يعتقد البعض الآخر بصدق رسالة سيدنا محمد عليهما السلام.

   فكتب يقول إن حضرة عبد البهاء كان :  “غير مهتمّ براحته أو صحّته، باذلاً كلّ ذرّة من قوّته من الفجر إلى ساعة متأخّرة من اللّيل يومًا بعد يوم مصرًّا على رفض أيّة هديّة أو تقدمة تتعلّق بنفقات رحلاته، ثابتًا في رعايته للمريض والمحزون والبائس، راسخًا لا يقبل المساومة في دفاعه عن الأجناس المظلومة والطّبقات المحرومة، مباركًا كالمطر في سخائه للفقير، محتقرًا للهجمات الّتي يشنّها عليه أقطاب المتعصّبين السّاهرين من رجال وأصحاب الأهواء، عجيبًا في صراحته حين يبيّن لليهود من المنبر والمنصّة صحّة نبوّة السّيّد المسيح، وحين يوضّح في الكنائس المسيحيّة والمعابد اليهوديّة أصل الإسلام الإلهيّ، وحين يقيم الدّليل للمادّيّين والملحدين واللاّ-أدريّين على صدق الظّهور الإلهيّ وضرورة الدّين(1)”  

 

                    

البهائية لا تبدل أحكام الإسلام

                    

 

   ويشهد “نبيل زرندي” مؤرخ الدين البهائي في كتابه القيم “مطالع الأنوار” أن الديانة البهائية قد عانت الكثير من الاضطهادات المروعة والمظالم الدموية، وجرت عليها نفس السنن الإلهية التي شهدتها كل البادرات الإيمانية الوليدة وعانت وقاست منها كل الرسالات السابقة.  فتعرض للطعن واللعن وللهجوم والتجريح, ولم تتوقف المحاولات المستميتة في تلطيخ سمعته وإلصاق التهم الظالمة، الافتراءات الشائنة. وقدم ما يزيد عن العشرون ألف شهيد أرواحهم ودمائهم سخية في سبيل نصرة الدين الوليد – كانت غالبيتهم العظمى تنحدر بكل تأكيد من أصول إسلامية وبعض الديانات أخرى – وارتوت شجرة الرسالة الإلهية المتنامية بدماء هؤلاء الشهداء العظام, وسطرت تلك الدماء الطاهرة بحروف من نور بزوغ فجر الديانة البهائية كسابقاتها من الأديان السماوية، وسجلت في وثيقة ميلادها انتسابها لرحم الديانة الأم السابقة عليها، وخروجها من عباءة الأمة الإسلامية.

 

 

 

—————————

(1)شوقي أفندي – القرن البديع – ص 331

    ومع ذلك وعلى الرغم من كل ما يقال وما يحاط بالدين البهائي من شبهات وافتراءات فليس هناك أبعد من البهائية عن التعرض للإسلام أو لأي دين آخر, سواء بتبديل أحكامه, أو بتغير عباداته. بمعنى أن للمسلمين, بل من واجبهم, أن يتبعوا أحكام دينهم. دون أي تَعَرَّض أو اعتراض وكذلك فان البهائية, كدعوة دينية مستقلة وقائمة بذاتها, لها ما لكل دين آخر من كتب, وأحكام, وعبادات خاصة بها, ولا يوجد مبرر لكي يعتبر ذلك تغييرا أو تبديل لأحكام الديانات الأخرى.

كما حكم بذلك سبحانه وتعالي قائلا :

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً }المائدة48

 

  فأحكام البهائية لا تخاطب إلا البهائيين, ولا تلزم إلا من يريد الالتزام بها, ويختار لنفسه إتباعها, وليس في ذلك تعرض لأي دين آخر. أو ليس من حق كل فرد بالغ أن يقرر لنفسه الطريق الذي يسلكه إلى الله؟ أو لم يقم كل دين على هذه الحرية الفردية التي يحاول البعض تبديلها بالإكراه والإجبـار؟ حاشا للدين أن يفرض على الناس بالتهديـد وبدون إيمـان أو اقتناع.

   والبهائية لا تناصب العداء ولا تحارب أي دين من الأديان وكتبها المقدسة لا تجيز لأتباعها أن يضمروا غير الخير. أو يجهروا بغير البر, وهى صريحة في أن العلاقة بين البهائيين وأتباع الديانات الأخرى هي علاقة أخوة ومحبة واحترام, إذ يقول حضرة بهاء الله :

” يا آهل البهاء كنتم ولا زلتم مشارق محبة الله ومطالع عنايته فلا تدنسوا ألسنتكم بسب أحد ولعنه غضوا أبصاركم عما لا يليق بها000 ولا تكونوا سببا لحزن أحد فضلا عن الفساد والنزاع عسى أن تتربوا في ظل سدرة العناية الإلهية وتعملوا بما أراده لله كلكم أوراق شجرة واحدة وقطرات بحر واحد. (1)”    

 

 

 

 

 

——————————

(1)“بهاء الله – ألواح ما بعد الأقدس – الاشراقات”

 

 

ثانيا – الدين البهائي واللغة العربية

 

 

   ولعل من أوضح مظاهر التكريم والتعظيم للقران وللرسول عليه السلام أن كان حضرة بهاء الله أول رسول يحتفي ويعظم لغة رسول سبقه آلا وهي اللغة العربية لغة القران الكريم. ولقد تحدث بهاء الله باللغة الفارسية تحقيقا للقانون الإلهي من أنه ” ما تحدث رسول إلا بلغة قومه” ولكن حضرته وسع ذلك القانون وأضاف إليه اللغة العربية تمجيدا وتأصيلا لذلك التواصل والترابط الوثيق بين الإسلام والبهائية.

 

   ويعتقد البهائيين أن اللغة العربية لغة فضلها الله على غيرها من اللغات. إذ اختارها لغة الوحي في ظهورين عظيمين في رسالتين متواليتين. فنزل القران الكريم ” قرانا عربيا” فخلدت به اللغة وشرفت. ثم جاء وعد الحق فظهر بهاء الله رسول هذا العصر ونزل ” الكتاب الأقدس” باللغة العربية يحمل مبادئ حضارة إنسانية جديدة.  وتؤكد الكلمات المباركة من كتابات بهاء  الله هذا الولاء اللغوي الروحاني عند البهائيين تجاه اللغة العربية, وتؤكد مكانة لغة الضاد بين لغات البشر.

 كما يشير اختيار لغتين ” الفارسية، والعربية” في تنزيل الوحي الإلهي في هذا الظهور الجديد، إلى مبدأ من أهم المبادئ البهائية آلا وهو مبدأ اعتماد لغة عالمية – إضافة إلى اللغة الأم في كل دولة – كلغة للتخاطب والتعامل بين شعوب العالم. وقد ترك بهاء الله أمر اختيار هذه اللغة العالمية إلى شعوب العالم ودوله, فمثل هذا الأمر ينبغي أن يتفق عليه الكل ليكون سببا في تقوية فرص الوحدة والاتحاد بين البشر, وفى تقريب عصر السلام بين أمم العالم دولا وشعوبا.

    ويتفضل حضرة بهاء الله موضحا المكانة السامية للغة العربية لدى الدين  البهائي قائلا :  

 “كم من النفوس تجدها وهى تصرف الوقت كله في تعلم شتى اللغات انه حقا من دواعي الأسف أن يصرف الإنسان عمره الذي هو اعز ما في العالم, في مثل هذه الأمور. والقصد من حمل هذه المشقات هو الإلمام باللغات المختلفة ليعرف الواحد غايات الآخر ومطالبة.

 

    والآن لو نفذ الناس ما أمروا به لاكتفوا وتخلصوا من تحمل هذه المشقات التي لا حصر لها. إن ما هو محبوب لدى العرش هو أن يتكلم الجميع اللغة العربية. فهي أغنى اللغات وأوسعها , ولو اطلع أحد على غنى هذه اللغة الفصحى واتساعها فلا بد أن يختارها لغة للتداول.

   الفارسية لغة جميلة , وقد تكلم لسان الله في هذا الظهور الأعظم باللغتين العربية والفارسية , غير أن الفارسية ليست غنية كالعربية0 بل أن جميع لغات الأرض محدودة إذا ما قورنت باللغة العربية0 إن ما ذكرناه هنا هو مقام التفضيل0 ولكن الهدف هو أن يختار آهل الأرض لغة من اللغات ليتكلم بها الناس اجمعون0 هذا ما حكم به الله0 فلينتفع به الناس لو هم يعرفون(1)” 

 

   يؤمن جميع البهائيون المنحدرين من أصول إسلامية، مسيحية، ويهودية، وبوذية، وزردشتية، وغيرهم بأن جميع الرسالات التي حمل تبعاتها رسل الله المكرمين أمثال سيدنا موسى وعيسى ومحمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام، جاءت من مصدر الهي سماوي،  كما يؤمنون جميعا بالله وملائكته وكتبه ورسله إيمانا عميقا وصادقا، والتي تشكل مثل هذه العقائد اليقينية قطب مبادئ الدين البهائي.

  لذلك أرجو وأتمنى أن تقرأ صديقنا الودود, بعين البصيرة الواعية والمنصفة، كل ما سبق بيانه، وفي محاولة متأنية لإعادة فهم وإدراك عميق لتلك الاتهامات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وتحقيقا لما أمرنا الله به في كتابه العزيز :

 : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }الحجرات6

 

  حتى يتضح من أمامك وبجلاء أن الدين البهائي براء من كل ما نسب إليه, وما وجهه خصومه إلى صدره من سهام التشكيك والافتراء. هي نفس الاتهامات التي سبق أن وجهت إلي رسل الله السابقين عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

  وفي الحقيقة نجد أنفسنا نحن البهائيين غير محتاجين لأن نقرر أن كل ما نراه على أرض الواقع من اتهامات ظالمة ومجحفة للدين البهائي سواء بالكفر والارتداد، أو الانحلال والاستهزاء بالأديان وبرسل الله، هو غير صحيح على الإطلاق، لأن هذه التهم لا تقوم على

 

——————————————–

(1)مترجم عن الفارسية – مجلة أخبار العالم البهائي – عدد 1 ص 4

أساس من الكتاب أو اللغة، أو حتى من المنطق أو والعقل، فمن غير المعقول أن تأتي جماعة وتدعى أنها صاحبة رسالة الهية، ثم تحوى تلك الرسالة التي يزعمون مصداقيتها، بكل تلك الأمور المشينة والمخالفة لكل القوانين والمبادئ التي شرعها الله في كتبه السابقة.

    ولعل في هذا الكم الكبير من الاتهامات  ما يدفعنا للشك القوي في صدق ما يروجه أعداء الدين البهائي من أكاذيب وافتراءات، وتلك قاعدة قانونية شهيرة، فعندما يجد القاضي نفسه محاطا بكم كبير من الشهود، وبحشد من الأدلة المرتبة والمتتابعة وبدون بينه أو دليل،  ضد متهم أعزل لم يرفع يدا للدفاع عن نفسه، وبما يناقض شهاداتهم، أقوال واعترافات ذلك المتهم، ما يؤرق ضميره ووجدانه، ويجعله يتشكك في مصداقية هؤلاء الشهود وحقيقة تلك الأدلة. وليبدأ التحقيق وبنفسه من جديد لإظهار الحقيقة الغائبة، وتحقيق العدالة.

   لذلك يحذرنا كتاب الله من تلك الأفعال الشائنة التي ارتكبها السابقون حين يقول سبحانه وتعالي : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً }الأحزاب69

 وصدق الله العظيم حين يقول :

{فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ }آل عمران184.

 {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ }يونس41

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصــل السابــع

 

 

الدين البهائي والرقم 19

 

   تتأسس العقيدة البهائية على الجانب الروحي في المقام الأول، مع ضرورة الأخذ والعمل بالأسباب المادية في كل مناحي الحياة. فكل المعتقدات والشرائع البهائية لا تأخذ فقط بالظاهر من أمورها، ولا تعمل من أجل تنظير قوانينها في صورة طقوس ومراسيم جامدة، بل تتوافق مع الدلالات الروحية السامية معبرة في تناغم رائع عن روح الدين وعلاقته بالله وبالحياة في آن واحد.

    فنجد في التقويم البهائي على سبيل المثال أسماء الشهور والأيام مشتقه من الأسماء والصفات الإلهية, البهاء, الجلال، الكمال, … وكذلك الكثير من المواضيع التي ارتبطت بالدين البهائي، وارتبطت أيضا بالرقم 19.

   فعدد شهور السنة البهائية هي 19 شهر وكذلك عدد أيام الشهر البهائي هي 19 يوم. كذلك كان عدد حروف الحي “حواري حضرة الباب” 19 مؤمناً، والفترة التي انقضت بين إعلان رسالة حضرة الباب وإعلان دعوة حضرة بهاء الله كانت 19 سنة. وهذا ما دفع بالكثيرين من الناس للتساؤل – إذا كنا فعلا صادقين فيما نقول – عن الدلالة الروحية والعرفانية للرقم 19؟ وعن ماهية رؤية البهائيين لذلك الرقم الذي اعتبره الكثير من المعادين طقسا من الطقوس البهائية المقدسة. 

 

   ولقد سبق وأن ذكرنا من قبل، أن الأئمة الأطهار، وأهل النهى والعرفان قد أجمعوا على أن للحروف الأبجدية مقامات ومراتب ومنها المرتبة العددية فكل حرف له قيمة عددية*، ومن الأسماء الإلهية اسم الواحد المشتق من صفة الوحدانية وتساوي لفظة “الواحد” حسابيا  العدد 19 حيث ” و = 6 ،  أ = 1 ،  ح = 8 ،  د = 4 ” طبقاً للحساب الأبجدي بعد حذف أل التعريف إذن فالعدد 19 هو المقابل العددي لصفة الوحدانية لله عز وجل وهذا هو المفهوم البهائي الروحاني لذلك الرقم .

   ومع ذلك لا نجد في ذلك الأمر أي خروج أو شذوذ عما جاءت به الأديان السماوية السابقة،

 

 

 

 

 

 

———————————

* يرجى الرجوع لصفحة رقم 153 من نفس الكتاب 

بل وربما ما جاء في القرآن الكريم كان الأهم والأخطر، حيث ذكر عددا من الأرقام الواحدة

الثابتة كالرقم ” 12 و 5 و 7 ” مع أن كل واحد منها كانت تشير إلى العديد من الدلالات المتباينة. ففي الرسالات السابقة نرى أن العدد 12 كانت له دلالات عديدة :

فعدد أسباط بني إسرائيل كانوا 12 سبطا,

وعدد حواري وتلاميذ حضرة المسيح 12 تلميذا

وعدد أئمة آل البيت الأطهار كانوا 12 إماما.

كما كان للرقم سبعة له أيضا الكثير من هذه الدلالات

فيقرر الله إنه من خلق الأرض وسوى فوقها سبع سماوات.

وضرب المثل الأعظم للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، بأن عملهم هذا أشبة بحبة أنبتت سبع سنابل.

وذكر نفس الرقم 7 في رؤيا فرعون مصر في زمن يوسف الصديق مرتين، سَبْعَ بَقَرَاتٍ، وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ”  

كما توعد بدخول الكافرين إلى جهنم من سَبْعَةُ أَبْوَابٍ

وكذلك أشار سبحانه وتعالى إلى أنه قد خلق من فوقنا سَبْعَ طَرَائِقَ ، وان كلمات الله لا تنتهي ولو كان البحر مدادا لكلمات ربي، ولو يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ.  

  ويقول الدكتور جميل القدسي لقد اكتشف بعض العلماء – عن طريق الكمبيوتر –  بأن القرآن الكريم مبني في عدد سوره وآياته وكلماته وحروفه، على الرقم 19!. ويذكر كمثال للتوضيح علي ما يقول :

  إن أول آية وضعت في القرآن الكريم, هي الآية الأولى في سورة الفاتحة، وهي بسم الله الرحمن الرحيم, وأن عدد حروف بسم الله الرحمن الرحيم بالرسم العثماني الذي تكتب فيه هو تسعة عشر حرفا. كما تكررت جملة بسم الله الرحمن الرحيم في سور القرآن الكريم , بأعداد تقبل القسمة على 19 , وهو العدد الأولي الصعب الذي لا يقبل القسمة إلا على نفسه وعلى الواحد, تكررت كلمة الرحمن في القرآن الكريم 57 مرة أي 19 × 3 بدون أي باقي بالتمام والكمال, وكذلك تكررت كلمة الرحيم في القرآن الكريم 114 مرة , وهو نفس عدد سور القرآن الكريم , وهو يساوي 19× 6 بالتمام وبدون أي باقي.

 

   وفي الواقع إن أول كتاب سماوي أشار إلى الرقم 19، كان القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة المدثر : {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ }المدثر26 – 31

 

   ولكن قد يبدو من المدهش وللافت للنظر وإلى حد كبير جدا، إنه وفي الوقت الذي ذكر الله في كتابة العزيز مثل هذه الأعداد التي ذكرنا البعض منها، 5 ، 7 ، 12 ، فإنه لم يوضح أو يذكر لنا سبب واحد لتعيين هذه الأرقام أو الحكمة من وراء أعدادها، في حين أنه عندما ذكر الرقم 19 وللمرة الأولى والأخيرة في سورة المدثر حيث لم تذكر مثيلا لها في أي سورة أخرى.

    فإذا به سبحانه وتعالي يوضح وبمنتهى الجلاء السبب من استخدام هذا الرقم، وبين الأهمية الكبيرة التي علقها الله على هذا الرقم وهذا شيء لابد أن ننتبه إليه ونتأمله ببصائرنا الروحية والتي لابد وأن تقودنا إلى فهم أعمق لآيات الله في القران الكريم.

 

 

   وهنا يجب ننتبه إلى ذلك الهدف الغامض الذي أراد الله أن يجعلنا نحن البشر أن نلتفت إليه جميعا، ونحاول أن نلمح الحكمة المخبوءة في مستقبل الغيب، من ذكر هذا الرقم 19ولنتأكد أن الله قد سبق بعلمه الأكيد أن هناك مشكلة أو معضلة سوف تثار من حول هذا العدد وأراد برحمته أن يستبق الأحداث ليوضح للناس الهدف من أدراجة لهذا الرقم.

 

   فتحكي الآيات أن الله قد توعد هذا المتكبر على الله وآياته بسقر، التي هي نوع من العذاب المقيم – وإن كنا لا نعلم ماهيتها علي وجه التحديد – وأن أشارت بعض التفاسير إلى أنها جهنم، ولكنها مجرد تخمينات وظنون، ومن المؤكد أنها ليست جهنم الكائنة في عالم الغيب، لان هذه السقر سوف تكون “لواحة للبشر” أي ظاهرة أمام عيون البشر، لأن البشر هم من يدبون على الأرض، أما من يموت ويصعد إلى السماوات العلى فيكون لهم مسمى آخر، حيث نفقد في هذا المقام السماوي بشريتنا، ولا نعد في حاجه إلي طعام أو شراب وهواء الخ وتصبح لنا طبيعة روحانية تتوافق مع العالم الروحاني الذي نصعد إليه.

 

  كما أوضحت الآيات أيضا نوعية وعدد أصحاب النار فاخبرنا الله إنهم ليسوا من الأشرار لأنهم ملائكة وأن عدتهم تسعة عشر. وهم القائمين علي النار طبقا لأمره وتحقيقا لسنة الله في أرضة عندما ينحرف الناس عن المنهج الإلهي ويعيثون في الأرض فسادا ساعتها يبعث الله عليهم ملائكة عذابه ويسلط عليهم سيوف نقمته.

   وتدلل تلك الآيات الكريمة بما لا يدع مجالا للشك أن تلك الأحداث الغيبية سوف تقع بين ظهرانينا نحن البشر وفي الحياة الدنيا، كما تدلل الكثير من الآيات القرآنية أن انتقام الله لا يقتصر على الآخرة فقط بل وتبدأ من الحياة الدنيا، ليذهبوا مخلفين آثارهم لتكون عبرة لمن يعتبر من الأجيال التالية.

{… وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15

 

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ }المؤمنون 44

 

{تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ }القمر20

 

{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ }الأعراف133

والى أمم أخرى يقول تعالى

{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ }فصلت16

   ويوضح حضرة شوقي أفندي في كتاب أتى يوم الميعاد : “إن الهدف الإلهي لا يعدو كونه مرشدا وهاديا ليس إلاّ, ليعلن عن اقتراب يوم الميعاد بطرق وسبل, الله وحده من يمكنه أن يأتي بها ويعلن عنها, ويبين شأنه الفائق الأهمية”

 

 وأخيرا يعلن الله عن هدفه الأكيد من وراء كل ذلك يقول تعالى ” وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا .. لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا .. وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ .. وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا .. كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ .. وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ .. وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ”

 واسمحوا لي بأن أضع تحت جملة “وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ” عشرة خطوط حمراء لمحاولة الفهم والتأمل  والتذكرة.

 

   فمن الواضح وضوح الشمس في رائعة النهار، أن في هذه الآيات من التحذير الشديد لكل من يكذب أو يعترض أو يكفر بهذا العدد وأن هذا الرقم العجيب قد جاء ليكون فتنة – كما قال تعالى – أي اختبار وامتحان من الله، واحد البراهين والدلائل الهامة ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا بعد طول انتظارهم إيمانا بتحقق وعود الله … بينما يتحير الشاكون بنبأ الله العظيم والذين في قلوبهم مرض، ويتساءلون في حيرة وتردد ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ 

 

   ولا أملك الآن سوى الرجاء والدعاء، بأن لا نستعجل الأحكام حسب ما هو راسخ في عقولنا وما تورثاه عن أسلافنا الاقدمين، بل يتوجب علينا من هذه اللحظة أن نعيد الفكر والتأمل بحقائق للكتب المقدسة، عسى أن نتعرف بمعونة الله على إرادته ومشيئته، حتى لا نقع تحت طائلة التعصب كما فعل بعض أصحاب الديانات السابقة، ورفضهم البات لكل جديد دون البحث الجاد والدءوب، وحتى لا يحيق بنا العذاب في الدنيا والآخرة كما حاق بالأولين، فأما العذاب في الدنيا فهي نار مستعرة علاماتها الفرقة والكراهية والحقد والجدل والذي يفضى بأصحابه إلى سعار القتل وحمى القتال وهذا من ليس الدين في شيء، وأما العذاب في الآخرة فنار حامية وصرير أسنان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجنة والنار في المفهوم البهائي

 

    كانت وستظل قضية خلود الروح بعد الموت والورود إلى الجنة أو النار، قضية تثير الكثير من الجدل والخلاف .. ولطالما شغلت فكر الإنسان، وأرقت ضميره ووجدانه في كل عصر وكل زمان، حسب معتقداته وبما استطاع استنباطه من كتبه المقدسة، ومما توفرت له من علوم ومعارف. ومن المؤكد أن رغبة الإنسان في الخلود، ومحاولاته المستمرة للبحث عن عالم يؤمن له الراحة والسعادة والسلام – كما سجلها الأقدمين فوق جدران المعابد في صعيد مصر – كانت السبب في تعلقه الشديد بهذا الموضوع الحيوي وخصوصا وقد أسدل الله عليه أستار غيبه، واحتفظ لنفسه بهذا العلم المضنون.

  كما قال تعالى { وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 

   وعلى الرغم مما حفلت به الكتب المقدسة من بشارات غامضة، ووعود حالمة بالجنة وبالنعيم الحسي، إلا أن كل تلك الإشارات، لم ترو عطش التوق الإنساني إلى المزيد من المعرفة اليقينية عن هذا العلم. وبالرغم من ذلك، ومع اعتراف الكل بذلك النقص الخطير في معارفنا، وتضارب معلوماتنا عن هذا الموضوع، فلا يوجد إنسان على ظهر هذا الكوكب سواء كان يهوديا أو مسيحيا أو مسلما إلا وهو في غاية اليقين والاقتناع بأنه سيكون ضمن الناجين من عذاب يوم القيامة، فيزحزح عن النار، ويجد له مقعدا آمناً في ظلال جنته الموعودة.       

 

{وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }البقرة111

    بينما ظنوا ظن اليقين أن اتباع الاديان الأخري هالكين فى النار لا محالة حتى سخر الله من اوهامهم تلك لان الثواب والعقاب بيد القدرة الالهية وهو الحاكم على ما كان وما يكون. 

فقال تعالى : {أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ }الأعراف49

 

{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً }مريم63

{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الزخرف72

 والحقيقة أن الحديث عن الجنة من الأحاديث التي لا يمل منها الناس لما جاء بآياتها من أنعم وملذات حسية، تتشابه مع ما ندركه ونتمناه من ملذات الدنيا، فهي نخيل وأعناب وفاكهة ورمان وعيون باردة تتفجر بالمياه البلورية وأنهار من لبن وانهار من عسل وأنهار من خمر وحوريات عين، وأبكار وكواعب.

 

    وعلى الرغم من أن تلك الأوصاف قد جاءت في بعض آيات القران الكريم، إلا أن المتأمل لآياته الكريمة، يجد أن الله يصحح هذا المفهوم الضيق المحدود فيقول سبحانه وتعالى أن ما جاء عن الجنة من أوصاف ونِعَمْ إنما هو ضرب مثال لتقريب جوهر حقيقتها للافهام، وليست الحقيقة ذاتها،

 

وأكد ذلك في سورتين من سور القران هما سورة الرعد ، وسورة محمد.

 

{مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ }الرعد35

 

{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ }محمد15

 

  فكل هذه الصور التي جاءت في القران عن الجنة كانت ضرب مثال وأن الأمر غيب .. أما الحقيقة فتفوق الخيال وتسمو فوق تصور أي متصور ..

ويؤكد ذلك قوله تعالى في صورة السجدة أية 17

 

{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }السجدة17

 

   مصداقا للحديث الشريف ” إن فى الجنة ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب احد” 

   ولكي نقترب بافهامنا من تلك الحقيقة ولو الى حد ما فلنحاول أن نتأمل الفرق بين جوهر الحقيقة وبين صورتها المادية المحدودة في المجاز، أو بين ظاهر النص وباطنه، وضرورة النفاذ من الظاهر الحسي البسيط إلى الباطن الروحي العميق.

  وقبل أن نحاول تفيسر أو تأويل أيه من الايات، فيتوجب علينا أن نقتنع بأن العلاقة بين المفسر والنص ليست علاقة تعسفية، تلوي فيها الحقائق، وتخضع من خلالها تفسير الآيات لأفكار سطحية، ولمفاهيم مسبقة وروى اصولية مغرقة في الزمن، حتى ولو ناقضت مكتشفاتنا العلمية في كل المناحي، وتجاوزت قواعدنا اللغوية المعترف بها، وتجاهلت أبسط مبادئ الفكر والمنطق الانساني، أو بمعنى آخر قد يتصوره البعض أنها علاقة إخضاع وهيمنة من جانب المفسر وخضوع واستسلام من جانب النص، مع انها في الحقيقة علاقته تفاعلية بين وجهتيها المادية .. والروحية، ومرتبطة ارتباطا وثيقا بجانبيها الظاهر والباطن. 

 

 

يقول تعالي : “إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ” البقرة : 26

 

 

“أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} إبراهيم 24 – 26

 

 

“مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }  البقرة  261

{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً }مريم17

   وفي كل الامثلة التى ضربها الله للانسان، كان سبحانه وتعالى يضع من أمام اعيننا في كل مثال، موضوعين وكانهما كفتي ميزان غاية في الدقة والحساسية. الا أنه سبحانه وتعالى لم يساوي بين الموضوعين، للبون الشاسع بين جوهر الحقيقة الالهية وبين محدودية الصورة المادية، ولكنه أشار إلى أنهما متماثلين، أي صاغ كل منهما على قَدْرُة، وعلى صورة تجعل من صفات كل منهما مثلا وشبها للآخر في الفكرة وفي الهدف وفي النتيجة.

   تحوى الكفة الاولي فكرة من الافكار المجردة – وهي موضوع البحث الاساسي – ووضع في مقابلها على الجانب الاخر مثيلا أو شبيها لها في صورة حيز مادي ملموس، كان يصوغها أحيانا بمفهوم لغوي متعدد المستويات باعتباره الوسيط الذي نتفهم من خلاله النص.

كمثال ” الجنة وما يقابلها من صور مادية حسية كأنهار اللبن والعسل والحور العين … والكلمة وما تماثلها من شجرة …. الخ”

  ويمكننا أن نتخيل أوصاف هذه المعاني الغيبية، التي لا يمكن تصورها أو إدراكها بكل حواسنا المادية، وكأنها مجرد خيال يماثل المشاهد التي تترائي للنائم في الحلم مع الفارق الكبير بالطبع، ولتنطلق رؤانا وأفكارنا من عالم الحس والشهادة لنرتفع ونسمو إلى عالم التجريد المطلق.

 

    والمدهش أن الله لم يوضح أو حتى يلمح بشىء من طبيعة أو صفات هذه الغيبيات المعنوية المجردة موضوع البحث وكأنها رمز رياضي (س) يغلفه رداء كثيف من الابهام والغموض دونما اضافة الكثير أو القليل، مثال “الجنة – كلمة طيبة –  كلمة خبيثة – روحنا” والتى لا تدرك الا بالعقل. وهنا فقط عندما شبهها بـ “الشجرة الطيبة“، بدأ يوضح كثيرا من الصفات والآثار المادية والحسية للكينونة هذه الشجرة، من أن اصلها ثابت “في الارض” وفرعها في سماء العزة الالهية وانها تؤتي أكلها في كل حين. لدرجة أعلن الله في صراحة أنه لا يستكنف أن يضرب مثلا بكائن شديد البساطة كالبعوضة ما دام هذا المثل وهذه المقاربة يمكن ان تؤدى الى فهم اعمق للمعاني الالهية.

   وكأن الله أرادنا نحن البشر أن نتأمل  الصورتين معا وفي آن واحد، وكأننا نطالع – حسب المنطق الرياضي – طرفي معادلة رياضية نستدل من احد طرفيها على ماهية الطرف الآخر.

كي نستشف المغزى والمراد من مُثُلُه التى رصعت سور القرآن الكريم، ونتفهم خفايا تلك المعضلات الروحانية التى كنزت في العلم الالهي، آخذين في اعتبارنا بمنهج سرمدى قديم وهو الاعتداد بالسمات والصفات، دون التقيد بالالفاظ والاسماء. 

   وإلا فهل كان من الممكن اكتشاف كل هذه المعارف والعلوم الطبيبة التجريبية عن وظائف وأعضاء الإنسان – على سبيل المثال – لولا أن تجاوزنا ظاهر الجسد وصولا إلى باطنه، وبالمثل لا يمكن أن نصل إلى جوهر المعرفة إذا لم نتجاوز ظاهر المثال وصولا إلى باطنه وصفاته الروحية. وحين يتم ذلك يستطيع الإنسان  وبنفس القدر فهم التدبير الالهي وبمستويات متعددة كلَّ حسب إمكانياته واستعداده ونقاء بصيرته.

 

   بمعنى آخر هو أن نحاول مضاهاة الصفات المتعددة والمفعمة بالحيوية التى عرضتها صور تلك الامثال، والتى تميز الصورة المادية المحسوسة، وهي بدون شك صفات شديدة السمو والرفعة والعطاء، ونقارنها بالصفات المماثلة لها في جوهر الافكار المجردة والامور العقلانية، ونحاول تخيل آثارها الهائلة ونتائجها البعيدة، دون الخوض في جواهر كينونتها وبحار عرفانها، ودون أن نتجنى على آفاقها الشاسعة بحبسها في تصور مادي محدود وساذج، حيث سبق وقطع الحكم الالهي بعجزنا وقصور رؤانا، وأن فيها “ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب احد” … حتى ولو امتطينا جياد مخيلاتنا الجامحة.

   ولو طبقنا هذا المنهج وعرضنا تفسير موضوعي بسيط لما جاء في سورة ابراهيم، ما يقرب لأذهاننا هذه الفكرة ولنشاهد التناغم الرائع ما بين باطن الايات وظاهر مثالها المادي.

 قال تعالى : {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ }آل عمران45

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء }إبراهيم24

   فالكلمة الطيبة هنا دلالة على الرسول الذين يحمل كلمة الله الى البشر، أما الشجرة فهي شجرة الرسالة والنبوة التى تجمع وحدتهم ويتتابع بعضهم من ذرية بعض.

 

{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }آل عمران34

وفي الحديث النبوى الشريف : “أنا وعلي من شجرة وكلكم من شجرة أخرى”

   أما القول بأن أصل هذه الشجرة ثابت “في الارض” وفرعها في السماء فتصور الصلة القديمة والعلاقة الوثيقة بين اصالة الدين، المتجذر في قلوب ووجدان الناس على الارض، وبين مرسل الفيض من سماء العزة الالهية ويوضح ذلك المثال البسيط – ولو علي قدر مقدور – المقام السامي العظيم لرسول الله المسيح عيسي بن مريم وكذلك وحدة باقى رسل الله عليهم جميعا صلاة الله وسلامه وانهم الصلة الوثيقة بين البشر على الارض وبين الله في مكامن عزه وجلاله.

   من واقع تلك الامثال التي ضربها الله للناس يمكننا أن ندرك الكثير من الاشارات والرموز الخفية التى احتوتها باطن الايات القرآنية، ونتفهم العديد من الحكم والعبر التى حكاها الله، وصاغها في صورة قد تبدو بسيطة ومألوفة، يسهل تقبلها والايمان بها. مع كونها مجرد رموز وإشارات، لها معاني تختلف تمام الاختلاف عما تعارفنا عليه، وتشير إلى أمور ما زالت مستورة في عوالم  الغيب الإلهي وربما سيكشف عنها بالفضل الإلهي في قابل الأيام.

  لذا لا يجب أن نتوقع في جنة العالم الاخر وجود أنهار من عسل مصفى وانهار من لبن لا يتغير طعمه, فالفارق كبير، وحقيقة النعيم وحقيقة العذاب غيب والخوض في تفاصيلها بمفهوم دنيوي هو تخبط، والذين يتصورون الجنة من خلال معدتهم ومن خلال غددهم، والوقوف عند ظاهر الحروف دون أن يحاولوا النفاذ الى بهاء الإشارات والألفاظ هو تصور سطحي ساذج وقصور حتى في الوهم والخيال. 

   فإذا كنا في عالم الروح فلا بد أن يكون لنا نظامنا الوظيفي المناسب لنمط الحياة الروحية الخاصة بها في العالم الاخر، فلا معدة ولا إخراج للفضلات ولا حمل أو تناسل , وإذا ما اعترض إنسان على هذا المفهوم قائلا : إن الله قادر على أن يجعلنا نتمتع بكل النعم دون حاجة إلى معدة و .. و .. وكل ما يجرى علينا في هذا العالم أقول له : هذا حق وفي مقدوره سبحانه وتعالى، إذا فسوف تتغير طبيعتنا وتركيبنا الجسماني ولن تكون لنا نفس الأجساد بل سينشأنا  كما وضح رب العزة النشأة الأخرى ليميزها عن النشأة الأولى التي نحن فيها الان. 

وهو ما سبقت به كلمة الله صدقا ووعدا :

 {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الفتح23

   ومن الغريب أن هذا الاعتراض، قد دلل علي حقيقة المثال الرائع الذي تفضل به حضرة عبد البهاء عن تلك التحولات في النشأة وعن حكاية الفراشة الجميلة الرائعة الملونة التي خرجت من شرنقتها وكانت بالأمس دودة بطيئة الحركة دميمة الشكل ولكنها وقد غدت فراشة أصبحت بهية المنظر رشيقة الحركة حرة وطليقة تتماوج وتسبح في فضاء بلا حدود ورغم أنها تختلف عن الدودة، تشريحيا، وفي كل الوظائف فإنها لا تزال تنتمي عضويا، ولها نفس جينات الكائن القديم التي خرجت منه.

 

  ويحكي الله أيضا عن أهل الجنة أنهم في ترقى مستمر وان الانتقال في المراتب لا ينقطع وأن لهم صفات أعظم سموا وطهارة مما يعاني منه أهل الأرض.

 

 

 

 { وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا }التحريم8

 

{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ }الأعراف43

 

{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ }الحجر47

 

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }القيامة23

 

  فنحن إذن بصدد ميلاد جديد ونفوس جديدة ونشأة مختلفة فلا وجد ولا نصب أو عدوان فهي دار السلام التي وعد بها الله المتقين.

  ويتوافق المفهوم البهائي للجنة مع ما جاء بالقرآن الكريم، حيث يؤكد أن هناك جنتين وليست واحدة فقط.  {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ }الرحمن46

الأولي هي جنة الإيمان بدين الله، وطاعة الرسول وخدمته والتضحية بكل ما يملك المؤمن من غال ونفيس في سبيل مرضاته أثناء حياته، أما الجنة الثانية فهي بدون شك جنة الملكوت في العالم الآخر، الذي يورثها الله لعباده الصالحين.

   ولنستمع لقوله تعالى في سورة الشعراء وهى خاصة بنبي الله موسى وبنى إسرائيل عندما كانوا في مصر وأخذهم موسى إلي الصحراء في سيناء يقول تعالى في هذه السورة :

{فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوز وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}

                                                                          الشعراء 57 – 59

   ونتساءل ما هي الجنات والمقام الكريم التي أورثها الله لبنى إسرائيل، مع علمهم الاكيد بأن الجنات والمقام الكريم قد خلفوها من ورائهم في مصر لدرجة كادوا يعلنون عصيانهم طلبا للعودة الى ما خلفوه من ورائهم من جنان.

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ … قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ }البقرة61

 وعلى الرغم من أنهم لم يرجعوا الى مصر ولكنهم ورثوا هذه الجنات والمقام الكريم.

   فأي مقام كريم تبوأه المستضعفين من بني إسرائيل إن لم يكن لتصديقهم للكتاب المقدس وإقامتهم لشرائع الله على الارض, واستحفاظهم لأول رسالة كتابية هي التوراة كتاب الهداية والرحمة، وما فيها من الراحة والاطمئنان، وأي جنة ورثها بني اسرائيل إن لم تكن جنة الايمان برسالة سيدنا موسى والتي حررتهم من العبودية والقهر والظلم.

    ويشهد حضرة بهاء الله بحقيقة هاتين الجنتين قائلا :

 

 

*.. وأما الجنة حق لا ريب فيه وهي اليوم في هذا العالم حبي ورضائي ومن فاز به لينصره الله في الدنيا وبعد الموت يدخله في جنة أرضها كأرض السموات والأرض ويخدمنّه حوريات العزة والتقديس في كل بكور وأصيل ويستشرق عليه في كل حين شمس جمال ربه ويستضيء منها على شأن لن يقدر أحد أن ينظر إليه كذلك كان الأمر ولكن الناس هم في حجاب عظيم وكذلك فأعرف النار وكن من الموقنين ولكل عمل جزاء عند ربك ويشهد بذلك نفس أمر الله ونهيه ولو لم يكن للأعمال جزاء وثمر ليكون أمره تعالى لغوا فتعالى عن ذلك علوا كبيرا ولكن المنقطعين لن يشهدن العمل إلا نفس الجزاء وإنا لو نفصل ذلك ينبغي ان يكتب ألواحا عديدة. (1).”   

وأيضا:- إنا نجد في سر السر عرف حبي ونكون ناظرا إليه إن ربك لا يحب أن يضيع أجر من أقبل إليه ولو بخطوة انه لهو الرحمن الرحيم. (2)” 

 

وتفضل أيضا قائلا ” إن من لا يؤمن بالثواب والعقاب فقد أشرك ” .. “إن ميزان العدل الإلهي حائز للركنين الأساسيين وهما الجزاء والمكافئة “

 

والنار بالمثل غيب

 

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ }الشورى7

 

والقران يتحدث عن نزلاء تلك النار فيقول انهم يتحادثون ويتخاصمون ويتلاعنون ويأكلون ويشربون .. ويقول لنا : ان فى تلك النار شجرة تخرج من اصل الجحيم هى شجرة الزقوم وفيها ماء حميم فهل رأينا فى عالمنا الارضى نارا تخرج منها شجرة او يوجد بها ماء ؟؟ !!

وصورة اخرى سجلها القرآن عن معيشة اهل الجنة وأصحاب النار تختلف عن الصورة السابقة بشكل يدعو للتأمل والتفكير يقول تعالي :  

 

{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ }محمد12

 

 فهى اذن نار تختلف عن نارنا وعلاقة الاجسام بها علاقة مختلفة .. وهى غيب وحقيقتها غيب .. ولا تستطيع ان نؤسس حكما على ما لا نحن واثقين ولا متيقنين منه.

 

 

   عزيزي القارئ أفضل ما نختم به هذا البعث أن نعرض عليك خطبة حضرة عبد البهاء عباس نجل حضرة بهاء الله  المفسر والمبين لكلمات حضرة بهاء الله وهو في إحدى زيارته لأوروبا

——————————

(1)بهاء الله -آثار قلم أعلى ج 4 – ص 356

(2)بهاء الله – كتاب مبين ص 272

الخطبة المباركة باللّغة العربيّة في تونون – سويسرا

 

يوم الاثنين 27 آب 1911

هو الله

   “أيّها الحاضرون إلى متى هذا الهجوع والسّبات، وإلى متى هذا الرّجوع القهقرى، وإلى متى هذا الجهل والعمى، وإلى متى هذه الغفلة والشّقاء، وإلى متى هذا الظّلم والإعتساف، وإلى متى هذا البغض والاختلاف، وإلى متى الحميّة الجاهليّة، وإلى متى التّمسّك بالأوهام الواهية، وإلى متى النّزاع والجدال، وإلى متى الكفاح والنّزال، وإلى متى التّعصّب الجنسيّ، وإلى متى التّعصّب الوطنيّ، وإلى متى التّعصّب السّياسيّ، وإلى متى التّعصّب المذهبيّ. “ألم يأن للّذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله”، هل ختم الله على القلوب أم غشت الأبصار غشاوة الاعتساف أولم تنتبه النّفوس إلى أنّ الله قد فاضت فيوضاته على العموم خلق الخلق بقدرته ورزق الكلّ برحمته وربّى الكلّ بربوبيّته، “لا ترى في خلق الرّحمن من تفاوت فأرجع البصر هل ترى من فطور”، فلنتّبع الرّبّ الجليل في حسن السّياسة وحسن المعاملة والفضل والجود ولنترك الجور والطّغيان ولنلتئم التئام ذوي القربى بالعدل والإحسان ولنمتزج امتزاج الماء والرّاح ولنتّحد اتّحاد الأرواح، ولا نكاد نؤسّس سياسة أعظم من سياسة الله … ولكم أسوة حسنة في الرّبّ الجليل فلا تبدّلوا نعمة الله، وهي الألفة التّامّة في هذا السّبيل. عليكم يا عباد الله بترك الاختلاف وتأسيس الائتلاف والحبّ والإنصاف والعدل وعدم الاعتساف.

 

      أيّها الحاضرون قد مضت القرون الأولى وطُويَ بساط البغضاء والشّحناء حيث أشرق هذا القرن بأنوار ساطعة وفيوضات لامعة وآثار ظاهرة وآيات باهرة والأنوار كاشفة للظّلام دافعة للآلام داعية للائتلاف قامعة للاختلاف إلاّ أنّ الأبصار قد قرّت وأنّ الآذان قد وعت وأنّ العقول قد أدركت أنّ الأديان الإلهيّة مبنيّة على الفضائل الإنسانيّة، ومنها الألفة والوداد بين العموم والوحدة والاتّفاق بين الجمهور. يا قوم ألستم من سلالة واحدة ألستم أفنانًا وأوراقًا من دوحة واحدة ألستم مشمولين بلحظات أعين الرّحمانيّة مستغرقين في بحار الرّحمة من الحضرة الوحدانيّة ألستم عبيدًا للعتبة الرّبّانيّة، هل أنتم في ريب أنّ الأنبياء كلّهم من عند الله وأنّ

الشّرائع كلّها قد تحقّقت بكلمة الله، وما بعثهم الله إلا لتعليم وتربية الإنسان وتثقيف عقول البشر والتّدرّج إلى المعارج العالية من الفلاح والنّجاح وقد ثبت بالبرهان السّاطع أنّ الأنبياء اختارهم الله رحمة للعالمين وليسوا نقمة للسّائرين وكلّهم دعوا إلى الهدى وتمسّكوا بالعروة الوثقى حتّى أنقذوا الأمم السّافلة من حضيض الجهل والعمى إلى أوج الفضل والنّهى، فمن أمعن النّظر في حقيقة التّاريخ المنبئة الكاشفة لحقائق الأسرار من القرون الأولى يتحقّق عنده بأنّ موسى عليه السّلام أنقذ بني إسرائيل من الذّلّ والهوان والأسر والخذلان وربّاهم بتأييد من شديد القوى حتّى أوصلهم إلى أوج العزّة والعلي، ومهّد لهم السّعادة الكبرى ومَنَّ الله عليهم بعدما استضعفوا في الأرض وجعلهم أئمّة من ورثة الكتاب وحملة لفصل الخطاب حتّى كان منهم عظماء الرّجال وأنبياء أسّسوا لهم السّعادة والإقبال، وهذا برهان ساطع واضح على نبوّته عليه السّلام.

 وأمّا المسيح الجليل كلمة الله وروح الله المؤيّد بالإنجيل فقد بعثه الله بين قوم ذلّت رقابهم وخضعت أعناقهم وخشعت أصواتهم لسلطة الرّومان فنفخ فيهم روح الحياة وأحياهم بعد الممات وجعلهم أئمّة في الأرض خضعت لهم الرّومان وخشعت لهم اليونان وطبّق الأرض صيتهم إلى هذا الأوان.

  وأمّا الرّسول الكريم محمّد المصطفى عليه الصلاة والتّسليم فقد بعثه الله في واد غير ذي زرع لا نبات فيه بين قبائل متنافرة وشعوب متحاربة وأقوام ساقطة في حضيض الجهل والعمى لا يعلمون من دحاها ولا يعرفون حرفًا من الكتاب ولا يدركون فصلاً من الخطاب، أقوام متشتّتة في بادية العرب يعيشون في صحراء من الرّمال بلبن النّياق وقليل من النّخيل والأعناب فما كانت بعثته عليه السّلام إلاّ كنفخ الرّوح في الأجساد أو كإيقاد سراج منير في حالك من الظّلام فتنوّرت تلك البادية الشّاسعة القاحلة الخاوية بتلك الأنوار السّاطعة على الأرجاء فانتهض القوم من رقد الضّلال وتنوّرت أبصارهم بنور الهدى في تلك الأيّام فاتّسعت عقولهم وانتعشت نفوسهم وانشرحت صدورهم بآيات التّوحيد … فأصبحوا نجومًا ساطعة الإشراق فانظروا إلى الآثار الكاشفة للأسرار حتّى تنصفوا بأنّ ذلك الرّجل الجليل كان مبدأ الفيض لذلك القوم الضّئيل وسراج الهدى لقبائل خاضت في ظلام الهوى وأوصلهم إلى أوج العزّة والإقبال ومكّنهم من حياة طيّبة في الآخرة والأولى، أمّا كانت هذه القوّة الباهرة الخارقة للعادة برهانًا كافيًا على تلك النّبوّة السّاطعة؟     

   لعمر الله إنّ كلّ منصف من البشر يشهد بملء اليقين أنّ هؤلاء الرّجال كانوا أعلام الهدى بين الورى ورايات الآيات الخافقة على صروح المجد في كلّ الجهات، وتلك العصبة الجليلة استشرقت فأشرقت واستضاءت فأضاءت واستفاضت فأفاضت واقتبست الأنوار من حيّز ملكوت الأسرار وسطعت بأنوار الوحي على عالم الأفكار، ثمّ إنّ هذه النّجوم السّاطعة من أفق الحقيقة ائتلفت واتّحدت واتّفقت وبشّر كلّ سلف عن كلّ خلف، وصدّق كلّ خلف نبوّة كلّ سلف، فما بالكم أنتم يا قوم تختلفون وتتجادلون وتتنازعون ولكم أسوة حسنة في هذه المظاهر النّورانيّة والمطالع الرّحمانيّة ومهابط الوحي العصبة الرّبّانيّة وهل بعد هذا البرهان يجوز الارتياب والتّمسّك بأوهام أوهن من بيت العنكبوت وما أنزل الله بها من سلطان؟

    يا قوم البدار البدار إلى الألفة، عليكم بترك البغضاء والشّحناء، عليكم بترك الجدال، عليكم بدفع الضّلال، عليكم بكشف الظّلام، عليكم بتحرّي الحقيقة في ما مضى من الأيّام، فإذا ائتلفتم اغتنمتم وإذا اختلفتم اعتسفتم عن سبيل الهدى، وغضضتم النّظر عن الحقيقة والنّهى وخضتم في بحور الوهم والهوى إنّ هذا لضلالة مهلكة للورى، وأمّا إذا اتّحدتم وامتزجتم وائتلفتم فيؤيّدكم شديد القوى بصلح وصلاح وحبّ وسلام وحياة طيّبة وعزّة أبديّة وسعادة سرمديّة والسّلام على من اتّبع الهدى. (1)

 

 

———————————————

(1) حضرة عبد البهاء – خطب عبد البهاء في أوروبا وأمريكا – ص 45

موجز لأصول العقائد البهائية

كما شرحها حضرة عبد البهاء

 

لم يكن الهدف من إعداد هذا الموجز هو التعريف بالديّن البهائيّ ومبادئه وأحكامه، وإنّما تعريف القارئ بنبذة مختصرة عن أصول العقائد البهائيّة من خلال الآثار العربيّة لحضرة بهاء الله الّتي أنزلها بلغة الضّاد على الرّغم من أن حضرته كان فارسيّ الأصل، ولم يتلقّ العلوم في المدارس والمعاهد، كما يزيد في روعة مصداقيتها وإكمال آثارها الفياضة أن من قام بشرحها وتبيان أهدافها ومراميها هو ابنه الارشد حضرة عبد البهاء، المبين المختار لتفسير وشرح التعاليم البهائية، ومن بعده قام شوقي أفندي ولي أمر الله بتلخيص رائع وموثق لأصول هذه العقائد في كتيب “صحيفة النور” وفي الحقيقة يعتبر هذا الكتيّب فرصة للرّاغبين لدراسة آثار حضرة بهاء الله بعمق.

 

   كتب شوقي أفندي :

 

   تعلن رسالة حضرة بهاء الله أن دور المهد والطفولة للجنس البشرى قد أنقضى وأن الاضطرابات المقترنة بدور المراهقة الحالي إنما تعمل ببطء وألم معا للوصول به إلى الرشد . وأن هذه الرسالة ما أتت إلا لتعلن بشارة اقتراب عصر العصور الذي فيه تطبع السيوف مناحل ويتأسس ملكوت الله ويتحقق السلام الدائم على الأرض .

1- يعلن حضرة بهاء الله أن رسالته ليس نهاية رسالات الله بل يصرح بأن تطور الجنس البشرى وهو التطور المستمر اللانهائي سوف يتطلب بالضرورة في مراحله المقبلة ظهور قدر أكبر مما كشفت عنه الحقيقة التي أوكل الله تعالى بـ بهاء الله أن يهبها للإنسانية في هذا المرحلة الدقيقة .

 2 –  ويؤيد الدين البهائي وحدانية الله ويعترف بوحدة الرسل .

- ويعلن وحدة مبدأ الجنس البشرى وحدة عامة كاملة وينادى بتوحيد النوع الإنساني كضرورة لا مفر منها ويؤكد أن هذا التوحيد يقترب تدريجيا نحو التحقيق .

4      - ويفرض على أتباعه أول ما يجب عليهم تحر الحقيقة .

5      - ويدعو إلى نبذ كل لون من ألون التعصب والخرافات .

6      - ويعلن أن هدف كل دين هو ترويج المحبة والوئام والاتحاد .

- ويعتبر اتفاق الدين والعلم أمرا جوهريا وعاملا من أهم العوامل في تهدئة المجتمع البشرى وتقدمه المنظم .

8      - ويعلن في قوة وصراحة مبدأ المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والفرص والامتيازات .

9      - ويفرض التعليم الإجباري .

10   - يزيل الأطراف السحيقة بين الفقر والغنى وينسق بينهما بما يكفل حل المشكلة الاقتصادية وتأمين سعادة البشرية على اختلاف طبقاته.

11          - يعلن أن نظام الكهنوت انقضي زمنه.

12          - يحرم الرق والتزهد والتسول والرهبنة .

13          - يعلن بعدم تعدد الزوجات ولا يشجع على الطلاق .

14   - يفرض على الفرض طاعة حكومته طاعة تامة ويمنع أتباعه من التدخل في الأمور      السياسية والحزبية .

15   - يفرض على كل واحد الاشتغال بعمل من الأعمال النافعة ويرفعه إلى مستوى العبادة كل عمل يعمل بروح الخدمة للعالم .

16   - يحض على اختراع لغة أو اختيارها من بين اللغات الموجودة لتكون لغة إضافية يتعلمها العموم .

17   - يدعو إلى السلام العام وإلى تأسيس محكمة عدل دولية ويوضح معالم الأنظمة التي يتوقف عليها تحقيق سلام دائم وتأمينه للجنس البشرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وقفة أخيرة تحتاج إلى تأمل

 

الأمـل العظيـم

 

 

   وأخيرا وبعد كل ما ذكرنا من مصاعب ونكبات تعصف بكل أرجاء العالم الإنساني، ولا يكاد يفلت من قضائها المحتوم أمة، أو شعب من الشعوب، مهما تعاظمت قواه وثرواته.

 فلربنا يحق لنا الآن أن نتساءل، هل يمكن وسط هذه الظلمة الخانقة أن نرى بصيص من الأمل والرجاء؟ وفرجة من الضوء تنير المستقبل الغائم الذي يغلف مصير أبنائنا وأحفادنا!.

   ولن أحاول الإجابة على السؤال السابق ولكني سأشير في سرعة إلى ما سبق وذكرنا عن ذلك النظام العالمي الشامل لوحدة العالم الإنساني قطب مبادىء حضرة بهاء الله وأهمية فهم الناس واستعدادهم لتقبل هذا المبدأ حيث أكد أن الناس سينجحون في تطبيق هذا النظام ما أن يدركوا مخلصين وحدة الجنس البشرى الجوهرية مؤكدا على أن مبدأ وحدة البشر هو الحجر الأساسي لمملكة بهاء الله العالمية ولكنهم لن يستطيعوا أن يبلغوا هذا المبلغ من الوعي والإدراك إلا عن طريق غرائزهم الدينية وإطاعتهم المطلقة لإله واحد في ظل اسم واحد0   

    والآن اترك الإجابة على هذا السؤال العسير لحضرة شوقي أفندي ولي أمر الدين البهائي يقول في كتابة الرائع ” مجيء يوم الميعاد’ : 

    يجب أن يتفهم البشر، أن العصر الذهبي للأمن والسلام، سيستمر متشعبا لفترة مديدة , طالما ظلت الإنسانية منكوبة , ومتفجعة لمدة طويلة. حتى المستقبل القريب يبدو كئيبا ومظلما , بل يزداد ظلمة وقتامة على نحو مؤسف0

    وعلى أية حال , وبالرغم من كل شيء فان المستقبل البعيد سيكون سيتألق مشرقا , وسيسطع بأعظم وارفع درجات الإشراق والتألق , وبقوة هائلة لا يمكن للعين أن تتصوره وتتخيله.

 

    فمرحلة طفولة الجنس البشرى المبكرة , وعهود الجهل والبداوة والتخلف قد ولت وإلى الأبد, ولن تعود مرة أخرى0 وطالما أن العصر المجيد , موعود كل الأزمنة والعصور, والذي يجب أن يعلن عن بلوغ الجنس البشري سن الرشد لم يتأت بعد. فان الهزات والتشنّجاتَ المصاحبة لمرحلة الانتقال والتحول في أكثر فترات التاريخ عنفا وهياجا في مسيرة الإنسانيةِ , هي شرطَ  أساسي لازم وضروري , للتبشير بقرب ظهور عصر العصور الذي لا مفر منه لمجيء “وقت المنتهى” التي فيها الحماقات , والفتن , والإضطرابات الناجمة عن الفرقة والتمايز بين البشر, والتي لطخت وجللت بالعار صفحات تاريخ الإنسان منذ فجرِ التاريخِ، سَتتحوّلُ في النهاية إلى تعقل وحكمةِ , وهدوءِ وسكون , وسلام دائم سوف يعم العالم بكاملة ، وسيَفْسحُ هذا التنافر والنزاع , والشقاق والتمييز بين بني الإنسان، المجال عريضا وممتدا لمصالحةِ عالميةِ ، ويمهد الطريق للوحدة الكاملة الشاملة بين كافة الأجناس المتعددة والتي تشكّلُ المجتمع الإنساني …. وستقترب الإنسانية من هذه المرحلة بخطوات حثيثة – في إذعان – سواء كانت راغبة ومستعدة أو غير راغبة , ودون أدنى عناد أو مقاومة.

ومن خلال هذه المرحلة العسيرة , وهذه المحنة النارية المتأججة والتي تخوض الإنسانية غمار وعنف تجربتها , سوف تمهد الطريق , وتتضح أمامها معالمه على نحو غامض.”

 

   وختاما أيها الحبيب أن كل ما نهدف إليه هو أن نضع أمام القارئ والباحث هذا البحث المختصر لجوهر الدين البهائي وإذا أردت المزيد فعليك البحث بصورة أوسع وأشمل وهناك الكثير من المواقع البهائية متاحة وغير محجوبة على شبكات الإنترنت، ولسوف تجد كل ما تريد.

نرجو أن تقرأ وتتأمل معانيها وأهدافها بمحبة وفهم وإدراك عميق ودون تعصب مسبق حتى يتضح لك أن الدين البهائي براء من كل ما وجهه إليه خصومه من اتهامات. هي نفس الاتهامات التي سبق أن وجهت إلي رسل الله السابقين عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

     ونتوجه إلى الساحة القدسية رب الوجود ومالك الغيب والشهود سبحانه وتعالى بكل خضوع وخشوع سائلين إن يمنح كل إنسان بمحبته ورأفته، النظر الثاقب والقلب الواعي المطمئن والتوفيق المقيم. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تم بعون الله تعالي في يوم الثلاثاء الموافق 28 / 6 / 2011

 

الموافق 5 شهر الرحمة 168 بديع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش الكتاب

 

الوعود الثلاثة المبشرة بعودة حضرة المسيح

 

 جاءت الوعود على النحو التالي:

 

أولا : الوعد الأول

 

انتشار الإنجيل والمبشرون بالإنجيل في كل أرجاء الأرض.

 

 

“وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين قل لنا متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر”. إنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرين آية 3

 

عندها أعطى المسيح وعده الأول لتلاميذه بالكلمات التالية:

 

“ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص. ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم. ثم يأتي المنتهى”. إنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرين آية 13 – 14  

 

 

ثانيا –  الوعد الثاني

 

انتهاء زمن الأمم ، وعودة اليهود إلى إسرائيل (فلسطين).

 

 

 

ففي إصحاح لوقا الواحد والعشرين أعطي المسيح هذا الوعد إجابة لسؤال مباشر من تلاميذه:

 

7فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ:«يَا مُعَلِّمُ، مَتَى يَكُونُ هذَا؟ ومَا هِيَ الْعَلاَمَةُ عِنْدَمَا يَصِيرُ هذَا؟»

                                               انجيل لوقا ص 21 – 7

 

  فحذرهم المسيح من الأنبياء الكذبة الذين سيحملون اسمه في ذلك اليوم، ثم أعطاهم وعده الثاني الذي من خلاله سيتأكدون من عودته بنفسه، قال :

وَيَقَعُونَ بِفَمِ السَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ، وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ. لوقا 21 – 24

 

27وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. لوقا 21 – 27

 

 

ثالثا – الوعد الثالث:

 

 

سيرى جميع الناس انتهاء “رجسة الخراب” التي أخبر عنها دانيال النبي.

 

جاء الوعد الثالث كجواب مباشر لأسئلة تلاميذه. كما ورد في الإصحاح الرابع والعشرين لانجيل متى:

 

 

 

 

3وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ:«قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟» متى ص 24 – 3

 

وكما تنبأ المسيح ‘أن الظلم سيزداد’ في ذلك اليوم، وان ‘المحبة ستختفي وتبرد’، ثم ذكر وعده الثالث بهذه الكلمات:

 

 

 

 

«فَمَتَى نَظَرْتُمْ «رِجْسَةَ الْخَرَابِ» الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ ­لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ­ انجيل متى إصحاح 24 – 15

 

 

 

 

 

 

 

 

مسرد الكتب والمراجع

 

 

1 –  حضرة بهاء الله

      الكتاب الأقدس – بيت العدل الأعظم – الطبعة العربية – طبع في كندا – 1973

      بمعرفة Quebecor Jasper Printing  

 

2 –  حضرة بهاء الله

      الإيقان طبع بمعرفة المحفل الروحاني المركزي للبهائيين في مصر والسودان سنة 1934 م

 

3 – حضرة بهاء الله – ألواح ما بعد الأقدس

      من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا – في مارس آذار 1980

 

4 – حضرة الباب

      قيوم الأسماء – تفسير سورة يوسف

 

5 –   القران الكريم

 

 

 

6 –   الإنجيل ( العهد القديم والجديد )

 

7 – حضرة عبد البهاء – مكاتيب ج 1

     طبع بمطبعة ( كردستان العلمية ) بدرب السعادة بالجمالية بمصر المحمية سنة

     1328هـ – سنة 1910 م

 

 

8 – خطب  – ج1 الترجمة العربية طبعت بمعرفة المحفل الروحاني المركزي للبهائيين

      بشمال شرق أفريقيا أديس أبابا الحبشة.

     خطبُ عَبد البَهَاء في أوروبّا وأمريكَا   الطّبعة الثّانية – شهر النّور 155 بديع

     تمّوز 1998م.  من منشورات دار النّشر البهائيّة في البرازيل

 

 

9 – حضرة شوقي أفندي –  القرن البديع

      ترجمة عن الإنجليزية دكتور/ السيد محمد العزاوي – من منشورات دار النشر البهائية

      في البرازيل – رضوان 143 بديع – نيسان 1986

 

10 – حضرة شوقي أفندي –  توقيع النظم البديع لدورة حضرة بهاء الله

       عرب وطبع بمعرفة لجنة الترجمة والطبع

        للمحفل الروحاني المركزي لبهائيين بمصر والسودان – طبع مطبعة

        الإسكندرية – 22 محرم بك.

 

11- النبيل الأعظم – نبيل زرندى

 

      “مطالع الأنوار”

      ترجمه عن الإنگليزية عبد الجليل سعد. طبع بمعرفة المحفل الروحاني المركزي   للبهائيين  في مصر والسودان – بمطبعة المستقبل بمصر والإسكندرية سنة 1940م.

 

 12- أبو الفضائل الجرفادقاني – الحجج البهية  – مطبعة السعادة مصر سنة 1925 م

 

13 – ج . ى . أسلمنت – بهاء الله والعصر الجديد –  ترجمه عن الإنجليزية

المحفل الروحاني المركزي للبهائيين في شمال شرق أفريقيا – طبع مؤسسة دار الريحاني – بيروت 1972

 

14 – وليم سيرز – لص في الليل – نَشر من قِبل جورج رونالد – 46 شارع كنجتون، أكسفورد،

       إنجلترا. – جميع الحقوق محفوظة –  الطبعة الثامنة عَشَرة سنة  1992

 

15 – مجلة أخبار العالم البهائي –  نشرة إعلامية باللغة العربية – “خاصة بالبهائيين”

 

      NEWSLETTER PUBLISHED BY THE BAHAI INTERNATIONL

  –  COMMUNITY, 27 Rutland Gate       أعداد متنوعة تصدر كل أربعة أشهر.

 

16 – محمد أفندي مصطفى – النبأ العظيم – نسخة غير منشورة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                لفتة تحتاج إلى وقفة وتأمل

 

جاء في سفر الملوك إصحاح 2 عدد (48:40) أن إيليا النبي صعد إلى السماء بمركبة من نار ولم يشاهده أحد سوى تلميذه إليشع . يقول السيد المسيح في إنجيل يوحنا إصحاح 3 عدد (13) (… وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء أبن الإنسان الذي هو في السماء ….) طبعا لقد عرفنا معنى السماء فيما سبق دراسته في هذا البعث إذا ما هي السماء الذي يقصدها السيد المسيح وهو يقول أبن الإنسان الذي هو في السماء . فعليك الإجابة .

ذهب السيد المسيح مع بعض التلاميذ إلى جبل عال هذا جاء في سفر متى 17 عدد (7:1) (…. وتغير وجه السيد المسيح كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهر لهم يتكلمان معه فجعل بطرس يقول للمسيح يارب جيد أن يكون هنا فأن شئت نضع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة وإليليا واحدة ….) وهنا سؤال كيف عرف التلاميذ كل من موسى وإليليا أنهم لم يسبق رؤيتهما في عالم المادة أي الدنيا رغم طول السنين الماضية لزمنهم وكذلك الرؤيا لإيليا الذي نوه عنه الكتاب المقدس أنه صعد إلى السماء بجسده وأن موسى معروف أنه دفن في الأرض وصعدت روحه فقط . فهل الرؤيا روحية أم جسدية نعم أنها روحية بدليل أن السيد المسيح صرح كما سبق لا يصعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ونحن نعلم أن إليليا مولد من أبوين. وبعد نزولهم من الجبل قال التلاميذ يسألون السيد المسيح قائلين لماذا الكتبة أن إليليا ينبغي أن يأتي أولا فأجاب السيد المسيح وقال لهم … ولكني أقول لكم أن إليليا قد جاء ولم يعرفوه بل فعلوا به ما أرادوا كذلك أبن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان ” الذي هو يحيى بن ذكريا حسب ما جاء في القرآن الكريم ” لذلك قرر وحكم السيد المسيح بأن إليليا المزمع أن يأتي هو يوحنا المعمدان وهذا الموضوع في الأناجيل الأربعة وهذا يخالف حرفية مجيء إليليا كما جاء في سفر ملاخى إصحاح 4 عدد (5) (… هاأنذا أرسل إليكم إليليا النبي قبل مجيء يوم الرب …) ويؤكد ذلك ما جاء في سفر لوقا إصحاح 1 عدد(17) بأن يوحنا المعمدان يتقدم أمام السيد المسيح بروح إليليا وقوته. نعم هذه مشيئة الله واختياره للعباد هذا هو الفحص والامتحان للعباد لذلك أنت معرض الآن للامتحان وهو.

والشريعة المذكورة هو كتاب الأقدس الذي نزل على بهاء الله ويمكن الإطلاع عليه بخلاف آلاف الألواح والسور لأغراض شتى للبشرية لإصلاحها . وإليك هذا المكان الذي نزلت فيه الشريعة الجديدة المذكورة سابقا جاء هذا في سفر أشعيا إصحاح 24عدد (23) (… إن رب الجنود قد ملك في جبل صهيون وفي أورشليم …) هذا هو المكان وكذلك في أشعيا 25 عدد(6) (…. ويضع رب الجنود لجميع الشعوب في هذا الجبل وليمة سمائن وليمة خمر على دردى سمائن ممخه دردى مصفى “وهذه الوليمة هي كتاب الأقدس” ويفنى في هذا الجبل وجه النقاب الذي على كل الشعوب والغطاء المغطى به على كل الأمم …. ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه … لأن الرب قد تكلم…) وللمزيد أقرأ أشعيا 2 عدد(5:1) ، عدد(18) والإصحاح الرابع من نفس أشعيا إصحاح 4 عدد(2:1) ، الإصحاح 28 عدد (6:5) في نفس السفر وكذلك إصحاح 65 عدد (20:17) والمكان الذي نزلت فيه الشريعة الجديدة والمائدة الممخة وهذا المكان جاءوا به منفيا مسجونا بأمر الشاه بإيران وسلطان تركيا في ذلك الزمن وقصدوا من ذلك التخلص منه ومن معه وسجنوه في سجن عكا السجن الذي يسجن به جميع المطرودون والمجرمون والمراد التخلص منهم لسوء ورداءة هذا المكان والأمراض المنتشرة فيه كما فتك المرض بأغلب الجنود الفرنسيين في تلك الحقبة من التاريخ . قد جاء في سفر ميخا في العهد القديم إصحاح 1 عدد (10) (.. لا تبكوا في عكا ..) وجاء أيضا في سفر هوشع إصحاح 2 عدد (14) (… وأعطيها كرومها من هناك ووادي عخور بابا للرجاء …) ووادي عخور هو وادي في عكا كما ورد الكثير من الأحاديث النبوية عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن فضل عكا ومقامها المقدس وفي حديث ما معناه طوبي لزائر عكا وزائر زائر عكا بل هناك عشرات الأحاديث في هذا الموضوع لفضائل عكا ومكانتها وأصبحت الآن جنة بها جميع الأزهار والكروم وهناك حديقة البهائيين وقد وصفت بأنها أحسن حدائق العالم لما فيها من هذه الأشجار والزهور والورود المتنوعة وعليك النظر إليها أن شئت على صفحات الإنترنت والمواقع البهائية .

بمجموعة من المصالح لم تتغير كثيرا عن السابق وأن كانت قد تشعبت أكثر ونظمت بطريقة أفضل

وتنقسم هذه المصالح إلى ما يلي تقريبا 

1 – مصالح سياسية عُلْيا تختص بالعلاقات الدبلوماسية وسيادة الدول

2 – مصالح اقتصادية “تجارية – صناعية – زراعية- علمية”

3 – مصالح أمنيه وظهرت بوضوح خلال السنوات الأخيرة في اتفاقيات لمقاومة الإرهاب – تسليم وتسلم المجرمين الفارين- تجارة الرقيق الأبيض والمخدرات. وغيرها من القوانين والمعاهدات التي

  وفي بيان  بيت العدل الأعظم الذي وجهه الى منظمة الأمم المتحدة بمناسبة مرور 60 عام على إنشائها يشير في كلمات صريحة وواضحة الى هذه الكوارث المحدقة بالعالم، والى العلاقة التي تربط بين طيبعة مشاكلنا التي تتحدى قدراتنا، وبين الآمال العريضة التي تتطلع دول العالم لتحقيقها فيقول : “وفي سعينا الجماعي لإيجاد الحلول الشافية … يجب أن ننتبه إلى الارتباط بين طبيعة تحدياتنا وازدهارنا … فمن الواضح انه لا يمكن إيجاد حل لأي من المشاكل التي تواجه البشرية على نحو كافي بينما دول العالم منعزلة ومتباعدة عن بعضهم البعض. أن الرؤية غير الواضحة للحدود الفاصلة الوطنية في وجه الأزمات العالمية أظهرت بدون شك بان هيكل البشرية يمثل كيان عضوي واحد كامل.”

    وبمثل هذه الكلمات البسيطة الرائعة يصرح بيت العدل الأعظم أن الطريق لإيجاد الحلول المناسبة والناجعة لمشاكل العالم يجب أن تتم من خلال مسعى جماعي لكل دول العالم بدون استثناء. ويجب أن تكون نظرتنا إلى المشاكل التي يموج بها المسرح العالمي نظرة واقعية شاملة، بمعنى ألا ننحاز لمصالح طرف دون الآخر، حتى يتحقق النمو والازدهار للجميع. لأنه من غير الممكن إيجاد أي حل متكامل ومثالي لأي مشكله تواجه البشرية، إذا عملت على حلها دول العالم بشكل منفرد، وفي معزل عن الآخرين.

  كما يضع من أمامنا في أسلوب بلاغي رائع الخبرة المستفاده من بعض التجارب الإنسانية, والتي لم تتضح معالمها إلا من فترة وجيزة نسبيا، وهى أن الرؤية القاصرة لمفهوم الحدود الإقليمية للأوطان، والتي كانت تعتبر من المقدسات والتي يحرم على أي أجنبي أن يطأ ترابها بإقدامه. هذه الرؤية قد وضح قصورها وعجزها عندما اصطدمت الآن بالمشاكل والأزمات العالمية، والتي تجاوزت آثارها المدمرة كل الحدود الجغرافية، ولم تعد هذه الحدود المقدسة قادرة عن صدها وتوفير الحماية لمواطنيها. وأصبح من الضروري تكاتف وتعاضد البشر كهيكل إنساني واحد ويمثل كيان عضوي واحد لمجابة تلك المشاكل التي بدأت تعصف بمستقبل الجنس البشرى بكاملة.

   والتي أدت إلى تغيرات جوهرية في موازين العالم الجديد، وانهيار إمبراطوريات كالحرب بين إنجلترا وأسبانيا وذلك للسيطرة على تجاره جزر الهند الشرقية والدفاع عن مستعمراتها الجديدة في أمريكا. وكذلك الحرب التي اندلعت بين الدولة العثمانية وبين مواني إيطاليا بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح للحفاظ على طرق التجارة المارة بالأراضي العربية حاملة تجارة التوابل والبهارات والتي أدت نتائجها في آخر المطاف إلى انهيار  الإمبراطورية العثمانية برمتها.

ولعل التاريخ القديم قد حفظ لنا بعثه الملكة حتشبسوت التي  أرسلتها إلى بلاد بنط “الصومال حاليا” لجلب الأخشاب الثمينة والعطور لدرجة أن الملكة العظيمة أعطت لهذا الحدث أهمية عظيمة وأمرت بتسجيله على أعمدة وجدران الدير البحري.

عباس محمود حسين –  مدينة السراج الوهاج

About these ads

رد واحد على المصالحة والأصلاح بين الأديان

  1. غير معروف قال:

    يجب ترك كل اشكال التعصبات الوهمية و التقاليد العمياء للوصول الى نشر روح المحبة بين اتباع جميع الأديان

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 537 other followers

%d bloggers like this: